حمله ابن عطية على أصنامهم وآلهتهم التي ادعوا أن لها نصيبا في العبادة، كما قال تعالى (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، وحمله الزمخشري على الشركاء الموافقين لهم في العبادة، والظاهر الأول، إذ ليس ثم [كفارٌ ولا لهم*] نظائر في شركهم، وأيضا فيعكسون هم ويقبلون النكتة، فيقولون: هل لكم أنتم من يوافقكم في توحيدكم وعبادتكم، والسؤال هنا على حقيقته اللغوية، فالمراد به مطلق الطلب في اصطلاح الأصوليين، لأن السائل هنا أعلى من المسئول.
قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾
الاستطاعة في اصطلاح المتكلمين هي القدرة على الفعل، ومن شرط القدرة عندهم مقارنتها لمقدورها، لأن الغرض عندهم لَا يبقى زمنين، فلا يقال في الجالس المتمكن من القيام، [لا يستطيع*] القيام حتى يقوم بالفعل، وأما في اللغة فهو التمكن من الفعل، فإذا فسرناه بالمعنى اللغوي فيصدق عليهم كانوا قبل ذلك مستطيعين، كما قال الزمخشري، ثم يعود ظهرهم طبقا، كما في البخاري في آخر كتاب منه.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾
كان بعضهم عند قراءة هذا المحل [يصيح*] ويقول: والله ما سلموا، وهذه [قَلقَةٌ*] لكن مراده صحيح، لأن معنى سالمون متمكنون من الإتيان بالتكليف حتى لَا عذر لهم، ومعنى قول القائل: ما سلموا، أي أن اللَّه علم أنهم لَا يؤمنون ولا [يهتدون*]، فهو من باب التكليف بما علم الله أنه لَا يقع، ولو لم يكن هذا مراده، [لكان*] كفرا لمخالفته صريح الآية، فحاصله عدم [اتحاد*] المثبت في (سالمون) والمنفي في ["ما سلموا"*].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾
قيل: يؤخذ منه جواز إطلاق مثل هذا من غير توقف - على مقابله؛ كـ[(مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) *]
أجيب: بأن القرينة السياقية كاللفظية.
قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ... (٤٨)﴾
الحكم هنا القضاء الذي هو صفة [فعل*] الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين.
قوله تعالى: (وَهُوَ مَكظُومٌ).
كون الحال جملة، وهو أبلغ من كونها مفردا، لأن في الجملة إسنادين:
стр. 1577
أحدهما: المحمول، والثاني: ضميره العائد على الموضوع، والموضوع مسند أيضا إلى صاحب الحال، ففيه التقوية، وزيادة الاعتناء ثلاث مرات، وذلك مفقود فيما إذا كانت مفردة.
قوله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ... (٥٠)﴾
إن قلت: القصد بذكر المشبه به الذي [هو*] حال صاحب الحوت للمشبه، وهو النبي ﷺ التنفير عن الاتصاف بحالته التي هو فيها [مملوء غيظا*]، وهذه الأوصاف لَا مدخل لها في التنفير، بل ربما يفهم منه نقيضه، فما وجه إردافها لحالة التنفير؟ فالجواب: أنه نفي لما يتوهم من [جعْلِ*] قدرٍ مناسبٍ للأنبياء من هذه الحالة من الغضب [يوجب*] نقصًا فيهم.
* * *
стр. 1578
سُورَةُ الْحَاقَّةِ
فسر الزمخشري (الْحَاقَّةُ (١) .. بثلاثة تفاسير: الأولان: حقيقة، والثالث: مجاز.
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾
القارعة من أسماء القيامة، ويرد في الآية [ما*] يذكره البيانيون في حسن الائتلاف، وهو أن الذي يقتضيه حسن الائتلاف، كذبت ثمود وعاد بالحاقة، والجواب من وجهين:
الأول: أتى أولا بلفظ الحاقة دليلا على ثبوتها، [وتقرير*] حقيقتها في النفوس ثم عقب ذلك بلفظ القارعة الدالة على ما اشتملت عليه من الأهوال والقوارع والزواجر.
الثاني: وصفها أولا فيما يرجع إلى حالها في نفسها، وهو كونها حقا ثابتا، وذكر ثالثا: حالها باعتبار صفتها، ولا شك أن حكم الذات متقدم [على*] حكم صفتها، فذكر أولا حكمها في ذاتها، ثم حكمها في صفتها.
قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ ... (٧)﴾
لم يقل: سلطها عليهم لما يقتضي لفظ التسخير من سيرها على حكم الله تعالى.
قوله تعالى: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ).
اختلفوا في مسمى [اليوم*]، هل هو النهار أو مجموع الدورة، ووقع في كتاب العتق الثاني من المدونة ما يدل على أنه النهار، فيمن قال لعبده: إن أديت اليوم مائة دينار فأنت حر، [فمضى*] اليوم، ولم يؤد إليه شيئا فلابد من التَّلَوُّمِ له، وهذه الآية تدل على أنه النهار؛ لذكره في مقابلة الليل، فلو كان في اللغة [مجموع*] الدورة للزم هنا في إطلاقه على النهار، إما الاشتراك أو المجاز، وكلاهما مرجوح، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وروى ابن عطية عن ابن عباس: لم ينزل من السماء [قطرة ماء إلا*] بمكيال [على يد ملك*]، ولا هبت ريح إلا كذلك، إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإِن الله أذن لهما في الخروج من غير إذن الخزان، وقال الزمخشري: روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر مثل ما تقدم، قال: فإن الريح [عتت*] على الخزان، فلم يكن لهم عليها سبيل، وكذلك الماء يوم نوح انتهى، فإن قلت: ابن رشد ذكر في جامع البيان أن الله تعالى ما أرسل على قوم عاد من الريح إلا مقدار الخاتم، فتراه أرسل عليهم بمقدار، فكيف يفهم ذلك مع قال المفسرون هنا؟ فالجواب: أنه فتح لها مقدار الخاتم ولا يدري مقدار ما يخرج، إلا الله فهي تخرج بلا كيل، وفي العتبية سئل: هل
стр. 1579
تكره الحجامة والاطلاء يوم الأربعاء ويوم السبت، لأن [الحسوم*] على هؤلاء دخلت بالأربعاء، فقال: لَا أرى بذلك بأسا.
قوله تعالى: (حُسُومًا).
أعربوه حالا مع أنه من المضاف إليه، لما تنزل المضاف منزلته صح وقوعه منه نحو (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، إذ مثل [الحمار حمار*].
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾
استفهام في معنى النفي، أي أهلك جميعهم، فلم يبق لهم شيء، فإِن قلت: قد قيل: إن هذه [ ... ] العادية التي عند قرطاجنة من بنائهم، وقد أخبر بذلك سيدي محمد نفع الله به في كتاب كراماته، أنه التقى عند المعلقة بالخضر ﵇، فأخبره بذلك وبأشياء من أمورها غير واحدة، قلت: المعنى أنهم لم تهلك منهم إلا الكفار، [فاستؤصلوا*] ولم يبق منهم، قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ ... (٩)﴾
هذا العطف يدل على أن الواو ليست للترتيب، لأن مجيء فرعون متأخر عن مجيء (مَنْ قَبْلَهُ)، إلا أن يقال: أنه ترتيب في اللفظ، [قال الفخر: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ*]، (وَمَنْ قِبَلِهِ) والباقون (وَمَنْ قَبْلَهُ)، ولم يحك أبو عمر المدائني هذه القراءة عن عاصم، وسئل شيخنا ابن عرفة: هل السبع متواتر أو لَا، فقال: أما مصحف عثمان فلا خلاف أنه متواتر، وعثمان لم يضع غير الأحرف فقط، وأما الشكل والنقط فلم يضعه، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقرأ النَّاس بقراءات كثيرة، أنزل بها القرآن، فبعضهم نقل عنه قراءة، وبعضهم نقل عنه أخرى؛ كما في حديث حكيم بن حزام، أنه قرأ سورة الفرقان على غير ما كان عمر يقرأها، فاختلفا حتى قال لهما النبي ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه"، فنسخ منه عثمان ﵁ سبع نسخ، وقيل: ست، وقيل: أربع، وبعث لكل قطر نسخة، وحرَّق ما خالفها لَا لكونه باطلا، بل لكونه غير مجمع عليه، ففي الشواذ ما هو صحيح لكنه غير مجمع عليه، كما أن في الأحاديث الصحاح ما ليس في كتاب مسلم والبخاري، فلما مر كل مصحف لقطر قرأها أهل ذلك القطر بتلك الأحرف، وقرءوا فيما يرجع إلى [التزام الضبط*]، كالمد [والقصر*] والإمالة والترقيق والتفخيم بما رواه بعضهم عن [بعضٍ*] بالسند الصحيح إلى النبي ﷺ ، وأما ما وقع في السبع من
стр. 1580
زيادة الأحرف كقراءة [من سوى*] نافع وابن عامر (وَسَارِعُوا) بالواو، وقراءة ابن كثير (مِنْ تَحْتِهَا) في براءة، بزيادة (مِنْ)، وقراءة نافع وابن عامر في سورة الحديد (وَاللَّهُ الغنِي) بحذف [هو*]، [والباقون بزيادتها*]، فهو من اختلاف نسخ عثمان فثبتت من في المصحف المنفي دون ما عداه، [وأثبتها*] هو فيما عدا المصحف الثامن [ووجه الجمع*] أن عثمان أسقطها [قصدا*]؛ لكونه صح عنده إثباتها [وإسقاطها*]، واختلف النَّاس في القراءات السبعة بعد اتفاقهم على ما في مصحف عثمان على أربعة أقوال:
الأول: أن الضبط والأداء بنية النطق من إعراب وإمالة ووقف وما يرجع [لإفادة*] الكلام في [ذاته*] [كـ (مَلِكِ)، [و (مَالِكِ)، (يَخْدَعُونَ) *] و (يُخَادِعُونَ) ظاهر نقل الإبياري في شرح البرهان عن الداوودي، أنها غير متواترة باعتبار الأمرين معا، وحكاه مكي في الكشف، وظاهر كلام ابن الحاجب: أنه لَا خلاف في تواتر مثل قراءة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، و (مَلِكِ). الثاني: إنها متواترة باعتبار الأمرين مطلقا، نقله الإبياري عن إمام الحرمين أبي المعالي [القول*] الثالث: إنها متواترة عند القراء فقط، المازري في شرح البرهان الرابع [إن ما*] يرجع [ ... ] متواترة، وما يرجع [لكيفية*] النطق غير متواترة، قاله ابن العربي في القواصم والعواصم، والإبياري ومن قرأ في الصلاة بقراءة يعقوب فصلاته صحيحة، قاله مكي في الكشف، وكذلك من يقرأ بالشاذ فصلاته صحيحة، وهذا في الشاذ الذي لم يقرأ بواحد القراء السبعة باعتبار إعراب أو إمالة أو نحو ذلك مما يرجع [لكيفية*] النطق بالكلمة مع ثبوتها في مصحف عثمان، وأما الشاذ الذي هو بلفظ غير ثابت في المصحف كقراءة عمر (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله)، فلا تجوز القراءة [به*] في الصلاة، قال المازري في شرح البرهان اتفاقا، وقال في شرح التلقين تخريج اللخمي عدم إعادة المصلي بها خطأ وزلة، وأما القراءة به في غير الصلاة فالأكثر على منعها، قاله مكي وعياض، اتفق فقهاء بغداد على [استتابة*] [**المبرد] أحد [المقرئين*] بها مع ابن مجاهد بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وقال ابن عبد البر في التمهيد: روى ابن وهب عن مالك جواز القراءة في غير الصلاة، وكذا قال الإبياري: المشهور من مذهب مالك أنه لَا يقرأ بها، وحكى ابن العربي في القواصم والعواصم ومكي في الكشف: أن يعقوب كان في [السبع*] وأخرج وأدخل [**الكناني]، قيل: برشوة، وقيل: بالإنصاف.
قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا ... (١٠)﴾
يدل على أن الفاء للجمع بين الشيئين من غير ترتيب، لأن العصيان واقع مع المجيء لَا بعده، ولا يتوهم في الآية التكرار، لأن [مجيئهم*] بالخاطئة وهو معصيتهم بعدم
стр. 1581
إيمانهم، وعصيانهم الرسول هو عدم تصديقهم بالنبوات، فإن قلت: هلا قيل: رسول الله، [أو رسول*] الجبار فهو أبلغ في التخويف؛ لأن معصية الإنسان لمن يعلم أنه جبار منتقم أدل على [جرأته*] وعدم خوفه، فالجواب: أنه تقرير الفرق بين قولك عصى فلان فلانا فضربه، وبين قولك عصا أباه فضربه، فالثاني أشد؛ لأن ضرب الأب ولده، إنما يكون على شدة المخالفة، وهو في الأكثر يسمح له ويتجاوز عنه، فضربه له دليل على سوء عصيانه ومخالفته إياه.
قوله تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ ... (١١)﴾
فيه سؤال تقريره أن [**فوران الماء متأخر عن شرطها واقع بعقبه]، وطغيان الماء مسبوق بفورانه، فالحمل في السفينة بعد طغيان الماء المتأخر عن فورانه، وقال في هود (وَقَدْ أَفْلَحَ)، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا)، فاقتضت الآية أن الحمل فيها يعقب الفوران، فهو قبل الطغيان لَا بعده، وجوابه: أن الحمل فيها حالة كونها سائرة لقوله تعالى: (فِي الْجَارَيةِ)، والحمل فيها المراد به أوائل الحمل، وهو حالة كونها [واقفة*]، وهو متقدم على حالة سيرها، ابن عطية: قال قتادة: علا الماء على كل شيء خمسة عشرة ذراعا، انتهى، مراده تحديد أقل العلو لَا أكثره، أي [أعلى*] شيء فعلا جبل في الأرض خمسة عشرة ذراعا، وأما أخفض بقعة [في*] الأرض فعلا عليها أكثر من ذلك، وحكى ابن عطية عن منذر أنها سفينة نوح، وعن المهدوي إن معناه في السفن الجارية. انتهى، والأول أصح لوجوه:
أحدهما: أن الخطاب لأهل مكة وليس [عندهم نحوه*].
الثاني: قرينة قوله تعالى: (طَغَى الْمَاءُ)، فيدل على أنه زمن الطوفان في مدة نوح.
الثالث: أن الجارية لفظ مفرد؛ إلا أن يقال: المراد به الجنس، وفيه بعد، فإن قلت: يلزم على الأول المجاز، أي حملنا إياكم، وعلى الثاني يكون حقيقة، قلت: بل هو حقيقة في الجميع لأنا كنا في ظهر نوح ﵇ ومن معه.
قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾
قيل: التذكر متأخر عن سماع الخبر، فهلا أخر عنه؟ أجيب: بأن التذكر لمن أدرك سفينة نوح وشاهدها، وكان فيها، وسماع الخبر لمن بعد، قيل: لو كان كذلك لقيل: "ليجعلها لهم" بضمير الغيبة؟ أجيب: بأنه لما [اشتمل*] اللفظ على مخاطب
стр. 1582
وغائب، غلب ضمير المخاطب على الغائب، لأنه أبلغ حسبما نصوا عليه، وأورد الزمخشري سؤالين: لأي شيء [أُفردت*] أذن، ولأي شيء نكرت؟ وأجاب [عن*] الأول: بأن فائدة إفرادها الإيذان بأن [الوعاة*] فيهم قلة، فأفردت لتوبيخ النَّاس بقلة من يعي منهم، وعلل الثاني: بأنها نكرت للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا [وعت وعقلت*] عن الله فهي السواد الأعظم، فنكرت للتعظيم.
قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ... (١٧)﴾
قال الزمخشري: الملك أعم من الملائكة، واستدل بالنفي كقولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، هو أعم من قولك: [ما من ملائكة*]، أبو حيان: لَا نسلم أعميته، بل هما متساويان؛ كما أشار إليه ابن الحاجب في باب العموم في الجمع المنكر انتهى، وهم الزمخشري، لأنه لَا يلزم من [أعمية*] النفي نقيضه، وهو الثبوت، والملك في الآية في ظرف الثبوت، لأن نقيض الأعم أخص من نقيض الأخص، ونقيض الأخص من نقيض الأعم.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ ... (٢٠)﴾
ابن عطية: الظن بمعنى اليقين، الزمخشري: بمعنى العلم، القرطبي: على بابه أي ظننت أن الله تعالى سيحاسبني ويعذبني، ولم أتحقق أنه يغفر لي انتهى، ويحتمل [أنه*] على بابه، كما تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: (يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)، عقبه كما حكى عياض في المدارك عن أبي عبد الله التستري: أنه كان يقول: من أصبح وهو لَا يظن أنه يمسي، أو أمسى وهو يظن لَا يصبح، فليس بمؤمن أو فليس بمتقي، وقرأ حمزة بإسقاط الهاء من (كِتَابِيَهْ)، (مَالِيَهْ) وأثبتها في الباقي، وقرأ الباقي من القراء بإثباتها في الجميع وصلا ووقفا، اقتداء بخط المصحف، ابن عطية: قال الزهراوي: إثبات [الهاء*] في الوصل لحن لَا يجوز. انتهى، كيف يقال فيما ثبت في المصحف أنه لحن هذا لا يصح.
قوله تعالى: ﴿دَانِيَةٌ (٢٣)﴾
لما وصفها بالعلو، وشأن المكان العالي أن تكون أشجاره كذلك، فأزال ذلك بأنها مع علوها، [فثمارها*] قريبة التناول سهلة المأخذ.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ... (٢٥)﴾
الواو لازمة هنا؛ لأنها في التسمية من باب المفاعلة، ولا يصح هنا الفاء ولا غيرها، [والأظهر*] أن (مَن) موصولة، لأن [السالبة لَا تقتضي*] وجود الموضوع.
стр. 1583
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾
إن قلت: لأي شيء عطفه بالواو ولم يعطفه بالفاء المقتضية للتسبب، لأن [إيتاء*] الكتاب سبب في [درايته حسابه*]، وعدمه سبب في عدم درايته حسابه، فالجواب: أنه لو عطف [بالفاء*] مثبتا، كان المتمني [سوى الأول*]، فعطفه بالواو على أنه تمنى كل واحد من الأمرين على حدته.
قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾
إما أن المراد يا ليت الموتة الأولى كانت قاضية عليَّ، فيحتاج إلى تعذر وصفه، أي القاضية الأبدية التي لَا رجوع منها للحياة، وإما أن المراد يا ليت هذه الحالة التي أنا فيها من العذاب كانت تقضي [عليَّ*] [ ... ] ولا يحتاج في هذا إلى تقرير صفة الأبدية، لأن المعنى [يهدي*] لذلك، فإِن قلت: هذه الآية ترد قول المتكلمين: [الوجود*] خير [كلُّهُ*] والعدم شر [كلُّهُ*]، فإِن هذا قد تمنى العدم، وهو عنده خير من الوجود، فالجواب: أنه إنما تمنى العدم لما نابه من شدة العذاب في وجوده، وقولهم: العدم شر [كلُّهُ*] بالنظر لنفسه فقط؛ لَا لعارض يعرض.
قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩)﴾
أجاب بعض الشيوخ: الوقف [عَنِّي*] [ويبتدئ*] (سُلْطَانِيَهْ)، (خُذُوهُ) أي يقول [الكافر*]: سلطانيه خذوه، ويخاطب الملائكة فقط، سلطان: المراد به الجنس، ويكون أمرهم [بأخده*] [وهذا*] صحيح في المعنى، لكن فيه تكلف (خُذُوهُ) إن قلت: لأي شيء روعي في آية أهل اليمين لفظ [الجمع*]، [ومعناها تقيد (كُلُوا وَاشرَبُوا)، وهنا رد على لفظها فقط]، فالجواب: أن أهل اليمين المطلوب تكثيرهم فناسب الجمع، وأهل الشمال المطلوب تقليلهم فناسب الإفراد، وإن كانوا باعتبار الوجود أكثر [عددا*].
[(٣٤) *]
[وانظر*] هل الحض على إطعام المسكين أعم من إطعامه، أو بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، لاجتماعهما فيما إذا حض الإنسان نفسه على الإطعام وأطعم، أو هما ضدان، وهو الأظهر كما أن الصواب أن صفة العلم ليست أعم من صفة القدرة، بل هما صفتان متباينتان.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا ... (٣٢)﴾
جعله ابن عطية من باب القلب، أي اسلكوا السلسلة فيه وحده، الزمخشري: على ظاهره، وقال: إن السلسلة تحيط به ويلف فيها، وإطعام الطعام أشق على النفوس من مجرد الحض على إطعامه، [فالذم*] على تركه أشد وأولى من [الذم*] على ترك الأشق
стр. 1584
الذي هو الإطعام وإطعام الطعام مقصد، والحض عليه وسيلة، والذم على ترك المقصد آكد، فإذا [ذموا*] على ترك الوسيلة، فأحرى أن يذموا على ترك المقصد، والوصف بالعظيم، وانظر هل واحد من الأمرين علمه [مستقل*]، فيستفاد منه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو [**العلة، إنما قد عدم إيمانه]، والآية نزلت في أبي جهل، وليست خاصة به، لأن خصوص السبب لَا يمنع من عموم اللفظ.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ ... (٣٨)﴾
الفاء للتسبيب وتقرير السببية، أنه لما تقدم ذكر من أوتي كتابه بيمينه وفرحه وثوابه، ومن أوتي كتابه بشماله وحسرته وعقابه، وكان ذلك أمرا مغيبا لَا يصدق به إلا من آمن، أتى هنا بفاء السببية؛ إشارة إلى أنه بسبب ذلك وقع القسم على أن القرآن المتضمن لما تقدم قول صادق، ومنهم من جعل النفي لما تقدم، ووجهه أن المنكر للحشر والنشر والحساب، لَا بد أن يأتي بشبهة على مذهبه، وهؤلاء ليست لهم شبهة على تكذيبهم، وينبغي على هذا أن يوقف على قوله: (فلا)، وإن جعلت النفي متعلقا بالقسم، فيكون غير مراد حقيقة، أي هذا الأمر ظاهر بحيث لَا يحتاج إلى القسم عليه، وقرئ [(فلأقسم) *] على أنها لام الابتداء دخلت على فعل القسم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾
إن قلت: هلا قيل: لكلام رسول، لأن الكلام أخص من القول، لانطلاق القول على [المفيد*] وغيره في الاصطلاح؟ فالجواب: أنه إذا قيل هذا في القول المطلق على [المفيد*] وغيره، فأحرى الكلام، فإن قلت: هلا قيل: إنه لقول رسول أمين، [أو*] رسول صادق؟ فالجواب: أنه ليس المراد حقيقة الكلام، بل المعنى لقول رسول موصوف بالخير أو موصوف بالحسن والكمال.
قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾
فيه سؤال يورد في حسن الائتلاف، وهو ما الحكمة في تخصيص [الأول*] بـ (تؤمنون)، والثاني: [(تَذَكَّرُونَ) *]، وجوابه: أن الشعر لما كان أمرا ظاهرا يدركه كل أحد بفطنته، ويعرف أنه شعر، عبر عنه بالإيمان الذي هو محمود التصديق، ولما كانت الكهانة أمرا خفيا لَا يدرك إلا بفكر وتأمل [قرنها*] بالتذكير.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾
تقرر أن (لو) عند النحاة منع فيها الثاني لامتناع الأول، لأن الأول سبب في الثاني، وعند الأصوليين يمتنع فيها الأول لامتناع الثاني، لأن الثاني لابد أن يكون متساويا
стр. 1585
للأول أو أعم منه، ويلزم من نفي الأعم نفي الأخص، ولا ينعكس، وكذلك يلزم منه تقدم المسبب على [سببه*] إذا كان أخص، فإن قلت: هلا أفرد القول، فيقال: لو تقول علينا قولا، لأن العقوبة على الكذب في القول الواحد، تستلزم العقوبة على الكذب في الأقوال المتعددة من باب أحرى، فالجواب: أن القول تارة يكون مشتملا على جملة [واحدٌ*] مدلُولها، وتارة يشتمل على جمل بعضها صدق، وبعضها كذب، فتضمنت هذه الآية أنه لو تكلم بأقاويل تقول علينا في بعضها، وصدق في البعض، [لنلنا منه عقابه*] بالعقوبة الشديدة، فيستلزم من باب أحرى مخاطبته بالعقوبة، [لو تكلم بقول واحد كله كذب*].
قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾
استدل بعضهم بهذه على أن الفاء في جواب الشرط لتأكيد التعقيب، فضلا عن أن تكون للتعقيب، حسبما ذكر الأصوليون والفقهاء الخلاف في قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، وتقرير الدليل من هذه الآية، أَن جواب الشرط فيها لو لم يفهم على [أنه*] عقيب الشرط لما صح الاحتجاج على الكفار، لأنهم يقولون: تقوَّل، وعقوبته مؤخرة، وليست عاجلة في الدنيا، فلا يستقيم الاستدلال عليهم بهذا، فلولا أن جواب الشرط بذاته يقتضي التعقيب من غير احتياج إلى إدخال [العاقبة*] لما استقام هذا دليلا على الكافرين، فدخول الفاء مؤكدة للتعقيب، ويستحيل أن يكون الفاء غير مفيدة للتعقيب، لأنه يناقض معنى ملزومية الشرط لجوابه [ ... ]. بأن ذلك الاختلاف [**إنما موجب يكون جواب] الشرط أو نهيا، وأما إذا كان جوابه خبرا، فلا خلاف فيه، أو يقال إن التعقيب هنا مستفاد من القرينة لَا من نفس اللفظ، لكن يقال: الأصل عدم القرينة، قال القرطبي: يحتمل أن [يريد*] باليمين القوة، و (من) زائدة، أي [لأخذناه*] بالقوة، وحكى هذا في غاية الضعف، لأن (من) لَا تزاد في الواجب.
قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ ... (٤٧)﴾
إن قلت: [هلا عطفه بالإفراد كالأول*]؟ فالجواب: أن النصرة مهما تصورت، فلا تكون إلا من الجماعة عقب نزول البلاء، وإن تراخت [عنه*] وأبطأت، فلا فائدة فيها [**والقيام صح].
قوله تعالى: (حَاجِزِينَ).
стр. 1586
مراعاة لمعنى (مِنْ أَحَدٍ) إشارة إلى أن الواحد لَا تعد منه النصرة، [وإن انتفت*] النصرة عمن هو في مظنة أن يقدر عليها، فأحرى أن [تنتفي عمن*] لَا يقدر عليها، فإن قلت: لم قال: (مِنْكُمْ)، والخطاب للكفار وليسوا بصدد أن ينصروه؟ فالجواب: أن فيهم أقاربه، كأبي طالب ونظائر له كانوا يناضلون مع كفرهم به، واحتج بهذا ابن عصفور في شرح الجمل الكبير على جواز تقديم خبر إن على اسمها، إذا كان ظرفا أو مجرورا، لأنه قدم هنا معمول الخبر على الاسم، مع أنه ليس باسم لـ (ما) ولا خبر لها، وقد منعوا كان طعامك زيدا [ ... ] كان ما ليس باسم لها، ولا خبر فإذا [جاز*] ذلك فأحرى في (إن).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾
أي إن النَّاس نظروا فيه، فالمتقون تذكروا واعتبروا، والآخرون نظروا فلم يتذكروا أو لم يعتبروا بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾
إن [كان*] الخطاب للكفار، فـ (مِن) لبيان الجنس، وليس هو إخبار بالمعلوم، لأنه على جهة التهديد والوعيد، وإن كان الخطاب لعموم النَّاس، فالمراد من سيكذب منهم في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾
القرطبي: يحتمل أن يعود الضمير على (حسرة) باعتبار معناها، وهو [التكذيب*] المفهوم منها، لأنه مذكر.
قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ ... (٥٢)﴾
الفاء للتسبيب، وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لما نزلت "اجعلوها في ركوعكم"، أي اجعلوا مدلولها.
* * *
стр. 1587
سُورَةُ الْمَعَارِجِ
قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ ... (١)﴾
[ذكر*] ابن عطية القراءة [بتسهيل*] الهمزة، وهي قراءة نافع وابن عامر، (سَأَلَ)، ساكنة الألف، قال بعضهم: هي سال بالهمزة إلا أنها سهلة، وهي لغة مشهورة حكاها سيبويه، فالألف منقلبة عن واو، وأما قول الشاعر:
سَالَتْ هذيلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً ... ضَلَّتْ هذيلٌ بِمَا سالَتْ وَلَم تُصِبِ
فقال سيبويه: هو على تسهيل الهمزة، وقال غيره: [على*] لغة من قال: سألت، ونقل ابن هشام في شرح الإيضاح في باب زيادة الهمزة عن سيبويه عكس هذا سواء، وجعله مثل أولج يولج، فإنه [مولج*]، وقرئ (سَألَ سَائِل)، بغير همز وحملوه على وجهين: إما أنه من السؤال أو من السيلان، وعلى هذا يكون من مجاز [المجاورة*]، واستدل بعضهم بالآية على صحة تنكير الفاعل.
قوله تعالى: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾
وفي سِورة السجدة (أَلْفَ سَنَةٍ)، وفي الحج (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ)، والجواب: أنها مواطن فهو [لأقوام*] في غاية الشدة والآخرين دون ذلك، وأجاب القرطبي: أن العروج هنا من قعر الأرض [السابعة*] وسطح الأرض، فيلزم على هذا أن يكون بين سطح الأرض والعرش مسيرة ألف سنة، وبين قعر الأرض السابعة وسطحها تسعة وأربعون ألف سنة، وهذا باطل [بالبديهة*]، ولا يفرق باعتبار المنتهي، لأن منتهي المسافة غير معين في الجميع، فلا تناقش، وكون العروج من قعر الأرض السابعة، كما قال مجاهد: [يصعب*] لأنها غير [معهودة*]، وهم إنما يعرجون بأعمال العباد أو [بأرواحهم*]، ابن عطية: قيل: المراد في يوم من أيامكم هذه، ومقدار المسافة أن لو [عرجها*] إذ هي خمسون ألف سنة من أيامكم، وقيل: المراد في يوم من أيامكم كان مقداره في نفسه ألف سنة من أيامكم انتهى، التأويل [الأول*] ظاهر، وأما الثاني فيستحيل فيه حمل اليوم على خمسين ألف سنة [حقيقة*]، ولا بد أن يراد به مطلق الزمان؛ لاستحالة مساواة الجزء للكل في القدر، ابن عطية: وقال عكرمة: أراد هذه الدنيا مقدارها خمسون ألف سنة، لَا يدري أحد ما مضى منها، ولا ما بقي انتهى، كذا ذكر المسعودي والمؤرخون، وذكر المنجمون وغيرهم، أن مقدارها سبعة آلاف [وخمسون*] ألف سنة، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجمعين: "ما من رجل لَا يؤدي زكاة ماله إلا جعل ماله له عقارب من
стр. 1588
نار يكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة". انتهى، إن أراد أن هذا هو ظاهر لفظ اليوم، فلا حاجة إلى استدلاله بالحديث على الآية، وإن أراد أن هذا هو الذي يتأول عليه، [وفهم*] مدلوله ومعناه عليه، فكما [يتأويله*] في الآية، فكذلك يتأوله في الحديث، وعبر بالسَّنَة دون العام؛ لخروج الآية مخرج التخويف، فإِن قلت: ما فائدة (كان)، وهلا قيل: في يوم مقداره خمسين ألف سنة، فالجواب من وجهين:
الأول: المعنى جعله الله في الأزل قدر خمسين ألف سنة، الثاني: الماضي محقق الوقوع، فالمراد أن هذا اليوم ثبت تقديره بذلك، واستقر بحيث لَا يتوهم فيه تغيير ولا نقص ولا تبديل، كما أن قول الصادق منا: قام زيد محقق الوقوع، بخلاف قوله: يقوم زيد، فإنه قد يبدأ له، أو يمنعه منه مانع.
قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي ... (١١)﴾
من التمني في المستحيل الوقوع والممكن الوقوع، والترجي لَا يكون إلا في الممكن، والمحبة إلى الترجي أقرب، فهل الود راجع إلى معنى التمني أو المحبة، والظاهر الثاني، [فلَا يقال*] فيما يستحيل وقوعه ود فلان كذا، فإن قلت: قد قاله هؤلاء؟ قلت: هذا مستحيل في نفس الأمر، وهو في [اعتقادهم*] جائز ممكن غير مستحيل، و (لو) إن كانت بمعنى (إن)، فالمعنى يود المجرم الافتداء من العذاب ببنيه، وإن [كانت*] شرطية فالود متعلق بملازمته الشرط للجواب، أعني أنه متعلق بتقدير الافتداء، أي [يود المجرم تقديرا*] أنه يفتدي ويقبل منه الفداء، أعني يود أن يكون ذلك جائزا ممكنا، فهو أدق من الأول، لأنه على الأول يكون الافتداء غير واقع، وهذا الترتيب يمكن أن يكون متدليا، وأن يكون [ترقيا*]، فتقدير التدلي أن البنين أحظى وأحظ للنفس، والزوجة أحب من الأخ، بدليل جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا بخلاف زوجته، [وينفرد*] أيضا بأن الابن أقرب من غيره، بدليل منع الأب من التصرف في ماله، وإذا سرق الأب من مال ولده لَا يقطع، فحكم الأب على ابنه أقوى من زوجته، والزوجة تليه بدليل [أنه لا يملك*] التصرف فيما زاد على الثلث من مالها إلا بإذن زوجها، والأخ بعد ذلك لأنه ليس لأخيه عليه حكم، لكن هذا تقرير فقهي، وهذه الأمور إنما تجري على الأحكام اللغوية أو العرفية، وتقريره أنه ترقٍّ من وجهين:
الأول: أنه اعتبر المعطوف والمعطوف عليه جملة، فجعل أنه يود أن يفتدي من عذاب [يومئذ*] ببنيه فقط، أو يفتدي عوضا عن ذلك مجموع صاحبته وأخيه وفصيلته، وهو أشرف من الأبناء؛ باعتبار الكثرة والتعدد، أو يود أنه يفتدي من العذاب ببنيه والزوجة،
стр. 1589
ثم يود أن يفتدي من ذلك بالأخ والفصيلة، وهو الأكثر من الأولين فهو أقوى في الحظوة.
الوجه الثاني: أنه ترق باعتبار المحبة وتعلق النفس لقولهم: من أحب شيئا استكثر منه، فالإنسان ما يستحضر في ذهنه إلا من يحب [عند*] نزول البلاء، إنما يود الفداء بمن دونهم في المحبة، ثم بمن دونهم، فإن قلت: إنما جرت عادة العرب، أن يفتدوا آبائهم وأمهاتهم يقولون، كما في الحديث: بأبي أنت وأمي، قلت: [هذا*] بالعرف، وهذا باعتبار الحقيقة.
قوله تعالى: ﴿كَلَّا ... (١٥)﴾
قال الغزالي: لم تقع في القرآن إلا في النصف الثاني، والحكمة في ذلك أن الأول [أكثره*] مدني، والزجر في المدينة إنما كان بالسيف، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ)، (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)، والنصف الثاني: أكثره مكي، والزجر في الحكمة إنما كان بالقول.
قوله تعالى: (إِنَّهَا لَظَى).
قال بعضهم: هذا يدل على جواز عود الضمير على ما بعده لموافقة الاسم في الخبر للتأنيث.
قوله تعالى: ﴿مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾
يحتمل أن يكون العطف تأسيسا، ويكون المراد بمن (أدبر) من لم يزل كافرا وبـ (تولى) المرتد، أو المراد بمن (أدبر) الكافر، وبمن (تولى) المنافق، لأن أقبل على الإيمان بظاهره، وتولى عنه بباطنه، وكان القاضي أبو علي عمر بن الربيع يقول: إن (كلا) هنا ليست للزجر، لأن الزجر إنما يصلح، حيث يمكن الانزجار إلا أن لَا يكون الزجر على حقيقته، بل على سبيل التبكيت عليهم، قال شيخنا: بل هي للزجر، وتظهر فائدته في الدنيا، لأنهم إذا سمعوا هذه الآية قد ينزجر بعضهم عن كفره ومخالفته، فينجوا من العذاب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ .. الزمخشري: المعنى [إن الإنسان لإيثاره*] الجزع والمنع وتمكنهما منه، [ورسوخهما فيه،*] صار كأنه مجبول عليهما [مطبوع*]، وكأنه أمر خلقي [وضروري*] غير اختياري، [كقوله تعالى (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ولأنه ذمّ والله لا يذمّ فعله،*] انتهى، هذا من الكلام الموجه، فالمعتزلي يعني به أن الله لَا يخلق القبيح الموصوف بالذم،
стр. 1590
فيقول: لَا يذم فعله ونحن نحمله على أنه يخلق الخير والشر؛ [لكننا لا نصف*] فعله بالذم عقلا، بل الكل في حقه حسن، والعقل لَا يحسن ولا يقبح، وإنَّمَا الحسن ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبَّحه [الشرع*]، فإن قلت: يؤخذ من الآية أن الملائكة أفضل من البشر، لأن من خلق غير هلوع أفضل؟ قلت: إنما يصح هذا [لو كان التفضيل عندنا عقلا صحّ ما قلتَ؛ وإنما هو شرعي، ولا امتناعَ من خلقه هلوعا وضعيفا ومن عجَل، مع تشريفه!؛ لأن اللَّه تعالى يفعل ما يشَاء ويحكم ما يريد*].
قوله تعالى: (الَّذِينَ).
الأظهر أن هذا من عطف الصفات لَا من عطف الموصوفات لسعة رحمة الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يُصَدِّقُونَ ... (٢٦)﴾
عبر بالفعل المضارع لتجرد تصديقهم مهما ورد عليهم خبر من أخبار يوم الدين، والإيمان أعم عندنا من التصديق لأنه أخص، لأن المعاد مستفاد من السمع لَا من العقل، فإن قلت: كلام ابن الحاجب في احتجاجه لأهل السنة على المعتزلة يقتضي أن التصديق عندهم هو الإيمان؟ قلت: نص ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية على أن التصديق من عوارض الخبر، وذكر المتكلمون في الإيمان بوجود الصانع ووحدانيته، هل [يدرك بالسمع*] أو الدليل البرهاني العقلي، وهو الصحيح فمن وحد الله مؤمن مع أنه لم يسمع من أحد دليلا على ذلك، فصدقه؛ بل علمه بدليل عقلي ظهر له، فإن قلت: صدق الدليل البرهاني، وقلت: لَا يسمى ذلك تصديقا، فإن قلت: قد قسم المنطقيون العلم إلى تصور وإلى تصديق، [**فترى] التصديق على نفس العلم بالشيء من غير سماع خبر، قلت: هذا كاصطلاح هؤلاء وما كلامنا إلا في اصطلاح أهل علم الكلام، وقول الزمخشري: يصدقون بيوم الدين تصديقا بأعمالهم واستعدادهم له إشارة إلى مذهبه ولا ينافى مذهبنا نحن.
قوله تعالى: ﴿مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾
عبر هنا بالاسم إشارة إلى أنهم مهما سمعوا وعظا وزجرا ثبت لهم الخوف دائما من غير زوال ولا انتقال، وذكر أبو طالب في القوت هنا كلاما [خَلِقًا*] لَا ينبغي، وحاصله أن صنفا من الملائكة حصل لهم كمال الخشية، بحيث لَا يعتقدون أنهم ينجوا من العذاب، والذي يجب اعتقاده أن الملائكة معصومون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾
стр. 1591
نزوله بمن اتصف بنقيض تلك، وهو جار مجرى التعليل للإشفاق، والعطف في هذين ترق، لأنه باعتبار الكسب العلمي، وما قبله باعتبار الكسب العملي.
قوله تعالى: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾
[ ... ].
قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ... (٣٠)﴾
الظاهر أن (أو) للتخيير لَا [للتفصيل*]، فلا يكون حجة لوجوب نكاح الحرة مع الأمة، ولو كانت [للتفصيل*] لما جاز نكاح الأمة إلا لمن يجده، ولا للحرة؛ فإِن قلت: (أو) التي للتخيير لَا يجوز الجمع [فيها*] بين الشيئين المتأخر فيهما، وهنا يجوز الجمع بين الحرة والأمة، قلت: لَا يجوز الجمع هنا بين النكاح وبين [ملك*] اليمين والذات الواحدة، فلا تكون الأمة والحرة [ ... ] واحدة في حالة واحدة، والتخيير [المتضمن*] لعدم جواز الجمع في [المطلق*]، والمطلق يصدق بصورة فيكفي فيه صدقه في هذه، وإن كان لَا يصدق في الجميع، وذكر [ابن ناجي*] في شرح الجلاب كلاما استنبطه من هذه الآية، يتضمن جواز وطء الذكور بملك اليمين لَا يحل نقله.
قوله تعالى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم).
يدل على أن الاستثناء من الإثبات نفي، وهما مسألتان، أما الاستثناء من النفي قولان: قيل: نفي، وقيل: إثبات، وأما الاستثناء من الإثبات فالأكثرون يحكون فيه الاتفاق، وكذا ابن الحاجب، لأنه قال: الاستثناء من الإثبات نفي، وبالعكس خلاف للحنفية، فحمله الشراح على أن خلاف الحنفية في الأخير فقط، وقال القرافي: سألت عنها علماء الحنفية في زماننا، فقالوا: إن الخلاف فيه عندهم ثابت، وحكى أيضا [الآبذي*] في شرح الجزولية فيه الخلاف، فإِن قلت: فعلى مذهب الأكثرين أنه نفي ما فائدة قوله (غَيْرُ مَلُومِينَ)، قلت: [فائدته*] إما التأكيد، وإما التنبيه على أن [الاستثناءات*] المتقدمة ليست واجبة، بل جائزة.
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى ... (٣١)﴾
ظاهره أن الإنسان يأثم بمجرد قصده، لكن يكون هذا قصدا صمم عليه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾
الأمانات: الودائع، يحفظونها ويحوطون عليها، والعهد: هو الميثاق، أي تارة يأتمنون ولا يستحلفون [فيؤدون*] الأمانة، وتارة يؤتمنون ويستحلفون فيحلفون على
стр. 1592
الوفاء بها والتحوط عليها، فيفون بذلك، فإِن قلت: وعلى هذا يكون عطف (وعهدهم) ترقيا، لأن العهد في الأشياء [المشقة*]، والأمانة المجردة في الأشياء الخفيفة، قلت: بل هو بدل؛ لأنهم إذ أوفوا مع عدم الاستحلاف، فأحرى مع الاستحلاف.
قوله تعالى: ﴿بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾
المراد تحملها على وجهها من غير تحريف فيها ولا نقصان ولا زيادة، فلا يشهد إلا بما يستشهد عليه، واحتج بها بعضهم على وجوب [الإدلاء*] والظاهر الأول.
قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٣٦)﴾
الفاء للتسبيب، وتقريره أنه لما تضمن الكلام السابق أن الجنات والنعيم لمن اتصف بالصفات المذكورة، هي أخص من الإيمان وأبلغ، ودل ذلك بمفهومه على أن من حصل مجرد الإيمان ولم يتصف بتلك الصفات لَا ينال ذلك النعيم ولا تلك الجنات، وكان الكفار طامعين بالجنة، أتى بفاء السبب، أي كيف يطمعون فيها والمؤمنون [الذين*] لم يحصلوا تلك الصفات، ليسوا على وثوق من دخولها.
قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ ... (٣٧)﴾
أي عن يمينك وشمالك، أو عن يمين كل واحد منهم وشماله.
قوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ... (٣٨)﴾
لم يقل: [أيطمعون*]؛ لئلا يتوهم أن الطمع إنما هو لردٍّ ما بهم، ومن له قرابة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن قلت: إنما تعلق طمعهم بالجنة المقدرة الوجود لا بالجنة من حيث كونهم أثبتوها، لأنهم لم يقروا بوجودها، فهلا قيل: أيدخل جنة نعيم، إن كان ثم جنة؟ فالجواب: أنه رد عليهم، وإثبات للجنة، وتحقيق لوجودها.
قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ ... (٤٠)﴾
النفي هنا كما تقدم [في قوله [(فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) *] أنه لما راجع لما قبله أو نفي القسم، وهو الظاهر ويتأكد هنا؛ لأن المقسم عليه أوضح من الأول، بحيث لا يتصور فيه مخالف، لأن قدرة الله تعالى على هلاكهم وإيجاد غيرهم أمر [مشاهد*] مألوف غير مستغرب، [فإنا*] نجد الملوك والجبابرة الظالمين يهلكون، ويأتي خير منهم؛ بخلاف كون ذلك القول قول رسول كريم، فإنه لَا يعلمه ويقر به إلا المؤمنون، وأما الكافرون فإنهم يخالفون فيه.
قوله تعالى: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ).
стр. 1593
جمع المشارق، لأن مشارق الشمس والقمر متعددة لهما في كل يوم مشرق، وكذا سائر الكواكب لكل منها في [كل*] يوم مشرق لَا يطلع منه إلا في مثله من عام آخر وفي سورة المزمل (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)، وفي الرحمن (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) والتثنية باعتبار مبتدأ المشرق في الصيف ومنتهاه في الشتاء، والإفراد إما على إرادة المبدأ أو المنتهى، وهو أصوب، لأن منتهاه غايته، وغايته تدل على أن له مبتدأ، فإِن قلت: هلا قال: فلا أقسم بمقدر المشارق أو خالقها؟ فالجواب: أنه عبر بلفظ الرب ليفيد نعمة الامتنان والرحمة في إحياء النبات والحيوان بانتقال الشمس في المشارق كل يوم، ليعم النفع بها كل قطر وإقليم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾
أي لَا يسبقنا أحد لذلك، فإن قلت: تنفي المساواة، قلت: هي منفية بالدليل العقلي، لئلا يلزم عليه وجود مؤثر واحد بين مؤثرين، أعني مقدورين قادرين، فإن قلت: يكون الثاني معينا للأول، قلت: قد تقرر إبطال هذا في قول من فسر الكتب بأنه فعل فاعل [معين*].
قوله (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ ... (٤٢) .. ، غاية للخوض لَا للترك.
قوله (يَوْمَ يَخْرُجُونَ ... (٤٣) .. يحتمل أن يكون على حذف حرف العطف، مثل كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ [ ... ] إلى نصب الأولى تفسيره الخير؛ لأنه لا [يسرع*] أحد إلى الشر.
* * *
стр. 1594
سُورَةُ نُوحٍ ﵇
[إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) *]
رسالة نُوحٍ ﵇[مقصورة*] على قومه، ومن قال بعمومها فهي للإنس فقط، وأما الرسالة [العامة*] فخاصة بنبينا ﷺ ، والفرق بينهما أيضا أن رسالة نُوحٍ ﵇ أتت لجميع أهل زمانه دون من بعدهم، ونبينا ﷺ لَا تزال شريعته ورسالته إلى يوم قيام الساعة، [ولابن المنير*] في أول شرح البخاري عن [**هذا الجزية آخر، وكذا لابن أبي بجرة] في أول ترجمة البخاري، وأما آدم على نبينا وعليه السلام فأرسل لذريته خاصة بعد نزوله من الجنة، وإن تأكيد الإرسال [تنبيه*] على أنه أمر معهود وعادة مستمرة، والإنذار أخص من الموعظة، وأوقع الظاهر موقع المظهر، والأصل أن أنذرهم؛ لأنه حكاية للكلام الذي خوطبوا به وليس فيه مضمر، وأدخل (مِن) لابتداء الغاية إشارة إلى تأكيد الوعظ والإنذار والمبادرة به في أول [أزمنته*] القبلية، وقال (يَأْتِيَهُم) ولم يقل: ينزل بهم، إما إشارة إلى أنه يقصدهم وينزل بسببهم، أو أنه يأتيهم من كل الجهات، ويؤخذ من الآية ثبوت التعذيب قبل البعثة إذ المعنى: من قبل أن يأتيهم عذاب، [قبل*] الإنذار. [أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) *] العبادة هي النطق، فكلمة التوحيد الإيمان بالرسول، والطاعة اتباعه في الفرائض وأحكام الشريعة، وقيل: إن العطف تأكيد.
قوله تعالى: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ ... (٤)﴾
(مِنْ) يحتمل أن يكون للغاية أي للابتداء أو الانتهاء، وقول ابن عطية: هي للتبعيض، والمراد يغفر لكم من ذنوبكم وهو المهم الموبق الكبير؛ لأنهم أبهم عليهم بأنه لو غفرت الكبائر لغفرت الصغائر، فيلزم إما أن يغفر الكبائر فيغفر الصغائر من أجل ذلك، أو يغفر الجميع من أصل فلا تكون للتبعيض، وقيل: يغفر لهم ما مضى؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها، ويبقى ما يأتي [ماصدق*] التبعيض، والمراد يغفر لكم.
قوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ).
ابن عطية: احتج بها المعتزلة في قولهم في المقتول: أن له أجلين وأنه مات قبل أجله، انتهى. تقرير حجتهم لو لم يكن أجل المقتول متعددا لما استقام نفي التأخير عنه، واللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة أن التقدم والتأخر أمر نسبي، والأمور النسبية لَا تعقل إلا [بعد تعقل طرفيها*]، والجواب إما منع الملازمة وهو أن نقول الأصل متحد في علم الله ومتعدد في علمنا، نحن ما سمعنا دعاء [يصح*] له أجل واحد عند الله تعالى لا
стр. 1595
يتقدم عنه ولا يتأخر، وأجلان في فهمنا نحن واعتقادنا يصح تقدمه على أحدهما وتأخره عنه، فإن قلت: كيف يتقرر معنى الآية وهو من تحصيل الحاصل كأنه قيل إذا جاء جاء؟ فالجواب أن الضمير عائد على الشخص المؤخر إلى الأجل المسمى، أي إن أجل الله إذا جاء لَا يؤخر صاحبه، أو يكون المراد بمجيء الأجل مقاربة مجيئه؛ لأن الأجل هنا المراد به إهلاكهم بالعذاب. أي إذا صار إهلاكهم بالعذاب لَا يؤخرون عنه كما جرى لقوم يونس لما رأوا العذاب آمنوا فكشف عنهم.
قوله تعالى: (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
جوابها مقدر أي لعبدتم الله وآمنتم واتقيتموه.
قوله تعالى: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾
والمراد الدوام المادي لَا العقلي، قال ابن رشد: فيمن [حلف*] أن لَا يفارق دار الحاكم مع عزيمة ليلا ولا نهارا، أنه [لا*] يلزمه المقام إلا وقت الحكم فقط، والعقلي كقولك: الإنسان حيوان ليلا ونهارا، فإن قلت: لم نكرهما مع أن التنكير أقل تقليل، والتعريف أعم فائدة؟ فالجواب أن الألف واللام للعهد فقد يتوهم معهود هناك، وأيضا فإن المعرف بالألف واللام لَا تدخل عليه أداة العموم؛ بخلاف المنكر، فلا نقول: كل الإنسان حيوان وكل الرجل إنسان.
قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ ... (٦)﴾
عطفه بالفاء التي للتسبيب، أي بسبب الدعاء ازدادوا فرارا، فإن قلت: (لما) أبلغ في النهي؛ إذ هي تنفي الماضي المتصل بالحال، فلم يدل بها إلى لم؟ فالجواب أن لم لنفي قد فعل، وقلَّ فيها معنى التوقع، وهؤلاء لم يحصل لهم التوقع للخبر فقط، فإن قلت: لم أكد هذه الجملة بـ (إنَّ) مع [أن*] موجب التأكيد ينتفي عن*] الله تعالى، والقائل: من أعلم النَّاس بالله؟ فالجواب أنه جرى على عادة البشر في [مخاطباتهم*]، فإنهم يحترزون [**من أن يكون يحصر لهم] من يتعرض لهم بشيء، فيؤكدون كلامهم، [بإنَّ*]. قلت: يجاب بأنه لشدة خوفه من عدم الخروج من عهدة التبليغ ترك نفسه منزلة الشاك في حصول التبليغ، قلت: هذا ينتج العكس؛ لأن التأكيد ينافي الشك ويدل على التحقق.
قوله تعالى: ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ ... (٧)﴾
أوقع السبب موقع المسبب؛ لأن الدعاء إنما هو للإيمان لَا للمغفرة، لكن الإيمان سبب في المغفرة.
стр. 1596
قوله تعالى: [(كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) *].
عموم قوله (كُلَّمَا) ليس على حقيقته، وهو مخصوص بأول [قسم*] لهم فإِنهم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حينئذٍ؛ [إذ*] لم يكن لهم علم بدعواه [الرسالة*] إليهم؟ قلت: بل هو على عمومه لوروده بعد قوله (إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أي دعوتهم دائما فلم يؤمنوا [ثم*] بعد ذلك دعوتهم فسدوا آذانهم وغطوا رؤوسهم؛ ولأنهم قد سمعوه أحيانا وأصغوا له وأجابوه، فقالوا (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)، وأيضا الأول مطلق يصدق بصورة، وهو [مطلق*] الدعوة في مطلق زمان فلا يفيد التكرار، فقال هنا (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) ليفيد التكرار، وأيضا يكون المراد [بالأول الآباء*]، والثاني آبائهم [وأبنائهم*].
قوله تعالى: (وَاسْتَكْبَرُوا).
استكبروا: تأكيد الاستكبار [بالمصدر*] دون الإصرار، إما مراعاة لرؤوس الآي، وإما لأن الاستكبار [مدرك*] بالبديهة، والإصرار من أفعال القلوب، والاستكبار أشنع، [فلذلك*] أكده، ووجه الترتيب في هذه المعطوفات في جعل الأصابع في الآذان قدر مشترك بين جميعهم فقدم، وربما لم يكن عند بعضهم ثياب، فلا يتوجه طلب الاشتغال بالثياب فكان تابعا لأنه أخص، وقوله (وَأَصَرُّوا) لما كان دالا على وصفهم بالجفاء والبلادة، وتشبيههم بالحمر الوحشية كان تابعا لما قبله؛ لأنه ترق في الذم، وقوله (وَاسْتَكْبَرُوا) لما كان تجافيا للجهل والبلادة، وإنَّمَا يجب في حق الجاهل البليد أن يذل [ ... ] كان هذا دالا أن جهلهم مركب؛ فكان تابعا لأنه أبلغ في الذم وفيه تهكم بهم.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ ... (١٢)﴾
[أخبر في الأموال بالمد، وفي الجنات بالجعل*]، وفي سورة الشعراء (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ) .. فإِن قلت: لم قدم الجنات على الأنهار مع أن الأنهار سبب في حصول الجنات؟ فالجواب من وجهين:
الأول: أن الجنات مقصد والأنهار وسيلة، والمقصد أحق بالتقديم.
стр. 1597
الثاني: أن الجنات ذكرت بعد إرسال السماء عليهم مدرارا؛ فكأن السامع يتوهم أن المطر لَا يدوم بل ينقطع أحيانا فتبقى الجنات بلا سقي؛ فاحترس من ذلك بقوله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾
فيه سؤال وهو أن المعلوم للخلق بالضرورة إنما هو مجرد السماوات لَا كونها [سبعا*]، وأتى نوح ﵇ بهذا الدليل تقريرا على قوله، فكأنه يقول لهم: ألم تعلموا أن الله خلق سبع سماوات طباقا فكيف تكفرون به؟ وهذا غير معلوم إلا من جهة السمع، أو من جهة النظر والرصد، وليس بأمر ضروري، والجواب أن علماء أهل الهيئة نصوا على أن ذلك يدرك بالرصد وأن القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وأنها كلها تكسف فتحجب بعضها، ولا يدرك ذلك إلا بطول الأعمار، فالمتقدمون لطول أعمارهم رصدوا ذلك فعلموا منه عدد السماوات، وهذه الآية من كلام نوح ﵇ لقومه، وقد كانت أعمارهم طويلة فهم ممن حصل لهم العلم الضروري بكون السماوات سبعا من الرصد والكسوفات.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ... (١٦)﴾
الزمخشري: القمر في السماء الدنيا، وإنَّمَا قال (فِيهِنَّ) لأن بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن كذا، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال في المدينة كذا، وهو في بعض [نواحيها*]، انتهى. هذا دليل على أن السماء عنده بسيطة، لقوله: [وإن*] لم يكن في جميعهن، [ولأنا*] إذا قلنا: إنها [كورية*] والقمر في السماء الدنيا، فهو في قلب السماوات السبع كلها، ولذلك قال ابن عطية: لأن القمر من حيث هو في آخرها فهو في الجميع عند ابن عطية [كورية*]، وعن ابن عمران: الشمس لها وجه وظهر، فوجهها ما يلي السماء، انتهى. يريد أن ضوءها مختلف فهو من جهة قوي ساطع فسماها وجها، ومن جهة ذلك فسماها ظهرا، وقيل: إنها من الجهتين على حد سواء، ابن عرفة؛ وقيل: إن الشمس في السماء الخامسة، وقيل: في الرابعة، وقال عبد الله بن عمر هي في الشتاء في السماء الرابعة، وفي الصيف في السماء السابعة، انتهى.
وهذا عندنا جائز أعني انتقالها من سماء إلى سماء، وأما الطبائعون فيستحيل ذلك عندهم؛ ومراده بالسماء السابعة سماء الدنيا الموالية لنا فحينئذٍ يكون عندنا الصيف، ولو كانت في أعلى الفلك كما هو المتبادر للذهن لبعدت عنا، فإن قلت: كيف يفهم
стр. 1598
هذا مع أن زمن الشتاء والصيف أمر نسبي يختلف باختلاف الأقطار، فإذا كانت الشمس في رأس السرطان كان عندنا أول الصيف، وعند أهل الجنوب أول الشتاء، وإذا كانت في رأس الجدي فعلى العكس؟، وكيف يفهم انتقالها وما تقول في زمن الربيع والخريف هل تنتقل فيه أو لَا؟ فإن قلتم الجنوب غير معمور وإنما كلامنا في معمور الأرض؟ قلت: السؤال واجب [رده*] من حيث الجملة لَا بالنظر إلى معمور وغيره وأيضا فنص بطليموس على أن بعض الجنوب معمور، وأيضا كيف انتقالها مع كونها قدر الدنيا مائة وستين مرة ونيف؟ فكيف تنتقل للسماء الدنيا؟ فالجواب: أن ذلك يفهم على أحد وجهين:
إما بأن المنتقل شعاعها لَا ذاتها، وإما بأن مراده بالسماء السابعة [ ... ] وهو أعلى فلكها وأقصى ارتفاعها؛ لأن السماء يراد بها العلو فقط، وقيل في الصيف: تبلغ إلى أعلى الفلك فيكون في آخر [الجوزاء*]، وأول السرطان وهو أوجها.
قوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا).
أبو حيان: فيه الحذف من الثاني لدلالة الأول؛ أي وجعل الشمس فيهن سراجا، هذا لَا يصح؛ لأن الشمس ليست في جميعهن؛ لأنها في الفلك الرابع وما فوقه محتو عليه؛ بخلاف ما تحته وهو الفلك الأول والثاني والثالث فإنها خارجة عنهن وليست فيهن؛ فليس فيه الحذف من الثاني لدلالة الأول، وإنما تقدير المحذوف وجعل الشمس في بعضهن سراجا، فإن قلت: إن كانت جعل بمعنى خلق فما قلته ظاهر، وإن كانت بمعنى صير، فتقول: إن الشمس مصيرة في الجميع باعتبار كونها سراجا؛ لأن ضوءها يعم الجميع؟ قلت: إنها في ذاتها وصفتها، كما تقول: زيد في المدينة كريم، فكرمه وذاته في المدينة، وعبر بالسراج في الشمس إشارة إلى أن ما فيها من الحرارة كما في ضوء السراج، وأما القمر فلا حرارة فيه، فلذلك لم [يسمه*] سراجا.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾
الزمخشري: (نَبَاتًا) مصدر من لفظ نبت أو من معناه، فتعقب أبو حيان قوله من معناه بأنه غير معقول، ويجاب بأنه أراد أن المصدر من المعنى هو الذي يستلزمه الفعل الأول، فلا يكون إلا أخص من الفعل، مثل: جلست القرفصاء، ولا يجوز أن يكون أعم منه، فلا تقول: قام زيد حركة؛ لأنه لَا يفسر الجلي إلا أجلى منه، وأنبت أخص من نبت، وقيل: (نَبَاتًا) بدل، ورد بأنه بدل الأعم من الأخص، وهو باطل حسبما نص عليه ابن عصفور في باب الاستثناء من مقربه وغيره.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾
стр. 1599
إن قلت: لم عطف الأول بـ ثم والثاني بالواو؟، فالجواب من وجهين:
الأول: أنه لما كان الإخراج دفعة واحدة، والإنبات شيئا بعد شيء، والإعادة في الأرض كذلك أتى بـ ثم إشارة إلى المهلة بين أول الإنبات وأول الإعادة في الأرض لما كانت أمرا ضروريا مشاهدا لَا يخالف فيه أحد أتى به على حكم الوجود الخارجي بـ ثم التي للمهلة، ولما كان الإخراج من الأرض قد أنكروه، أتى به معطوفا بالواو؛ تحقيقا لوجوده إشارة إلى أنه لَا مهلة فيه حتى كأنه أقرب شيء، فإِن أجيب بأن المهلة الفاصلة بين الإنبات والموت هي في زمن الحياة؛ فهي مشاهدة ظاهرة يدركها كل أحد، والفصل بين الإعادة في الأرض والإخراج منها يوم القيامة ليس بظاهر فلذلك لم يأت فيه بالمهلة بأن هذا إنما يتم في الشخص الواحد بذاته فإِنه يدرك الفصل بين نشأته وموته، وأما الفصل بين موته وإخراجه من الأرض فلا يدركه، ونحن نجعله في أبناء جنس الإنسان المهلة الفاصلة بين نشأة جده وموته وسيشاهد المهلة عند موته.
قوله تعالى: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾
وفي سورة (فِجَاجًا سُبُلًا) فكل منهما صفة وموصوف.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ... (٢١)﴾
إن قلت: إنها تؤكد الجملة إذا كان المخاطب منكرا لها، أو ظهرت عليه مخائل الإنكار، والله أعلم بكل شيء، فلا يتم ذلك بالنسبة إليه؟ فالجواب: أن الإنكار قسمان: فهو بالمعنى المذكور مستحيل هنا.
والقسم الثاني: أن يكون ما تعاطاه المكلف منكرا غير الموافق عليه للشريعة، وهو المراد هنا لقوله (عَصَوْنِي) مع أن طاعة الرسول واجبة، والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جهة عصيان قوم نوح نوحا، وتخويف لقريش من جهة عقوبته قوم نوح على عصيانهم، والآية حجة لمن يقول: إن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء؛ لأن نوحا هو مبلغ عن الله تعالى، فهم إنما عصوا الله تعالى لمخالفتهم أمره لهم على لسان رسوله، فلما قال (عَصَوْنِي) دل على أنه هو [الآمر لهم، بذلك الشيء*]؛ إلا أن يجاب بأنه أسند العصيان إلى نفسه على [جهة*] الأدب؛ لأن في إسناده إلى الله تعالى جفاء وغلظة في العبارة.
قوله تعالى: (مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ).
قال المفسرون: المراد به إسرافهم، فعلى ما قالوه تكون الآية دالة على عصيان الأشراف المتبوعين باللزوم لَا بالمطابقة؛ إن جعلنا ضمير اتبعوا عائدا على ما عاد عليه
стр. 1600
ضمير فاعل عصوني، وإن جعلناه عائدا على بعضه كما قالوا في قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) فيكون دلالة مطابقة، ويحتمل أن يكون المراد بالمتبوعين الأمم المتقدمة، ولم يذكره المفسرون.
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا ... (٢٢)﴾
إما معطوف على (لَمْ يَزِدْهُ) فيكون من فعل الأشراف، أو على (اتَّبَعُوا) فيكون من فعل الأتباع، أو على (عَصَوْنِي) فيكون صفة للجميع.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا ... (٢٣)﴾
إما الأشراف، أو الجميع بعضهم لبعض.
قوله تعالى: ﴿كَثِيرًا ... (٢٤)﴾
إما مفعول به أو [مصدر*].
قوله تعالى: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا).
أورد الزمخشري هنا سؤالا يتقرر على مذهبه وعلى مذهبنا، وتقدم له نظيره في سورة يونس، وهو أنه لَا يصح [الدعاء*] على الكافرين بالموت على الكفر، ولا على العاصي بالموت على العصيان؛ لأنه مأمور في كل وقت بنهيه عن ذلك والتغيير عليه والدعاء بذلك إقرارا ورضا، وهو من باب طلب الكفر والمعصية؛ فكيف صح ذلك؟ وأجاب الزمخشري عن ذلك على مذهبه بأنه طلب الترك لَا الفعل، وطلب تخليتهم ومنعهم الألطاف فهو طلب العدم، وذلك لأنه يقول: إن الله تعالى يستحيل عليه أن يخلق الكفر والضلال، وجوابنا نحن على مذهبنا إما بأن نوحا ﵇ غلب على ظنه بطول الممارسة لهم أنهم لَا يؤمنون فطلب ذلك، وإما بأنه أوحى الله تعالى إليه أنهم لا يؤمنون كما في سورة [هود*]، فإِن قلت: يلزم عليه تحصيل الحاصل، قلت: لم يطلب لازمه، وهو تضعيف العذاب عليهم في الدار الآخرة، وأجاب القرطبي بأن الممتنع إنما هو الدعاء على الشخص المعين، وهذا دعاء على جميع الكفار، ويقال لهم ولعلهم يسلمون، وعبر بالوصف الأعم وهو الضلال؛ لأن كل [ما*] لزم الأعم لزم الأخص.
قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ... (٢٥)﴾
أي من أجل خطيئاتهم، فهو إشارة إلى أنهم لم يعاقبوا على مجرد الكفر فقط؛ بل عليه وعلى جميع خطاياهم؛ فيدل على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة.
стр. 1601
قوله تعالى: (فَأُدْخِلُوا نَارًا).
عطفه بالفاء إما لأن المراد عذاب [القبر*]؛ لأن (نَارًا) منكرة ولو أريد جهنم لعرفت، وقال الزمخشري: لاقترابه وتحقق وقوعه حتى كأنه قد كان، فإن قلت: هذا على مذهبه في [أنها الآن غير مخلوقة*]، قلت: بل وعلى مذهبنا؛ لأن المراد إدخال الأجسام لَا الأرواح، وقول القرطبي، قيل: المراد بالنار إغراقهم في البحر، لقول ابن عمر: "متى تعود يا بحر نارا" من بدع التفاسير، ويلزم عليه التكرار، قال: وقيل إن المراد أن كل واحد منهم عذب نصفه بالغرق، ونصفه بالنار.
قوله تعالى: (فَلَمْ يَجِدُوا).
فيه إشارة وهو أن العطف بالفاء المقتضية للتعقيب لَا تقتضي إلا عدم وجدان الناصر إثر دخولهم النار، لَا دائما، فهلا عطف بالواو المقتضية لعدم وجدان الناصر دائما؟ والجواب بأن هذا في أشخاصهم، والعام في الأشخاص عندنا عام في الأزمنة والأحوال، يرد بأنهم [موصوفون*] بـ (لم) التي هي لنفي الوجدان، لَا نفي الوجود، فظاهر الآية أن هناك أنصارا خفيت عنهم ولم يجدوهم؛ مع أن الثابت في نفس الأمر عدم الناصر بالإطلاق، ويحتمل أن [يكون تهكما*]، ويكون من باب نفي الشيء [بإيجابه*]، مثل: [لا أرينك هاهنا*].
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ ... (٢٦)﴾
إن قلت: الأصل تقديم هذه الجملة على الذي قبلها؛ لأن دعاءه عليهم من جملة أسباب عذابهم؟ فالجواب أنه لو قدم على ذكر العقوبة، لأوهم أن العقوبة مترتبة على المجموع الذي هو دعاء عليهم وحسابهم، ومع التأخير يزول هذا التوهم، وهو أبلغ، [**ولهم من يتق].
قوله تعالى: (عَلَى الْأَرْضِ).
يريد في ذلك الزمان، وإلا فيقال: قد وجد الكافر الآن.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا .. (٢٧)﴾
إن قلت: ما الجمع بينه وبين حديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"؟ فالجواب أنه يولد على الفطرة ثم يصير في ثاني حال فَاجِرًا كَفَّارًا، القرطبي فإن قلت:
стр. 1602
كيف يفهم ما ورد في حديث الشفاعة من أن الخلق يأتون إلى نوح ﵇ ليشفع فيهم، فيذكر دعوته فيمتنع من الشفاعة مع أنه لم يدع إلا دعاء [ ... ] فيه؟ فالجواب أن تلك الشفاعة عامة تشتمل الخلائق كلهم، وفيهم قومه، وقد كان دعا عليهم فكيف يشفع حينئذ فيهم.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ... (٢٨)﴾
هذه ليست مغفرة الذنوب؛ لأن الأنبياء معصمون من ذلك، وإنَّمَا هو باعتبار تفاوت الدرجات؛ كما ورد "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وبدأ بنفسه على سبيل الإقرار والاعتراف [بأنه*] أحوج النَّاس إلى ذلك، وذكر المؤرخون أن آباءه كانوا مؤمنين إلى آدم، والآية تدل على صحة ذلك؛ لأن المغفرة إنما يُدعَى بها للمؤمن، قال تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) وما استثنوا من ذلكَ سوى إبراهيم، الزمخشري: أبوه لمك [بن متوشلخ*]، وأمه شمخا بنت أنوش كانا مؤمنين، انتهى الذي ذكر أبو عمر ابن عبد البر أن أباه لامك، وذكر البكري أن آدم ﵇ عاش حتى رأى نوحا ولم يذكره غيره، قال شيخنا: لما قرأنا هذا المحل في مجلس السلطان ابن الحسن المريني، قال لبعض أولاده: يا ولدي الله الله [أكثِرْ*] من قراءة هذه السورة لاشتمالها على الدعاء، وكان بعض الشيوخ يقول: إذا قرأها بهذا القصد فإِنه يخرج الآية عن المعنى الذي سيقت [له*]، فإن المراد بالوالد فيها والد نوح قطعا، فإِذا دعا القارئ [نادي*] والده خرجت عن معناها فلا يسوغ له هذا وإلزامه بعضهم أنه لَا يصح دعاء من قرآن، فإنه كذلك مهما دعا به نفسه فقد أخرج الآية عما أريد بها، والصواب أن ذلك على قسمين: ففي الآيات العامة يجوز، وإلا فلا.
стр. 1603
قوله تعالى: (وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا).
أي لمن دخل شريعتي مؤمنا، وهذه الحال إما مؤكدة؛ لأن دخول يستلزم الإيمان، وإما مبنية؛ لأن مؤمنا اسم فهو دال على الثبوت، أي لمن دخل شريعتي ثابتا على الإيمان فيرجع إلى كونها مؤكدة.
قوله تعالى: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ).
ابن عطية: هذا رد مطرد في كل ملة، والذي استجاب دعوة نوح فأغرق أهل الأرض جدير أن يستجيب له فيرحم بدعوته المؤمنين، انتهى، وهنا سؤال وهو أن دعاء نوح ﵇ للمؤمنين بالمغفرة إما أن يراد به عدم مؤاخذة العصاة بذنوبهم أو لَا، وعلى كل تقدير فيشكل باعتبار الفهم بأن يقال: فلا يبقى لشفاعة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الواردة في الحديث الصحيح؛ لأنه أريد بالمغفرة عدم المؤاخذة بالذنب أن تكون أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يدخلون النار فلا يحتاجون إلى الشفاعة؛ لأن الظن بهذه الدعوة أنها مستجابة، وإن أريد بالمغفرة الصفح عنهم بعد دخولهم النار؛ لزم أن يكون خروجهم منها بدعوة نوح ﵇ لَا بشفاعة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ والجواب: إما [أنَّ*] نوحا ﵇ أراد مؤمني أهل زمانه، وإما بأن [تُأوَّل*] المغفرة على تخفيف العذاب؛ لَا على عدم المؤاخذة بالذنب فهم يخفف عنهم العذاب بدعوة نوح ﵇، ويخرجون من النار بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (إِلَّا تَبَارًا).
وقال قبله [(إِلَّا ضَلَالًا) *] فخص تلك بالضلال؛ لأنها في حال الحياة الدنيا وهذه في حال الموت؛ فناسب تعقبها بالهلاك، الزمخشري: فإن قلت: [ما فعل صبيانهم حين أغرقوا*]؟ فأجاب بأن غرقهم ليس عقابا؛ بل سبب من أسباب الموت كما يموتون بغيره من الأنواع، الطيبي، عن صاحب الانتصاف: هذا السؤال إنما يتقرر على قاعدة المعتزلة في التحسين والتقبيح؛ لأن هلاك الصبيان بغير سبب قبيح عندهم، انتهى.
يرد بأن السؤال بالإطلاق لَا يتقرر إلا على قواعدهم، [وإنما*] باعتبار التفصيل فيتقرر عندنا وعندهم، فنقول أما باعتبار النقل فلا يلزم عندنا؛ بل قد يهلكون وهم لم يعلموا شيئا، وهم يقولون: إنما يهلكون لسبب، وأما باعتبار الشرع فالتلازم معتبر عندنا وعندهم؛ لأن الشرع ورد بتنعيم الطائع وتعذيب [العاصين*]، والأطفال [لم يعملوا*] ما يعذبون عليه، فيرد السؤال على مذهبنا وعلى مذهبهم.
стр. 1604
سُورَةُ الْجَنِّ
الإتيان بـ (قُلْ ... (١) .. دليل على [غرابة المقول*]، وأنه أمر عجيب، وقوله (أُوحِيَ) مع أن القرآن كله موحا به؛ لأنه لو قال اسمع؛ لأوهم أنه يخبر عن من شاهد منهم، وعلم، فقد يقال له حينئذ كيف يسمعهم وليسوا من جنسه ولا من نوعه. فاحترز من ذلك بأنه إنما حصل له معرفة ذلك بالوحي لَا بالمشاهدة، قال القرطبي: والآية تدل على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرهم ولا سمع كلامهم، انتهى.
يحتمل أن يكون لم يسمع كلامهم أولا، ثم سمع كلامهم آخرا لما أعلم به فأصغى إليه.
قوله تعالى: (عَجَبًا يَهْدِي).
عبر عن العجب [بأنه*] راجع له في نفسه.
قوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا بِهِ ... (٢)﴾
ابن عطية: عطفه بالفاء التي للتعقيب مع أنهم ذكروا بين السماع والهداية والإيمان، وعطفه في الآيتين الأخريين بالواو، والجواب: أن هذه الآية في الجن وهو في أمورهم في غاية الإسراع فهو وإن كانت مهلة هو أقرب من غيره، وإعجاز القرآن باعتبار لفظه، ولذلك يقول الإمام فخر الدين: شرط المعجزة أن تكون حادثة، وأما معناها فهو الكلام القديم الأزلي، ونقل القاضي أبو بكر الوليد الباجي في البغية المسمى [التسديد في علم التوحيد*] أن القاضي أبا بكر الباقلاني ذهب إلى أن إعجاز القرآن باعتبار لفظه، وباعتبار معناه القديم الأزلي، والجمهور على خلافه، ونحوه ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في [تأليفه*] في إعجاز القرآن الكريم، وزاد أنه لا يشترط في إعجازه التحدي به إلا للعوام، وأما علماء العرب وفصحاؤهم فهم بنفس أن يسمعوا شيئا عنه يدركون إعجازه بفطرته لما جبلوا عليه من الفطنة.
قوله تعالى: (فَآمَنَّا بِهِ).
الضمير عائد على القرآن، أو على الله تعالى، فيكونوا آمنوا أولا بوجود الله تعالى ثم [وحَّدوه*]، وفي التعبير بلفظ الرب دليل على أن [ارتباط الدليل بالمدلول*]، أمر عادي لَا عقلي؛ خلافا للمعتزلة فهو إشارة إلى رأفته ورحمته بعباده، ولولا ما أرشدهم ما اهتدوا إلى الإيمان.
قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا ... (٣)﴾
стр. 1605
أي تعاظمت عظمته وتفسير الخطيب: الجد بالأصل خطأ، واعتقاده كفر، وعبر بالولد ليشمل الذكر والأنثى فيكون ردا على الجاهلية في قولهم: الملائكة بنات الله، وعلى اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، فإن قلت: [نفي الصاحبة*] يستلزم [نفي الولد*]، فالجواب: إما أن نقول أنه دلالة [المطابقة*] أقوى من دلالة الالتزام، وإما كون الصاحبة سبب في وجود الولد، إنما هو سبب مادي لَا عقلي.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾
هذا اعتذار منهم؛ أي كنا نعتقد أن لَا يكذب أحد منا، ولا من غيرنا على الله، وهو ظاهر إن قلنا إن العقل خلا من سمع، وإن قلنا إنه لم يخل قط من سمع؛ فيكون المراد بعض الإنسان وبعض الجن، وهم الذين شاهدوهم ورأوهم، ويكون البعض الآخر وهم المؤمنون والمصدقون بوجود الله ووحدانيته لم يرهم ولا بلغتهم مقالتهم، فحينئذ يصح أن يكون هذا القول عذرا لهؤلاء، وإلا فيقال سمعتم [قول*] الكاذبين من الفريقين، وقول الصادقين، فصدقتم الكاذبين، واتبعتم قولهم [بغير*] موجب، وتركتم قول الصادقين فلا ظن لكم.
قوله تعالى: ﴿حَرَسًا شَدِيدًا ... (٨)﴾
قيل: اسم جمع، وقيل: جمع حارس، فإن قلت: وصفه بالمفرد يدل على أنه ليس بجمع، قلت: نص المبرد على أنه يصح وصف جمع التكسير بالمفرد، وهذا خلاف كلام الزمخشري لاستدلاله على أنه اسم جمع بوصفه المفرد؛ فمفهومه أنه لو كان جمعا لما وصف بالمفرد.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ... (٩)﴾
هذا دليل لأهل السنة في أنهم أجسام متحيزة خلافا للمعتزلة، وورد أنهم كانوا يقعدون واحدا فوق واحد [حتى يقرب للسمع*].
قوله تعالى: (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ).
(مَن) الشرطية تدل على الاستقبال دلالة ظاهرة، والآن تدل على الحال دلالة نص، فلا تناقض بينهم، فصح أنه حال، فإن قلت: على هذا يكون منع الشياطين بالشهب عن استراق السمع خاصا بذلك الزمان؛ مع أن المشاهد إقامته واستمراره في المستقبل؟ قلت: إنما جاء الخصوص من مفهوم الزمان في الآن، ولنا أن نقول: إن المفهوم هنا غير [معتبر*].
стр. 1606
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ ... (١٠)﴾
تضمنت الآية أمرين:
الأول: أنهم حصل لهم العلم بأن الله تعالى موصوف بالحياة والعلم والقدرة والكلام؛ لتعبيرهم بالإرادة، ولم يقولوا: أشر يقع بمن في الأرض، والإرادة تستلزم هذه الصفات كلها.
الثاني: أنهم حذفوا الفاعل على جهة الأدب مع الله في نسبة الشر إليه؛ مع أن الكل من فعله وخلقه جل وعلا، وعمموا الإرادة، ولم يقولوا: أريد بنا، وحمل الزمخشري على ذلك عاقبة الأمر؛ أي لَا يعلم هل يختم لهم بالإيمان أو بالكفر، وهذا بناء منه على أنهم هدوا بعد ما آمنوا، وحمله ابن عطية على حالتهم تلك؛ أي لَا نعلم هل [يؤمن أهل الأرض*] أو يدوموا على كفرهم، وهم بناء على أنهم قالوا ذلك قبل أن يؤمنوا، أو تكون الآية حكاية حال [ماضية*]، وعبروا بالرشد؛ لأنه أخص، واستعمال الأخص في الثبوت أولى من الأعم، أو لأن ذلك كان في زمن النبوة حالة وجود المرشد إلى طريق الجنة، وأول الآية يقتضي عمومية الفاعل، والجهل بالمفعول وهو المراد، وآخرها وهو قوله تعالى: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) يقتضي عمومية المفعول، وحذف الفاعل من الأول دون الثاني تأدبا مع الله تعالى في نسبة الخير إليه دون الشر، وإن كان الكل من فعله.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ ... (١١)﴾
إن كان المعنى، ومنا المقاربون لهم فلا يكون تقسيما مستوفيا، وإن كان المعنى: ومنا الكافرون فيكون مستوفيا.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ ... (١٢)﴾
ابن عطية والزمخشري: الظن هنا بمعنى العلم، انتهى؛ بل هو على بابه، ويدل على ذلك ثلاثة أمور:
الأول: أنه تقرر في علم أصول الدين الاختلاف فيمن يجزم بنفي الصفات عن البارئ تعالى، هل هو كافر أو لَا؟ [وكذلك*] أيضا من يشك فيها.
الثاني: أنهم اعتقدوا ذلك في أول أمرهم من غير جزمهم، ثم لما تمكن الإسلام في قلوبهم جزموا بذلك، فقالوا: [وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا*].
стр. 1607
الثالث: أن الظن ليس متعلقا بعدم الإعجاز المطلق؛ بل يفيد كونه في الأرض فهم جزموا بأنهم لَا يعجزون الله تعالى بالإطلاق، وظنوا أنهم لَا يعجزونه في الأرض؛ أي جزموا أنه يهلكهم، وينتقم منهم، وظنوا [أنه*] إنما ينتقم منهم في الأرض كما نعلم أن الله يميت زيدا، ونشك هل يميته [بمكة*] أو بالمدينة أو بغيرهما.
قوله تعالى: (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا).
إما معطوف على (وَأَنَّا ظَنَنَّا) فلا يكون مظنونا بل [مستأنفا*]، وإما على أن (نُعْجِزَ اللَّهَ) فيكون مظنونا؛ أي وظننا أن لن نعجزه هربا، وفي الآية إبطال لمذهب الحكماء القائلين أن الجن جواهر مفارقة لَا متحيِّزةٌ ولا قائمةٌ [بالمتحيِّز*]، [فإن الهرب*] من عوارض الأجسام؛ إذ هو [انتقال*] بسرعة، وذلك عين الحركة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ... (١٣)﴾
أي سبب الهدى.
قوله تعالى: (فَلا يَخَافُ).
الزمخشري: أي فهو لَا يخاف، قال: وفائدة تقرير الضمير الدلالة على تحقيق أن المؤمن ناج لَا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره، انتهى، يتقرر الأول بأن الشرط لما كان يصح ترتيب الأمر المحال عليه، قدر ذلك بما يدل على ثبوت عدم الخوف وتحقق الطمأنينة، وتقرير الثاني أن البناء على المضمر يفيد الاختصاص، فإِن قلت: لَا حاجة إلى المضمر؛ لأن الاختصاص مستفاد من مفهوم الشرط، قلت: يكون تأكيدا وتحقيقا، فإن قلت: البخس أعم فهلا اكتفى به عن الرهق، قلت: "البخس" للمؤمن المتقي، والرهق للفاسق، فلم يتحد المتعلق، [(فَلا يَخَافُ) *] إما نهي أو نفي، [فأما*] النهي [فظاهر*]، وأما النفي [فساقط*]، فإِن قلت: يلزم عليه الخلف في [الخبر*]، قلت: هو معلق على وصف مناسب [لمعانيه فثبت عدم الخوف*]، والآية في قراءة الشكل الأول وتقريره السامع للهدى آمن به، وكل من آمن به لَا يخاف بخسا، فالسامع للهدى لا يخاف بخسا.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ ... (١٤)﴾
عبر أولا بالإيمان، وهنا بالأخص منه وهو الإسلام، كما في حديث [القَدَر*].
قوله تعالى: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا).
стр. 1608
الزمخشري: زعم من لَا يرى للجن ثوابا أن الله تعالى توعد القاسط بالعقاب، وما. وعد مسلميهم بالثواب، وكفى بقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) [فذكر سبب*] الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط، ولا يثبت الراشد، انتهى، وجوب ثواب الراشد عنده عقلا، وعندنا نحن شرعا، فإن قلت: ورد في الشرع ثواب الطائعين من الإنس ولم يرد ثواب الجن؟ قلت: هذه المسألة في أسئلة المازري سئل هل الجن مكلفون يثابون أو لَا؟ وأجاب بأنهم مكلفون بالطاعة ومثابون عليها، وكذا قال ابن عطية القضاعي في موازنة الأعمال، ويحتمل أن تكون الآية من حذف التقابل؛ أي (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) وكانوا منعمين في الجنة، (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ .. (١٥) فأولئك أساءوا وأجرموا (فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا).
قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ... (١٦)﴾
فسر بوجهين: إما أن المعنى لو أطاعوا وتمادوا على الطاعة لَأَسْقَيْنَاهُمْ، أو المراد لو عصوا وتمادوا على طريقة العصيان لَأَسْقَيْنَاهُمْ، وأعاد ابن عطية الضمير في استقاموا على الإنس، وأعاده الزمخشري على الجن، ورجح الفخر الأول لقوله (لَأَسْقَيْنَاهُمْ) والجن لَا يسقون، وإنما يتم له ذلك على مذهب من يقول عنهم روحانيون لَا يأكلون ولا يشربون، ومذهبنا نحن أنهم أجسام، يجوز أكلهم وشربهم، كما ورد في الحديث. فإن قلت: يترجح أن المراد بالاستقامة الطاعة كون الألف واللام في الطريقة للعهد، فالمراد طريق الحق؟ قلت: الطريقتان معهودتان، لقوله (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ)، وقال (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)، وإنَّمَا [يترجح كون المراد بالاستقامة*] الطاعة المتعدية بـ على المقتضية للاستيلاء والاستعلاء، فإِن قلت: يحتمل أن يكون المعنى: لو استقام الخلق كلهم على الطاعة لأسقيناهم ماء غدقا، يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، كما ورد في الحديث: "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، [وَلَجَاءَ*] بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ"، قلت: هذا لم يقله أحد، ويلزم عليه جعل الاستقامة سببا في الذنب، فإِن قلت: جعل الاستقامة وهي الطاعة على أحد [التقديرين*] سببا في السقيا، والسقيا سببا في الفتنة، فهي سبب السبب، مشكل إذ لَا يعقل كون الطاعة سببا في [الذنب، وفي الطاعة*]؛ لأن فيه تحصيل الحاصل، قلت: هي سبب؛ لأن بعض المسلمين يرتد عن دينه، ولا يدوم على الإسلام.
قوله تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ... (١٧)﴾
стр. 1609
الذكر إما الطاعة، فالمصدر مضاف للمفعول، أو الوحي فهو مضاف للفاعل [وهذا أخص، فهو على الأول معصية*]، [وعلى*] الثاني كفر، ويحتمل أن يكون أراد الذكر حقيقة. أي عن أن يذكر الله (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، وفي الحديث: "وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ [مِنْهُمْ*] "؛ فيكون مضافا للفاعل.
قوله تعالى: (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا).
إن أريد بالإعراض الكفر فظاهر، وإن أريد ما دونه من المعاصي فهو عام مخصوص؛ أي إن شئنا ذلك.
قوله تعالى: ﴿عَبْدُ اللَّهِ ... (١٩)﴾
الزمخشري: عبر بهذا اللفظ، ولم يقل: قام الرسول أو النبي؛ لأنه واقع في كلام النبي، فعبر بما يقتضي التواضع والتذلل، انتهى، وهذا مسامحة؛ لأنه ليس من كلامه إنما هو [محكي*] عن الله تعالى، وإنما الجواب أنه على سبيل التعليم له ولأمته في تعبير المتكلم عن نفسه بما يقتضي التواضع، واختلفوا في معنى (يَدْعُوهُ) فقيل: في الصلاة، وقيل: خارجها، وعلى الثاني يكون من المسألة المختلف فيها؛ لأن مالكا كره في التنبيه الدعاء قائما، ومنهم من جعل (قام) من [أفعال المقاربة*] كأخذ وانظر [**التقريب لابن الجزري].
قوله (إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي ... (٢٠) .. لفظ الرب تنبيه على أن اختصاص الله تعالى بعض خلقه بالنبوة محض تفضل منه ورحمة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾
الزمخشري: أي لَا أستطيع أن أضركم [وأن أنفعكم*]، إنما الضار والنافع الله، [أو*] لا أستطيع أن [أقسركم على الغىّ*] والرشد، وإنما القادر على ذلك الله، انتهى، هذا اعتزال، والمعنى عندنا لَا أستطيع أن أخلق لكم ضررا أو نفعا إنما خالقهما الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي ... (٢٢)﴾
стр. 1610
إن قلت: لم نفاه بـ لن، ونفى ملكه [الضر*] بـ لا؟ والجواب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل وقت يستحضر الموت، ونظره إنما وقته الحالي، وليس له تعلق بالمستقبل بوجه، وملك الضر والرشد مضاف إليه، فنفى بـ لا التي هي غير صريحة في المستقبل، بل قد قيل: إنها [تنفي*] التي هي غير صريحة في الاستقبال، بل قد قيل: إنها تنفي الحال، ولما كان الذي [يجارُ منه هو الله تعالى*]، وكانت [الإجارة*] منسوبة إليه، [في الحال والاستقبال نفاه بـ لن*]، وأجيب أيضا لما كان ملك الضر والرشد مما قد يتوهم نسبته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد رتبه عليه في الحال، لم يحتج إلى نفي [الإجارة*] من الله تعالى في الحال والاستقبال، نفي باللفظ العام، ولما كان صدور الذنب منه غير واقع في الحال، لم يحتج إلى نفي [الإجارة*] من الله تعالى في الحال، ثم نفى الاستقبال على تقدير فرض وقوعه قبل، وكذلك [بفرض*] وقوعه في الحال.
قوله تعالى: (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).
النفي الأول تعلق ببني آدم، والثاني بغيرهم؛ أي لن أجد مكان أختفي فيه وألجأ إليه.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا بَلَاغًا ... (٢٣)﴾
الزمخشري: أي لن أجد من دونه ملجأ إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، وقيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، والمعنى: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول: قال الله كذا، ناسباً لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان، انتهى.
إن قلت: يلزم عطف الشيء على نفسه، كان معناه عنده وتبليغ رسالته، قلت: إنما معناه عنده إلا أن أبلغ عنده بلاغا من الله أو من رسالاته؛ لأن الشرائع التي أمر بتبليغها لنا قسمان، منها ما تلقاه من الله مباشرة، ومنها ما حفظه بواسطة الملك.
قوله (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ... (٢٤) .. إن قلت: ما معنى الغاية هنا، وحتى من جهة مخالفة [ما*] بعدها لَا قبلها فيلزم انقطاع الخلود برؤيتهم ما يوعدون مع أنه دائم؟ فالجواب أن المراد أن زمن الغيبة وهو الذي كانوا يوعدون فيه بالخلود في النار، وهي غائبة عنهم فينقطع برؤيتهم لها.
قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ).
الفاء جواب إذا، والسين للتحقيق لَا للاستقبال؛ لأنهم إذ رأوا العذاب يحصل لهم العلم الحالي لَا الاستقبالي؛ إذ تقول هي للاستقبال. لأن الشرط مقدر الوقوع لا واقع.
стр. 1611
قوله تعالى: ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)﴾
إن قلت: فيه عطف الأعم على الأخص، وهو غير جائز لما فيه من تقسيم إلى نفسه وإلى غيره، وجعل قسما الشيء قسيما، فالجواب أن في الكلام تقدير صفة أي أمرا بعيدا، وأجاب الزمخشري بأن المراد بقريب الزمن الحالي، [وبالأمد*] الاستقبالي، فليس من عطفه الأعم على الأخص؛ بل من عطف الشيء على غيره، فيلزمه المجاز في حمل القريب على الحال، ويلزمنا نحن الإضمار وهو خير من المجاز، فإِن قلت: ليس مراد الزمخشري بالقريب الحال بل الزمن الذي يتوقع في كل وقت حضوره، أي لا تدري أهذا الذي تدعون أواقع بكم ليس له حد محدود؛ [أم هو واقع في زمن متوقع حلوله بكم*] إذ له أمر لَا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه كأجل الدَّين الحالِّ مع الدَّين المؤجل، قلت: إن أردت بالقريب أنه مؤخر عن زمن الحال، فيتناوله لفظ [الأمد*]، وإن أردت به الحال؛ فيلزمك المجاز، ونفي العلم بقربه وبعده؛ فيستلزم نفي العلم بعين وقته؛ بخلاف العكس، ولفظ الرب مناسب لما تضمنته الآية من الرحمة والشفقة عليه.
قوله (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) .. هذه الإضافة مجاز؛ لأن المضاف إليه يكتسي من المضاف إليه وصفا مناسبا بحق، [كقولك*] زيد صاحب عمرو [واكتسى*] منه وصف الصحبة، وكذا زيد ضارب عمرو، [اكتسى منه*] وصف الضرب، حسبما ذكر الفخر نحوه في [المحصول*] في إضافة أصول الفقه، فيلزم فيه أن يكون الغيب صفة لله وهو باطل، فإِن قلت: هو صفة له بمعنى أنه فاعله في قوم دون قوم؟ قلت: ذلك تغييب لَا غيب؛ لأنه من غيب، وهذا من [ ... ]. فيرجع إلى المجاز الذي قلناه.
قوله (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ ... (٢٧) .. استثناء متصل أو منفصل؛ باعتبار أن الغيب هو حالهم ينصب عليه دليل، وعلم الرسول للغيب بدليل، فليس من الغيب في شيء واحد. الزمخشري: في الآية إبطال كرامات الأولياء؛ يرد بأن لَا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي هذا [بالاطلاع*] الخاص، أو نقول: هذا عام مخصوص بكرامات الأولياء، أو نقول: الحاصل لهم ظن لَا علم.
стр. 1612
سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ
قال الزمخشري: مكية، ثم قال: وعن عائشة أنها سئلت ما كان تزميله، فقالت: كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا نصفه عليَّ [وأنا نائمة*] ونصفه عليه وهو يصلي، انتهى، وهذا مناقض لقوله [إنها مكية*]. لأن بناءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعائشة كان بالمدينة.
قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ ... (٢)﴾
الآية تقتضي أن [الجزء*] المأمور به من الليل شائع فيه [وقد يرجح*] آخره لما في الحديث، أبو حيان: المراد قم الليل كله؛ وهو ظرف عند البصريين ومفعول به عند الكوفيين؛ لاستغراق الفعل له، انتهى.
ونقل ابن مالك عن سيبويه: لقيت زيدا الليلة، أن اللقاء في جميع الليل.
قوله (نِصْفَهُ ... (٣) .. قيل: بدل من قليل، والضمير في (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ) إما للنصف المقدم أو المتروك، والمعنى فيهما واحد، وقال الزمخشري: [(نِصْفَهُ) بدل*] من الليل، (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، قال: ولنا أن نجعل نصفه بدلا من النصف، أي قم أقل من نصف الليل، والضمير في (منه) [و (عليه) *] للنصف فهو مخير بين أن يقوم نصف الليل على [البتِّ*] وبين أن يختار النقصان من النصف [والزيادة عليه*]، وألزمه أبو حيان التكرار؛ لأن قوله: انقص من نصف الليل قليلا هو معنى قوله: قم نصف الليل إلا قليلا، قال المختصر: هذا لازم على أن (نصفه) بدل بعض من كل، و (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، قال: ولنا أن نجعل نصفه بدلا من الليل استثناء منه القليل بدل إضراب، انتهى، أراد أن النصف بدل من الليل باعتبار استثناء القليل منه؛ لأنه بدل منه قبل الاستثناء، فكأنه بعد الاستثناء، تقول مثلا: قم خمسة أسداس الليل نصف ذلك أو انقص منه أو زد عليه، أي قم سدسين ونصف سدس، أو أقل أو أكثر، ويلزمه التكرار لقوله: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)؛ لأنه عين من الأول؛ لأن الزيادة عليه من قيام الليل إلا قليلا، وهو الذي فرض خمسة أسداس الليل. وانظر ابن الصائغ.
قوله (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ ... (٥) .. إن قلت: ما معنى التأكيد بـ (إِنَّ) هنا، قلت: لأن المزمل مظنة الغفلة عن الشيء، فكأنه قيل: هذا قول [ثقيل*] يحتاج إلى تيقظ، واشتغال [والسين*] للتحقيق، وهذا من القول بنفسه وبغيره، كما قال ابن التلمساني: لأن هذه الآية من جملة ذلك القول، وعبر بالقول تنبيها بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا كان القول [ثقيلا*] [**فالفعل أحرى].
стр. 1613
قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... (٩)﴾
الأولى [تفسير*] الرب بالخالق؛ لأنه أعم فائدة، فإن قلت: لم قدم المشرق على المغرب والصواب العكس؛ لأن العرب إنما يؤخرون؛ فزمن الغروب متقدم على زمن الطلوع، قلت: الآية خرجت مخرج التعظيم لقدرة الله تعالى في إبدائه هذا الخلق العظيم الذي هو جرى في الشمس، فناسب البداية بالمشرق، و (رب) مبتدأ و (لا إله إلا هو) خبره، أو (رب) خبر مبتدأ مضمر أي هو رب، ويترجح الأول بعدم الحذف، وبأن الخبر محل الفائدة، والكفار موافقون على أنه رب المشرق، وإنما خالفوا في الوحدانية، فإِذا جعل (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) خبرا كان فيه زيادة فائدة، ويترجح الثاني بأنهم قالوا بأن المبتدأ يحذف إذا كان الخبر لَا يصلح إلا له، والمشرق والمغرب إما اسم زمان، أو اسم مكان، أو اسم مصدر، وهو الظاهر؛ لأن (رب) لزمن شروق الشمس وغيره من الأزمان، و (رب) لمكان طلوعها وغيره من الأمكنة، وأيضا فزمن الشروق مختلف باختلاف البلاد، وكذلك مكان شروقها فلا خصوصية فيه، فلا يقال: رب سائر الأزمنة والأمكنة، وإذا قلنا: المعنى رب الإشراق كان قائما في كل قطر وكل زمن.
الزمخشري: وقرئ (ربُّ) مرفوعا على [المدح*]، ومجرورا على البدل (من (ربِّكَ)، وعن ابن عباس على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، انتهى، إن أراد أن ابن عباس لم ينقل عنه غير القراءة فقط، فليس فيه دليل على أنه قسم، أو لعله بدل من (ربِّكَ) أو من الضمير في (إليه)، وإن أراد أنه قرأها وجمعها على القسم، فهذا لم ينقل مثله عن ابن عباس ولا عن عمر ولا غيرهما من الصحابة؛ لأنهم لم يكونوا يقرءون اصطلاح النحويين إذ النحو حادث [بعدهم*]، وإنما كانوا يتكلمون بطبعهم، ويحتمل أن يقال: إن ابن عباس فسر المعني ففهم عنه [حذفا*] على القسم.
قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
اختلفوا في دليل الوحدانية هل هو مستفاد من السمع، وهو اختيار جماعة من المتأخرين، أو من النقل، وهو مذهب الأقدمين، أو منهما معا، وهو مذهب المحققين من المتأخرين، وسبب الخلاف: هل الإيمان بالرسول متوقف على وجود الصانع فقط، أو على وجود وحدانيته.
قوله (فَاتخِذْهُ وَكِيلًا) أخص من توكل عليه، إن قلت: لم وصل هذا بما قبله بفاء العطف، [ووصل*] (لَا إله إلا هو) بما قبله فلم يعطفه عليه [والأنسب*] كان يكون العكس؛ فإن الأوليين جملتان اسميتان، والثانية فعلية، والجملتان الاسميتان متفق على
стр. 1614
جواز عطف أحدهما على الأخرى؛ بخلاف عطف الفعلية الطلبية على الاسمية الخبرية، فإن الأصح امتناعه؟ فالجواب أن الجملتين الأولتين لما كانتا صفة لموصوف واحد أو خبرا عن موضوع واحد، صارتا كالشيء الواحد، فأتى بهما غير مفصولتين بحرف العطف؛ لأنهما في مقام التوسط؛ لأن كونه رب المشرق والمغرب ينتج أنه لَا إله إلا هو، وإلا لزم عليه وجود مقدور واحد بين قادرين، ولما كان الموصوف [باتخاد*] الوكيل هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليس هو عين الموصوف بالربوبية والوحدانية، صارت هذه الجملة فائدة للأوليين، ففصلت عنها بحرف العطف، وهي مسببة عنهما؛ والمسبب غير السبب.
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ... (١٠)﴾
أمره بالصبر على القول دون الفعل؛ لأن القول أكثر من الفعل، ولتعلق إذايته بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبالله تعالى؛ إذ هو معنوي، والفعل إذايته حسية لا تتعلق بالله تعالى، والآية قيل: إنها منسوخة بآية السيف، وقيل: [محكمة*]، وقال ابن العربي: نسخ منها ما عدا المغلوب، فإنه إذا لم يقدر على تغيير المنكر لَا يجب عليه أن يغيره، وهو يعلم أنه إن غيَّر واقتحم [يقتل كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ الْكُفَّارِ حِينَ غَلَبُوهُ*] [فيصبر*] على ذلك (١)، فهذا تخصيص لا نسخ، ووصف الهجر بالجميل ولم يصف الصبر بذلك؛ لأن الصبر كله جميل.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ... (١٤)﴾
فيها دليل لصحة أحد القولين في الكائن في السفينة المتحركة هل له حركتان أو حركة واحدة؟ ذلك الخلاف في ذلك العجز، والآية تدل على القول الثاني: إذ لو كان رجف الأرض رجفا للجبال؛ لكان عطف الجبال عليها تأكيدا؛ لأن الرجف مستلزم للحركة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا ... (١٥)﴾
لما تضمن الكلام السابق الوعيد لهم بتعذيبهم على كفرهم، عقَّبه ببيان أن ذلك إنما كان بعد الإعذار إليهم برسول أرسل إليهم، وأكد الجملة بأن [لأن الخطاب يعم*] المنكرين لرسالته، والمقرين [بها*].
قوله تعالى: (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ).
شهادته لنا وعلينا، أو كلها لنا؛ لأنهم قالوا إن [أمته*] ﷺ يشهدون على الأمم ويزكيهم فهو شاهد لهم بالتزكية، لكن إنما قال: (عَلَيْكُمْ) [يخرج*] الآية مخرج الوعيد والتخويف،
стр. 1615
وانظر هل هذه شهادة اصطلاحية أو لغوية، فإِنهم قالوا: إن شهادة الإنسان لنفسه غير جائزة، وهذه شهادته لأمته؛ لأنهم صدقوه في رسالته وليبلوهم بتكذيبهم إياه؛ فهي في الاصطلاح دعوى الشهادة، لكن قال في المدونة في كتاب المحاربين: إن السلامة [إن شهد*] بعضهم لبعض جازت شهادتهم فسماها شهادة، وكذلك إذا شهد أنه أوصى بهذا المال له ولزيد، بطلت الشهادة فسماها أيضا شهادة.
قوله تعالى: (أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ).
قال الفخر: فيه دليل لصحة العمل بالقياس انتهى، إن قلت: تشبيه لَا يقاس؛ لأن من شرط القياس أن لَا يكون الحكم في الفرع منصوصا عليه، وقد نص عليه هنا فهو قياس تمثيلي، ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف في غيره من الأقيسة، والمشبه هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمشبه به موسى، وجه الشبه الرسالة، وثمرة التشبيه عصيان هؤلاء كعصيان هؤلاء، قلت: بل هو قياس باعتبار قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) لأن عقوبة هؤلاء لم ينص عليها.
قوله تعالى: ﴿فَعَصَى ... (١٦)﴾
الفاء للتعقيب لَا للسبب بخلافها في (فَأَخَذْنَاهُ) هي للسبب، فإِن قلت: العصيان سبب عن الإرسال؛ لأن الطاعة موافقة [الأمر*]، والعصيان مخالفته فهي مسببةٌ عن الإرسال، قلت: لو كان كذلك للزم عليه أن يكون الإرسال سببا في الطاعة والمعصية، فيكون سببا في الشيء ونقيضه وهو باطل، وإنما المعصية [مفرعة*] عنه؛ لأنها مسببة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ... (١٩)﴾
الإشارة للموعظة، وأكد الموعظة بثلاثة أمور:
الأول: تصديقي، وهو التأكيد بـ (إِنَّ) المقتضية للتصديق والربط.
والثاني: تصوري، وهو اسم الإشارة؛ لأن قوله: أكرم هذا العالم أبلغ من قوله: أكرم العالم.
الثالث: أنه جعلنا نذكر بمبالغة في كونها سببا في التذكرة.
قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا).
المشيئة هنا مجاز؛ لأنه يقال في الواجب أو المندوب: من شاء أن يفعل كذا فليفعل، فهذا خبرٌ، المراد به الأمر.