← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال ابن عرفة: الإيضاح إلى هذا، وإنما الجواب أنه لَا يلزم من التعاون على البر والتقوى بترك التعاون على الإثم والعدوان، لأنا نجد بعض المرابطين يطيع في شيء ويعصي في شيء، فقد [يتعاونون*] على البر والتقوى، وعلى الإثم والعدوان. قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ... (٣)﴾ قال ابن عرفة: هذا إما خبر، أو إنشاء، فإن أريد الحكم بثبوت ذلك في الأزلي فهو خبر، وإن أريد التكليف بتحريم ذلك فهو إنشاء، وقدمت (الْمَيْتَةُ) إما لكونها كانت محرمة عندهم وكانوا يجتنبونها. قوله تعالى: (وَالدَّمُ). يتناول المسفوح وغيره، فيتعارض المفهوم والعموم، وجعله ابن عرفة من تعارض المطلق والمقيد لكن الصحيح الأول؛ لأنه لو كان كذلك لاتفق على جواز الدم غير المسفوح، إذ لَا خلاف في رد المطلق إلى المقيد وهو هنا مختلف فيه فيرجع إلى المسألة المختلف فيها وهي تعارض المفهوم، فقلت: وقال ابن عرفة مرة أخرى: إن القاضي ابن [ ... ] جعله من تعارض الخاص والعام؛ لأن الدم هنا عام وفى العام خاص، ورده ابن عرفة، لأنه من تعارض العموم والمفهوم؛ لأن قوله (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) يدل بمفهوم الصفة على تحليل الدم غير المسفوح، قلت: وأجاب شيخنا أبو العباس أحمد بن إدريس بأن (مُحَرَّمًا)، من قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) نكرة في سياق النفي فهو عام، فيدل على أن جميع الأشياء حلال أخرج منها الدم المسفوح وبقي غير المسفوح حلالا بالنص لَا بالمفهوم لتعارض الخاص والعام، وردَّ ابن عرفة بأن هذا أيضا من باب دلالة المفهوم، وقد ذكر الأصوليون مفهوم الحصر، وهو عندهم أقوى من مفهوم الصفة، قال: وأيضا فينعكس الأمر في هذا؛ لأن دعواكم لَا أجد مقتضى تحليل كل فيبقى إلا ما استثني منه، وقوله ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) يقتضي تحريم مفهوم الدم فتكون هذه الآية أخص من آية الأنعام فيلزم تحريم الدم كله، وهو خلاف مطلوبنا ومطلوبكم.

стр. 527

قوله تعالى: (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) قال ابن عرفة: شحمه محرم بالنص؛ لأن مالكا قال فيمن حلف ألا يأكل الشحم فإن أكله حنث، وإن حلف لَا يأكل الشحم فله أن يأكل الشحم ولا يحنث، قال: وهل يدخل فيه خنزير الماء أو لَا، فقال مالك: أنتم تسمونه خنزيرا، فقيل: كره التسمية، وقيل: حرمه لأجل التسمية، قال بعضهم: وسبب توقف مالك فيه تعارض عمومين: أحدهما: قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُم صَيدُ الْبَحرِ وَطَعَامُهُ) [فلما*] استثنى خنزيرا أولا، وقال هنا (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فعم خنزير البر والبحر. قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ). قيل لابن عرفة: هذه البقر تذبح في الفتن بين النَّاس، فقال: يجوز أكلها، وكذلك ما يذبح للجار، وأشار بعضهم إلى أن ابن رشد ذكره أظنه في الأسئلة، قيل: فما يذبح في المباهاة والافتخار ويكثرون منه كما يفعل أبو الفرزدق. لأن المؤرخين قالوا: إن غالبا أبا الفرزدق قد عاقر شحما من وسل الرياح فحضر الرياحي بعض إبله، ثم رفع يده، ولم يزل غالب الفرزدق ينحر إبله حتى أتى على آخرها ففضل بذلك على شحم، والفرزدق يكثر الفخر بهذا. قيل لابن عرفة: قد قال المؤرخون إن عليا بن أبي طالب ﵁ نهى عن الأكل من تلك الإبل. قال ابن عرفة: ويؤكل ما يذبح؛ لأنهم يقصدون ذبحه، لو لم يقصدوه لاكتفوا بشق بطنه وخنقه.

стр. 528

قوله تعالى: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) إن كان الأول فيما نفذت مقاتلته فقط فالاستثناء متصل، ويكون المراد أَن ما نفذت مقالته محكوم له بحكم الميت فلا يعتبر، فإنما استثني من غير منفوذ القاتل. قوله تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ). قال: كانت الأزلام ثلاث قداح في أحدها افعل، وفي الآخر لا تفعل، والثالث [مهمل*]، وقيل: سبعة منها أحكام [العرب*] وما يدور بين النَّاس من النوازل، وقيل: عشرة، سبعة منها خطوط لها [بعددها حظوظ*] يستقسمون بها [طلبا [للكسب والمغامرة] وثلاثة أفعال. قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ). قال ابن عرفة: اليوم هنا محتمل لثلاثة معان، فالنحاة يريدون به زمن الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل، ويحتجون بقول زهير: وأَعْلَمُ مَا في اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ ... وَلَكِنَّني عَنْ عِلمِ ما في غَدٍ عَمِ والمفسرون هنا حملوه على وجهين: إما النهار الفاصل بين أمس وغد، وإما زمن الحال أو ما قرب منه ماضيا كان أو مستقبلا، وهذا يتم هذا، وأما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فيتعين حمله على الزمن المتطاول الذي وقع ودام. قوله تعالى: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي). إما تأكيدا للأول، وإما مغايرا له، والمغايرة بينهما من وجهين: أحدهما: أنه ذكر إشعارا يكون إكمال الدين مجرد نعمة وتفضل من الله تعالى بمنه، رد على من يقول بوجوب مراعاة الأصلح للعبد. الثاني: أن الأول راجع للأمور الأخروية الدينية، وهذا راجع بأمور الدنيا باعتبار الفتوحات والنصرة على الأعداء وأخذ الغنائم. قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

стр. 529

ابن عرفة: الرضا إما راجع للإرادة القديمة الأزلية، أو لصفة الفعل باعتبار الإبراز من العدم إلى الوجود، وقيل له: فقوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)؛ فقال: المراد لَا يرضاه حكما شرعيا بل يرضاه في الأزل تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد. قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ). أي غير مائل لعذر من الأعذار ليس له، ابن عطية: وقرئ غير [متجنف] (١) وهي أبلغ في المعنى؛ لأن تشديد [العين] (٢) تقتضي توغلا في المعنى ومبالغة وثبوت الحكمة. ابن عرفة: العكس هنا أولى؛ لأن مجانف منفي، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص، ونقل عنه السفاقسي وسكت عنه، والعجب منه كيف لم يتعقبه على علمه بالأصول أوأما أبو حيان فلم تكن له مشاركة في الأصول. قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ... (٤)﴾ قال ابن عرفة: الاستثناء في القرآن باعتبار الاستقراء هو استعلام حكم ما فيه خصومة، والسؤال استعلام حكم ما ليس فيه خصومة، واستشهد بقوله تعالى: [(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) *]. قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ). رجح ابن عطية أن المراد بها الحلال سواء كان مستلذا أو لا. ابن عرفة: فيه نظر لاقتضائه أن المعنى أحل لكم الحلال فهو تحصيل الحاصل. قوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ). الزمخشري: فالمعنى في تعليم الكلاب الغاية، قال بعض الطلبة: يلزم عليه المفهوم وهو أنه في التعليم لَا يصح الاصطياد بكلبه، وأجاب ابن عرفة: بأن بلوغ الغاية إنما يشترط في التعليم لَا في حكم الصيد بالكلب المعلم. قوله تعالى: (تُعَلِّمُونَهُنَّ). أعاد ضمير الجماعة على الجمع الذي للكثرة، فهلا قيل: تعلمونها، كما قال (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ابن عرفة: تقدم لنا الجواب بأنه إشارة إلى أن التعليم لَا يمكن مع الكثرة، وإنَّمَا يمكن مع قلة الكلاب، أبو حيان: (مُكَلِّبِينَ)

стр. 530

حال، (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال ثانية، ومنعه أبو البقاء؛ لأن العامل واحد لَا يعمل في عملين حالين. السفاقسي: والصحيح جوازه، ومنعه أبو حيان، ولا يحسن أن يجعل حالا من الجوارح للفصل بينهما، (مُكَلِّبِينَ) وهي حال بغير الجوارح، وتعقبه السفاقسي بأن ابن عصفور أجاز تعدد الحال وتعددها جهة، ومثله بقولك: لقي زيد عَمراً مصعدا منحدرا، وأجازه ابن مالك إذا كان أول الحالين لثاني الاسمين لبقائه الفصل إلا أن يمنع مانع من جعل الأول للثاني ويؤمن اللبس فيجوز، كقول امرئ القيس: [خَرَجْتُ بها أَمشي تَجُرُّ وَرَاءَنا ... على أثَرَينا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ*] فتمشي أول الحالين وليس لما يليه نظير هذا. ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل تجر وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون حالا من فاعل خرجت، ومن الضمير فيها، ويحتمل أن يكون حالا من أعلم من لم يبلغ الغاية في التعظيم فاعل خرجت أصل، والرابط بينهما الضمير في قوله: ورافعا. لأنه معمول لتجر فهو من تمامه، كأنه قال: خرجت بها جارة وراءنا، كقولك: قمت وزيد مكرم أخانا، أي حالة إكرام زيد أخانا. قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ). قال الفخر: الأمر إما للوجوب أو للندب. ابن عرفة: تقدير كونه للوجوب أن يراد مطلق الامتناع لَا خصوصية الأكل؛ لأن تركه بعد اصطياده من باب إضاعة المال. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ). إما عند إرسال الجوارح لاصطياده، أو عند ذبحه إن أدركه حيا، أو عند الأكل منه. قوله تعالى: (سَرِيعُ الْحِسَابِ).

стр. 531

سرعته، إما قرب زمنه، أو قصر مدته وقلة [مكثه*]. قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... (٥)﴾ .. تأكيد، قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) أخدُ من هنا ابن العربي جواز أكل المسلم من الدجاجة التي فك النصراني عنقها إذا طبخها لنفسه، وأطعمه منها لأنها من طعامه. ورده ابن عرفة: بأنه ليس من طعامهم الفعلي الوجودي بل طعامهم الذي أباحه شرعهم لهم، وهو إذا في شرعهم محرم عليهم. قوله تعالى: (وَطَعَامُكُم حِلٌّ لَهُم) قال ابن الحارث: وأما الكافر الكتابي البالغ المميز الذي لَا يستحل الميتة فإذا ذبح لنفسه ما يستحله فهو كالأولى وما لَا يستحله إن ثبت بشرع عليهم كذي الطير والمشهور التحريم. ابن عرفة: والشاذ قول ابن لبابة إنه جائز، وأخذه من الآية أنه من طعامنا وطعامنا حل لهم، وكل ما هو حلال لهم حلال لنا فينتج جواز أكلنا منه. قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ). قال ابن عطية: الإحصان يطلق على أربعة معان: منها العفاف، والإسلام، والتزويج، والحرية، ويمتنع حمل الآية على الإسلام والتزويج، وتبقى محتملة للعفاف والحرية. ابن عرفة: فإن أريد العفاف يخرج من الآية جواز نكاح الأمة العفيفة، قيل له: إذا أريد به الإسلام يلزم التكرار، فإن معناه: والمسلمات من المؤمنات، فقال: من لبيان الجنس احترازا من المنافقين؛ لأن الإسلام راجع لأمور الطهارة والإيمان اعتقاد قلبي. قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله (مِنْ قَبْلِكُمْ)؟ فقال: أفاد الإشعار بأنهن كن في الكتب السالفة حلالا لنا لئلا يتوهم أنهن كن محرمات علينا ثم نسخ ذلك بهذه الآية.

стр. 532

ابن عرفة: قول ابن عطية يمتنع أن يراد المتزوجات؛ لأن ذات الزوج حرام، إن قلت: المسبية ومعها زوجها حلال، قلت: إن كانت ذمية فليست حلالا تملك اليمين، والآية إنما هي في تزويج المحصنات. قوله تعالى: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ). ابن عرفة: الصداق هل هو واجب بالعقد أو شرط في الدخول؟ قيل له: قد قال ابن رشد: إنه يحله وليس بعوض عن البضع؛ لأن المرأة تنال من الرجل مثلما ينال هو منها، فقال: قد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، وكذلك إذا أصدقها طعاما لم يحل لها بيعه قبل قبضه، قال: والصداق هل هو واجب بالعقد أو بالدخول؟ قال: والتحاكم في هذا إلى معنى الحلال هو قبل هو التحليل بالفعل، وبالقابلية والإمكان، ومثاله: أن من عقد على امرأة يقال له هي حلال، وإن لم يعقد عليها وكانت أجنبية عنه، يقال له: هي حلال لك، وإن رضع معها، يقال له: ليست حلالا لك أي بالقوة والقابلية، والأولان حلال بالفعل. وقوله تعالى: (أُجُورَهُنَّ). [دليل على أن الصداق لَا حد لأقلِّه*]، وقوله تعالى: [(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي مسلمين غير زانين بزنا ظاهر، (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) أي غير زانين بزنا خفي*]، [والخِدْن هي الزانية برجل تقتضم عليه، ويقتضم هو عليها]. قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ) أي ومن كفر بفروع الإيمان فهو المناسب لما قبله. قوله تعالى: (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ). جرى مجرى التغليظ والتشديد في العبادة، والمراد بذلك زوال الثواب الذي كان قابلا لأن يحصل له إذا حصل هذه الأمور ولاسيما على مذهبنا أن النكاح مندوب إليه، فهو لما حصل في الإسلام وهيئت له أسباب هذا الثواب بذكرها والأمر بها، فكأنه فعلها وكأنها حاصلة ثابتة، فأشبه قوله تعالى: (يُخرِجُهُمْ مِنَ الظلُمَاتِ إِلَى النورِ) ولم يكونوا في النور [قط*].

стр. 533

قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... (٦)﴾ ابن عرفة: فيها دليل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، قال: ومعناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وهذا هو دلالة اللفظ بنحو الخطاب، وعلى هذا فالمراد بالقيام إليها نفس فعلها لَا التهيؤ لها فإن أريد التهيؤ لها لم يحتج إلى إضمار أردتم، وقيل: إذا قمتم محدثين، وقل: من النوم فيدل على تناول ذلك الأمر للحدث من باب أحرى. قال ابن عطية: وهذه الآية سبب في التيمم، ورده ابن عرفة: باحتمال أن يكون ما بعث أبي بكر لعائشة وضربه لها، وقوله لها: أقمت بالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على غير ماء وليس عندم ماء لأجل الشرب ولأجل الوضوء، فقد يكون عندهم ماء يسير جدا. قيل لابن عرفة: قول فَقَالَ أُسَيْدِ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ بعد نزول هذه الآية، دليل على أن السبب كان لأجل للتيمم. قوله تعالى: (بِرُءُوسِكُمْ). قال ابن جني - أنكر نحاة [أَكْثَرُ النُّحَاةِ يُنْكِرُونَ أن تكون*] (١) الباء للتبعيض، فإن قيل: ما معناها، إذا قلنا [هي للاستعانة*] الداخلة على الأدلة دخلت على الأيدي؟؛ ثم حذفت الأيدي وبقيت الباء دليلا على المحذوف فاتصلت بالمفعول، والتقدير: امسحوا بأيديكم رءوسكم، وقال بعضهم: الرأس الحد والممسوح الأيدي، وإنما يجب مسح قليل الأيدي بالرأس، وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه أن يكون في اليد فرضان الغسل والمسح، ويلزم أيضا الأيدي بعد الرأس من الفروض، وهو لدلالة لَا يقيد التصرف بها فرضا مستقلا. قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، قال ابن عطية: الجنب مأخوذ من الجنب؛ لأنه [يمس*] جنبه جنب امرأته في

стр. 534

الأغلب، ومن المجاورة والقرب، قال تعالى (وَالْجَارِ الْجُنُبِ)، ويحتمل أن يكون الجنب من البعد، ومنه [تجنب*] الشيَء إذا بعدت عنه، ورجح ابن عرفة هنا؛ لأنه يعم المحتلم والحائض والنفساء لإجماع العلماء على دخول الحائض في هذه الآية، فلو فسرناه بالقرب للزم فيه التخصيص، ولم يتناول شيئا من هذا، ابن عطية: ولذلك [رأى*] عمر بن للخطاب [وابن مسعود*]: أن الجنب لا يتيمم ألبتَّة [بل يدع*] (١) الصلاة حتى يجد الماء، قلنا: ومثله التلمساني في شرح الجلاب عن القاضي إسماعيل في كتاب الأحكام، ولم أره في كتب الفقه (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ولم يقل: أو مسافرين ليتناول من شرع في السفر ولم يبلغ مسافة السفر فإنه يقصر ويتيمم. قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ). قال ابن رشد. الملامسة إنما تكون عن قصد؟ فلذلك يقال: تماس الحجران، ولا يقال: تلامس الحجران. ورده ابن عرفة بأن ذلك هو القصد إلى اللمس، وكلامنا هنا إلى القصد في اللذة فهو المشروط في الملامسة، قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). [مَن في يديه نجاسة] (٢)، وعنده من الماء ما يكفيه لوضوئه أو لغسل النجاسة أنه لَا يجزئه التيمم؛ بل يتوضأ به. قيل لابن عرفة، لما كانت النجاسة في يديه استحقت ذلك الماء، فكأنه [فاقد*] للماء، فقال: ينبغي له أن لَا يتيمم حتى يغسل بذلك [الماء*] (٣)؛ ليكون حينئذ المتيمم [فاقدا*] (٤) للماء، وأما أن يتيمم قبل غسلها، ففيه نظر. قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) فيها دليل على إباحة التيمم للحاضر إذا خاف على نفسه من مس الماء من برد ونحوه؛ لأن فيه حرجا ومشقة. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... (٧)﴾ ابن عرفة: أفرد النعمة وهي نعم متفاوتة.

стр. 535

(وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) فيه دليل على أن التيمم [يرفع الحدث*] على ما فسرناه من أن المراد [من*] التيمم زوال المانع [ ... ]. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ). ابن عرفة: أفرد النعمة وهي نعم متعددة؛ لعجز البعض عن الشكر على النعم بل عن النعمة الواحدة، فلا يستطيع أحد أن يؤدي الشكر على نعمه المتعددة، فالتكليف بالشكر على النعم تكليف بالمحال المتعذر عادة، أو المعنى المشتق. قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ). على حذف مضاف تقديره: اتقوا عذاب الله، واتقوا حال ميثاق الله، أو نقض ميثاق الله، فإن قلت: ذكر النعمة مناسب لما سبق، من قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) فما مناسبته الميثاق، قلنا: إنما ذكره تنبيها للعبد أن يستحضر ما أخذه عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من التكاليف الشرعية أمرا ونهيا فيعمل بمقتضاها. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). ولم يقل: إن الله عالم، إما لكون هذا المعلوم فيما اختص به ولم يشاركه فيه أحد غيره، أو لعموم علمه وخصوص علمنا نحن. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ قال ابن عرفة: وقال في النساء (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)، وأجيب بأن هذه الآية المتقدم حقوق الله ، وهي اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه، والأمر بالتقوى، فناسب تقديم اسم الله تعالى، وهناك المتقدمات حقوق للآدميين كقوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا)، وقوله (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) فناسب البداية بالقسط. قال ابن عرفة: وتقدمنا نحن الجواب في ميعادنا أن هذه السلام بأن ابن التلمساني ذكر في شرح المعالم الدينية لما تكلم على النظر أن العلل أربعة: أحدها: العلة المادية، والعلة العادية، فالعلة المادية يعلل بها الأمر المحسوس الظاهر، والعادية

стр. 536

يعلل بها الأمر المعنوي، فالمادية يخاطب بها العوام، والعادية يخاطب بها الخواص وهذه هنا علة عادية، وهي أن يكون عدلهم لله؛ لأنها راجعة للنية، والنية أمر اعتقادي معنوي، فإن كانت هذه الآية نزلت بعد آية النساء فظاهر، وتقول: هي حينئذ خطاب للخواص، وإن كانت نزلت قبلها فيحتمل أن يكون الحاضرون حينئذ علماء فنزلت خطابا لهم، وأما تلك فهي خطاب للعوام بأن يكون حكمهم بالقسط فيبدأ فيها بالعلة المادية. قوله تعالى: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). ابن عرفة: أقرب هنا بمعنى قريب بأنه لَا مشاركة بين العدل والجور في القرب للتقوى بوجهه ويؤخذ من الآية إذا تعارضت صفتان فترجح التي هي أعدل. قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). وقال مثله (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين. قال ابن عرفة: وتقدم لنا أنهما بمعنيين، فالأولى راجعة إلى علمه بالأمر الحالي، وهذه راجعة إلى علمه بالأمر الماضي؛ لأن خبيرا مشتق من الخبر، والخبر في الغالب إنما يكون عن الماضي لَا عن المستقبل بدليل إذا نظرنا ما سمع أحدنا من الأخبار فنجد أكثرنا يسمع منها المخبر عن ما مضى وخبر المستقبل يدل بالنسبة إلى الماضي، قيل له: ويتناول هذا المستقبل، لقوله (تَعْمَلُونَ) فقال: المستقبل إذا قدرنا وقوعه بما مضى منه وانقطع خبره وما بقي دائما حاليا فهو عام، قال ابن عرفة: وهذه الآية أبلغ من جهة أن مادة الخبر تقتضي الماضي، وقوله (بِمَا تَعْمَلُونَ) فمستقبل، فهو يتناول الماضي والمستقبل. وقوله تعالى: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). إنما يتناول الحال فقط لكنه أبلغ من جهة تعلقه بالمعنى وهو ما في الصدور، وخبير بما تعملون إنما يتعلق بالأعمال المحسوسة الظاهرة، قيل لابن عرفة: قد قال الفخر: أن النية عمل واستثناء، من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إنما الأعمال بالنيات".

стр. 537

قال ابن عرفة: والخبر عند المحدثين والأصوليين مخالف للخبر عند النحويين [ ... ]. قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... (٩)﴾ ابن عرفة: اختلفوا في الوعد على ثلاثة أقوال، فقيل: الوعد أعم يطلق على الخير والشر، وقيل: الإيعاد أعم والصحيح أن الوعد في الخير، والإيعاد في الشر. قوله تعالى: (مَغفِرَةٌ). ابن عرفة: فيه إشارة إلى أن وجود السيئات لَا تنافي ثبوت الحسنات، قيل له: إنما خالف المعتزلة في الكبائر، فقد يقال: أن المغفرة راجعة للصغائر، فقال: ألم أقل أن فيها حجة على المخالف وإبطالا لمذهبه، وإنما قلت: أنها دالة على أن مطلق السيئات لَا تنافي وجود الحسنات، ابن عرفة: فإِن قلت: لم قال (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ولم يقل: مغفرة عظيمة؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن ذلك إشارة إلى الحضّ على تكثير الأعمال الصالحة وتقليل السيئات، لأن كثرة الأجر والثواب يشعر بكثرة الحسنة، وتقليل المغفرة يشعر بقلة سبب متعلقها، ولو قيل: مغفرة عظيمة لأوهم كثرة الذنب المغفور بها. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا ... (١٠)﴾ .. لما قال: (وَكَذَّبُوا)؛ لأن الكافر على قسمين: جاهل بالآيات، وكافر كفر بعد وضوح الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول، كما أن العاصي في التعامل بالربا وأكل مال الغير على قسمين: فواحد يعلم أنه حرام ويقدم عليه، وآخر يجهل ذلك. قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) الإشارة بلفظ الخبر للتعظيم في بابه. قيل لابن عرفة: احتج بعضهم على المعتزلة في أن اسم الإشارة يقتضي الحصر، فدل على أن العاصي غير محله في النار؛ لأن المبتدأ منحصر في الخبر، فرده ابن عرفة بأن الخبر منها أعم من المبتدأ، ولفظ [الصحبة*] الصحيح عند المحدثين أنه لَا يصدق على من لازم صاحبه منهم أصحاب الجحيم الملازمين له فلا ينافي أن يكون غيرهم يدخل الجحيم ولا يدوم مكانه فيه.

стр. 538

قال ابن عرفة: وفي الآية حذف التقابل؛ لأنه ذكر في قسم المؤمنين الحكم بثواب عملهم، ولم يذكر ما به يقع الثواب، وذكر في قسم الكافرين ما به يقع العذاب، ولم يذكر الحكم بتعذيبهم فالتقدير: لهم مغفرة وأجر عظيم وهم أصحاب الجنة، والتقدير في الثاني: لهم عذاب أليم وهم أصحاب الجحيم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ... (١١)﴾ قدم هنا المجرور على المفعول به، ثم قال (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) فقدم المفعول به على المجرور، فالجواب أن الآية خرجت مخرج التسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والامتنان على المؤمنين بأن الله تعالى لم يخذلهم ولم يمكن عدوهم منهم، وذكر مها جملتان: أحدهما محكية عن الكفار وهي مثبتة، فكان الأعم فيها تقديم الممنوع لَا تقديم الممنوع منه. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... (١٢)﴾ ابن عرفة: قالوا: وقعت قضية بني إسرائيل في القرآن مكررة مرتين وثلاثة، لوجهين: أحدهما: أنهم أهل كتاب فهم علماء وغيرهم بالنسبة إليهم عوام فكرر خطابهم؛ لأن خطاب العلماء يدخل في ضمنه العوام، قلت: واجتنابهم لأجل علمهم. الثاني: إذا علم من خالفهم أنه يعلم صحة دعواه أوقع ذلك في نفسه انفعالا وتأثرا وتأسفا وحزنا بخلاف إذا لم يعلم منه ذلك وجهله وهؤلاء علماء وكتابهم أشمل على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنصارى كانوا ببلد بعيد عنه. توقع في نفسه حزنا وتأسفا، فجاءت الآية تسلية له، فإن قلت: هلا خوطب بها النصارى؛ لأنهم أهل كتاب أيضا، قلنا: اليهود أقرب لمحل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنصارى كانوا ببلد بعيد عنه. قوله تعالى: (مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ). أضيف الميثاق هنا إلى من هو عليه، وقال قبله (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ) فأضاف الميثاق إلى من هو له.

стр. 539

قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا). التفات وانتقال من الغيبة إلى المتكلم، وقوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) قال ابن عطية: النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم، وقيل: هو الموالي عليهم، وقيل: هو الوالي عليهم من تحت السلطان الأعظم. ابن عرفة: وحكى لنا القاضي ابن عبد السلام أن الفقيه أبا القاسم ابن السيرافي لما ولي القضاء والتدريس على مدرسة الشماعين ودخلها جعل يسأل عن مجليها وألقابها، فقيل له: فيها الإمام، فقال الطلبة كلهم عدول من حضر منهم يوم قيل له وفيها الوفاد، قال: لَا حاجة إليه من أتى يشعل الفتيلة يشعل القنديل، قيل له: وفيها النقيب، فقال: إنما كانت النقباء في بني إسرائيل فهذا إسراف في الحبس، فأنكر ذلك عليه الطلبة وردوه بكلام ابن عطية هنا. قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ). أي بعلمه وإحاطته وقدرته، وهذا وقع في القرآن في ثلاث آيات: إحداها هذه، والثانية: قوله تعالى في (طه) لموسى وهارون (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، والثالثة: في المجادلة (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) إلى قوله تعالى: (هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هي في الآيتين الأولتين معية حفظ ونصر، وفي المجادلة معية إحاطة واطلاع على أعمالهم ليجازيهم عليها. ابن عرفة: واعتمد بعض النَّاس [ممن*] عليه حلية الفقراء، أن المعية بعلمه وذاته المنزهة عن [ ... ]، فأنكرت عليه التصريح بذلك للعوام، وإن كان صحيحا في نفسه، ومثلت له ذلك برجلين أعجميين أبكمين عاقلين يجتمعان في مجلس وهما في الحقيقة مفترقان، بخلاف رجلين صحيحين، فكل واحد منهما صحب الآخر بفهمه وعلمه، وإن كان بعيدا عنه، وقد تأول المقترح. قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ).

стр. 540

وقدم العلة هنا للاهتمام بها، كما قدمها في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) فقوله (إِنِّي مَعَكُم) وعيد لهم ليكونوا على حذر من المعاصي. قوله تعالى: (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي). أخر الإيمان في اللفظ، وهو مقدم على الصلاة والزكاة لهم أرسلت إليهم رسلا كثيرة فهو إشارة إلى أنكم لَا تنكروا رسالة رسول يأتي ينتج ما أنتم عليه من إيمان كان قبله. قوله تعالى: (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ). التعزير من أسماء الأضداد، يطلق على التعظيم، وعلى التحقير، ومنه تعزير القاضي لأحد الخصمين. قوله تعالى: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا). قال: القرض حقيقة عرفية في المال، ويحتمل هنا حمله على حقيقته العرفية بأن يحمل على الصدقة بالمال أو عليها، أو على جميع الطاعات من الجهاد، والحج، وغير ذلك. قوله تعالى: (حَسَنًا). وصفه بالحسن إما باعتبار ذاته فهو حلال لَا خبث فيه، أو باعتبار سلامة صاحبه من الرياء، وكونه يفعله ليذكر بالصلاح والخير. قوله تعالى: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ). قال ابن عرفة: منهم من رجح كون من موصولة؛ لأن الجملة الجملية أصل للشرطية، ومنهم من رجح كونها شرطية؛ لأن الموصول يقتضي ثبوت الموضوع، والشرط لَا يدل على ثبوت المشروط، ولا على عدمه، قال الله تعالى (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) والمراد هنا الإبعاد عن الكفر لا ثبوته. قوله تعالى: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).

стр. 541

قيل لابن عرفة: وكذلك من كفر قبل ذلك ضل عن مطلق السبيل لَا عن سواء السبيل؛ لأنه كفر قبل ظهور الدليل والمعجزات. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ... (١٣)﴾ ابن عرفة: ما زائدة للتأكيد، والزائد في القرآن كله لمعنى فهي نائبة مناب تكثير اللفظ أي فبنقضهم ميثاقهم. قوله تعالى: (لَعَنَّاهُمْ). قال الزمخشري: أي طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا، وقيل: مسخناهم، وقيل: ضربنا عليهم الجزية. ابن عرفة: قوله: (مَسَخْنَاهُم) بأنه معنى يرجع إلى معنى الظرف ويكون المسخ في القرآن أي بسبب تعذيبهم في السبت، قال الله تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) وليس سببه نقضهم الميثاق. قوله تعالى: (قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ). ابن عرفة: فيها دليل لأهل الظاهر، وأجيب بأنا لَا نخرج اللفظ عن ظاهره إلا بدليل فلم يحرفه عن مواضعه، وإنما فيها رد على الباطنية، قالوا: وفيها رد على الصوفية الذين يحملون الألفاظ على خلاف غير ظاهرها، وأجيب بأنهم لَا يخرجونها عن الظاهر بالكلية بل يبقونها على ظاهرها ويريدون لها معنى آخر، يقولون: يحتمل أن يراد بها كذا، قالوا: وفيها دليل للمرجئة الذين أخذوا بظاهر حديث: من قال

стр. 542

لا إله إلا الله دخل الجنة قالوا: وفيها دليل القول بمنع نقل الحديث بالمعنى، وأجيب بأنا ننقله بالمعنى لدليل دال على ارتباط ذلك المعنى باللفظ فلم يحرفه عن مواضعه. قوله تعالى: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ). قال ابن عرفة: النسيان بمعنى الترك، وترك الشيء تارة يكون عمدا مع العلم، كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم)، وتارة يكون عن الذهول عنه. قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ). قال ابن عرفة: العفو عنده هو ذكر الذنب للمذنب مع عدم المؤاخذة به من أضل فالعطف تأسيس. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ... (١٤)﴾ ابن عرفة: هذا إما معطوف علىِ قوله (مِنهُم) من قوله (خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) فيكون من عطف المفردات، ومتعلق بـ (أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ) فيكون من عطف الجمل، وأتى بقوله (إِنَّا نَصَارَى) منسوبا إليهم توبيخا لهم وتنبيها على كذبهم في مقالته لاقتضائه نصرة دين الله وهم لم يفعلوا ذلك. ابن عرفة: والضمير في: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ) على أن العداوة لم تكن من أحدهم وإنما كانت من المجموع، والضمير في قوله تعالى: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ) كله. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا ... (١٥)﴾ قال ابن عطية: الرسول إما موسى، أو محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم. ابن عرفة: إن أريد به موسى فأهل الكتاب اليهود، وإن أريد به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهم اليهود والنصارى.

стр. 543

قوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). قال ابن المنير، وغيره: معناه أن الآيات التي أخبر بها قسمان فما يرجع منها إلى الأحكام بينه، أما وما يرجع إلى القصاص ونحوها أبقاه دون بيان، ولم يفضحهم فيه، فتعقبه ابن عرفة: بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يترك شيئا من الوحي، وكل ما أنزل بلغه لنا ببينة، قال: وإنما المعنى أن الآيات التي أخفوها واقعا في كتبهم وبين بعضها، أما ولم يبين أنهم أخفوه وأنه في كتبهم، والمراد بالعفو عن كثير ترك فضيحتهم في ذلك، وليس المراد بالعفو عدم البيان إذ لَا يصح أن يقال فيما لم يبينه أنه عفا عن كثير. قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ). قرينة دالة على أن الضمير في (يَعْفُو) عائد على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ لو كان عائدا على الله تعالى لقال: قد جاءكم منه نور وكتاب مبين. قال ابن عرفة: والنور إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والكتاب المبين القرآن، وإما أن النور الكتاب، وقوله (وَكِتَابٌ مُبِينٌ) من عطف الصفات، فوصف الكتاب بكونه نورا وبكونه مبينا. ابن عرفة: وفي الآية على ما فسرته أنا اللف والنشر، فالنور راجع لقوله (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ)، وقوله (وَكِتَابٌ مُبينٌ) راجع لقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)؛ لأن النور كاشف لما وراءه فكشفَ باعتبار معناه، وباعتبار محله، وكونه في كتبهم وأخفوه، وكونه كتابا مبينا إشارة إلى استبانة معناه فقط. قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ... (١٦)﴾ ابن عرفة: المراد الهداية الأعمية وهي التمكن من الشيء، قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، أو الهداية الأخصية فإن أريد الأخصية وهي الإرشاد إلى طريق الحق لزم تحصيل الحاصل؛ لأن تتبع الرضوان هذا فلا فائدة في هدايته، قال: وأجيب بكون المعنى أن من اهتدى للإيمان ببعض الرسل وعمل بما علم من شريعته، ثم أرسل إليه رسول آخر، فإن الله تعالى [ ... ] حصل عنده من العلم إلى الإيمان بهذا الرسول الثاني، وأن شريعته ناسخة لشريعة الرسول الذي كان قبله، فهي هداية أخصية مقولة بالتشكيك.

стр. 544

قيل لابن عرفة: كيف يفهم قوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) مع أن الذي أرسل إليه الرسول الثاني بعد إيمانه بالأول لم يكن خبر إرسال الثاني في الظلمات، فقال: كان متمكنا لها وقائلا لها، وكان كفره بالثاني فكأنه حصل في الظلمات بناء على أن من ملك أن يملك يعد مالكا. قال ابن عرفة: فإِن قلت: هذا مشكل بما أجاب به الزمخشري، في قوله تعالى: في الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) قال: إنما أفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن طرق الضلالة متعددة، وطريق الحق واحد، وهنا ينبغي تعدد طرق الحق، فأجاب ابن عرفة: بأن طرق الحق إن تعددت فهي موصلة لشيء واحد، وطرق الضلال إذا تعددت توصل إلى ضلالات متعددة؛ لأن أنواع الكفر متعددة كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم. قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بعد قوله تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) فأجاب بأن قواعد العقائد متعددة منها الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بوحدانيته، وما يجب له وما يجوز له وما يستحيل في حقه، والإيمان ببعثه الرسل وكل ما جاءوا به، وبالمعاد والحشر والشر، فأفاد هذا الإيمان بالفروع، وأفاد الأول الإيمان بالصانع وبنفس رسالة الرسل. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ... (١٧)﴾ قال ابن عرفة: انظر إلى حيث مقالتهم كيف أتوا باللفظ الأبلغ من ثلاثة أوجه؛ لأن قولك: الخليفة أبو بكر أبلغ من قولك: أبو بكر الخليفة؛ لاقتضائه حصر الخلافة في أبي بكر. الثاني: البناء على الضمير. الثالث: التأكيد. قوله تعالى: (قُل فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا). ابن عرفة: الفاء جواب شرط مقدر، أي إن كانوا ما قالوه حقا فمن ملك من الله شيئا، وهذا استدلال بمقدمة إما جملية، وإما شرطية فتقدير الجملية: كل قابل للهلاك غير الله والمسيح ابن مريم قابل للهلاك فليس بإله، وتقدير الشرطية: كله ما كان المسيح ابن مريم قابلا للهلاك كان غير إله فالمقدم حق فالثاني حق فالملازمة صحيحة. قوله تعالى: (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا).

стр. 545

من عطف العام على الخاص، أي وأهل الأرض كلهم قابلون للإهلاك، والمسيح ابن مريم منهم فحكمه كحكمهم سواء. قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). كالدليل على الدليل أي الدليل على أن الله تعالى هو الملك القادر عليهم أنه ملك جميع من في السماوات ومن في الأرض. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ... (١٨)﴾ أي قالت اليهود: ونحن أبناء الله لَا غيرنا، وقالت النصارى: نحن أبناء الله لا غيرنا، فكل طائفة كذبت الأخرى في مقالتها، لأنهم أتوا بأداة الحصر وهي البناء على المضمر. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ... (١٩)﴾ ابن عرفة: اختلفوا هل خلا العصر من سمْعٍ أو لَا؟ حكاه ابن رشد والمازري من كتاب الجهاد، والآية دالة على أنه لم يخل من سمع، لقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) فلو خلا من سمع لما كانوا أهل الكتاب. قوله تعالى: (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ). إن قلت: أول الآية مناقض لآخرها فأولها يقتضي أنهم أهل كتاب، فقد جاءهم البشير والنذير، فكيف يقال: إنه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاءهم ليلا، يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، قال: والجواب أنه إشارة إلى مغالطتهم، وأنهم لو لم يبعث إليهم محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنكروا بعث الرسل؛ لأن إنكار الإنسان لما هو غائب عنه لم يتوصل إليه بالسماع أشد وأقرب من [إنكاره*] لما هو حاضر بين عينيه، يشاهده ويراه في كل وقت. قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

стр. 546

أي قادر على إعادتكم وحشركم، أو قادر على تنعيم من بشر فاهتدى، وتعذيب من أنذر فتعنت ولم ينزجر. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... (٢٠)﴾ زاد هنا (يَا قَومِ)، وفي سورة إبراهيم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) فأسقط هنالك يا قوم. قال ابن عرفة: وسبب ذلك أن التكليف إن كان بأمر خفيف لم يقع فيه إطناب ولا تأكيد، وإن كان بأمر مشق أتى فيه بالنداء، كما إذا أراد الأب من ابنه أمرا مشقا، فإنه يقول له: يا ولدي، افعل كذا بخلاف ما إذا كلفه بأمر خفيف فإِنه لَا يناديه كذلك، قلت: وأجاب أبو جعفر بن الزبير بأنه اعتمد في الفائدة على تذكيرهم بأنواع النعم من جعل الأنبياء فيهم وجعلهم ملوكا، وإعطائهم ما لم يعط غيرهم، وكان ذلك تشريفا باعتناء الله بهم وتفضيلهم على من عاصرهم، فناسب نداء موسى لهم يا قوم فالإضافة إلى ضميرهم إشعارا بالقرب والمزية، ولما اقتصر في سورة إبراهيم على تذكيرهم فنجاتهم من آل فرعون، وما كان يتوهم فيمن ذبح ذكور أبنائهم، واستحيا بناتهم ولم يذكر منها شيء من هذا فناسب الاقتصار على خطاياهم دون النداء يا قوم. قوله تعالى: (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ). قال ابن عرفة: إن أريد بالمؤتى الأنبياء فالعالمين عام في النَّاس كلهم، أي وأرسل إليكم من الأنبياء ما لم يرسله لأحد من العالمين، وإن أريد بالمؤتى المعجزات فالعالمين هم عالمون زمانهم؛ لأن معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم من معجزات موسى، وأتى بقوله (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) قال ابن عرفة: أتى به غير معطوف لمغايرة هذه الجملة لما قبلها، فالأول خبر وتذكير بنعم الله عليهم، وهذه تكليف وأمر لهم، وتقدير هذه الأرض إما في الدنيا بكثرة خيراتها ونعيمها، وإما في الآخرة بكثرة ثواب الأعمال فيها؛ لأن فيها بيت المقدس. قوله تعالى: ﴿التِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُم (٢١)﴾ تحريض وحث على دخولها بمعنى أنكم لَا بد لكم من دخولها؛ لأن ذلك مقدر عليكم مكتوب في علم الله تعالى. قوله تعالى: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) لما كانوا في مقام الامتنان بهذا فكانوا حاصلون فيه، فإن لم يمتثلوا صاروا كأنهم ارتدوا على أدبارهم.

стр. 547

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ... (٢٢)﴾ ابن عرفة: انظر إلى شدة هلعهم وخوفهم وتكاسلهم وعدم وثوقهم بما وعدهم موسى من أنهم لو مضوا إليها [لدخلوها حتما، وظفروا*] بأهلها، فجعلوا المانع لهم من دخولها وجود مطلق قوم جبارين فيها فضلا عن أن يكون أهلها كلهم جبارين حتى عرض منها بالغوا في الامتناع من الدخول بنفيهم الدخول بكلمة لن [وجعلوا النفي مغيا*] بحتى المقتضية لدخول ما بعدها فيما قبلها، فإِن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (فَإِن يَخْرُجُوا) مع أن مفهوم [الجملة الغائية*] تقتضيه؟ فالجواب: أنه أفاد تأكيدهم دخولهم لها بأن مع الجملة الاسمية المقتضية لكمال دخولهم لها بعد ذلك وثبوته ولزومه. قيل لابن عرفة: وأراد نفي ما يتوهم من دخول ما بعد حتى فيما قبلها، كما قلتم: أكلت السمكة حتى رأسها فيتوهم أنهم قصدوا نفي الدخول أبدا. قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ... (٢٣)﴾ ولم يقل: ادخلوا إشارة إلى الأمر بقتالهم حتى تهزمونهم فيلجأون إلى باب المدينة فيدخلون عليهم. قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ... (٢٨)﴾ قال الزمخشري: هلا اكتفى بجواب الشرط منفيا بلفظ المستقبل؛ كما أتى في الشرط مثبتا بلفظ الفعل، وأجاب بجواب لَا [ينهض*] وهو أن قال: إنما جاء هكذا ليفيد أنه لَا يفعل ما [يكتسب*] به هذا الوصف [الشنيع*]، ولذلك أكده باللام المؤكدة للنفي، وأجاب ابن عرفة بوجهين: الأول: أن الأمر الثابت الواقع لَا يندفع إلا بالأمر القوي البليغ، ونفي بسط اليد للقتل يتقرر ثبوته بأحد أمرين: أحدهما: نفي بسط اليد من أصل الكف، والمدافعة [ ... ] عن بسطها للقتل فنفاهما بالأمر الأبلغ ليثبت نقيضه، وهو قتل أخيه إياه. الوجه الثاني: أنه نفى بسط يده إليه ليقتله فلذلك نفاه بالاسم، ونفى بسط يده إليه ليكف عن نفسه ويدافعه إشعارا بأنه لَا يقتله. قوله تعالى: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).

стр. 548

إنه تعريض لأخيه الاقاتل بأنه لَا يخاف الله. قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ... (٣٠)﴾ وقرئ فطاعت له نفسه فقراءة (طوعت) يقتضي أن نفسه سولت له القتل، وقراءة (طاعت) تقتضي أن القتل حمل نفسه على اقتحامه ودعاها إليه فانطاعت له. قوله تعالى: (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ). أي صار، ابن عطية: أقيم بعض الزمان مقام كله، وخص الصباح به؛ لأنه أول النهار والانبعاث إلى الأمور ومظنة النشاط، ورده أبو حيان بأنهم جعلوا أضحى، وظل، وبات بمعنى صار وليس شيء منها بدأ النهار، فكما أجريت هذه مجرى صار كذلك أصبح لَا للعلة التي ذكر ابن عطية، وأجاب السفاقسي في كلام ابن عطية ما يدل على منع استعمال غيرها بمعنى صار بل ذكر توجيها حسنا لبقاء أصبح على معناها من الزمان من أنها يجوز لها إلى استعمالها في كله من باب استعمال جزء في الكل، وهو أحسن من استعمالها بمعنى صار، لأنه إخراج لها عن معناها بالكلية، ورده شيخنا ابن عرفة [باحتمال*] أن يكون من استعمال اللفظ المشترك في أحد مفهوماته] ولا خلاف في أنه حقيقة لَا مجازا، وقد صح استعماله أصبح بمعنى صار. قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ... (٣١)﴾ الجمهور بنصب الفاء عطفا على قوله (أَن أَكُونَ) وقال الزمخشري: إنه منصوب على جواب الاستفهام، ورده أبو حيان بأن شرط ما ينتصب جوابا بعد الفاء بأن يستند منه مع ما هو جواب له شرط وخبر، كقوله تعالى: (فَهَل لَنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشفَعُوا لَنَا) أي أن يكون لنا شفعاء فيشفعوا لنا، ولو قلنا هنا: إن عجزت أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوأة أخي لم يصح، وأجاب ابن عرفة بأن ما هو في سياق الاستفهام كالاستفهام، وما هو في سياق الشرط كالشرط، وإنما التقدير هنا: أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوأة أخي. قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ). قال أبو حيان: قبله جملة محذوفة أي: يواري سوأة أخيه فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ. ابن عرفة: كتب عليه قبلهم لَا حاجة إلى هذا الإضمار؛ لأن ندمه ليس هو على المواراة إنما هو على قتله أخاه وحمله إياه على عاتقه عاما كاملا وهربه حتى بعث الله إليه الغراب، فالمراد إزالة الندم؛ لأنها سبب فيه، وأجاب بعضهم بما قال الزمخشري

стр. 549

أنه ندم على تلمذة الغراب واتباعه إياه في تقليده له المواراة فيندم على المواراة الموجبة لتلمذة الغراب. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٣٣)﴾ قال ابن عرفة: أي يحاربون عباد الله فهو على حذف مضاف، أو يكون عبر باسم الله تعالى على عباده تشريفا لهم وتعظيما لهم؛ لأجل محاربتهم لهم فيكون مجازا فيتعارض المجاز والإضمار، وفيها ثلاثة أقوال ثالثها لرضي الدين النيسابوري: أنهما سواء، ابن رشد: محاربة الله ورسوله عصيانهما بإضاقة السبيل هو السعي في الأرض فسادا هو المراد بعينها، ولكنه كرر تخيير لفظه تأكيدا وتعجبا، كقوله تعالى: حكاية عن يعقوب ﵇ (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) والبث والحزن شيء واحد، وكقول الشاعر: وهند أتى من دونها النأي والبعد المحاربة مع الرسول ممكنة، ومحاربة الله لَا تمكن؛ فيحمل على أولياء الله، فيكون [يحاربون*] [قولا*] على الحقيقة والمجاز معا، وهو ممتنع، وأجيب بأن المعنى يخافون أحكام الله ورسوله، ابن عبد السلام: المتقدمون يذكرون الخلاف بين العلماء هل لفظة (أو) فيها [للتخيير] [ولَا ينسبون*] إلى مذهب التخيير وهو كذلك إلا أنهم إذا ذكروا التخيير، يقولون: إن الإمام لم يعين بعض هذه العقوبات بمجرد الهوى، ولكن على قدر الجناية، فيخرج التخيير عن حقيقته فيعود (أو) للتفصيل لبعض الأقوال على [أن*] في الآية ليست في التخيير. قوله تعالى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا). عطف تفسيري مثل (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) قال ابن رشد في المقدمات في تلك الآية: أي ويسعون في الأرض فسادا بالحرابة فهو عظف أعم على أخص له ومقيد له لَا أنه يفيد أن السارق يقتل، وأن الظالم يقتل، قال ابن العربي: ووقعت مسألة في محارب حارب قوما وقاتلهم على امرأة ليتمكن من الزنا بها، وأفتى العلماء أنه غير محارب، قال: وهو جهل عظيم بالله وبالمسلمين، كيف يقال: هذا غير محارب مع أن مفسدة الزنا أشد من مفسدة أخذ المال، ورده ابن عرفة: بأنه لو حاربهم لقتلهم فقط لعداوة بينه وبينهم لم يكن محاربا

стр. 550

بل يعاقب عقوبة غير المحارب، وكذلك من يعادي رجلا يلقاه في رفقة فيقاتلهم ليتمكن من عدوه فإِنه ليس بمحارب. قيل لابن عرفة: هذا في المعنى فلو كان من شأنه الوقف في الطرقات لمجرد القتل فقط دون أخذ المال فهل هذا محارب، قال: إنما الحرابة القتال لأخذ المال. قال ابن عرفة: وكان سارق في مدة الأمير أبي بكر سرق من رأس الطابية شيئا فصلبه السلطان معكوسا حتى مات. قوله تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا). قيل لابن عرفة: احتجوا بها على القول بالإحباط، قالوا: المحارب مجزءا ولا شيء من المسلمين بمجزءا فلا شيء من المحاربين بمسلم. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ... (٣٥)﴾ لما تضمن الكلام السابق النهي عن المحارب أتت هذه الآية مشعرة بأنكم لا تنصروا على اجتناب المحرمات فقط بل افعلوا أيضا مع ذلك الأمور التي أمرتم بها لتكون وسيلة عند الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ ... (٣٦)﴾ قال الزمخشري: يجوز أن يكون (وَمِثلَهُ) مفعولا معه، والعامل فيه ثبت الرافع؛ (١)، وتعقبه أبو حيان (٢) بأن الضمير في (معه) إن عاد على (ما) [فهو تكرار*] أي مع ما في الأرض معه، وإن عاد على [(مثله) *] كان عيًّا من الكلام؛ لأن المعنى مثل ما في الأرض مع مثله، أي مصاحبا للمثل، فيكون مع مثله، وأجاب المختصر بأنه إذا صحب المثل لوجود ما في الأرض، فقد صحب ما في الأرض؛ لأن وجود الشيء نفسه، قلت: قال ابن القصار: ولو سلمنا أن وجود الشيء غيره فلا يضر؛ لأن المضاف إذا كان جزءا من المضاف إليه أو كجزئه عومل معاملته في الحكم كقوله: [وَتشرقُ بالقولِ الذي قَدْ ادَعْتهُ ... كما شَرِقَتْ صدر القَناةِ من الدَّمِ*] أبو حيان: وقوله: والعامل فيه ثبت الرافع؛ لأن وصلتها، [وهو*] مذهب المبرد فيما يقع بعد (لو)، وسيبويه يجعل [ما بعد لو*] مبتدأ، قلت: قال ابن القصار: المنقول عن سيبويه غير هذا [ ... ]

стр. 551

قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ابن عرفة: مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالحر عملا بظاهر عموم هذه الآية، ومذهب مالك أن العبد يقتل بالحر ولا يقتل الحر بالعبد، لقوله تعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) لكن يرد علينا بأن ظاهر الآية أن الأنثى لَا تقتل بالذكرَ ولا العكس فيجيب بالحديث، فإِن قلت: لم خصت هذه الأمور دون اليد وغيرها من الأعضاء؟، قلنا: لشرفها بالنسبة إلى ربها، فإن قلت: لم أفردت هذه الألفاظ وجمعت الجروح؟، قلنا: ظنا لإمكان تعددها في الشخص الواحد بخلاف تلك. قوله تعالى: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ). قرئ بضم النون فأعربه الزمخشري عطفا على الضمير المرفوع في (بِالنفسِ) أي مأخوذة في النفس هي، والعين يكون بالعين حالا، ورده أبو حيان بأنه ضمير رفع متصل فلا يعطفه عليه إلا بعد تأكده، [والفصل*] مثل: [لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا*]، وقال الفارسي، وغيره: لَا وصل فيه ولم يعتبر (لَا)، وأجاب أبو حيان: والمختصر بأنها معتبرة، قلت: وزاد الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد ابن القصار في التعقب أنه بعيد من جهة المعنى؛ لأنه يكون المعنى أن النفس مأخوذة هي والعين بالنفس فتكون العين مأخوذة بالنفس حالة كونها قصاصا في العين، ومنهم من يجعلها عطفا على التوهم، وهو أنه يتوهم حذف أن والنفس لمرفوع، ورده أبو حيان بأن العطف على التوهم مخصوص بالشعر، وأجاب الأستاذ أبو العباس ابن القصار، أنهم قالوا في قوله تعالى: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) بجزم أكن عطفا على أصدق متوهما حذف الفاء وأنه مجزوم في جواب الغرض المضمر معها الشرط، قال ابن القصار: والصواب عندي غير هذا كله، وهو أن يكون (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) منصوب على المفعول، (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) معطوف عليه على سبيل الحكاية، ولم يحكِ الأول؛ لأنه مفرد في المعنىَ تقديره: كتبنا عليهم كون النفس بالنفس، والثاني جملة والحكاية كما تقول: قرأت براءة وقرأت الحمد لله رب العالمين، انتهى. ولما ذكر أبو حيان قراءة (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) بالرفع إذا اختلف فيه، فقيل: من عطف الجمل فهو على موضع أن، ورده بعدم المجرور، وأجاب ابن عرفة: بأن عطف الجمل لَا يقال فيه على الموضع؛ لأن ذلك جائز بقول: خرج عمرو وزيد قائم، قال: وقيل معطوف على الضمير المرفوع في (بِالنفسِ)، ورده بأنه ضمير متصل فالعطف عليه من غير تأكيد ولا طول لَا يجوز، بخلاف قوله تعالى:

стр. 552

(إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) قال أبو حيان: وقول من قال: إن الفصل ولو بلا يجوز للعطف على الضمير المتصل، مستدلا بقوله تعالى: (مَا أَشْرَكنَا وَلَا آبَاؤُنَا) غير صحيح لَا يشترط الفصل إلا بين المعطوف عليه وبين حرف العطف، ولا في قوله (وَلَا آبَاؤُنَا) وأتت (لَا بين) حرف العطف والمعطوف. قال ابن عرفة: هذا لَا يصح؛ لأن سيبويه قد قال ويقول: زيد قام هو وعمرو لا يجوز العطف حتى يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وكلامه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه لَا بينه وبين حرف العطف، وقد وجه السراج لسيبويه العطف إلا بعد التأكيد أو الطول بأن الضمير لشدة اتصاله بالفعل صار كالجزء منه فلم يكن ثم ما يعطف عليه، ولا يشترط الفعل إلا قبل المعطوف لَا قبل حرف العطف، فإن لَا قبل المعطوف بعد ذلك حاصلا لكنه فيه وجه آخر يمنعه، وهو أن يكون أخذ العين بالعين وما بعده مرتبا على قتل النفس بالنفس فإِنه معطوف على ضمير وما هو خبر عنه وليس كذلك، قلت: وقال ابن عرفة في الختمة الأولى: (الْعَينَ بالعَينِ) قيل: حال، ورد أبو حيان بأنها حال لازمة والحال من شرطها الانتقال، وأَجاز ابن عرفة بأن النحاة أجازوا ضربني زيدا قائما، وأكثر السويق ملتوتا، وكلاهما لازمة. قال ابن عرفة: وإنما رده عندي أنه يقتضي أن العين تبقى بالنفس؛ لأنك إذا قلت: قام زيد في الدار وعمرو، فالمعنى وعمرو في الدار وليس المعنى وعمرو في السوق. قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). قلت: تقدم لابن عرفة فيها أن هذا أبلغ من أن لو قيل: من حكم بغير ما أنزل الله فإِن الآية تتناول من يحكم بالباطل وحكم بالحق، أو ترك الحكم وانظر هل المراد الحكم اللغوي فيتناول المعنى الظاهر عندي أن هذا الوعيد الخاص إنما هو للحاكم؛ لأنه يجبر الخصم على فعل ما حكم، والحكم به بخلاف المعنى. قيل لابن عرفة: فمن حكم بالقياس، فقال: هو مما أنزل الله؛ لأنه يستند إلى المتبوع وجاء في الحديث ما يقتضي العمل به، قال أبو جعفر بن الزبير: فيها سؤالان: الأول: قال في الأولى (فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وفي الثانية (هُمُ الظَّالِمُونَ)، وفي الثالث (هُمُ الْفَاسِقُونَ). الثاني: كيف ورد الأخف بعد الأثقل، وآية الوعيد يقصد فيها الترقي من الأخف إلى الأثقل ثم نقل عن بعضهم أنه أجاب عن الأول بأنه لما تقدمها (فَلا تَخشَوُا النَّاسَ

стр. 553

وَاخشَونِ) وعدم خشية الله تقصير فيما يجب وجحد الواجب له فعقبه بقوله (هُمُ الْكَافِرُونَ)، والثانية قبلها (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) وهي حقوق متعلقة بالنفوس والوقوع فيها أظلم، قال: وأشار الزمخشري في [وجه*] الترتيب، بأن عددهم المرادون بهذه الأوصاف اليهود فالكافرون، والظالمون وصف لهم بالعتو في أمرهم حين ظلموا بالاستهانة وتمردوا، فالاستهانة شدة ظلمهم، وظلمهم المسبب عنها بعد كفرهم أشد من الكفر، ثم إن التمرد المعبر عنه في الآية بالمعنى الأشد من الاستهانة، لأن [التمرد*] يقتضي تعمد الفعل فهذا وجه الترقي في الوعيد، وأجاب [الفخر*] ابن الخطيب بأن الظلم في الآية الثانية واقع عن الكفر وزيادة الظلم فهو أشد من الكفر مجردا؛ لأن الأولى قبلها (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) فلم يتقدمها غير مجرد ظلمهم لأنفسهم، والثانية فيها ظلمهم لأنفسهم ولغيرهم لمخالفتهم في القصاص فكانت أشد، ثم عقبها بالفسق؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله قد يقع من غير الكافر فجعل الظلم والكفر خاصا باليهود، والفسق يعمهم مع غيرهم، وأجاب الزبير بأنها كلها في اليهود لكن الأول كفر، والثاني كفر وظلم فهو أشد لكن الظلم يقع على الصغيرة والكبيرة، والفسق لم يرد في القرآن واقعا على صغيرة ونظيره ثابت، فالفسق كفر وظلم وزيادة لَا يقع إلا على المتوغل في الكفر، وقد وصف به إبليس فهو أشد. قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ... (٤٦)﴾ قال السهيلي: إنما [نعتت*] مريم في القرآن [بابنها بخلاف غيرها*]؛ لأن عادة العرب أن يجحدوا أسماء النساء الحرائر غيرة عليهن، ويعينون أسماء الإماء، وكان الكفار يعتقدون في مريم أنها زوجته، وأن عيسى [ولده*]، فعين اسمها رادا عليهم، ونسبها على أنها مملوكة لله ، فرده ابن عرفة بأن الأمة على نوعين: موطوءة، وغير موطوءة، قال: وإنما الجواب أنها [نعتت*] تشريفا لها. قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ ... (٤٧)﴾ قال ابن عرفة: إن أريد الحكم حقيقة فيكون خطابا للخواص، وإن أريد العمل بذلك فيكون خطابا للعوام. قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ... (٤٨)﴾ قال ابن عرفة: يحتمل عندي أن يكون الشرعة الطريق، والمنهاج منهاجها ومقصدها الذي يوصل إليه. قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ).

стр. 554

احتج بها ابن حزم على إبطال القياس، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير مجتهد لإمكان وجود النص عنده إذا طلبه قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ). أي: ليختبركم فيما آتاكم من الشريعة المنسوخة [فيعكفون عليها*]، ويعتقدون أنها غير منسوخة. قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ). قال ابن عرفة: المعنى أن كل واحد منهم مكلف بأن سبق صاحبه إلى ذلك، والآخر كذلك، وهذا محال، فقال: السابق في الأمر أحدهما، وفي الظاهر كل واحد منهما يمكن أن يسبق صاحبه، فكلفا معا بما هو ممكن في الظاهر. قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ... (٤٩)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول معناها: لَا تتبع أهواءهم على البدلية لَا على المعية، أي لَا تتبع أهواء كل طائفة منهم بدلا من أهواء الأخرى. لأن أهواءهم جمع هوى وهو اسم جنس واسم الجنس لَا يجمع إلا اختلفت أنواعه، واتباع الهوى المختلفة غير المعينة جمع بين النقيضين فهو محال، والتكليف بالمحال محال إذ لا يجوز أن يقول لأحد: لَا تكرم زيدا ولا تجمع بين النقيضين؛ لأن ذلك محال. قوله تعالى: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ). قال ابن العربي: المراد عن كله، رواه ابن عرفة بأن الأمر بالحذر منهم عن الفتنة في البعض يستلزم الحذر عن الفتنة في الكل من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ... (٥٣)﴾ قرأ نافع وابن كثير بإثباتها والرفع، فالنصب عطف على أن يأتي حملا على المعنى، وإلا فلا يجوز عسى أنه إن يقول المؤمنون، وأجاب بأن الله يصيرهم قابلين ذلك ببصره وإظهاره إليه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتمادا على المعنى. قال ابن عرفة: لَا يحتاج إلى تعقبه الأول وأن الذي يبطله أن الجملة المعطوفة ليس فيها مميز عائد على المبتدأ وهو أنه؛ لأنه أصله وأن يأتي خبره، ويقول: معطوف عليه عنده، ورده أيضا بأن هذا القول ليس بعد الإتيان بالفتح ولا يلزم هذا. لأن الواو لا ترتب، حتى حكى ابن يونس في كتابه الإجماع على ذلك. قوله تعالى: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ).

стр. 555

قال أهل علم البيان: الإشارة يؤتى بها للتحقير؛ كهذه الآية، ومثله (بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هَذَا)، وكقوله: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) [تقول وصكت صدرها بيمينها: ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس*] (١) يصف امرأة وهي رأت بعلها يخون وهي في جمع من النساء فاحتقرته، حكاها المبرد في الكامل]. قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ). قلت لابن عرفة: هذا دليل على صحة قول النحاة: أن أصله أن زيدا قائم، ثم والله إن زيدا لقائم سماه الله جهد أيمانهم، وأشار إلى أنه الغاية في ذلك. قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ ... (٥٤)﴾ ليس المحبة الميل وإنما هي بمعنى صفة الإرادة أي من يذمهم الخير والرضا وصفة الفعل أن يفعل به الخير، وقال عياض في الإكمال أن محبوبه يصح أن يكون بمعنى الميل؛ لأنه من المخلوق. ابن عرفة: وكان بعضهم يرده بأنه لَا يمال إلا إلى كمال إليه، والجسم في حق الله تعالى محال. قوله تعالى: (وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ). قيل لابن عرفة: لم أفرد اللومة واللائم، والمناسب جمعهما؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فأجاب بمثل ما أجاب الزمخشري، في قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) أي معلمين الكلاب إشارة إلى [ضريهم*]، ومعرفتهم بالتعليم، وكذلك هذا إشارة إلى أنهم لَا يخافون لومة لائم الذي يعتبر لومته، وهو الذي له تمييز ومعرفة بحقائق الأمور ومواضع اللوم فيها. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ... (٥٥)﴾ قال ابن عرفة: هذا عندي إشارة إلى الاستدلال بالقرآن ثم بالسنة ثم بالإجماع. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: في هذا مقدمة مضمرة، ويجعله من القياس الشرطي الاقتراني، مثل قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) والتقدير: من يتول الله ورسوله فهو من حزب الله، وكل من هو من حزب الله غالب، ومن يتول الله ورسوله غالب وإن لم

стр. 556

تقرره هكذا يكون مشكلا؛ لأن المرتب على هذه القضية الشرطية ثابت في نفس الأمر، وكل ما هو ثابت في نفس الأمر لَا يصح ترتيبه على القضية الشرطية، فلا تقول: إن قام زيد تطلع الشمس؛ لأنها تطلع سواء قام أو لم يقم، وكذلك (حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) سواء تولى الله أحد ورسوله أو لم يتول؛ لأن حزب الله هم الغالبون مطلقا إلا في هذه الحالة. قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ... (٦٤)﴾ قال ابن عرفة: هذه الآية تدل على أن ارتباط الدليل بالمدلول مادي لَا عقلي، إذ لو كان عقليا لما تخلف. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... (٦٧)﴾ ابن عرفة: ذكر الرب هنا مناسب على قاعدة أهل السنة في أن بعثة الرسل محض تفضل من الله تعالى. قوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ). فيه إشكال من ناحية أن الجواب غير الشرط، إذ لَا يجوز أن يقال: إن لم يقم زيد لم يقم زيد، وأجيب بأربعة أوجه، ذكر أبو حيان منها ثلاثة: الأول: أن المراد إن لم تبلغ الجميع وبلغت البعض فإنك لم تبلغ شيئا، ورده الرازي بأنه يلزم عليه الخلف؛ لأن المبلغ للبعض قد بلغ، وأجيب بأن المراد الحكم بالتبليغ لَا نفس التبليغ أي إن لم تبلغ الجميع، وتركت البعض فإنك محكوم عليك بأنك لم تبلغ شيئا. الجواب الثاني: أن المراد بذلك التعظيم والتفخيم، مثل: أنا أبو النجم وشعري شعري أي وشعري شعري المشهور للتعظيم، ابن عرفة: وكان بعضهم يتم تقريره هذا أحرى في التعظيم والتفخيم؛ لأن الجملة الابتدائية لَا تتركب من المحال بوجه، وجملة الشرط قد تركبت من المحال؛ لأن المحال قد يستلزم محالات مثل (لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فإذا حصل الشرط بعينه جوابا انتفى توهم احتمال كون الشرط محالا، فأفادت إعادته تحقيق كون الشرط ثابتا ممكنا ليس بمحال، فإذا جاز إعادة المبتدأ بعينه، فأحرى أن يجوز إعادة الشرط بعينه. الجواب الثالث: أنه من إقامة السبب مقام سببه، أي فإن لم تفعل فليس لك ثواب؛ لأنك لم تبلغ شيئا، أي وإن بلغت البعض ولم تبلغ الجميع فليس لك ثواب في

стр. 557

تبليغ البعض، وهذا ينظر إلى قول مالك ﵀ فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فضربه تسعة أنه يحنث وكأنه لم يضربه شيئا. الجواب الرابع: قال ابن عرفة: كان بعضهم يجيب بأن المراد بما أنزل الله القرآن؛ لأنه رأس المعجزة، ودليل عليها وما سواه من المعجزات كلها مستند إليه ومدلولات له. قوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ). أي: فإن لم تبلغ القرآن وبلغت ما سواه من المعجزات فلم تبلغ شيئا، وأخذوا من الآية صحة الدعاء بها؛ لأن المفسرين نصوا على أنه لم يكن معصوما قبل نزول هذه الآية، وعصم بعد نزولها مع إجماع النَّاس على أنه معصوم قبلها وبعدها، فدل على أن العصمة مقولة بالتشكيك، فالعصمة التي أعطي بنزول هذه الآية هي المنع من إذاية النَّاس له، والعصمة التي اختص بها مطلقا إنما هي أخص من هذه، فيصح الدعاء بها بالمعنى الثاني هو مطلق المنع، قالوا: والمراد بالنَّاس الكفار فهو عام مخصوص. ابن عرفة: لَا مانع من أن يراد به العموم فيمكن إذاية المسلمين له كأبي بكر وعمر لكن على سبيل الخطأ، كما يضرب أحدنا طائرا فتصادف الضربة زيدا فالمراد عصمته من الإذاية وغير المقصودة. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). قالوا: الألف واللام إما للجنس وهو عام مخصوص. قيل لابن عرفة: أو باق على عمومه بناء على أن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال كخالد بن الوليد فإنه كان حينئذ كافرا ثم أسلم بعد ذلك، فقال: يلزمك تحصيل الحاصل إن الله لَا يهدي القوم الكافرين. قال ابن عرفة: أو تكون الألف واللام للعهد، والمراد بها من علم الله أنه لا يؤمن. قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ ... (٦٨)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن قلنا: إن العموم شرعا كالعموم جنسا لم يحتج إلى إضمار الصفة، وإن قلنا: إن العموم شرعا ليس كالعموم جنسا فلا بد من إضمار صفة تقديرها: لستم على شيء معتبر؛ لأنه شيء غير معتبر شرعا. قوله تعالى: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ).

стр. 558

قال ابن عرفة: نصوا على ما بعد حتى داخل فيما قبلها فيلزم أن لَا يكونوا على شيء إذا أقاموا التوراة، قال: لكن يجاب بأنه قصد المبالغة والإشعار بأنهم لَا ينتفي عنهم وصف كونهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة ويدعوا على ذلك، وأما في أول الأمر فلا. قوله تعالى: (طُغْيَانًا وَكُفْرًا). الطغيان التعنت والعصيان، والكفر العصيان بالاعتقاد. قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ فإن قلت: لم نفي الخوف بالاسم وهو التألم بسبب أمر واقع فيما مضى، والمناسب العكس. قال ابن عرفة: فالجواب أنه روعي في كل واحد منهما سببه فسبب الخوف مستقبل وهو متقدم عليه، فجعل ماضيا ثابتا واقعا فأتي فيه بلفظة الاسم المقتضي للثبوت، وسبب الخوف ماض وهو متأخر عنه فجعل مستقبلا لتأخره عن سببه فأتي فيه بلفظ المستقبل. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... (٧٠)﴾ قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم لنا الأمر بالتبليغ واعتزال الكافرين وكانوا بعد ذلك لَا يطيعون عقبه بهذه الآية تسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدم طاعتهم له ببيان أن الأمم السالفة فعلوا كذلك مع أنبيائهم. قوله تعالى: (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ). إن قلت: هلا قيل: كل رسول جاءهم؟ فالجواب أنه أعم؛ لأن كلما شرط والجزاء معاقب للشرط فيفيد تعجيل فعلهم ذلك ومبادرتهم له بنفس مجيء الرسل لهم، وأيضا فكلما منصوبة على الظرفية فيفيد عموم قولهم ذلك في كل زمان إلا أن مالكا جعل كلما عامة. قوله تعالى: (فَرِيقًا كَذَّبُوا). فسره المفسرون على أنهم كذبوا فريقا من الرسل وقتلوا فريقا منهم. ابن عرفة: وكان بعضهم يفسره على إضمار فعل أي جعلنا فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، فيفيد أن بعضهم كذب الرسل وبعضهم قتلهم، ومفهومه أن البعض الآخر لم يكذب ولم يقتل، وهذا أنسب من الأول؛ لأن الذي قال المفسرون يقتضي أن جميعهم

стр. 559

عصوا الرسل إما بالتكذيب فقط أو بالقتل مع أن الثابت أن بعضهم أسلم وأطاع، وما قلناه نحن يقتضي أن بعضهم كذب، وبعضهم قتل، وبعضهم لم يكذب ولم يقتل، فإن قلت: لم كذبوا بلفظ الماضي، ويقتلون بلفظ المضارع مع أن الجميع واقع فيما مضى؟ فالجواب من وجوه: أحدها: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأن سبب التكذيب ماض، فعبر عنه بالفعل الماضي؛ لأن سبب التكذيب في المستقبل اعتبارا بسببه، وأجيب أيضا بأن القتل أمر فعل حربي، فأتي فيه بالمضارع تنزيلا للواقع منزلة [من*] أتى بالمحسوس للتصوير، والتكذيب به أمر اعتقادي غير [حربي*] فلذلك عبر عنه بالماضي. قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٧١)﴾ قال ابن عرفة: تكون بالرفع بأن مخففة من الثقيلة، وبان ناصبة وقراءة الرفع أبلغ؛ لأنه يكون مؤكدا بأن. قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ). لما اشتملت على عصيان بعضهم بالتكذيب، وعصيان بعضهم بقتل الرسل وبث الوعيد على أشد الوصفين وهو القتل؛ لأن الإبصار أمر محسوس فيتعلق بالمحسوس بخلاف التكذيب فإنه أمر معنوي فالمناسب له صفة العلم. قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ... (٧٥)﴾ قال ابن عرفة: الظاهر أن هذا داخل تحت الحصر، وأصله المسيح ابن مريم أمه صديقة فهو من عطف المفردات، ويحتمل أن يكون من عطف الجمل والظاهر حصرها في الصداقة. قال ابن عرفة: و (صِدِّيقَةٌ) مبالغة من الصدق أو من التصديق، ومنه سمي أبو بكر الصديق لتصديقه، وهذه الصفة لمريم رد على من قال إنها نبية. ابن عرفة: قال بعضهم: من جهة المعنى أنهم كانوا ينسبونها للنبي فبرأها ولدها بكلامه في المهد فظهر صدقها. قوله تعالى: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ). ابن عرفة: هذا استطراد؛ لأنهم إنما تكلموا في عيسى ونسبوه إلى الألوهية فلم يتكلموا في مريم بشيء، فإنه ذكره استطرادا وسبب ذكرها قيام عيسى عليها، أي كما

стр. 560

تعلمون احتياج مريم إلى الطعام، وأن ذلك موجب لحاجتها وافتقارها لحاجتها كذلك هو في عيسى ﵇. قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). هذا دليل على صحة ما يقولونه من أن ارتباط الدليل بالمدلول مادي؛ لَا عقلي، قال: ويجاب بأنه عقلي [فإنهم لم يعبروا*] على الوجه الذي منه يدل الدليل. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ قدَمنا أن عند ابن عرفة في الختمة منها ثلاثة أسئلة: أولها: [قوله: أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ*] على تخصيص غيره [بالعبادة*]، وهم لم يخصوا الغير بها، لكن أشركوا غير الله معه في العبادة، فقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وتقدم الجواب بأن عبادتهم الأصنام لَا تقتضي تشريكا؛ لأن من شرط المعبود أن لَا تشرك معه غيره فليس في التشريك عبادة فلم يعبدوا الله وأيضا فإِنهم لما أشركوا في العبادة جعلوا لكل من المعبودين نصيبا منها قولك النصيب الذي لغير الله عبدوا فيه ذلك الغير من دون الله. السؤال الثاني: لم قال (لَا يَمْلِكُ لَكُم) ولو قال: لَا يملك ضرا ولا نفعا لكان أبلغ في النفي والعجز وتقدم الجواب بأنه إذا كان لَا ينتفع الخاص به المقرب إليه، فأحرى أن لَا ينتفع به البعيد عنه ولا يضره. ورده ابن عرفة: ليس من باب أحرى؛ لأن هؤلاء شركوا في العبادة، وغيرهم خصوا غير الله بالعبادة فما يلزم من كون غير الله لَا ينتفع من أشركه في العبادة مع الله لا ينفع من اختصه بالعبادة فليس من باب أحرى، وأجاب ابن عرفة من السؤال بأنه لو قال: ما يملك ضرا ولا نفعا لكانت سالبة كلية، والسالبة الكلية تناقضها السالبة الجزئية، فكان يكون مفهومه أن الله يملك النفع والضر؛ لأنه إذا كان غير الله لَا يملك ضرا ولا نفعا كان الله يملك ضرا ونفعا من قولنا: يملك ضرا ونفعا بمطلق؛ لأنه في سياق الثبوت، والمطلق يقيده بصورة فيقولون هم: نعم الله يملك ضرا ونافعا لغيرنا، وهم الذين خصوا غيره بالعبادة تجردت وأما نحن فلا؛ لأنه إذا كان ضرهم لأنك صدق أنه يملك ضرا ونفعا فأتى بلفظة لكم فيكون الكلام أبلغ ولا يبقى لهم فيه مقال؛ لأنه أفاد أن الله يملك لكم الضر والنفع، وغيره لَا يملك لكم ضرا ولا نفعا.

стр. 561

قيل لابن عرفة: على هذا يكون نقيضه أنه يملك لبعضهم النفع والضر لكلهم؛ لأنها موجبة جزئية، فقال: القرينة تدل على التساوي، أم لَا فلو قيل: بالفرق ولا يخالفون هم في هذا ثم ذكرته له مرة أخرى، فقال: الإنصاف أن هذا تكليف. السؤال الثالث: لم قال (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) والمناسب هنا وصفه بالقدرة؛ لأن العلم والسمع إنما يناسبان من قصد التستر والاختفاء، وهؤلاء تعنتوا وتجوزوا، فما المناسب فيهم إلا العزة والانتقام والقدرة والمقدور، وتقدم الجواب بأنه من حذف التقابل، والتقدير: قل أتعبدون من دون الله ما لَا يملك لكم ضرا ولا نفعا ولا يسمع ولا يعلم، والله هو مالك الضر والنفع وهو السميع العليم. قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا ... (٧٧)﴾ إما أنه على حذف قد أو الفاء في الأول فقط وهو الظاهر. قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ ... (٧٨)﴾ قال ابن عرفة: هذا دليل على مفهوم الآية. لأنهم أيضا ملعونون على لسان سليمان وغيرهما من الأنبياء. قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). قال ابن عرفة: هذه دليل على ما يقولون الأصوليون في تنقيح المناط وهو التعليل ببعض العلل دون بعض مع كون المتروك أظهر من المذكور [وأجلى*]، مثل: "لَا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان"، فأخذوا منه أنه لَا يقضي عند شغل الخاطر وتشويشه إما [بنعاس*]، أو بجوع، أو شبع، أو خوف أو حزن، أو نحوه، وكذلك هذا إنما لعنوا لكفرهم بترك الموجب الأخص وعلل بأعمه وهو العصيان، كما ترك هنالك الأخص وهو الغضب وعلل بأعمه وهو التشويش، قال: وهذا دليل على أن العصيان يطلق على ترك المطلوب، لقوله (وَكَانُوا يَعتَدُونَ) فالاعتداء هو تجاوز الحدود ولا يلزم التكرار. قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ قال ابن عرفة: إن رجع إلى فعلهم المنكر فظاهر، وإن رجع إلى تركهم النهي عن المنكر تكون الآية دليل على أن الترك فعل، وإن ترك إلى الجميع فيكون غلب فيه جانب الفعل على جانب الترك. قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... (٨٠)﴾

стр. 562

قال ابن عرفة: موالاة القضاة والظلمة إن كانت لمجرد زيارتهم فهي حرام، وإن كان يزورهم لاستقاذ مظلوم ولمصلحة مظنونة فهو جائز، وقد كان يفعله سيدي أبو الحسن المنتصر، والزبير، والإمام، وكان سيدي أبو علي عمر الثوري، والشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن عامر في المغرب يجتنبون ذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ... (٨١)﴾ جعل الإيمان ملزوم لعدم اتخاذهم أولياء، فدل على أن موالاة الكافر كفر. قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ ... (٨٥)﴾ قال ابن عرفة: فيها سؤال وهو أنه تقدمها (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين)، فعبروا بلفظ الرب، فهلا قيل: فأثابهم ربهم؟ وأجيب بأنه إشارة إلى أن هذا الثواب إذا وقع من الله تعالى مع استحضار مقام التفضل والحنان والشفقة. قال ابن عرفة: وتقدمنا نحن الجواب بأن من حسن الاقتضاء أن يطلب الأجير أجره على سبيل التلطف، ويعتقد أنها تفضل من المستأجر ومن حسن القضاء بأن يعطي المستأجر الأجرة معتقدا أنها واجبة عليه، فالأول راجع لطريق الرجاء وطلب نيل الثواب فناسب التلطف بعبارة الرب، والثاني راجع للجزاء فهو إشارة إلى أن الله أوجب ذلك على نفسه شرعا ولا يجب عليه شيء، قال: وما هنا مصدرية أو موصولة بمعنى الذي، وكونها موصولة بمعنى الذي أقرب لمذهب أهل السنة، وإن جعلناها مصدرية كانت دليلا للمرجئة بأن مجرد النطق بالشهادتين كان في حصول الإيمان وفي دخول الجنة، وظاهر هذه الآية أن الجنات في الدنيا أشرف وأعلى من الدور التي لا جنات فيها؛ لأن الله أثابهم بالجنات فدل على أنها أفضل من الدور، وهل يكون للرجل الواحد جنات أو هو على التوزيع يحتمل. قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا). لأن النعيم إنما هو بالخلود، ثم قال (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦). قوله تعالى: (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ).

стр. 563

إحسان فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث القدر، فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك"، وفسره الله تعالى في أول سورة لقمان، فقال (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) .. فهو في الحديث أخص، قال: ويحتمل وجهين: أحدهما: أنه من إيقاع الظاهر موقع المضمر فيكون هم من المحسنين. الثاني: أنهم ليسوا من المحسنين لكن تفضل الله عليهم زيادة ما أثابهم به بأن أعطاهم جزاء المحسنين، ولذلك عبر في الأول بالثواب إشارة إلى التفضل، وفي الثاني إلى الجزاء إشارة إلى وجوبه أي أعطاهم الأجر الذي يستحق بالإحسان أي استحقه المحسنون بإحسانهم. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ... (٨٦)﴾ ذكره هنا لأحد وجهين: إما ليكون تقسيما مستوفيا بذكر الفريقين، وإما بأنه إشارة إلى نعيمهم [بجلب*] الملائم ودفع المؤلم. قال ابن عرفة: فإن قلت: لم عبر في الأول بالخلود ولم يقل هنا: [خالدين فيها*]؟ فالجواب بوجهين: إما لأنه من الجزاء، فبين الثاني لدلالة الأول عليه [وإما] لبيان حال المتقين، والثواب [الذي*] أعد لهم، فناسب فيها الإطناب في حقهم، والاكتفاء في الفريق الآخر بمطلق ذكره من غير إطناب. قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... (٨٧)﴾ ابن عرفة: فيه دليل على أن التنعم بالحلال أفضل من التقشف.

стр. 564

قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا). ما لَا تبالغوا في التحريم والامتناع، بل أو لَا تبالغوا في الدوام على فعل ما نهيتم عنه من اللباس والمطاعم المحرمة شرعا. قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ ... (٨٩)﴾ قال ابن عرفة: اليمين إن كانت في الماضي فهي على أربعة أقسام، فإن حلف على ما يتقنه وتبين له خلافه فهو لغو اليمين، وإن حلفه على ما يتيقن خلافه فهو غموس، ولو تبين أنها حق في نفس الأمر، وكذلك لو حلف على أمر مشكوك فيه عنده وإن حلف على مظنون فقولان، وعليه قال ابن الحاجب: قلت: والظاهر أن الظن كذلك وهما قولان منصوصان، وفسرت اللغو بأنه قول الرجل: لَا والله، ونعم والله. وأخذ به الشافعي ﵀ وبعض البغداديين من مذهبنا، وإن حلف على مستقبل فإن كان محالا أو ممكنا والغالب عدم وقوعه، كقوله: بالذي لَا إله إلا هو ما تمطر السماء في هذا العام فهو غموس وإن كان ممكنا فهو كفر، وفيه خلاف. قال ابن عرفة: قال بعضهم: يؤخذ من الآية خلاف مذهب مالك ﵀ من أن هزله في الطلاق أو النكاح لَا يلزم؛ لأن الآية على أنه لَا يؤاخذ المكلف إلا بما نطق به لسانه معتقدا له بقلبه فينبغي أنه لَا يلزم نكاح المهزل ولا طلاق المهزل قياسا على هذا، وأجيب بأنه مقيد، بقوله تعالى: (فِي أَيْمَانِكُمْ) فمفهومه أن اللغو في غير اليمين مأخوذ به، وقد قالوا في البيع: أن هزله جد فيعارض فيه المفهوم والعموم، فإن قلت: إن هنا مفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق، قلت: بل مفهوم الصفة، لأن أيمان جمع يمين وهو مشتق، أو تقول: أن تلك ليست بأيمان. قال ابن عطية: وتشديد عقدتم مبالغة في تكثير أحد الأيمان. ورده ابن عرفة بأنه كذلك وهو في اليمين الواحدة، وهي لغو وغير لغو، وإنما تشديدها مبالغة في عقدها ليخرج اليمين المشكوك في انعقادها. قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ). قيل لابن عرفة: ظاهر الآية أن اليمين يكفر خلاف مذهب مالك ﵀، وأجاب بوجهين: إما لأن الآية لَا تتناول إلا اللغو ولا تتناول الغموس بوجه، وبكون حكم الغموس معلوما من الحديث، أو يكون الضمير عائدا على بعض أفراد العام وقد ذكره بعضهم، أو يكون المراد كفارة حنثه، قال: ويؤخذ من الآية أن الاستثناء حل

стр. 565

اليمين وليس رفعا للكفارة؛ لأن كفارة مبتدأ وإطعام خبره، فأفاد حصر الكفارة في الثلاثة وغيرها ليس بكفارة. قوله تعالى: (إِطعَامُ). على حذف مضاف أي طعام إطعام عشرة مساكين، قيل له: فيؤخذ منه جواز إطعام أقل من عشرة طعام العشرة، فقال ابن عرفة: القضايا عند أهل المنطق أكثرها فعلية وجودية لَا تقديرية، والقضايا التقديرية قليلة. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ ... (٩٠)﴾ ابن عرفة: الخمر من خامر العقل مطلقا، وقيل: الخمر من العينة والأنصاب إن قلنا: إنها الأصنام فيكون عطفها على الخمر دليلا على تحريم الخمر. قوله تعالى: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ). ظاهره أن كونها من عمل الشيطان موجب لتأثيم شاربه، أو ظاهر حديث أبي بكر ﵁: أقول هذا فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، ظاهره عدم الخطيئة فظاهره تأثيم المجتهد المحقق، وهو خلاف الإجماع، قال: والجواب بأن هذا من أبي بكر ﵁ على جهة التواضع. قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). الرجاء مصروف للمخاطب، وتارة يكون رجاء مطابقا حقيقيا تاما، وتارة لَا يكون كذلك، كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) وهذا بحق الله لم يقع. قيل لابن عرفة: يظهر من الآية أنها رد على المعتزلة في أن العقل لَا يحسن ولا يقبح، وإنما التحسين والتقبيح للشرع؛ لأن الخمر والميسر كان عندهم حلالا أعني القليل من الخمر الذي لَا يسكر، فلو كان العقل يقتضي تحريمه لما كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام يشربون القليل منه، فقال: حلالا لمقتضى البراءة الأصلية، قيل له: بل يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم بهم وسكت عنهم، وسكوته عنهم إقرار لهم على ذلك. قال ابن عرفة: وتقدم استشكالنا في حديث حمزة في أنهم شربوا الخمر حتى ثملوا، وقول حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي مع أن الأمم متفقة على حفظ العقول، والجواب عقد بأن المحرم عند الجميع إنما هو الإسكار وقليله لَا يسكر، وكانوا
следующие страницы →