والنصرانية في الأحكام الاعتقادية، أو معناه كان متشرعا بشريعة اليهود متبعا لها في الأحكام الفرعية؛ لأن الملل كلها أجمعت على اعتقاد توحيد الله ، ونفي الشريك عنه، وليس في ذلك خاصا بملة اليهود، والنصارى بوجه، وإنما تختص الملتان في الأحكام الفرعية فقط.
قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ).
قال ابن عرفة: وكان بعضهم من يقتضي أزمنة البعدية، وكان يرد عليه بهذا، قاله المفسرون، قالوا: إن التوراة أنزلت بعد إبراهيم بألف سنة، والإنجيل أنزل بعده بألفين سنة، فلا يصح أن يكون نزل أول أزمنة البعدية، أو في أثنائها.
قوله تعالى: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ).
يجاب عليه بوجهين:
الأول: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه قصد الرد عليهم بالدلالة الأخروية التقديرية المجازية لَا بنفس الأمر الواقع في الوجود، أي يقولون: أنه يهودي، ومجرد إنزال التوراة بعده في أول زمن من أزمنة البعدية ينفي كونه كان يهوديا فكيف والواقع في الوجود أنها نزلت بعده بأزمنة متطاولة.
الجواب الثاني: قال بعض الطلبة لابن عرفة: إن إبراهيم بينه وبين موسى عليهما الصلاة والسلام أنبياء وشرائع كثيرة فالمراد بذلك أول الأزمنة الكائنة بعد انقضاء شريعته ونسخها بشريعة نبي آخر بعث بعده يليه، فرده ابن عرفة: بأنه إنما المراد وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده شخصه وذاته لَا من بعد شريعته وملته، فما الجواب إلا ما تقدم.
قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ... (٦٦)﴾
غلط ابن عطية: فقال: هؤلاء بدل أو صفة، وسكت عنه أبو حيان وهو خطأ صريح؛ لأن المضمر لَا ينعت، ولا ينعت به.
ابن عرفة: وهذا على سبيل التبكيت لهم والإبطال لدعواهم، كما يقول لمن يعلم أنه حاجج في مسألة بغير علم ها أنت حاججت في هذه المسألة بعلم ثم تعطف عليه، فتقول بل حاججت فيها بغير علم، وكما تقول لمن تعلم أنه لم يتصدق من ماله بشيء ها أنت تتصدق من مالك بشيء يدل لم يتصدق منه بشيء، وكان بعض الشيوخ يقول:
стр. 352
يؤخذ من هذا منع تكلم الإنسان في شيء بما لَا يعلم كما في قوله تعالى: (بَل كَذبُوا بِمَا لَم يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) قال: وحكى لنا شيخنا القاضي ابن عبد السلام: أنه رأى في سوق الكتبيين بتعلب، وعلى عامره بخط مسيري أبي علي عمر القروي في اليوم الفلاني، في مسألة من النحو مع الطلبة وهو غير ضابط لأصولها.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا ... (٦٧)﴾
ابن عرفة: ظاهر هذا أنه تكرار وليس بتكرار، بأن ما تقدمه للاستدلال على بطلان مقالة اليهود والنصارى فيه أنه كان على دينهم، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) إن هذا بعد كالنتيجة بعد المقدمتين.
قال ابن عطية: وجاء النفي في الآية على ترتيب حسن، بقاء نفس الملل، وقرر الحال الحسنة، ثم بين أن تلك الملل فيها الفساد، وهو الشرك.
ابن عرفة: لم يتضح نكته، الحسن في ترتب ذلك، وعادتهم يقررونه بأن دين اليهود والنصارى كلاهما له مزية في مطلق وصف اتباع نبي ودين الإسلام له المزية العظمى يوصف اتباع النبيين، ودين الشرك أقبح الأديان إذ لَا يستند له بوجه فأحرى بحجة وقدم غيره لاشتراكهما في مزية الاتباع، فإن قلت: هلا قيل: (وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا) كما قيل: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا)، والجواب: أن النسبة تشعر بالاتباع، وإبراهيم ﵊ كان دينه موافقا لدين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه كان متبعا له؛ لأنه قبله.
قوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ ... (٦٨)﴾
قالوا (النَّبِيُّ) إما صفة، أو بدل، أو عطف، ابن عطية: في قوله صفة نظر، قلنا: مشتق من النبأ، أو النبوة.
ابن عرفة: وجرى مجرى الأسماء؛ لأنه بولايته للعوامل والصفة لَا على العامل فلذلك تردد فيه، وقال: فيه نظر، ولم يبينه.
قيل لابن عرفة: في كلامه تضاد؛ لأن عطف لَا يكون إلا بما هو أعرف، والنعت لا يكون إلا بالمساوي، أو ما هو دونه في التعريف، فقال: تلك واحدة، واعتبار إلا أن المراد التعريف النحوي، قلت: قال ابن عصفور في الكبير: هذا الرجل إن كان عطف بيان بالألف واللام فيه للحضور، والأول يفيد الحضور فقط، والثاني يفيده
стр. 353
ويفيد معاني الحضور من الرجال فكان أعرف، وإن جعلته نعتا فالألف واللام فيه للعهد، أو كل أمة فتكون للجنس.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ... (٦٩)﴾
أي وبال إضلالهم عائد عليهم، وأما نفس إضلالهم فمحال؛ لأنهم يضلون المؤمنين بالانتقال من الإيمان إلى الكفر، وهم لَا يعرفوا قط الإيمان، فمحال أن يرجع إضلالهم عليهم، أو يكون مجازا تعدية المشاكلة، مثل: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) ويكون المراد أنهم بإرادتهم إضلال المؤمنين، ازدادوا إضلالا إلى كفرهم فتضاعف إثمهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾
قال ابن عرفة: فيها إيماء لما يقوله الأصوليون من أن وجود المقتضى للحكم، لا يكون موجبا للحكم إلا بعد انتفاء المانع عنه، لأن مشاهدتهم لآيات الله مقتضية لإيمانهم فما المانع من إيمانهم، ففي السؤال عن المانع من الإيمان إيماء لكونه شر، ولا في العمل بالمقتضى، ابن عطية: فالآية دالة على أن كفرهم عناد.
ابن عرفة: أما رؤساؤهم فكفرهم عناد، وإما عوامهم فليس كفرهم عنادا، أو كفر الجميع ليس بعناد؛ لأن الحيسوبي إذا ضرب خمسة في خمسة قد يخطئ ويقول أنها ستة وعشرون مثلا، وقد يعلم يعاين ذلك.
قوله تعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ... (٧١)﴾
ابن عرفة: يحتمل أن يكون الحق الأول غير الثاني، فالأول القرآن وصفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني: الرسالة، ويحتمل أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر، فيكون الثاني، هو الأول، ونقل ابن عطية عن ابن جريج أن المعنى ويلبسون التوراة والإنجيل بالقرآن.
ابن عرفة: هذا خطأ صراح؛ لأن القرآن حق، والذي دخلت عليه الباء في الآية هو الباطل.
ابن عرفة: وعادتهم يوردون فيها سؤالا وهو أن القاعدة في استعمال الكلام على أمرين، أعم وأخص، إن نبدأ في الإثبات بالأعم ثم بالأخص، وفي النفي نبدأ بالأخص ثم الأعم؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والذم على فعل الشر يتنزل منزلة نفيه، والكفر بآيات الله أعم من إلباس الحق
стр. 354
بالباطل على ما فسروه، لأن الكافر قد يلبس بخلط التوراة بغيرها، وقد لَا يفعل ذلك، وإلباس الحق بالباطل أخص؛ لأنه كفر بلا شك.
قال ابن عرفة: وتقدم لنا الجواب: بأن مقام الذم يقصد فيه الإطناب والمبالغة، لأنه يقتضي تكرار الذم بعد أخرى، فذموا على إلباس الحق بالباطل، بالمطابقة وباللزوم وهذا أبلغ في الذم قصدا للتغيير على الكفر، والإبعاد.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ... (٧٢)﴾
لما تضمن الكلام السابق ذمهم على الكفر وإلباس الحق بالباطل، عقبه بيان بعض الجزئيات الذي لبسوا فيها الحق بالباطل، وهذه الآية إن كانت نزلت بعد الآية المتقدمة بمهملة وتراخ، فذكر أهل الكتاب فيها بلفظ الظاهر دون [المضمر*]، وإن كانت نزلت عقبيها فكان الأصل أن يعبر فيها عن أهل الكتاب، بالمضمر لتقدم ذكرهم، لكن قالوا الحكمة في تكرار الاسم بلفظ الظاهر دون المضمر وجهان: إما التعظيم والتفخيم، كقوله: لَا أرى الموت ذا الغناء والفقير، وإما للتخفيف مبالغة في الذم؛ لأن الضمير كلي والظاهر جزئي فأعيد بلفظه تحقيقا لوقوع هذه المقالة الذميمة الخبيثة منهم والقول، إما من الرؤساء للعوام، أو من بعضهم لبعض.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (٧٣)﴾
قال ابن عطية: إن (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) جملة اعتراض، وهذا صعب وأكثر ما يكون ذلك حيث يكون المتكلم بذلك كله شخصا واحدا، وهذان الجملتان من كلام شخص، والجملة المعترضة بينهما من كلام غيره فيحتاج إلى دعامة.
ابن عرفة: ومنهم من قال: إن الأخيرة من كلامهم على إضمار، أي فعلنا ذلك أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم استفهاما ما في معنى النفي، بدليل قراءة ابن كثير أن يؤتي بالمدلات أن إرادة الاستفهام كثيرا تحذف، وبدليل لفظه أحد وهي لَا يستعمل إلا في النفي فالكلام، تم عند قوله: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) جملة اعتراض، ثم قال: هل (يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) يا أمة محمد بل الهدى الذي أوتيتموه، لم يؤته أحد من الأمم قبلكم، وهيهات أن يكون لهم حجة عليكم عند ربكم بأن يقولوا: أوتينا ما لم يؤتوه، ولا يكون ذلك موجه وفي كلام المعربين إشارة إلى هذا.
قوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ... (٧٤)﴾
стр. 355
أي برحمته الواسعة، فالمراد رحمة خاصة، وإلا فالرحمة تعم الطائع والعاصي، ولاسيما إن قلنا أن الكافر منعم عليه (والله واسع عليم) مشعر بهذه الآية متضمن مقامها فذكرها بعد هو المسمى بالترسل، أو بأن العلم يستلزم الاختصاص، والواسع يستلزم الرحمة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ (٧٥)﴾
قال ابن عرفة: لما تقدم ذم أهل الكتاب بكفرهم وعصيانهم وحالهم الإجمالي عقبه ببيان حالهم، أو لما تضمن الكلام السابق اختصاص الله تعالى من شاء من خلقه بالرحمة بين هنا إن من جملة اختصاصه بعض الكفار بالوفاء بالأمانة، وبعضهم يخون فيها.
قال ابن عطية: والقنطار هنا عبارة عن المال الكثير فيتناول أكثر من القنطار المعهود وأقل منه، وإمَّا الدينار فيحتمل أن يكون كذلك مثالا لما قل، ويحتمل أن يريد بالطائفة التي لَا تخون إلا في دينار فأكثر، ولم يعتني بذكر الخائن، في أقل منه لأنهم [لا يؤتمنون عليه*] ويحتمل أن يكون بالتنبيه بالأعلى على الأعلى، وبالأدنى على الأعلى بدلالة أخرى وهو مفهوم الموافقة.
قوله تعالى: (قَائِمًا).
على رأسه إشارة إلى نهاية الجفاء والضغطة، ابن عطية: وانتزعوا من الآية جواز السجن، لأن الذي يقوم عليه عزيمة، فهو يمنعه من تصرفاته.
ورده ابن عرفة: بأن هذا إخبار عن الواقع، فلا ينتزع منه حكم شرعي.
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
علل قبح فعلهم بقبح مقالتهم، وما ذكره ابن عطية: هنا موافق للمعنى، ومخالف لظاهر لفظ الآية، قال المفسرون: (إِلَّا مَا دُمْتَ) استثناء من الأحوال.
قيل لابن عرفة: لعله من الأزمان، فقال: القيام حالة إلا في حالة القيام.
قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ).
دليل على أن قولهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) إخبار، ونقل منهم عن التوراة والإنجيل وهذا أبلغ من، ولو قيل: ويكذبون على الله.
стр. 356
قوله تعالى: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) حجة لأهل السنة، في أن الكذب يطلق على القول غير المطابق عمدا كان أو سهوا.
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى ... (٧٦)﴾
ابن عرفة: ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المخالف، فقوله: (بَلَى) راجع لـ (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ)، و (مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) راجع لقولهم (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ).
قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)
إما من وضع الظاهر موضع المضمر، أي فإن الله محبه، وإما أن يريد جنس المتقين الشامل لذكره ولغيره، فيتناول التقي الذي لم يوضع تحت يده وأمانته ويكون قوله (وَاتَّقَى) من عطف السبب على المسبب، لأن المراد اتقاء الله بالوفاء بالعهد، فإنه قد يوافي بالأمانة رياء وسمعة، ليقال: فلان أمين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ... (٧٧)﴾
قال الزمخشري: مجازا على الاستهانة والسخط عليهم.
ابن عرفة: الكناية جعل اللفظ على غير حقيقته، مع إمكان إرادة الحقيقة، مثل: فلان كثير رماد القدر كناية عن الكرم، ولا يمكن أن يراد الحقيقة والمجاز، مثل زيد أسد؛ لأن الحقيقة مستحيلة.
ابن عرفة: وهذا على مذهبه لأنه النظر، وما ينفي إلا ما هو في حيز الإمكان فيتعين عنده أن المراد بذلك الغضب عليهم.
ابن عرفة: ويمكن أن يكون كناية على مذهبه أيضا ويكون من باب السلب والإيجاب، مثل الحائط لَا يبصر إلا من باب العدم، والملكة مثل: زيد لَا يبصر، وأما على مذهبنا فهو كناية عن الغضب.
قيل لابن عرفة: كيف ينفي النظر والله تعالى يبصرهم فلا بد أن يراد به الغضب عندنا، أو عند المعتزلة؛ لأنه يبصر كل شيء، فقال لَا ينظر نظر رحمة.
стр. 357
ابن عرفة: وهذا ترق؛ لأن هذه عقوبات بعدم نيلهم الملائمة لهم من عدم الثواب، وعدم الكلام، وعدم النظر، وعدم التطهير، ثم تتمم ذلك بزيادة نزول الأمر المؤلم بهم فهو أنسب، ويحتمل بقاؤه على ما هو عليه، وظاهر كلام الزمخشري: أنهم يأولون اللفظ فقط، وظاهر كلام ابن عطية: أنهم يبدلون اللفظ، لقوله تعالى: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا).
قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ... (٧٨)﴾
يحتمل أن يريد في نفس الأمر وفي المشاهدة.
قوله تعالى: (وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
احتج بها المعتزلة على أن العبد يستقل بنفسه.
ابن عرفة: ويجاب: بأن الأولى على حذف مضاف، أي يقولون: هو منزل من عند الله، فأتى النفي على ذلك، أي وما منزل من عند الله.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ ... (٧٩)﴾
نفي للقابلية العقلية يستلزم نفي الفعل ونفي القابلية عادة، أو شرعا، أو على جهة التأدب لَا يستلزم نفي الفعل [كقولهم*]: ما كان لزيد الضعيف أن يقتل عمرا القوي وقد قتله، والبشر إما عيسى، وإما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والظاهر أنه عام فيدخل تحته [عيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم -*] وغيرهما ونفي الخلاف راجعا لسبب نزول الآية ما ينفي قول النقاش، وقول ابن عباس، والربيع.
ابن عرفة: وهذه المعطوفات تأسيس وترق؛ لأنه يؤتى الكتاب، إما بعلمه ويبلغه، أو ليعمل به، والأول باعتبار التبليغ، والثاني: هو الحكمة راجع إلى العمل بمقتضاه.
قوله تعالى: (مِنْ دُونِ اللَّهِ).
إن قلت: مفهومه ثبوت طلب العبادة مع الله ويتأكد السؤال باعتبار السبب؛ لأنهم ما ادعوا أنه طلب عبادته من دون الله، وهذا كما تقدم في: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ).
стр. 358
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ ... (٨٠)﴾
ابن عرفة: نفي الأمر أعم من النهي فعلق الحكم على الأعم دون الأخص، فهلا قيل: وينهاهم أن يتخذوا فهو أخص، لأن عدم الأمر بفعل الشيء لَا يستلزم النهي عن فعله، فقد لَا يأمر ولا ينهى، قالوا: والجواب: بأن ذلك باعتبار دعواهم وطلبهم ذلك من الرسل وتقولهم في الطلب، قال أبو عمرو الداني في التيسير: قرأ نافع، وابن كثير، والكسائي برفع الراء وأبو عمرو بالاختلاس من طريق البغداديين، وبالإسكان من طريق غيرهم، والباقون بنصبها، وهذا نص الشاطبي، فقال في البقرة [وَإِسْكَانُ بَارِئْكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ لَهُ. . . وَيَأْمُرُهُمْ أَيْضاً وَتَأْمُرُهُمْ تَلَا*]، وقال هنا [وَرَفْعُ وَلاَ يَأْمُرْكُمُو رُوحُهُ سَماَ. . . وَبِالتَّاءِ آتَيْناَ مَعَ الضَّمِّ خُوِّلَا*] فظاهر البيت الأول أنه يسكن الراء، وظاهر أنه يقرأ بالرفع، وقال أبو شامة أبو عمرو: على أصله من الاختلاس والإسكان، وذكر الشاطبي له مع أهل الرفع دليل على أنه رجح الاختلاس على الإسكان.
قال ابن عطية: إما قراءة نصب الرافع وعطف على قوله، ثم يقول ابن عطية: وهذا خطأ؛ لأنه يلتبس به المعنى، وصوب أبو حيان قول الطبري، إن كانت لَا زائدة لا لتأكيد النفي، لأن المعنى [ما كان لبشر*] استثناء عدم أمر باتخاذ الملائكة والنبيين وصوبه ابن عرفة: إلا أنه ينفي فيه المفهوم، وهو كونه يأمر بعبادة نفسه، أو بعبادة غيره فقط لكنه من استيفاء لعدم وقوعه.
قال ابن عرفة: وانظر أبا حيان فكلامه فيها طويل باسط من هذا.
قوله تعالى: (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ).
أخذوا منها تقبيح الردة على الكفر الأصلي، وقد فرق الشارع بينهما بأن الكافر يقر على كفره بضرب الجزية عليه، والمرتد لَا يضرب عليه الجزية، وهذه الآية صريح في أنها خطاب للمسلمين.
وقال الفخر: إذا كانت لَا زائدة لتأكيد النفي، فالمعنى قال: إنما ذكره الزمخشري: إذا كانت زائدة فهو خطأ، وقولهم: إنها خطاب للكفار يحتاج فيه إلى
стр. 359
تأويل، قوله (مسلمون) فإنهم قائلون للإسلام، أو لحديث، "كل مولود يولد على الفطرة".
وقال الفخر: احتج بها ... على أن العلم إذا حصل لَا يرتفع أصلا ولا يمكن ضرورته جهلا بوجه، فرده ابن عرفة بأن مذهبنا أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد فقد يخلق في قلبه العلم، ثم يسلبه عنه، وأيضا فإذا حصل العلم فاتفقنا على أن بقاؤه جائز، لَا واجب، وإذا جاز بقاؤه جاز رفعه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ ... (٨١)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق براءة الرسل من مطلبهم أن يكونوا معبودين من دون الله، بقوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) إلى آخر الآية عقيه بما يؤكد ذلك وهو الإخبار بأن الله أخذ عليهم العهد أن يبلغوا الكتب، والوحي، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخطأ ابن عطية فيما حكى عن مجاهد في قوله: هكذا من القرآن وغيره خطأ، ولا يحل كتب ذلك ولا نقله، وفي مثله كانوا يخونون ابن عطية، والزمخشري أجاد فلم ينقل هذا وذكرها في الآية أربعة أوجه:
أحدها: وإذا أخذ الله الميثاق وعلى النبيين.
الثاني: المراد الميثاق الذي وثقه الأنبياء على اسمهم.
ابن عرفة: فالمصدر على الأول مضاف للمفعول، وعلى الثاني للفاعل.
والتأويل الرابع: بعيد وهو أن المراد بالنبيين أهل الكتاب تهكما بهم؛ لأنهم قالوا: نحن أولى بالنبوة من محمد.
قوله تعالى: (لَمَا آتَيْتُكُمْ).
стр. 360
فيها وجوها:
أحدها: شرطية مفعول وتكلفوا في الجملة ضميرا يعود عليها.
ابن عرفة: لَا يحتاج إليه؛ لأن الشرط إذا كان مفعولا لم يحتج إلى ضمير، وإنما يحتاج إليه إذا كان مبتدأ، وذكروا إذا كانت موصوله إن هناك ضمير تقديره ثم حاكم رسول به.
ورده ابن عرفة: بأن العائد المجرور، لَا يجوز حذفه إلا إذا كان هناك ضميره غيره مجرورا يمثل الحرف الداخل عليه والعاملان فيها مبتدآن لفظا ومعنى، وذكروا أيضا أن الرابط ضمير مستتر في قوله: (مَعَكُم) ورده ابن عرفة: بأن ذلك الضمير إنما يعود على الثانية لَا على الأول.
ابن عرفة: وفي الآية التفات من الغيبة في النبيين للخطاب في مفعول (آتيتكم) إلا أن يقال: إنه حكاية لما تقدم، لَا أنه نفس لما تقدم فليس بالتفات.
قوله تعالى: (قَالُوا أَقْرَرنَا) الإقرار على أنفسهم، والشهادة على غيرهم، وفي قوله تعالى: (وَأَنَا مَعَكُم) تشريف للقائم بالشهادة.
قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾
إما أن يريد الحصر، أو هم العاملون الفسق.
قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ... (٨٣)﴾
ابن عرفة: عادة الطلبة يقولون: لم قال (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ) ولم يقل: أخلاف دين الله مع أن الخلافين أخص من الغيرين، لأن الغيرين يصدقان على المثلين والخلافين، وأجيب: بأن ذلك في الإثبات والاستفهام هنا على سبيل الإنكار، وهو معنى النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، كما قالوا: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ).
قوله تعالى: (طَوْعًا وَكَرْهًا).
وقال في البقرة (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)، وفي النساء (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) الكُره بضم الكاف هو البغض ضد الرضا، والكَره بفتحها هو الإكراه عند الطوع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا ... (٨٤)﴾
стр. 361
أنكر الزمخشري: تفريق من فرق بأن على مقتضي أوائل الإنزال وإلى انتهاءه وآخره.
ابن عرفة: وهو صحيح؛ لأن هذه الآية خطاب للنبي ﷺ وحده، فالقرآن أول ما نزل عليه فناسب تعديته بعلى، وآية البقرة خطاب له ولأمته، والقرآن لا ينزل عليهم بل نزل عليه وتلقاه أمته منه فناسب إلى النفي لانتهاء الغاية، وكرر (وَمَا أُوتِيَ) في البقرة، ولم يكرر هنا؛ لأن آية البقرة خطاب لجميع النَّاس واحتيج فيها إلى تأكيد الأعم وتكراره، وهذا خطاب للنبي ﷺ وحده، فلم يحتج فيها إلى تأكيد الأمر، لأن أدنى شيء من التكليف كان في حقه.
قوله تعالى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ).
أي في الأحكام الاعتقادية لَا في الأحكام الشرعية، لأن ثواب شرائعهم بينهم مختلفة، ومنهم من قال: لَا نفرق بينهم في التفضيل كما ورد "لَا تفضلوني على يونس ابن متى، ولا تفضلوني على موسى" وهو مردود، بقوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا ... (٨٥)﴾
حمله الزمخشري على التوحيد وإسلام الوجه لله.
ابن عرفة: والظاهر حمله على دين الإسلام المحمدي؛ لأن الشرط يقتضي الاستقبال، وليس بعد نزول الآية من دين الإسلام إلا الملة المحمدية، وفي الآية ترجيح لمذهب ابن حبيب، القائل: بإلحاق الزكاة وسائر أخوات الصلاة بالصلاة، في أن تاركها كافر، لقوله في الحديث: "ما الإسلام، قال: أن تشهد أن لَا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"، وقال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) قيل لابن عرفة: هناك لمن تركها، والآية تقتضي من طلب غير الإسلام، وقصد ذلك وتهاون به فقال: بل هي عامة، وقال ابن الخطيب: احتج بها من يقول إن الإسلام بمعنى الإيمان إذ لو كان غيره لزم أن يكون الإيمان غير مقبول، وأجيب بأنه غيره لكنه أعم من الإسلام فلا يقبل الاتصاف بالأعم فقط، مع التمكن من الأخص، وأجاب ابن عرفة: بأن يقول:
стр. 362
الإسلام هنا بمعنى الاستسلام والانقياد، وليس هو الإسلام الشرعي، كما قال الزمخشري.
قوله تعالى: (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
ذكر في إعرابه وجها، وزاد ابن عرفة: أن (فِي الآخِرَةِ) خبر المبتدأ، و (مِنَ الْخَاسِرِينَ) في موضع الحال، والحال من تمام الخبر ففي لازمة إذ بها تحصل الفائدة.
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا ... (٨٦)﴾
(كَيْفَ) سؤال عن حال، أي ليس لهم حال يهمون فيها، ولما انتفت حال اهتدائهم انتفت هدايتهم، أي لَا يهتدون في المستقبل إلا أن يتوبوا، وليس المراد أنهم لا يهتدون حين كفرهم لئلا يلزم عليه تحصيل الحاصل، كقولك: كل كاتب محرك يده حين هو يكتب.
قوله تعالى: (وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ).
مغ ابن عطية النسخ في الآية، قلت: يريد لأنه خبر والخبر لَا ينسخ.
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ ... (٨٧)﴾
الإشارة بلفظ البعيد للقريب للتعظيم في بابه تحقيرا لما اتصفوا، واللعنة مختلفة بالفعل، ولعنه النَّاس والملائكة بالقول، ابن عطية: والنَّاس إذا آتت مطلقة فهي خاصة ببني آدم، وإذا قيدت بالجمع فجاز والنَّاس هنا إما خاص بالمؤمنين، وإما عام والمعنى أنهم في الآخرة يلعنهم المؤمنون ويلعن بعضهم بعضا، وكل من هذه صفته يلعن صاحب هذه الصفة ولا يشعر أنه متصف بها فيلعن نفسه من حيث لا يشعر، واستبعده ابن عرفة: أن جعلت الضمير في: (خَالِدِينَ فِيهَا) عائد على اللعنة؛ لأنه لَا يلعن نفسه دائما، بل في بعض الأوقات، وإن أعدناه إلى النار فيصح.
قوله تعالى: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ... (٨٨)﴾
ابن عرفة: الصواب عندي أن يوقف على (لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) لأنك إذا وصلته لم يكن في قول: (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) فائدة الإلزام الأول، فإذا وقفت وابتدأت به كان معطوفا على مقدر، أي لَا ينصرون ولأنهم ينظرون، أي لَا ينصرهم أحد فيزيله
стр. 363
عنهم، ولا يؤخر عنهم العذاب عن وقت حلوله بهم، فإذا حل بهم يخلدون فيه، ولا يخفف عنهم.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ... (٨٩)﴾
أي بادروا في أول أزمنة البعدية (وَأَصْلَحُوا) أي داوموا على التوبة، وإلا فالتوبة تستلزم الإصلاح.
قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
من إقامة السبب بمقام مسببه، أي فإن الله يتوب عليهم، ويقبل توبتهم لأنه غفور رحيم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ... (٩٠)﴾
قال الزمخشري: هم اليهود آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى، ثم كفروا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهم آباؤهم الذين مضوا، ففيه تخليط الأسلاف بالمخاطبين، وأجاب ابن عرفة بأن الآية فيهم لَا في أسلافهم، وهم متبعون لأسلافهم في الإيمان بموسى والكفر بعيسى، ثم ازدادوا عليهم بكفرهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهم آباؤهم الذين مضوا ففيه تخليط الأسلاف بالمخاطبين، وأجاب الزمخشري: وكفروا محمدا بعدما كانوا مؤمنين قبل بعثه وازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فيه ونقضهم ميثاقهم، والإضافة في قوله تعالى: (بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) إما لتحقيق وقوع الإيمان منهم فنفى كفرهم بعده زيادة شناعة عليهم، أو لضعف الإيمان الواقع منهم، والأول أنسب.
قوله تعالى: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا).
إن قلت: قد تقرر أن اجتماع المماثلات باطل فكيف يصح كفر مع كفر مثله؟ فالجواب: أنه يصح باعتبار المعلقات فكفروا أولا بعدم التوحيد، ثم ازدادوا بادعاء التجسيم، ثم نسبوا إليه الابن ثم إلى غير ذلك، فإن قلت: لَا يلزم من زيادة أحد هل يؤخذ منها أن الإيمان، يزيد وينقص؛ لأن ضده وهو الكفر يزيد وينقص، قلنا: لا يلزم من زيادة أحد النقيضين زيادة الآخر، ولاسيما إذا قلنا أن الزيادة والنقص أمر جعلي شرعي، وليس بعقلي.
قوله تعالى: (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ).
стр. 364
تأوله ابن عطية: بأمرين:
أحدهما: إما لَا توبة لهم فتقبل، مثل على لاحبٍ يهتدي بمناره، وأما إن كان عند العز عزه والمعاينة، زاد الزمخشري أنها كناية عن عدم إيمانهم، مثل: فلان كثير رماد القدر فهو من إقامة المسبب مقام السبب، أي يؤتون كفارا فيدخلون في جملة من لا تقبل توبته، والآية في قوم معينين من اليهود؛ لأن منهِم من أسلم وحسن إسلامه، فإن قلت: لم أدخل الفاء في قوله: (فَلَنْ يُقبَلَ مِنْ أحَدِهِم) ولم يدخلها لن تقبل توبتهم، فأجيب: بقوة السببية، وظهورها في الآية الثانية دون الأولى، لأن موتهم كفارا سبب في عدم قبول الفدية منهم وكفرهم النبي سبب في عدم قبول توبتهم، بدليل ما قالوا من أنها في قوم مخصوصين؛ لأن هناك من أسلم وحسن إسلامه، وقبلت توبته، قال ابن عرفة: واستعمل في الآية شبه مقدمتين صغرى وكبرى، فكأنه قال (الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) يموتون كفارا، وكل من كفر ومات كافرا لا تقبل منه الفدية بملء الأرض ذهبا.
قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٩٢)﴾
قال ابن عرفة: في الآية تخفيف وتشديد، والتخفيف من قوله تعالى: (مِمَّا تُحِبُّونَ) ولم يقل: من أحب الأشياء إليكم فيتناول ذلك النفقة من المحبوب والأحب والصحابة، إنما كانوا ينفقون من الأحب لمحافظتهم على أسنى الدرجات، والتشديد في النفي بلن وهي أبلغ من لَا، وفي تعليق الغاية بحتى المقتضية دخول ما بعدها فما قبلها دون إلى الغير مقتضية للدخول وهذا مثل قوله تعالى: (وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) واختلفوا في البر، فقيل: هو درجة الكمال، أي لن تكونوا أبرارا، وقيل: هو الجنة، وقيل: هو الثواب.
ابن عرفة: فإن قلنا: به درجة الكمال، فظاهر، وإن قلنا: المراد به الجنة أو الثواب فيبقى السؤال فيمن أنفق مما يكره كمن يكره الموز والرمان فيتصدق بهما مع أن له الثواب، فلا بد أن تكون الألف واللام للعهد، والمراد الخاص، وهو ثواب خاص لَا مطلق الثواب، فلذلك عرفه بالألف واللام.
قوله تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ).
اعتراض خشية أن يتصدق بشيء محبوب عند النَّاس وهو يكرهه ويظهر أنه المحبوب له لينال هذا الثواب الخاص، فإن الله به عليم بما في نيته وكذلك من يتصدق
стр. 365
بشيء ويكون النَّاس يكرهونه، وهذا كله بحسب حال المتصدق ونيته فرب محبوب له مكروه والعكس، قال الفخر: هذا يدل على أن النفقة من المحبوب واجبة.
ابن عرفة: إنما يقتضي الوجوب الذم على الترك لَا تعليق على الثواب الخاص.
قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ... (٩٣)﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون (كُلُّ) من ألفاظ العموم وإدخالها على النكرة أبلغ في إفادة العموم، فهلا قيل: كل طعام كان حلا، وأجيب بوجهين:
الأول: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأن الألف واللام للجنس فأدخلت (كُلُّ) هنا لتأكيد العموم، وصار كتكرار اللفظ مرتين فكأنه قيل: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا).
الجواب الثاني: قال بعض الطلبة لابن عرفة: الألف واللام للعهد أي كل هذا الطعام المعهود لكم الذي حرمه يهود زمانكم كان حلا لأسلافهم من بني إسرائيل.
قوله تعالى: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ).
ابن عطية: وانتزع من هذه الآية أن للأنبياء أن يحرموا باجتهادهم على أنفسهم ما [اقتضاه*] أو للمصلحة من جهة، ومن هذا تحريم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مارية على نفسه فعاتبه الله في ذلك، ولم يعاتب يعقوب ﵇، فقيل: إن ذلك [لحق آدمي ترتب في نازلة نبينا محمد ﷺ *]، وقيل: إن هذا تحريم تقرب وزهد، وتحريم الجارية تحريم غضب ومصلحة نفوس.
ابن عرفة: هذا كلام خلف لَا ينبغي نقله ولا اعتقاده في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والصواب: ما كان بعض المشايخ يقول في سبب هذا على جهة المثال أنه بمنزلة رجلان يحبهما معا لكنه محبته لأحدهما أكثر فحرما معا على أنفسهما طعاما لذيذا، فإن الولد قد يعاتب الأحب إليه منهما على تحريمه ذلك، وحرمانه نفسه منه، ولا يعاتب الآخر، فلذلك عاتب الله محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم يعاتب يعقوب صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تحريم الطعام.
قيل لابن عرفة: إن رجلا قال: أي شيء رأى يعقوب ﵊ في تحريم هذه الأشياء على نفسه التي هي العروق ولحوم الإبل وألبانها فقال: ينهى عن ذلك القول فقط، ويقال: لَا يتعرض للأنبياء ﵈.
стр. 366
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ... (٩٤)﴾
ابن عرفة: الظاهر أن هذه الجملة مرتبطة بما قبلها لدخول الفاء فيها، قال: وفي الآية تخفيف وإشهار لسيفه -رحمه الله تعالى- بوجهين:
أحدهما: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) فيها إشارة إلى العفو فمن تاب من هؤلاء اليهود بخبر
هذا الإقرار، ورجع عن مقالته بتحريم ما حرموه، وإنما ينال هذا الوعيد من دام على
ذلك من بعد هذا البيان المقتضي لتحليل كل الطعام.
الثاني: تعريف الكذب، ولم يقل كذبا فهو الوعيد خاصا بمن افترى كذبا خاصا، وهو الكذب على الله في أن ينسب إليه تحريم ما حرمه، أي فمن افترى على الله بعد هذا البيان، ذلك الكذب المتقدم منهم قبل هذا البيان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ... (٩٥)﴾
ابن عرفة: الظاهر أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكل مؤمن؛ لأن هذه أمور واضحة ظاهرة لكل مؤمن، وقوله: (صَدَقَ اللَّهُ) على حذف مضاف، أي صدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) لأنهم ما ادعوا قط نسبة الكذب إلى الله.
قيل لابن عرفة: وكيف يخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالصدق عن نفسه؟ فقال: هذا شبيه من يدعي دعوى ثم يدعي عليها بمقدمتين، ثم يقول فقولوا كذا وكذا أحق؛ لأن الخصم إذا سلم له المقدمتين فقد وافقه على صحة النتيجة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... (٩٦)﴾
الأول قيل: هو الذي لم يسبقه بشيء، وقيل: هو السابق غيره، قال الفخر: فلو قال [أَوَّلُ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ من هذين حر، فاشتراهما معا*]، وقال في المدونة في كتاب العتق إذا قال لأمته أول ولد تلديه حر فولدت توأمين، أنه يعتق الأول منهما، فإِن قال أول ولد تضعيه فوضعت توأمين أنهما يعتقان.
قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ... (٩٧)﴾
ابن عرفة: أي علامات على ما بين من كونه (مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) والظاهر أن المقام إبراهيم ما منح الله تعالى البيت من أن إبراهيم دعا فيه فأستجيب، ونفى
стр. 367
ابن [ ... ] ذلك في النَّاس، فكل من دعا فيه يستجاب له في الغالب وهي خصوصية ليست في غيره، قال ابن الخطيب، [ومن آيات*] الحج، فرده ابن عرفة: بأن من أركان الحج الوقوف بعرفة، وهي في الحل، فليس الحج من آياته الخاصة به، ابن عطية: قال يحيى بن جعدة، أي ومن دخل البيت كان آمنا من النار.
ابن عرفة: أي ومن دخله مؤمنا، ومن قتل واستجار به فإنه يقتل عند مالك، ابن عطية: ومن آياته البينات زمزم، وفي منعها لهاجر [بهمز*] جبريل الأرض بعقبه، وفي حفر عبد المطلب لها آخرًا بعد دثورها بتلك الرؤية المشهورة، وبما نبع من الأبيض الماء تحت خف ناقته في سفره إلى منافرة قريش ومخاصمتهما في [أمر*] زمزم، وذكر ابن إسحاق [القصة*]، قلت: روي في السير أن عبد المطلب رأى في نومه في الحجر أربع مرات قائلا يأمره بحفر زمزم، وقال له في الرابعة: احفر زمزم لَا تنزف أبدا ولا تذر تسقي الحجيج الأعظم، وهو بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل، [**قال ابن شهاب الدين: فجرت بقرة بالجزيرة، فقامت وأعلنت ورمت بنفسها في موضع زمزم، فلما أحمل لحمها أقبل أعصم وهو الأبلق ينقر فيه، ومحت على قرية النمل فحفر فيه عبد المطلب، فلما بدا له الطير كبر ... من اشتراك قريش فيها فطلبوا التحاكم معه عند كاهنة بني سعد بن هزيم بأشراف الشام وخرجوا والأرض ... لَا ماء فيها فقرع ماء آل عبد المطلب ومنعهم قريش من مائهم فحفروا لأنفسهم قبورا ينزلون فيها أن ماتوا، ثم بدا لهم فارتحلوا، فلما انبعث بعير عبد المطلب راحله ففجر من تحتها عين من ماء عذب فكبر عبد المطلب واستقر هو وولده وقريش، ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا، فارجع إلى سقايتك فهي لك].
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
لما تضمن الكلام السابق التنبيه على بركة البيت، كان ذلك كالسبب الحاصل على حجة وأعمال السفر إليه، وإن كان معظم الحج عرفة كما في الحديث "الحج عرفة" لكن إنما ذلك لأجل أن عرفة له وقت معين يفوت بفواته نحوا لَا ترى أن من أحصر عن الوقوف فهو محصر، ومن أحصر على الحج فليس بمحصر ولا يحله إلا البيت.
قال الزمخشري: ودلت الآية على تأكيد الحج من أربعة أوجه:
الأول: لفظه على. والثاني: عموم النَّاس.
стр. 368
والثالث: إبدال قوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا). والرابع: قوله تعالى: (وَمَنْ كَفَرَ).
فتارك الحج كأنه كافر، ومنهم من زاد قوله تعالى: (غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) ابن عرفة: وكان بعضهم يريد فيها وجها خامسا، وهو إسناد ذلك إلى كلمة الجلالة إلا أنا نفرق بين قول السيد لعبده افعل كذا، وبين قوله ... أن تفعل كذا فإن هذا أبلغ في الدلالة على الاعتناء بذلك الأمر والاهتمام به، وقال: وهذا أيضا أبلغ من صريح الأمر، لأن صريح الأمر يختلف فيه هل هو للوجوب أو للندب؟ وهذا لَا خلاف فيه أعنى لفظ علي، وذكر عبد الحق في تهذيب الطالب عن بعضهم أن من شرط الاستطاعة وجود الماء في كل سهل ابن عرفة: ومعناه عندي وجوده كتاب منهله ينفذ فيها ماء الأخرى إما إذا كانت بحيث يصل إليها غالبا، فلا وحكى ابن الخطيب: اختلاف المتكلمين هل اختلاف الاستطاعة مع العقل أو قبله؟ قال: والآية حجة لمن يقول: إنها قبله.
ورده ابن عرفة بإن الاستطاعة تطلق على معنيين، فتارة بها التمكن من الفعل كقولك: زيد القاعد مستطيع على القيام، فهذه لَا خلاف أنه لَا يشترط فيها المقارنة، وليست هي المصطلح عليها عند المتكلمين، وتارة يراد بها القدرة على الفعل، فهذه هي التي تعرض لها الأصوليون، وذكر فيها الخلاف، والآية من القسم الأول، واختلفوا هل الحج على الفور أو لَا؟ ابن عطية: واحتج بها القائلون بالتراخي بوجهين:
أحدهما: استئذان الأبوين فيه العام والعامين، أجيب: بأن طاعتها واجبة فتعارض واجبان ورد بمنع ذلك بل هو من تعارض واجب ومندوب.
الثاني: خرج اللخمي الوجوب من قول مالك: في المرأة يموت عنها زوجها، فتريد الخروج إلى الحج، أنها لَا تحج في أيام عدتها.
ورده ابن عرفة: بأن العدة سابقة ولا يمكن طلاقها، والحج يمكن تلاقيه، قيل: بل وجوب الحج سابق على العدة، فقال: يفرض أنها بغت في العدة فسبق وجوب العدة على وجوب الحج، وأما المرأة إذا كان معها ذو رحم منها محرم وجب عليها الخروج، وكذا حكى الباجي عن مالك: إذا كانت في رفقه مأمونة، وفي سماع أشهب في الحج الثاني يسأل عن خروجها مع ختنها، وقال: تخرج مع جماعة النَّاس، ابن
стр. 369
رشد: لم ير لها ذلك، لأن ختنها ليس من ذوي محارمها، إذا كانت حلالا له قبل أن يتزوج ابنتها، ومثله في سماع ابن القاسم [من كتاب*] النكاح من [كراهته*] سفر الرجل مع [زوجة أبيه أو مع*] ابنه، وحمل مالك حديث: "لَا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا معها ذي محرم منها" على السفر المباح والمندوب إليه دون السفر الواجب لإجماعهم على أن المرأة إذا أسلمت من بلد الحرب لزمها الخروج إلى بلد الإسلام، وإن لم يكن معها ذو محرم منها فأوجب على المرأة الحج، وإن لم يكن معها ذو محرم يحج بها خلافا لأهل العراق، وفي قولهم إن فرض الحج حافظ عنها بعدم ذي الرحم، انتهى.
وحكى ابن العربي قولا في المذهب بوجوب الحج وتكرر وجوبه، بعد خمس سنين، الزمخشري: وروي "حجوا حجا قبل أن لَا تحجوا"، قبل: أن يمنع البر جانبه يعني بسبب إخافة الطريق، وعن ابن مسعود: "حُجُّوا [هَذَا الْبَيْتَ*] قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ فِي [الْبَادِيَةِ*] شَجَرَةٌ لا تأكل منها دابة إلا هلكت، وهذا لم يقع، وعن عمر لو ترك النَّاس الحج عاما واحدا ما نظروا بعين ولو تمالوا على تركه كلهم لعجلوا بالعقوبة، ولم يؤخروا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ... (٩٨)﴾
قال ابن عطية: الكتاب التوراة، وجعلهم أهل [بحسب زعمهم ونسبهم*]، وإلا فأهله على الحقيقة هم المؤمنون.
ابن عرفة: أو سماهم أهله لنزوله على النبي، الذي هم متبعونه.
قوله تعالى: (لِمَ تَكْفُرُونَ).
قال ابن عرفة: في إتيان الفعل بلفظ المضارع دون الماضي رحمة ومنهم بقبول توبة من تاب منهم، ورجع عن كفره.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ).
ابن عرفة: هذا دليل على تعلق علم الله تعالى بالجزئيات والكليات، قيل له: فالشهادة عندك هنا بمعنى العلم لَا معنى الإنظار والنظر، فقال: نعم وهو دليل على تسمية ما في القلب عملا.
стр. 370
وكذلك قال القرافي: أنه يسمى عملا، ولا يسمى فعلا، ولذلك قال الفخر: في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إنما الأعمال بالنيات" أجمعوا على أنه يشتق من ذلك شيئان، النية والنظر، قالوا: وأما ما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي.
ابن عرفة: والظاهر أنها مصدرية لأنه أبلغ في كمال علم الله تعالى، لاقتضاء، إنها تعلقت بالمعاني، وأن العقوبة إنما هي على نفس العمل لَا على متعلق العمل.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ ... (٩٩)﴾
قيل لابن عرفة: قلتم إن الاستفهام هذا للإنكار والتوبيخ، وأنه يتنزل منزلة النفي، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والتوبيخ على الأدنى يستلزم التوبيخ على ما فوقه، فوبخوا أولا على معصية قاصرة وهو كفرهم في أنفسهم، فلا فائدة في توبيخهم على تسببهم في كفر غيرهم، فقال: التوبيخ هنا مسود بالنفي عليهم بأفعالهم القبيحة، ولا شك أن قولك للشخص: لم تسرق أخف من قولك: لم تسرق وتزني، لأن الثاني أبلغ في القبح.
قوله تعالى: (تَبْغُونَهَا عِوَجًا).
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف (تَبْغُونَهَا عِوَجًا) وهو محال.
قال ابن عرفة: ليس محال بوجه، لأنه إما أن يريد أنه محال في نفس الأمر، فاعوجاجه محال، وإن أراد في اعتقادهم فالواقع خلافه؛ لأنهم قد لبسوا على بعض المؤمنين، وحسبوا فليس بمحال بوجه إلا أن يريد أن كفرهم عنادا فهم يعتقدون حقيقة ذلك، ويطلبون العوج فيه.
قيل لابن عرفة: لعله يريد إن كان الاعوجاج عندهم حاصلا فطلبهم له تحصيل الحاصل، وإن كان غير حاصل فهو محال لَا يصح طلبه، فقال ابن عرفة: يمنح ذلك بل هو غير حاصل، وهو ممكن الحصول عندهم، وفي اعتقادهم فطلبه ليس محال، ثم أجاب الزمخشري: عن السؤال بجوابين.
стр. 371
وقال الزمخشري: في سورة طه في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) .. أنه إنما أسند العوج إلى الأرض، وإن كان حسيا؛ لأن الأرض، وإن كانت مستوية في رؤية العين، فقد يكون فيها اعوجاج خفي لَا يدركه البصر.
ابن عرفة: ولذلك نشاهد الصناع من النقاشين والبنائين في فرش الدور وغيرها في السطح المستوي يزنونه بالماء فيظهر لهم فيه الميل والعوج، وإن كان في رؤى العين مستقيما.
قوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).
قال ابن عرفة: إشارة إلى غفلتهم عن نزول العذاب بهم، أي لَا يتوهموا أن إمهال الله لكم بالعقوبة غفلة منه عنكم، بل هو يعلم منه بتأخير ذلك إلى يوم القيامة، وقال في الأولى: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ) لأن الأول أخف من الثاني، فرتب عليه الوعيد الأخف، وأجاب الفخر: بأن كفرهم ظاهر [وعنادهم] عن سبيل الله، إنما كان في [خفية*] بالحيلة والدس، فناسب تعقبه، بقوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وهو جواب حسن.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ... (١٠٠)﴾
قال ابن عرفة: الطاعة موافقة الأمر، [**وهي لم تقع منهم للمؤمنين، وإنما كان مساو بحسبما وحيله فلم أطلق عليه اتباعه طاعة؟ ثم أجاب بوجهين، إما بأن المراد أن توافقهم في الأمر المتوكد (يَرُدُّوكُمْ)]، وإما أن يكون أطلق عليه أمرا مجازا، أو يجوز في لفظ الطاعة.
قوله تعالى: (يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
إن الذين يردونهم إيمانهم الفرق المجيبون لهم فالضمير إما عائد على الفريق باعتباره معناه، أو على الذين كفروا، وإما من ناحية أنهم إذ أطاعوا رؤسائهم صاروا من حزبهم ومن قومهم، فكان الجميع يردونهم عن دينهم، فإن قلت: ما فائدة قوله: (بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) مع أن قوله للذين آمنوا يعني عنه، فالجواب: أنه ذكر زيادة في تقبيح ذلك الفعل.
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ ... (١٠١)﴾
стр. 372
هذا شبه ما قالوا في استثناء عين المقدم، فقال: إن تطيعوا أهل الكتاب تكفرون، لأن كفركم حال وجود الآيات معكم والرسل محال فطاعتكم أهل الكتاب، وهذا إن قلنا: إن استلزام الدليل للمدلول، أو المتقدمين للتنحية عقلي فظاهر، وإن قلنا أنه عندي فكذلك أيضا يقول: كفرهم حالة سماعهم الآيات ومشاهدتهم لها محال، قال ابن الخطيب: وهذا تعجب منهم.
ابن عرفة: إنما هو استبعاد لأن التعجب إنما يكون من أمر واقع خفي سببه، هذا لم يقع بوجه، فإنما هو استبعاد.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ).
العصمة في اللغة مطلق الامتناع، وفي الاصطلاح عند الأصوليين امتناع خاص، فكان الشيوخ مختلفون في جواز الدعاء بالعصمة، فمن حملها على المعنى اللغوي، أجازا الدعاء بها، ومن نظر للاصطلاح منع ذلك وخصصها بالأنبياء.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ... (١٠٢)﴾
قال ابن عطية: نزلت في قصة الأوس والخزرج.
وقال ابن عرفة: إنما هو لنفي وقوع ما يتوهم مما تضمنت القضية الشرطية المتقدمة فرض وقوعه، وهي أن تطيعوا فتضمنت هذا الأمر بلزوم تقوى الله تعالى، واستدامتها حتى لَا يقع منهم طاعة للكفار بوجه، وفسرها ابن عطية بثلاثة أوجه: إما أن المراد اتقوه التقوى اللائقة به كقولك للأمير الواحد: أطعني على قدرتك، فيلزم عليه تكليف ما لَا يطاق فتكون الآية منسوخة، أو المراد عموم التقوى بالإطلاق فتكون مخصوصة بقوله تعالى: (فَاتقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أو المراد التقوى المستطاعة فتكون مساوية لتلك الآية سواء زاد ابن عرفة: وجها رابعا وهو أن المراد اتقوا الله واجب تقاته، أي اتقوه فيما أوجب عليكم فيتناول الأمور الواجبة، ويخرج عنه الندب، فتكون هذه الآية أخف من قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم). وعلى ما قال ابن عطية: إما أشد منها، أو مساوية.
قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ... (١٠٣)﴾
стр. 373
ابن عرفة: قال بعضهم ولا تفرقوا تأسيس؛ لأن الأمر لَا يقتضي التكرار ولا الدوام، فيصدق بفعله وفناها والنهي يقتضي الانتهاء دائما، وإن قلت: إن الوقت يقتضي التكرار فيكون فيه دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده.
وقال ابن عرفة: وهذا في الأحكام الاعتقادية.
ابن عرفة: وفيه ترجيح لقول الغبريني القائل بأن كل مجتهد في العقليات مصيب.
ابن عرفة: وإن قلنا: إنها في الأحكام الشرعية فيكون فيها دليل على ترجيح الاتفاق على الاختلاف، وأنه مهما أمكن رد أقوال العلماء إلى الآية نسق كان الأولى.
قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
قال ابن عرفة: هذا كما يقال: يصدق تبين الأشياء، وذلك أن من أكل طعاما فأمرضه، ثم صح فانتهى من ذلك الطعام، واستحضر ما ناله من الألم، وعلم أنه إن أكله يعود له مرضه، فإنه يجتنبه ويترك شهوته، وكذلك هؤلاء الأوس والخزرج كان بينهم في زمن كفرهم تباغض وقال: بغي فأنعم الله عليهم بالإسلام الرافع لذلك المثبت للمحبة وزوال البغض وتألفوا الكلمة فإذا استحضروا هذا ذكروه علموا أنه ضد الإسلام، وهو الكفر موجب لضد ذلك، وهو الشأن والبغضاء، فيكون ذلك سببا في ثبوتهم على دينهم وعدم تفرقهم.
ابن عرفة: (وَاذْكُرُوا) هو العامل في إذ عمل الفعل في المفعول، فيكون إذ بدلا من نعمة لأن اذكروا إنما يتعدى إلى مفعول، وقد أخذه.
قيل لابن عرفة: نقل بعضهم عن الشلوبين، أن إذ يكون تعليلا، وهو هنا مناسب فعلها للتعليل فقال: العلة غير المعلول، والنعمة هنا هي نفس التآلف بينهم، وذهاب العداوة.
قوله تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا).
قال ابن عطية: إما عائد على (شَفَا) أو على (حُفْرَةٍ) أو على (النَّارِ).
ابن عرفة: والمعنى يرجح عوده على (شَفَا)؛ لأن إلإنقاذ من الشيء يقتضي تقدم حصول فيه، وهم لم يحصلوا قط في النار، ولا في حفرها، ولكن في شفا الحفرة.
ابن عرفة: والآية تضمنت تذكريهم في الامتنان عليهم بأمرين ضروري ونظري، فالضروري (إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) لأنه أمر واقع
стр. 374
في الدنيا مشاهد لهم لَا يخالفون فيهم، والنظري: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) فإنه أمر معيب لَا يعلم إلا بالنظر والاستدلال فعطفه على الأمر الضروري يقتضي التسوية بينهما، وأنهم كما علمتم هنا ضرورة فاعلموا الآخر ضرورة.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
قال الزمخشري: أي إرادة أن تهتدوا فاعتزل؛ لأنه جعل الله تعالى أراد هداية جميعهم مع أن منهم من عصى، ولم يهتد، فالصواب أن لعل للترجي، وهو مصروف للمخاطب أي حيث بترجى هدايتكم من يعلم مشاهدتكم لهذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ... (١٠٤)﴾
ابن عرفة: الأمر متعلق بالجميع، ويسقط بفعل البعض، أو متعلق ببعض غير معين، قلت: انظر التلمساني شارح المعالم الفقهية بالمسألة التاسعة من باب الأوامر.
ابن عرفة: وهل يسقط بنفس الشروع فيه أو بعد تمام فعله، فقال: إنه لَا يسقط عن البعض إلا بعد فراغ البعض الآخر من فعله واستدل بقولهم: فيمن شرع فيه إنسانا فعل الأول أنه لأنه يلحق به ويكون كفاعلة ابتداء واختيارا.
ابن عرفة: أنه بنفس شروع البعض فيه يسقط فرضه عمن بقي واحتج بقوله: في المدونة في كتاب الجنائز، وإذا حدث أمام الجنازة استخلف من يقم بهم باقي التكبير، فإن توضأ وأدرك بعض التكبير كان في سعة إن شاء رجع، أو ترك فكونه خير بين الرجوع والترك قيل: فراغ المستخلف منها دليل على أن فرضها سقط بنفس الشروع فيها بالمعروف فيما طريقة الندب، فحكى إمام الحرمين فيه في الشامل قولين: وذكر ابن بشير لما تكلم على صلاة الوتر.
ابن عرفة: وهذه أحد المسائل المذكورة في علم أصول الدين، أعني وهي ومسألة الإمامة، ومسألة التسعير في الطعام.
قال الزمخشري: لَا يصح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا ممن علم بالمعروف والمنكر، فالجاهل قد ينكر على من لَا ينفع الإنكار في حقه كالإنكار على أصحاب المياصر والجلادين.
ابن عرفة: المياصر جمع ماصر أو حبل أو سلسلة توضع على الطريق، والنهر يحبس بها المارون، أو السفن، كما يفعل المكاسون والعشارون.
стр. 375
ابن عرفة: والجلادون هم الذين يجلدون النَّاس بالأسواط، ويقطعون الأيدي.
قال الزمخشري: والأمر بالمعروف تابع للمأمور به، إن كان واجبا فواجب، وإن كان ندبا فندب، فأما النهي عن المنكر فواجب كله، لأن جميع المنكر تركه واجبا لاتصافه بالقبيح، قال بعض الشيوخ يلزمه أيضا أن يقول المعروف فعله واجب، لأنه حسن فيصير الندب واجبا لأنه حسن.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ... (١٠٥)﴾
قال ابن عرفة: فيها سؤال، وهو ما الفائدة في قوله: (وَاختَلَفُوا) مع أن تفرقهم يشعر باختلافهم، لكن إن قلنا: إن تفرقهم بالأديان واختلافهم في المذاهب والاعتقاد، فلا سؤال لكنه بعيد، وإن قلنا: إن التفرق في الاعتقاد والمذهب، وهو الظاهر فالسؤال وارد، قال: وتقدم لنا الجواب عنه بأن التفرق أخص والاختلاف أعم، والتفرق يشعر بكون هذا في شق، وهذا في شق هذا يثبت، وهذا يبقي وللخلاف في العلم فيتناول هذا ويتناول من وقف فلم يحكم بنفي ولا إثبات فاقتضى الأول بأن منهم من أثبت العادم منهم من نفاه واقتضاء الثاني: أنه من شك فيه فلم يثبته، ولم ينفيه فيصدق عليه أنه خالف، ولم يناقض حتى يكون هو وصاحبه مفترقين، ولا يكون كالذين اتصفوا بالتفرق والتناقض، بل لَا يكونوا كمن خالف ولم يحكم بالنقيض.
ابن عرفة: وهذا كله في الأمور الاعتقادية فقط.
قال ابن عرفة: وهل الذين تفرقوا عام في ذي المذاهب الصحيح، والفاسد أو هو خاص بالمبطلين، لَا يدخل فيه المحققون قولان كما في الحديث: "ستفترق هذه الأمة على اثنين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا ما أنا عليه وأصحابي"، فهل المفترقون مجموع الاثنين وسبعين فقط؟ حكى ابن عطية: عن ابن عباس: أنها إشارة إلى كل من افترق من الأمم في الدين فأهلكهم الافتراق، وعن الحسن أنها لليهود والنصارى، وعن الزجاج: احتمال ذلك.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ... (١٠٦)﴾
قيل: إن (عظيم) هو العامل في يوم، ومنعه ابن عطية: لاقتضائه أنه عذاب العذاب في ذلك اليوم.
стр. 376
ابن عرفة: إنما هو عظيم في بعضه، والصواب أنه عظيم في جميعه، ابن عطية: ولا يجوز أن يعمل فيه؛ لأنه مصدر قد وصف.
ابن عرفة: بل يجوز؛ لأن العوامل تعمل في الظروف والمجرورات، [فأجري مجرى الفعل*].
ابن عرفة: وهذا راجع أما للذين تفرقوا إن كان التقسيم فيها مستوفيا، وأنهم شاملون الاثنين وسبعين فرقة، وإما راجع للذين تفرقوا ولتسميهم وهم المؤمنون، إن كان المراد بالذين تفرقوا الكافرون فقط.
قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ).
تشديدا وتخويفا، قوله: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) نقل أبو حيان عن صاحب [نهاية التَّأْمِيلِ فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ*] على حذف القول، أي يقال لهم: (أَكَفَرْتُمْ) وجعله مثل قوله تعالى: [(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) *]، فقال: تقديره يقال لهم: [(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) *] قال وأجاب صاحب التأميل بأن الفاء في قوله [وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ تَقْدِيرُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ، فَحُذِفَ فَيُقَالُ، وَلَمْ تُحْذَفِ الْفَاءُ. فَلَمَّا بَطَلَ هَذَا تَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ جَوَابًا لَهُ. وَلِقَوْلِهِ: أَكَفَرْتُمْ، وَمِنْ نَظْمِ الْعَرَبِ: إِذَا ذَكَرُوا حَرْفًا يَقْتَضِي جَوَابًا لَهُ أَنْ يَكْتَفُوا عَنْ جَوَابِهِ حَتَّى يَذْكُرُوا حَرْفًا آخَرَ يَقْتَضِي جَوَابًا ثُمَّ يَجْعَلُونَ لَهُمَا جَوَابًا وَاحِدًا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «٢» فَقَوْلُهُ: فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ جَوَابٌ لِلشَّرْطَيْنِ، وَلَيْسَ أَفَلَمْ جواب جَوَابَ أَمَّا، بَلِ الْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَى مُقَدَّرٍ وَالتَّقْدِيرُ: [أَأَهْمَلْتُكُمْ فَلَمْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ آيَاتِي*] (١)، وصوبه ابن عرفة.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ ... (١٠٧)﴾
قال ابن عرفة: تقدم منا سؤال وهو لم ذكر سبب تعذيب أولئك وعدد لهم وهددوا، ولم يذكر سبب رحمة هؤلاء وثوابهم فلم يقل (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضتْ وُجُوهُهُمْ)، فيقال لهم اهتديتم إلى الإيمان واتبعتم الرسول فأنتم خالدون في رحمة الله، قال والجواب: إما أنه من حذف التقابل، وإما بأن هذا جرى على الصفح المألوف من فضلاء الملوك، والأشراف في الدنيا، إن من عصاهم يعذبونه ويعددون عليه أفعاله القبيحة زيادة في عذابه بالقول والفعل ومن تكرموا عليه فأطاعهم يكافئونه بمجرد إسداء النعم عليه، ولا يذكرونه بما سلفت له حسبما قال الشاعر:
وإن امرءا أسدى إلي بنعمة ... وذكر فيها مرة لبخيل
قلت: وأشار إلى تعذيب الله لهم عدل وجزاء عن كفرهم، ورحمته بهم محض تفضيل لَا جزاء عملهم بوجه.
стр. 377
قوله تعالى: (هُم فِيهَا خَالِدُونَ).
ولم يذكر في (الَّذِينَ اسْوَدتْ وُجُوهُهُم) وصف الخلود في العذاب، قال: فعادتهم يجيبون بأن النفوس مولعة بسوء الظن، فمن نزل به أمر مؤلم تظن دوامه، ولا يطمع في زواله غالبا، ومن كان في نعيم فإنه يتوقع زواله، لأن الإنسان من طبعه الهلع والجزع، فذكر الخلود في الثاني احتراسا ولم يذكر في الأول اكتفاء بما حصل في النفوس من ظن دوامه، قال: وهذا الجواب: تقدمنا في قوله تعالى: في سورة هود (فَأمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ) الآية، وقال في الفريق الآخر (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).
قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨)﴾
قال الزمخشري: أي ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه، فسبحان من يحلم عمن [يصفه*] بإرادة القبائح والرضا بها، وأجيب: بأنا نحن نقول سبحان من يحلم عمن يجعل له شريكا في ملكه.
ابن عرفة: ولا شك أن الآية قوية في صحة مذهبهم لكن تقدمنا الجواب: بأن المراد بالآيات الحجج الظاهرة على بعث الرسول الدالة على صدقه، والإرادة على قسمين فإرادة القديمة الأزلية اقتضت ربط عذابه ببعث الرسل، قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فهم في العدم أراد أن لَا يعذب أحد حتى يعذر إليه بأن يبعث إليه رسولا بين له الشرائع والأحكام الاعتقادية والشرعية، فإذا تقرر هذا فهما فرض بعد ذلك أراد تعذيب من غير بعث رسول الله كان هذا الفرض ظلما؛ لأنه مخالف لما قرره الشرع فهذه الإرادة تفيد باعتبار الوجود والتقدير، لكنها قد يتوهم فلذلك احتيج إلى نفيها، وانظر تفريق المنطقيين بين الضرورة السابقة والضرورة اللاحقة، وإن كان الأصوليون قد قالوا أن بعثه الرسل جائزة غير واجبة، وأنه يجوز عقلا أن يعذب الله الخلق من غير أن يبعث إليهم أحدا لكن الشرع ورد أنه أريد في الأزل أن لَا يعذبهم إلا بعد الأعذار إليهم فإذا توهمنا بعد ذلك أنه أراد تعذيبهم فمن ظلم وهو المنفي في الآية، وإلا فالله تعالى أراد الخير والشر تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد.
стр. 378
قال ابن عرفة: وتقدمنا في الآية سؤال، وهو أن البيانيين فرقوا بين دخول حرف النفي على الاسم مقدما على الفعل وبين مباشرته للفعل، فجعلوا قولك: ما يقوم زيد هو الأصل؛ لأنه أخص من قولك: ما زيد يقوم؛ لأن هذه ضمير الفاعل، والأول ليس فيه ضمير فما يعدل عن الأول إلى الثاني إلا لنكتة تتوخى قال: فكان يمشي لنا؟ الجواب: بأنه إن أريد نفي الفعل لذاته أدخل حرف النفي عليه مثل ما يطير زيد، فليس الطيران بمنتف عنه بخصوصيته بل لذات الطيران، لأن من ذاته انتفاؤه من نوع الإنسان من حيث هو، وإن نفي الفعل لَا لذاته بل لوصف في الفاعل خاص به مانع منه أدخل حرف النفي على الاسم مباشرة كقولك في زيد المقعد: ما زيد يقوم؛ لأن القيام من صفة أبناء جنسه وإرادة الظلم هنا إنما انتفت لوصف في الفاعل مانع عنها وهو الألوهية المستلزمة لأوصاف الكمال، بدليل وقوع أراد الظلم بعض المخلوقين لبعض زاد بعضهم أن قولك: ما أنا فعلت هذا لحرض بالمخاطب أنه فعله وكذلك الآية فيها تعريض للعالمين أن من شأنهم الاعتداء والتظالم فيما بينهم.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾
قال ابن عرفة: من باب الإتيان بالحكم مقرونا بعلته ودليله: أنه إذا ثبت أنه مالك لما في السماوات وما في الأرض الملك الحقيقي، فهو قادر على إعدامهما وقادر على إعادتهما كما كانت، فصح بها إثبات المعاد.
قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... (١١٠)﴾
الخطاب للصحابة، أو لجميع النَّاس المؤمنين، والظاهر الأول؛ لأن تفضيل الصحابة لأوصاف فيهم ليست في غيرهم إلا أن يكون مما آتى بعدهم فيه تلك الأوصاف فيبلغ هذه المنزلة، أي في الوصف الذي شارك فيه الصحابي، ولكن يتميز عنه الصحابي بوصف الصحبة فهو خير على كل حال.
قيل لابن عرفة: إنما المراد أن مجموع هذه الأمة خير من مجموع سائر الأمم تفضل المجموع على المجموع يتناول الصحابة ومن بعدهم، فقال: الصحيح أن المضمرات كلية لَا كل، فما المراد إلا تفضيل كل واحد، واحد من هذه الأمة على سائر الأمم المتقدمة، وليس كل واحد من هذه الأمة فيه تلك الأوصاف، فيبقى حملها على الصحابة فقط، وإن كل واحد منهم أفضل من سائر الأمم المتقدمة، قال: ومن لم
стр. 379
يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر متصف بالخيرية لوصف الإيمان لَا بل لَا خيرية، ومن غير المنكر بالفعل أفضل ممن لم يقدر على تغييره فغيره بقلبه.
ابن عرفة: واحتج الأصوليون بهذه، على أن الإجماع حجة وهو بناء على قول الحسن ومن تبعه، بأنها خطاب لجميع أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن قلت: وصف الإيمان سابق في الوجود على الأمر بالمعروف فلم أخره عنه في الآية؟، قلت: عادتهم يجيبون بأنه تنبيه على السلامة في ذلك من الرياء والصحة فلو قدم الإيمان لقيل خبرا عن الأصل؛ لأن الأمر بالمعروف يستلزم الإيمان، فكان يقول: قدم في الذكر ما هو متقدم في الوجود فلما أخر علم أنه لفائدة، وما نهى إلا الإشعار بالسلامة من المظاهر والرياء فهو حين أمره بالمعروف مستحضر لوصف الإيمان، وأسبابه المانعة له من الرياء والسمعة.
قوله تعالى: (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).
ولم يقل أكثرهم الفاسقون إشارة إلى أنهم آمنوا بالله وآمنوا بأنبيائهم في كل شيء؛ لأن من جملة ما أخبرهم به أنبيائهم إرسال محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في آخر الزمان فكفرهم به فسق.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ... (١١١)﴾
قال الزمخشري: في هذه الجملة مع قوله منهم المؤمنون كلاما زائد أنه على سبيل الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب.
ابن عرفة: كان بعضهم يتعقبه من وجهين:
الأول: أن الاستطراد إنما يكون غير مقصود أن يؤتى بالجملة في ضمن جملة أخرى، لم يقصد الإخبار بها أولا بل جاءت على سبيل الاستثناء ... لعزب من المناسبة والقرآن منزه عن ذلك، وهو بخلاف الاستطراد الذي يذكره البيانيون، فإن الاستطراد عندهم، قال مالك: هو أن يكون من الفنون فيتوهم استرساله فيه ويخرج منه إلى غيره، ثم ترجع فإن تمادى بذلك الخروج، قال الله تعالى: (أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ).
الجواب الثاني: أن جملة (لَنْ يَضُرُّوكُمْ) أتى بها احتراسا أو تتميما لما قبلها؛ لأنه لما تقدمها، (وَأكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) خشي أن يتوهم المؤمنون
стр. 380
أن الكفار يغلبونهم بالكثرة والقوة، فاحترس من ذلك بهذه الآية، وقال: لَا تتوهموا أنهم يضروكم غاية أمرهم أنهم يؤذونكم بالقول فقط، وهذا أحسن مما قال الزمخشري.
ابن عرفة: والضرر المنفي فعلي والأذى قولي، أي لَا يصدر منهم لكم إذا إلا كما يصدر من المريض العاجز عن الحركات، والمريض العاجز لَا يصدر منه إلا الإذاية بالقول خاصة فكذلك هؤلاء.
قوله تعالى: (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ).
ولم يقل: يولوكم أدبارهم، أجاب ابن عرفة بأنه لو قيل: يولوكم أدبارهم لما حصلت كمال الطمأنينة للمؤمنين؛ لأن الجيش له مقدم ومؤخر، وساعة وقلب، ففي الممكن إذا انهزم مقدمه المباشرون للقتال ولوا أدبارهم أن مخلفهم الساعة والمؤخر، فلما قال: (يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ) أفاد العموم وأشعر بانهزام جميع جيشهم ثم لما كان المعهود في الجيوش المنهزمين أنهم كثيرا ما يفرون حتى يأخذ العدو سلبهم أو بعضه، ثم يكرون عليه فيهزمونه ويستخلصون منه ما أخذ لهم احترز من ذلك بقوله: (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ).
قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ ... (١١٢)﴾
ابن عطية: الاستثناء منقطع، وفي الكلام حذف تقديره: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) هلكوا لَا نجاة لهم فلا نجاة لهم من الموت إلا بحبل من الله.
قال ابن عرفة: ويحتمل أن يجاب بأن الذلة على نوعين ذلة أخص، وذلة أعم، فمعناها الأخص هو كون اليهودي إذا وجد بدار الحرب مباح دمه وماله، والمعنى الأعم هو إذلالهم واحتقارهم فقط، فقوله: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) هو المعنى الأخص، وقوله: (إِلَّا بِحَبْلٍ) أوضاع مقدرة شرعا، وحبل من النَّاس وهو ما أخذونه منهم من الجزية، وقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) إما راجع لصفة الشخص الفعل، أو لصفة المعنى وهو الإرادة أعنى أنه راجع لبعض الانتقام منهم، أو لإرادة الانتقام منهم، وما أراد الله لابد من وقوعه.
قوله تعالى: (وَضُرِبَت عَلَيهِمُ الْمَسْكَنَةُ).
стр. 381
ابن عرفة: المسكنة هي الذلة لكن الأول راجع لإذلالهم غيرهم لهم وهذا راجع إلى اتصافهم في أنفسهم بالذلة.
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ).
قال ابن عرفة: الكفر يراد به الشرك بالله، ويراد به كفران النعمة وهو هنا راجع للتوحيد والألوهية، وقال الشلوبين: الكفر بالنعمة لَا يأتي إلا مضمرا بها، وقال غيره: أنه يصح الملامة والقرينة بعينه، قال: وأدخل كان هنا للدلالة على تكرار ذلك منهم ودوامه، ولو فيل: كفروا صدق بالمرة الواحدة.
قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).
قال ابن عطية: أنه تأكيد؛ لأن قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لَا تكون بحق بوجه، وتقدمنا الجواب بأنه تأسيس، قال: وذلك إن نفي الحق تارة يكون في نفس الأمر وفي الاعتقاد، وتارة يكون في نفس الأمر فقط، لَا في الاعتقاد ومثاله قتل المسلم في الجهاد لرجل رآه في صف المشركين، واعتقد أنه مشرك، فإذا هو مسلم فهذا قتله بحق في اعتقاده، وفي نفس الأمر ليس بحق قريبا منه بقدر للزمخشري: في سورة البقرة، وحق هنا في سياق النفي؛ لأنه منفي بقوله: (غير) فيعم قتل الأنبياء، قد يكون بحق في الاعتقاد، وأما في نفس فليس إلا بغير حق.
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
إن قلت: ما أفاد قوله: (وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) وأجيب بوجهين:
الأول: أن العصيان أعم يطلق على المخالفة في الواجب وفي المندوب حسبما ذكر المازري في المعلم في حديث: "ومن لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم"، والاعتداء راجع لقوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).
قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ... (١١٣)﴾
يعني ساعات الليل وأوقاته وهم يسجدون، وهو نظير قولك: رأيت زيدا أياما عشرة، فإنه يقتضي عموم الرؤية في عدد تلك الأيام لَا عمومها في زمن كل واحد من تلك الأيام على لو رآه ساعة واحدة منها لصدق، أنه رآه ذلك اليوم، وكذلك يتلون آيات الله ساعات الليل، أي في كل ساعاته ولا يقتضي تعميم إجراء كل ساعة منها بالتلاوة.
стр. 382
قوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... (١١٤)﴾
ابن عرفة: النهي عن المنكر من باب دفع المؤلم فكان الأصل تقديمه لكن إنما ذلك إذا تعارضا معا والآية ليست من تعارضها مقابل إشارة إلى اتصافهم بالأمرين فكان الأهم في صفات المدح الابتداء الأمر بالمعروف؛ لأنه أخف من النهي عن المنكر فيكون ترقيا في وصفهم.
قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).
مبالغة في حقهم؛ لأن قولك: زيد صالح، وقال ابن حزم: إن الصالحين أدون ذلك عليه بعضهم.
ابن عرفة: والصواب ما قال ابن حزم.
قال ابن عطية: قال بعض النَّاس: دخلت مع بعض الصالحين في مركب فسألته عن الصوم في السفر، فقال: إنها المبادرة يا ابن أخي، قال: فجاءني بجواب ليس من أجوبة الفقهاء.
ابن عرفة: بل من أجوبة الفقهاء.
قال ابن عرفة: وفي الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء ﵈؛ لأنه من ممايزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء هذا مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة، أن المعاد واجب عقلا، بناء على [مباحث*] التحسين والتقبيح العقليين عندهم، ابن عطية: وفي الحديث " [اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ"*] " وينظر قول ابن الفارض: [ ... ].
قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾
قال ابن عطية: إضافة تخصيص يقتضي ثبوت ذلك لهم، ودوامه.
ابن عرفة: هذا يدل على أن الصحة عندهم لَا تقتضي الدوام، والذي ذكر الأصوليون من باب الأخبار أنها تقتضي الدوام لكن دواما مطلقا، (خَالِدُونَ) أصرح في الاستمرار الأبدي.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (١١٧)﴾
стр. 383
ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق أن أموالهم وأولادهم لَا تغني عنهم شيئا عقبه ببيان عاقبة ما ينفقون من أموالهم، وهذا إما إبطال لها من أصلها واو إبطال بشرتها؛ لأن المال في الدنيا تارة يكون البخس فيه بعدم حركته، وترك التجزئة وتارة يكون البخس فيه من حوالة الأسواق فيه بالخسارة، وهو ظاهر في التشبيه هنا، وهل هو تشبيه مفرد بمفرد، كقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) ففيه حذف شيء واحد إما من الأول، أو من الثاني، أو من حذف التقابل وشبه فيه إنفاقهم وإحباطهم في الآخرة بالزرع الأخضر، وإهلاكه بالريح، ونقل ابن عطية: أن المراد ظلموا أنفسهم بالحرث في غير وقت الزراعة، ولا يبعد أن هؤلاء أنفقوا مالهم في غير محل الإنفاق؛ لأن شرطه وقوع الإيمان منهم، والفرض أنهم كفار، ولكن أنفسهم يظلمون.
ابن عرفة: تقدمنا الجواب بأنه روعي فيه مقتضى اللفظ، لقوله تعالى: (يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فعبر عنها بلفظ الحضور وهو اسم الإشارة فناسب إسقاط كان المقتضية للمعنى والانقطاع، وآية النحل ليس فيها ما يدل على الحضور بوجه، وأجاب الأستاذ أبو جعفر الزبير: بأن آية النحل في قوم مضوا؛ لأن قبلها (كذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبلِهِم)، وأما هذه فهي للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فناسب إسقاط كان، وتقديم المعمول عنها لرءوس الآي وليس هو للحصر؛ لأنهم ظلموا أنفسهم وغيرهم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا (١١٨)﴾
قال ابن عطية: اختلفوا، فقيل: نزلت في قوم مؤمنين كان لهم خلقا في الجاهلية وبقوا على عهدهم معهم في الإسلام، وقيل: نزل في حالة المؤمنين مع المنافقين.
قال ابن عرفة: فإن قلنا: إن المؤمنين كانوا يعلمون أعيان المنافقين فظاهر، وإن كانوا غير معلومين لهم لزم تكليف ما لَا يطاق، فالقول الأول أصوب.
قوله تعالى: (مِنْ دُونِكُمْ).
أي من غيركم، ابن عطية: ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "ما من خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالخير، وبطانة تأمره بالشر والمعصوم من عصمه الله" فقال ابن عرفة: يحتمل أن يكون كلية، وإن كل خليفة له بطانتان، ويحتمل أن
стр. 384
يكون كلا، وإن البعض الواحد له بطانة تأمره بالخير، والبعض الثاني له بطانتان للخير والشر، ابن عطية: ويدخل في الآية استكتاب أهل الذمة.
قال ابن عرفة: من باب أحرى؛ لأن الكاتب له أقرة وتصرف واستيلاء، فإذا منعت الصحبة والمصادقة فأحرى المكانة وقد نهى عنها مالك في المدونة.
ابن عرفة: وفي الآية إيماء للنهي عن مصادقة المسلم الذي علم منه الحقد والحسد والمضرة، انتهى.
ابن عرفة: وفي الآية عندي اللف والنشر.
قوله تعالى: (قَدْ بَدَتِ الْبَغضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِم).
راجع لقوله: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا)، وقوله تعالى: [(وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ) *] راجع لقوله (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) أي بالأقوال، ابن عطية: وخص الأفواه دون الألسنة إشارة إلى [شدقهم*] وثرثرتهم بأقوالهم.
قال ابن عرفة: أو لأن الحروف منها ما مخرجه من اللسان، ومنها ما مخرجه من غيره، والفم يجمع ذلك كله، فعبر بالأفواه ليعم جميع الحروف، وأنهم لَا يبغوا منها في كلام، قيل لابن عرفة: قال تعالى في سورة الفتح (يَقولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِم) فقال: تلك الآية وردت في معرض الذم لهم وإذا ذم الإنسان على التكلم في شيء ببعض الحروف فأحرى أن يذم على الكل، وهذه خرجت مخرج التهييج على منافرتهم والبعد عنهم بذكر أوصافهم القبيحة، فناسب الإطناب فيها والمبالغة.
قوله تعالى: (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ).
يحتمل الكبر في الكمية، أو في الكيفية، فإما أن يراد أن الذي في صدورهم في الحسد، والغل أكثر مما يظهرونه وأنه دائم لَا ينقطع، بخلاف ما يتكلمون به، منه فإنه ينقطع بسكوتهم.
قوله تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ).
الألف واللام للعهد، أي اللام المعهودة، والبيان ضد الإجمال، فيكون الراجح أنها آية القرآن لَا المعجزات.
стр. 385
قوله تعالى: (إِنَّ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) ابن عرفة: الظاهر أنه العقل النافع لَا العقل التكليفي.
قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ... (١١٩)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق نهي المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أخلاء وأصحابا، وكان النهي عن ذلك محتملا لأن يكون اتصفوا بذلك بالفعل، أو لم يفعلوه بل هم في حيز الاتصاف عقبه بما يدل من تنفيرهم عن ذلك بذلك مع زيادة الإشعار باتصافهم به، فهذه الآية تأسيس لَا كما قال ابن عطية: وغيره من أنها تأكيد.
ابن عرفة: إن قلت: لم قال: (هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ) فحذف هاء التنبيه من الثاني، وقال قبله: (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ) بإثباتها في الأول والثاني، فأجاب بعض طلبته بأن تلك الآية خطاب للكفار بلا خلاف فأعيدت هاء التنبيه، لأن المخاطبين أولا هم المخاطبون ثانيا، وأما هذه فقيل: إنها للمؤمنين، وقيل: إنها إشارة للكفار وهم غائبون والغائب [ينبه*]؛ لأنها تنبيه [للمخاطب*]، ولذلك جعله أبو حيان: من باب الاشتغال، كقوله: ها أنت زيدا ضربته.
الجواب الثاني: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأن التنبيه يشعر بالقرب، فلذلك لم يؤتَ بهاء التنبيه الدالة على القرب بخلاف تلك، فإن المحاجة تقتضي أن أحد الخصمين في شيء، والآخر في شيء آخر فالنهي عن محبتك من لَا يحبك، فأحرى محبتك لمن يكرهك، وهذا في الأمر الديني؛ لأن من الكافرين من كان يحب بعض المؤمنين، لَا لوصف الإيمان بل لقرابة بينهما، أو صحبة قديمة، أو يد سلفت، أو نحو ذلك.
قوله تعالى: (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ).
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون الكتاب واحدا بالنوع، أو واحدا بالشخص، وفي آية النساء: (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ)، فهل التبعيض أيضا في نوع الكتب، أو في شخصه بمعنى إن أنتم تؤمنون بالكتب كلها، وهم يؤمنون بالتوراة خاصة، ولا يؤمنون بالقرآن، أو المعنى إن أنتم تؤمنون بجميع التوراة، وهم يؤمنون ببعضها فقط؛ لأن فيها صفات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإعلام بصحة نبوته، وهم يكفرون به، وهذا هو الظاهر.
قوله تعالى: (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ).
стр. 386
إن قلت: هلا قيل: عضوا عليكم أناملهم، فالجواب: أنه إشارة إلى شدة غيظهم، وشغل بالهم بحيث يعضوا على أناملهم وأنامل غيرهم.
قال ابن عطية: وواحدة الأنامل أنملة بضم الميم وفتحها والضم أشهر، ونقل بعض الطلبة، إن القاضي ابن حيدرة كان يقول: الفتح أشهر، وكذا قال ابن عرفة في كتاب الجنايات في المدونة.
قال ابن عطية: عض الأنامل إشعار بغيظ النفس، كما أن قرع الأسنان إشعار بالندم.
قال ابن عرفة: وقال الشهرستاني في أول كتابه نهاية الإقدام: لعمري لقد طفت المعاهد كلها، وقلبت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على لحية، أو قارعا من نادم.
قال ابن عرفة: وكان الفقيه أبو علي عمر بن خليل، وغيره ينتقدون عليه قوله: واضعا كف حائر، قالوا: فإن هذا إبطال لمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأكثر أهل السنة لاقتضاء أنه حائر لم تقف على حقيقة أمر بوجه.
قوله تعالى: (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ).
قيل: إنه خبر كقوله تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ)، وكقوله تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) هو أمر المراد به الخبر، وقيل: إنه دعاء.
ابن عرفة: والظاهر أنه خبر؛ لأنه مستقبل، أي يموتون بغيظكم، وليس الموت من فعلهم حتى يؤمرون.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ... (١٢٠)﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق الإخبار سالم المنافقين من المؤمنين في حال غيبتهم عنه عقبه بما يدله على فاعلهم منهم مطلقا في الغيبة، والحضور وكفى بالحسنة على الملائم بالسيئة على الشيء المؤلم، وأورد الزمخشري: أن لم ذكر السن في الحسنة والإصابة في السيئة؟ فأجاب بجواب لَا يقتضي، وأجاب ابن عطية: بأنه
стр. 387
تنبيه على شدة غيظهم، لأن العدو يتألم بحصول، أو في شيء ملائم لعدوه، ولا ينتفي من عدوه إلا بنزول عظيم البلاء به وأشده.
قال ابن عرفة: وفي الآية حذف التقابل، قال: وذلك الأمر الملائم المعبر عنه بالحسنة سبب في الفرح، والأمر المؤلم المعبر عنه بالسيئة سبب في الحزن، فإذا مست المؤمنين حسنة جعل للمنافقين أمران ضرر في أبدانهم، وهو مشقة مشاهدتهم ذلك وسماعه وحزن في قلوبهم وإذا مست المؤمنين سيئة جعل للمنافقين بذلك تنعما في أبدانهم بشهادتهم لذلك، وسماعهم إياه، وفرح قلوبهم وابتهاج في نفوسهم، فكأنه يقول: (إِنَّ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) ويحزنون بها، وإن تصبكم سيئة تنفعهم ويفرحون بها؛ لأن السوء يهدي للتنعيم، والحزن ضد الفرح، أي إذا تنعمتم تضرروا هم وحزنوا فإذا أصابكم سوء في ضرر تنعموا وفرحوا.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا).
قال ابن عرفة: هذا من اللف والنشر للمخالفة، أي وإن تصبروا على مس السيئة وتتقوا ربكم إذا مستكم الحسنة.
قيل لابن عرفة: كل إنسان لابد له من نيل الخير والشر، فهلا عبر بـ إذا الدالة على تحقيق الوقوع، فقال: إن أعم تدل على المحقق والممكن على فرض وقوع ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
ذكر الزمخشري: قراءة الباء فقط وأنها راجعة للمنافقين ابن عرفة والقراءة بتاء الخطاب، فإما أن يراد بها: قل لهم يا محمد أن الله بما يعملون محيط، وهو إخبار عن إحاطة علم الله تعالى المؤمنين في سرهم وتقواهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ ... (١٢١)﴾
قال ابن عطية: ذهب الطبري إلى أنها متصلة بما قبلها والظاهر عدمه؛ لأن تلك من منافي اليهود، وهذه ابتداء قصة المؤمنين في أمر آخر.
ابن عرفة: والظاهر الاتصال، ويكون دليلا على أن عاقبة الصبر والتقوى حميدة؛ لأن هؤلاء لو ثبتوا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جمع المؤمنين واستشارهم، فقال عبد الله بن أبي وأكثر النَّاس: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم.
стр. 388
ابن عرفة: قال ابن عبد البر: إن الأكثر أشاروا عليه بالخروج لهم، الزمخشري: وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إني رأيت في منامي بقرة مذبوحة حولي، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلمة فأولتها هزيمة".
قال ابن عرفة: الذي في السير، والحديث الصحيح، "فأولته رجلا من قرابتي"، فكانت وقعة أحد أصيب عمه حمزة، وابن عمته عبد الله بن جحش، وحامل رايته مصعب بن عمير ﵃، وكان من أبلى من المؤمنين في الكفار بلاء شديدا حمزة، وعلي بن أبي طالب، وأبو دجانة الأنصاري، وطلحة بن عبيد الله ﵃، الذي في صحيح كتاب الرؤيا، ورأيت أني هززته سبعا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين يوم أحد، ثم هززته، ورأيت أيضا فيها بقر وأولته خيرا، فإذا هو النفر من المؤمنين يوم أحد.
قوله تعالى: (تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ).
ولم يقل: أماكن إشارة إلى ما قالوا من أن الرماة كانوا خمسين، وأنه جعلهم خلفه من الخيل، وأمرهم أن يلبثوا هنالك فلذلك عبر بلفظ المقاعد إشارة إلى الثبوت والقعود فيها، وقوله: (تُبَوِّئُ) حالة مقدرة باعتبار أوائل الغد، ومحصلة باعتبار واسطة.
قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ... (١٢٢)﴾
ثم قال: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) إشارة إلى الذين هموا بالانصراف، خوف العجز والضعف على المبادرة، ثم ندموا على ذلك السر بل كان الله وليهم يصرف عزيمتهم على ذلك إلى نقيضه، وهو المقام والقوة توكلا على الله في الإعانة والنصرة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ... (١٢٣)﴾
ابن عرفة: التذكير بالنعمة على وجهين: تارة يقع مطلقا، وتارة يقع في كل الإياس منها، وهو أعظم وأشد في النفوس، وكذلك وقع هذا؛ لأن قبلها: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) قدروا النصرة في محل الإياس من النصرة.
стр. 389
قوله تعالى: (وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ).
لأنها في موضع الحال.
ابن عرفة: لأن أن مفرد وما بعده، في حكمه؛ لأنها خفض بها، والمفرد لَا يبدل من الجملة، وكذا قال ابن القصار.
قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ... (١٢٥)﴾
قيل لابن عرفة: كيف عبر بـ إن، وهلا عبر بـ إذا؟ لأن المراد أمرهم بالصبر الذي لا يقطع زمانه فأحرى مع إيقاع الصبر المحقق، وردهما ابن عرفة بأن الجواب إنما يترتب على فرض وقوع الشرط سوء أكان محققا أو غير محقق فلا يقع الإمداد إلا بعد ثبوت الصبر، قال: وإنما الجواب أنه عبر بإن تنبيها على كمال الملازمة ولا [تنافي*] بين الصبر والإمداد؛ لأن إن تدخل على [المحال*]، أي ولو كان الصبر منهم محالا، وفرض وقوعه فإن مددكم [بالملائكة*] يكثر نحو (إِنَّ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)، فإن قلت: أول الآية يقتضي الإمداد بثلاثة آلاف وآخرها بخمسة آلاف، فالجواب: أنه كما تقول للشخص: يكفيك أن ينصرك بعشرة من الخيل، فيقول لك: نعم، فتقول له: أنا أنصرك بخمسة عشر، أي أنصرك بما يكفيك وزيادة، فالأول اقتضى الإخبار عن نصرتهم بما يكفيهم، والثاني: اقتضى أنهم إن صبروا واتقوا ربهم ينصروا بأزيد مما أقروا به كافيهم، فإن الهمزة داخلة للتقرير عليهم، بأمرهم موافقون عليه، فقول: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ) يقتضي أنهم موافقون على أن ذلك كافيهم، قلت: وتقدم لابن عرفة في الختمة الأولى: أن بعضهم قال: لم قال: (بِخَمْسَةِ آلافٍ) فاختص هذا العدد دون غيره قال: فأجيب بأن الألف هو نهاية العدد، وغايته، والجيش منقسم على خمسة ذكرها عياض في كتاب النكاح من إكماله، وهي الميمنة والميسرة، والمقدم والمؤخر، والقلب وسمي الساعة وهو الوسط، فجعل لكل قسم منها ألف يقابله فروعي غاية العدد لكل واحد منها.
وقوله تعالى: (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا).
ابن عرفة: نصرة الإنسان في هذه الحالة أقرب وأعجب؛ [لأنه عذاب مفاجئ*] فوري يأتي على غفلة، فلا طاقة لهم به.
قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ ... (١٢٦)﴾
стр. 390
ابن عطية: قيل: الضمير في جعله عائد على الإنزال والإمداد، الزمخشري: أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة إلا بشرى لكم بأنكم منصورون، أبو حيان: وقيل: الضمير عائد على النصر، وقيل: على الوعد به.
ابن عرفة: والظاهر أنه للوعد؛ لأن المباشرة مقدمة على المبشر به، فليس النصر مبشرا بل هو المبشر به.
قوله تعالى: (العَزِيزِ الحَكِيمِ).
ابن عرفة: الذي ينصركم إن شاء بسبب وإمداد، وإن شاء بغير سبب ولا إمداد.
قوله تعالى: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧)﴾
الخيبة هو عدم الاتصال بالمطلوب والمراد هنا ما هو أخص من ذلك، وهو خسرانهم.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ (١٢٨)﴾
قال ابن عرفة: فيه عندي حذف التقابل؛ لأن التوبة لَا تقابل العذاب، وأنه تقابل المعصية، والتقدير، أو يتوب عليهم فيرحمهم، أو يدوموا على كفرهم فيعذبهم فحذف من الأول نقيض ما ذكر في الثاني، ومن الثاني نقيض ما ذكر من الأول.
قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ).
تأكيد لمقام الوعيد، واعتزل الزمخشري هنا وله فيها شبهة. لكن قوله تعالى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ (١٢٩) .. ظاهر في مذهب أهل السنة، وإذا تأوله الزمخشري على مذهبه فجعله لفا ونشرا، فيرد المغفرة، لقوله تعالى: (أَوْ يتُوبَ عَلَيْهِمْ)، والعذاب لقوله تعالى: (أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) ونحن نقول: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) من الكفار، أو العصاة، ويعذب من يشاء من الكفار أو العصاة بالإطلاق.
وقال الزمخشري: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) توبته ونحن نقول: (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) مغفرته سواء إن [ ... ] لابن عرفة: إن هذا مخصوص بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فقال: بل هو على عمومه، ويجعله مخصوصا بها لو كانت التلاوة يغفر لجميع الخلق، وإذا جعلته مخصوصا بها يلزم أن بعض من شاء الله المغفرة له لَا يغفر له بمعني أنه لَا يتوب وهو مذهب المعتزلة القائلين: بخلود العاصي في جهنم، وإن الله لم يرد عصيانه، بل هي