← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

على الشهادة، فتقيأه، ثم لما صار هو شاهدا كان يأخذ في الشهادة قدر الدينار كل يوم، وما ذلك إلا لأنّه كان يأخذ ذلك من وجهه، والشاهد الأول لم يكن يأخذ ذلك من وجهه. قوله تعالى: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ... ﴾. الفسق في اللّغة مطلق الخروج عن الحدّ وفي الشّرع هو تعدّي الحدود الشرعية. قوله تعالى: ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله ... ﴾. قال ابن عرفة: هذا دليل على ثبوت اشتراط العلم في الكاتب والشاهد. قوله تعالى: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

стр. 317

اختلفوا في لفظ (شيء) هل يصدق على المعدوم أو لا؟ وقال الشيخ القرافي في تأليفه على الأربعين لابن الخطيب: إن ذلك الخلاف إنما هو في كونه محكوما به لا في كونه متعلق الحكم كقولك: المعدوم شيء. وأما مثل ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو متعلق الحكم. قال ابن عرفة: إنما الخلاف مطلقا، وما ذكروا هذا إلا في اسم الفاعل المشتق وأما في هذا فقد ذكره الآمدي في أبكار الأفكار مطلقا. ابن عرفة: والآية حجة بأنّ المعدوم ليس بشيء وهو مذهب أهل السنة. قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ ... ﴾. ابن عرفة: مفهوم الآية ملغى بنصّ السّنة لأن النبي ﷺ َ رهن درعه في الحضر. وأيضا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب لأن السفر مظنة لعدم وجدان الكاتب أو هو شيء من الأدلة غالبا بخلاف الحضر. قال ابن عطية: أجمع الناس على صحة قبض المرتهن وعلى قبض وكيله. واختلفوا في قبض عدل فجعله الإمام مالك قبضا. قال ابن عرفة: إذا لم يكن من جهة الراهن. وقال الحكم بن عيينة وقتادة: ليس بقبض. قال ابن عرفة: إذا قبض المرتهن الرهن ولم يزل حائزا له كان أحق به لا خلاف. وإن كان قبضه بالشهادة ثم أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فتصرف فيه الراهن بطل الحوز بلا خلاف، وإن أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فلم يتصرف فيه ولم يزل بيد المرتهن فظاهر كتاب الرهن في المدونة أنه مبطل للحوز. وظاهر كتاب حريم البير منها أنه غير مبطل (بناء) على أن الحوز شرط في لزوم الرهن أو في استحقاق الرهن. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ ... ﴾. ظاهره جواز إعطاء الدين وجواز أخذه من غير رهن فتكون ناسخة لما قبلها لأن عمومها يقتضي اشتراط أخذ الرهن فيه. قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة ... ﴾. راجع لحالة (الأداء). قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ... ﴾.

стр. 318

قال الزمخشري: لم قال ﴿آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ فخصص الإثم بالقلب وهلا علقه بجميع الجسد؟ وأجاب بأربعة أوجه: الأول: أنه تحقيق لوقوع الإثم ثم لأن كتمان الشهادة من فعل القلب وإثمها مقترن بالقلب فلذلك أسند إليه. للثاني: أنّ القلب الأصلُ لحديث «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». الثالث: أنّ القلب أصل واللّسان ترجمان له. الرابع: أن أفعال القلب أعظم من أفعال الجوارح وإثمه أعظم من إثمها. قال ابن عرفة: ومنهم من كان يجيب بأن القلب يستوي فيه الفعل والترك وليس بينهما تفاوت إذ لا أثر (للترك) فيه بالنّسبة إلى الفعل بخلاف الجوارح فإنّ الفعل يمتاز عن التّرك (بالبديهة) وكتمان الشهادة ترك فلو أسند للجوارح لما حسن (ترتب) الإثم عليه فلذلك أسند للقلب الذي هما فيه مستويان. قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض ... ﴾. احتجوا بها على أنّ أعمال العباد مخلوقة لله لأنّها (مما) في السماوات وما في الأرض. واحتجّوا بها على أن السّماء بسيطة إذ لو كانت كروية لكانت الأرض (مما) فيها ولم يكن لقوله: ﴿وَمَا فِي الأرض﴾ فَائِدَة؟ وأجيب: بأن ذكرها بالمطابقة أولى من ذكرها بالتضمّن والالتزام، لأنها مشاهدة مرئية، ومذهب (المتقدمين أنها بسيطة ومذهب) المتأخرين أنها كروية. قال الغزالي في النّهاية ولا ينبني على ذلك الكفر ولا إيمان. قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ... ﴾. من إقامة المسبب مقام سببه لأن المحاسبة (عليه) متسبّبة عن العلم به أي يعلمه الله فيحاسبكم عليه، وما في النّفس إن كان وسوسة وترددا من غير جزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به (وإن كان على سبيل الجزم والمواطأة عليه فإما أن يكون له أثر في الخارج أو لا. فإن كان قاصرا على نفس الإنسان ولا أثر له في الخارج كالإيمان والكفر خلاف في المؤاخذة، وإن كان له أثر في الخارج فإن تمّ بإثره فلا خلاف في المؤاخذة)، كمن يعزم على السرقة ويسرق أو على القتل ويقتل، وإن عزم عليه

стр. 319

في نفسه ورجع عن فعله في الخارج فإن كان اختيارا لغير مانع فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، بل ذكروا أنه يؤجر على ذلك كما في بعض طرق الحديث (إن) تركها (مأجور)، وإن رجع عنه لمانع منه ففي المؤاخذة به قولان. هذا محصول ما ذكره القاضي أبو الفضل عياض في الإكمال: «إذا هم العبد بسيئة فلم يعملها» الحديث ذكره مسلم في كتاب الإيمان. قال ابن عرفة: والكفر خارج من هذا لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ وحكى ابن عطية عن ابن عباس ﵄ وجماعة أنها لما نزلت قال الصحابة: «هلكنا إن حوسبنا بخواطرنا». فأنزل الله ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فمنهم من جعلها ناسخة. وضعفه ابن عطية لأنه خبر فلا ينسخ. قال لكن ورد أنهم لما قالوا: هلكنا، قال لهم النبي ﷺ َ قولوا: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» فقالُوا فنزلت ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً﴾ فصح النسخ وتشبه الآية حيئنذ قول الله تعالى في الأنفال: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ﴾ ثم نسخت بصبر المائة للمائتين. قال ابن عرفة: آية الأنفال ليس فيها إلا النسخ لأنّه رفع كلّ الحكم (وآيَتُنَا) هذه تحتمل النسخ والتخصيص كما قال بعضهم. قال ابن عرفة: ونظير الآية ما خرج مسلم في كتاب الإيمان عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ َ (وقالوا أيّنا لم يظلم نفسه) فقال لهم ﵊ ُ: «ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». قال ابن عرفة: وذكر الفقهاء الخلاف إذا شهد شاهدان لرجل بشيء مظروف في شيء وماتا أو غابا هل يكون له الظرف (أم لا)؟ قالوا: إن كان الظرف من ضرورياته لا يمكن أن يجعل إلا فيه كالزيت والخل فهو له بما / فيه باتفاق. وإن لم يكن من ضرورياته كجبّة في صندوق أو في (صرّ) ففي كون الظرف له خلاف. وذكره ابن الحاجب في كتاب الإقرار قال فيه ما نصه: وثوب في صندوق أو منديل ففي لزوم ظرفه قولان بخلاف زيت في جرة، وجبة وبطانتها، وخاتم وفصه، أي يقبل قوله. قال ابن عرفة: والآية حجة لمن يقول شهادتهما بالمظروف يستلزم الظرف لأن كون ﴿لِّلَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يستلزم أن السماوات نفسها له. قَال ابن عرفة: الآية حجة أيضا لمن يقول: إن الطلاق بالنية (لا) يلزم عندنا وفيه خلاف والمشهور أنه غير لازم. قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ... ﴾.

стр. 320

قال الزمخشري: وقرىء فَيَغْفِرْ (بالجزم) في جواب الشرط. ورده أبو حيان بأن النحويين نصّوا على أن الفاء إنما تنصب في الأجوبة الثمانية ولم يعدوا منها الشرطية. فجعله معطوفا على مصدر مقدر فيكون من عطف الفعل على الاسم الملفوظ به. ونص الشلوبين على أنّ قول (النحويين) الأجوبة الثمانية ليس على ظاهره بل مرادهم كل ما ليس واجبا أعني ما ليس بخبر فيدخل فيه الشرط. وتحامل الزمخشري هنا (وأساء الأدب) على السوسى من طريق أبي عمرو وخّطأه كما خطّأ (الصيمري) في تبصرته (والزّجاج) وكذا خطأ ابن عامر في قراءته ﴿وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ ولكن تخطئته هنا لأبي عمرو من طريق السوسي أشنع. قال ابن عطية: هنا عن النقاش: فيغفر لمن يشاء (أي) لمن (ينزع) عنه، ويعذب من يشاء أي من أقام عليه. قال ابن عرفة: وهذا نحو ما قال الزمخشري، وفيه إيهام الاعتزال. قلت: لأنه يوهم أنّ المعاصي لا تغفر إلا بالتوبة ومذهب أهل السنّة أنه يجوز أن يغفر له وإن لم يتب (منها) إلاّ الكفر. قوله تعالى: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن عرفة: لفظ (شيء) يطلق على المعدوم والموجود فأفاد أنّه على كل شيء مما في السموات والأرض ومما هو خارج (عنهما) قدير. قال (والفضاء الذي بين السماء والأرض تقول إنّه عامر وإنه خارج عنها وهي مسألة الخَلاء والملاء) ونقول: تناولت الآية الأمر الحالي والماضي ونفي المستقبل غير داخل فيها فلذلك قال: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ليدخل المستقبل. قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ ... ﴾. ذكر ابن عطية سبب نزول الآية أنها لما نزلت ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ .. الآية شق ذلك على المؤمنين ثم قالوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. فَمَدحهم الله وأثنى عليهم ورفع عنهم المشقة بقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قال ابن عرفة: وضم الإخبار عنهم بالإيمان في هذه الآية إلى هذا السبب يقتضي استلزام الإيمان للعمل الصالح، قال: وفيها سؤال وهو أن الفاعل مخبر عنه بفعله وتقرر أنه لا يجوز (قام) القائم، ولا ضرب الضارب، إذ لا فائدة فيه، فلو قيل: «آمن الرسول والصحابة لأفاد، فكيف قال (آمَنَ) المؤمنون؟ والجواب: أنّه يفيد إذا (قيد بشيء) كقولك قام: في الدّار القائم، وهنا أفاد تقيده

стр. 321

وهو قوله ﴿بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾. انتهى. فإن قلت: لم ذكر الرسول ومعلوم أنه آمن؟ قلت: إنه ذكر مع المؤمنين تشريفا لهم وتعظيما إذ لا ينظم الجوهر النفيس إلا (مع) نفيس مثله. قال ابن عرفة: قال ابن عطية: و» كل «لفظة تصلح للاحاطة والقرينة تبين ذلك. انتهى. قال ابن عرفة: وظاهر أنّها ليست نصّا في العموم خلافا للأصوليين فإنهم ذكروها في ألفاظ العموم وتقدم للنحويين التفريق بين رفعها ونصبها في قوله: قد أصبحت أم الخيار تدعي ... عليّ ذنبا كله لم أصنع فقالوا: رفعها أعم. قلت: إنما أراد ابن عطية قولهم: كل الصيد في جوف الفراء. ورأيت رجلا كل (الرجل) وقولهم: أكلت شاة كل شاة. قوله تعالى: ﴿وملائكته ... ﴾. قال ابن عرفة: لا بد في الإيمان بالملائكة من استحضار أنّهم أجسام متحيزة (منتقلة) كبني آدم. ولذلك قال أبو عمران الفارسي في المسألة المنقولة عنه في الكفار: إنّهم ما عرفوا (الله) قط ولا آمنوا به خلافا للغزالي من أهل السنة (فإنه) قال في الملائكة إنهم أجسام لطيفة لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز ونحا في هذا منحى الفلاسفة. قيل لابن عرفة: إنّ (المقترح) توقف فيهم؟ فقال: إنما توقف في إثبات الجوهر (الفرد) وهو شيء لا متحيز ولا قائم بالمتحيز ولم يتوقف في الملائكة. قوله تعالى: ﴿وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ... ﴾. قال الزمخشري: قرأ ابن عباس:» وَكِتَابِهِ «يريد القرآن وعنه الكتاب أكثر من الكتب. فإن قلت: كيف يكون الكتاب أكثر من الكتب؟ قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان (الجنس) كلها لم يخرج منها شيء، وأما الجمع فلا يدخل تحته (الاّ ما فيه الجنسية من المجموع. وقدره الطيبي بأن المفرد إذا أريد به الجنس يدخل تحته) المجموع والأشخاص بخلاف الجمع فإنه لا يتناول إلا المفردات فقط. قيل لابن عرفة: قد اختلفوا في المفرد المحلى بالألف واللاّم (هل يفيد العموم، واتفقوا على أنّ الجمع يفيد العموم لا سيما المحلى بالألف واللاّم)؟ فقال: (ما كلامنا) إلا فيما ثبت فيه العموم من مفرد أو جمع، فالمفرد الذي يثبت فيه العموم (أعم من الجمع الذي يثبت فيه العموم). وكلام أبي حيان في هذا الموضع غير صحيح وكذلك كلام الطيبي. قال: وقد ذكر القرافي في الخلاف في دَلاَلة العام على أفراده هل هي تضمن أو التزام ونص على / أن المفرد الذي أريد به العموم دال على أفراده ومسمياته وذلك كان أعم من الجمع. قيل لابن عرفة: لعل دلالته على العموم بقرينة حالية؟ فقال: إذا تعارض صرف الدلالة للفظ أو لقرينة فصرفها للفظ أولى. انتهى. قلت: لأن دلالة الجمع على أفراده من باب دلالة اللفظ على جزء مسماه ودلالة المفرد من باب دلالة اللفظ على تمام مسماه لأنه يدل على هذا المسمى وحده وعلى هذا

стр. 322

بدلا عنه. قال ابن عرفة: ودلالة المطابقة حقيقة ودلالة التضمن والالتزام مجاز. فإن قلت: ليس الكتب في الآية معرفا بالألف واللاّم (بل مضافا)؟ قلت: الإضافة عاقبة الألف واللاّم. ولذلك قال ابن التلمساني شارح المعالم في المسألة الثانية من الباب الثالث: إن من ألفاظ العموم صيغ الجموع المعرفة بلام الجنس أو بالإضافة. ابن عرفة: وفائدة هذا الترتيب في الآية ما يقولونه: وهو التركيب والتحليل لأنّك إن بدأت من أول قلت: الله الأول، والملائكة يتلقون الوحي منه، والوحي في ثالث رتبة، لأنّه ملقى ومتلقى كقولك: أعطيت زيدا درهما، فالدرهم معطى ومأخوذ، فهو مفعول بكل اعتبار، وزيد فاعل ومفعول فالرسل في الرتبة الرابعة. وإن بدأت من أسفل قلت: الرسل المباشرون لنا والقرآن هو الذي يقع به المباشرة وهو منزل عليهم ثم من أنزله من عنده. قوله تعالى: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ... ﴾. فإن قلت: كيف هذا مع قوله ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ قلت: إذا أسند الحكم إلى الشيء فإنما يسند إليه باعتبار (وصفه) المناسب له وقد قال: «من رسله» فما التفريق بينهم إلا في وصف الرسالة أي لا نؤمن ببعضهم ونترك بعضهم بل نؤمن بالجميع. قال الله تعالى ﴿إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ.﴾ قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... ﴾. ابن عرفة: تقدم في الآية السابقة أنّها (إما) منسوخة او مخصوصة بهذا أو مبيّنة بهذا. زاد ابن الخطيب أنها من كلام الناس. ورده ابن عرفة: بأنّ هذا خبر فلا يصح أن يكون من كلام الناس إذ لا طريق لهم إلى معرفته إلا أن يكون أنزل قبله ما هو في معناه. قال ابن عرفة: وتكليف ما لا يطاق فيه ثلاث أقوال: مذهب أهل السنة جوازه، ومذهب المعتزلة منعه، والثالث الوقف. وإذا قلنا بالجواز فهل هو واقع أم لا؟ فيه خلاف. وتردد الأشعري في وقوعه، وقسمه ابن التلمساني على خمسة أقسام والخلاف إنما هو في قسمين وهما المستحيل عقلا والمستحيل عادة، وما عداهما فلا خلاف فيه إذ ليس من تكليف ما لايطاق. قال في (شرح) المحصول: وفائدة التّكليف بالمستحيل عقلا أو عادة أن يكون علامة على (شقاوة) المكلف بذلك لأنه لا يتوصل

стр. 323

إلى امتثاله والآية حجة لمن يجيز التكليف (بما) لا يطاق ويبقى وقوعه إذ لا (ينفى إلا) ما هو ممكن الوقوع و (من) قال بوقوع تكليف ما لا يطاق واحتج بقضية أبي لهب فإنه مكلف بأن لا يؤمن لقوله تعالى: ﴿سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ وهو مكلف بأن يؤمن بالنّبي ﷺ وبجميع ما جاء به ومن جملته هذا. وأجاب تاج الدين الأرموي في شرح الحاصل بأنه مكلف بأن يؤمن بالنبي ﷺ َ وبما جاء به إيمانا جمليا لا تفصيليا. قال الفخر وابن التلمساني: من تكليف ما لا يطاق التكليف بما علم عدم وقوعه. فقال ابن عرفة: هذا وهم وليس ذلك من تكليف ما لا يطاق بوجه لأنه ممكن في نفس الأمر فهو (مطيق) فعله كتكليف العصاة بالصلاة في الوقت فيفعلونها بعد الوقت قضاء. قيل لابن عرفة: ما فائدة الخلاف (بتكليف) ما لا يطاق بالنسبة إلى النائم؟ فقال: قد ذكروا في النائم أنّه إذا ضرب (برجله) إناء فكسره فإنه يضمنه. وكذلك إذا ضرب أحدا فقتله فهل تضمينه ذلك من تكليف ما لا يطاق أم لا؟ والظاهر أنه من خطاب الوضع والإجبار. قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... ﴾. ذكر (الزمخشري) وابن عطية وجه المغايرة بين الفعلين وهما متقاربان. فتقرير ما قال ابن عطية (والزّمخشري) أنّ المكلّف بفعل الطاعة مستحضر للثواب عليها فيسهل عليه أمرها من غير تكليف طبيعي ولا وازع له عن فعلها، وفاعل المعصية يستحضر العقوبة عليها في الدّار الآخرة فشهوته تحمله عليها وتكلفه على فعلها وتوجب معاندته للوازع الديني. وتقرير كلام الزمخشري كأنه على عكس هذا لكنه في الحقيقة راجع إلى هذا وهو أنّ الشّر مما تشتهيه النفوس وتأمر به فهي في تحصيله أعمل وأقوى اجتهادا (فجعلت) له مكتسبة ولما لم تكن كذلك في الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الفعل والتكليف. وقال ابن الصائغ في باب ما جاء من المعدول على فعال: لما كان الإنسان يثاب على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللّفظ العام للقليل والكثير وهو «كسب»، ولما كانت الصغائر معفوا عنها بفضل الله جاء بلفظ الكثير إشعارا بأنها ليس عليها إلا ما فوق الصغائر قال هذا بعد أن ذكر أن: كَسَبَ واكْتَسَبَ إن اجتمعتا في كلام واحد كانت «كَسَبَ» عامة (في الأمرين) و «اكْتَسَبَ» خاصة بالكثير وإن انفردت إحداهما عمت في الأمرين. وقال القرافي في قواعده: إنها تدل على أن المصائب لا يثاب عليها لأنها ليس للمكلف فيها اعتماد. قلت: وفي شرح أبيات الجمل لابن هشام / النحوي حكى ابن جني عن الزجاج أنه يقال: جزيته في الخير وجازيته في الشر فيستعمل فعل الزيادة

стр. 324

في الشر وفعل النقص في الخير ومنه ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾. وقول الشاعر أيضا: إنا اقتسمنا خطيئتنا بيننا ... فحملت بِرّهُ واحتملت فجار قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ... ﴾. قال الزمخشري: فإن قلت: النسيان والخطأ متجاوز عنهما فما معنى الدعاء بترك المؤاخذة فيهما؟ وأجاب بأن الدعاء راجع لسببهما وهو التفريط والغفلة. قال ابن عرفة: هذا على مذهبه في منع تكليف ما لا يطاق لأنه دعاء بتحصيل الحاصل ونحن نقول: يجوز الدعاء بتحصيله لأنه ممكن باعتبار الأصالة. فإن قلت: الأصل تقديم الشّرط نحو أن يقال: إن نسينا أو أخطأنا فلا تؤاخذنا؟ قلت: قدم المدعو به للاهتمام به. قال ابن عرفة: فالنسيان والخطأ مرفوع عن ابن آدم فيما بينه وبين الله تعالى. قيل له: قد قال الإمام مالك ﵁ في العتبية فيمن حلف بالطلاق: ليصومن يوم كذا فأفطر ناسيا: إنّه لا شيء عليه؟ فقال: قال ابن رشد وابن دحون: أي لا حنث له. وقال السيُورِي: واختاره اللخمي أي لا فضل عليه، واحتج بحديث: «حمل (عن) أمتي أخطاؤها ونسيانها. وأجاب الآخرون: بأن الذي حمل إنما هو إثم الخطإ والنيسان لا نفس الخطإ. وذكرها ابن الحاجب في كتاب الأيمان والنذور، قال: وفيها ما نصه:» والنسيان في المطلق كالعمد على المعروف، وخرج الفرق من قوله: من حلف بالطلاق لأصومن كذا فأفطر ناسيا فلا شيء عليه «. قلت: ووقعت هذه المسألة في رسم سلف سمع من سماع عيسى من كتاب الأيمان والنذور بالطلاق. (وقال ابن رشد: أي لا حنث عليه إذا كان ناسيا بخلاف ما لو أصبح مفطرا) ناسيا ليمينه، مراعاة للخلاف في وجوب القضاء على من أفطر في التطوع متعمّدا وفي رمضان ناسيا لما جاء في ذلك. قيل لابن عرفة: قد قالوا: إذا قتل رجل خطأ: إنّ على قاتله صوم شهرين؟ فقال: النسيان إنما هو في رفع الإثم وليس سببا في صومه والقتل سبب في الصوم والشرع رتب عل ذلك القتل صوما فيجب عليه امتثاله (لا لأنه) كفارة بل الإثم ساقط عنه. انتهى. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا ... ﴾. قال أبو حيان: قرىء بالتشديد والتّخفيف. قال: في التشديد إما للتعدية أو للمبالغة. قال ابن عرفة: فظاهره أنه لهما على (البديلة) ومنهم من قال: يصح كونه لهما على المعية وقال بعضهم: أما المبالغة هنا مع التشديد فظاهرة، وأما مع التخفيف (فمستفادة)

стр. 325

من لفظ «على» لاقتضائها الاستعلاء والاستيلاء. فإن قلت: ما الفائدة في قوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ﴾ ولو أسقط «كما» (احتمل) المعنى، وإسقاطه كان يكون أتمّ وأبلغ لأن نفي «إِصْرا» مطلق أبلغ منه مقيدا؟ (قال) ابن عرفة: وعادتهم (يجيبون) بأن الدعاء حالة الخوف مظنة الإجابة فهو فيه أقوى (منها) حالة عدم الخوف لأن الخوف أقرب لمقام التضرع والالتجاء. فذكر عقوبة من مضى في هذا مما يزيد في الخوف ويقوي فيه العبودية والتضرع والالتجاء. قال ابن عطية: ولا خلاف أن المراد ب ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ اليهود. ابن عرفة: لأن (تكاليفهم) والتشديد الواقع في شريعتهم أكثر من النصارى وغيرهم، قال الضحاك: اليهود والنصارى. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ... ﴾. تقدم إما أنه راجع لأمور الآخرة أو للتكاليف الدنيوية فإن كان للآخرة فهو تأسيس وإن كان للدنيا فهو تأكيد، إن أريد بما لاَ طاقة لنا به الحقيقة وهو ما ليس في قدرة البشر لأن الدعاء لنفي (الإصر) يستلزم الدعاء بنفي ما فوقه، وإن أريد به المجاز كما أشار إليه ابن عطية في أحد التفاسير من أنّه الأمر المستصعب وإن (كانت) تطيقه فيكون تأسيسا. قوله تعالى: ﴿واعف عَنَّا ... ﴾ الآية. قال ابن عرفة: وجه الترتيب هذا أن العفو عبارة عن عدم المؤاخذة بالذّنب، وما يلزم من الدعاء برفع (الأمر) الذي في قدرة البشر بمشقة أو الخارجة عن قدرة (البشر)، عدم المؤاخذة بالذنب. ثم عقبه بالمغفرة لأنه لا يلزم من عدم المؤاخذة ستر ولأنه قد لا يؤاخذه به ويظهره عليه، ثم عقبه بالرّحمة لأنّ العفو والمغفرة من باب دفع المؤلم والرحمة من باب جلب الملائم، فدفع المؤلم آكد وأولى من جلب الملائم ونحوه لابن الخطيب. قال ابن عطية: وقال سلام بن سابور الذي لا طاقة لنا به الغُلْمةُ. وروي أَن أبا الدرداء كان يقول في دعائه: وأعوذ بك من غلمة ليس لها عدة. ابن عرفة: الغلمة (هي) قوله: أنت مولانا فانصرنا. الزمخشري: أي سيدنا وناصرنا ومتولي أمرنا ومالكنا. ابن عرفة: السيد والناصر إطلاقه عليهما من قبيل المشترك والمتولي والمالك ينبغي أن يحمل على أن المراد الأخص منهما ليدخل تحت الأعم من باب أحرى.

стр. 326

قال الزمخشري: وعنه ﵊ ُ: «من قرأ الآيتين من سورة البقرة في كل ليلة كفتاه». قال ابن عرفة: أولهما «آمَنَ الرّسُول» ومعنى كفتاه أي يرفعان قارئهما عن رتبة من حرم قيام الليّل. قلت: وفي إكمال القاضي عياض أي في كتاب الطب: أي كفتاه كل هامة وشيطان فلا يضره (وفي سلاح المؤمن معنى كفتاه أجزأتاه عن قيام الليّل. وقيل: كفتاه من كل شيطان لم يضر به ليلته «وقيل: كفتاه مما يكون من تلك اللّيلة من الآفات وقيل: حسبه بهما فضلا وأجرا. ويحتمل الجميع والله أعلم).

стр. 327

سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ ابن عطية: حكى الفقهاء أن اسمها في التوراة طيبة. ابن عرفة: ليس معناه أنها في التوراة بل ورد في التوراة حكم من الأحكام ونص فيها على ثبوته في القرآن في سورة آل عمران. قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ . قال الجرجاني: أحسن الأقوال أن (الم) إشارة إلى حروف المعجم أي أن هذه الحروف كتابك فلا يحل أن يكون الله مبتدأ وخبره (نَزلَ عَلَيكَ الكِتَابَ) بحيث يكون في الخبر ما يدل على الكتاب المضمر، واعترضه ابن عطية: بأن التوراة نزلت ردا على النصارى الذين زعموا أن عيسى هو الله، ونقلوا أقوالا سبعة فما المناسب أن يكون الخبر إلا (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فهو محل الفائدة، فإذا كان الخبر لم يبق ما يدل على إضمار الكتب. قال ابن عرفة: والتوحيد به، منهم من قال: أن مدركه العقل، وقيل: السمع والعقل، وعكس سراج الدين الأرموي فقال: مدركه السمع؛ لأن من أبطل دلالة التمانع، قال: يقول: إن إلهين يتفقان، فقال الآخرون: وإن اتفقا فيجوز اختلافهما، وتردد المقترح في مدركها، وقال الغزالي: أخص أسماء الله تعالى القيوم، فإنه القائم بأمور العباد وغيرها يشاركه فيه غيره، فقال ابن عرفة، هذا ما يتم إلا على مذهب الفلاسفة القائلين بقدم العالم والإيمان يقول أخص أوصافه القديم، وقال ابن الخطيب: الوصف بالحي القيوم يستلزم جميع صفات الله تعالى، فقال ابن عرفة: إن أراد استلزامها ذلك لذاتها [١٧/ ٨١] ومجرد لفظها فممنوع، وإن أراد لصحة الدليل العقل إليهما فمسلم. قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ (٣)﴾ قال الزمخشري: (نَزَّلَ) يقتضي التفخيم، (وَأَنزَلَ) يقتضي الجمعية، فرده ابن عطية بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) ابن عرفة: إنما عادتهم يردون عليه بقوله تعالى: (لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)، وأجاب الزمخشري هناك بأن (نُزِّلَ) بمعنى أنزل

стр. 328

وردوا عليه بأن ذلك إنما هو في الفعل المتعدي لواحد إذا ضعف يريد به التضعيف معنى التفريق، مثل: (غَلَّقَتِ الأَبوَابَ) لأن غلق يتعدى غير متضاعف، وأما الغير متعدي فإن التضعيف إنما هو للتعدية كالهمزة كأنه يكسبه معنى آخر. قال ابن عطية: الباء إما للحال فالحق فيه ثابت أو للسبب، أي بسبب الحق، أي باستحقاق إن لم يزل ثم تحرك عن مذهب المعتزلة، فقال: وذلك تفضلا منه لَا على أنه واجب عليه أن يفعل. قوله تعالى: (مُصَدِّقًا). قال ابن عطية: حال مؤكدة؛ لأنه لَا يمكن أن يكون غير مصدقا لما بين يديه من الكتب. قيل لابن عرفة: عادتكم تردون عليه بأن المراد أنه حق في نفسه ثابت، والحق الثابت في نفسه يمكن أن يصدق غيره، ويمكن أن لَا يصدق ولا يكذب، فقال: كان يجيب بأن يقول: إن اعتبرنا الحق في نفسه فيجيء ما قلتم، وإن اعتبرناه من حيث رجوعه إلى الكتب وارتباطه به فلا بد أن يكون مصدقا لما بين يديه، ومعنى تصديقه لها تصديقه لأصوله لما فيها من الشرائع والأحكام؛ لأنه مصدق لاستحقاق تلك الأحكام وجريانها بل هو ناسخ لها، أو المراد بتصديقه لها دلالة على صحة كونها منزله من عند الله. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ). قيل لابن عرفة: ما الفائدة في قوله: (مِنْ قَبْلُ) ولو أسقط لم يختل المعنى؛ لأنه معلوم أن إنزالها قبل، وأنها هدى للناس من قبل؟ فأجاب: بأنكم جعلتم (مِنْ قَبْلُ) متعلق بأنزل أو بالتوراة، وإنما يجعله متعلقا بهدى، فتقول: تضمنت الآية أن هداية التوراة والإنجيل كان للناس من قبل وذلك غير معلوم، إنما كان المعلوم أن إنزالها قبل الثاني، اقتضت من أول أزمنة القبلية إشارة إلى أن هذا أمر معهود فيما سبق، وأنه ليس بأول ما نزل بل تقدمت كتب قبله واستدام حكمها إلى أزمنة القبلية، وقال هنا: (هُدًى لِلنَّاسِ)، وفي البقرة (هُدًى لِلمُتقِينَ)، فقيل: للتشريف، وقيل: إن الهداية يراد بها الإيمان، قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ويطلق بمعنى التوفيق والإرشاد إلى طريق الحق.

стр. 329

قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ). الآيات المعجزات، أو آيات القرآن، وهذا عموم خرج على سبب، وفيه عند الأصوليين خلاف، لكن قالوا إن السبب يجب دخوله فيه، والصحيح أنه عام فيه وفي غيره، وحيث يكون في اللفظ وصف مناسب للسبب فإنه يقصر على ذلك السبب وإلا فهو عام، والآية ليس فيها وصف مناسب للسبب، فإنه يقصر على ذلك السبب وإلا فهي عامة فيه وفي غيره، وقوله (عَذَابٌ شَدِيدٌ) باعتبار الكمية والكيفية والدوام الأبدي. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾ قيل لابن عرفة: هلا أتى به غير مقيد فهو أبلغ، فأجاب: بأن الآية تضمنت ثلاثة أمور: أحدها: الرد على نصارى نجران في قولهم أن عيسى الله. والثاني: الوعد. والثالث: الوعيد. فلذلك قال (فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ)، وأجاب الفخر: بغير هذا. قيل لابن عرفة: والآية دالة على أن لفظ شيء يطلق على المعدوم، قال: تقرر أن العلم يتعلق بالموجود والمعدوم، والمستحيل؛ لأن تعلم أن الجمع بين النقيضين، ولم يدل على علمه بالكليات والجزئيات، قال: إن قلنا: إن العلم بالكليات من لوازمه العلم بالجزئيات وإلا فلا وهو مذهب المتأخرين، فيقول: علمه متعلق بالكليات، وذهب المقترح إلى أن الخلق يقتضي العلم، وإن كان قبيحا، وقال غيره: إنما يستلزم الإتقان لأنفس الخلق. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ (٦)﴾ دليل على مذهب [الطبائعيين*]. قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). كالنتيجة بعد هذه المقدمات. قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ (٧)﴾ الزمخشري: أي أحكمت عبارتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه.

стр. 330

ابن عرفة: يريد النسخ، ابن عطية: وقال ابن عباس: المحكم ناسخه وحلاله وحرامه، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به، والمتشابه منسوخة، ومقدمة، ومؤخرة. ابن عرفة: كقوله تعالى: (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى)؛ [١٧/ ٨١ و] ولأنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وقد حكى ابن عرفة الخلاف في المتشابه ما هو، قال: حكى الأصوليون خلافا هل يرد في القرآن ما لَا يفهم أم لَا؟ وقال بعض شراح الأصول: أما بالنسبة إلى الكلام القديم الأزلي فلا خلاف في امتناع ذلك فيه، وإنما الخلاف في الألفاظ المعبر بها عنه، بما قاله ابن عرفة: هذا تقسيم بمعنى مستوفى أم لَا؟ قيل له: مستوفى إلا على قول ابن مسعود: أن المحكم النَّاسخ والمتشابه المنسوخ، فبقى قسم ثالث وهو ما ليس بناسخ ولا منسوخ، وذلك أكثر القرآن. ابن عرفة: بل نقول: إنه تقسيم غير مستوفى مطلقا، والأقسام ثلاثة: منها ما نص في معناه ولا يصح صرفه عنه بوجه، ومنها الظاهر والمحتمل، فالمحكم هو النص الذي لَا احتمال فيه، والمتشابه هي الألفاظ المحتملة التي تحتاج في ردها إلى الصواب لدليل عقلي وسمعي، وبقاء ما هو ظاهر في معناه. قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ). دليل على العقل في القلب، قال الطيبي في كتابه المسمى بالبنيان في علم البيان: إن هذا من باب الجمع والتقسيم فقوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، جمع، ثم عقبه بقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ)، وبقوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ) فهذا تقسيم وتفريق كأنه يقول، وأما الراسخون في العلم. ابن عرفة: وأهل السنة يتبعون المتشابه له لفظ ظاهر، فأهل السنة يتبعونه قصد الصرفة إلى معناه من الصواب والمبتدعة يتبعون ظاهر لفظه، فإن قلت: عمر بن عبد العزيز، وأنظاره من المتقشفين الصلحاء، إنما اتبعوه ابتغاء للطاعة والثواب، فهل يكون هذا كلام الصيرورة، أي اتبعوه ليهتدوا فضلوا، قلت: أحكام القرآن على قسمين

стр. 331

تارة يراد بها نفس اللفظ، وتارة يراد مدلوله فمراد ابتغائه سبب الفتنة، أو مدلول الفتنة فهو إنما اتبعوه ابتغاء أمر كان سببا للفتنة؛ لأنهم قصدوا الفتنة. قوله تعالى: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). ابن عرفة: كان بعضهم إنما ذكر الخلاف في الراسخين في العلم هل يعلم تأويله أم لَا؟ القول هذا يتبعني على الخلاف هل بين العلم القديم والحادث اشتراك جاء القول بعدم العطف. قوله تعالى: (آمَنَّا بِهِ). أي يقولون في أنفسهم؛ لأن من آمن بقلبه داخل في هذا. قوله تعالى: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا). لفظ الرب هنا مناسب أي ورود المحكم فيه والمتشابه رحمة من الله بنا فنظر في الأدلة، وننظر بعقولنا فنخرجه من ظاهره الحقيقي إلى مجازه دفعا للحكم الباطل فيحصل له الأجر والمثوبة بذلك عند الله . قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ... (٨)﴾ قرئ (لَا تَزغ) بفتح التاء، و (قُلُوبَنَا) فاعل، أبو حيان مثل هو مثل لَا أرينك هاهنا إنما يقوله المعتزلة القائلون أن العبد يخلق أفعاله، فيقولون: كيف يطلب ترك ما ليس من فعله فيحتاجون أن يجعلوه، مثل: لَا أرينك هنا لاستحالة نهي الإنسان نفسه أي لَا يخلق لها أسباب الزيغ فيتبع قال أبو حيان: وإذ هنا اسم وليست بظرف؛ لأن الظرف لَا يضاف، فقال ابن عرفة: إن أراد أنها لَا تعرب ظرفا فنعم، وإن أراد أنها ليست بظرف لَا في اللفظ ولا في المعنى فغير صحيح بل معناها الظرفية، فإن قلت: لم أضيف الزيغ إلى القلوب والهداية لجميع الذات؟ فالجواب: أن الزيغ معنوي معلق بالذات؛ لأنه الأصل فإذا زاغ القلب زاغ الجميع والهداية قصدوا أن يخبروا بحصولها لجميع ذواتهم وحواسهم، وتقدم في الختمة الأخرى الجواب بوجهين: الأول: إن الزيغ واقع بهم فأطلقوا أبعاده ونفيه عن العضو الأخص الذي هو سبب في عمومه في سائر البدن، والهداية في جميع البدن، فأخبروا بذلك رغبة في دوامها على ما هي عليه.

стр. 332

الجواب الثاني: إن الزيغ يحصل للقلب بأول وهلة، والهداية إنما تحصل له غالبا بعد تأمل، ونظر واستدلال فحصولها يشترك فيه القلب، والسمع، والبصر، وغيرهم. قيل لابن عرفة: هل ينظر في الشبهة فيضل؟ فقد حصل الزيغ بالتأمل، فقال: لم ينظر ليضل، وإنما ينظر فيها ليهتدي فضل. ابن عرفة: وهذا إن كان من قول الراسخين في العلم فهي هداية خاصة، وإن كان أمر لجميع النَّاس أن يقولوه فهي هداية عامة. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ (٩)﴾ ابن عرفة: كانت اللام للتقوية فظاهر، وإن كانت للتعليل فلا بد من مقدار أي جامع النَّاس لجزاء [١٧/ ٨٢] يوم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ (١٠)﴾ .. ابن عطية: هم الدهرية المنكرون للبعث. ابن عرفة: أو نصارى نجران، وهو المناسب؛ لأنه السبب في نزول الآية فالظاهر العموم، فإن قلت: وكذلك المؤمنون لَا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، قال تعالى: (وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)، فالجواب: أن المؤمنين تنفعهم أموالهم بإنفاقه على العيال، وفي سبيل الله في الجهاد وفي الزكاة، وصدقه التطوع والولد الصالح يدعوا لأبيه بعد موته فينتفع بدعائه بخلاف الكافر، فإن قلت: تأكيده شيئا يقتضي العموم في القليل والكثير، مع أنه ورد في قصة أبي لهب: أنه خفف عنه العذاب ليلة الاثنين، ويومه لكونه أعتق الخادمة التي بشرته بولادة النبي ﷺ حينئذ، وكذلك أبو طالب أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أهون أهل النار عذابا، فالجواب: إما بأن قصة أبي لهب كانت رؤيا نومية رآها العباس فلا يحتج بها، وإما بأن التأكيد بقوله شيئا، وإن كانت نكرة في سياق النفي فهو عام في الأشخاص والعام في الأشخاص عام في الأزمنة والأحوال، فتقول: ما اقتضى إلا أن أموالهم وأولادهم لا ينقذونهم منه، ولا من يعصمه في وقت ما. قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ).

стр. 333

إن كان لفظ الذين عاما فالمضمر هنا للحصر، وإن كان خاصا فالمضمر للتأكيد فقط. قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ... (١١)﴾ ذكر أبو حيان: في الكاف عشرة أوجه، إما إنما خبر مبتدأ، أو مفعول بوقود أو نعتا لمصدر من لفظ (وَقُودُ) بل معناه أي عذابا: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أو منصوب بـ لن تغني، أو بفعل معناه أي بطل عملهم: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) ابن عرفة: وعادتهم يمثلون رد التشبيه للذات، كقولك: اشتريت أمة كأختي، فالتشبيه للذات إذ لَا يصح معه اشتراء أخته، ويمثلون رده للصفة، بقوله: اشتريت بعشرين كاشتراء الجارية المسماة خبران بالتشبيه هنا للنبي، فإن قلت: لم شبههم بآل فرعون دون غيرهم، قلت فأجاب: بعض الطلبة بأن آل فرعون أهلكوا هلاكا عاما مستأصلا لهم، ولم يهلك أحد من الأمم بعد نزول التوراة إهلاكا عاما مستأصلا بوجه، وأما قبلها فهلك قوم نوح بالغرق، وقوم [هود*] بالريح، وقوم لوط بالخسف، فاستحسنه ابن عرفة وقال: إن هذا السؤال وجوابه سمعته من القاضي أبي العباس ابن حيدرة في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ). قوله تعالى: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا). المراد بالآيات المعجزات أو الدلائل العقلية؛ لأن العقل يقتضي أن لهذه المخلوقات خلقا يستحيل عليه التعدد، قال ابن الخطيب: يحتمل أن يكون مضافا إلى الفاعل، أو المفعول، فرده ابن عرفة: بأن فعله غير متعد فلا يصح إضافته إلى المفعول. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ (١٢)﴾ قال الزمخشري: هم مشركوا مكة. ابن عرفة: هذه [ ... ] إخبار لما سيقع وظاهره أنه قبل وقعة بدر. قيل لابن عرفة: كيف يفهم، قوله بعدها: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) فدل على أنه متقدم، فقال: لعل الآية نزلت قبل هذه، وهي بعدها في التلاوة، وقيل: هم اليهود وأن هذا كان بعد وقعة بدر، وقرئ (سَتُغْلَبُونَ) بتاء الخطاب، وبالغيبة.

стр. 334

قال ابن عرفة: من قرأ بتاء الخطاب فمعناه قل للكفار جميعا ستغلبون. ابن عرفة: واللام للتعدية ومن قرأها بالياء، فمعناه قل لهؤلاء اليهود سنغلب نحن قريتنا، أو قل لهم كلاما هذا معناه. ابن عرفة: واللام على هذا إما للتعدية أو للتعليل، أي قل لليهود لأجل الذين كفروا ستغلبون. ابن عرفة: وقال بعضهم من قرأها بياء الغيبة راعى حال المرسل فهم غائبون عنه في الظاهر، ومن قرأها بتاء الخطاب راعى حال الرسول فهم بين يديه. ابن عرفة: أو يقال هل أمر بتغليب المعنى أو اللفظ، قلت: وقريبا منه الزمخشري: قيل لابن عرفة: لَا خلاف في إنا متعبدون بألفاظ القرآن، ولا يجوز تبديلها بغيرها، فقال: هذا بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع الكفار فلا. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون فيها سؤالا وهو ما الحكمة في إتيان الفعل مبنيا للمفعول مع أن الأولى هنا ذكر الفاعل لاسيما مع ما ذكر ابن عطية، وغيره: من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما غلب قريشا ببدر، قالت: اليهود هذا هو النبي الذي في كتابنا الذي لَا يهزم له راية فلما كانت وقعة أُحد كفروا جميعهم، وقالوا ليس بالنبي المنصور، فكان الأولى أن يذكر فاعل الغلبة؛ لأنهم نعم يقولون: غلبنا غيرك، فهو النبي الحقيقي لَا أنت. قال ابن عرفة: وعادة بعضهم يجيب بأن هذا تشبيه على ذم الدعوى، وتنفير منها على جهة التعليم للقياس، وإنه لَا ينبغي لأحد أن يدعي شيئا، وتلا قوله تعالى: في سورة النمل، (قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ). قال ابن الخطيب: وفي الآية حجة لجواز تكليف ما لَا يطاق؛ لأنهم خوطبوا بأنهم مغلوبون معذبون ومع هذا مكلفون بالإيمان، فقال ابن عرفة: قد تقدم نظيره في قضية أبي لهب، وتقدم الجواب عنه. قيل لابن عرفة: ما ذاك يغني ومأمور بأن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إيمانا جمليا من غير تفصيل فهذا أشد لكونه أمر بأن يقول لهم هذه المقالة ويدعوهم إلى الإيمان إلا أن يجاب بأن المراد ستغلون إن دمتم على دينكم أن وصف

стр. 335

الكفر يغني عنه إذا لم يعين فيها شخص منهم بخصوص فهمها أسلم منهم أحد لم يكن من الذين كفروا. قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ ... (١٣)﴾ قال ابن عرفة: فيها سؤال، وهو لم عبر في الأولى بالفعل وفي الجملة الثانية بالاسم، وهلا قيل فيه: مقاتلة في سبيل الله وأخرى كافرة، أو يقال فيه: تقاتل في سبيل الله وأخرى تكفر؟ والجواب: إما بأن القتال أمر فعلي فهو متحدد فلذلك عبر بالفعل، والكفر أمر اعتقادي قلبي فهو ثابت فناسب التعبير عنه بالاسم، وإما بأن الآية حذف التقابل أي [فئة*] مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت. قوله تعالى: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ). فيها أوجه: أحدها: يروا المشركين مثلي المشركين رأي العين، وقد يشكل لمخالفته سورة الأنفال، لأن فيها: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا) وأجاب الزمخشري: بأن المشركين يرون المسلمين قبل القتال قليلين [فيجترءون ويحرصون*] على قتالهم، ثم يرونهم حين القتال كثيرين، [فينالهم*] الخوف والرعب الموجب لقتلهم وانهزامهم. ابن عرفة: ويجيء هنا عكسه، وهو أن المسلمين يرون المشركين قبل القتال مثلهم ابتلاء من الله لهم، فإذا شرعوا في القتال يرونهم قليلين يذهب روعهم وخوفهم. ابن عرفة: وهذه الرؤية [تغلط*] البصر، فيرى القليل كثيرا، والكثير قليلا، وإما بأن الله يخلق هناك ما مثل المشركين [أو يقلل بعض المشركين في أعين المؤمنين]. ابن عرفة: فعلى هذا أنه يكون من غلط البصر يكون المصدر، من قوله تعالى: (رَأْيَ الْعَينِ) [ترشيحا*] للمجاز، كقول الشاعر: بكى الحر من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيجا من جذام المطارف

стр. 336

وعلى أنها رؤيا حقيقة للناس [يقللهم*] الله تعالى هنالك يكون [ ... ] حقيقة، قال: وهذه الرواية إن كانت عليه فيكون رأي العين تأكيدا، مثل: ضربت ضربا. الثاني: أن المراد يرون المشركين، مثل: المؤمنين على ما قدر عليهم من وقوف الواحد [منهم*] للاثنين، في قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ) قال الزمخشري: ولذلك وصف ضعفهم بالقلة؛ لأنه قليل بالإضافة إلى عشرة الأضعاف، فكان الكافرون ثلاثة أمثالهم. ابن عرفة: وصفه بالقلة في قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ). قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ). قرئ بتسهيل الهمزة، قال أبو حيان: يجوز تسهيلها، قال بعضهم: لأن تسهيلها قريب من السكون فيلتقي ساكنا، فرده ابن عرفة لقوله تعالى: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) مع أنه يلتقي في أنذرتهم ثلاثة سواكن. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ (١٤)﴾ ابن عرفة: مناسبتها لما قبلها إن الآية المتقدمة اقتضت الحصر على الجهاد، ومدح المتصف به ومن خالف نفسه وشهوته [البهيمية*]. قال ابن عطية: قيل المزين هو الله تعالى، وقيل الشيطان. ابن عرفة: فعلى الأول هو تزيين خلق وابتداع، وعلى الثاني تزيين بوجه فهو كقول الشاهد للقاضي أؤدي شهادتي ولا نقول أديته. قوله تعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ (٤٥)﴾ أبو حيان والفخر: (مِن) لابتداء الغاية. ابن عرفة: الصواب أنها للسبب ولا إضمار في الآية، أو للتبعيض على أمر مضاف أي بكلمات، أي من كلماته. قوله تعالى: (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ).

стр. 337

دليل على أن الاسم غير المسمى، الزمخشري: وعبر عنها بأنها اسمه مع أن الاسم منها عيسى، وأما المسيح فلقب له، فإنما كان ذلك لاشتراكها في التمييز. ابن عرفة: فهو من استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، أو من استعماله في القدر المشترك، وهو مطلق التمييز. قوله تعالى: (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ). أبو حيان: التضعيف للتعدية وليس للمبالغة. ابن عرفة: وذكر غيره أن التضعيف يكون للأمرين في حالة واحدة وأن ذلك غير ممتنع، فأفاد المبالغة من التضعيف، ومن التعريف مع حرف الجر مثل (لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ). قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ (٤٧)﴾ الزمخشري: الخطاب لله تعالى، ومن [بدع*] التفاسير أنه لجبريل. ابن عرفة: والصواب أنه لجبريل على حذف مضاف، أي يا رسول [ربي*]. ابن عرفة: وفي الآية سؤالان: الأول: كيف استبعدت ولادتها فعللت ذلك بمسبب البشر لها، وهي لَا تدري ما يكون من أمرها، وعادتهم يجيبون بوجهين، أنها منذورة محررة للمسجد، والمنذور المحرر للمسجد لَا يتزوج ولا يولد له. الثاني: أنها بشرت بالمسيح عيسى ابن مريم منسوب إلى أمه دون النسبة إلى الأب، فلذلك استبعدت الولادة، وعللته بعدم مس البشر إياها. السؤال الثاني: هلا قالت: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) فتعلق النفي بالمستقبل، فإنها بشرت بولد يزداد لها في المستقبل فكيف تعلل استبعادها ذلك بنفي المس عنها فيما مضي؟ قال: وجوابه عندي بأنه، كقوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) فالنفي، وذلك في الموتة الأولى تنبيها على عمومه؛ لأنها انتفاء ذواقها لهم في الجنة أي لَا يذوقون غيرها فيها كما لَا يذوقونها هي فيها، وكذلك هنا أي كما علمتم عدم مس البشر لي فيما مضى فكذلك في المستقبل. ابن عرفة: وفي سورة مريم: (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) وهو دليل على أنها أرادت بالمس الوطء الحلال.

стр. 338

قوله تعالى: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ). وفي قصة زكريا: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ)؟ فأجاب ابن عطية: بأن أمر زكريا حاصل في الإمكان الذي يعتد وإن قل، وقصة مريم لَا تتقارب ألبتَّة، لأن زيادة الولد بين الرجل وامرأة معهود، وإن كانا شيخين، بخلاف زيادته بغير رجل ليس من جنس مقدور البشر بوجه، فعبر عنها بالخلق الذي هو خاص بالله، إذ لَا يقال: فلان يخلق كذا بوجه. قوله تعالى: (إِذَا قَضَى أَمْرًا). ابن عرفة: أي قدره، والظاهر أن المعنى إذا أراد في الأزل أمرا أبرزه بقوله: (كُنْ) قيل لابن عطية: هل يوجد أن الأمر تابع للإرادة؟ فقال: هذا إلا بقوله (مَسَّنِيَ). ابن عرفة: والآية على صحة خطاب المعدوم، والمعتزلة ينكرونها وينكرون الكلام القديم، ويردونه هنا إلى سرعة التكوين، ونحن نثبته. ابن عرفة: فإن قلت: لم قال زكريا: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) ولم تقل مريم كذلك مع أن العكس كان يكون أولى؛ لأن وجود الولادة من مريم أغرب وأعجب من وجودها من زكريا؟ قال والجواب: إن زكريا دعا بذلك، وتكرر طلبه فطلب الآية ليشكر الله على إسعافه له بالمطلوب، ومريم لم يقع منها طلب لذلك بل بُشِّرت بذلك عفوا. قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (٤٨)﴾ أي يصيره عالما بذلك. ابن عرفة: فإن قلت: هلا قيل: [ويَعْلَمُ الكتابَ*]؛ لأن هذا من باب الإعلام لَا من باب التعليم، والإعلام عام يقول: أعلم زيد عمروا مقيما، أي صيره عالما بذلك، والتعليم خاص، قال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) فلأي شيء أطلق على الأنبياء، وجعل خاصا بهم دون العلم؟ قال: والجواب بوجهين: أحدهما: أن ذلك تشريف له واعتناء به؛ لأن [الإقبال بالتعليم للشخص*] اعتناء به]. والثاني: أن هذا من باب العلم التكميلي؛ لأن العلوم الضرورية لَا يحتاج فيها الإنسان إلى تعليم، فلو قيل: [(ويَعْلَمُ) *] دخل فيه الضروري فيكون تحصيل الحاصل.

стр. 339

ابن عرفة: وكان الشيوخ مختلفون في [ ... ] هل يشتركان في شيء أم لَا؟ فمنهم من كان يمنع اشتراكهما مطلقا إذ لو اشتركا في أمر لجاز ارتفاعه، وإذا جاز ارتفاعه جاز ارتفاعهما، فيلزم عليه ارتفاع النقيضين، وهذا باطل، وكان ابن الحباب يجيز اشتراكهما بقولهم في حد التناقص، أنه اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب فهما مشتركتان في مطلق الاختلاف. ابن عرفة: من راعي الأمور الوجودية منع اشتراكهما، ومن راعى الأمور الاعتبارية [جوز*] اشتراكهما، وكان بعضهم يستدل بهذه الآية مع قوله تعالى: في سورة الأعراف: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) على جواز اشتراك النقيضين في أمر ما، قال: لأن الإخبار عن عيسى ﵊ بآية علم الكتاب، والحكمة، والتوراة [إخبار*] بوصف كمال، يدل على أن معرفة الكتابة في الشخص من صفات الكمال، ووصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكونه أميا لَا يقرأ ولا يكتب كمال في حقه، والكتابة نقيض لَا كتابة، فقد اشترك النقيضان في أن كلاهما وصف كمال. قال ابن عرفة: والجواب أن يقول الممتنع اشتراك النقيضين في الوصف العقلي، وهذا وصف جعلي شرعي، فإنه يلزم من اشتراكهما الوصف العقلي. قيل لابن عرفة: النقيضان مشتركان في أن كلاهما معنى، أو كلاهما ذات فقال: تلك أمور اعتبارية لَا وجودية. قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (٤٩)﴾ قال تعالى: (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ). والنصارى من ذرية إسماعيل، سموا نصارى؛ لكونهم نصروا عيسى ﵇، يدخل فيهم بنوا إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب ﵊. قوله تعالى: (قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ). قال ابن عرفة: أعلن أن دعوى المدعي لَا بد من اقترانها بالدليل الدال على صحتها، هكذا اقتضى الشرع والعقل، أما الشرع فلقوله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم، "لو أعطي النَّاس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم"، وأما العقل فلأن

стр. 340

قبول دعوى المدعي على خصمه من غير دليل ترجيح من غير مرجح، وهو باطل وإعمال الدعوتين جمع بين النقيضين وإبطالهما يرد إلى الإهمال والتعطيل، فلذلك ترد دعواه الرسالة بالآية فظاهر كلام ابن التلمساني شارح المعالم الدينية: إن الأمر الخارق للعادة ما يسمى آية إلا إذا كان معه التحدي كذا نقل عنه بعض الطلبة. وقال ابن عرفة: بل الآية أعم كان معها التحدي حسا أو حكما فهي معجزة. قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ)، أي أقدر. قال الشاعر: [ولأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وبَعْ ... ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لاَ يَفْري*] ابن عرفة: معناه تقدر مثلا أنك تقدر عشرة، وتصدق ذلك بالفعل وبعض القوم يقدر شيئا ثم لايستطيع أن يفعله. قوله تعالى: (فَأَنْفُخُ فِيهِ). قال الفخر: احتج بها من يقول: إن الروح جسم لطيف؛ لأن النفخ إنما هو بالجسم. ورده ابن عرفة بأن عيسى لَا ينفخ الروح. قوله تعالى: (بِإِذْنِ اللَّهِ). أي بقدره، وقال ابن عطية: يعلمه أي يعلمه أفعل ذلك، وتمكينه إياي. ابن عرفة: لولا قوله: وتمكينه لكان كلاما خلقا لإبقاء مذهب المعتزلة، والمراد بالتمكين إقداره إياه على فعله؛ لأن التمكين هو القدرة على الفعل، ولذلك قال تأمل قوله تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) مع قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "البكر تستأمر وأذنها صماتها" فناقض بين الآية والحديث؛ لأن معنى الآية فهزموهم بقدرة الله، ومعنى الحديث الإخبار بعجز البكر عن التصرف في أمرها، وعلى العقد على نفسها؛ لأن الإذن فيهما مختلف. ابن عرفة: وإنما قال: (أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطينِ كَهَيْئَةِ) ولم يقل فيه: (بِإِذنِ اللَّهِ)؛ لأن ذلك لَا يمكن البشر فعله عادة فالفخارون والشماعون يصنعون مثل ذلك، وكذلك: (وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ) ولم يقل فيه (بِإِذْنِ اللَّهِ) لأنه ممكن من غير

стр. 341

عادة، بخلاف نفخ الروح وإحياء الموتى، فلذلك أسنده إلى قدرة الله تعالى، وإن كان الجميع بقدرته جل وعز، ولما كان في سورة العقود في معرض تعداد النعم، والامتنان من الله تعالى على عيسى ناسب تقييد الجمع فيها، بقوله: (بِإِذنِي) زاد [ابن الزبير*] أن في آية المائدة إشارة إلى توبيخ النصارى في زعمهم (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ)، وأن عيسى ابن الله إلى غير ذلك، كما [يقول: أحدنا لغيره ألم أفعل لك كذا ألم أعطك كذا ويعدد عليه نعما ثم يقول: أفعل لك ذلك غيرى؟ *]، فإذا اعترف به العبد انقطعت حجة من ظن خلافه، فأعلم الله أن تلك الأمور بإذنه، وكرر ذلك تأكيد الدفع توهم حول، أو قوة لغير الله، قال: وآية آل عمران إنما هي بشارة لمريم، وإعلام بما منح ابنها عيسى فقط، فلذلك كرر لفظه: (بِإِذنِي) المائدة أربع مرات، وهنا مرتين. قوله تعالى: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ). احتج بها ابن رشد على إبطال الحكم بعلم المنجمين؛ لأنه قال في كتابه الجامع الرابع من بيانه: إن المنجم [ ... ] (١) الكل على أنه مصدق لها بالقول، وهو مشكل؛ لأن غيره من بني إسرائيل [مصدق لها موقن بها*]. ابن عرفة: والصواب عندي أنه مصدق لها بالفعل، ونظيره أن يخبرك إنسان بأن الأمير يدخل هذا راكبا على فرسه معمما بعمامته ملتحفا بردائه به، فيدخل هذا على تلك الصفة بالأمير مصدق لذلك الإنسان بالفعل، وكذلك بالتوراة تضمنت أنه يأتي بعدها رسول من عند الله اسمه عيسى تكون معجزاته إحياء الموتى، وإبراء الأكمة، والأبرص، والإخبار بالمغيبات، والحوادث، فيجيئه على هذه الصفة المقتضية لتصديقه لما في التوراة معجزة، وآية من جملة الآيات. ابن عرفة: والصدق والتصديق بينهما عموم وخصوص من وجوه دون وجوه فقد يكون الكلام في نفس الأمر صدقا ولا مصدق له وقد يصدق به وهو كذب، فإن التصديق هنا بالفعل بحرف الجر، في قوله: (مِنَ التَّوْرَاةِ) للتبعيض، وإن كان من القول هو لبيان الجنس لأنه صدق جميع التوراة. ابن عرفة: والتصديق لما تضمنه التوراة من الإخبار. وقوله: (وَلأُحِلَّ لَكُم (٥٠)

стр. 342

راجع لما فيها من الطلب والتكاليف بالأوامر والنواهي، لأن التصديق والتكذيب إنما هو من خواص الخبر، فقد قيل لابن عطية: أو يكون مصدقا لجميعها، أو يكون قوله: (وَلأُحِلَّ لَكُم) دليل على أن ذلك بالفعل لئلا يكون ذلك نسخا وهو بيان انتهاء أحد الحكم واليهود ينكرونه لئلا يلزم عليه البداء وهو باطل. أو هو قوله: (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ) دليل على التصديق بالفعل؛ لأن المجيء فعلي قالوا: وبعض هنا عند أبي عبيدة بمعنى كل وهو مردود من وجوه: أحدها: تفريق المبالغة بين القضية الكلية بأن سورها كل، والجزئية سورها بعض، أو ليس بعض الإنسان إنسانا أحل لهم ما حرم عليهم، ابن عطية: قال ابن جريج: قال: [أحل*] لهم لحوم الإبل والشحوم، زاد الربيع وأشياء من السمك وما لا مخلب له من الطير وكانت في التوراة محرمة، ابن عطية: أي مما لَا مخلب له من الطير. قوله تعالى: (وَلأُحِلَّ لَكم). قال الزمخشري: رد على قوله: (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) جاز ويجوز أن يكون، ومصدقا أيضا مردودا عليه، ورده أبو حيان بأن (بِآيَةٍ) في موضع الحال، (وَلأُحِلَّ) تعليل ولا يصح التعليل على الحال، كان العطف بالحرف المشترك في الحكم موجب التشريك في جنس المعطوف عليه، بأن عطف على مصدر متوهم، أو مفعول به، أو ظرف، أو حال، أو تعليل، أو غير ذلك مشاركة بنفي ذلك المعطوف، وابن عرفة: لما ذكر ابن بشير الخلاف هل هو حدث، أو سبب الحدث؟ قال: احتج من قال أنه حدث بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عد موجبات الوضوء ذكر فيها النوم، وعطفه على البول، والغائط، واختلف الأصوليون في العطف هل يفيد التشريك في المعنى كما يفيده في الإعراب أو لا. ابن عرفة: فمنهم من أنكر الخلاف؛ لأن العطف بالواو، وأجيب: بأن هذا الخلاف فيما إذا قيدا أحد المعطوفين بوصف، أو حكم من الأحكام هل يقتضي العطف تقييد الآخر به أم لَا؟ ابن عرفة: أنه يلزم إذا قلت: قام زيد العدل وعمرو أن يكون عمرو متصفا بالعدالة وهو مراد أبو حيان: وهو ضعيف. قوله تعالى: (مِنْ رَبِّكُمْ)). أضاف الرب إليهم؛ لأنه في مقام تكرير النعمة عليهم ليستألفهم للإيمان.

стр. 343

قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ). ابن عرفة: عطفه بالفاء المقتضية للتعقيب يدل على حصول [العلم*] بالنتيجة من المقدمتين عقلي إذ لو كان [عاديا لجاز فيه التراخي*]، فقال ابن عرفة: إنما هذا علم ملازم للنتيجة؛ لأن التقوى تقوى العمل الصالح مع الإيمان، ولم [ ... ] عن الأطباء قولهم: المحسوسة، ونقله القرافي في شرح المحصول، عن ابن الخشاب. ابن عرفة: إن كانت (حسَّ) متعدية بحرف الجر، فيرد التعقيب بقوله تعالى: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ). قرأها علي بن أبي طالب: تحس من حس فهو متعد بنفسه، لأن من في [مِنْ أَحَدٍ*] زائدة، وأنشد صاحب الجمل [لزبيد*] الطائي. [خَلا أنّ الْعِتَاقَ من المَطَايَا ... أَحْسَن بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ*] قوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ (٥٢)﴾ (إِلَى) لانتهاء الغاية، أي من ينصرني نصرة تنتهي إلى نصرة الله إياي، ونصرة الخلق له بالمقاتلة والمجاهدة، ونصر الله بإظهار الحجج والمعجزات على يديه، وقول الحواريين: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) مما يصحح هذا التأويل. قوله تعالى: (آمَنَّا بِاللَّهِ). أن متقدمان على قولهم: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)، فهو ابتداء، وإن كان بعد فهو خبر. قوله تعالى: (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). وقال في سورة العقود: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ). قال ابن عرفة: فالجواب إيمان بعد أمر الله لهم به مباشرة، وجواب التكليف الواقع عن الله المناسب أن يكون أبلغ من جواب التكليف الصادر عن غيره. الثاني: أن الوحي لهم ليس هو كالوحي المرسل، وإنما هو إلهام ففيه غرابة وإعجاب فناسب المبالغة في الإخبار بحصول الإيمان.

стр. 344

قيل لابن عرفة: هل تدل على أن الإسلام والإيمان مترادفان، قال: لعل المراد به هنا الانقياد. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ (٥٣)﴾ ليس بتكرار بل الأول إيمان اعتقاد، والثاني: إيمان بالفروع والشرائع. قوله تعالى: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ). تقتضي تبعيتهم للشاهدين وهم أشرف منهم لكن ذلك على جهة التواضع منهم. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ إن أريد في الحقيقة فهي فعل لَا أفعل، وإن أريد مجرد الإطلاق اللفظي المجازي فهي أفعل من. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ... (٥٥)﴾ اختلفوا في العامل في إذ، فقيل: (اذْكُر)، وقيل: (خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)، واستبعد ابن عرفة فيها ما قبلها، واستبعد الياء لئلا يلزم عليه المفهوم، إلا إن يجاب بالمفهوم منفي بالدليل العقلي، والظاهر أن العامل فيها (وَمَكَرَ اللَّهُ). قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ). التأكيد في مقام التشريف، يريد المخاطب تشريفا، وذكر الزمخشري: في (مُتَوَفِّيكَ) أربع تأويلات، فقال: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أجلك وعاصمك من أن يقتتلك الكفار، ومؤخرك إلى أجل كتبته لك. قال ابن عرفة: وهذا بين على مذهبه لأنهم يقولون: إن المقتول له أجلان فلم يستوف أجله وممكن فهمه على مذهبنا. قوله تعالى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ). قيل: هم الحواريون، فالمراد اتبعوك من حيث كونك متبوعا فقط، وقيل: المراد المسلمون وهم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالمراد اتبعوك من حيث كونك تابعا ومتبوعا، فالمتأخرون من المسلمين الكائنين حين نزوله اتبعوه من هذه الحيثية هنا، والمتقدمون منهم اتبعوه من هذه الحيثية حكما، ومطهرك من أقوالهم السيئة، وأفعالهم الخبيثة، ومجاورتهم ومخالطتهم.

стр. 345

ابن عرفة: قال ابن زيد: الذين اتبعوه النصارى، والذين كفروا، أي جاعل النصارى فوق اليهود. ابن عرفة: إنما المراد بالنصارى الحواريون فقط، وأما هؤلاء النصارى فغير داخلين في الآية لأنهم لم يتبعوه، ولو اتبعوه لآمنوا بمحمد ﷺ ، نعم فوق الحديث الصحيح "من أن الله سيذل اليهود ويجعل كل ملة فوقهم" وقد ظهر ذلك ولله الحمد وهو أحد المعجزات الدالة على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا). قال أبو حيان: إلى متعلق بالعامل في فوق، وهو على فوق فاعل جاعل على أن الفوقية مجاز فإن كانت حقيقته وهي الفوقية بالجنة، فالعامل فيه متوفيك، أو رافعك، أو مطهرك. قيل لابن عرفة: كيف يعمل فيه جاعل، وهو عامل في (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، والمجرور بمعنى واحد، فأجاب باختلافهما الأول: [ ... ] قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ ... (٥٦)﴾ هذا من الإتيان في البيان المطلوب، وزيادة كما فى حديث الموطأ: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، لأن قبل الآية: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) فاقتضى الاحتمال بعقابهم في الدار الآخرة ثم بين كيفية عذابهم فيها، وزاد مع ذلك عقابهم في الدنيا. قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). يحتمل الرجوع لأمر في؛ لأن عذاب الدنيا هو الذي يتوهم أن لهم فيه ناصر لعلمهم منه، فأفاد التسوية إن كانوا يعلمون أو لَا ناصر لهم في الآخرة، فكذلك في الدنيا وعذابهم الشديد فيها بالذلة، والصغار إلى آخر الدهر، فما من يهودي في قطر من الأقطار إلا وهو [أذل أهل ذلك القطر*]، وأحقرهم، قال: وتولى الله عذابهم بنفسه تشريفا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتشديدا عليهم في العذاب. زيادة قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ (٥٧)﴾

стр. 346

إن قلت: لم أتى أعذبهم بهمزة المتكلم ونوفيهم بنون العظمة، فأجيب بوجهين: إما الإشارة إلى عظم إلى ما يقال في المؤمنين من الأجر والثواب، فناسب بنون العظمة، لأن العظيم لَا يثبت على فعل الجميل إلا بعظيم، وإما لأن المؤمنين عظموا الله حق تعظيمه وامتثلوا أمره ونواهيه، فخاطبهم بنون العظمة الدالة على تعظيم ما عظموه بخلاف الفريق الآخر. قال ابن عرفة: وهذا عندي تقسيم مستوفى؛ لأن النَّاس على ثلاثة أقسام: كافر، ومؤمن طائع، ومؤمن عاص. فقوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). عبارة عن المؤمن العاصي، قال الفخر: واحتج بها المعتزلة أن لَا يحب الشر، ولا يريده، فرده ابن عرفة بوجهين: الأول: أنه ليس المعنى والله لَا يريد الظالمين فهو ذم لهم، مثل: لَا حبذا زيد، وما يلزم من ذمهم على الظلم إن الله لم يرد ذلك منهم. والوجه الثاني: أن المستدل بها لابد أن يضمر فيها مضافا تقديره: والله لَا يحب ظلم الظالمين، وليس هذا بأولى من أن يقول التقدير: والله لَا يحب ثواب الظالمين. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ ... (٥٨)﴾ يتعارض فيها المجاز والإضمار؛ لأن الإشارة إلى الآيات المتقدمات، وقد كانت تليت عليه حين نزول هذه الآية، فإما أن يكون نتلوه مضارعا عبر عنه في الماضي فهو مجاز أو يكون مستقبلا حقيقة، والمعنى مثل ذلك نقلها عليك فيكون فيه إضمار. قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ (٥٩)﴾ .. الزمخشري: إن شأن عيسى وحاله كشأن آدم خلقه وخالقه، ابن عطية: وقال إن صفة عيسى كصفة آدم، واختاره، ابن عطية: إن المراد أن المتصور من عيسى في الذهن كالمتصور من آدم، وابن عرفة: فجعله بمنزلة الجمعة للمقدمتين أي: إن مثل عيسى في نفس الأمر الحق اليقين الذي يخالفون فيه كمثل آدم، ابن عطية: والمثل والمقال واحد. ابن عرفة: وتقدم الإشكال في قوله: (لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ) فمنهم من قال: الكاف زائدة لئلا يلزم عليه إثبات المثل لله ، وتقدم الجواب، بأن ثبوته يؤدي إلى نفسه؛ لأنه إذا تقرر أنه ليس مثله مثل ينتفي المماثل؛ لأن مثل المثل، إما الذات

стр. 347

المكرمة فينتفي الذات، أو مثلها، فلا يكون لها مثل وهو المطلوب، وأورد بعضهم سؤالا، قال: إن قلت: هلا قيل: إن عيسى عند الله كآدم؟ فهو أخص، وأجاب: بأنه لو قيل كذلك لصدق التشبيه في الأمور العرضية فقط، ولم يتناول صفات النفس كلها، فلما جعل المماثل لعيسى كالمماثل لآدم كانت المماثلة بين عيسى وآدم في الأمور الذاتية؛ لأن قوله: مثل زيد مماثل لمثل عمرو، أبلغ من قولك: زيد كعمرو، والزمخشري، قال بعضهم للروم: لم تعبدون عيسى، فقالوا لأنه لَا أب له فقال: آدم أولى؛ لأنه لَا أبوين له فقالوا: كان يحيي الموتى، فقال: فحزقيل أولى أولا؛ لأنه أحيا ثمانية آلاف، وأحيا عيسى أربعة نفر، فقال كان يبرئ الأكمه والأبرص، قال: فجرجيس أولا؛ لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالما. ابن عرفة: فعجزوا عن الجواب من عبادتهم وإلا فكان يقولون أنهم عبدة للمجموع. قوله تعالى: (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ابن عطية: قال أبو علي الفارسي: هذا القول مجاز مثل: امتلأ الحوض. وقال ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأن المعتزلة ينفون كلام النفس القديم الأزلي ويردونه إلى سرعة التكوين فقط، الزمخشري: أي [أنشأه بشرا*]، كقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي أنشأناه من طين، ثم قال له: كن لحما، ودما، وعظما، وركب فيه الروح. قيل لابن عرفة: قد يحتج بهذا من يقول مجرور الكلام؛ لأن الفاء للتعقيب فهو تعقيب، إن قال له: كن كان، فقال ابن عرفة: الكلام قديم وسماعه حادث، أعني إظهاره للملائكة وغيرهم. قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... (٦٠)﴾ قال الزمخشري: أي هو الحق. ابن عرفة: الصواب هذا الحق، أي هذا المذكور كله الحق من ربك، وأما قوله: (هُوَ) إنما يتناول في نفس الأمر، وقاله ابن عطية: فإن قلت: هلا قيل: فلا تكن ممتريا، أو فلا تمتر فهو أبلغ، الجواب: كالجواب في قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ

стр. 348

بِظَلام لِلعَبيدِ) أي لم قدر وقوع الامتراء العظيم، أو أن قيل: لما تصور إلا عظيما. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ ... (٦١)﴾ قال ابن عرفة: تقدم الفرق بين فاعل وتفاعل؛ لأن المرفوع في فاعل هو البادئ بالمفاعلة بخلاف تفاعل فإنها محتملة، وتقدم الرد على ذلك، بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) مع أن إبراهيم هو البادئ بالمحاجة. قال ابن عرفة: وإذا بنينا على ما قال ابن عطية: في قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ) وأنه قياس تمثيلي مع ما ذكر إمام الحرمين في الإرشاد من أن قياس الغالب على الشاهد بالجوامع الأربعة محصل العلم. وقال الفخر في المحصول إنه محصل علما، وكذا قال في المقترح، وكذا في البرهان، وانظره ابن التلمساني في المسألة الثانية من كتاب القياس فيؤخذ من هذه الآية محل للعلم، لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ). قوله تعالى: (فَقُلْ تَعَالَوْا). ابن عطية: تعالوا كلمة قصد بها تحسين الأدب مع المدعي ثم اطردت حتى بقولها: الإنسان لعدوه ولبهيمته. ابن عرفة: ليس كذلك إنما بقولها لمن هو صاعد مرتفع لموضع علل عليه، ثم استعملت في نداء من تريد تعظيمه، وأما العدو فلا يقال له: تعالى إلا مجازا، كما في قوله تعالى: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ)، فجعل هنالك النفس آكد من البنين، والزوجات، وتقدم الجواب بأن ذلك حيث لَا يتحقق الإنسان أنه يموت فإنه يفتدي من العذاب بابنه وزوجته وتقدمهما في ذلك على نفسه؛ لأنه طامع في الحياة، وأما إذا تحقق أنه لابد له من الموت مقتولا فإنه يبادر بنفسه قبل ولده، وزوجته ليكون أسهل عليه حيث يقاسي مرارة القتل فقط، فقال: وإذا قدم عليه ابنته، وزوجته فيقاسي أمرين، أول مشاهدته لقتلها، ثم الثاني: قتله بعدهما، والمباهلة تقتضي الهلاك بلا شك فلذلك بدأ بالبنين؛ لأنهم أشد حسرة حيث يهلك بنوه، ثم زوجاتهم، وهم ينظرون إليهم كيف صاروا قردة، وخنازير، ثم يهلكوهم أخيرا، وأما تلك فهي في

стр. 349

المفاداة من العذاب والسلامة منه، ولا شك أن الإنسان إذا علم أنه يعيش، فإنه يفتدي من العذاب ببنيه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ... (٦٢)﴾ قال النحويون ضمير الفعل الفصل يؤتى به للتأكيد، وقال الطيبي في تبيان بيانه: يؤتى التخصيص المسند بالمسند إليه، أو العكس، واختلفوا في القصص، والخبر، فقيل: هما بمعنى واحد، ومنهم من جعل القصص أخص من الخبر، وفرق بينهما بوجهين: الأول: أن القصص إنما يصدق على كلام يشتمل على جملة تابعة بجملة أخرى فما يصدق إلا على جملتين فأكثر والخبر يصدق على ذلك وعلى الجملة الواحدة. الثاني: أن الخبر هو الإعلام بمعنى القضية فقط، والقصص هو الإعلام بمعناها مع المحافظة على حكايته بألفاظه وبعضها أو العوارض والأوصاف الواقعة في تلك القضية، قال أبو حيان: والإشارة للقرآن. ابن عرفة: أي هذا قص عليكم قصصا حقا، ويحتمل عندي أن الإشارة إلى قضية المباهلة المتقدمة بمعنى أن الله وعد بحفظها، وعدم المخالفة فيها فأنت تقصها إلى آخر الدهر من غير منازع عنها، ولا نكير. قوله تعالى: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ). قال ابن عطية: من لتأكيد استغراق الجنس. قيل لابن عرفة: إنما ذلك في مثل ما جاءني من أحد، فقال: اختلفوا في النكرة في سياق النفي هل يعم أم لا؟ فكلام ابن عطية بناء على أنها تعم، وقول أبو حيان: لا لاستغراق الجنس بناء على أنها لَا تعم، واحتج بهذه من قال: أن الاستثناء من النفي نفي صريح، وإنَّمَا يقول: لنفي يحتمل النفي والإثبات، فإذا اقترنت به قرينة عينية لأحد المحتملات، وهنا القرينة تعين المراد به الإثبات. قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). ابن عرفة: مناسبة هاتين الصفتين؛ لأنه لما تضمن الكلام السابق توحيد الله، وما اتصف به من صفات الكمال، فيقول القائل: فلم وجدنا بعض النَّاس مشركين كفارا عبدوا عيسى وعزيرا، فقال: لأنا نصفه بالعزة والعزيز ممتنع لَا يصل إلى إدراك عظمته

стр. 350

رجلا له كل إنسان وهو أيضا حكيم يضع الأشياء في محلها يهدي بعض النَّاس إلى الإيمان فامتنع عن الآخرين، وحجبهم عن إدراك وجه الصواب وأضلهم وكفروا. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾ ابن عرفة: وهذا إشارة إلى أن كفرهم [عناد*] أو شبيه بالعناد فما كفرهم إلا عناد وحسد وفيه إيماء لتعذيبهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ... (٦٤)﴾ الخطاب بالذات للنبي صلى اله عليه وسلم ولكل واحد من أمته، لقوله: (فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). قوله تعالى: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا). ابن عرفة: تضمنت الأولى نفي الإشراك في الاعتقاد، والثاني: نفي الاشتراك في العمل فيكون تأسيسا، والتأكيد بقوله (شَيئًا) دخل على النفي فأكده، فهو نفي أخص لا نفي الأخص. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ (٦٥)﴾ قال ابن عرفة: فرق بعضهم في المحاجة والمجادلة بوجهين: أحدهما: أن المحاجة هي استدلال الخصم على دعوى يعتقد حقيقتها، والمجادلة أعم من ذلك فتصدق على هذا، وعلى إلزام الخصم مذهب ألا يقول به فالمحاجة بين سني ومعتزلي يستدل كل واحد منهما على حقيقة دعواه، والمجادلة بين رجلين من أهل السنة يلزم أحدهما الآخر مذهب المعتزلة، وبين رجلين من المعتزلة يلزم أحدهما الآخر مذهب أهل السنة. الوجه الثاني: أن المجادلة أقوى من المحاجة. لأن الجدل هو الشد مأخوذ من قولك جدلت الحبل، إذا شددت فتله. قيل لابن عرفة: يرد الأول بقوله تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) مع أنه يعتقد حقيقة ما هو يجادلهم عنه وبطلان ما عداه، فقال: سميت مجادلة باعتبار دعوى الكفار فإنها باطلة عنده هو، وكذلك قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) قال ابن عرفة: وانظر ما معنى الآية هل أنهم ادعوا أن إبراهيم كان على دين اليهودية

стр. 351

والنصرانية في الأحكام الاعتقادية، أو معناه كان متشرعا بشريعة اليهود متبعا لها في الأحكام الفرعية؛ لأن الملل كلها أجمعت على اعتقاد توحيد الله ، ونفي الشريك عنه، وليس في ذلك خاصا بملة اليهود، والنصارى بوجه، وإنما تختص الملتان في الأحكام الفرعية فقط. قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ). قال ابن عرفة: وكان بعضهم من يقتضي أزمنة البعدية، وكان يرد عليه بهذا، قاله المفسرون، قالوا: إن التوراة أنزلت بعد إبراهيم بألف سنة، والإنجيل أنزل بعده بألفين سنة، فلا يصح أن يكون نزل أول أزمنة البعدية، أو في أثنائها. قوله تعالى: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ). يجاب عليه بوجهين: الأول: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه قصد الرد عليهم بالدلالة الأخروية التقديرية المجازية لَا بنفس الأمر الواقع في الوجود، أي يقولون: أنه يهودي، ومجرد إنزال التوراة بعده في أول زمن من أزمنة البعدية ينفي كونه كان يهوديا فكيف والواقع في الوجود أنها نزلت بعده بأزمنة متطاولة. الجواب الثاني: قال بعض الطلبة لابن عرفة: إن إبراهيم بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام أنبياء وشرائع كثيرة فالمراد بذلك أول الأزمنة الكائنة بعد انقضاء شريعته ونسخها بشريعة نبي آخر بعث بعده يليه، فرده ابن عرفة: بأنه إنما المراد وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده شخصه وذاته لَا من بعد شريعته وملته، فما الجواب إلا ما تقدم. قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ... (٦٦)﴾ غلط ابن عطية: فقال: هؤلاء بدل أو صفة، وسكت عنه أبو حيان وهو خطأ صريح؛ لأن المضمر لَا ينعت، ولا ينعت به. ابن عرفة: وهذا على سبيل التبكيت لهم والإبطال لدعواهم، كما يقول لمن يعلم أنه حاجج في مسألة بغير علم ها أنت حاججت في هذه المسألة بعلم ثم تعطف عليه، فتقول بل حاججت فيها بغير علم، وكما تقول لمن تعلم أنه لم يتصدق من ماله بشيء ها أنت تتصدق من مالك بشيء يدل لم يتصدق منه بشيء، وكان بعض الشيوخ يقول:

стр. 352

يؤخذ من هذا منع تكلم الإنسان في شيء بما لَا يعلم كما في قوله تعالى: (بَل كَذبُوا بِمَا لَم يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) قال: وحكى لنا شيخنا القاضي ابن عبد السلام: أنه رأى في سوق الكتبيين بتعلب، وعلى عامره بخط مسيري أبي علي عمر القروي في اليوم الفلاني، في مسألة من النحو مع الطلبة وهو غير ضابط لأصولها. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ... (٦٧)﴾ ابن عرفة: ظاهر هذا أنه تكرار وليس بتكرار، بأن ما تقدمه للاستدلال على بطلان مقالة اليهود والنصارى فيه أنه كان على دينهم، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) إن هذا بعد كالنتيجة بعد المقدمتين. قال ابن عطية: وجاء النفي في الآية على ترتيب حسن، بقاء نفس الملل، وقرر الحال الحسنة، ثم بين أن تلك الملل فيها الفساد، وهو الشرك. ابن عرفة: لم يتضح نكته، الحسن في ترتب ذلك، وعادتهم يقررونه بأن دين اليهود والنصارى كلاهما له مزية في مطلق وصف اتباع نبي ودين الإسلام له المزية العظمى يوصف اتباع النبيين، ودين الشرك أقبح الأديان إذ لَا يستند له بوجه فأحرى بحجة وقدم غيره لاشتراكهما في مزية الاتباع، فإن قلت: هلا قيل: (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) كما قيل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا)، والجواب: أن النسبة تشعر بالاتباع، وإبراهيم ﵊ كان دينه موافقا لدين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه كان متبعا له؛ لأنه قبله. قوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ ... (٦٨)﴾ قالوا (النَّبِيُّ) إما صفة، أو بدل، أو عطف، ابن عطية: في قوله صفة نظر، قلنا: مشتق من النبأ، أو النبوة. ابن عرفة: وجرى مجرى الأسماء؛ لأنه بولايته للعوامل والصفة لَا على العامل فلذلك تردد فيه، وقال: فيه نظر، ولم يبينه. قيل لابن عرفة: في كلامه تضاد؛ لأن عطف لَا يكون إلا بما هو أعرف، والنعت لا يكون إلا بالمساوي، أو ما هو دونه في التعريف، فقال: تلك واحدة، واعتبار إلا أن المراد التعريف النحوي، قلت: قال ابن عصفور في الكبير: هذا الرجل إن كان عطف بيان بالألف واللام فيه للحضور، والأول يفيد الحضور فقط، والثاني يفيده

стр. 353

ويفيد معاني الحضور من الرجال فكان أعرف، وإن جعلته نعتا فالألف واللام فيه للعهد، أو كل أمة فتكون للجنس. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ... (٦٩)﴾ أي وبال إضلالهم عائد عليهم، وأما نفس إضلالهم فمحال؛ لأنهم يضلون المؤمنين بالانتقال من الإيمان إلى الكفر، وهم لَا يعرفوا قط الإيمان، فمحال أن يرجع إضلالهم عليهم، أو يكون مجازا تعدية المشاكلة، مثل: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) ويكون المراد أنهم بإرادتهم إضلال المؤمنين، ازدادوا إضلالا إلى كفرهم فتضاعف إثمهم. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ قال ابن عرفة: فيها إيماء لما يقوله الأصوليون من أن وجود المقتضى للحكم، لا يكون موجبا للحكم إلا بعد انتفاء المانع عنه، لأن مشاهدتهم لآيات الله مقتضية لإيمانهم فما المانع من إيمانهم، ففي السؤال عن المانع من الإيمان إيماء لكونه شر، ولا في العمل بالمقتضى، ابن عطية: فالآية دالة على أن كفرهم عناد. ابن عرفة: أما رؤساؤهم فكفرهم عناد، وإما عوامهم فليس كفرهم عنادا، أو كفر الجميع ليس بعناد؛ لأن الحيسوبي إذا ضرب خمسة في خمسة قد يخطئ ويقول أنها ستة وعشرون مثلا، وقد يعلم يعاين ذلك. قوله تعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ... (٧١)﴾ ابن عرفة: يحتمل أن يكون الحق الأول غير الثاني، فالأول القرآن وصفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: الرسالة، ويحتمل أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر، فيكون الثاني، هو الأول، ونقل ابن عطية عن ابن جريج أن المعنى ويلبسون التوراة والإنجيل بالقرآن. ابن عرفة: هذا خطأ صراح؛ لأن القرآن حق، والذي دخلت عليه الباء في الآية هو الباطل. ابن عرفة: وعادتهم يوردون فيها سؤالا وهو أن القاعدة في استعمال الكلام على أمرين، أعم وأخص، إن نبدأ في الإثبات بالأعم ثم بالأخص، وفي النفي نبدأ بالأخص ثم الأعم؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والذم على فعل الشر يتنزل منزلة نفيه، والكفر بآيات الله أعم من إلباس الحق

стр. 354

بالباطل على ما فسروه، لأن الكافر قد يلبس بخلط التوراة بغيرها، وقد لَا يفعل ذلك، وإلباس الحق بالباطل أخص؛ لأنه كفر بلا شك. قال ابن عرفة: وتقدم لنا الجواب: بأن مقام الذم يقصد فيه الإطناب والمبالغة، لأنه يقتضي تكرار الذم بعد أخرى، فذموا على إلباس الحق بالباطل، بالمطابقة وباللزوم وهذا أبلغ في الذم قصدا للتغيير على الكفر، والإبعاد. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ... (٧٢)﴾ لما تضمن الكلام السابق ذمهم على الكفر وإلباس الحق بالباطل، عقبه بيان بعض الجزئيات الذي لبسوا فيها الحق بالباطل، وهذه الآية إن كانت نزلت بعد الآية المتقدمة بمهملة وتراخ، فذكر أهل الكتاب فيها بلفظ الظاهر دون [المضمر*]، وإن كانت نزلت عقبيها فكان الأصل أن يعبر فيها عن أهل الكتاب، بالمضمر لتقدم ذكرهم، لكن قالوا الحكمة في تكرار الاسم بلفظ الظاهر دون المضمر وجهان: إما التعظيم والتفخيم، كقوله: لَا أرى الموت ذا الغناء والفقير، وإما للتخفيف مبالغة في الذم؛ لأن الضمير كلي والظاهر جزئي فأعيد بلفظه تحقيقا لوقوع هذه المقالة الذميمة الخبيثة منهم والقول، إما من الرؤساء للعوام، أو من بعضهم لبعض. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (٧٣)﴾ قال ابن عطية: إن (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) جملة اعتراض، وهذا صعب وأكثر ما يكون ذلك حيث يكون المتكلم بذلك كله شخصا واحدا، وهذان الجملتان من كلام شخص، والجملة المعترضة بينهما من كلام غيره فيحتاج إلى دعامة. ابن عرفة: ومنهم من قال: إن الأخيرة من كلامهم على إضمار، أي فعلنا ذلك أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم استفهاما ما في معنى النفي، بدليل قراءة ابن كثير أن يؤتي بالمدلات أن إرادة الاستفهام كثيرا تحذف، وبدليل لفظه أحد وهي لَا يستعمل إلا في النفي فالكلام، تم عند قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) جملة اعتراض، ثم قال: هل (يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) يا أمة محمد بل الهدى الذي أوتيتموه، لم يؤته أحد من الأمم قبلكم، وهيهات أن يكون لهم حجة عليكم عند ربكم بأن يقولوا: أوتينا ما لم يؤتوه، ولا يكون ذلك موجه وفي كلام المعربين إشارة إلى هذا. قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ... (٧٤)﴾

стр. 355

أي برحمته الواسعة، فالمراد رحمة خاصة، وإلا فالرحمة تعم الطائع والعاصي، ولاسيما إن قلنا أن الكافر منعم عليه (والله واسع عليم) مشعر بهذه الآية متضمن مقامها فذكرها بعد هو المسمى بالترسل، أو بأن العلم يستلزم الاختصاص، والواسع يستلزم الرحمة. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ (٧٥)﴾ قال ابن عرفة: لما تقدم ذم أهل الكتاب بكفرهم وعصيانهم وحالهم الإجمالي عقبه ببيان حالهم، أو لما تضمن الكلام السابق اختصاص الله تعالى من شاء من خلقه بالرحمة بين هنا إن من جملة اختصاصه بعض الكفار بالوفاء بالأمانة، وبعضهم يخون فيها. قال ابن عطية: والقنطار هنا عبارة عن المال الكثير فيتناول أكثر من القنطار المعهود وأقل منه، وإمَّا الدينار فيحتمل أن يكون كذلك مثالا لما قل، ويحتمل أن يريد بالطائفة التي لَا تخون إلا في دينار فأكثر، ولم يعتني بذكر الخائن، في أقل منه لأنهم [لا يؤتمنون عليه*] ويحتمل أن يكون بالتنبيه بالأعلى على الأعلى، وبالأدنى على الأعلى بدلالة أخرى وهو مفهوم الموافقة. قوله تعالى: (قَائِمًا). على رأسه إشارة إلى نهاية الجفاء والضغطة، ابن عطية: وانتزعوا من الآية جواز السجن، لأن الذي يقوم عليه عزيمة، فهو يمنعه من تصرفاته. ورده ابن عرفة: بأن هذا إخبار عن الواقع، فلا ينتزع منه حكم شرعي. قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ). علل قبح فعلهم بقبح مقالتهم، وما ذكره ابن عطية: هنا موافق للمعنى، ومخالف لظاهر لفظ الآية، قال المفسرون: (إِلَّا مَا دُمْتَ) استثناء من الأحوال. قيل لابن عرفة: لعله من الأزمان، فقال: القيام حالة إلا في حالة القيام. قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ). دليل على أن قولهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) إخبار، ونقل منهم عن التوراة والإنجيل وهذا أبلغ من، ولو قيل: ويكذبون على الله.
следующие страницы →