← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

قيل لابن عرفة: على هذا يكون نقيضه أنه يملك لبعضهم النفع والضر لكلهم؛ لأنها موجبة جزئية، فقال: القرينة تدل على التساوي، أم لَا فلو قيل: بالفرق ولا يخالفون هم في هذا ثم ذكرته له مرة أخرى، فقال: الإنصاف أن هذا تكليف. السؤال الثالث: لم قال (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) والمناسب هنا وصفه بالقدرة؛ لأن العلم والسمع إنما يناسبان من قصد التستر والاختفاء، وهؤلاء تعنتوا وتجوزوا، فما المناسب فيهم إلا العزة والانتقام والقدرة والمقدور، وتقدم الجواب بأنه من حذف التقابل، والتقدير: قل أتعبدون من دون الله ما لَا يملك لكم ضرا ولا نفعا ولا يسمع ولا يعلم، والله هو مالك الضر والنفع وهو السميع العليم. قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا ... (٧٧)﴾ إما أنه على حذف قد أو الفاء في الأول فقط وهو الظاهر. قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ ... (٧٨)﴾ قال ابن عرفة: هذا دليل على مفهوم الآية. لأنهم أيضا ملعونون على لسان سليمان وغيرهما من الأنبياء. قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). قال ابن عرفة: هذه دليل على ما يقولون الأصوليون في تنقيح المناط وهو التعليل ببعض العلل دون بعض مع كون المتروك أظهر من المذكور [وأجلى*]، مثل: "لَا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان"، فأخذوا منه أنه لَا يقضي عند شغل الخاطر وتشويشه إما [بنعاس*]، أو بجوع، أو شبع، أو خوف أو حزن، أو نحوه، وكذلك هذا إنما لعنوا لكفرهم بترك الموجب الأخص وعلل بأعمه وهو العصيان، كما ترك هنالك الأخص وهو الغضب وعلل بأعمه وهو التشويش، قال: وهذا دليل على أن العصيان يطلق على ترك المطلوب، لقوله (وَكَانُوا يَعتَدُونَ) فالاعتداء هو تجاوز الحدود ولا يلزم التكرار. قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ قال ابن عرفة: إن رجع إلى فعلهم المنكر فظاهر، وإن رجع إلى تركهم النهي عن المنكر تكون الآية دليل على أن الترك فعل، وإن ترك إلى الجميع فيكون غلب فيه جانب الفعل على جانب الترك. قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٨٠)﴾

стр. 562

قال ابن عرفة: موالاة القضاة والظلمة إن كانت لمجرد زيارتهم فهي حرام، وإن كان يزورهم لاستقاذ مظلوم ولمصلحة مظنونة فهو جائز، وقد كان يفعله سيدي أبو الحسن المنتصر، والزبير، والإمام، وكان سيدي أبو علي عمر الثوري، والشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن عامر في المغرب يجتنبون ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ... (٨١)﴾ جعل الإيمان ملزوم لعدم اتخاذهم أولياء، فدل على أن موالاة الكافر كفر. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ ... (٨٥)﴾ قال ابن عرفة: فيها سؤال وهو أنه تقدمها (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين)، فعبروا بلفظ الرب، فهلا قيل: فأثابهم ربهم؟ وأجيب بأنه إشارة إلى أن هذا الثواب إذا وقع من الله تعالى مع استحضار مقام التفضل والحنان والشفقة. قال ابن عرفة: وتقدمنا نحن الجواب بأن من حسن الاقتضاء أن يطلب الأجير أجره على سبيل التلطف، ويعتقد أنها تفضل من المستأجر ومن حسن القضاء بأن يعطي المستأجر الأجرة معتقدا أنها واجبة عليه، فالأول راجع لطريق الرجاء وطلب نيل الثواب فناسب التلطف بعبارة الرب، والثاني راجع للجزاء فهو إشارة إلى أن الله أوجب ذلك على نفسه شرعا ولا يجب عليه شيء، قال: وما هنا مصدرية أو موصولة بمعنى الذي، وكونها موصولة بمعنى الذي أقرب لمذهب أهل السنة، وإن جعلناها مصدرية كانت دليلا للمرجئة بأن مجرد النطق بالشهادتين كان في حصول الإيمان وفي دخول الجنة، وظاهر هذه الآية أن الجنات في الدنيا أشرف وأعلى من الدور التي لا جنات فيها؛ لأن الله أثابهم بالجنات فدل على أنها أفضل من الدور، وهل يكون للرجل الواحد جنات أو هو على التوزيع يحتمل. قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا). لأن النعيم إنما هو بالخلود، ثم قال (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦). قوله تعالى: (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ).

стр. 563

إحسان فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث القدر، فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك"، وفسره الله تعالى في أول سورة لقمان، فقال (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) .. فهو في الحديث أخص، قال: ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه من إيقاع الظاهر موقع المضمر فيكون هم من المحسنين. الثاني: أنهم ليسوا من المحسنين لكن تفضل الله عليهم زيادة ما أثابهم به بأن أعطاهم جزاء المحسنين، ولذلك عبر في الأول بالثواب إشارة إلى التفضل، وفي الثاني إلى الجزاء إشارة إلى وجوبه أي أعطاهم الأجر الذي يستحق بالإحسان أي استحقه المحسنون بإحسانهم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... (٨٦)﴾ ذكره هنا لأحد وجهين: إما ليكون تقسيما مستوفيا بذكر الفريقين، وإما بأنه إشارة إلى نعيمهم [بجلب*] الملائم ودفع المؤلم. قال ابن عرفة: فإن قلت: لم عبر في الأول بالخلود ولم يقل هنا: [خالدين فيها*]؟ فالجواب بوجهين: إما لأنه من الجزاء، فبين الثاني لدلالة الأول عليه [وإما] لبيان حال المتقين، والثواب [الذي*] أعد لهم، فناسب فيها الإطناب في حقهم، والاكتفاء في الفريق الآخر بمطلق ذكره من غير إطناب. قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... (٨٧)﴾ ابن عرفة: فيه دليل على أن التنعم بالحلال أفضل من التقشف.

стр. 564

قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا). ما لَا تبالغوا في التحريم والامتناع، بل أو لَا تبالغوا في الدوام على فعل ما نهيتم عنه من اللباس والمطاعم المحرمة شرعا. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ ... (٨٩)﴾ قال ابن عرفة: اليمين إن كانت في الماضي فهي على أربعة أقسام، فإن حلف على ما يتقنه وتبين له خلافه فهو لغو اليمين، وإن حلفه على ما يتيقن خلافه فهو غموس، ولو تبين أنها حق في نفس الأمر، وكذلك لو حلف على أمر مشكوك فيه عنده وإن حلف على مظنون فقولان، وعليه قال ابن الحاجب: قلت: والظاهر أن الظن كذلك وهما قولان منصوصان، وفسرت اللغو بأنه قول الرجل: لَا والله، ونعم والله. وأخذ به الشافعي ﵀ وبعض البغداديين من مذهبنا، وإن حلف على مستقبل فإن كان محالا أو ممكنا والغالب عدم وقوعه، كقوله: بالذي لَا إله إلا هو ما تمطر السماء في هذا العام فهو غموس وإن كان ممكنا فهو كفر، وفيه خلاف. قال ابن عرفة: قال بعضهم: يؤخذ من الآية خلاف مذهب مالك ﵀ من أن هزله في الطلاق أو النكاح لَا يلزم؛ لأن الآية على أنه لَا يؤاخذ المكلف إلا بما نطق به لسانه معتقدا له بقلبه فينبغي أنه لَا يلزم نكاح المهزل ولا طلاق المهزل قياسا على هذا، وأجيب بأنه مقيد، بقوله تعالى: (فِي أَيْمَانِكُمْ) فمفهومه أن اللغو في غير اليمين مأخوذ به، وقد قالوا في البيع: أن هزله جد فيعارض فيه المفهوم والعموم، فإن قلت: إن هنا مفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق، قلت: بل مفهوم الصفة، لأن أيمان جمع يمين وهو مشتق، أو تقول: أن تلك ليست بأيمان. قال ابن عطية: وتشديد عقدتم مبالغة في تكثير أحد الأيمان. ورده ابن عرفة بأنه كذلك وهو في اليمين الواحدة، وهي لغو وغير لغو، وإنما تشديدها مبالغة في عقدها ليخرج اليمين المشكوك في انعقادها. قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ). قيل لابن عرفة: ظاهر الآية أن اليمين يكفر خلاف مذهب مالك ﵀، وأجاب بوجهين: إما لأن الآية لَا تتناول إلا اللغو ولا تتناول الغموس بوجه، وبكون حكم الغموس معلوما من الحديث، أو يكون الضمير عائدا على بعض أفراد العام وقد ذكره بعضهم، أو يكون المراد كفارة حنثه، قال: ويؤخذ من الآية أن الاستثناء حل

стр. 565

اليمين وليس رفعا للكفارة؛ لأن كفارة مبتدأ وإطعام خبره، فأفاد حصر الكفارة في الثلاثة وغيرها ليس بكفارة. قوله تعالى: (إِطعَامُ). على حذف مضاف أي طعام إطعام عشرة مساكين، قيل له: فيؤخذ منه جواز إطعام أقل من عشرة طعام العشرة، فقال ابن عرفة: القضايا عند أهل المنطق أكثرها فعلية وجودية لَا تقديرية، والقضايا التقديرية قليلة. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ ... (٩٠)﴾ ابن عرفة: الخمر من خامر العقل مطلقا، وقيل: الخمر من العينة والأنصاب إن قلنا: إنها الأصنام فيكون عطفها على الخمر دليلا على تحريم الخمر. قوله تعالى: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ). ظاهره أن كونها من عمل الشيطان موجب لتأثيم شاربه، أو ظاهر حديث أبي بكر ﵁: أقول هذا فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، ظاهره عدم الخطيئة فظاهره تأثيم المجتهد المحقق، وهو خلاف الإجماع، قال: والجواب بأن هذا من أبي بكر ﵁ على جهة التواضع. قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). الرجاء مصروف للمخاطب، وتارة يكون رجاء مطابقا حقيقيا تاما، وتارة لَا يكون كذلك، كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) وهذا بحق الله لم يقع. قيل لابن عرفة: يظهر من الآية أنها رد على المعتزلة في أن العقل لَا يحسن ولا يقبح، وإنما التحسين والتقبيح للشرع؛ لأن الخمر والميسر كان عندهم حلالا أعني القليل من الخمر الذي لَا يسكر، فلو كان العقل يقتضي تحريمه لما كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام يشربون القليل منه، فقال: حلالا لمقتضى البراءة الأصلية، قيل له: بل يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم بهم وسكت عنهم، وسكوته عنهم إقرار لهم على ذلك. قال ابن عرفة: وتقدم استشكالنا في حديث حمزة في أنهم شربوا الخمر حتى ثملوا، وقول حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي مع أن الأمم متفقة على حفظ العقول، والجواب عقد بأن المحرم عند الجميع إنما هو الإسكار وقليله لَا يسكر، وكانوا

стр. 566

يشربون القليل منه، حتى فال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ... (٩٣)﴾ قال ابن عطية، عن ابن عباس: سبب هذه الآية لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو يشربها؟ فنزلت. قال ابن عطية: فيها تقرير لهم عمن مات على القبلة الأولى التي كانت لبيت المقدس، فنزلت (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ابن عرفة: بل هذا أقرب وأنفع فإِنه راجع لدفع المؤلم وهو زوال الإثم عمن ارتكبه بشربه الخمر، وحكم القبلة راجع لعدم الحرمان من الثواب على استقبال بيت المقدس، لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فيرجع إلى طيب الملائم. قال ابن عرفة: وأخذوا من الآية مع هذا السبب مطلبين: الأول: جواز ما لَا يطاق؛ لأن الصحابة توهموا عند نزول تحريم الخمر أنه كان شرعياً ما لم يرجع أنه لم يكن عالما تحريمها هو عين تكليف ما لَا يطاق. المطلب الثاني: وقوع تكليف ما لَا يطاق، بمفهوم قوله تعالى: (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) فدل على أن الكفار عليهم مع أنهم غير مكلفين بتحريمها مع أنه لَا يطيقه، قال: وأجابوا من الثاني بأن وقوع التكليف إنما هو فيما علم فيه التكليف، وأما الكفار فلم يعلم تكليفهم قبل نزول هذه، وبه قال: ونفي الجناح باعتبار ظاهر اللفظ لَا يدل على إباحة ذلك بل يحتمل الكراهة باعتبار سياق الآية ووقع الخطاب بذلك والتكليف يدل على الإباحة. قوله تعالى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا). (إِذَا) إما بمعنى إذا أو حكاية حال ماضية. [قال ابن عطية: [وتأول*] هذه الآية قدامة بن مظعون من الصحابة وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة، إلى أن قال: قال الجارود: [لعمر*] (١) أقم على هذا كتاب الله. قال ابن عرفة: إن قلت حد الخمر ليس في كتاب الله، وإنما هو القياس على حد القذف وبالاجتهاد، وحسبما حكى الأصوليون عن سيدنا علي أنه قال: إذا شرب هذى

стр. 567

وإذا هذى افترى [فأرى*] عليه حد الفرية، قال: فالجواب أن الأصوليين قالوا: الأدلة كلها راجعة إلى كتاب الله ومقضيه عنه. قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ... (٩٤)﴾ تنكير شيء إما باعتبار تخفيف أمره وتقليل حكمه، وإما لكثرة أمجاده. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... (٩٥)﴾ ابن عرفة: قالوا: هذا يتناول النهي عن القتل حالة الإحرام، وعن القتل في الحرم فهو من استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا وجاز ذلك هنا؛ لأنه جمع فهو أخف من المفرد وليس هو من القدر المشترك، أو لَا اشتراك بين الحلال القاتل في الحرم، وبين المحرم القاتل في الحل. قال ابن عرفة: وليس المراد قتل الصيد بل النهي عن اصطياده وإن لم يقتله. قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا). فيه ثلاثة أقوال مشهورها، وجوب الجزاء على من قتله متعمدا أو خطأ، وقال ابن عبد الحكم: إنما الجزاء على قاتله متعمدا، وفي خارج المذهب قول آخر بأن الجزاء على المخطئ الناجي فقط. قال ابن عرفة: والآية حجة لابن عبد الحكم، ووجه المشهور أن هذا مفهوم خرج مخرج الغالب فهو غير معتبر، أو يكون بمعنى، قوله (مُتَعَمِّدًا) قاصدا لقتله ناسيا كونه محرما وناسيا كونه في الحرم، وتأول ابن عطية قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) في الجاهلية من قتلكم الصيد في الحرم، ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان مستحلا فينتقم الله منه في الآخرة ويحكم في ظاهر الحكم. قال) ابن عرفة: معناه منتهكا في الفعل؛ لأن الاعتقاد إذ لو كان كذلك لكان كافرا. قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ ... (٩٧)﴾ أي قواما لأمر دينهم. قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ... (٩٨)﴾ قال ابن عرفة: [كان ابن عبد السلام يقول في مثل هذا: أما إن ردت الشدة إلى العقاب الواقع بالفعل [فممنوع*] في الآية بحذف التقابل] أي اعلموا أن الله شديد عقابه وغضبه، وأنه غفور رحيم، فلا يكون في الآية حذف بوجه.

стр. 568

قال ابن عرفة: والترتيب في الآية مناسب. لأن الإنسان في الصحة يغلب جانب الخوف، وهذا الاحتضار والإشراف على الموت يغلب جانب الرجاء والطمع. قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ ... (٩٩)﴾ هي اجتناب فلا يتصور أنها مواعدة منسوخة بآية السيف بل هي حال عمن شهد شهادة. قال ابن عرفة: فيه نظر؛ لأن الجهاد واجب على الرسول، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) فإن قلنا: إن الجهاد من التبليغ فلا تكون منسوخة، وإن قلنا: إنه ليس من التبليغ فالآية منسوخة، والأصل عدم النسخ. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ... (١٠٠)﴾ قال تقدمت مناقضتها. بقوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ). [دلت*] على أن الخبيث أقل من الطيب؛ لأن المميز من الشيء يكون أقل من ذلك الشيء، فتقدم الجواب بوجهين: الأول: أن [**لِيَمِيزَ] جملة [فعلية*]، وهذه شرطية. الثاني: أن الفرق بين التمييز والمميز فلا يلزم من قولك: ميزت الفول من الحمص، أن يكون الفول أقل من الحمص حتى يقول: أخرجت الفول من الحمص [فلفظ التمييز صادق*] على كل واحد منهما، قال: وكنت بحثت مع ابن عبد السلام فيها، وقلت له: هذه تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة؛ لأنهم اختلفوا إذا شهدته؛ [بأن*] يأمر وشهد عشرة عدول بضده، فالمشهور عندنا أن لَا فرق بين العشرة والعدلين وهما متكافئان، وفي المذهب قول آخر بالترجيح، فقوله تعالى: (وَلَو أَعجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ) يدل أن الكثرة لها اعتبار؛ بدليل أنها ما أسقطت هنا إلا الخبيث، قال: ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه، وكنت قلته من عندي ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه. قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

стр. 569

قال ابن عرفة: يحتمل أن يريد أولي العقول النافعة، وذلك قدر زائد على فعل التكليف، وهو الظاهر من كلام ابن عطية، فيكون في الآية وعظ وتذكير، ويحتمل أن يريد العقل التكليفي فقط من غير زيادة عليه. قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ... (١٠٣)﴾ لما تضمن الكلام السابق تقرير حال الجاهلية فيما سبق عقبه ببيان الإنكار عليهم في هذا فأتت هذه الآية احترازا. قال الزمخشري: البحيرة كانوا إذا أنتجت الناقة خمسة آخرها ذكر بحروا أذنيها أي شقوها. وقال ابن عطية: إذا أنتجت عشرة أبطن، قال: وعن ابن عباس إذا أنتجت خمس بطون، وعن مسروق إذا ولدت خمسا، أو سبعا، ولم [يقيده*] بأن آخرها ذكر. قال ابن عرفة: لَا يريد بقوله: خمسا أو سبعا، أنه قول واحد لَا تصل إلى السبع حتى تصير بالخمس بحيرة بل بمعنى أنهما قولان. قال ابن عرفة: والسائبة هي المعلق تسريحها على أمر، [كأن*] أن يقول إذا قدمت من [سفري*] وبرأت*] من مرضي فناقتي هذه سائبة. والوصيلة قال الزمخشري: إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهي لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: [وصلت أخاها*] فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. قال ابن عرفة: إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسا فإن كان آخرها جديا كان لآلهتهم، [وإن كانت عناقا استحيوها]، وإن كانت [جذيا*] وعناقا يستحيوهما، وقالوا: هذه العناق وصلت أخاها [فمنعته من] أن [يذبح*]. قال ابن عرفة: و (جعل) ليست بمعنى خلق؛ لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء ولا [بمعنى*] صير؛ لأنها من [ ... ]، وحذف أحد المفعولين في ظننت اختصارا غير جائز، [فهي*] بمعنى شرع.

стр. 570

وقال أبو البقاء: بمعنى بينها؛ لأن حذف أحد مفعولي جعل اختيارا وإخوانه اختصارا جائز. واختار أبو حيان أنه محذوف اختصارا، وأنها بمعنى صير وقدر ما حصل الله من بحيرة مشروعا. ابن عرفة: والصواب أن يقول ما جعل الله من بحيرة قربة أو قربة منها، قال ابن عطية، وقال أبو حنيفة: لَا يجوز الأحباس والأوقاف قياسا على البحيرة والسائبة والفرق بين. قال ابن عرفة: قال في كتاب الوصايا: إذا قال عبدي يخدم فلانا حياته فمات فلان فاختلف فيه ابن القاسم وأشهب، فقال أشهب: يبطل الحبس ولا يرجع إلى ربه ووجه الاستدلال أنه أخرج المنفعة في نفسه فجعل عدم المنفعة لازما لعدم تلك الرقبة فينتج أن الحبس كذلك لَا يملك خلافا لابن القاسم. وفرق بعض الطلبة بين الحبس والسائبة والبحيرة، فإن الحبس ينتفع به المحبس عليه وهذه الأشياء لَا ينتفع بها أحد على منفعته فلذلك أبطله الشرع، ولأنه قياس في معارضة النص؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حبس وحبس عمر وأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ). دليل على أنهم نسبوا ذلك إلى الله تعالى وكذبوا في ذلك. قال ابن التلمساني: لَا خلاف في كفر من كذب الله تعالى، واختلف في تكفير من كذب على الله. قال ابن عرفة: إن كذب على الله مستحلا فهو كافر بإجماع، وكذلك إن كذب فيما هو معلوم من الدين ضرورة، وإن كان غير مستحل فهو محل الخلاف. قوله تعالى: (وَأَكثَرُهُم لَا يَعْقِلُونَ). قال ابن عرفة: إن أريد العقل البالغ فكأنهم لَا يعقلون فالمراد كلهم، وإن أريد عقل التكليف فالمعنى أن بعضهم يدرك وجه التلبيس ولا يتبعه بل يتبع الخطأ وأكثرهم لغباوتهم جهلوا ذلك ولم يعلموه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ... (١٠٤)﴾

стр. 571

قال ابن عرفة: استدل بها بعضهم على منع التقليد، قال: والتقليد في التوحيد منعه بعضهم وأجازه بعضهم، ومنهم من قال: إن التقليد إذا كان توسطا فهو مؤمن كإيمان العوام فإنه مستند إلى خلق الله تعالى للسماوات والأرض، وقال آخرون: المقلد في غير الإيمان مؤمن عند الله، قال: وإنما هو مؤمن في الظاهر فقط. وسمعت عن الفقيه المدرس أبي العباس أحمد بن عيسى الصحابي أنه كان يسأل العوام وبعض جهلة الأعراب فإِذا رآه أخطأ في بعض عقائد التوحيد، قال له: أنت كافر وقرر له العقيدة حتى سمعت أنه أباح لمن هذه حاله أن يرد مطلقته بالثلاث؛ لأنه طلقها في حال الكفر، وطلاق الكفر باطل، وكذلك نقل عن تلميذه عبد الرحمن أبي عيسى المدرس الآن ببجاية والله أعلم بصحة ذلك، وهذا خطأ صراح لَا يحل. قوله تعالى: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). إن قلت: كيف هذا مع أن لولا ما تدخل على الأمر المستقبل وجوده، وإنما ينكر عليه اتباع آبائهم العالمين لَا الجاهلين؟، قال: فالجواب أنه من باب أحرى أي أنكر عليهم أولا تقليد من يعلم، ثم أنكر عليهم من باب أحرى تقليد من لَا يعلم. قوله تعالى: (لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا). قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن كان العقل غير العلم يكون تأسيسا، وإن كان العقل هو العلم، [فإن*] العقل بعض العلوم الضرورية فيكون [راجعا للعلم الأول*]، والعقل راجع للعلم المستفاد من التعلم، قيل له: يرجع الأول للعلم الضروري، والثاني للعلم النظري. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ... (١٠٥)﴾ ابن عرفة: هذه الآية تدل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان المنكر عاما فهو فرض عين، ويجب باعتبار الأشخاص فمن هو مقبول القول فيجب عليه ومن دونه يضعف الوجوب في حقه بقدر تفاوتها في قبول القول وهذا إن تحقق قبول قوله، وإن ظن فقولان بناء على أنه من باب المعلومات فلا يكفي فيه إلا العلم أو من باب العمليات فيكفي فيه غلبة الظن، والمسألة مذكورة في أصول الدين، وفي الفقه، وكذلك إن تحقق أنه نشأ عنه مفسدة فإنه يسقط عنه الوجوب ما لم يخش استحلال المكلف ذلك فإِنه يجب عليه التغيير، انظر ذلك وحققه. قوله تعالى: (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

стр. 572

دليل على أن الترك فعل؛ لأنه لم يقدمها إلا ترك النهي عن المنكر. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا ... (١٠٧)﴾ قال ابن عطية: (عُثِرَ) استعارة لما يوصل إلى علمه بعد عقابه علما اتفاقيا من غير قصد. ابن عرفة: ومنه العثور على الدقائق، ومنه العثرة وهي السقطة، وكان يتعقبه بقول إمام الحرمين في حد النظر الصحيح هو الذي يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل وهو لَا يكون إلا عن نظر. وقوله (اسْتَحَقَّا إِثْمًا). المراد به الشاهدان، فإِما أن يكون معناه، استوجبا إثما، أي بأن يحقق أنهما اتصفا بالإثم، وإما أن معناه [اغتصبا*] مالا، فالأول: راجع لتحقيق اتفاقهما بذلك، والثاني: راجع لدعوى المدعي عليهما أنهما [اغتصبا*] مالا بشهادتهما، وكان الطلبة يسألون كيف يرتب الجواب على هذا؛ لأنه إذا حقق اتصاف الشاهدين بالإثم، أو تحقق اقتضائهما المال سقطت شهادتهما فلا يحتاج الخصم إلى [الحلف*] بوجه، فكيف صح أن يقول: فآخران يقومان مقامهما؟، وأجيب بأن هذا يطرد أن لو قيل: فإن استحقا إثما، والجواب أنهما استوجبا إثما، فكذلك يحلف الآخر لَا على التهمة. قوله تعالى: (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا). جعله أبو حيان مصدر. ابن عرفة: ليس بمصدر حقيقة بل مشبه بالمصدر، مثل: ضربته ضرب الأمير ليس من فعل الضارب بل مشبه به فكذلك المعنى فآخران يقومان تشبيها بقيامهما. قوله تعالى: (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا). قال ابن عرفة: انظر هل هذا مثل قولهم العسل أحلى من الخل؛ لأنهما إنما يحلفان أن شهادتهما هي الحق وأن الأخرى باطلة، أو أن شهادتهما حق ويحلفان كذلك؛ لأنه تقرر [إذا تعارضت بينتان أيهما أحق فإنه*] يقدم التي هي أجود وأرجح، والظاهر الأول.

стр. 573

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ... (١٠٨)﴾ قال ابن عرفة: أو هنا إما على بابها أو بمعنى الواو، فالمعنى أن شهدوا، وما إن كانت بمعنى الواو فهو من تقديم المسبب على سببه؛ أي: يخافوا فيأتوا بالشهادة على وجهها، وإن كانت على بابها فالمعنى: إما أن يشهدوا. قوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). جعله ابن عطية عاما مخصوصا، وإن جعلناها حقيقة، وقلنا المراد حين فسقهم فيكون فيه تحصيل الحال. قال الزمخشري: لَا يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، ففسرها على مذهبه؛ لأن الفاسق عنده في النار، وإما أن تقول المراد بالفاسق الكافر وتفسيرها بما قال. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ ... (١٠٩)﴾ قيل: العامل في يوم ما تقدم من قوله (لَا يَهْدِي). ابن عطية: وهو ضعيف. ابن عرفة: لأنه حمل الهداية على معناها الشرعي العرفي وهو الهداية المستلزمة للثواب والعقاب، وذلك إنما هو في الدنيا لأن يجازى به في الآخرة. قيل له: إنما الهداية مجردة الإيمان، فقال: هي خلق الإيمان التكليفي والدار ليست بدار تكليف، وإن حملنا معنى الهداية على ما قال الزمخشري: [(لا يَهْدِي) أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم*]، فيصح أن يعمل في يوم، وقيل: العامل فيه اذكر. ابن عرفة: لكن إن عمل فيه يهدي يكون يوما ظرفا، وإن عمل فيه اذكر يكون مفعولا به، وقيل: العامل فيه اسمعوا. ابن عرفة: فهو على حذف مضاف، أي اسمعوا تلاوة يوم يجمع الله الرسل، واليوم في اللغة يراد به النهار والليل. قال مالك في كتاب الإيمان من المدونة: فإذا حلف لَا كلمت فلانا اليوم أي لا يكلمه في النهار ولا في الليل إلا أن ينوي النهار وحده. قال ابن عطية: وخص الرسل؛ لأنهم قادة الخلق وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق، ابن عرفة: فجعل دلالته على جمع الخلائق دلالة أخرى وهي دلالة الالتزام

стр. 574

واستعمال اللفظ في الملزوم وحده مجاز بلا خلاف، وهي مدلوله وحده حقيقه ومجازه. وكان بعض المحققين يقول: إن استعمل في مدلوله ولازم مدلوله العقلي فهو حقيقة كدلالة لفظ العشرة على الزوجية حقيقة، ومن لوازمها الانقسام بمتساويين فهو لازم عقلي لَا ينفك، وكدلالة لفظ الإنسان على ذاته حقيقة ويستلزم عقلا التحيز والجهة، وأما اللازم الخارجي الذي قد يترك فليس بحقيقة وهذا منه. قوله تعالى: (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). نقل ابن عطية عن مجاهد أنهم يفزعون فزعا، فالفزع ثابت، والحزن به منفي فلا يبطل ما قاله ابن عطية. وقال ابن عباس: لَا علم لنا إلا [علما*]، أنت أعلم به. قال ابن عرفة: هذا سؤال [تقريع وسؤال التقريع*] يفهم منه تكليف امتثال الأمر [بالجواب] عما سئلوا، فكيف قالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا) قال: والجواب أنهم غلبوا مقام التوحيد على مراعاة طلب الامتثال لما سئلوا عنه. [وحمله] الزمخشري على أن السؤال [توبيخ قومهم*] لَا عذابهم، والجواب [إظهارا*] للتشكي بحالهم معهم، فلا يرد عنه ما قلناه، وهذا يحتمل أن يكون قولا منه للرسل مباشرة، أو على لسان بعض ملائكته، [ولا يحملها*] الزمخشري على أنها سؤال، [فيكون تبكيتا لقوم، وثناء على آخرين*]. قال: واختار ابن هشام في شرح الإيضاح كون الإضافة للفعل، واستدل عليه بمواضع من كلام سيبويه، واختار ابن عصفور في مقربه كون الإضافة للجملة، والمصدر المفهوم من الفعل، والآية دلت على أن الرسول أخص من النبي. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ... (١١٠)﴾ قال أبو حيان: المنادى المفرد العلم إذا وصف بابن مضاف إلى علم أجاز الجمهور فتحه اتباعا لـ (ابْنَ). وأجاز الفراء تقدير الضمة والفتحة في المعتل فإن جعلت ابنا بدلا أو منادى لم يجز في المنادى العلم إلا للضم.

стр. 575

وقال بعضهم: يجوز في عيسى أن يكون محل رفع؛ لأنه منادى وصرفه غير مضاف، وأن يكون في محل نصب؛ لأنه في صفة الإضافة، ثم جعل ابن توكيدا، وما كان مثل هذا جاز فيه الوجهان، وأنشدوا: [يَا حَكَمَ بنَ الْمُنْذِرِ بْن الجارودُ ... أَنْت الجوادُ ابنُ الْجواد المحمودْ*] قال ابن عرفة: كذا أنشدها السابقون، وأنشد سيبويه شطرها الأول فقال: ابن ولاد ابن خروف تمامها ... فترادف الجود عليك موجود وأنشد ابن عصفور في مقربه. قال الكسائي: أنها إذا لم تكن فيه وألحقها بعد ذلك. ابن عرفة: أنشدها لما ذكر ابن إذا وقع بين علمين، وما جرى مجراهما أو بين اسمين متفقين في اللفظ، وإن لم يكن علمين يجوز اتباع المنادى لابن، قال: أنشد الفراء: [** يا غنم ابن غنم محبوسة ... فيها يقام وبعبق رحيق] قلت: وقال السفاقسي: [كلام أبي حيان هنا*] ليس بشيء. لأن ابن إذا جعل توكيدا اختل المعنى، وأظنه التبس عليهم باسم [علم*] هدى، وقد جعل أبو القاسم ابن الجمل باسم ابن زيد بن عمرو، ومثل باسم بني عدي وهو [ ... ] حال. ابن عرفة: ولأن يتم يمكن زيادته؛ لأنه أسقط لم يختل، قال: وكان بعضهم يفرق بين نسبة الابن إلى الأب وبين نسبته إلى الأم فإن نسبته إلى الأب غير لازمة شرعا كآدم وعيسى، وكذلك ولد الزنا ونسبته إلى الأم لازمة، وهنا إذا نسب إلى الأم فهو توكيد. قوله تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي). قال ابن عطية: الإذن هنا التمكين مع العلم بما يصنع ومن يقصد من دعاء النَّاس إلى الإيمان. وقال الزمخشري: بإذني أي بتسهيلي. ابن سلامة: هذا على مذهبه في أن العبد يخلق أفعاله. قوله تعالى: (فَتَنْفُخُ فِيهَا)

стр. 576

ابن عطية: هو النفخ المعلوم من البشر، وإنما جعل الله الأمر هكذا ليظهر تلبس عيسى بالمعجزة وصدورها عنه، وهذا كطرح موسى العصا، وكإيراد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم [القرآن*]، وهذا أحد شروط [المعجزات*]. ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأنه شرط المعجزة التلبس بها وصدورها عن كسب فإذا صدرت عن غير كسب، وهي التي لم تتلبس بها كانشقاق القمر لم يكن معجزة فليس الأمر كذلك، قلت: وتأولوا كلامه بوجهين: الأول: أن يراد بالتلبس مطلق الملابسة وهو التحدث بالمعجزة وتسببه فيها إما بقول أو فعل ونحوهما. الثاني: قال وفي الآية عندي سؤال وهو أن عرف القرآن أن الشيء إن كان من بعض مقدور النبي لم يحتج إلى الإذن. وكان بعضهم يقول: الصواب العكس وجاءت الآية على العكس. قيل لابن عرفة: إنما يراد هذا على تفسير ابن عطية الإذن بالتمكين مع العلم، ولنا أن تفسيره بالإباحة؛ لأن التصوير منهي عنه شرعا ويكون احترازا من المنهي عنها، أو يفسر الإذن بالقدرة وردها إلى النفخ فإن النفخ أمر غريب، قلت: وقوله: وعرف القرآن إلى آخره، مثاله (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، وقوله تعالى: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وقوِله سبحانه (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا). وقوله تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ ... (١١١) الوحي في اللغة الإلهام أو الأمر، ابن عرفة: فالأول ظاهر، وعلى الثاني يكون أمرهم على لسان عيسى، وأما بالدلائل الدالة على أن من أظهرت على يديه المعجزة فهو رسول صادق من عند الله. قوله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا). دليل على جواز أنا نؤمن من غير استثناء إن قلنا إنه خبر، وإن كان إنشاء فلا دليل فيه. قوله تعالى: (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ). دليل على أن مغايرة الإيمان والإسلام وإن كان تأكيدا، وأجيب بأن المغايرة حاصلة من أن الثاني بالاسم والأول بالفعل. قيل لابن عرفة: هذا إن قلنا: إن الإيمان يزيد وينقص، وإلا فلا مغايرة.

стр. 577

قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... (١١٢)﴾ قرأ يستطيع بالتاء، أبو علي: يفهم إما بتقدير تستطيع بالتاء سؤال ربك، أو يستطيع أن ينزل ربك بدعائك، أبو حيان: فعل الله وإن كان سببه الدعاء فليس مقدور، السفاقسي: إن أراد حقيقة فمسلم ومجازا فممنوع إلا أن تقدير السؤال أحسن؛ لأن فيه إضمار فقط، وفي الثاني مجاز وإضمار، ابن عرفة: بل تعارض المجاز وحده مع الإضمار وحده. قوله تعالى: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا ... (١١٣)﴾ إرادة حقيقية أو بمعنى تقصد أن تأكل منها. قوله تعالى: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا). دليل على أن العقل في القلب وهو مذهب جمهور الفقهاء وأقل الفلاسفة، ومذهب أكثر الفلاسفة وأقل الفقهاء أن العقل في الدماغ. قال ابن رشد في المقدمات وغيره: فإن قلت: قد نص النَّاس على أن العلم النظري أشرف من العلم الضروري؛ لاشتماله على الاستدلال بالمقدمتين والنتيجة، وهذه الآية اقتضت أنهم أرادوا الانتقال من العلم النظري إلى العلم الضروري فكيف يصح ذلك، قال: والجواب أنهم أرادوا الانتقال من علم نظري دليله خفي إلى علم نظري دليله جلي واضح. قوله تعالى: (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ). قال ابن عرفة: فيه عندي دليل على أن خبر التواتر في المسائل الاعتقادية يفيد العلم وهو المعروف عند الأصوليين خلافاً لبعض غلاة الفلاسفة هذا إن كان هذا خبر تواتر، وإن كان خبر آحاد وقلنا: أن شرع من قبلنا شرع لنا فيكون دليل على أن خبر الواحد يفيد العلم؛ لأنهم قالوا: ونكون عليها من الشاهدين لغيرنا أي: المخبرين لغيرنا فقد اعتقدوا أن ما يفيد الظن وهو خبر الواحد يصح العمل به في المسائل الاعتقادية القطعية العلمية فاعتقدوا أن غيرهم يقبل خبرهم ويعمل عليه، وليس هذا بشهادة وإنما هو خبر، وهذا كله إن قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا، ففي الآية دليل إما على أن خبر التواتر يفيد العلم، أو خبر الواحد يفيد العمل به. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ... (١١٦)﴾

стр. 578

قال ابن عرفة: إن كان هذا القول في الآخرة فهو توبيخ للكفار، وإن كان في الدنيا فهو استنطاق له لينطق بالتبرئة بمحضر الملائكة، والقول إما مباشرة أو على لسان ملك، وفرق البيانيون بين قولك: أنت قلت هذا القول، وبين قولك: قلت أنت هذا القول، فإذا دخل الاستفهام على الفعل يكون إنكارا للفعل، فإذا دخل على الاسم يكون إنكارا للنسبة أي لنسبة الفعل إلى من أسند إليه، فالمقالة هنا واقعة لكن الإنكار إنما تسلط على نسبتها إليه، فإن قلت: هم إنما اتخذوهما إلهين مع الله لَا من دونه، قلنا: القدر الذي عبدوهما فيه من دون الله، وأيضا فمقام الربوبية يقتضي الاختصاص بدليل التمانع بكونهم شركوا الغير مع الله يقتضي عبادتهم له من دونه وكأنهم لم يعبدوا الله أصلا. قوله تعالى: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ). قال ابن عرفة: نفى هنا الأخص ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، لقوله (مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) فلو حذف لي وقال: ما ليس بحق بالإطلاق لكان النفي أبلغ؛ لأنه يقول ما هو حق له، ألا ترى أن الشخص إذا قال: لَا أطلب ما ليس لي بحق يفهم أنه يطلب ما هو حق له؟ فلو قال: لَا أطلب ما ليس بحق بالإطلاق، والجواب أن الأمر في هذا كله مستو بينه وبين غيره فالأخص منهما مساو للأعم فيلزم من نفيه نفيه. قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ). ابن عرفة: كان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم السبيلي ذكر في الخطبة: النفس في الله فأنكرها عليه ابن مرزوق، فرد عليه بهذه الآية فسكت وسلم له. ابن عرفة: وهو خطأ؛ لأن هذا إنما هو على سبيل المشاكلة مثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ). قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ... (١١٧)﴾ ابن عرفة: هذا الحصر تارة يكون لازما وتارة يكون غير لازم، يقول: ما قتل عمرو إلا الفلج، فإن خاطبت من يعتقد أن الموالي لَا يتجاسرون على قتل أشراف الأحرار ويجوز أن يكون غيره قتله، ولا يجوز أن يقتله غيره لما فيه من الجرأة والإقدام على عظائم الأمور دون من سواه كان الحصر تأكيدا، والخطاب هنا لله تعالى العالم بخفيات الأمور، فهلا قال لهم: ما أمرتني به دون أداة الحصر. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بما تقرر في علم المنطق من أنه لَا تناقض بين النقيضين الوقتيين ولا بين المطلقتين، ولا بين المطلقة والوقتية، كقولك: زيد قائم

стр. 579

الآن، ولو قال هنا: قلت لهم: ما أمرتني به ليحصل الجواب على قوله (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فلما قال: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) كانت دائمة والدائمة تناقض الوقتية والمطلقة فحينئذ يتم الجواب، قال السفاقسي: وقوله (أَنِ اعْبُدُوا) تفسير للجملة المتقدمة على إلا، فرده ابن عرفة بأن مقابل إلا منفي فيلزمه أن يكون أن اعبدوا الله منفي وهو باطل، أو لَا يفسر المنفي بالمثبت. وقال ابن المنير: قال أهل العربية: القول يأتي بعده الفعل المفسر له مقرونا بأن تارة وتارة غير مقرون به. وقال ابن عصفور: لَا يأتي بعده الفعل إلا غير مقرون بأن. قال الزمخشري: إن جعلناها مفسرة فلا بد من تفسير والمفسر إما قلت، أو أمرتني وكلاهما لَا وجه له، أما القول فيحكي بعده الجمل من غير أن توسط بينهما حرف النفي لَا بقول ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، ولكن ما قلت لهم: إلا اعبدوا الله. قال ابن عرفة: بل إذا قلت: ما يكون تفسيرا بمتعلق القول المفهوم من قلت أي ما قلت لهم إلا قولا هو أن اعبدوا الله وإلا فقولا أو شيئا هو أن اعبدوا الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ... (١١٨)﴾ قال ابن عرفة: إن كنت أردت تعذيبهم فهم عبادك، وإن أردت المغفرة لهم، ولذا جاء بقول العزة؛ لأنها سبب المغفرة، فتقف عند قوله (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). قال الفخر الرازي: إن مصحف عبد الله إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، سمعت شيخي ووالدي ﵁، يقول: العزيز الحكيم هنا أولى من الغفور الرحيم؛ لأن كونه غفورا رحيما نسبة الخلق الموجب للمغفرة والرحمة لكل محتاج، وأما العزة والحكمة فهما لَا يوجبان المغفرة فإن كونه عزيزا يقتضي بفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فإنه لَا اعتراض لأحد، [فَإِذَا كَانَ عَزِيزًا *] متعاليا من جميع جهات الاستحقاق ثم حكم بالمغفرة [كان*] الكرم هاهنا أتم عما إذا كان كونه غفورا رحيما بسبب المغفرة والرحمة، [فَكَانَتْ عِبَارَتُهُ ﵀ أَنْ يَقُولَ: عَزَّ عَنِ الْكُلِّ. ثُمَّ حَكَمَ بِالرَّحْمَةِ فَكَانَ هَذَا أَكْمَلَ *].

стр. 580

وقال قوم آخرون: لو قلت: فإِنك أنت الغفور الرحيم دل ذلك على أن [غرضه*] تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا [ ... ] من جميع الوجوه، انتهى. قال ابن عطاء الله في لطائف المنى: إن الشيخ أبا العباس قال: إنما عدل عن قوله: فإِنك أنت الغفور الرحيم إلى قوله: العزيز الحكيم؛ لأنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم لكان شفاعة من عيسى ﵇ لهم في المغفرة، ولا شفاعة في كافر؛ ولأنه عبد من دون الله فاستحيا من الشفاعة هذه وقد اعتذر عنه، انتهى. ابن عرفة: كان الفقيه حازم كاتب المستنصر أمير المؤمنين يرى الوقف على قوله تعالى: (وَإِن تَغفِرْ لَهُم) [ويبتدئ*] (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لاعتقاده أن (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مستأنف لَا جوابا لشرط، وقال: إنما يكون جوابا لو كان فإِنك أنت الغفور الرحيم. وكان ابن عبد السلام يستحسنه، قال: وما قالاه ليس بشيء ولا يصح الوقف إلا بعد الحكيم عندي؛ لأن (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هو الجواب، قال: وعندي في ذلك مسألة النحويين من أن حرف الشرط إذا دخل على المستقبل وجب ذكر جوابه بخلاف دخوله على الماضي فإنه يجوز حينئذ ذكره وحذفه، قلت: على الفقيه حازم أيضا من وجه آخر، وذلك؛ لأن حاصل ما يدعيه أن قوله (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) لَا يناسب (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) والحق أنه مناسب مناسبة لطيفة تخفى على الأكثر، ولذلك قال علماء البيان في هذه الآية الكريمة أنها من خفي تشابه الأطراف، فإِن قلت: ما حقيقة تشابه الأطراف؟ قلت: هو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، فإن قلت: كيف ختم الكلام في هذه الآية الكريمة بما يناسب أوله في المعنى؟ قلت: قال القزويني في إيضاحه: إن العزيز هو الغالب من قولهم: من [عزَّ بزَّ*] أي من غلب [استلب*]، والغالب على الحقيقة هو ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، والحكيم هو الذي يضع الأشياء في محلها والله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفي وجه الحكمة في بعض أفعاله يتوهم بعض الضعفاء أنه خارج عن الحكمة، وإذا فهمت معنى هذين الصفتين علمت أن الواجب ما عليه التلاوة، والمتصف بهذين الوصفين هو الذي

стр. 581

يغفر لمن يستحق العذاب على الحقيقة فصار الوصفان المذكوران يدلان على معنى لم يدل عليه الغفور الرحيم، فكأنه يقول: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم بأحد وجهين: إما بأن جواب الشرط الثاني محذوف له المعنى أي فإنك إن تغفر لهم فأنت الغفور الرحيم، وإن قلنا: بأن الشرطين في معنى شرط واحد مركب من جزأين وجوابهما بينهما مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، أي إن تغفر لهم أو تغفر لهم فهم عبادك، وأوردوا عليه أن الشرط لَا يحذف جوابه إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا [وأما في*] المستقبل، فلا؛ لأنه يؤدي إلى منهيات العامل للعمل وقطعه عنه فيبطل الجواب الأول ويبقى الثاني. قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ... (١١٩)﴾ قال ابن عرفة: هنا مقامان: مقام التوحيد، ومقام التكليف لعيسى ﵊ غلب مقام التوحيد واعتبره والأمور كلها فيه منسوبة، فلا فرق بين التعذيب ولا بين المغفرة؛ لأن الكل عبيده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا حسن ولا قبح باعتبار مقام التكليف من صدق في عمله وطاعته انتفع ومن خالفه عذب. ابن عرفة: وهو المراد بصدق الأعم أو الأخص الذي ذكره ابن التلمساني لما عرف الخبر بأنه الذي يحتمل الصدق والكذب، قال: فإن قلت: المراد هنا الأخص؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ولا ينعكس. قال أبو حيان: وقرر صدقهم بالنصب وهو مفعول من أجله. ابن عرفة: شرط المفعول من أجله أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل يستقيم على مذهب أهل السنة؛ لأن الأفعال كلها لله ويشكل على مذهب المعتزلة كالزمخشري وغيره، ولا يصح أن يراد الصدق في الآخرة إذ ليست بدار تكليف ولا في الدنيا؛ لأن المراد صدقهم في الآخرة فيما يجب به في قوله (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ). وأجاب ابن عرفة بأن المراد استمرار الصدق، ونحو قول المنطقيين إن النتيجة ليست عين الكبرى ولا عين الصغرى وحدها ثم أجابوا عنها بأنها عينها، ورده ابن عرفة بأن الاستمرار في الآخرة وليست دار تكليف، وأجاب بأن المراد الاستمرار باعتبار تقدم سببه في الدنيا. * * *

стр. 582

سُورَةُ الْأَنْعَامِ قال ابن عطية: السورة مكية إلا آيات ستة. قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام ينكر ما يفعله العوام من أنهم يقرأونها في مرة واحدة بناء على أنها منزلة دفعة واحدة، قال: لأن الذي في كتب التفسير وفي الحديث الصحيح أنها أنزلت في مكة إلا ست منها. قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ... (١)﴾ أفرد الأرض إما لأنها واحدة، أو لأن المشاهد لنا منها أرض واحدة بخلاف السماوات. قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). جعل بمعنى صير، والظلمات إما أمر وجودي أو أمر عدمي بناء على أن العدم الإضافي جعلي فيصح أن يكون أثر القدرة أولا، وجمع الظلمات وأفرد النور إما لتشعب طرق الشرك وطريق الحق واحدة. قال بعضهم: ويؤخذ منها أن في التوحيد والاعتقاد النور. قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا). العطف بـ ثم؛ لأن من ظهرت له الدلائل السمعية الظاهرة يبعد كفره مع وجودها. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ... (٢)﴾ قال ابن عرفة: الظاهر عندي أنه الأجل هو الأول هو الأجل المعتاد كقولهم في المفقود: أنه يعمر سبعين سنة، وقيل: ثمانين أو تسعين أو مائة وعشرين فهذا أجل مقتضى معتاد، والأجل المسمى عنده هو أجله الحقيقي الذي قدر له في اللوح المحفوظ، وكذلك أصحاب الصنائع كلها. قوله تعالى: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ). قال الزمخشري: فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جديد ولي بعد كيس، قال: أوجب التقديم، قلت: أوجبه أن المعنى: وأي أجل مسمى عنده تعظيما لشأن الساعة فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.

стр. 583

ابن عرفة: فإن قلت: الذي نص سيبويه وغيره على أن الأصل تقديم المبتدأ المسند إليه على المسند، قلنا: إما باعتبار حقيقة ذلك فهو الأصل، وإما باعتبار الكلام فالأكثر في كلامهم تقديم المسند فيقال: عندي ثوب جديد. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ... (٣)﴾ ابن عرفة: احتج بها من يقول بالتجسيم، واحتج آخرون على منعه باستحالة حلول الجوهر الواحد والجسم الواحد في مكانين في زمن واحد، قيل لابن عرفة: لعله غير متناه فيحل في السماوات، وفي الأرض، يقال: جعل بعضه في هذه وبعضه في هذه، أو الآية اقتضت [ ... ] كله في الأرض [ ... ] وأنها لقوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) أي بعلمه وإحاطته. قوله تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ). هذه دليل على أن متعلق الحواس الخمس من قبيل المعلومات بعد تقرير أن صفة السمع مغايرة لصفة البصر. وقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قيل: هو كلام النفس، وقال بعضهم: هو الكلام قبل كونه سرا. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ قال الزمخشري: من الثانية للتبعيض. ابن عرفة: ويحتمل أن يكون لبيان الجنس تعظيما للآية وتنزيلا لها منزلة كل الآيات إشارة إلى أن كل آية في نفسها عظيمة تقوم مقام الآيات الكثيرة. قوله تعالى: (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ). من شرط قيام الصفة بالموصوف عدم اتصافه بضدها وهم لما أتتهم الآية الثالثة على صدق الرسول المشروطة بالنظر أعرضوا عنها، ولم ينظروا فلو نظروا لآمنوا فشرط الإيمان النظر في الآية فاتصفوا بضد شرطها وهو الإعراض. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ... (٥)﴾ ... إشارة إلى غوايتهم وشدة تعنتهم في مبادرتهم بالتكذيب بنفس المجيء من غير تأن ولا تأمل.

стр. 584

قوله تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ... (٦)﴾ التمكين فيها هو جوزها جوزا يستلزم التصرف فيها بما شاء من أنواع التصرفات. قال الزمخشري: مكن لعاد وثمود وغيرهم في البسطة في الأجسام والسعة في الأموال واستظهار بأسباب الدنيا. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ ... (٧)﴾ قال ابن عطية: يشبه أن يكون سبب نزول هذه اقتراح عبد الله بن أبي أمية وتعنته إذ قال للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: لا أومن لك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل بكتاب فيه من رب العزة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك. قال ابن عرفة: سبب في ما لَا يصح أن يقرر به مناسبتها لما قبلها بوجه، قال: وإنما سبب نزولها عندي أحد أمرين، إما لأنه لما تقدمها التنبيه على وعظهم وتخوفهم بأنه أرضيته وهو وجود أعم قبلهم تعنتوا وخالفوا فأهلكوا، ومع ذلك فلم يتعظوا بهم ولم ينفع ذلك فيهم عقبه ببيان أنهم لو نزل عليهم آية سماوية لما آمنوا، وإمَّا لأن الأول إخبار لهم عن قوم مضوا كانوا كفروا عقبه ببيان أنهم كما لم ينفع فيهم الإخبار عمن هلكوا بعد أن كفروا كذلك لَا ينفع فيهم الأمر الغريب المشاهد الذي لمسوه بأيديهم. قال ابن عرفة: والآية تدل على أن العلوم تتفاوت فالعلم المحسوس هو أقرب وهذا نظير ما قرروه من أن النظر يعرض له الغلط والاختلاف خلاف اللمس. قوله تعالى: (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا). هذا من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: لقالوا. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا ... (٩)﴾ قال ابن عرفة: هذا من القياس المقسم أي لو جعلناه ملكا لما آمنوا؛ لأنه إما أن يجعل ملكا على صورة الملائكة، أو ملكا على صورة رجل، فإن جعل على صورة الملائكة فلا يستطيعون النظر إليه وإن نظروا إليه هلكوا، وإن جعل ملكا في صورة رجل فإنهم يتشككون فيه ويدعون أنه غير رسول. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون أن هذا من ترتيب الشيء على نقيضه إذ لَا يقال: لو كان البحر متحركا لكان ساكنا؛ لأن اجتماعهما محال، قال: وأجيب بوجهين:

стр. 585

إما أنه من الترتيب على المحال والمحال قد يستلزم محالات، وإما أن ذلك في الأمر العقلي وهذا أمر جعلي شرعي فيصح كون النتيجة مناقضة للمقدم. قوله تعالى: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ). قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: انظر هل هذا مثل: ضربته ضربا، أو مثل: ضربته ضرب الأمير، قال: والجواب أنا إذا بنينا على مذهب المعتزلة في أن العبد يخلق أفعاله فهو مثل: ضربت ضرب الأمير، وكذلك إن بنينا على مذهب أهل السنة في [إثبات*] الكسب، وأما إن بنينا على مذهبه من [نفى الكسب*] وقال: لَا فاعل إلا الله فهو مثل: ضربته ضربا. قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ... (١١)﴾ قلت: معناه إباحة السير للتجارة وغيرها في الأرض، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، وعطف بـ ثم لتباعد ما بين الواجب والمباح. وقوله تعالى: (فَانْظُرُوا). جعل النظر مسببا عن السير لم يسيروا لأجل النظر فجعل السير عن النظر فيكون السير سببا ومسببا، وهذا تناقض، وأجاب ابن عرفة بأنه سبب بوجهين واعتبارين فالنظر سبب في السير بأن يكون هو [العلة الغائية*] فهو سبب ذهني، والسير سبب وجودي موصول إلى النظر. قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ الصواب أن يرجع إلى ما تقدم أي فهم لَا يؤمنون بالمعاد وبجميع ما سبق فلذلك كانوا خاسرين. قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾ إما أن يراد نفس السكون وهو أكثر من نفس الحركة، إذ لَا حركة إلا وقبلها سكون، ولأن الحركة نفسها دالة على الحدوث وأن لها خالقا بخلاف السكون. قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ). لف ونشر. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ... (١٤)﴾ هذا ما يفهمه إلا من قرأ أصول الدين وعلم أن الغيرين يطلقان على المثلين.

стр. 586

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ وفيه دليل على أن عظم المظروف يستلزم عظم الظرف، أبو حيان: هذه جملة شرطية فلا موضع لها كالاعتراض بالقسم. وقيل: هي في موضع نصب على الحال، أي قل: إني أخاف عاصيا ربي، وأبطله ابن عرفة: من جهة المعنى، قال: والصواب أن يقول: قل إني أخاف مفروضا عصياني (رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). قال ابن عرفة: والآية دالة على صحة المقدمة الكبرى. وقول الفخر في المعالم: تارك المأمور به عاص، وكل عاص يستحق العذاب، فأفاد ترتيب العذاب العظيم على مطلق العصيان، وفيه رد على من يقول إن العصيان على تارك المندوب، لقوله تعالى: (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وفيه دليل على أن عظم المظروف يستلزم عظم الظرف، ولولا ذلك لما وصف اليوم بقوله (عَظِيم)، وفي لفظ الرب إشارة إلى شدة خوفه. لأنه إذا خاف من الله حالة استحضار رأفته ورحمته فأحرى أن يخاف منه حالة استحضار عزته وقهره. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ... (١٦)﴾ أبو حيان: مفعول يصرف محذوف اختصارا تقديره: أي شيء يصرف الله العذاب عنه. وجعل أبو علي المفعول المحذوف متميزا عائدا على العذاب، قال: وليس حذف الضمير بالسهل. قال ابن عرفة: لَا صعوبة فيه؛ لأنه إن رد الصعوبة بحذف المفعول فلا صعوبة فيه، وإن ردها بحذف الضمير العائد على من فليس بمحذوف بل هو المجرور بـ عن ومن يصرف عنه العذاب عنه. قوله تعالى: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ... (١٧)﴾ إن قلت: لم حصر كشف الضر في الله تعالى ولم يخص [غيره*] بالصرفية، قال: والجواب بما تقرر في علم أصول الدين أن [الموصوف*] بالشيء قادر على الاتصاف بنقيضه، فلما حصر كشف الصرفية؛ دل على أن غيره لَا يكشف الضر إذا لم يقدر على

стр. 587

كشف الضر، لم يقدر على نقيضه، وهو إيقاع الضر؛ لأن القادر على الشيء قادر على نقيضه، قيل له: أنا قادر على إدخال إصبعي في الخاتم، ولا يقدر على إخراجه، وقال: لم يقدر قط على إدخاله. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ... (١٨)﴾ ابن عرفة: الفوقية إما إشارة إلى قهره واستيلائه على العباد، أو بمعنى أنه فوق ما يظن من القهر والغلبة. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ... (٢٠)﴾ قال ابن عطية: قيل: الضمير عائد على التوحيد، وهو استشهاد في ذلك على مشركي كفار قريش بأهل الكتاب وهو منقطع عن الأول؛ لأنه يصح أن يستشهد بأهل الكتاب ويأتون في آية أخرى. ابن عطية: يصح ذلك لوجهين واعتبارين، والحسن ما شهدت به الأعداء، والمعرفة: قال الفخر: إنها راجعة إلى التصويرات، والعلم للتصديق، وأورد أن قولك: عرفت زيدا تصديق لَا تصور؛ لأنه حكم واجب بأن المراد المتعلق متعلق العلم محكوم به ومحكوم عليه؛ لكونه يتعدى إلى مفعولين، ومتعلق المعرفة محكوم عليه فقط، ورد بأن المراد تصور المحكوم به والمحكوم عليه وتصور النسبة التي بينهما. قوله تعالى: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ). ولم يقل: أولادهم؛ لأن محبة الإنسان ابنه أكثر من محبة ابنته، وموالاته لابنه أقوى من موالاته لابنته، فمعرفته بذكور بنيه أقوى من معرفته بإناثهم. قال ابن عرفة: ودلت الآية على أن الصفة تنزل منزلة العين فأخذوا منها مطلبين: الأول: أنها حجة للقول بجواز الغائب على الصفة إذا كانت تحيط به من جميع الوجوه. الثاني: جواز الاكتفاء في الشهادة بالصفة عن التعريف، قال: وأجيب بأن الصفة إنما تتنزل منزلة الموصوف إذا كانت صفة خاصة، وهي التي تجب بها قرينة تخصها، والقرينة هنا هي المعجزة التي أوتيها الرسول دليلا على صدقه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ... (٢١)﴾

стр. 588

قال ابن عرفة: هذه الآية رد على الجاحظ القائل بأن الكذب لَا يطلق إلا على من تعمد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به؛ لأنه إذا كان الكذب لَا يطلق إلا على من تعمد ذلك فما هو افتراء الكذب، وإذا جعل الكذب عاما في الأمرين، فنقول: افتراء الكذب هو التعمد على الشيء بخلافه، والكذب المطلق هو أن يجريه ناسيا فهذا كذب من غير افتراء. قال ابن عرفة: أجابوا عن الجاحظ بأن الكذب على قسمين كذب في أمر ظاهر لا نشك فيه فهذا افتراء وكذب في أمر يمكن أن يكون حقا أو باطلا فهذا كذب من غير افتراء، قال: وهذا اللفظ تأسيس؛ لأن الكذب على الله بمنزلة من تجرأ على متاع السلطان فتصرف فيه ويكون كلامه بمنزلة من لم يصدق بما أتى من السلطان من الخبر فالأول أقوى جرأة. قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). دليل على شدة شر الظالم وعلى شؤم عدم الفلاح؛ لأنه ختم على هؤلاء به وعلل عذابهم بذلك، أو بمعنى بل أو بمعنى الواو، قيل لابن عرفة: إن جعلنا أو بمعنى الواو يبقى من اتصف بأحد الأمرين فقط غير دليل في الآية، قال: وإن لم يجعلها بمعنى الواو ولم يعن الآية؛ لأن المتصف بالأمرين هذا أظلم ممن اتصف بأحدهما بلا شك فيبقى من اتصف بأحدهما بلا شك أظلم من جميع النَّاس بل أظلم من بعضهم فقط. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا ... (٢٢)﴾ ابن عرفة: اختلف في العامل في يوم، فقيل: قوله (لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وعبر بالشركاء إما لأن المراد ظلمهم. قوله تعالى: (شُرَكَاؤُكُمُ). سؤال توبيخ وتبكيت. ابن عرفة: وتقدم لنا في الآية سؤال وهو أن جوابها مخالف للسؤال لوقوع السؤال بالفعل مثبتا وهو (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشرَكُوا)، والجواب بالاسم منفيا وهو (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) .. ، ولم يقل: ما أشركنا مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم منه نفي مطلق الإشراك عنهم، قال: وتقدم الجواب بأن المراد نفي الإشراك الأخص الموجب للخلود في النار، وهو الإشراك المتصل بالنار، وأما نفي مطلق الإشراك فلا لأن من أشرك وتاب من شركه لَا يعذب.

стр. 589

قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ... (٢٤)﴾ قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال، وهو أنهم كذبوا لأنفسهم لَا عليها لكونهم قصدوا به منفعة أنفسهم لَا مضرتها، قال: والجواب أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به فهم أخبروا عن أنفسهم بغير ما اتصفوا به فهم كاذبون عليها، فإن قلت: هلا قيل: كذبوا وضل عنهم، وما أفاد زيادة قوله (أَنْفُسِهِم)، قلنا: فائدة التشنيع عليهم في أنفسهم؛ لأنهم كذبوا عمدا عدوانا؛ لأن الكذب على الأجنبي يوهم فيه النسيان والخطأ، وهؤلاء كذبوا على من هم عاملون حقيقة. ابن عطية: وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هو حكاية عن يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا لوقوع الفعل، وإن كان في الدنيا فظاهر. ابن عطية: وأضاف الشرك إليهم؛ لأنه لَا شركة في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إذا بنينا على الخلاف المذكور في الأصول في التقييد، بالحكم المشتمل على وصف مناسب إما أن يراعى فيه ذات الشيء، أو الوصف المناسب فإن روعي هنا ذات الشيء فهو سؤال عن الشركاء حقيقة وهم موجودون، وإن روعي هنا الوصف فليس ثم شركه ولا شركاء بوجه. قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ قال الزمخشري: سبب نزولها أن أبا سفيان والوليد، والنضر، وعقبة، وشيبة، وأبا جهل استمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا للنضر: يا أبا [قتيلة *] ما يقول محمد؟ قال: والذي جعلها [بيته*] يعني مكة ما أرى ما يقول محمد إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، فقال أبو سفيان: إني لا أراه إلا حقا، فقال أبو جهل: كلا فنزلت الآية، قال ابن عرفة: قول أبي سفيان إني لَا أراه إلا حقا محتمل أن يكون تصديقا كقول النضر، وهو الظاهر، أو لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الظاهر لقول أبي جهل كلا، ابن عرفة: والآية إما حكاية حال ماضية للتصوير مثل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً)، أو حال حقيقة؛ لأن ذلك وقع ولم يزل مشاهدا. قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً). قرره الزمخشري على مذهبه.

стр. 590

قيل لابن عرفة: أكنة جمع قلة، وقلوبهم جمع كثرة، فكيف يسر القليل الكثير؟ فقال: استعمل جمع القلة هنا من أدائه الكثرة. قال ابن عرفة: وتقدمنا سؤال وهو أن السمع متقدم في الوجود على الفهم إذ لا يفهم الإنسان الشيء حتى يسمعه، فقدم في اللفظ ما هو متأخر في الوجود. قيل لابن عرفة: فقد يفهم من لَا يسمع وذلك من الكتب، فقال: الكتب من السمع إلا يرى أن الدلائل السمعية منها مسموع ومنها مكتوب، وكلها راجعة للسمع؛ لأن المكتوب يسمع قبل كتبه وحينئذ يكتب، وتقدم الجواب بما أجيب به في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) من أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ولا ينعكس، والمسموع أعم؛ لأن منه ما يفهم، ومنه ما لَا يفِهم، فلو قدم أولا لكان نفي الفهم عنه تأكيدا، فلما قيل (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) انتفى عنهم الفهم، وبقي السمع بلا فهم، فبقي ثانيا وكان تأسيسا، قلت: وأجاب بعضهم بأن المراد الفهم بقصد والسمع وصله، والمقصد أشرف من الوسيلة فقدر للاهتمام. قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا). هذا زيادة في التشنيع عليهم بأنهم لَا يؤمنون إلا بالمسموع أو بالمرئي، وعبر بأن الدلالة على الشك وعدم الوقوع؛ لأن رؤيتهم لكل الآية لم تقع وإنما الواقع رؤيتهم لبعضها، قال ابن عرفة: وكل هذه كما ذكر النحويون أنها إن ارتفعت تقتضي العموم، وإن انتصبت لم تعم، ذكروه في قوله: قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي ... عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ وقال السكاكي: من البيانين أنها إن دخلت على كلام منفي اقتضت العموم، وإن دخل المنفي عليها لم تقتضي العموم. قال ابن عرفة: والصحيح أيضا إن دخلت على أعم كانت كلية فلم تقتضى نحو كل حيوان، وإن دخلت على شخص كانت تقتضي العموم نحو: كل الرغيف أكلته. قوله تعالى: [(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) *] قال الزمخشري: إما أنه من تمام الأول، ولو ردوا لقالوا: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)، وإما أنه قولهم في الآخرة، فيرجع لقوله (وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ). ابن عرفة: أو استئناف كلام أي واساهم هذا، فيرجع إلى قولهم في الدنيا.

стр. 591

قال ابن عرفة: والنَّاس على ثلاثة أقسام: قوله: يقول هذا بلسان مقاله والآخر يقول بلسان حاله وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وآخر لَا يقول شيئا، وحال النَّاس على ثلاثة أقسام: فالظالم المنهمك في ظلمه بأخذ أموال النَّاس ويفعل المحرمات شرعا مع علمه بتحريمها حاله كحال، من قال: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) .. والزاهد في الدنيا المقبل على عبادة ربه والوقوت عند أمره ونهيه حاله كحال من قال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ). والمتوسط الحال كمن لم ينطق. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ ... (٣٠)﴾ أتى بلفظ الرب مع أن المقام مقام عذاب وانتقام. قال ابن عرفة: فيجاب بما أجابوا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) بأن كرمه ورحمته يوحيان الغرور به فلا سبيل يضل عنه، فأجابوا ثم إن المراد: ما غرك بربك المنعم عليك بإرسال الرسل، وبيان الدلائل والمواعظ والزواجر بحيث لَا عذر لك في المخالفة وكذلك هنا. قوله تعالى: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ). إنما قاله لهم مباشرة وهو ظاهر الآية أو على لسان ملك وهو المناسب لحال المواددين. قوله تعالى: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ). إلى شدة عذابهم؛ لأنه لما سمى هذا [عذابا *] دل على أن ما بعده أشد منه. قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ). قيل لابن عرفة: احتج بها الفخر الخطيب على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فقال: هذا كفر أخص. قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ... (٣١)﴾ قال أبو حيان: الغاية هنا مجاز؛ لأن ما قبلها لَا ينقطع هنا عندها.

стр. 592

قال ابن عرفة: بل يقول: ينقطع ويكون من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح كقوله: هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً ... وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ قوله تعالى: (يَا حَسْرَتَنَا). قلت: الحسرة اللائقة بهم فلذلك أضافوها إليهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ... (٣٢)﴾ اللعب: الاشتغال بما لَا يفيد بأمر عن أمر ملائم، ولذلك أكثر ما يطلق اللعب على فعل الأطفال واللهو على الرجال. قوله تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ). المراد عقل النجاة والفوز لَا عقل التكليف وفعل المجانين من غير قصد، وفعل العقلاء عن قصد وكسب وأعذار، كان الكسب الرأي وهو العلم بما في العمل من مصلحة أو مفسدة، فالفعل إن كانت فيه مصلحة لَا يشهد الشرع باعتبارها فهو لعب ولهو، فمن يأكل ليتقوى على الطاعة فهو مندوب إليه وله فيها الثواب، ومن يأكل لإقامة بدنه خاصة فهذا لمصلحة خاصة فهو سبب النهي، ومن يأكل لمجرد الالتذاذ فهذا يشبه، ووقع في القرآن اللعب مقدما على اللهو مرة، ومؤخرا عنه أخرى فهو دليل على التسوية بينهما في المفسدة. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ ... (٣٣)﴾ احتجوا لهذا القائل بأن الكذب إنما يطلق على من تعمد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به. وأجاب ابن عرفة: بأن هذا تكذيب لَا كذب، والتكذيب قد يكون فيما قد طابق وفيما وافق. قوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ... (٣٤)﴾ قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها عندي أن الإنسان إذا استحضر مقام التوحيد علم أن الأشياء كلها خلق الله تعالى وفعله واختراعه، قيل لابن عرفة: قد يحتج بها من يمنع النسخ في القرآن، فقال: النسخ بحقيقة؛ لأن المنسوخ لم يزل ثابتا في الذهن فلم ينسخ من جميع الوجوه، قيل له: فاليهود بدلوا وغيروا في التوراة، يقال: بدلوا ألفاظها، وأما معناها وهو الكلام القديم الأزلي فلم يقع فيه تبديل بوجه.

стр. 593

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ... (٣٥)﴾ المراد الهداية بالفعل واعتزل [المهدوي*] هنا، فقال: لاضطرهم إلى الهداية فاهتدوا. قيل لابن عرفة: قال بعضهم: لو شاء الله لنصب لهم الدلائل المتوسطة ليظهر الحكمة في ذلك فيؤمن بعضهم ويكفر بعضهم فيقع الثواب والعقاب بسبب. قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ). وقال لنوح: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فأورد المفسرون سؤالا من ناحية أن [الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم*]، والمراد أمته، وإما أن نوحا خوطب بهذا السند وسببه، وإما لأن القريب المحبوب ليشدد عليه النهي أكثر ممن ليس كذلك كراهة أن يقع المحظور، قلت: ونحوه نقل القاضي عياض في مداركه عن بعضهم لمن عرف بالسهروردي المالكي فقيه بغداد، وأنشدوا: [لا تصيب*] الصديق قارعة التأنيب ... إلا من الصديق الرغيب وأخبر ابن عطية بأن الأمر الذي نهى عنه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكبر وأعظم من الذي نهى عنه نوح ﵇، فكان النهي في [الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما*] بحسب تعلقه (١)، ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بوجهين: أحدهما أن نوحا خوطب بهذا حيث لم يكن هنالك كفار بوجه؛ لأنه خوطب به بعد أن غرق الكفار، ولم يبق سوى هو وقومه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوطب بذلك في محل الكفار. [ليعتبروا*] بهم، فشدد عليه في النهي لينزجر الكفار ويتعظوا. الثاني: أن هذا ينتج العكس سواء، فيعجل نهيه مقرونا بالتخويف، لقوله (إِنِّي أَعِظُكَ) هو أكثر من نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قلت: وكذا قال القاضي عياض في مداركه لما ذكر ما نقلنا عنه، ثم قال: والصحيح أن الآيتين بمعنى وانظر كتاب الشفاء لعياض. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى ... (٣٦)﴾ قال ابن عرفة: هذا يحتمل وجهين:

стр. 594

أحدهما: أن المراد الذين يسمعون السماع النافع. والثاني: أن يريد نفي السماع عنهم من أصل إشارة إلى أنهم لما لم ينفعهم السماع صاروا كأنهم لَا يسمعون شيئا. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ... (٣٧)﴾ قال ابن عرفة: فيه سؤالان: الأول: أنهم طلبوا تنزيل آية فما جوابهم إلا أن يقال: إن الله يفعل ما يشاء؛ لأنهم لا ينكرون أن الله قادر على تنزيل آية، وإنما طلبوا أن ينزل الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم آية فهذا راجع للإرادة لَا للقدرة، فكيف أجيبوا بالقدرة، قال: والجواب أن القدرة تستلزم الإرادة له لَا قدرة إلا بإرادة، وإن أريد التعلق الصلاحي فليست مستلزمة لها. السؤال الثاني: أن الاسم إذا كرر فإنما يكون معرفا، كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) والجواب أنه قصد هنا عدم المبالاة بكلامهم، فالمراد أن الله قادر على أن ينزل آية، فالإطلاق أعم من الآية التي طلبوا إنزالها أو غيرها، فإن قلت: النكرة في سياق الثبوت، فهلا قيل: إن الله قادر على تنزيل الآية، فالجواب أنهم طلبوا آية خاصة عظيمة. قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ... (٣٨)﴾ في الافتقار والخلق. قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ). قال أبو البقاء: في موضع المصدر أي تفريطا، فيبطل القول بأن الكتاب يحتوي على شيء مثل: لَا يضركم كيدهم شيئا أي ضرا. واعترضه أبو حيان بأن النفي إذا تسلط على المصدر انتفى. وأجاب ابن عرفة بأنه رآها أن النفي دخل على الفعل المؤكد بالمصدر فنفاه، ونحن نقول: دخل على الذي قبل التأكيد ثم أكد بعد ذلك، وهو نفي أعم لَا نفي أخص. قوله تعالى: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ... (٣٩)﴾ قال ابن عرفة: الصمم ظاهر والبكم إما لَا كلام لهم في الظاهر، وإن أريد النطق القولي فليس مبين، وإن أريد النطق القلبي فبين.

стр. 595

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ ... (٤٠)﴾ قال ابن عرفة: إن قلت: لم أعاد الفعل والأصل في المعطوفات المتفقة الألفاظ الاكتفاء بالأول، فيقال: أرأيتم إن أتاكم عذاب اللَّه أن الساعة، فأجاب بأنه إذا كان صدور الفعل الأول من فاعله أقوى بالمعنى من صدور الثاني عن فاعله أو العكس فيعاد لفظ الفعل الأول، وإن لم يكن بينهما تفاوت ولا اختلاف في إحداث الفعل فيكتفى بالأول، ولا شك أن إتيان عذاب الله مغاير لإتيان الساعة، قوله (إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). جوابه محذوف أي فبينوا ذلك أو قدموه على تكذيبكم أو كفركم. قوله تعالى: (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ). قال: الساعة إما يوم القيامة أو موت كل إنسان، قال: وكان يجيء لنا فيها سؤال بياني، وهو أنه إذا عطفت جملة فعلية على جملة فعلية موافقة لها في اللفظ وفي المعنى فإنه يحذف الفعل الثاني اكتفاء بالأول، فتقول: قام زيد وعمرو فلم أعيد الفعل هنا في الجملة الثانية، قال: وتقدم الجواب بوجهين: أما إذا كان اللفظان متفاوتين في المعنى فيعاد الثاني إشعارا بالتفاوت، ولا شك أن إتيان العذاب أشد من إتيان الساعة، وإما إشعار لما بينهما من البعد فإنه إن أريد بالساعة القيامة، وبعذاب الله المحق والرزايا في الدنيا فيعقبها بعد كثير ومهلة تامة، وإن أريد بالساعة الموت فالمحن الدنيوية كثير منها متقدم ومنها متأخر إلى الموت فالبعد ظاهر. قيل لابن عرفة: وكيف يحسن أن يعاقب ذلك، بقوله تعالى: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) سواء فسرنا الساعة بالقيامة أو الموت إذ لَا يكون الدعاء إلا في الدنيا، قال: قد قالوا (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) قيل: هذا دعاء لَا يفيد، فقد قال: فيكشف ما تدعون إليه، قلت: ويمكن الجواب بأن يهلك بعضهم فيتعظ به من يبقى منهم ويدعوا. قوله تعالى: (إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). جوابه فدوموا على كفركم وإلا فتبينوا إلى ذلك. قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ... (٤١)﴾

стр. 596

قال ابن عرفة: قلت: علق هنا بالمشيئة، وقال في البقرة (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ولم يقل: إن شئت، قال: وتقدم الجواب بوجهين: الأول: أن تلك في المؤمنين، وهذه في الكفار. الثاني: إن ذاك السؤال تضرع وتذلل في الدنيا لتعجيل الإجابة المحققة التي لَا يرد فيها وهذا ليس كذلك، فناسب أن يكون معلقا على المشيئة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ ... (٤٢)﴾ هذا تسلية للنبي ﷺ . قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُمْ). ابن عطية: أي فكذبوا فأخذناهم. ابن عرفة: ويحتمل أن لَا حذف فيها؛ لأن الكل عبيده يفعل فيهم ما شاء، هذا مذهب أهل السنة، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) قيل له: قلى قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فقال: هذا بلاء. قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ). أي أخذناهم أخذا متراخيا معه الناظر لحالهم تضرعهم. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ... (٤٣)﴾ إما راجع إلى نفس التضرع فهو ترك فيكون دليلا على أن الترك فعلا، لقوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ... (٤٦)﴾ .. ابن عرفة: وقال قبلها: (قُلْ أرَأَيْتَكُمْ) ووجهه أنه لما كانت الأولى مبدأ الخطاب بولغ في الخطاب فيها، والثانية: اكتفى فيها بالخطاب الأول فلم يحتج إلى المبالغة، والثانية: وقع الفصل بينها وبين الأول [وفيه شبه طول*]؛ فأعيدت الكاف فيها للخطاب، وقدم السمع إشارة إلى أنه أشرف لتعلقه بالغائب، والبصير لَا يرى إلا الحاضر. ابن عرفة: وعادتهم يقولون في هذه الآية دليل لمن يقول: إن العرض ينفى زمانين؛ لأن السمع والبصر صفتان ليس منهما الحدقة بل الصفة المتعلقة بهما عرضان، فالذي تعلق به الآخر إما موجود أو معدوم، فالمعدوم لَا يتعلق به أحد وإنما

стр. 597

يتعلق الآخر بالموجود، وهذا هو عين القول بأن العرض يبقى زمانين، قيل: معنى عدم الأخذ عدم الإيراد بعرض آخر، فقال: ليس هذا هو حقيقة الأخذ فيلزمك المجاز، والأصل حمل اللفظ على حقيقته. قوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم). فيه سؤال وهو هلا قيل: أخذ الله سمعكم وأبصاركم وعقولكم، أو كما قال في البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَعَلَى سَمْعِهِم وَعَلَى أَبْصَارِهِم)؟ وأجيب بوجهين: الأول: أن العقل شرط في التكليف فلو أخذ العقل لسقط التكليف. الثاني: أن العقول بها تنافي العقوبة على السمع والبصر، ألا ترى أن في المدونة في جلد من يجن أحيانا ويفيق أحيانا أنه إنما يجلد حالة إفاقته من سكره، فإذا أخذ السمع والبصر بقي العقل يتألم بما فيه، ويذوق العقوبة ويعلم قدرها، وأما المجنون أخذ له لذلك عنده بوجه. قوله تعالى: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ). إشارة إلى أنكم كما تعلمون أن الله خالق كل شيء فاعلموا أن من تمام ذلك توحيده ونفي الشريك عنه. قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ). إن أريد الصفة التي وقعت بها الشركة فالتصرف بمعنى [التقريع*]، وإن أريد أشخاص الآيات فالتصرف بمعنى التنكير والتكوين. قوله تعالى: (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ). العطف بثم إشارة إلى أنهم بعد تأملهم وتأنيهم يبعدون عن الآيات. قوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ وقال في الحديث: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"، فالجواب أن ذلك إهلاك بموت، وفي الآية إهلاك عقوبة. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾

стр. 598

قال ابن عرفة: تقدم لنا فيها سؤال وهو أنهم كفار فعبر عن عذابهم بالمس وهو أوائل العذاب، فهلا قيل: محيط بهم العذاب؟ قال: وتقدم لنا الجواب بأنه يناله مقدمات العذاب بأعم وصف، وإن شئت أن تقول وصفهم بأخص وصف وهو التكذيب، والكفر اعتبارا بأعمه وهو الفسق، ومجرد الخروج عن طاعة الله، ورتب على ذكر الأعم مقدمات العذاب وعلله بالوصف الأعم وهو الفسق فيتناول ما فوقه من باب أحرى. وقال الزمخشري: جعل العذاب ماسا كأنه يفهم بهم ما يرى من الألم، ومنه قوله: ليست الأوامر إلا بعد مسّ. قال ابن عرفة: هذا خلاف ما قاله ابن رشد في المقدمات في الفرق بين الملامسة والمماسة، فقال: الملامسة لَا تكون إلا عن قصد بخلاف المماسة، فيقال: تماس الحجران، ولا يقال: تلامس الحجران، ابن عرفة: إلا أن يجاب بأن العذاب يعقل فيه الفاعلية، والحجر لَا يعقل فيه الفاعلية فلا يلامس الحجر الحجر، ويقال: تماس الحجران. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ ... (٥٠) .. ابن عطية: سببها أن الكفار، قالوا (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)، (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ). قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: هذا بسبب ماض، فهلا قال: ما قلت لكم خزائن الله؟، قال: وتقدم الجواب بأنه لو قال كذلك لما تناول النهي إلا القول اللفظي الماضي فقط، وقد ينفي الإنسان الشيء فيما مضى ويفهم من حاله أنه سيقوله في المستقبل، إذ دل الحال على أنه يقول ذلك لهم فيه فقد نفى، بقوله الصدق: لَا أقول لكم عندي كذا، فإن قلت: هلا قال لهم: ليست عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب فهو أقوى وأبلغ من نفي القول، أو لعلهم يتوهمون أن ذلك عنده وإنما دليل حالهم أنهم نسبوا إليه أنه ادعى أن ذلك في قدرته. قوله تعالى: (إِنَّ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) وقد يحتج بها من ينفي القياس، فيجاب بأن القياس من الوحي، لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) وقد يحتج بها من ينفي كونه

стр. 599

مجتهدا فيه، فيجاب بأن الاجتهاد من الوحي، لقوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا). قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ... (٥١)﴾ ابن عرفة: الإنذار عام للجميع وتخصيصه [في هؤلاء*] إما لأنه إنذار خاص وهو الإنذار المؤثر النافع، أو لأن مفهومه عدم إنذار غيرهم فيعارض منطوق الآية الأخرى المتطابق لإنذار الجميع، أو بين المفهوم والإنذار لغير الخائنين من باب أحرى. ابن عرفة: وتقدم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) إما أنه راجع لملازمين فهم في كل زمان لَا يطمعون في الحياة إلى الوقت الذي بعده، وكذلك حري هاهنا، قال: وعبر بلفظ الرب تنبيها على أنهم إذا خافوا مولاهم مع استحضارهم ما عنده من الحنان والشفقة فأحرى أن يخافوا مع استحضارهم أنه عزيز ذو انتقام. قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ). الولي هو الناصر مقيد بكونه قريبا، أو يكون بينه وبين وليه لحمة بوجه، والشفيع هو الناصر مطلقا قريبا كان أو أجنبيا وهو من عطف الأعم على الأخص. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ... (٥٢)﴾ لما ذكر ابن عرفة اختلاف طريق المفسرين في سبب نزول الآية، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحكم أحيانا باجتهاده من غير وحي عملا بتقديم أرجح المصلحتين ودرء المفسدتين؛ لأنه لَا يرى إبعاد أولئك يوجب كفرهم لقوة إيمانهم، ويوجب إيمان كثير من صناديد قريش. قال أبو نعيم في الحلية: وكان سفيان الثوري يتحلى بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية فيفضل في مجلسه الفقراء على الأغنياء، ابن عرفة: إنما دلت الآية على التسوية بين الأصلح والصالح، وبين الفقير الصالح والغني.

стр. 600

قال ابن عرفة: وشرفوا هؤلاء بأمرين بالنهي عن طردهم، وبالثناء عليهم لصلاتهم بالغدو والعشي، قال ابن الخطيب: وأخذ منها بعضهم كلمن قوله (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) حجة القول بإمكان الخطأ عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اجتهاده ووقوعه، وهو قول حكاه ابن الحاجب، ورده ابن عرفة بأنه هم بذلك ولم يفعله فعصمه الله من فعله فكيف يأخذ منه وقوع ذلك. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ... (٥٣)﴾ قال ابن عرفة: أكثر المفسرين على أن الكاف للتشبيه أي مثل طلب صناديد الكفار منك أن تطرد ضعفاء المؤمنين فتنا بعضهم ببعض طلبوا منك طرد المؤمنين، كما نقول: لأجل فتنة زيد لعمرو قتله. قوله تعالى: (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا). قال ابن عطية: اللام للصيرورة. ابن عرفة: هذا إنما يقوله الفلاسفة الطبائعيون، ولا يقوله سني ولا معتزلي لاستلزامه نسبة الجهل إلى الله تعالى لمخالفته لقواعد أهل السنة من وجهين: من نسبة الجهل إلى الله تعالى، ومن تعليل أفعال الله تعالى ومخالفته لغير أهل السنة من نسبة الجهل إلى الله تعالى فقط. قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ). قالوا: دخل النفي على الأخص فكان نفي أخص، فدخلت الهمزة عليه فأثبته على ما هو عليه فصار إثباتا لبعض. قوله تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ... (٥٤)﴾ قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون أمر بأن يقول لهم ذلك على أنه من عند نفسه تحية لهم، أو يقوله تبليغا عن الله تعالى، كما تقول لصاحبك: إذا رأيت فلانا فسلم عليه أي عني فبلغه سلامي، والظاهر الثاني لوجهين: لأن فيه تشريفا لهم وتعظيما، وأيضا فإن الأول مخالف للحكم الشرعي بأن الداخل هو المأمور بالسلام على المدخول عليه. قال ابن عرفة: وتقدمنا في ذلك قوله تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) إن الرفع أبلغ من النصب لاقتضاء الاسم الثبوت بخلاف الفعل، قال السكاكي: فسلام إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم أبلغ من سلام الملائكة، وتقدم الجواب بأن الملائكة لما دخلوا
следующие страницы →