قوله تعالى: ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾
إن قلت: فيه عطف الأعم على الأخص، وهو غير جائز لما فيه من تقسيم إلى نفسه وإلى غيره، وجعل قسما الشيء قسيما، فالجواب أن في الكلام تقدير صفة أي أمرا بعيدا، وأجاب الزمخشري بأن المراد بقريب الزمن الحالي، [وبالأمد*] الاستقبالي، فليس من عطفه الأعم على الأخص؛ بل من عطف الشيء على غيره، فيلزمه المجاز في حمل القريب على الحال، ويلزمنا نحن الإضمار وهو خير من المجاز، فإِن قلت: ليس مراد الزمخشري بالقريب الحال بل الزمن الذي يتوقع في كل وقت حضوره، أي لا تدري أهذا الذي تدعون أواقع بكم ليس له حد محدود؛ [أم هو واقع في زمن متوقع حلوله بكم*] إذ له أمر لَا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه كأجل الدَّين الحالِّ مع الدَّين المؤجل، قلت: إن أردت بالقريب أنه مؤخر عن زمن الحال، فيتناوله لفظ [الأمد*]، وإن أردت به الحال؛ فيلزمك المجاز، ونفي العلم بقربه وبعده؛ فيستلزم نفي العلم بعين وقته؛ بخلاف العكس، ولفظ الرب مناسب لما تضمنته الآية من الرحمة والشفقة عليه.
قوله (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) .. هذه الإضافة مجاز؛ لأن المضاف إليه يكتسي من المضاف إليه وصفا مناسبا بحق، [كقولك*] زيد صاحب عمرو [واكتسى*] منه وصف الصحبة، وكذا زيد ضارب عمرو، [اكتسى منه*] وصف الضرب، حسبما ذكر الفخر نحوه في [المحصول*] في إضافة أصول الفقه، فيلزم فيه أن يكون الغيب صفة لله وهو باطل، فإِن قلت: هو صفة له بمعنى أنه فاعله في قوم دون قوم؟ قلت: ذلك تغييب لَا غيب؛ لأنه من غيب، وهذا من [ ... ]. فيرجع إلى المجاز الذي قلناه.
قوله (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ ... (٢٧) .. استثناء متصل أو منفصل؛ باعتبار أن الغيب هو حالهم ينصب عليه دليل، وعلم الرسول للغيب بدليل، فليس من الغيب في شيء واحد. الزمخشري: في الآية إبطال كرامات الأولياء؛ يرد بأن لَا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي هذا [بالاطلاع*] الخاص، أو نقول: هذا عام مخصوص بكرامات الأولياء، أو نقول: الحاصل لهم ظن لَا علم.
стр. 1612
سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ
قال الزمخشري: مكية، ثم قال: وعن عائشة أنها سئلت ما كان تزميله، فقالت: كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا نصفه عليَّ [وأنا نائمة*] ونصفه عليه وهو يصلي، انتهى، وهذا مناقض لقوله [إنها مكية*]. لأن بناءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعائشة كان بالمدينة.
قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ ... (٢)﴾
الآية تقتضي أن [الجزء*] المأمور به من الليل شائع فيه [وقد يرجح*] آخره لما في الحديث، أبو حيان: المراد قم الليل كله؛ وهو ظرف عند البصريين ومفعول به عند الكوفيين؛ لاستغراق الفعل له، انتهى.
ونقل ابن مالك عن سيبويه: لقيت زيدا الليلة، أن اللقاء في جميع الليل.
قوله (نِصْفَهُ ... (٣) .. قيل: بدل من قليل، والضمير في (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ) إما للنصف المقدم أو المتروك، والمعنى فيهما واحد، وقال الزمخشري: [(نِصْفَهُ) بدل*] من الليل، (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، قال: ولنا أن نجعل نصفه بدلا من النصف، أي قم أقل من نصف الليل، والضمير في (منه) [و (عليه) *] للنصف فهو مخير بين أن يقوم نصف الليل على [البتِّ*] وبين أن يختار النقصان من النصف [والزيادة عليه*]، وألزمه أبو حيان التكرار؛ لأن قوله: انقص من نصف الليل قليلا هو معنى قوله: قم نصف الليل إلا قليلا، قال المختصر: هذا لازم على أن (نصفه) بدل بعض من كل، و (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، قال: ولنا أن نجعل نصفه بدلا من الليل استثناء منه القليل بدل إضراب، انتهى، أراد أن النصف بدل من الليل باعتبار استثناء القليل منه؛ لأنه بدل منه قبل الاستثناء، فكأنه بعد الاستثناء، تقول مثلا: قم خمسة أسداس الليل نصف ذلك أو انقص منه أو زد عليه، أي قم سدسين ونصف سدس، أو أقل أو أكثر، ويلزمه التكرار لقوله: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)؛ لأنه عين من الأول؛ لأن الزيادة عليه من قيام الليل إلا قليلا، وهو الذي فرض خمسة أسداس الليل. وانظر ابن الصائغ.
قوله (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ ... (٥) .. إن قلت: ما معنى التأكيد بـ (إِنَّ) هنا، قلت: لأن المزمل مظنة الغفلة عن الشيء، فكأنه قيل: هذا قول [ثقيل*] يحتاج إلى تيقظ، واشتغال [والسين*] للتحقيق، وهذا من القول بنفسه وبغيره، كما قال ابن التلمساني: لأن هذه الآية من جملة ذلك القول، وعبر بالقول تنبيها بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا كان القول [ثقيلا*] [**فالفعل أحرى].
стр. 1613
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... (٩)﴾
الأولى [تفسير*] الرب بالخالق؛ لأنه أعم فائدة، فإن قلت: لم قدم المشرق على المغرب والصواب العكس؛ لأن العرب إنما يؤخرون؛ فزمن الغروب متقدم على زمن الطلوع، قلت: الآية خرجت مخرج التعظيم لقدرة الله تعالى في إبدائه هذا الخلق العظيم الذي هو جرى في الشمس، فناسب البداية بالمشرق، و (رب) مبتدأ و (لا إله إلا هو) خبره، أو (رب) خبر مبتدأ مضمر أي هو رب، ويترجح الأول بعدم الحذف، وبأن الخبر محل الفائدة، والكفار موافقون على أنه رب المشرق، وإنما خالفوا في الوحدانية، فإِذا جعل (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) خبرا كان فيه زيادة فائدة، ويترجح الثاني بأنهم قالوا بأن المبتدأ يحذف إذا كان الخبر لَا يصلح إلا له، والمشرق والمغرب إما اسم زمان، أو اسم مكان، أو اسم مصدر، وهو الظاهر؛ لأن (رب) لزمن شروق الشمس وغيره من الأزمان، و (رب) لمكان طلوعها وغيره من الأمكنة، وأيضا فزمن الشروق مختلف باختلاف البلاد، وكذلك مكان شروقها فلا خصوصية فيه، فلا يقال: رب سائر الأزمنة والأمكنة، وإذا قلنا: المعنى رب الإشراق كان قائما في كل قطر وكل زمن.
الزمخشري: وقرئ (ربُّ) مرفوعا على [المدح*]، ومجرورا على البدل (من (ربِّكَ)، وعن ابن عباس على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، انتهى، إن أراد أن ابن عباس لم ينقل عنه غير القراءة فقط، فليس فيه دليل على أنه قسم، أو لعله بدل من (ربِّكَ) أو من الضمير في (إليه)، وإن أراد أنه قرأها وجمعها على القسم، فهذا لم ينقل مثله عن ابن عباس ولا عن عمر ولا غيرهما من الصحابة؛ لأنهم لم يكونوا يقرءون اصطلاح النحويين إذ النحو حادث [بعدهم*]، وإنما كانوا يتكلمون بطبعهم، ويحتمل أن يقال: إن ابن عباس فسر المعني ففهم عنه [حذفا*] على القسم.
قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
اختلفوا في دليل الوحدانية هل هو مستفاد من السمع، وهو اختيار جماعة من المتأخرين، أو من النقل، وهو مذهب الأقدمين، أو منهما معا، وهو مذهب المحققين من المتأخرين، وسبب الخلاف: هل الإيمان بالرسول متوقف على وجود الصانع فقط، أو على وجود وحدانيته.
قوله (فَاتخِذْهُ وَكِيلًا) أخص من توكل عليه، إن قلت: لم وصل هذا بما قبله بفاء العطف، [ووصل*] (لَا إله إلا هو) بما قبله فلم يعطفه عليه [والأنسب*] كان يكون العكس؛ فإن الأوليين جملتان اسميتان، والثانية فعلية، والجملتان الاسميتان متفق على
стр. 1614
جواز عطف أحدهما على الأخرى؛ بخلاف عطف الفعلية الطلبية على الاسمية الخبرية، فإن الأصح امتناعه؟ فالجواب أن الجملتين الأولتين لما كانتا صفة لموصوف واحد أو خبرا عن موضوع واحد، صارتا كالشيء الواحد، فأتى بهما غير مفصولتين بحرف العطف؛ لأنهما في مقام التوسط؛ لأن كونه رب المشرق والمغرب ينتج أنه لَا إله إلا هو، وإلا لزم عليه وجود مقدور واحد بين قادرين، ولما كان الموصوف [باتخاد*] الوكيل هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليس هو عين الموصوف بالربوبية والوحدانية، صارت هذه الجملة فائدة للأوليين، ففصلت عنها بحرف العطف، وهي مسببة عنهما؛ والمسبب غير السبب.
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ... (١٠)﴾
أمره بالصبر على القول دون الفعل؛ لأن القول أكثر من الفعل، ولتعلق إذايته بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبالله تعالى؛ إذ هو معنوي، والفعل إذايته حسية لا تتعلق بالله تعالى، والآية قيل: إنها منسوخة بآية السيف، وقيل: [محكمة*]، وقال ابن العربي: نسخ منها ما عدا المغلوب، فإنه إذا لم يقدر على تغيير المنكر لَا يجب عليه أن يغيره، وهو يعلم أنه إن غيَّر واقتحم [يقتل كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الْكُفَّارِ حِينَ غَلَبُوهُ*] [فيصبر*] على ذلك (١)، فهذا تخصيص لا نسخ، ووصف الهجر بالجميل ولم يصف الصبر بذلك؛ لأن الصبر كله جميل.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ... (١٤)﴾
فيها دليل لصحة أحد القولين في الكائن في السفينة المتحركة هل له حركتان أو حركة واحدة؟ ذلك الخلاف في ذلك العجز، والآية تدل على القول الثاني: إذ لو كان رجف الأرض رجفا للجبال؛ لكان عطف الجبال عليها تأكيدا؛ لأن الرجف مستلزم للحركة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا ... (١٥)﴾
لما تضمن الكلام السابق الوعيد لهم بتعذيبهم على كفرهم، عقَّبه ببيان أن ذلك إنما كان بعد الإعذار إليهم برسول أرسل إليهم، وأكد الجملة بأن [لأن الخطاب يعم*] المنكرين لرسالته، والمقرين [بها*].
قوله تعالى: (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ).
شهادته لنا وعلينا، أو كلها لنا؛ لأنهم قالوا إن [أمته*] ﷺ يشهدون على الأمم ويزكيهم فهو شاهد لهم بالتزكية، لكن إنما قال: (عَلَيْكُمْ) [يخرج*] الآية مخرج الوعيد والتخويف،
стр. 1615
وانظر هل هذه شهادة اصطلاحية أو لغوية، فإِنهم قالوا: إن شهادة الإنسان لنفسه غير جائزة، وهذه شهادته لأمته؛ لأنهم صدقوه في رسالته وليبلوهم بتكذيبهم إياه؛ فهي في الاصطلاح دعوى الشهادة، لكن قال في المدونة في كتاب المحاربين: إن السلامة [إن شهد*] بعضهم لبعض جازت شهادتهم فسماها شهادة، وكذلك إذا شهد أنه أوصى بهذا المال له ولزيد، بطلت الشهادة فسماها أيضا شهادة.
قوله تعالى: (أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ).
قال الفخر: فيه دليل لصحة العمل بالقياس انتهى، إن قلت: تشبيه لَا يقاس؛ لأن من شرط القياس أن لَا يكون الحكم في الفرع منصوصا عليه، وقد نص عليه هنا فهو قياس تمثيلي، ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف في غيره من الأقيسة، والمشبه هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمشبه به موسى، وجه الشبه الرسالة، وثمرة التشبيه عصيان هؤلاء كعصيان هؤلاء، قلت: بل هو قياس باعتبار قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) لأن عقوبة هؤلاء لم ينص عليها.
قوله تعالى: ﴿فَعَصَى ... (١٦)﴾
الفاء للتعقيب لَا للسبب بخلافها في (فَأَخَذْنَاهُ) هي للسبب، فإِن قلت: العصيان سبب عن الإرسال؛ لأن الطاعة موافقة [الأمر*]، والعصيان مخالفته فهي مسببةٌ عن الإرسال، قلت: لو كان كذلك للزم عليه أن يكون الإرسال سببا في الطاعة والمعصية، فيكون سببا في الشيء ونقيضه وهو باطل، وإنما المعصية [مفرعة*] عنه؛ لأنها مسببة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ... (١٩)﴾
الإشارة للموعظة، وأكد الموعظة بثلاثة أمور:
الأول: تصديقي، وهو التأكيد بـ (إِنَّ) المقتضية للتصديق والربط.
والثاني: تصوري، وهو اسم الإشارة؛ لأن قوله: أكرم هذا العالم أبلغ من قوله: أكرم العالم.
الثالث: أنه جعلنا نذكر بمبالغة في كونها سببا في التذكرة.
قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
المشيئة هنا مجاز؛ لأنه يقال في الواجب أو المندوب: من شاء أن يفعل كذا فليفعل، فهذا خبرٌ، المراد به الأمر.
стр. 1616
ابن عطية: [وعد ووعيد*]، [ولو*] كان كذلك كان أمرا حقيقيا، مثل (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)، أو يقال: المفعول محذوف وتقديره بأحد وجهين: من شاء النجاة اتخذ إلى ربه سبيلا، أيَّ سبيلٍ، وليس في هذا تكرار؛ لأن (سبيلًا) الثاني موصوف بصفة تقتضي تعظيمه، فتنكيره للتعظيم، أو نقول: متعلق التخيير تعيين [ ... ] (١) [إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ... (٢٠) *] التأكيد [بأنه*] مع أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عالم بأن الله يعلم ذلك باعتبار قدر قيامه؛ لأنه ﵇ غير عالم بذلك، فإن قلت: لم أكد علم الله بذلك ولم يقل [ ... ]؟ قلت: لأنه يعلم إن ما علم الله وقوعه لابد منه، وما لم يعلم يستحيل وقوعه، وعلم الله تعالى بوجود الشيء مستلزم لوجود ذلك الشيء ضرورة، فلا فرق بين تأكيد علمه بوجود الشيء، وبين علمه بالشيء المؤكد وجوده، فإِن قلت: [**هو أنا يشك في قيامه هذا المقدار ولا ينكر، وهذا حرصا يأتي يبق فلا يحتاج؟ قلت: لما كان يحتقر يختص ما يصدر منه من الطاعة كان منكرا].
قوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ).
الظاهر أن المراد بالطائفة هنا الجماعة الكبيرة؛ لأنها في معرض الثناء.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ).
أي هو المخصوص بعلم مقاديرهما من غير مشارك له، وهذا كما قال أبو طالب في القوت: إن الشمس في وسط النهار لها ستة زوالات: زوال لَا يعلمه إلا الله تعالى، وزوال [أجلى*] منه يعلمه الملك الموكل بها فقط، وزوال [أجلى*] منه يعلمه سائر الملائكة، وزوال [أجلى*] من ذلك كله يعلمه الأولياء، وزوال [أجلى*] من الجميع يعلمه خواص النَّاس، وزوال [أجلى*] من الكل يعلمه سائر النَّاس، [**وبه عليهم] ما ورد في الحديث: "أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل جبريل هل زالت الشمس؟ فقال: لَا نعم"، وذكر القرافي في كتابه المسمى باليواقيت: أن فقيها كان ينكر على صالح في زمانه مبادرته بالصلاة أول الوقت، ويزعم أنه يصليها أحيانا قبل وقتها؛ فكان الصالح يستند في ذلك إلى العلم، ويقول: إنه لَا يصلي إلا في الوقت، فرصده بعض المؤقتين يوما فوجده قد صلى الظهر قبل الزوال؛ فسأله، فقال: إنما صليتها في الوقت بعد الزوال؛ فصوب الفقهاء رأي ذلك الفقيه المنكر، انتهى.
والصواب: أنه يدينان كما قال مالك في التنبيه العتبية في رجلين أبصرا غرابا يطير، فحلف أحدهما بالطلاق الثلاث أنه ذكر، وحلف الآخر كذلك أنه أنثى، قال مالك: يدينان ولا يحنثان، فكذلك هذا قد يكون سمع الآذان من السماء فمعرفته أقوى من
стр. 1617
معرفة صاحب الوقت بدليل عادي، ومعرفته بالعيان والمشاهدة؛ كما نفرق بين مشي رجل بصير في طريق لَا يعلمها، وبين مشي رجل أعمى في طريق يعلمها من قبل.
قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ).
أي لن تقدروا زمن الإحصاء (فَتَابَ عَلَيْكُم) فلم يؤاخذكم، أعم من أن يكون لهم ذنب مغفور، أم لَا ذنب لهم.
قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى).
إشارة إلى أن الأمر بالصلاة، أو القراءة، عام في الأصحاء والمرضى، لكن [يصلي*] كل واحد جهة [استطاعته*].
قوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ).
الترتيب بين هذين ترقٍّ؛ بخلاف الأول، فإنه مباين لهما؛ لأنه جبري، وهما كسبيان.
* * *
стр. 1618
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ
[يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) *]
قال بعضهم -أظنه السهيلي-: فائدة هذه الصفة ما أشار إليه في الحديث "أنا النذير العريان" فقال هنا المدثر على سبيل الحض له على التدثر كما أشار إليه الزمخشري في (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾
في الآية إشكالان، معنوي ولفظي، أما الأول: فإِذا ظرف بمعنى الوقت؛ فالمعنى: فإذا حضر وقت النقر في الناقور، فذلك الوقت وقت أن ينقر في الناقور، وقت تمييز؛ لأن التنوين في (يَوْمَئِذٍ) عوض من الجملة المحذوفة المفهومة من (إِذَا نُقِرَ).
إلا أن يقال أن (يَوْمَئِذٍ) بدل من ذلك.
الإشكال الثاني: أن [إذ*] ظرف لما يستقبل من الزمان و [إذا*]. ظرف لما مضى، فكيف صح اجتماعهما في كلام واحد؛ لأنه إن كان ماضيا فلا معنى لـ[إذ*]، وإن كان مستقبلا فلا معنى لـ[إذا*]، والجواب: أنه مستقبل وأدخلت [إذا*] لوجهين: إما لتحقيق وقوعه مثل (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وإما باعتبار ما يأتي بعده من الأمور المستقبلة عنه، فهو ماض بالنسبة إليها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ ... (١٨)﴾
من الأصوليين من جعل الفكر عين النظر، وهو الفخر، قال: النظر والفكر ترتيب أمرين ليتوصل بهما إلى ثالث، ومنهم من جعلهما متغايرين، وهو إمام الحرمين، فالفكر هو استحضار أمور ومعلومات، والنظر هو ترتيبها ليتوصل بها إلى نتيجة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلَ ... (٢٠)﴾
العطف بـ ثم إشارة إلى أنه لُعِنَ لعنًا بعد لعنٍ [ ... ] التكثير والتكرار مثل: [فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ*]، وقال مالك في كتاب الأيمان بالطلاق: وإذا قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إنه يلزمه الثلاث، وتوقف في العطف بالواو.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾
стр. 1619
إما أن يراد الإبصار أي نظر إلى النبي ﷺ وإلى قومه، أو يراد بالنظر غير الفكر؛ فيكون أولا استحضر المعلومات فقط، فحكم بما حكم به من غير جزم، ثم نظر ثانيا ورتب الدلائل فحكم بما حكم جازما به ومعتقد أنه أحق.
قوله (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) .. إما أن يكون على معنى حرف العطف، فتكون الجملتان متباينتين، وإما أن نقول إنهما على حقيقتهما متصلتان؛ لأجل اشتراكهما في مخالفتهما القرآن وفي القدح فيه، فالأولى تضمنت أنه سحر، والثانية أنه مخلوق حادث لحصولهما [في] شيء واحد هو أنه مستفعل مختلف، ولا يصح أن تكون الثانية بدلا من الأولى؛ لأن القول أعم من السحر، والأعم لابد له من الأخص.
قوله تعالى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾
أي لَا تبقي شيئا حاصلا [فيها*] إلا محقته، ولا تذر شيئا خارجا منها يستحق الدخول فيها إلا أدخلته فيها.
قوله تعالى: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾
قال بعضهم: السر في تخصيص هذا العدد أن مجموع ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، منها خمس ساعات للصلوات الخمس المفروضات، يبقى العدد المذكور في الآية.
ابن عطية؛ قال بعض النَّاس: إنهم على عدد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، [يريد*] على عددها مكتوبة، فيعد بسم ثلاثة أحرف، والله أربعة أحرف، والرحمن ستة، ولا يعد الألف المحذوفة ولا الحرف المشدد.
ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى، قوله تعالى: (عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فسر بثلاثة أمور:
أحدهما: أن اليوم [بليله*] أربع وعشرون ساعة، خمس منها مشغولة بالصلوات الخمس، وبقيت تسعة عشر خالية عن ذكر الله تعالى، فكان عدد الزبانية كعددها.
الثاني: أبواب جهنم سبعة، [فَسِتَّةٌ*] مِنْهَا لِلْكُفَّارِ، وواحد للفساق، وأركان الإيمان ثلاثة: إقرار واعتقاد وعمل، فالكفار تركوا الثلاثة [فلهذا يحسب لتركهم ثلاثة*] من الزبانية على كل باب من الستة، فالمجموع ثمانية عشر، والفساق أتوا بالإقرار والاعتقاد دون العمل فلهم من الزبانية واحد، فالمجموع تسعة عشر.
стр. 1620
الوجه الثالث: أن عدد الزبانية في الآخرة على عدد القوى الجسمانية المانعة من [معرفة الله*]، وخدمتها النفس الناطقة، وتلك القوى تسعة عشر خمسة في الحواس الظاهرة، وخمسة في الحواس الباطنة، واثنان هما الشهوة والغضب، وسبعة في القوى الطبيعية، وهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، [وَالدَّافِعَةُ*]، [وَالْغَاذِيَةُ*] [وَالنَّامِيَةُ*]، [وَالْمُوَلِّدَةُ*]، فمجموع هذه القوى تسعة عشر، وهي الزبانية الواقعة على باب جهنم، وعلى وفق هذه العدة زبانية جهنم [في*] الآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً ... (٣١)﴾
الزمخشري: من إيقاع المسبب موقع السبب؛ أي وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، وكونهم [تسعة عشر*] هو سبب الفتنة؛ لأن الفتنة أعم من [كونها*] تسعة عشر أو أقل أو أكثر؛ [فالعدة*] بالإطلاق ليست فتنة، وإنما الفتنة هذه العدة الخاصة، فإن قلت: إضافتها إليهم تفيد [هذا*] المعنى فلا يحتاج إلى تقدير، قلت: الإضافة لَا عهد فيها، وإنما العهد في الألف واللام، وفرق ابن البناء في رفع الحجاب بين العدد والعدة، فانظره، وحمله ابن عطية على حذف الفتنة؛ أي وما جعلنا عدتهم هذا القدر المخصوص إلا فتنة، أو وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا فتنة.
قوله تعالى: (لِيَسْتَيْقِنَ).
أبو حيان: يمتنع تعلقه بـ (جعلنا) لما يلزم عليه من تعليل الفعل الواحد بعلتين مستقلتين، انتهى.
الحكم الشرعي: يجوز عندنا تعليله بعلتين مستقلتين، فالجمع يجوز ذلك فيه من باب [أحرى*]، لكن نص النحويون على منع إتيان حالين أو ظرفين أو مجرورين أو مفعولين لأجل [فعل واحد*] إلا بحرف العطف؛ إلا أن يكونا في معنى واحد، فلا يجوزون إكراما لك هيبة لعمرو؛ فلهذا قال: [ولكنه*] على تقدير فعلنا ذلك [ليستيقن*].
قوله تعالى: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا).
اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصه على ثلاثة أقوال: والثالث أنه يقبل الزيادة دون [النقص*] وهو ظاهر، وهو مشكل على قواعد الأصوليين؛ لأن الزائد على الإيمان، إما أن يكون مثله أو غيره، فإن كان غيره فليس [إيمانا*]، وإن كان مثله فيلزم عليه اجتماع المثلين في المحل الواحد وهو باطل؛ لأن الصفة إذا قامت بمحل أوجبت له الاتصاف بها؛ فذلك القدر الذي ازداد [هنا*] إيمانا إن كان بحيث لو زال عنه ثبت له ضده، وهو الكفر وهو إيمان، ويمتنع اجتماعه مع مثله؛ إذ لَا يقبله المحل؛ لأنا إن قلنا:
стр. 1621
الإيمان محله العقل، فنقول: الإيمان الأول قد تلا العقل [**وعيه]، وعبر جميعه فلا يجد الإيمان الثاني في العقل محلا يكون فيه إلا لو كان الإيمان الأول قام نصفه العقل، فيقوم الثاني بنصفه الآخر الذي هو فارغ منه، ومثاله الشيء الأحمر لا يقبل أن يقوم به حمرة أخرى إلا إذا أتى فيه جزء لم [تقم*] به الحمرة، فإن قلت: إنه يريد باعتبار المتعلقات، فمن ظهرت له ازداد تسبيحا وترنما تنزيها وتعظيما لله كهذه الآية؛ لأن من آمن من أهل الكتاب وجدوا هذه الآية موافقة لما في كتبهم فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم، قلت: الذي يطلب من المؤمن حين الإيمان وممن يعلمه زيادة، وإنما الجواب أن يقال: إن تلك الزيادة تكميل مجازي راجع إلى قوة الإيمان وضعفه باعتبار الظهور والجلاء.
قوله تعالى: (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ).
فيها من أنواع البديع [**أبلغ من التفريق]؛ لأنه ذكر أولا كل صنف [ ... ] الخاصة به، قلت: فنسب لأهل الكتاب الاستيقان وللمؤمنين ازدياد الإيمان، وجمع الفريقين هنا في عدم الارتياب، وأورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: ما الفائدة في نفي الريبة عنهما مع أن اليقين وازدياد الإيمان يستلزم ذلك؟ وأجاب ما حاصله أنه مبالغة للتأكيد، ويجاب أيضا بأن اليقين وزيادة الإيمان مثبت للفريقين، والفعل من سياق الثبوت مطلق، فلا يقتضي الدوام بوجه، والارتياب منفي، والفعل في سياق النفي عام، فأفاد الأول حصول زيادة الإيمان للمؤمنين، وأفاد الثاني دوام ذلك لهم إذ [العلة*] تحصل في زمن ثم يفرض فيه الشك في الزمن الثاني، وقول القرطبي المراد بذلك. ومن تأتي في المستقبل، وكل كتاب يرد بأن مالكا قال: إذا قال: كل مملوك لي حسن [حر*]، إنه إنما يتناول ما في ملكه حينئذ لَا ما حدث له بعد ذلك، والمؤمنون يحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص، فيكون المراد بأهل الكتاب المؤمنين، وبالمؤمنين من آمن من أهل الكتاب ومن غيرهم، وأورد الزمخشري هنا سؤالا وأجاب عنه، ونقل الطيبي عن صاحب الانتصاف: أن السؤال المذكور دائما يرد على قواعد المعتزلة، وبدأ بالمنافقين؛ لأن منه [ ... ] هذه المقالة منهم أغرب.
قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ).
تقديم المفعول واجب إن كان الفاعل مقرونا بإلا اتفاقا، وتقديم الفاعل واجب إن كان المفعول مقرونا بإلا على اختلاف، وسبب ذلك أنك في الأول استثنيت من كلام ناقص، وهنا استثنيت من كلام تام، ومثله: ما ضرب إلا عمرو زيدا، فاستثنيت من كلام
стр. 1622
غير تام؛ لأن رتبة الفاعل التقديم وقد قدمته؛ فهذا لَا يجوز؛ بخلاف ما ضرب إلا عمرا زيد، فإن الفاعل مقدم في المعنى فقد استثنيت من كلام تام في المعنى.
قوله تعالى: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى).
تحتمل عود الضمير على ["سقر"*] وتخصيص البشر بالذكر؛ [لأن النار فيهم أكثرُ تأثيرا*] في عذاب النار، لأن الجن [منها خلقوا*] والملائكة زبانيتها.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾
[عبر*] في الأول بإذ، وفي الثاني بـ إذا مع أن فعل القسم والشرط الأصل فيهما الاستقبال؛ لأن زمان الماضي متقدم على المستقبل، والإدبار اعتبار ماض أو مستلزم لأن الإسفار هو أول النهار، والإدبار في آخر الليل، وأورد الزمخشري في قوله تعالى: (وَالشَمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) سؤالا [يرد*] مثله هنا، والجواب كالجواب، قال: إن جعلت الواو للقسم خالفت مذهب سيبويه والخليل، وإن جعلتها عاطفة وقعت في العطف على عاملين وهو فعل القسم والعامل في إذا، وأجاب بأن الواو نابت مناب فعل القسم وهو في إذا.
قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾
هذا خبر في معنى الأمر الوارد للتهديد؛ لأنها إنذار لمن شاء الإيمان إن لم [يؤمن*].
قوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ ... (٣٨)﴾
إن كان قيدا في المبتدأ، فلا تخصيص، وإن كان قيدا في الخبر، فيكون العموم مخصوصا بالأنبياء والشهداء.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾
يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة باعتبار تعذيبهم [**بالنار في الدار الآخرة]، كما [ذكر*] أكثر الأصوليون، واشتمل كلامهم على نفي وإثبات، فقوله (فَمَا تَنْفَعُهُمْ) راجع للنفي، وقوله (فَمَا لَهُمْ) راجع للإثبات.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾
يدل على إبطال الكفر عناداً لَا أن المعاند من يحصل له اليقين، ودلت الآية أن ذلك إنما يحصل لهم في الدار الآخرة.
قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ ... (٤٨)﴾
стр. 1623
مفهومه أن المؤمنين تنفعهم أو يكون مثل "على لاحبٍ"، فإِن قلت: هلا قيل: فلا شافع لهم فهو أبلغ وأعم؟ قلت: هو تنبيه على حرمانهم من قبول الشفاعة فيهم مع قبولها في المؤمنين. فإِن قلت: هذا فعل في سياق النفي فهو عام، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن شفاعته نفعت أبا طالب؟ قلت: إنما الشفاعة في زوال ما وقع، وقد حصل تخفيف عذاب أبي طالب قبل الشفاعة، وهذه [حجة*] على المعتزلة النافين للشفاعة، وحمله الزمخشري على رفع الدرجات جريا على مذهبه، وهو باطل. [لأن*] الكفار لم يثبت لهم دخول الجنة؛ [فضلًا*] عن أن ننفي عنهم رفع الدرجات فيها.
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾
المراد بالتذكر الاعتبار لَا النسيان، فتدل على وجوب النظر لذمهم على تركه.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ... (٥٢)﴾
لما شبههم بالحمر، [وأنهم*] إذا نفذوا الأمر خافوه كالحمر فنفي هذا التوهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٥٦)﴾
الزمخشري: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي إلا أن [يقسرهم*] على الذكر ويلجئهم إليه؛ لأنهم مطبوع على قلوبهم معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا، انتهى.
كأنه يقول: إلا أن يشاء الله ذكركم، واعتباركم [مشيئته قسرا*] لها، وهذا من ضعفهم في أصول الدين؛ لأن مذهب المعتزلة أن العبد يخلق أفعاله ويستقل بها، وهم يوافقونا في أن الداعي مخلوق لله؛ إذ لو كان [مخلوقا*] للعبد لاحتاج إلى داع، ويلزم التسلسل، ولذلك يقولون: لولا العلم والداعي لصح الاعتزال، [وثَم*] له سبب [ ... ] [يفرق*] بين الفعل وبين الداعي للفعل، وبين الحركة والداعي لها، ومعنى قولهم: القسر والإلجاء أن شرب الإنسان الشراب اللذيذ الطيب من فعله واختياره، وشراب المؤمنين الشراب الكريه الطعم بالقسر والإلجاء، ففسره على مذهبه الباطل في خلق الأفعال، ولا يحتاج إلى ذلك ولو أبقاه على ظاهره، فقال معناه: إلا أن يشاء الله مشيئتكم لصح عندنا [وعندهم*]؛ لأنه يرجع إلى خلق الداعي، وإن فسرناه نحن بالأفعال، فنقول معناه: إلا أن يشاء ذكركم؛ إلا أن يخلق الله في قلوبكم الذكر والاعتبار فتؤمنوا، والخطاب لهم باعتبار من لم يؤمن؛ لأن بعضهم آمن بعد نزول هذه الآية.
* * *
стр. 1624
سُورَةُ الْقِيَامَةِ
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ ... (٥)﴾
الزمخشري: (بَلْ يُرِيدُ) عطف على (أَيَحْسَبُ) فهو إما مثله استفهام، وإما أن [يكون إيجابا*] على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب، انتهى.
[قيل*]: المعنى بل أيريد أو بل يريد، ويتعقب بأنه جعلها عاطفة مع مماثلة ما بعدها لما قبلها في الاستفهام، وقد نصوا على أن بل من الحروف [المشتركة*] في [اللفظ*]. لا في المعنى، فإن قلت: هو استفهام في معنى النفي فيرجع إلى مسألة سيبويه والمبرد وهي: ما قام زيد بل عمرو، معناه عند سيبويه: بل قام عمرو، وعند المبرد: بل قام عمرو، قلت: ما معنى التشريك إلا أن الحكم المسند للأول أبطل عنه، وحكم به للثاني من نفي أو إثبات، وهذه الآية ليس المراد فيها إبطال الأول؛ مثل الجمع بين الاستفهام عن الأول والثاني في الاستفهام.
قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾
أي شاهد عليها، وهو من باب التجريد، أو يراد بالإنسان العقل، يعني أن العقل يشهد على النفس، ويصح كون (بَصِيرَةٌ) مبتدأ، و (عَلَى نَفْسِهِ) خبر إلا أن (بَصِيرَةٌ) خبر الإنسان كما جعله الزمخشري، لكن يرد على ما قلناه أن يكون مدلول هذه الجملة كمدلول التي قبلها؛ لأن يعني كون على نفس الإنسان بصيرة رقيب، فلابد أن [يُنَبَّأَ*] بما عمل، وعلى قول الزمخشري يكون تأسيسا، وهو أولى.
قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ... (١٦)﴾
فيه دليل على أن القول بأن النهي عن الشيء أمر [بضدِّه*]، وأن السكون أمر عدمي مما لَا يجتمعان، فإِنهم اختلفوا [هل*] السكون عدمي أو وجودي، وهل متعلق النهي الترك أو فعل الصلاة، فإن قلت: هلا قيل: لَا تحرك به شفتيك كما في أول البخاري، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فالجواب أن [اللسان*] أكثر [ترادفًا*] من الشفتين، قال تعالى (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ).
قوله تعالى: (لِتَعْجَلَ بِهِ).
стр. 1625
هذا نهي تعليل، مثل: لَا تشرب الخمر لتسلم من العقوبة، فالنهي معجل باستعجال الحفظ، قال الفخر: احتج بها من [جَوَّزَ*] وقوع [الصغائر*] من الأنبياء، وأجاب عنه بجواب ضعيف، وإنما الجواب أنه نهي عن الاتصاف بالمرجوح دون الأرجح، باعتبار الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه؛ لأن في المقام الأول [ ... ] بوجه.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ... (١٨)﴾
أي قرأه جبريل.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾
فإن قلت: ما ضد المحبة إلا الكراهة، وما ضد الترك إلا الفعل، فالجواب أنه من حذف التقابل أي تحبون العاجلة وتقبلون عليها، وتكرهون الآخرة وتذرونها.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ ... (٢٢)﴾
فسر الزمخشري الوجه هنا بالذات، وهو من مجاز تسمية الكل باسم الجزء، ويدل على ذلك قوله (تَظُنُّ) لأن الظن من أعمال القلوب.
قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ).
أي يوم إذ تحضر الآخرة، أو يوم ينبأ الإنسان.
قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾
إن قلت: يرد على قولهم: الوجود مصحح للرؤية أن الوجود، إن قلنا: إنه نفس الموجود لزم إيجاب الشيء لنفسه وتصحيحه [لنفسه*]، وهو باطل، وإن قلنا: إنه غيره فيرجع إلى القول بالحال، والحال لَا توجب بغيرها حكما بوجه، فالجواب من وجهين:
الأول: جدلي من باب المعارضة، وهو أنه يلزم مثله في الإمكان، فإنه إذا قام بشيء وجب له التسمية، فيمكن فيلزم إيجاب الشيء لنفسه؛ لأن الإمكان للجوهر صفة نفيسة.
الثاني: حقيقي، وهو أن الوجود دليل على صحة الرؤية لَا أنه موجب لصحتها، فإن قلت: لَا معنى لمعارضة هذا بالإمكان؛ لأنا كذلك نعارضه بالتخيير للجوهر فإنه صفة نفسية له، قلت: الإمكان علة في وجود الممكن؛ بخلاف التخيير فإِنه ليس علة فما كل الصفات يعلل بها.
قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨)﴾
стр. 1626
يدل على أن النفوس بعد مفارقتها الأجسام لَا تنعدم؛ بل تنتقل من حالة إلى حالة؛ إذ لو كانت تنعدم لما أطلق عليها المفارقة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ ... (٣٣)﴾
يحتمل أن يريد عموم المقاربة والزوجة فقط، كما هو المراد في قول في المسافر: يمر ببلد فيها أهله أنه يقيم الصلاة ولا [يقصرها يخصص*] ذلك بالأهل؛ إشارة إلى تكرره [منه*].
قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾
كان الفقيه أبو زكريا يحيى بن نوح [**البقريني] يقول: إن ذلك باعتبار الأزمنة، أي أولى الهلاك في الدنيا؛ فأولى لك الهلاك في القبر في زمن البرزخ، ثم أولى الهلاك يوم القيامة في الحشر؛ فأولى لك الهلاك حين [دخول*] النار، والأولان قرينتان متعاقبتان فعطفا بالفاء، ولما كان بين نزول القبر ويوم القيامة زمنا طويلا [أتى*] بقوله: (ثم)، وقيل: هو لف ونشر؛ لأنه تقدمت أربعة أمور، اثنان فيها في قوله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) وهما متباينان فلذلك كرر فيها (لَا)، والثالث قوله (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وهما كالشيء الواحد، فلذلك عطفه بالواو فقط، والرابع (ثُمَّ ذهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) فقابلنا بأربع بكل واحدة منها هلاك علتها يخصها، وعلى قول ابن حبيب في أن تارك الصلاة كافر يكون تولى فلا صدق ولا صلى شيئا واحدا، أي فلا صدق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ ... (٣٦)﴾
[ ... ] على الظن ليفيد التوبيخ على العلم من باب [أحرى*]، ولم يذكر الشك؛ لأن الأغلب في النَّاس هو ذلك لَا الشك، والإنسان إما للعهد، وهو أبو جهل أو للجليس المطلق، فلا يحتاج إلى التخصيص، أو للعموم، فيكون مخصوصا.
قوله تعالى: (أَنْ يُتْرَكَ سُدًى).
أن [يهمل*] في الدنيا من التكاليف، وفي الآخرة من المجازاة، قلنا: وفي الآية دليل على أصل ذلك، وهو جواز الإعادة مع المعجزات الواردة من الرسل واعتبارهم بوقوعها، فينتج [وجوبا*]، ولا يصح أن يكون ذلك على وجوب الإعادة على مذهب الحكماء، والمعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح، وأن ترك الإنسان سدى قبيح، ووجه الدليل منها أن خلقه وتطويره على هذه الحالة ينتج اعتقاد جواز إعادته، وهذه الآية ليست من أول ما نزل بل [إنما نزلت بعد ظهور*] المعجزات [وإخبار*] بالرسل بوقوع الإعادة في الدار الآخرة، فينتج القطع بوجوبها شرعا، في مذهب أهل السنة لَا عقلا.
стр. 1627
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ... (٣٨)﴾
قول ابن عطية في هذه القطعة من الدم خطأ؛ إذ لَا خلاف أن الأمة إذا وضعت منه دما [أَنَّهُ وَلَدٌ]، فقال ابن القاسم: تكون أم ولد، ولم يرد أشهب، والمسألة في كتاب الاستبراء من المدونة، وعطف هنا بـ ثم للمهلة المعنوية بين النطفة والعلقة، وفي (قَدْ أَفْلَحَ) عطفه بالفاء [نظرا*] إلى الحالة؛ إذ لَا صلة في ذلك، وآدم وغيره [**أخل في ذلك هو إما عيني فيحتمل الدخول وإما لَا]؛ لأن قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) حمله جماعه إما حال من عيسى، فيكون مخلوقا من التراب، أو من آدم، ويكون عيسى مخلوقا من نطفة، وخلقه الله تعالى في رحم مريم، كما خلقها في ظهر الرجال، ونقلها إلى أرحام النساء.
قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ ... (٣٩)﴾
رد على [الطبائعيين*] إذ لو كان بالطبيعة لكان الخلق صنعا واحدا.
قوله تعالى: ﴿الْمَوْتَى (٤٠)﴾
الألف واللام إما للجنس، فتدخل البهائم والحشرات، وإما للعهد فلا تدخل.
* * *
стр. 1628
سُورَةُ الْإِنْسَانِ
قوله تعالى: ﴿هَلْ ... (١)﴾
ابن هشام: هل تأتي بمعنى قد، وذلك مع الفعل؛ وبه فسر قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) جماعة منهم ابن عباس ﵄، والكسائي، والفراء، والمبرد، قال في مقتضبه: هل للاستفهام نحو هل جاء زيد ويكون بمنزلة قد، نحو قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ).
وبالغ الزمخشري فزعم أنها أبدًا بمعنى قد، وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدرة معها، ونقله في المفصل عن سيبويه أن هل بمعنى قد إلا أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لَا تقع إلا في الاستفهام، وقد جاء [**وهو لهما عليه] في قوله: "أهل رأونا [بسفع*] القاع ذي الأكم"، ولو كان كما ذكر لم تدخل إلا على الفعل كقد إذ [لم تأت*] في كتب سيبويه، وما نقله عنه إنما قال في [أبواب عدة*] ما يكون عليه الكلام، ما نصه، وهل هي للاستفهام؟ لم يرد على ذلك، وقال الزمخشري في كشافه: (هَل أَتَى) [أقد أتى؟ على التقرير والتقريب جميعا، أى: أتى على الإنسان قبل زمان قريب حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ فيه شَيْئاً مَذْكُوراً أى كان شيئا منسيا غير مذكور نطفة في الأصلاب والمراد بالإنسان: جنس بنى آدم، بدليل قوله إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ*]، انتهى. وفسرها غيره بـ قد خاصة، ولم يحملوا قد على معنى التقريب، وقال بعضهم: معناه التوقع، وكأنه قيل لقوم يتوقعون الخبر عن ما أتى الإنسان، وهو آدم ﵇، قال: والخبر من كونه طينا، وفي تسهيل ابن مالك: الآيتين [ ... ] هل [(قد) *] إذا دخل عليها الهمزة بمعنى كما في البيت ومفهومه أنها لَا تتعين لذلك إذا لم تدخل عليها؛ بل قد تأتي لذلك كما في الآية، وقد لَا تأتي لم، وقد عكس كونهم، قاله الزمخشري فزعموا أن مثل هل (لَا) تأتي بمعنى (قد) مثلا، وهذا هو الصواب عندي أن لَا يتمسك لمن أثبت ذلك لأحد ثلاثة أمور أحدهما: تفسير ابن عباس ﵄ ولعلمه إنما أراد أن الاستفهام في الآية للتقرير وليس باستفهام حقيقي، وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، فقال بعضهم: هل هنا للاستفهام التقريري والمقرر به من أنكر البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى دهر طويل والإنسان فيه، فيقال لهم: فالذي أحدث النَّاس بعد أن يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم، وهو معنى قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى) أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن، [قادرٌ*] على إعادته بعد موته، انتهى، وقال آخر؛ مثل ذلك إلا أنه فسر الحين بزمن التطوير في الرحم، فقال: المعنى ألم يأت على النَّاس [حين*] من الدهر كانوا نطفا، ثم علقا ثم مضغة إلى أن صاروا
стр. 1629
شيئا مذكورا، وكذا قال الزجاج إلا أنه حمل الإنسان على آدم ﵇، فقال: المعنى ألم يأت على الإنسان حين من الدهر كان فيه ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح، انتهى، وقال بعضهم: لَا تكون هل للاستفهام التقريري وإنَّمَا ذلك من خصائص الهمزة، وليس كما قال، وذكر جماعة من النحويين أن هل بمنزلة إن في إفادة التأكيد والتحقيق، وحملوا على ذلك: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) قدروه جوابا للقسم، وهو بعيد، والدليل الثاني: قول سيبويه وقد مضى أنه لم يقل ذلك، والثالث: دخول الهمزة على مثلها في البيت والحرف لَا يدخل على مثله في المعنى، وقد رأيت عن السيرافي أن الرواية الصحيحة [أم هل*] هذه منقطعة بمعنى بل، فلا دليل، وبتقدير ثبوت [تلك*] الرواية فالبيت شاذ فيمكن تخريجه على أنه من الجمع بين حرفين لمعنى واحد على سبيل التوكيد كقوله: هؤلاء [**للاهتمام بهم] [ ... ] الذي في ذلك البيت أممثل لاختلاف اللفظين، وكون أحدهما على حرفين، كقوله:
فَأَصْبَحْنَ لَا يسألنه عَن بِمَا بِهِ ... أصعد فِي علو الْهوى أم تصوبا.
قوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾
فيه سؤال: وهو ما السر في العدول عن صريح المقابلة، فيقال: إما شاكرا وإما كفورا، ويقال: إما شكورا وإما كفورا؟ والجواب: أنه من حذف التقابل حذف شكورا لدلالة (كفورا) عليه، وحذف كافر لدلالة شاكر، والقسمة الممكنة باعتبار التقابل أربعة: شكور كفور، شاكر كافر، شاكر كفور، شكور كافر.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ ... (٥)﴾
إن قلت: لم عبر في ذكر تعذيب الكفار بالإعداد، ولم يقل في ذكر تنعيم المؤمنين: إنا أعتدنا للأبرار شرابا؟ فالجواب: أن اعتداد العذاب للمعذب أشد عليه؛ لأن انتظار العذاب أشد من حصوله، ولو ذكر في تنعيم المؤمنين لتألموا بعدم تعجيله، مع أن الإنعام على إنسان بما لم يسبق له شعور أكمل مما سبق له شعور.
قوله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً ... (٩)﴾
إن كانت ((إِنَّمَا) [في*] قوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُم) للحصر فهذا تأكيد، وإلا فهو تأسيس، ويدل على أن إرادة وجه الله وإرادة الشكر والجزاء الآن لَا [ ... ]، فإن قوله في المدونة في السلم الأول: إن أسلمت ثوبا فسطاطيا في ثوب فسطاطي إلى أجل، فهو قرض؛ فإِن
стр. 1630
ابتغيت نفع الذي أقرضته جاز، وإن ابتغيت به نفسك يظل السلم، وقالوا [**في إرادتهما هما] نفس المعاملة الآدمية [فأحرى*] معاملة الخالق.
قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا ... (١٣)﴾
إن قلت: لَا يلزم من عدم الرؤية عدم الوجود؛ والآية إنما سيقت لبيان عدم وجود ذلك، كما قال الزمخشري، قلت: المقصود بيان تعديد النعم عليهم وعدم تألمهم بما ذكر، فالمعنى: [لَا يرون فيها حرّ شمس*]، كما يرونه في الدنيا مؤلما.
قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)﴾
استدلال الزمخشري ببيت الأعشى على كون الزنجبيل مستطابا عند [العرب*]، يرد بأن الآية مكية، والأعشى متأخر عنها، فيكون سمع الآية فأخذ [منها*] كونه مستطابا، والأعشى مات كافرا، وإنما يصح الاستدلال لو كان البيت لغيره سابقا على الآية.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾
نقل الطيبي في سورة الأنعام عن ابن الحاجب أن (أَوْ) هذه بمعناها وهو أحد الأمرين، وإنما جاء التعميم من [النفي*] الذي فيه معنى [النهي*]؛ لأن المعنى قبل وجود [النفي*] [تطع*] منهم آثما أو كفورا، أي واحدا منهما، فإِذا جاء [النفي*] ورد على ما كان ثابتا في المعنى فيصير المعنى، ولا [تطع*] واحدا منهما فيجيء التعميم من وجه [النفي*] الداخل بخلاف الإثبات، قال الطيبي: وهو معنى دقيق حسن.
قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)﴾
هل معناه زمنا طويلا، أو المراد الليل الطويل من الليالي، وكان بعضهم يتحرى أطول ليل في العام، فيقومه [رَعْياً*] لهذين الاحتمالين.
قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ... (٣١)﴾
راجع لقوله تعالى: (حَكِيمًا).
قوله تعالى: (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ).
راجع لقوله تعالى: (عَلِيمًا) فهو لف ونشر.
* * *
стр. 1631
سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ
قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾
قيل: الرياح، وقيل: الملائكة، وهو على هذا صفة، ولا يصح حذف الموصوف، وإبقاء [صفته*] إلا بدليل، إما اشتهار الأسماء أو معلومية الموصوف، أو نحو ذلك، وليس ذلك هنا إلا [بدليل*] على إرادة الرياح والملائكة؟ والجواب: بأحد أمرين: إما بكون الملائكة من نوع ما يرسل، وصار ذلك معلوما؟ فلذلك حذف، لكن الرياح ليست من نوع ما يرسل، وإما بأن المقصود من الكلام [دلالته*]، أما الموصوف [فهل يجوز*] حذفه وإبقاء الصفة؟ [يجوز*]، والكلام هنا في الثاني. أعني أن المقصود الصفة، فلذلك اعتنى بذكرها دون الموصوف، فإِن قلت: كيف يصح تفسير المرسلات بما لم يرد فيه حديث ولا أثر؟ قلت: يصح حمل ألفاظ القرآن على مدلولها لغة ما لم يعارض معارض.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾
ما [ردَّ*] به الزمخشري هنا على الشاعر صحيح؛ لأن الشاعر قد ألف في معارضة القرآن و [ ... ]. البيت الذي ذكره، وزعم أنه أتى بأبلغ من تشبيه الآية، ولم يدر أن تشبيه الآية أبلغ من حيث اشتماله على [ ... ]، وأن في قوله: (كأنَّهُ) وفي البيت الكاف فقط، وقد تقرر أن قولنا: زيد كأنه الأسد، أبلغ من قولنا: زيد كالأسد (١).
* * *
سُورَةُ عَمَّ
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾
أخذ منه صحة صلاة العريان في الظلمة.
قوله تعالى: ﴿كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾
الوقت أخص من الزمان الواقع فيه مظروفه.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ... (١٨)﴾
عبر عن النفخ بالمضارع، ثم قال (وَفُتِحَتِ) (وَسُيِّرَتِ) بالماضي؛ لأن النفخ يتجدد شيئا بعد شيء، قال [تعالى*]: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى) وهي ثلاث نفخات، والنفخ والسير يقع [دفعة*].
стр. 1632
قوله تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾
فيه سؤال [تقريره*] أن عندنا قاعدتين ظرفية وبيانية؛ أما البيانية، فقالوا: إن الكلام المشتمل على أساليب يزداد تفننا وحسنا، وأما ظرفية فتقتضي أن دوام التماثلات كالمتخلفات في الاستماع، قلت: وجوابه أن الآية لم تدل على الحصر؛ بل هذا بعض ما ينعمون به، ولهم أنواع أخر من النعيم.
* * *
سُورَةُ النَّازِعَاتِ
تأمل سر العدول عن صريح المطابقة اللفظية في التأكيد بالمصادر في (وَالنَّاشِطَاتِ) (وَالسَّابِحَاتِ) (فَالسَّابِقَاتِ) دون (وَالنازِعَاتِ ... (١) .. فلم يقل: والنازعات نزعا.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾
فيه سؤالان: الأول: ما السر في التعبير عن المقول [ثانيا*] بـ (قالوا) بصيغة الماضي، بخلاف ما قبله؟
الثاني: ما وجه تكرير لفظ القول؟
وجواب الأول: أن المقول له حالتان: تارة يعبر عنه من حيث وقوعه متجردا شيئا فشيئا، وتارة باعتباره وصيرورتهم عظاما ليس دفعة؛ بل شيئا فشيئا، [فأشبه*] المضارع، وحالهم في الرجعة والكرة المنكرة لديهم دفعة واحدة، فجعل كالواقع فأشبه الماضي.
وجواب الثاني: أنه لما كان المقول الثاني في غاية الشناعة أطنب فيه.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾
الظاهر أن هذا أول ما أنزل من قصص موسى ﵇؛ لأن السورة مكية، وانظر ما سر التعبير بالحديث دون النية.
* * *
سُورَةُ عَبَسَ (الأعمى)
[عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) *]
فيها دليل [لما استدل به*] ابن الحاجب في مسألة اجتهاده ﵇ بـ (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ)، وما أخذه ابن عطية من لفظ [الأعمى*] لَا يصح؛ لأن هذا من الله لَا يقاس عليه، وبعض كلام الزمخشري هنا غير حسن.
قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ ... (١٧)﴾
стр. 1633
خرج ابن خروف في أوائل شرح سيبويه أن مثل هذا في القرآن لَا يجوز أن يكون دعاء.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾
بعض هذه الأمور الستة متكررة منعكسة.
قوله تعالى: ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾
إن جعل الفجرة منه [لما صدق*] عليه الكفرة، يكون التقسيم غير مستوف؛ لأن [ ... ] قسم ثالث، وإن جعل غير تابع للكفرة كان مستوفيا.
* * *
سُورَةُ (التَّكْوِيرِ)
أكثر ما ذكر في المكي الوعد والوعيد وبراهين الحشر والنشر، وما أشبه ذلك؛ لأنه نزل بعد نزول كثير من الأحكام في المدني، وتقرر أيضا في السنة، وما نقض به ابن الحاجب على الزمخشري (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) .. لَا يتعين؛ لأن للزمخشري أن يقول قوله (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) وما بعده، هذا أول القسم؛ لأن قوله (فَلا أُقْسِمُ) حتى يلزم منه إظهار فعل القسم، ويتم جواب الزمخشري؛ لأنه ليس في (وَاللَّيْلِ) إلى آخره إظهار فعل القسم مع الواو.
* * *
سُورَةُ الانْفِطَارِ
قوله تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾
انظر ما ذكره ابن التلمساني في أول مسألة من الباب الخامس من شرح المعالم اللدنية، نقل عن بعض الحكماء أن الإنسان هو ذو القوة الفكرية، وعن بعضهم أنه الحيوان الناطق، ونقض بدخول الجن والملائكة فزاد الكاتب فرده ابن التلمساني بهذه الآية، وانظر هل الحفظة متجددون أو متعددون.
قوله تعالى: ﴿مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾
العمل أعم من الفعل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾
في الآية حذف التقابل؛ لأنه ذكر في القسم الأول ما يحصل لهم دون محله، وفي القسم الثاني العكس.
стр. 1634
سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ
قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾
إن قلت: لم عدل عن المناسبة اللفظية؛ لأن نضرة النعيم مدركة بحاسة البصر، قلت: لأن متعلق المعرفة أعم من كونه محسوسا أو معقولا، فإن قلت: قوله تعالى: (فِي وُجُوهِهِم) تقتضي قصره على إدراك العين؟ قلت: يكون بالوجوه الذوات، فإِن قلت: يلزم على هذا إضافة الشيء إلى نفسه؟ قلت: لَا يلزم؛ لأن الضمير راجع إلى الأبرار، وهو وصف عبر به عن الموضوع، وعنوان الموضوع غير الموضوع، ولا يمتنع صدق وصفين على ذات واحدة.
* * *
سُورَةُ الانْشِقَاقِ
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾
ففي الآية حذف التقابل المعنى (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا) .. ويجزى جنة وحريرا، وأما من أوتي كتابه بشماله فسوف يحاسب حسابا [عسيرا*] ويدعو ويصلى سعيرا، والظاهر أن القسمة [ظاهرة*].
* * *
سُورَةُ الْبُرُوجِ
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾
انظر ابن خروف في باب [أَنْ].
قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١ ٦)﴾
حجة لأهل السنة؛ لأنه في قوة كل مراد مفعول لكن ليشكل بالمعدوم الذي علم الله أنه لَا يكون فاته مراد العدم وليس بمفعول؛ أي فموجود حالة عدمه؛ لأن متعلق القدرة الإيجاد والعدم ليس بإيجاد.
* * *
سُورَةُ الطَّارِقِ
[وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) *]
قال شيخنا ابن عرفة: رأيت بالديار المصرية كتابا في علم الهيئة ذكر فيه عن بعض الملوك أنه سأل جماعة من العلماء لم تظهر الكواكب بالليل دون النهار؟ فقالوا يحجبها شعاع الشمس، وفي الليل تحول الأرض بينها وبين الشمس، فقال: قد ثبت أن الشمس قدر الأرض أربعمائة مرة ونيف، [والجرم الصغير*] لَا يحجب الكبير؛ فيلزم على قاعدتهم
стр. 1635
أن الأرض إذا لم تمنع ضياء الشمس أن لَا ترى النجوم بالليل، قال شيخنا: والجواب أن هذا الظهور والانحجاب إنما هو باعتبار الرائي لَا المرئي، ونحن في مخروط ظل الأرض فلا يدرك ما يخرج عنه؛ لأن الخارج عنه من الشعاع مرافقنا عن أفقنا، ومعلوم أن من هو في الظلام يرى من هو في الضوء ألا ترى أنا نرى بالليل النار البعيدة عنا، ومن هو عندها لَا يرانا؛ فنظير الكلام الليل؛ لأنا حينئذ في مخروط ظل الأرض فلذلك رأينا النجوم، ولما كنا بالنهار في الضياء يمنعنا رؤية النجوم، وإنما عبر بالطارق؛ لأن النجوم تأتي في كل ليلة طروقا يطلع كل ليلة نجوم لم تطلع قبل، وكان الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد بن إدريس يقول: من نظر إلى جدي بنات نعش، وقال أيضا (النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)، (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (فَسَيَكفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فإِنه لا يلدغه عقرب ما بقي من عمره، وإن لدغته لم تضره وذكر أنه جربه، فصح.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾
الحفظ مقول بالتشكيك؛ فالمجنون محفوظ بأن يصاب بأكثر [مما به*]، أو المراد بالحفظ ما تضمن قوله تعالى: (وإنَّ عَلَيْكمْ لَحَافِظِينَ).
* * *
سُورَةُ الْأَعْلَى (سَبِّحِ)
قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾
فيه سؤالان: الأول: الخلق صفة فعل حادثة، والتقدير صفة فعل قديمة؛ لأنها إما بمعنى قضائه، أو بمعنى إرادته الشيء على صفة ما دعي سابقة على الخلق [فلم*] أخرت؟ والجواب: أن ذلك بالنسبة إلى الفاعل، وأما بالنسبة إلى المخاطب فينظر أولا إلى المخلوق وصفته، فيعتقد أن فعله كان عن إرادته.
وتقدير السؤال الثاني لم كرر الموصول في الخلق والتقدير، ولم يكرره في التسوية والهداية؟ والجواب: أنه أشار إلى قرب التسوية من الخلق والهداية من التقدير، وقوله (خَلَقَ فَسَوَّى) إشارة إلى وقوع خلقه على وفق مراده فالأحدب خلق في أحسن تقويم؛ لأن ذاته أتت على وفق ما قدره الخالق وأراده.
стр. 1636
سُورَةُ الْغَاشِيَةِ
قوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١ ١)﴾
من باب نفي الشيء بنفي لازمه؛ أي لَا لغو فيها، فيسمع، مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ".
* * *
سُورَةُ الْفَجْرِ
[وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) *]
فسر بعضهم الشفع والوتر بمقدمتي القياس ونتيجته، [واعتُرِضَ*] بأنا نجد النتيجة غير وتر، وهي نتيجة الشرط في الجزاء التام فإِنها من [**كتبه].
* * *
سُورَةُ اللَّيْلِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾
كون السعي شتى معلوم، [والمقصود*] التهييج على العمل بدليل ما بعده.
* * *
سُورَةُ الضُّحَى
[وَالضُّحَى (١) *]
قال ابن عرفة: فيه مناسبة قسم بالمقسم به؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي وقت الضحى ويصلي في جوف الليل.
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) فهما وقتان ثبت لهما الفضيلة.
قال الزمخشري: الأصل تقديم القسم بالضحى؛ لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى، وألقي السحرة فيها سجدا، بقوله (وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) قال ابن عرفة: ويخرج من هذا الجواب عن سؤال مقدر، وهو لأي شيء قدم الضحى على الليل مع أن الأصل تقديم الليل؟، وورد في صلاة الضحى أنها صلاة الأوابين، والصلاة في جوف الليل فضلها بأن ورد في الصلاة آخر الليل أنها معهودة، فقد قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) قال عياض في الشفاء: [تضمنت هذه السورة من كرامة الله تَعَالَى لَهُ، وَتَنْوِيهِهِ بِهِ، وَتَعْظِيمِهِ إِيَّاهُ سِتَّةَ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: الْقَسَمُ لَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ حَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» أَيْ وَرَبِّ الضُّحَى. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ دَرَجَاتِ الْمَبَرَّةِ*].
الثاني: مكانته عنده بقوله (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) أَيْ مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ، وقيل: وَقِيلَ: مَا أَهْمَلَكَ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَاكَ.
стр. 1637
[الثَّالِثُ*]: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) أي [مَآلُكَ*] عندنا [أَعْظَمُ*] مما أعطيت مِنْ كَرَامَةِ الدُّنْيَا.
الرَّابِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) قال [ابْنُ*] إسحاق: [يُرْضِيهِ بِالْفَلَجِ*] فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: يُعْطِيهِ الْحَوْضَ وَالشَّفَاعَةَ، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدخل أحد من أمته النار.
الخامس: ما عدده عليه من نعمه في آخر السورة.
[السَّادِسُ: أَمَرَهُ بِإِظْهَارِ نعمته عليه، وشكر ما شرفه به بِنَشْرِهِ، وَإِشَادَةِ ذِكْرِهِ*] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [فَإِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ التَّحَدُّثَ بِهَا*] وهو خاص به عام لأمته، قال ابن عرفة: فإن قلت: الترك أعم من الخصوص، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فلو بدأ بنفي الأخص لكان تأسيسا، فلم عدل عنه إلى التوكيد؟ فالجواب أن التأكيد هنا أبلغ؛ لأنه في مقام الاعتناء والتعظيم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتنزيهه من الخصال الذميمة كلها.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾
في تفسيره وجوه أحسنها ما قاله الزمخشري: من أباه مات وهو في بطن أمه في سادس شهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أبو طالب وذلك من نعم الله عليه، قال ابن عطية: وقيل لجعفر الصادق: لم يُتِّم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟، فقال: لئلا يكون عليه حق للمخلوق، قيل لابن عرفة: العصمة تمنع ذلك؟ فقال: أجمع المسلمون على أن السلامة من التكليف أحسن من الدخول في عهدة التكليف [وقضائه*]، وقصارى العصمة إنما توجب اتصاف المعصوم بالكمال ولا توجب اتصافه بالأكمل [احتمالا*].
وقيل: لئلا يكون عليه سبيل وحق للمخلوق، ورده ابن عرفة بأن عمه كفله فيلزم أن يكون عليه الحق، قال ابن عرفة: وأورد سؤالا فقالوا [اليتم*] ماض فهلا عبر عنه بالماضي لمن يشاء، قال: وأما المتكلمون، فقالوا: إن القرآن على ثلاثة أقسام؛ قسم في [صفات الله وما يجوز له وما لَا يجوز*]، وقسم في أمور الدنيا، وقسم في أمور الآخرة، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تضمنت القسم الأول فقط، ولذلك سميت سورة الإخلاص [لأنها جمعت أو خلصت لصفات الله*]، وأما (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فيضاف إلى هذه الأقسام الثلاثة قسم رابع وهو أن التعبد لَا يصح له الإخلاص حتى يتبرأ من كل معبود سوى الله، و (قُلْ يَا أَيُّهَا
стр. 1638
الْكَافِرُونَ) ليس أكبر من البراءة، وأما (إِذَا زُلْزِلَتِ) فالقرآن يشتمل على أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهذه لم تتضمن غير أمر الآخرة فكلفت بعدل نصفه، وانظر البيان والتحصيل لابن رشد في أول رسم [**التحريم] عند حرفه من كتاب الصلاة الثاني، وانظر العارضة لابن العربي [**والاعتناء من في كتاب].
* * *
سُورَةُ (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) (١)
الظاهر أنها الإبل كما قال ابن [عباس*] ذلك إن صح ذلك عنه؛ لأن العاديات جمع عادية، وعادية جمع فهو جمع الجمع، وهو بعيد، وغزوة بدر على ما قال: لم يكن فيها إلا فرسان، قال ابن عرفة: والقسم يحتمل الجهاد والإبل مجازا، والمراد كأنها أولها حقيقة كما قال الفقهاء يسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه، فاعتبروا الفرس نفسه أو نعته، وحذف الموصوف هنا مع أن الصفة خاصة وهي للمدح؛ لأن هذه الموصوفات كلها اشتركت فيه بمعنى الذي قد أقسم لأجله، ونحوه قد تقدم في النازعات، وفي سورة (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى).
قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢)﴾
ابن عرفة: هو عندي اعتراض؛ لأن الخيل لَا تضبح إلا في وسط عدوها وفي آخره عند إخفاق نفسها وشدة جريها، وذلك مظنة [لكونها عانت*] العياء والكلل بحيث لَا تعدوا بعدوها الإبل، بدليل الواحد منا إذا توسط في الجري وأجهد نفسه فإنها مظنة لضعف قوته، قال (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) احتراسا من ذلك، وسبيلها على أن شدة جريها لم يزل بحيث يقدح الزناد نحو فرسها بحوافرها، وبالغ في وصفها
стр. 1639
بشدة الغور والقدح والضبح هديا كلها مشتغل بأمور الحرب والترتيب بالفاء موافقة لحالتها الوجودية فهي أولا تعدو ثم تقدح أواسط العدو، ثم تصل إلى محل العدو فتغير عليه في الضبح، وقال (ضَبْحًا)؛ لأن غزوة بني المصطلق كانت ضبحا وعلى غفلة العدو، وانتهازا لفرصة فيه.
ابن عطية: [الْعادِياتِ في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها*]
قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)﴾
الفاء إما ظرفية والمعنى بذلك الوقت أو بالعدو أو بالمكان، وإما سببية، والمعنى فأثرن بالعدو والضبح، نقعا: أي غبارا.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾
ابن عطية: الضمير هنا بلا شك عائد على الإنسان، والخير المال، ابن عرفة: ويحتمل أن يعود على الله تعالى، والخير الطاعة، كما ورد أن الله تعالى [يحب*] الطاعة، قال: وإذا كان الضمير للإنسان، كما قال الفراء، فالمراد بها الكثرة، أي وأمته لحب الخير لشديد حب الخير وهو من تكرار الظاهر بلفظه فأغنى عن الرابط، كقوله تعالى: (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) أي عاصف ريحه، وأبطله ابن عرفة بأن ريحه الفاعل فيه مضاف حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بإعرابه فاستتر فلم يحذف منه فاعل في الحقيقة، بخلاف [**من]، فإِن الشدة من صفة الحب فإِضماره يؤدي الفاعل، وهو توكيد قوله تعالى: (يَعْلَمُ) أي جهل فلا يعلم، وأنكر عليهم عدم اعتقادهم ذلك علما، فيتناول إنكار من يظن ذلك، ومن يشك فيه، وفي سورة المطففين (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) وتحصر على عدم ظنهم ذلك في أحد تفسيري الزمخشري، وابن عطية، قال: الظن هنا يعني العلم، وحكاه الزمخشري قولا.
قوله تعالى: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩)﴾
стр. 1640
مع أن الغريق والحريق ومن أكله السباع والحوت ليس في القبر إما باعتبار الأعم الأغلب، وإما لأن الجميع مآلهم إلى الأرض فهي قبورهم.
(وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) .. أي ظهر ما كان حاصلا في الصدور والتحصيل متعلق بالأقوال والأفعال، لكن لما كانت الأعمال كلها من طاعة وعصيان [لا تصح*] إلا بنية، لحديث: "إنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ" أسند التحصيل إليها؛ لأنها رأس كل عمل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾
قال: المراد أنه عليم علم المجازاة، وكذلك قيده بـ (يَوْمَئِذٍ) وإلا فهو عليم بهم مطلقا، فإِن قلت: هلا قيل: إن ربك، فإِن الآية وعد لنا ووعيد لهم، ولفظ الربوبية يقتضي الحنان والشفقة؟ فالجواب: إذا غلب مقام البشارة، وإذا كان خبيرا بهم خبر [المجازاة*] مع استحضار مقام التربية والحنان، فأحرى مع عدم ذلك.
* * *
стр. 1641
سُورَةُ (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ)
[الْقَارِعَةُ (١) *]
أورد ابن عرفة أن المبتدأ لابد أن يكون معلوما، والخبر مجهولا، فإن [كانت*] القارعة خبرا في الجملة الثانية بطل كونه مبتدأ في الأولى، وأجيب بوجهين: إما أنه فيهما مبتدأ [وخبره*] في الثانية (ما) فهو معلوم، وإما بأن ما تعملونه من حيث كونها قارعة بمعنى أنها تقرع الأسماع ومجهولة من حيث ما يشاء من قروعها من الخير [والشر*] وتفريق أجزاء [الجسم*]، وغير ذلك، قلت: وضعف بعض الأول بأن سيبويه نص أن الاستفهام هو المبتدأ، مثل: من زيد الآتي؟، مثل: كيف زيد؟؛ لأجل أن كيف ظرف، قال: ولا يصح تضعيفه بأن يقال: إنه وخبره خبر عن الأول، وانظر لما تقدم في الواقعة.
قال أبو حيان: وقرأ عيسى بنصبهما على إضمار اذكروا القارعة، فـ (ما) زائدة للتوكيد، والقارعة توكيد لفظي للأول، ابن عرفة: الصواب أن (ما) نافية فيه، والفاعل فيه فعل، أي ما يعلم القارعة والأصل عدم الزيادة.
قوله تعالى: [(يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ ... (٤) *]
ابن عطية: [يَوْمَ*]: ظرف العامل فيه القارعة، واعترضه أبو حيان بأنه إن أراد لفظ القارعة الأول وهو في صفة الألف واللام، فيلزم الفصل بين الصلة والموصول بآخر بأجنبي وأيضا فقد قيل: القارعة علم، وعلى هذا فلا [يعمل*] في الظرف وإن أراد الثاني فلا يعطيه المعنى، وأجاب ابن عرفة: عن كون القارعة علما، فلا يعلم أن الجوامد قد تعمل في الظروف نحو: أنا ابن مارية أنا [ ... ]، وقال الزمخشري: [الظرف نصب بمضمر*] بمعني دلت عليه القارعة أي يقرع يوم، وقيل: العامل مقدر أي اذكر يوم، ويكون العامل [مقدرا*] أي اذكر، قال ابن عرفة: فعلى هذا يكون عاملا فيه عمل الفعل في المفعول به، وعلى الأولين يعمل فيه عمل الفعل في الظرف، قلت: لأن الذكر لَا يكون في ذلك اليوم، وإنما يذكر اليوم نفسه.
ونقل عن المفسر المشرقي أن (ما) في القارعة صفة للقارعة، (وَمَا أَدْرَاكَ) اعتراض، (يَوْمَ يَكُونُ) خبر القارعة الأولى، ورده ابن عرفة: بأن جملة الاستفهام غير خبرية، فلا يصح كونها صفة إلا على إضمار القول مثل: جاؤوا [بِمَذْقٍ*] هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ؟، قال ابن عرفة: ويحتمل أن تكون الجملتان معا اعتراضا، كما قالوا في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧ ٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧). إلا ابن مالك فيما أظن، ذكر أنه بجملتين دليل.
قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾
стр. 1642
قيل العهن الصوف الأحمر، وقيل [الصوف المصبغ*] ألوانا، واحتج هؤلاء بقول زهير:
كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْنِ في كلِّ مَنْزِلٍ ... نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ [الفَنَا*] لم يُحَطَّمِ
و [الفَنَا*] عنب الثعلب وحبه قبل التحطيم فيه الأصفر والأحمر والأخضر.
ابن عرفة: هو عنب الذئب عندنا، وقال: لَا علم الذات [نفت] من الشيء، والعهن [الصوف المصبوغ*] المشبه بحب [الفَنَا*]، و [الفَنَا*] شجر له حب أحمر شبه ما تفت من العهن الذي يزين به الهودج إذا نزلت بغصون [الفَنَا*]، وقوله: لم يحطم أراد أنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة، وإنما تشتد حمرته ما دام صحيحا.
ابن عرفة: وذكر صاحب فقه اللغة أن البعض لَا يصدق إلا على الصوف الملون والمنقوش المتخلخل الأجزاء، وهو الذي ليست أجزاؤه متراصة ولا ينفصل بعضها من بعض، فإن فصل موضع شيء هنا وشيء هناك فذاك تفريق لَا نفش.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾
ابن عرفة: الفاء إما للاستئناف، أو للسبب على وجهين: إما باعتبار الوجوه، مثل: قاتل زيد فظفر بعدوه، وإما باعتبار الذكر البعضي، مثل: نزل بزيد أمر مهول فقتل عدوه، وسبيت زوجته وسلب ماله؛ فالأول هنا غير الثاني؛ لاستحالة كون الشيء سببا في نفسه، وكذلك هو في هذه الآية، والموازين إما جمع موزون، أو جمع ميزان، فعلى الأول الله زاد الرجحان بخلاف الثاني، وهل الموزون الصحف أو الثواب [المعد*] على الأعمال، وأما على الأعمال أنفسها فيستحيل وزنها؛ لأنها [أعراض*] قد ذهبت، قال: وظاهر كلام ابن عطية أن المؤمنين لَا بد أن ترجح كفة حسناتهم، لكن من رجحت منهم حسناته على سيئاته لم يدخل النار بوجه، ومن ساوت حسناته سيئاته اقتص منه بقدر سيئاته، ثم يدخل الجنة، والكفار ترجح سيئاتهم على حسناتهم، قال: والمشهور عند أهل السنة أنه ميزان بكفين وعمود.
قال ابن عرفة: والآية عندي من حذف [التقابل*] أي (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) ومرتبة خالية، (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) فهو في عيشة كارهة وأمه هاوية، قال:
стр. 1643
ومن الأظهر أن (ما) موصولة تقتضي وجود الموضوع للحكم عليه، والشرطية لَا تدخل على وجوده، ولا على إمكان وجوده، ومعنى (أُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) .. : إما أنها أم لهم مأوى، وإما أنها [جهنم*] وهو الأظهر، لقوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) .. قال: وعلى الأول يعود الضمير على المفهوم من السياق، أي ما هي منزلته، ووصفها بـ (حَامِيَةٌ (١١) .. إشارة إلى التفاوت الذي بينها وبين نار الدنيا، فنار الدنيا بالنسبة إليها ساكنة.
* * *
стр. 1644
سُورَةُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)
قوله تعالى: ﴿(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾
ابن عرفة: الشغل: هو الإقبال على الأمر الدنيوي بالبدن والقلب بحيث يذهل عن الأثر المصلح جملة، قال: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) فلا يحسن اعتذارهم بذلك إلا إذا فهم أن قلوبهم لم تزل عامرة بالجهاد راغبة فيه، ابن عرفة: وهذا خبر في معنى النفي، وهو قليل في الخبر المثبت، والأكثر في الخبر المثبت كونه يعني الأمر، مثل (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ)، وفي الخبر النفي كونه بمعنى النهي (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ابن عرفة: وعادتهم يقولون: هل هذا من باب [لا أرينك*] هاهنا؛ لأن الفعل أسند لغير فاعله بخلاف: لَا تعد يا سيدي، كذلك هنا ليس المنهي التكاثر، وإنَّمَا المنهي المفعول.
قال: وعادتهم يجيبون بأن ذلك إنما هو في الفاعل الذي يمكن وقوع الفعل منه؛ لأن وقوع الرؤية هنالك من كل واحد منهما ممكن حقيقة، وأما هنا فالتكاثر معنى لا يمكن وقوع الفعل منه بوجه، وانظر ما تقدم في [المنافقون*] (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ) وفي الغاشية (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً).
قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾
إن أريد تفاخرهم بكثرة [الأحياء والأموات فما بعدها داخل فيما قبلها*]، وإن أريد تفاخرهم بكثرة المال إلى أن ماتوا فما بعدها غير داخل، وزيارة القبور محمودة، وكان بعضهم يقول إذا رأيت الطالب في ابتداء أمره يكثر من زيارة القبور، فاعلم أنه لَا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لَا يجدي شيئا.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾
قيل لابن عرفة: نص ابن مالك وغيره أن سوف أبلغ من التنفيس بالسين، فكيف يفهم من قول ابن عبد العزيز بعث بالقوم للقيامة ورب الكعبة، فإِن الزائر منصرف غير مقيم، فقال: لَا يتنافيان، والتنفيس يصدق بمطلق زمن موصوف بالطول.
أو نقول: سوف للتحقيق، والعطف بـ ثم إما تأكيدا.
стр. 1645
قال الزمخشري: ويكون التأكيد بالثاني أبلغ، وإمَّا لاختلاف المعنى، فالأول علمهم بالبرزخ، والثاني علمهم بالقيامة، وإمَّا لاختلاف العلمين، فالأول في الكفار والثاني في العصاة، نقله ابن عطية، وضعف ابن عرفة الأول؛ لأن النحويين فرقوا بين العطف والتوكيد اللفظي في الجمل، كقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، وليس فيه، وضعف الأخير لقول الزمخشري: إن الإتيان مبالغة في التأكيد، وأن الثاني أبلغ من الأول فلو قال الأول في العصاة، والثاني في الكفار لكان صوابا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾
(كَلَّا) زجر لما تقدم فيتوقف قبلها، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون زجرا لمعنى لما بعد عاد لاسيما عند من يقول: إن لو أن نفيها إيجاب وإيجابها نفي؛ لأن المعنى: لو تعلمون علم اليقين لانزجرتم، فيدل على أنهم [لا*] يعلمون ذلك وغفلوا عنه فزجرهم على عدم العلم.
قوله تعالى: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾
من إضافة الصفة إلى الموصوف، ابن عرفة: فيه عندي دليل على أن العلوم الحادثة متفاوتة، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين، وهما مسألتان في أصول الدين، فقيل: إن العلوم كلها متساوية، وقيل مختلفة، ومنهم من جعل الخلاف لفظا، وقال بعضهم: أما في دلالة العلم فلا تفاوت بينهما أصلا، وأما بالنسبة إلى الطرق المحصلة إلى العلم فلا يشك في [ ... ] ضروري ونظري، فالضروري لَا يعرض له وهم ولا تشكيك، والنظري يعرض فيه التشكيك والمخالفة في الاستدلال، فهذا إذا كان راجعا إلى الآخرة فهو ضروري، وهو أقوى العلوم فلذلك قال: علم اليقين، وقد تقدم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) وتقدم أنه إن أريد نفس وقوع ما تعلق به الظن [فهو*] بمعنى العلم، وإن أريد بالظن وقته فهو على بابه.
قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾
стр. 1646
هذه رؤية [بصرية*]، فإن كانت للمؤمنين فهو أعم من المعاينة فقط، والدخول، وإن كانت للكافرين فهي دخول، والثاني للكافرين ولذلك عطفه بـ ثم، وإن كان الأول للجمع فيكون بالثاني للكافرين ولمن يدخلها من عصاة المؤمنين، ويجيء فيه تفكيك الضمائر، وتقدم الفرق بين علم اليقين، وعين اليقين ما هو الأبلغ فيهما وإن كان الثاني أبلغ.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾
إن كان سؤال [توبيخ*] للكافر، فظاهر تأخيره عن رؤية الجحيم؛ لأنهم [يسألون، قال تعالى*] (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)، وإن كان سؤال حقيقة، فيكون بعد رؤية الجحيم الرؤية التي هي عرض ومعاينة، لَا بعد الدخول كما قال الزمخشري [(عَنِ النَّعِيمِ) عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه*].
* * *
стр. 1647
سُورَةُ (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)
ابن عرفة: يحتمل أن يكون الإنسان عاما استثنى منه الذين آمنوا وعملوا الصَّالِحَاتِ وبقي ما عداهم مسكوت عنه، أو يكون ذكر الكافر والطائع وبقي العاصي، أو يكون العاصي متصفا بالخسران؛ لأن مذهبنا وجوب إنفاذ الوعيد في طائفة من المؤمنين، أو يكون بالإنسان الكافر، والخسران في الدنيا، إما باعتبار الإقبال عليها إقبالا موصوفا بالخسران، وإما في الآخرة، فإِن قلت: لم كرر (تَوَاصَوْا) مع أن السورة قصيرة فالأصل فيها الاختصار؟ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: كان بعضهم يقول: سعادة الإنسان في قوتيه العلمية والعملية، قال (تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) راجع للقوة العلمية الاعتقادية، وهو معرفة الأحكام الشرعية بالأدلة والبراهين أو معرفتها تقليدا بناء على أن الحاصل علم، والتواصي بالصبر راجع للعمل، للحديث: " [حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ*] " وهما شيئان متغايران.
الثاتي: قال: وكان بعضهم يقول: الأمران راجعان للقوة العملية، لكن التواصي بالحق راجع لامتثال المأمورات، والتواصي بالصبر راجع لاجتناب الشبهات.
الثالث: قال الزمخشري: (تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) أي بالأمر الثابت الذي لَا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته، وتواصوا عن المعاصي والصبر على الطاعة وعلى البلاء.
وقوله: لَا يسوغ إنكاره، أي عقلا على مذهبه، قلت: وقيده من شيخنا ابن عرفة [ ... ].
* * *
стр. 1648
سُورَةُ (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١)
قال ابن عرفة: الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل واحد من النَّاس، وذكروا إنما نزلت في أبي سفيان، وخصوص السبب لَا يمنع من [عموم*] الحكم، وإنما قال (يُكَذِّبُ) بالمضارع مع أن السياق يدل على أنه ماض لأمرين: إما للتصوير حتى كأنه أمر مشاهد في الحال، وإمَّا إشعارا لتأكيد إنكار ذلك لما منع الشرع من فعله، فكأنه غير واقع، فإِن قلت: قوله تعالى: (يُكَذِّبُ) يتعدى بنفسه ومفعوله متأخر عنه، فلم عدي إليه بحرف الجر، ولا يصلح أن تكون الباء سببية، والمفعول مقدر أي يكذبك أو يكذب الرسول بسبب الدين؛ بل بسبب الإخبار بالدين فالدين نفسه ليس هو سببا في التكذيب؛ بل السبب الإخبار به أو الدعاء إليه، فالجواب: إما بأن الباء ظرفية أو الفعل مضمن معنى التساوي، أي روى في الدين أو المفعول محذوف والمجرور على تقدير مضاف كما قلتم.
قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾
الدع: إما الترك أو الدفع بعنف، وهنا قالوا في الواجب والمندوب: أما الواجب فظاهر؛ لأن الذم على الترك من خصائص الوجوب، وأما المندوب فمشكل، قيل لابن عرفة: لَا إشكال فيه إذا فسرنا الدع بالدفع بعنف.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾
الطعام إما اسم فهو على حذف مضاف أي على إطعام طعام المسكين إضافة استحقاق، والمسكين إذا كان أحوج من الفقير، فلا يتناول الفقير، وإن كان الفقير منه يتناوله اللفظ من باب أحرى، قال ابن عرفة: وهذا ينظر إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ*] ".
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾
قال الزمخشري: يتركونها حتى تفوتهم، أو يصلونها من غير خشوع، لما يكره من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، قال ابن عرفة: المراد بقوله (سَاهُونَ) تركها بالكلية إذ لو تركها تركا كليا لما صدق أنهم مصلون فيما مضى وتاركون في الحال، قيل: [(سَاهُونَ) *] اسم الفاعل حقيقة في الحال بلا خلاف، واختلف فيه باعتبار المعنى إنما الخلاف في اسم الفاعل إذا أريد به الزمان، وإنما إذا استعمل مجردا من الزمان محكوما به، فلا حذف في صدقه على الماضي حقيقة كما يصدق على الحال والمستقبل.
стр. 1649
قوله تعالى: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ).
الفاء إما جواب شرط مقدر، أي إذ لم تعرفه بهذه المقالة فاعرفه بدعه اليتيم، وإما عاطفة عطف الجمل، أو عطف المفردات.
قال الزمخشري: وذلك إما عطف ذات على ذات أو صفة على صفة والموصوف محذوف، والتقدير: أرأيت الإنسان الذي يكذب بالدين، فذلك الإنسان الذي يدع اليتيم، وإن كان من عطف الذوات كان التقدير: أرأيت الشخصين اللذين أحدهما يكذب بالدين، والآخر يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك معربة عن الشخص الذي يدع اليتيم، فكيف يشار به إلى الشخص الآخر المكذب بالدين، وهو غيره، فيتعين أن يكون الذي يدع اليتيم هو الذي يكذب بالدين، وأجاب شيخنا ابن عرفة عن الزمخشري بأن الإشارة هنا إلى لفظ الاسم دون معناه لَا يعود الضمير على اللفظ دون المعنى، مثل: عندي درهم ونقود.
قال النابغة:
قالَت أَلا لَيتَما هَذا الحَمامُ لَنا ... إِلى حَمامَتِنا وَنِصفُهُ فَقَدِ
وأنشد سيبويه:
[أَرَى كلَّ قومٍ قاربُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... ونحنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ*]
جعل ابن عصفور ذلك كله عائدا على اللفظ فقط، أي عندي درهم آخر فاستقدم أو وانتقد النَّاس عليه، قال: ويحتمل أن يريد ونصف مثله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فيحتمل أن يكون أشار إلى لفظ الإنسان المكذب بالدين والمراد إنسان آخر.
قال ابن عرفة: وفي الآية معنى آخر حسن وهو أن الإنسان له ثلاثة أشياء يحمد على استخدامها في أعمال البر والرشاد، ويؤمر على استخلاصها في ضد ذلك وهي: العلم، والقول، والفعل؛ فالعلم يوصل إلى التصديق بوحدانية الله تعالى، وأنه ليس في مكان ولا زمان، وغير ذلك مما يجب له ويستحيل عليه، وإن من ذلك جنة ونارا، وثوابا وعقابا، فهذا معلوم بالفعل أو بالعقل.
والفعل أن يفعل الخيرات، والقول بأن يأمر بها ويحض عليها، وقد وضعوا في الآية بعكس الأمور الثلاثة، فكذبوا بالحساب والعقاب والثواب فهذا ودع اليتيم فعل؛ لأنه [الدفع*] بعنف، ولم يحض على طعام المسكين فهذا القول؛ يقرأ الحسن بفتح الدال وتخفيف العين، ابن عرفة: وهذا أبلغ من الذم؛ لأنهم إذا ذموا على ترك اليتيم
стр. 1650
وعدم إعطائه المال، فأحرى أن يذموا على دفعه بعنف وضربه؛ لأن يدع بالتشديد يقتضي الدفع بعنف.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦)﴾
عبر بالفعل المقتضي للتقاطع والتجدد شيئا بعد شيء؛ لأن المراءات إنما يكون للناس الناظرين له، وهؤلاء يلامون، أو يلاقون التكلف في كل الأوقات بل في أقلها؛ لأنه في الليل وفي بعض النهار في داره لَا يراه أحد، بخلاف (سَاهُونَ) فإن ترك الصلاة ملازم له، فلذلك عبر فيه بالاسم فهذا مفاعلة.
قال الزمخشري: فالمراد في النَّاس عمله وهم يرون الثناء عليه والإعجاب به، قيل لابن عرفة: أما ذم الذي يرائي النَّاس عليه فظاهر، وأما ذم القاصر الذي يثنون عليه فمشكل، وظاهر المفاعلة ترتب الذم على الجميع، فأجيب بوجهين: إما بأن المفاعلة تستلزم ذم الفاعل لَا ذم المفعول له كقوله "من قاتل عليا فهو مذموم" ولا يلزم منه طائفة على الذين من حزبه ونفر الذي يضارب زيد فلا يلزم مجيء زيد.
الثاني: أن يقول الذم يتناول من يثني على المرائي ويشكره ويشكوه وهو يعلم أنه مرائي في عمله وعبادته، أما من يثني عليه وهو يظن أنه مخلص في عبادته فلا ذم عليه، قيل لابن عرفة: والمرائي مذموم مطلقا سواء أثنى عليه أحد وتعجب من عمله أو لم يثن؛ لأن الذم إنما هو على قصده ونيته، قال ابن عطية: أن يثني عليه فلذلك كانت مفاعلة، [ ... ] الأجزاء المراءاة حقيقة إنما هي بالفعل وفي المعنى المقصود ولم يتصفا هنا من ذلك إلا أنهما اتفقا في نفس القصد لَا في المعنى المقصود، انتهى، قلت: وتقدم لنا عند ابن عرفة في [الختمة*] الأولى في هذه الصورة ما نصه: الكذب عبارة عن عدم مطابقة الخبر مدلوله، ويستعمل في الماضي والمستقبل خلافا لابن قتيبة فإن الخبر بالمستقبل غير المطابق [ ... ] خلفا، وهذه الآية رد عليه؛ لأن الذي هو المجازاة بالثواب والعقاب في يوم القيامة، وإنَّمَا قال: يكذب بلفظ المضارع، ولم يقل: كذب؛ لأن فعل الحال يؤتى به عند تعظيم الأمر وتهويله فيقتضي ذلك الشيء في الذهن حتى كأنه كالحاضر بين يدي المخبر به، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولم يقل: فأصبحت، وقال هنا: (يُكَذِّبُ) بقبح مقالته وعظمها.
قوله تعالى: (عَنْ صَلاتِهِمْ).