← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ما [فائدة قوله*] (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) بعد قوله (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) قلنا حقيقة أن يتوهم أن الملك لَا يرضى بذلك ولا [ ... ] لمن جاء بالصواع. قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ... (٧٣)﴾ ابن عرفة: هذا يسميه البيانيون المذهب الكلامي وهو الإتيان بالدعوى مصاحبة بالدليل وعلى طريقة المتكلمين لذلك سموها المذهب الكلامي، الزمخشري: ثم دخلوا على [ ... ] من حصيد النَّاس. قوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ ... (٧٥)﴾ فهو جزاؤه قيل خبرا مبتدأ ومن وجد مبتدأ ثاني خبره فهو جزاؤه والجملة كلها خبر جزاؤه الأول، ابن عرفة ورده أبو حيان بعدم الرابط؛ [وأجيب بأوجه*] الأول، لابن عرفة: الرابط الضمير المضاف فهو جزاؤه لأنه عائد على المكان إلى جزائه الأول أي فهو جزاء السارق أو فهو جزاء ذلك الفعل، وقد ذكر النحويون في أقسام الضمير الرابط أن لَا يكون ضميرا ما عائدا على ما اتصل بالمبتدأ مثل غلام الجارية صديقها وهذا هنا عائد على ما عاد عليه الضمير المتصل بالمبتدأ قلت: قال ابن القصار: هذا جائز عند الأخفش واستدل له بقوله: وَذي إخْوَة قطعت أَقْرَان بَينهم ... كَمَا تركوني وَاحِدًا لَا [أخا ليا*] فأعاد الضمير في بينهم على المضاف إلى الموصوف بتلك الجملة وظاهر كلام سيبويه المنع لأنه منع الربط مثل زيد [ ... ]، أبو عبد الله فأحرى هذا. الثاني: لابن عصفور في شرح مقربه في عدم الموصولات أو المبتدأ ذكر هذه الآية وقال: الرابط لفظ الجزاء [كرر*] مثل زيد قام زيد، فردها ابن عرفة: بأن الخبر الثاني غير الأول، قلت: أراد بالأول عقوبة الفعل، وبالثاني غير الأول، قلت: محل العقوبة. قوله تعالى: [(وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) *]. نقل أبو حيان أنه يجيز [الوقف*] على قوله (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) يكون (جَزَاؤُهُ) الأول خبر مبتدأ مضمرا في المسئول عنه جزاؤه، قال المختص: فيه لَا فائدة فيه لأن قوله (فما جزاؤه) يغني عنه، ابن عرفة: ويحتمل أن يجاب: بأن قوله [(فما جَزَاؤُهُ) أفاد فائدة*] يضمن إحديهما بالمطابقة وهي السؤال [عن*] نفس الجزاء، والآخرة [يضمن*] وهي السؤال عمن أضيف إليه الجزاء؛ لأن الجزاء تارة يضاف إلى السارق لَا عن جزاء غيره؛ فقوله المسئول عنه جزاؤه إذ وإن السؤال الحقيقة إنما هو من جزاء السارق وهو الذي اقتضى السؤال الأول بالتضمن أي المسئول عنه جزاء السارق من حيث هو

стр. 842

جزاؤه لَا الجزاء من حيث هو مثل ما إذا سألت عن قيام زيد فأنت سائل عن زيد القائم بالتضمن وهذه فائدة دقيقة [فتأملها*] [**نصب أن إما الله تعالى] قوله: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ... (٧٧) .. ابن عرفة: [لما أتوا بالمضارع*] صار جواب الشرط ماضيا لفظا ومعنى لتحقق [علمهم*] [ونكروا (أَخٌ) ليأتوا*] مع الضمير بلام الاختصاص على جهة التبرئ منه والبعد عنه أي (أَخٌ لَهُ) فقط لاعتقادهم أنه يشاركه في السرقة [التي لم تم براءته منها*] قوله (فَأَسَرَّهَا) إضمار على شريطة التفسير، وفسره قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) الزمخشري: [أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً بدل من (أسرَّها) *] واستبعده ابن عرفة لقوله: (وَلَم يُبْدِهَا لَهُمْ). قوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا ... (٨٠)﴾ أي [**نعت لقد رأي نومه (نَجِيًّا) أو يصدر] فيتعارض فيه المجاز والإضمار [ولأبي سعيد*] شارح سيبويه أنه جمع [أَنْجِيَةٍ*] فهو جمع الجمع. قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ). أضاف الأب إليهم دونه لَا يساعد من الرجوع إليه أو لأنهم لم يحزنوا لحزنه. قوله تعالى: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ). أي فلن أفارق الأرض مفعول له (١) لأن الفعل لَا يتعدى إلى ظرف المكان المختص إلا بواسطة في قوله: (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) فإن ظاهره أنه جعل قسم الشيء قسما له؛ لأن إذن الأب إنما هو بحكم الله، وأجيب: بأن المراد أو حكم الله لي بغير ذلك. قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ... (٨٢)﴾ سؤال القرية إما حقيقة فيكون خرقا للعادة لأنه شيء [وردَّه*] ابن عرفة: بأن الأمور الخفية لَا تحتاج فيها لسؤال ما لَا يعقل لإطلاعه على الغيوب بالوحي، وإما أن يراد وَاسْأَلِ أهل القرية بنكرة سيبويه، أو له كناية، [وقيل*] القرية اسم للجماعة، ابن عرفة: فإن قلت: لم قدم سؤال الغير والمناسب العكس لأن الغير أقرب إليه وأهون وإنما يبدوا في الأمور لحين فالجواب: أن هذا أبعد عن التهمة إشارة إلى نعم السؤال فإنه إذا ابتدأ بالآباء قد يكون تنبيها منهم بأول مهلة على عدم الافتقار على من قدم معهم بخلاف ما لو بدءوا بالقادمين معهم فإنه قد يتوهم أنهم أرادوا الاقتصار على سؤالهم فقط. قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ... (٨٣)﴾

стр. 843

ذكر ابن عصفور في الشرح الكبير عن الجمل أن هذه الآية مما يجوز فيها حذف المبتدأ وإثباته وحذف الخبر وإثباته، قال: والتقدير فأمري صبر جميل أو فصبر جميلا مثل لي. قال الخولاني: وهو خلاف ما قال ابن هشام في شرح الإيضاح وابن مالك فإِنهما قالا لَا خلاف أن المصدر المنصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره إذا ارتفع على الابتداء يجب حذف خبره ولو ارتفع على الخبر أوجب حذف مبتدأيه كقوله: شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ [السُّرَى*] ... صَبْرًا جَمِيلا فَكِلانَا مُبْتَلَى على رواية من رواه صبر جميل (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ... (٨٤) ... إن قلت: كيف تأسف على يوسف وأن فيه مع تقادم عهده كان مضيا عنده [ ... ]، وأجاب ابن عرفة: بأنه ﵇ كان يظن أن يوسف هلك حسبما ذكره الزمخشري أنه [رأي*] ملك الموت في النوم فسأله هل قبضت روح يوسف فقال لَا وأخوه بنيامين قد أخبرني أنه محبوس وقالوا له: إن يوسف أكله الذئب وتأسف الإنسان على من مات وانقطع منه أشد من تأسفه على من هو حي محبوس يرجو رجوعه ويطمع فيه. قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ). إن الحزن سبب في البكاء إذ البكاء سبب في الحزن، [البياض فهو من إقامة **المسبب مقام السبب]. قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ... (٨٥)﴾ ابن عرفة: القسم على الأمر المحقق جاز بلا خلاف واختلف في القسم على المظنون واختيار ابن الحاجب، لأنه قال: ومن حلف على ما شك فيه فتبين علاقة [ ... ] سلم، قلت: والظاهر أن الظن كذلك وهو أنهم أقسموا على أمر مظنون أو لم يكن منه شيء لأنهم أقسموا على أنه لَا يزال فيما يستقبل من الزمان يذكر يوسف حتى شارف الهلاك أو يهلك وهو لم يهلك بذلك ولا شارف الهلاك، لأن حزنه هذا لم [يبق*] هذه إلا يسيرا، واجتمع [بيوسف*] فإذا كان حزنه الماضي على طول زمانه وهو ثمانون سنة لم يهلك به ولا [شارف*] الهلاك فأحرى هذا، قيل له: إنه اتصاف إلى ما حكى فصار كثيرا وانضاف إليه حزنه على الأخوين الآخرين، فقال: إنما المعتبر ما أقسموا عليه وهو يوسف. قوله: (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) (أَوْ) مانعة الجمع فقط [وليست مانعة الجمع والخلو*].

стр. 844

قوله تعالى: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ ... (٨٧)﴾ انظر في آل عمران في قوله (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) قال الجوهري في الصحاح: وتحسست من الشيء أي [تخبرت خبره*] وحسست له أحِسّ بالكسر أي رفعت له وحسست بالخير وأحست به أي تعقبته وقال زَيْد بْنُ [صُوحانَ*] حين [ارْتُثَّ*] يوم الجمل [ادْفِنوني*] في ثيابي ولا تحسوا عني [تُراباً، أي لا تَنْفُضوه]، ابن عطية: [فَتَحَسَّسُوا*] أي استقصوا [ونقروا*] [والتحسس الشيء بالحواس من البصر والسمع*]، وقوله (من يوسف) متعلق بمحذوف يعمل فيه (تحسسوا) حقيقة من أمر يوسف، أبو حيان: وفيه [نظر*] لم يبين [وجهة*] النظر، فقال ابن عرفة: لعله يريد [أن مِن هنا بمعنى عن*] لأن هذا إنما يتعدى باللام أو بمن قلت وهذا لَا يصح لأن الجوهري قال في الصحاح وحسست عن الشيء تخبرت خبره. قوله تعالى: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ... (٨٨)﴾ إن قلت: قال في سورة الأنبياء (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأكد أيوب شكواه بأن هؤلاء لم يؤكد وأن المناسب كان العكس لأن هؤلاء يخاطبون يوسف الذي لَا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه وأيوب يشكو لحاله إلى الله تعالى العالم بخفيات الأمور، فأجيب: بأن سبب الشكوى في أيوب أشد من سبب الشكوى في إخوة يوسف لكن لما ورد أن الدود أكل جميع بدنه حتى وصل إلى قلبه [ ... ]، الزمخشري قيل: [إنها الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: المقل*]. ابن عرفة ودهن المقل. قوله تعالى: (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ). ابن عطية: يؤخذ عنه أن الكيل على البائع ولو كان على المبتاع لقالوا فاسمح لنا بالوفاء في الكيل، وقال مالك: الكيل على البائع، وقال فيما إذا قطع يد رجل أو رجله أنه ليس له أن يلي القصاص لنفسه بل تنبيهه من له. [ ... ]. بذلك قال مالك: وجزاء ذلك النائب على المقتص له ومذهب غيره أنه المقتص فيه، وحجة مالك: أنه بنفس الجنايات صارت اليد للمجني عليه وأجره قطعها عليه وحجة المخالف أن المجني عليه يقول للجاني أعطني يدا عوضا عن يدي ولا يمكن إعطاؤها إلا مقطوعة فبغى فيها حق التوفية وهو القطع، ابن عرفة: فجعل مالك الجزاء [ ... ]، المالك على المقتص له ومذهب غيره الحق للمجني عليه فيها قبل القطع بدليل أنه في أوسط كتاب الديات

стр. 845

فمن قطع يد رجل أو فقأ عينه فقطع آخر عين القاطع إن قبل المجني عليه أن غيره من يفعل في القاطع الجزاء أو نص في الخصوم بأحد الفعل في الخطأ فهذا يدل على أنه تعلق هذه بها قبل القطع. قوله تعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ... (٨٩)﴾ قلت لابن عرفة: فرق بين الاستفهام، أبو جعفر [ ... ] هذا السؤال هل الهمزة في تفيد له محطة بأن هل لَا يسئل هنا إلا الجاهل والهمزة يهملها من بين من لَا يعلم ومن يعلم على سبيل التقرير والتوبيخ رده بقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قال: إلا أن يريد أن (هَلْ) الاستفهام من الهمزة لكثرة حروفها، قلت: وقال صاحب الإسناد أبو العباس أحمد ابن القصار المعروف أن (هَلْ) في الاستفهام بمنزلة قد في الخبر أعني أنها لَا ينال بها إلا عن شيء متوقع، وهذا قد تلخص للتوقع إذا دخلت إليها همزة الاستفهام وأنشدوا ............... سَائل فوارس يَرْبُوع بشدتنا ... أهل رأونا بسفح القاع ذِي الأكم قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ... (٩٠)﴾ .. قدره الزمخشري: (إِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ) فأنت يوسف، وابن عطية: إنك غير يوسف أو أنت يوسف. قوله تعالى: (قَالَ أَنَا يُوسُفُ). احتج بها ابن مالك على أن العلم أعرف من المضمر لأن الخبر محل الفائدة إما يعرف الشيء بما هو [أجلى منه*]، ابن عرفة إن أراد الإعراف قبل الإخبار علم وليس هو كذلك في الآية وإن أراد الإعراف بعد الإخبار فليس هو مراد النحويين بقولهم أن هذا الشيء أعرف من هذا الشيء لأن خبر المبتدأ عندهم لَا يكون إلا مجهولا فلا يعتبر معلوما إلا بعد الإخبار. قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ... (٩١)﴾ ابن عرفة: إن قلت: لم أكدوا هذا بالقسم وهو أمر واقع محقق، وأجاب: بأنه لما كانت فيه غرابة بوقوع الإخبار على خلاف ما كانوا يظنون، أكده بالقسم والأثرة في الدنيا بالصبر على المنزلة، وفي الآخرة بكثرة الثواب وحمله الفخر على الدنيا فقط، وقوله (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) قال: والتفضيل نوعان فتفضيل يوجب الخزي للمفضول [كتفضيل المسلم على الكافر*] وتفضيل لَا يوجبه كتفضيل الأعلم على العالم فلما قالوا: (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ) أي فضلك الله، أجابهم يوسف بأن ذلك التفضيل لَا يوجب لهم تحريما ولا نقيضه؛ بل ثم نزل منزلتهم شريفة.

стр. 846

قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ... (٩٤)﴾ ابن عرفة: جعل خروج (الْعِير) موجبا لوجدانه ريح يوسف، وليس كذلك إنما الموجب خروجهم بالثوب فوجدان الريح من لوازم الخروج بالثوب لَا من لوازم مطلق الخروج فلم عدل عن اللازم النسبي إلى اللازم الأعم، قال: والجواب: أن [ذلك مبالغة في وجدان الريح*]؛ لأنه إذا كان الموجب له مطلق الخروج للسيارة فأحرى أن يوجبه الخروج بالثوب، فإن قلت: لم قال (لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) وهلا قال [أشم*] ريح يوسف؟ والجواب: [قال هو أبلغ لأن الوجد يكون*] بالقلب والتذكير [**ويرويا يوميه] فهو أضعف من الشم، قلت: جواب بوجهين: الأول: أن هذا من وجه أن المسألة إشارة إلى أنه وجد فسألته التي كاد يجب عليها، والثاني: أنه تلطف في الإخبار بما يدل على مبادي الشم ولو صرح لهم بالشم لبالغوا في شدة الإحكام عليه وكان بعضهم يحكي عن سيدي أبي محمد عبد الله المرجاني أنه كان يقول: ما يدرك [عادات الصديق إلا صديق لَا يعرف دلائل الولي إلا ولي*] لَا يستلذ برائحه المسك كاستلذاذ الخضري بها والخضري العطار ضده أنفس مما هو عند غيره لعلة يقدرها فيوسف وإن كان صديقا نبيا، وأبوه يعقوب كذلك فلذلك أدرك مماثله [وأماراته*] ولم يذكرها أحد من أهله الذين معه لأنهم ليسوا بأنبياء إذ هم حفدته وقرابته [وإما أساءوه فلم يجد*] حينئذ منهم أحد بل كانوا عند يوسف]. قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ [**إنما قال جهدته والآية عد من قرابته وهم غير معصومين؛ لأن النبي لَا يتصف بالضلال ولا ببينة لَا يجوز عليه] وفيه دليل على أن هذا لما كان يقال للأنبياء من أهلهم وغيره لأنه أصيب في ولده بسببهم، وهم مع ذلك ينكرون عليه حزنه. قوله تعالى: ﴿أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ... (٩٦)﴾ الزمخشري: طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو الفاعل يعقوب، ابن عرفة: طرح أي ألقاه على وجهه بلين ورفق (أَلْقَاهُ) أي وضعه على وجهه من بعد وكلاهما [قوي*] وقوله: (إِنِّي لأَجدُ رِيحَ يُوسُفَ) لَا يبعد أن يكون جواب قسم مقدر لأنه فهم عنهم الإنكار وقوله: (لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ) أن (لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ) لما رأيتكم في ذلك الزمخشري: (لَوْلا) تفنيدكم لصدقتموني ورده ابن عرفة: بأنه بمعنى الأول فلا فائدة فيه، أبو حيان لولا تفنيدكم لقلت لكم أجد ريح يوسف، ورده ابن عرفة: بأنه قد قال ذلك قال ولهذا كانوا يفندون على الحريري في قوله في المقامة الدينارية:

стр. 847

وحقِّ موْلًى أبدَعَتْهُ [فِطْرَتُهْ*] ... لوْلا التُّقَى لقُلتُ جلّتْ قُدرتُهْ وقال: ذلك مما أحرز منه وقع فيه إلا أن يجاب بأن المراد لقلت جلت قدرته وعظمته معتقدا ذلك. قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾ إن قلت: خطابهم عام في الاستغفار والأصل تقديمه، والجواب: أنه أخر قصد العموم والاستغفار من ذلك الذنب وغيره فلذا قالوا: (ذُنُوبَنَا) ولو قدموا السبب لكان في ذلك الاستغفار [مقصور*] على سببه، فإِن قلت: يوسف دعا بالمغفرة في الحال، فقال (يغفر الله لكم) ويعقوب [وعدهم*] بالدعاء بها فقال: (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) .. فما السر في ذلك؟ فالجواب: أن يوسف لشدة ما فعلوا به مع ما [ ... ] له لأن من الملك [ ... ] أن يقع عندهم منه هلع [**وجوب أن هو وعدهم بالمغفرة ولم يخبرهم ذلك لهم في الحال] فلذلك (قَالَ لَا تَثرِيبَ عَلَيْكُمُ) وأما يعقوب فهو من أمره في أمن ومعاتبة. فإِن قلت: هلا قال (أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) ربما فهو أقرب لإيقاع الأمن والطمأنينة لهم، قلنا: أضافه إلى نفسه لاختصاصه حينئذ بفرصة منه حيث جمع عليه [ ... ]، فإن قلت: حذفه من الجملة الأولى ما ذكر في الثانية وهو المفعول الأول لاستغفر، ومن الثانية ما ذكرِ في الأولى وهو المفعول الثاني لاستغفر فالأصل استغفر لنا ربنا ذنوبنا (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) [ذنوبكم*] فما السر في ذلك. قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). إن قلت: الرحمة سبب المغفرة لأنه إذا [حن*] له ورق عليه ستره، والأصل تقديم السبب، والجواب من وجهين: أنه قدم للاهتمام تقديم المغفرة، وإما [لذكر*] الرحمة مرتين أولا باللزوم وثانيا بالمطابقة، قال ابن العربي في رحلته بل في قانون التأويل بل سمعت بعض الزهاد يقول: إن الله رد على موسى أمه في لحظة، ورده يوسف على يعقوب في مدة طويلة قال فيه سبعة أوجه من الحكمة، الأول: أن أم موسى كانت ضعيفة لأنها أنثى وكان يعقوب قويا لأنه ذكر، الثاني: رمي موسى كان من الله، وذهاب يوسف كان من النَّاس لأنه استحفظه إخوته فخانوا فيه فأدب لأن لَا يستحفظ أحد غير الله، الثالث: أن أم موسى وثقت بوعد الله، ويعقوب بقي يرجى شفقة الإخوة، الرابع: أن أم موسى وعدها الله بإنجازه وعده، ويعقوب لم يكن له من الله وعد، الخامس: أن موسى رمي صغيرا فسبب إليه كفيلا، السادس أن يوسف لو قال حين أخرج من الجب أنا حر وابن نبي وهؤلاء إخوتي وهذه قريتي لما اشتروه ولكنه

стр. 848

استسلم فأسلمه الله تعالى إلى الحكمة، السابع: أن إخوة يوسف [قالوا*] (اطرَحُوهُ أَرْضًا) والأرض [أم الآدمي ومقره*] فلم [يلق بمضيعة*]، وموسى رمي في البحر فلم يكن له [بدٌّ*] من هلكته أو نجاة، فكانت النجاة السابقة في علم الله. قوله تعالى: [(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ*] ... (٩٩) ابن عرفة: قال: أولا فلما دخلوا عليه فأضمره لتقدم ذكر يوسف بالقرب وهنا لما بعد ذكره ووقع الفصل ليعقوب أظهره، وأيضا فإِن يعقوب هنا أول ما دخل عليه خلاف الأول فإِن [الأول*] تكرر دخولهم عليه، ابن عرفة: وكان بعضهم يقول إذا قلت: لما قام زيد قام عمرو يكون نصا في أن الأول سببا في الثاني، وإذا قلت: قام زيد فقام عمرو وقد يكون الأول سببا وقد لَا يكون والدخول ليس بسبب حسي. قوله تعالى: (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ). يحتمل أن يريد مجرد الدخول فقط أو الدخول والسكنى [والإقامة*] وصيغة افعل هنا للإكرام [والمشيئة للتبرك*]. قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ... (١٠٠)﴾ ولم يقل ساجدين لأن إخوته أحد عشر مع أبويه فلذلك غير [جمع الكثرة*]. قوله تعالى: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ). أي هذا مدلول تأويلها، قالوا: والمجرور متعلق برؤياي، وقيل: تأويل ابن عرفة معلقة بتأويل بني على صحة أن الرؤيا كانت قبل التأويل بهذا ولم يرد في ذلك حتى صحح. قوله تعالى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي). الإحسان أكثر من الإنعام لأنه مشتق من الحسن فالشكرية أقوى، فإِن قلت: فهلا قال في الفاتحة صراط الذين أحسنت إليهم لأنه دعاء، وإنما يدعو الإنسان بالوصف [ ... ]، قلنا: الإنعام هناك قدر مشترك بين [ ... ] المسلمين والطائعين منهم وأتى فيه بالمعنى الأعم الذي اشتركوا فيه بخلاف الإحسان فإِنه لم يحصل لجميعهم وهو المفسر في الحديث بقوله "أن تعبد الله كأنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك"، قيل لابن عرفة: دلالة في أنهم ما خروا له سجدا إلا بعد دخولهم مصر، ولم يسجدوا له عند أول [ ... ]

стр. 849

فإنهم له مع أنهم كانت تحيتهم السجود، فقال: لأنه خرج هو وفرعون [مصر عن ملكها*] فأخَّروا السجود حتى انفردوا بيوسف وحده. قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي). قال الفخر: احتج بها المعتزلة على أن الشر ليس مخلوقا لله ولا أراده، وأجيب: بأن إسناده للشيطان تأدب منه، وعلى مذهب الأشعري القائل بالكسب كما نقول قتل زيد عمراً وأفاد ذلك من فعل الله، ابن عرفة: وفي هذا احتراس روعي منه [**لستر إخوته] ويحتمل أن يقول بكون قوله (من السجن) تورية وإيماء للجب لصدقه على السجن الحقيقي بالمطابقة وعلى الجب مجازا. قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ... (١٠١)﴾ ابن عرفة: إن قلت لم ذكر متعلق لعلم ولم يذكر متعلق الملك، فالجواب: أن الملك كله في نفسه شريف فلذلك لم يحتج أن يقول رب قد آتيتني ملك مصر والعلم منه الشريف والساقط فلذلك ذكر متعلقه، فإن قلت: لم قدم الملك على العلم، والأولى العكس لوجهين أحدهما: أن العلم أشرف لأن الملك أمر [دنيوي*] والعلم موصل إلى الآخرة، الثاني: أن العلم سبب في ذلك لأنه به حصل له الملك وهو تأويله لرؤيا الملك، فالجواب: أنه قصد في الآية التي في ذكر الأوصاف النسبية في محل الشكر أو قدم الملك لأنه نعمة ظاهرة لجميع الخلق، والعلم بتأويل الأحاديث نعمة خفية لم تظهر إلا لبعضهم، إن قلت: لم ذكر هاتين النعمتين في وصف الشكر وترك النعمة العظمى، وهي النبوة وهي أولى بأن يذكرها ويشكر عنها، فالجواب: إنه في مقام النأي به والتعليم لغيره فذكر النعمة التي شارك فيها غيره ليقتدي به من حصل له شيء منها يشكر عليه، وأما النبوة فصاحبها معصوم لَا يحتاج تنبيهه للشكر عليه بوجه. قوله تعالى: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ). أي مبتدعها، قال ابن عباس: ما كنت أعرف ما معنى (فَاطِرَ) حتى اختصم إلي أعرابيان في بير فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. قوله تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا). قيل لابن عرفة: فيه سؤالان الأول الشيء معصوم [ ... ] على الإسلام وهلا دعا بأن على النبوة؟ فأجاب بوجهين: أحدهما أن الدعاء يكون لوجهين إما لتحصيل المطلوب وإما لإظهار التذلل والخضوع، وذلك فيما هو محقق الوقوع عند الداعي. الثاني أن هذا على سبيل التعليم لغيره، كما قال: [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ*] وأن

стр. 850

الإنسان لَا يركن إلى الواقع بل يدعو ما استطاع، السؤال الثاني أن الإيمان أخص من الإسلام (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، ولحديث ابن عمر "الإسلام أن تشهد أن لَا إله إلا الله [وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة*] وتؤتي الزكاة وتحج البيت، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره فمن حصل الإيمان حصل الإسلام" بخلاف العكس ألا ترى أن القدرية ليسوا بمؤمنين مع أن بعضهم يظهر له من التقشف والعبادة ما لم يظهر على بعض المؤمنين، فقال ابن عرفة: أما الآية فإنما ذلك فيها باعتبار الظاهر فالأعراب ظهر منهم الاقتفاء بالنبي وذلك هو الإسلام، وكذبوا في قولهم آمنا وانظر حديث أبي موسى وبلال في الأعرابي القائل للنبي ﷺ ["أَلَا تُنْجِزُ لِي، يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَبْشِرْ» فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ «أَبْشِرْ» فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ، كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا» فَقَالَا: قَبِلْنَا، يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا"*]. (١) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، وكذلك الأعرابي الذي جذب النبي ﷺ في رواية بشدة حتى أثر في عنقه وطلب منه أن يعطيه. ابن عرفة: وأما الحديث فالإسلام أخص ولا سيما على مذهب أهل السنة القائلين بأن المعاصي في المشيئة وأنه مؤمن مع وجود أنه تارك للصلاة والزكاة فليس بمسلم، والمعنى أنهم يقولون أنه كافر فترى الإسلام عنده أخص لا يصدق إلا على الطائع فما طلب يوسف إلا الأخص. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ ... (١٠٢)﴾ قال الزمخشري: هذا تهكم بهم، ابن عرفة أراد أنه ما يقال ما كنت تدري قيام زيد، وما كنت تعرف الفقه إلا لمن يظن به علم ذلك والنبي ﷺ لا طريق له إلى معرفة ذلك إلا من الوحي فإتيانه بالقصة على الوجه الأكمل الصحيح من أدل دليل على صدقه فالمخالف فيه مخالف للضرورة. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ هذا تمهيد عذر للنبي ﷺ لأنه قد يتوهم أن عدم إيمانهم سبب تقصير النبي ﷺ في التبليغ لهم؛ لأن الملك إذا أمر حاجبه أن يبلغ أمرا إلى الرعية فيسر لهم أسباب القبول فلم يمتثلوا لقربهم منه في التقصير. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾

стр. 851

أي بالتمكن لَا بالفعل بمعنى أنهم متمكنون من النظر في هذه الآيات فلو نظروا وتأملوا لتذكروا بالفعل فآمنوا. قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (١٠٥)﴾ قرئ والأرضُ بالرفع على الابتداء وخبره يمترون عيها فعلى الرفع يكون في الآية الحذف من الأول لدلالة الثاني، (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعلمونها أو يرونها، والأرض يمرون عليها. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو ... (١٠٨)﴾ ابن عرفة: إن قلت: كلما ورد فعلى هذا مصدرا بكلمة قل مثل (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، (قلْ أُعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) هل أمر به بتبليغ الضمير القول والمقول له فيقرأ عليهم الآية بكمالها، ويصير كأنه يقول لهم: قيل لي (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي)، أو قل هذه سبيل، أو أمر بتبليغ المقول له فقط فيقرأ عليهم الآية ويحذف منها كلمة (قُلْ)، فالجواب: إن القرآن كله هو مأمور تبليغه فما نزلت معه كلمة (قُلْ) أمر بتبليغ القول والمقول له وما لم ينزل معه كلمة (قُلْ) أمر فيه بتبليغ المقول له فقط والسبب في ذلك أنه إن فهم من الحاضرين الامتثال بأمره لم يحتج إلى التصريح بأنه أمر بأن يترك لهم ذلك إن فهم عنهم عدم الركون إلى مجرد قوله أسند ذلك لمرسله، وعينه ولأنه إنما أمر يحكي ذلك عنهم لهم، ابن عرفة: والإشارة إلى القصة أو الحالة والظاهر أن (سَبِيلِي) مبتدأ وهو خبر لأنه أعرب ولأن المبتدأ منحصر في الخبر وقد فرق القرافي وغيره بين زيد صديقي وصديقي زيد، فالخبر لَا بد أن يكون أعم من المبتدأ وذكر ابن هشام في شرح الإيضاح في قوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ) فالمراد الإخبار بأنه ليس سبيله إلا هذه، وليس المراد الإخبار بأنه ليست هذه إلا سبيله لأنها سبيل غيره من الأنبياء ونقل بعض الطلبة: أن [ ... ] شارح البرهان أنكر التفريق بين زيد صديقي، وصديقي زيد، وقال: لم يرد ذلك عن العرب ولا عن النحويين، ورده ابن عرفة [ ... ] من أن الخبر لَا بد أن يكون أعم من المبتدأ. قوله تعالى: (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي). حكى الزمخشري في (أَنَا) ثلاثة أوجه: أحدهما: قال (أَنَا) تأكيد الضمير في أدعوا (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) معطوف عليه، قلت لابن عرفة: هذا لَا يصح لأن الهمزة للمتكلم وحده وحرف العطف مشترك في الإعراب والمعنى، فقال لي أنت إذًا تمنع أن

стр. 852

تجوز أقوم أنا وزيد، قلت له نعم، ومن قال بجوازه ما أظن أنه يجوز أصلا للتناقص، فقال لي لَا يخالف أحد في أن ذلك جائز وإنما الذي قاله الزمخشري بعيد من ناحية أن يخرج عنه التمثلة في الإيمان لأنه ليس على بصيرة. قوله تعالى: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). انظر هل فيه تعريض لكفار قريش هذا بناء على أن المراد بقوله (وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُشرِكُونَ) أهل الكتاب وأما إن قلنا: إن المراد به مشركوا مكة فلا حاجة للتعريض هنا لأنه قد تقدم التنصيص على شركهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ... (١٠٩)﴾ أفادت من أول أزمنة القبلية فهي أبلغ من قيل قبلك. قوله تعالى: (إِلَّا رِجَالًا). احتج بها المعتزلة بمذهبهم في إنكار نبوة النساء عقلا ونحن نجوزها لولا أن الشرع لم يرد بها، وأجاب أصحابنا بأنه نفيت في الآية الرسالة ولا خلاف أن النساء ليست فيهن رسولة؛ لأن المقصود من الرسالة التبليغ إلى النَّاس وليس ذلك في شأن النساء. قوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) قال ابن عطية: إن يعقوب لم يكن ساكنا بالبادية أعني بيت العمود وهي بيت الشعر، وإنما كان ساكنا بقرية من قرى الشام وهي بادية بالنسبة إلى أرض مصر [كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر*]. ابن عرفة ذكره معاذ بن جبل الغزي، وقال: أنه يستفيق من صلاة العشاء الآخرة، وابن رشد يريد في جماعة لأن الحاضرة فيها المستأجر يجتمع فيها النَّاس، وقال بعض المصريين: إن يعقوب ﵇ كان من أهل العمور فيرد الإشكال في الآية، لكن يجاب: بأن الصواب أن يعقوب لم يثبت أنه كان رسولا وإنَّمَا الثابت أنه كان نبيا. قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ). ابن عرفة: كان بعضهم يقول يحتمل أن يراد به السير في الأمكنة أو في الأزمنة ففي الأمكنة هو السير في الأرض حقيقة وقطع مفاوزها للتفكر والاعتبار، وفي الأزمنة هو أن ينظر في الكتب أخبار الأمم السابقة وما جرى لهم. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ... (١١٠)﴾

стр. 853

قال ابن عرفة: ذكر ابن خروف في شرح سيبويه أنه حتى التي هي حرف ابتداء لا يلزمها الغاية ولا يحتاج إلى ما تكلفه المفسرون من أن التقدير هنا يوحي إليهم فتراخى نصرهم (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ). قوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا). أي نسبوا في قولهم إلى الكذب وقرئ بالتخفيف [على البناء*] للفاعل والمفعول فعلى قراءة التشديد الظن إما على بابه لأن الرسل لما أخبروا المؤمنين بالنصر على الكفار في المستقبل وطال ذلك ارتابوا فظن الرسل أنهم قد كذبوا ولم يصدر منهم تكذيب حقيقة لأنهم مؤمنون. قوله تعالى: (فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ). ابن عرفة: إن قلت هلا أسند الإنجاء لعموم المؤمنين كما نفى رد البأس [عن*] عموم المجرمين؟ (١): فالجواب أنه إشارة إلى قول أهل السنة من أنه لَا ينجينا من الله شيء، وأن كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، فننجي من نشاء [**بجانبه بعد آتيه] إلى الإيمان، ولا يرد بأسنا عمن اتصف بالإجرام الثابت الدائم عليه اللازم إلى الخاتمة فلذلك عبر عنه بالاسم، وذكر ابن عطية في قوله: " (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) ما لَا ينبغي أن يقال على رءوس العوام ولا على غيرهم فمن أراد فلينظر فيه. قوله تعالى: ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ... مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ ابن عرفة: يحتمل أن يريد غيره بالفعل أو بالإمكان والقوة وإن كانت بالفعل والمراد (عِبْرَةٌ) كما لأولي العقول النافعة ولا يلزم عليه الحلف في الأخير لأنه لو اتعظ به جميعهم واعتبروا لآمنوا كلهم، فإن كان المراد أنه بحيث يعتبروا به من عامله ونظر فيه فيكون المراد به جميع أولي الألباب والحقيقة ثابتة لهم لكنهم لم يحصل لجميعهم الاعتبار بالفعل وأشار الفخر إلى هذا. قوله تعالى: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ). هذا تأكيد المدح بما يشبه الذم مثل: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ الزمخشري: (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي الذي قبله من الكتب السماوية، وقال ابن عطية: في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) يحتمل أنه يراد بما بين يديه المستقبل باعتبار يوم القيامة. * * *

стр. 854

سُورَةُ الرَّعْدِ قوله تعالى: ﴿المر ... (١) .. نقل الفخر عن ابن عباس: [أَنَا اللَّه أَعْلَمُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ أَنَا اللَّه الْمَلِكُ الرَّحْمَنُ*] (١)﴾ يقول ابن عطية: إنها عبارة عن [أنا الله أعلم وأرى*] فالهمزة في (أنا) واللام في (الله) والميم في (أعلم) والراء في (أرى) فعلى هذه (المر) اسم لتلك الجملة والإعراب هنا على قول غيره بكون (المر) مبتدأ وخبره تلك آيات والرابط الإشارة لأن (المر) اسم هذه السورة كلها. قوله تعالى: (وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ). ابن عرفة: إن قلت: إلى لأنها الغاية ومن لابتدائها فالأصل تقديم المجرور بمن لأن الابتداء متقدم على الانتهاء، فأجابه الطلبة: بأن التقديم للاهتمام به وإن النزول إنما هو بسببه ومن أجله وإليه، ورده ابن عرفة: بأن هذا صير هنا لأن البداية باسم الله تعالى أولى وأهم، قال وإنَّمَا الجواب: أن المتقدم على ستة أنواع أحدها للتقدم بالشرف وعندنا قاعدة أخرى وهي أن الوجود أشرف من العدم، ولا شك [أن الشيء المنزل*] هو أبعد الإنزال معدوم من محل [**الابتداء الإنزال وموجوده، وفي عمل انتهائه] فلهذا قدم لأنه أشرف لوجود المنزلة، وقد قال له إن القرآن لم ينزل في اللوح المحفوظ، وأما الكلام القديم [الأزلي*] [فيستحيل*] فيه النزول لأنه ليس بصوت ولا حرف وتلك الأحرف والأصوات المنزلة انعدمت بلا شك من اللوح المحفوظ ووجدت عند النبي ﷺ وإنَّمَا بقي في اللوح المحفوظ الكلام بما [**يلقى] ولو بقيت هي بنفسها لما صدق فيها أنها نزلت، وسئل ابن عرفة: عن جمع الصحابة لآية النور هل كان باجتهاد منهم، فقال: لَا إنما هو توقيف حفظوه من النبي ﷺ اجتمعوا وجمعوه ووضعوا كل آية في محلها كيف سمعوا من رسول الله ﷺ ولولا أنه توقيف لما كان قوله [(الم) آية بغير قوله (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) *] (٢) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) كلها آية. قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ... (٢)﴾ استدل به ابن عبد السلام على أن السماء بسيطة؛ إذ لو كانت [كورية*] لما [**احتج المد بها]، قوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) لأن الكورة مرفوعة بغير عمد إذ يعتمد بعضها على بعض، ابن عرفة: وهذا لَا حجة فيه لأن الثاني: هنا لَا يعرفون ولا يقطعون بكونها [كورية*] أو بسيطة، إنما يصح هذا لو كانوا يقطعون بأحد الأمرين، فيقال لهم: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) ليفهم كمال القدرة، واختلفوا هل للسماء أعمدة أم لَا؟ فقيل: لها وهو جبل قاف وهذا القائل

стр. 855

يجعل الضمير بها عائد على العمد فيكون المعنى أنها مرفوعة بعمد غير مرئية وهذا لا يصح والصواب مذهب الجمهور الظاهر كقوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) والضمير عائد على السماوات. قوله تعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي). انظر سورة (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا) أو قال الفخر هنا مجاري القمر ثمانية وعشرون لأنه يقطع الفلك في شهر ومجاري الشمس بمائة وثمانون لأنه يقطع الفلك في سنة. ابن عرفة وجهه أن السنة ثلاثمائة وستون يوما ونصفها مائة وثمانون فهو في نصف السنة سيقطع ستة بروج صاعدا أو طابق يغشى في ظل تلك البروج فما يجاريها في الحقيقة إلا ستة بروج، قلت: وتمشي كل يوم درجا وكذا هو في حجرة [الاستطرلاب*] مطابقة ومقاربة مائة وثمانون درجة، قلت: ومن [**العجل به ذكر العشرون] وغيرهم أن بعض الأقاليم الستة عندهم ستة أشهر منها فضاء خالص، ومنها ستة أشهر ليل خالص وهذا مذكور في علم الهيئة، قال الشيخ عبد الخالق المنجم: وجهه أن الشمس إذا طلعت على أفقهم تدور به أول يوم ثم ترتفع في محل طلوعها درجة وتدور به وفي اليوم الثالث ترتفع درجة أخرى وتدور بهم ولا تزال ترتفع ثلاثة أشهر فإذا انتهت إلى حدها رجعت هابطة كل يوم درجة وتدور بالفلك حتى تنتهي إلى أفقهم عند [انقضاء*] ستة أشهر ثم تحط درجة أخرى عن الفهم فيظهر الظلام ولا تزال تحط حتى ينتهي إلى حدها دون ثلاثة أشهر أخر ثم تأخذ في الصعود حتى تصل إلى أفقهم عند انقضاء ستة أشهر، قال: وهذا في موضع يقال له الجزر الخالدات يكون أشد القطبين إما الشمالي أو الجنوبي على حسب رؤوسهم أعني في وسط السماء عندهم والقطب الآخر وبه الأرض فيكون نهارهم ستة أشهر وليلهم كذلك وثم [ ... ] والزوال عندهم ذا عقب الآخر وبعد ارتفاع الشمس عن أفقهم درجة واحدة وآخرون رأوا لهم عندها محاذاتها للأفق وذلك بحسب اختلاف [ ... ] لأنا إذا أخذنا [ ... ] عرضه ستة وستون درجة وأسقطنا عرضه من ارتفاع وإلى الحمل بقي سبعة أربعة وعشرون وهي مثل الميل سواء فهذا الباب الزوال فيه عند محاذات الشمس الأفق فإن كان عرض البلد خمسة وستون فأسقطه يبقى خمسة وعشرون أسقط منها الميل بقي درج واحد وهو ارتفاع زوال ذلك البلد [ ... ] الليل عندهم ثلث ساعة، وهذه البلاد كلها قرية من [ ... ] الظلمات في الجنوب شديدة البرد جدا أو لَا يعمرها أحد، قال عبد الخالق: وكنت أسمع من الشيوخ إن في الأرض خمسة أقوال قيل: [كورية*] وقيل: بسيطة وقيل: إنها تشبه مكعب وقيل: منزلة حملة السيف الذي تقلد به وإنها تشبه حلقة محيطة

стр. 856

بهذا العالم كإحاطة الجملة من يقلد بالسيف، وقيل: إنها سنة ممكنة ومن أجل ذلك وضعوا الاسطرلاب الحوتي الجنوبي، قال: والصحيح عندهم إنها كورية وإن السماء كورية. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ... (٣)﴾ أي بسطها، ابن عرفة: استدل بعضهم بهذا على أن الأرض بسيطة ولا دليل له في ذلك لأن إقليدس الهندي قال: إن الكرة الحقيقية لَا يكون إقامة الزوايا والخطوط عليها بوجه ونحن نجد الأرض يقام عليها الخطوط وغير ذلك وتراها مستوية وذلك من أول دليل على إنها وإن كانت كورية فإِنها ليست كالكورية الحقيقية بل أعلاها مستو كبعض الكور التي تكون مسطحها مستويا. قوله تعالى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ)، (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ) قلت لابن عرفة: ما الحكمة في الرواسي مع أن جعل الأرض وحدها من غير رواسي أبلغ في كمال قدرة الله تعالى لأنه ربما يتوهم المتوهم أن ثباتها لأجل الرواسي ولو كانت دونها لمالت بأهلها ولو ثبتت؟ فقال: أو [ ... ] وهو أن [ ... ] في غاية الثقل والأرض معها وهما في الفضاء يحملها نور على ظهر حوت تحملها معا أبلغ في كمال القدرة. قوله تعالى: (وَأَنْهَارًا). قيل لابن عرفة: لم جمع الأنهار جمع قلة، والرواسي جمع كثرة، مع أن الأنهار فيما نشاهد أكثر من الرواسي؟ فأجيب: إما بأنها لم يسمع فيها إلا جمع القلة وإما إشارة إلى أن أنهار الدنيا على كثرتها بالنسبة إلى قدرة الله تعالى قليلة تافهة لأنه قادر على خلق أضعاف أضعافها. قوله تعالى: (وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ). قيل: إنه معطوف على قوله: (رَوَاسِيَ) فيكون متعلقها يجعل الأول، وقيل: إنه متعلق بجعل الثاني، ورده ابن عرفة: بأن فيه الفصل بين المعطوف وحرف العطف، قال ابن عصفور في شرحه الكبير: ما نصه ولا يجوز الفصل بين حرف العطف والمعطوف إلا بالقسم أو بالظرفية أو الجار والمجرور بشرط أن يكون حرف العطف على أزيد من حرف واحد، و (جعل) هنا معطوف على (جعل) الأول يفصل بين الواو و [(فيها) *] بالمجرور، قلت لابن عرفة: هذا [جائز أن*] يجاب بأنه من عطف الجمل فيكون تأسيسا.

стр. 857

قوله تعالى: (زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). قيل: ذكر وأنثى، واستبعده ابن عرفة وقال: لَا تجده في الأشجار إلا في النخل والزيتون والتين، وأما العنب وغيره فليس فيه ذكر والصحيح أن المراد بالزوجين نوعين. قال الزمخشري: كالأبيض والأسود، والحلو والحامض، والصغير والكبير فإنها في أصلها كانت زوجين ثم تفرعت فصارت أزواجا. قوله تعالى: (يُغشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ). أي يليه مكانه فيصير أسود مظلما كما كان أبيض مشرقا ابن عرفة: والأول فاعل في المعنى وهو على إضمار فعل أي ويغشى النهار الليل، قلت لابن عرفة: ويحتمل أن يراد في الآية الزمان الذي بين الفجر وطلوع الشمس على القول بأنه من النهار، فهو إشارة إلى أن الليل يخالط النهار في ذلك الزمان باعتبار النزع، وفي الآية باعتبار النعمة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ ... (٥)﴾ انظر هل هذا أمر تقديري [أو لا؟ فإن*] (إذا) لَا تدخل إلا على المحقق الوقوع، و (إنْ) تدخل على المشكوك فيه، والتعجب من هؤلاء محقق وقوعه؛ لأنهم أنكروا البعث وخالفوا مع علمهم أن الله خلقهم وأوجدهم، ومن أوجد المخلوقات من عدم فهو قادر على إعادتها، قال: وعادتهم يجيبون بأن التعجب إنما يكون مما خفي سببه كلا فلا يتعجب إلا [(مَن*] خفي عليه السبب، والنبي ﷺ عالم بأن ذلك الواقع منهم إرادة الله وقدرته عليهم، فهو فى خاصيته لَا يعجب منهم، فضلا عن أن يكون تعجبه منهم [محققا*] بدليل قوله تعالى: (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، وقوله تعالى: (فَعَجَبٌ) قال أبو حيان: إنه [ ... ] وخبره كونهم (أَئِذَا) الثاني أن محل الفائدة في (عَجَبٌ) لأنه المجهول و (قَوْلُهُم أَئِذَا كُنَا تُرَابًا) هو المعلوم. قوله تعالى: (أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ). يحتمل أن يريد بالجديد ما يلحقه عدم، ويحتمل أن يريد ما لم يسبق بوجود وهذا هو الأظهر لأجل لغتهم فهم يجعلون الإعادة كأنها خلق آخر لم يسبق بوجود السنة فلذلك فهو هنا ومذهب أهل السنة أن الإعادة ممكنة عقلا واقعة سمعا وهلا تعاد الأجسام متحيزا أو قائما بالمتحيز فالأولى إن كانت متحيزة فهي أجسام وإن لم تكن متحيزة فلا تشغل نفسها ولا بد لها من أجسام تحل منها فلا [ ... ] إعادة الأجسام خلافا [ ... ] وغيرهم.

стр. 858

وقوله: (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ) قال ابن عطية: (وَزَرْعٌ) معطوفة على أعناب، قال أبو حيان والنخيل (صنوان وغير صنوان) يتبع من عطفه على (أَعْنَابٍ)، قال ابن عرفة: وهذا لَا يصح لأنه لَا يجوز أن يقول مررت بزيد وعمرو والعاقل، قال أبو حيان: وإنما يكون [حملا على الجوار*]، ورده ابن عرفة ثلاثة أوجه الأول: أن التبعية على [الجوار*] إنما وردت في الخفض ولم نره في الرفع إلا قليلا، حكى المبرد منها [ ... ] في شرحه بها، قال في [**ميت منها] أنه رفع [على الجوار]. الثاني: أن الخفض على [الجوار*] لَا يجوز إلا قليلا وهو مع الواو كل [ ... ] قلت: [ ... ] ابن رشد في المقدمات قوله (وَأَرْجُلَكُم إِلَى الْكَعْبَيْنِ) وقوله: (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) [عطفا على الجوار*]. قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ). أي كفروا [بالبعث*] الخاصة والعامة، وهذا دليل على أن منكر البعث كافر، ابن عرفة: واشتملت الآية على اللفظ العام والإيهام ثم التفسير لأن قوله: (أُولَئِكَ) لَا يدل في أعناقهم تفسير للعذاب النازل بهم وهذا من باب ذكر السبب عقب سببه لأن الكفر سبب في غل الأعناق فهلا عطف الفاء المقتضية للسبب والتزامه، قال والجواب: أن السبب على ثلاثة أنواع ظاهر وخفي ومتوسط وإنَّمَا يحتاج إلى الفاء في المتوسط والخفي وأما هذا فظاهر كونه سببا فيما بعده فلا يحتاج في عقد إلى ما بين كونه سببا، ابن عرفة: والآية عندي من باب القلب، والأصل فيها أولئك أعناقهم في الأغلال؛ لأن الأغلال محيطة بأعناقهم كإحاطة الظرف بالمظروف، فأعناقهم هي المظروف وقد قالوا إن القلب لا يجوز إلا في العموم، فإِن قيل: في الكلام، قلت له: قد جعلوا منه [مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ*]، قال: وانظر هل هذا إلا على التوزيع أي كل واحد في عنقه أغلال، قلت: إن في سورة الحاقة (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) فدل أنه على التوزيع لكل واحد على آخر فأجابه بأن ذلك في رؤسائهم وقد تقوم مقام سلاسل مقدرة في عنق كل واحد من رؤسائهم حتى لا يظهر منه شيء. قوله تعالى: (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). قال ابن مالك: إن الجملتين إن كانتا متقاربتين عطفتا وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لِم يحتج إلى حرف العطف، فقولهم: (هُم فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير لقوله: (أصْحَابُ النَّارِ) وتأكيد هو في موضع الحال، وقال ابن رشد: في المقدمات في قوله تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)

стр. 859

فإنما عطفها وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لم يحتج إلى حرف العطف، وقولهم (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) قال ابن مالك: إن الجملتين إن كانت متقاربتين عطفا وإن كانت الثانية مفسرة للأولى لم يحتج إلى حرف العطف فقوله (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) تفسير لقوله (أَصْحَابُ النَّارِ) أو تأكيدا على سبيل التشنيع عليهم وإن هذه المقالة لغرابتها صارت كأنها مقالة أخرى مغايرة لإذايتهم النبي فكذلك عطفه، قيل لابن عرفة: ابن عصفور قال في شرح مقربه من أول باب الفاعل لما ذكر أن قوله (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) قال وقد تعطف الجملة المفسرة نحو قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) قال قوله (كُنْ) تفسيرها لما قبله. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ... (٦)﴾ ابن عرفة: انظر هل المراد أنهم طلبوا السيئة فقط، قلت: تقدم السيئة على مثل هذا في قوله تعالى: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُن مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) وهي إنك إذا قلت جاء زيد قبل عمرو فإنما دل على تقدم مجيء زيد ويحتمل أن عمرو جاء بعده أو معه ولم يجيء بدليل قوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي) لأن تمام الكلمات محال، ووقوع السبب بعد الطلاق منفي بالإجماع وكان بعضهم [ ... ] على البراذعي في قوله في التهذيب ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل فإن أخره بعده بجزاء لأن الأصل في المدونة فإن الغسل قبل وضوئه أجزأه فكان يقول يقتضي لفظ المدونة؛ لأن ذلك الغسل أجزأه، قال ثم يتوضأ لأن الغسل يقوم مقام الوضوء بالإجماع لحديث "وأي وضوء أعم من الغسل" قلت له: الظاهر أنهم طلبوا السيئة فقط لأن الحسنة بعدها ما تأتيهم إلا وقد هلكوا، فقال يحتمل أن يهلكوا من غير استئصال. قوله تعالى: (خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ). أي مضت من قبلهم قرون وقع لها من العذاب ما صيرها يضرب بها المثل لغيرها. قوله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ). قيل: إن المغفرة تأخير ذلهم وعدم معاجلتهم بالعقوبة، ابن عرفة: ويحتمل أن يزاد من علم الله أنه يؤمن بأن يغفر له حالة ظلمه، وقال الغزنوي: إن هذه منسوخ، ورده ابن عرفة: بأنه خبر والأخبار لَا ينسخ، ونقل عن القاضي ابن عبد السلام أنه كان

стр. 860

يقول إن هذه الآية تدل على ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء لقوله: (ذُو مَغْفِرَةٍ) وهو للتقليل، ابن عرفة: إنما أخذه من كون المغفرة مصدر محذوف [بالتاء الدالة على الوحدة*] والعقاب مصدر منهم يقع على القليل والكثرة، قال وإن ربك لغفار للناس لأفاد المبالغة، قلت: وهو لابن عطية لأنه قال ما نصه: والظاهر [من*] معنى المغفرة هنا إنما ستره [في الدنيا وإمهاله للكفرة*] [ألا ترى التيسير في لفظ مَغْفِرَةٍ*] وأنها منكرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ). قلت وذكر الزمخشري: في سورة [غافر*] في قوله: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) إذا قال: (ذُو) أدل على عظم فضله وكثرته، ونحوه لابن الخطيب في سورة الإسراء في قوله: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ) ونحوه للقاضي عياض في الإكمال في قصة سعد بن أبي وقاص في الوصية حيث قال: قد [بَلَغَنِي*] مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، [وَأَنَا ذُو مَالٍ*]، [وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ]. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ... (٨)﴾ انظر هل المراد به الآدميات أو عموم [الإناث*]، فإن قلت: قوله: (وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) قرينة في الخصوص، قلنا: قد ذكر الفخر والآمدي أن العام إذا عقب بعضه بصفة من أصنافه فمذهب مالك والشافعي فإن على عموم، وقال الثوري: هو مقصود على ذلك الصنف فقوله: (وَمَا تَغِيضُ) وإن كان لَا يصدق إلا على الأرحام ولا يخصه، وذكر المؤرخون أنه كان في بلد سلا عشرة ملوك ولدوا من بطن واحدة، ابن عطية: وقع لمالك كما يدل على أن [الحامل*] عنده لَا تحيض، ومذهب ابن القاسم أنها تحيض، قيل لابن عرفة: يلزم من قولكم أنها تحيض أن يكون الحيض دليلا على براءة الرحم فكيف جعلتموه علامة على براءة الرحم في العدة والاستبراء، فقال: إنما حكمنا بالمظنة، فقلنا: هو مظنة براءة الرحم فخلفه بعض الأحيان لَا يمدح كما أن ظهور الغم في زمن الشتاء مظنة لنزول المطر وقد يتخلف، فإن قلت: لم قدم النقص على الزيادة؟ قلنا: لأن الأصل عدم الزيادة. قوله تعالى: (وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ). ابن عرفة: انظر هل المراد به القدرة وهي الإبراز من العدم إلى الوجود أو الإرادة وهي التخصص أو العلم وهو الكشف وإلا [فالظاهر*] أن المراد به الإرادة وإن (وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) مراد لأنه أتى به عقيب قوله: (وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ) وما تزداد هم حمل ناقص وحمل زائد وحمل معتدل، فقال: (كُلُّ شَيْءٍ) ذلك مراد له كان

стр. 861

تخصيص الناقص بالنقص والزائد بالزيادة وإنما هو راجع بالإرادة والظاهر أنه من العمومات الغير المخصوصة، كقوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ). قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ... (٩)﴾ إن قلت: لم قال (يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى) [فأخبر*] بالفعل وقال: (عَالِمُ الْغَيبِ) بخبر الاسم، فالجواب: إن العلم الأول متعلقاته متعددة شيئا بعد شيء بدليل زيادة الحمل ونقصانه فلذلك عبر فيه بالفعل، والعلم الثاني متعلقه الغيب والشهادة وهما لَا يختلفان ولا يتحدان إلا باعتبار متعلقاتهما، ولم يذكر في الآية غير مجرد الغيب والشهادة وهما على الإطلاق ثابتان لَا يجدان فيهما باعتباره ذاتهما، ابن عرفة: هذا عندي مثل: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) لأنه إذا علم الغائب قادرا على الشاهد، والجَواب: كالجواب وهو أنه قصد الإشعار بالتسوية وإن علمه بالغائب كعلمه بالشاهد [ليس بينهما تفاوت*]، ابن عرفة: وقوله الغيب والشهادة ليس هو في موضع نصب لأن ابن عصفور نص في شرح مقربه على اسم الفاعل إنما يعمل إذا دل على الزمان فإن جرد عن الزمان لم يعمل، كقوله: ألقيت كأسهم في قعر مظلمة، و: (عَالِمُ) هنا صفة لله تعالى فيستحيل فيه الزمان فهو هنا مجرد عن الأزمنة. قوله تعالى: (الْكَبِيرُ). كان بعضهم يقول: إنه وصف مشترك والتعال خاص لَا يقال إلا لله. قوله تعالى: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ... (١٠)﴾ قال ابن بشير: القراءة في الصلاة على ثلاثة أقسام قراءة باللسان جهرا، وقراءة به سرا، وقراءة بالقلب، وأنها تجري في الصلاة والظاهر أن المراد في الآية بالأسر أن يسمع نفسه أو يقرأ بقلبه لكي تدخل الأقسام الثلاثة فهو أبلغ و: (أسَرَّ) مصدر في الأصل وهو خبر عن قوله: (مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ) [والمصادر لَا تكون إخبارا*] عن الحث فهو كقولك زيد عدل، قال الكوفيون: أي ذو عدل وجعله البصريون نفس الضالة مبالغة ومجازا، فالجواب: أنه ليس مثله وإنما جاز الإخبار هنا لأنه ليس خبرا عن الذات بل عن المجموع، قيل لابن عرفة: هلا قال سواء عنده ولم يقل منكم ليعم الكلام الإنس والجن بل ذكر كان يكون أولى لأنهم أجهل وأشد مكرا واختفاء والشيطان فيهم فقال الجن أجسام لطيفة والإناء اللطيف الشفاف يرى ما في باطنه من ظاهره بخلاف الإنس فإِن أجسامهم كثيفة فكان العلم بما في قلوبهم أبلغ فلذلك ذكرهم ليدل ذلك على العلم فأسرار الجن من باب آخر.

стр. 862

قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ... (١١)﴾ الزمخشري: إن جماعات يتعقب في حفظه وكلامه القونوي أي أذكار وتسبيحات ودعوات، ورده ابن عرفة: بأن المجموع بالألف والتاء إذا كان مكبرا يشترط فيه الفعل إلا إذ لم تكره العرب [ ... ] وهذا حكى أن الزمخشري فيه هنا معاقيب، ابن عرفة: إن قلت الوارد في الحديث إن الحفظة ملك عن اليمين وملك عن الشمال فكيف قال من بين يديه ومن خلفه؟ فالجواب بوجهين: الأول: أن (مِن) لابتداء الغاية فينزلون من أمامه ومن خلفه لعمارة يمينه وشماله فالحفظة الأول ثم يصعد الحفظة وهم عن يمينه وعن شماله، والثاني: أن الضرر اللاحق الإنسان من أمامه وخلفه أصعب عليه وأشق كما هو من أمامه فإِليه مصادر وإليه يهرب ألا ترى قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوتَ الًذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) وما هو من خلفه فإِنه من حيث لَا يشعر فحفظ هنا بين الجهتين أكد من غيره. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ). إن قلت: هذا محالة لقوله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) ومترفوها هم أهل النعيم، والمترفة وفي الحديث "أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث" [وهذه الآية دليل*] أن الهلاك إنما يقع [عند مخالفة*] الشرع، فالجواب: بوجهين الأول أن المراد [بِقَوْمٍ*] الكل لَا الكلية [فالهلاك*] لَا يقع بقوم حتى يقع منهم التغير إما من كلهم أو أكثر، الثاني أن المراد بتغيرهم ما بأنفسهم التغيير الذي لَا [ ... ] عنه ثواب في الآخرة [ ... ] بالهلاك والألم ممن لم يغير في الدنيا بسبب مخالطتهم لمن غير رحم به وابتلاء من الله تعالى لأنه إن رضي بذلك وقابله بالحمد والشكر يثاب عليه في الآخرة، والتغيير الواقع به ليس بعقوبة وكما في الحديث "إن النَّاس [يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ*] أو على أعمالهم". قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ). هذا احتراس إشارة إلى المعقبات إنما [ليحفظوا*] منه مما أراد الله عدم وقوعه به وأهل السنة يعمون لفظ القول في الطائع والعاصي والمعتزلة يخصصونه بالعاصي بناء على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم. قوله تعالى: (وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ).

стр. 863

أي من شفيع في رفع العذاب عنهم فهو تأسيس وقوله (فَلا مَرَدَّ لَهُ) هي فلا دافع له عنهم ابتدأ قبل وقوعه بهم ولا ناصر لهم يرفعه عنهم بعد وقوعه. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ... (١٢)﴾ نسب الرؤية للبرق والإنشاء للسحاب؛ لأن الإنشاء المرتبة أسهلها على البصر [ ... ] البياض الساطع فنحن نعجز عن مداومة النظر للشمس والنعمة في البرق في أقدارنا على النظر إليه وانظر قوله: (يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ) وأما السحاب فجرم ثقيل جدا والنعمة التي فيه هي إبرازه من العدم إلى الوجود. قوله تعالى: (خَوْفًا وَطَمَعًا). أعربهما الزمخشري: حالا ومنع أن يكونا مفعولا من أجله إذ ليس عنده فعلين والفاعل الفعل المعلل على مذهبه في أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده ونحن نجيز ذلك ونقول أراده وخلق في قلوب بعضنا الخوف منه، وفي قلوب [الآخَرين*] الطمع فيه والفرق بين إرادة الخوف وبين خلق الخوف إنك تريده من زيد أن يخاف منك ولا تقدر على إيقاع ذلك به، الزمخشري يخاف المطر [من له فيه ضرر*]، كالمسافر، ومن في [جرينه التمر*] [والزبيب*] ومن له بيت يقطر عليه ومن [البلاد*] من يتضرر أهلها بالمطر كأهل مصر فإِنه يفسد عليهم أبنيتهم، ونزول المطر فيها قليل جدا، ابن عرفة رأيت في خزانة التواريخ لابن سليم لما ذكر دخول مصر وما جرى له مع أهلها قال طلبت من بعضهم أن يهجوها فامتنع فلما أكثرت عليه قال: كم ذا تقيم بمصر ... معذباً بذويها وكيف ترجو نداهم ... والسحب تبخل فيها قوله تعالى: (وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) حكى ابن رشد في بيانه في كتاب السواد والأنهار: خلافا فقيل: إن الماء كلها من السماء، وقيل: من البحار وإنه يتصعد منها بخار تكسبه [ ... ] وتذوبه فيكون في السحاب ثم ينزل مطرا، وقيل: بالوقف وهو اختياره، وذكر بعضهم أنه إذا نحن ما البحر وجعلت على القدر ثباته فإنه يعذب، وقيل: بل تكثر حدته [ ... ] المضطر إليه. قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ... (١٣)﴾ قيل: إن الرعد اسم ملك، ورده ابن عرفة بقوله: (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) فقد نكره فإن كان لفظ الرعد هو العلم على الملك لم

стр. 864

يجز حذف الألف واللام منه كما لَا يحذف في القائم والعباس وإن كان العلم عليه رعد لزم إدخال الألف واللام فيهما كما لَا يحذف في القاسم على الاسم العلم وهو غير جائز، قلت: الألف واللام للمح الصفة فإن لمحتها أدخلتها وإلا فلا، قيل: الرعد صوت ملك، وقال الحكماء [ ... ] الأجرام، قيل لابن عرفة: لما أسند الحمد للرعد والخوف للملائكة، فقال: إن كان الرعد اسم ملك فأسند الحمد إليه إما لأنه جرم عظيم من سائر أجرام الملائكة فهو في مقام الحمد لَا في مقام الخوف، وإما ليدلك اللفظ بدلالتين مطابقة والتزاما، فأسند التحميد إليه أولا وحده، ثم أسند الخوف له مع الملائكة لدخوله فيهم، أو يكون حذف من الأول لدلالة الثاني، ومن الثاني لدلالة الأول، أي ويسبح الرعد من خيفته بحمده والملائكة بحمده من خيفته، وإن أريد بالرعد السحاب، فالمعنى أنه يسبح الله وبحمده على إبرازه إياه من العدم إلى الوجود وعلينا أن الحال لَا بلسان القول إذ لَا عمل له فلذلك لم يسند الخوف إليه بخلاف التسبيح بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) والخوف إنما يقع على العاقل. قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ... (١٤)﴾ أي لله دعوة الحق، ورد بعدم الفائدة مع القارئ أن الذاهبة جاءته صاحبها، وأجاب السفاقسي: بأنه أفاد بالصفة أي لله دعوة الله الحق، ابن عرفة: هذا لو كانت الصفة في الخبر وهي هنا في المبتدأ فقال فصارت في المبتدأ مشتملا على ما في الخبر وزيادة [فزاد المسألة بها إشكالا*]. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ). ابن عرفة: لم يدعوهم من دون الله لكن بالخبر الذي شركوهم فيه مع الله هو العبادة دعوهم فيه من دونه. قوله تعالى: (لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ). ابن عطية: أي لَا يجيبون لهم بشيء وليس هو من استفعل بمعنى ذلك الفعل وإنَّمَا هو كقول الشاعر: وداعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجيبُ إِلَى النَّدَى ... فلَمْ يستَجِبْهُ عندَ ذاكَ مُجِيبُ ابن عرفة: هذا من تأكيد الذم بما يشبه المدح، فعلى هذا لَا سؤال وإن لم يكن بمعنى، أجاب: يرد فيه أن استجابة خاصة بمن أجاب بما يوافق غرض السائل، وأجاب: عامة في المجيب بالموافق والمخالف فيقال لم تفاخرا لهم بالموافق مع أنهم

стр. 865

لا يجيبون بشيء على الإطلاق، فيجاب: بأن مطلوبهم في الآلهة إنما هو حصول غرضهم فنفاه وإما غيره فليس مطلوبا لهم فلم يحتج إلى نفيه. قوله تعالى: (إِلَّا كَبَاسِطِ كَفيْهِ إِلَى الْمَاءِ). ابن عرفة: هذا من تأكيد الذم بما يشبه المدح بقوله: هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً ... وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ والمراد بالذين يدعون من دونه الكافرون فشبه داعي الآلهة بداعي الماء باسطا كفه إليه ولو أريد به نفس آلهة لكان يكون يشبه مدعوا الكافرين بالداعي الباسط كفيه فيحتاج حينئذ إلى تكلف حذف المقابلة كما في قوله: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ) وهو هنا بعيد لأنه يصير التقدير والذين [يدعون*] من دونه ودعائهم لَا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء والماء فيه تكلف كثير، الزمخشري: وقوله (كَبَاسِطِ كَفَّيهِ) يحتمل أن يريد به الاستجابة كاستجابة باسط كفيه أي كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه يطلب أن يبلغ فاه والماء جماد لَا يشعر بعطشه ولا يدعى به له، ابن عرفة: وشبه به باسط كفيه لما دون فاتح فيه للماء لأنه داعٍ وشأن الداعي أن يبسط يديه. قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ). ابن عرفة: الفعل يقتضي التجدد والاسم يقتضي الثبوت فإذا أريد المبالغة خبر في الثبوت فإذا أريد المبالغة في غير الثبوت للاسم إلى النفي بالفعل؛ لأنه يلزم من النفي ثبوت الصفة وهي ما نفي ثبوتها [ ... ] ولا يلزم من نفي ثبوتها [ ... ] نفي ثبوتها [**ونفاها] وكذلك يؤتى بالأعم في النفي والأخص في الثبوت لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ونحوه، للزمخشري في قوله: (فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) وجاءت هذه الآية على العكس في قوله البليغ أفاد وما هو ببالغه فعبر في الثبوت بالفعل في النفي بالاسم ونفي منه البلوغ الثابت داعيا ولا يلزم من نفي على البلوغ المجرد والثابت وقال: ما قال. والجواب: إن القرية هنا تفي هذا المفهوم المتوهم ويتعين إلى المراد نفي البلوغ على الإطلاق كيف ما كان. قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ... (١٦)﴾ قال الزمخشري: هذا إما حكاية [لاعترافهم*] وثبت بقولهم؛ كما يقول [المناظر*] لصاحبه أهذا قولك؟ باحتماله خشية أنه أراد رد عليه مقالته بجحدها لأنه إذا قال لهم من رب

стр. 866

السماوات والأرض؟ فلا بد أن يقول: هو الله كما قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقال مكي: هو خطاب للجاهل [ ... ] [**فيجده مخبر عالم فخبر] (١). قوله تعالى: [(أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) *]. المعطوف عليه مقدر أي كفرتم أي أفاتخذتم قوله: [(مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) *] صفة فيه ثلاثة أسئلة، الأول: لم قال (من دونه) وهم اتخذوهم شركاء مع الله؟ وجوابه: [إن*] نظرنا إلى نفس اتخاذهم وليا وناصرا بالنوع، فلا شك أنهم شركوا في وصف النصرة والولاية [بين الله وعبده*]، وإن نظرنا إلى اتخاذهم وليا وناصرا بالنوع، فلا شك أنهم بالشخص، فلا شك أن هذا لَا يصح فيه الشركة، وقد ذكر ابن التلمساني في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة: أن الواحد بالشخص لَا يصح انقسامه إلى مأمور [ ... ] والواحد بالجنس أو النوع يصح فيه ذلك ومثله [السجود لله*] والسجود للصنم، السؤال الثاني: لم قدم المجرور على أولياء والأصل تقديم المرفوع ثم المنصوب ثم المجرور؟ وجوابه أنه قدم أشرفه بإضافته إلى الضمير لله، يقال السؤال الثالث: لم غير اللفظ وهلا قال فاتخذتم من دونه أربابا؟ وجوابه أن الأولياء أعم من الأرباب لأن الولي والناصر قد يكون ربا وقد لَا يكون ونحوا على الوصف الأعم وهو طلبهم النصرة من غير الله فيلزم منه الذم على الوصف الأخص وهو اتخاذهم أربابا من دون الله من باب آخر ولو قيل: اتخذتم من دونه أربابا لأفاد التوبيخ على هذا الوصف الأخص لَا على ما دونه وهو دفع المضرة. قوله تعالى: (نَفْعًا وَلَا ضَرًّا). إن قلت: لم قدم نفي النفع على نفي الضر مع أن دفع المؤلم أكد وأولى من جلب المؤلم فهل قصد الترقي أم غير ذلك؟ فالجواب: إن ذلك إنما هو من باب الثبوت بعدم الضر لأن دفعه إما من جلب النفع، وإما في النفي بعكس الأمر لأنه لَا يلزم من عدم القدرة على دفع الضر الذي هو آكد وأنهم على [ ... ] عدم القدرة على جلب النفع، ولا ينعكس، والعطف يقتضي المغايرة فقدم النفع ليكون الثاني تأسيسا وزيادة في بيان عجزهم وترقبا ولو قدم الضرر لكان الأول مستلزم للثاني فيكون عطف عليه وأدخل في ضمنه فيصير بسببه عطف الخاص على العام. قوله تعالى: (وَلَا ضَرًّا). قال ابن عرفة: الأكثرون يقولون إن تكرار لفظ: (لا) تأكيد وقال [السهيلي*]: إذا قلت: ما قام زيد وعمرو احتمل أن يريد نفى القيام عنهما مجتمعين، فإذا قلت: ما قام

стр. 867

زيد ولا عمرو أفاد نفي القيام عنهما وعن كل واحد منهما فيجيء نسبة الكلي والكلية تكررت لَا ليفيد نفي القدرة على كل واحد من الضرر والنفع، فإن قلت: هذا مردود يقول النحويين في لَا تأكل السمك وتشرب اللبن بالجزم أنه يقتضي نصبه عنهما بالإطلاق مجتمعين ومفترقين، وأجاب ابن القصار: بأن ما قام زيد وعمرو من عطف المفردات فيقتضي الجمعية، وقولك تشرب اللبن من عطف الجمل فلا يقتضي الجمع وإنما هو استئناف بدليل أنهم قالوا في وتشرب اللبن بالنصب أنه نهاه عنهما مجتمعين وما ذلك إلا لأنه يؤدي إلى عطف مفرد، قلت له: بل هو في عطف فعل على فعل أعني وتشرب بالخفض، فقال: عطف الفعل على الفعل لم يذكره أحد سوى ابن عصفور فإنه قال: العطف حمل اسم على اسم أو فعل على فعل ومثله قام وقعد زيد وهو في الحقيقة جملة على جملة. قوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ). ابن عرفة: مقام الإكرام والتبشير فينا فيه مساواة الفاضل للفضول ومقام الإنذار والتخويف على العكس فلذلك بدأ بالأعمى وجمع الظلمات وأفرد النور لتعدد طرق الشك واتحاد طرق الإيمان، قاله الزمخشري في أول سورة الأنعام، فإن قلت: الأعمى في الآية مقابل للظلمات فلم أفرده وجمعها؟ قلنا: نفي مساواة الأعمى للبصير يدركها كل أحد والظلمة جنس مفرد في سياق الثبوت يقع على القليل والكثير كالنور، وقيل مساواة النور لمطلق الظلمة مما يخفي على الأنبياء وكثير من النَّاس فإنه قد لا يظهر منها فرق بخلاف الظلمات المجتمعة المتراكب بعضها على بعض فإنه لَا يخفى على أحد إنها لَا تساوي النور فلذلك جمعها. قوله تعالى: (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ). هذه [تقضي*] بكفر المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعاله، وقوله: (فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) دليل على صحة العمل بالقياس لاقتضائها أن معبوداتهم لو كانت خالقة لكان عبادتهم لها وجه من النظر وهو أنهم يقولون هذا خالق فانتفى أن تصح عبادته قياسا على عبادة الله ولهذا يستدل المتكلمون على وجود الله (١) بحدوث العالم، وقوله (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ... (١٧) .. قال الزمخشري: [كالفلز*]، ابن عرفة: هو كل ما يلين من المعادن فإِذا برد اشتدّ وليس كالذهب والفضة والحديد والنحاس والمتاع كل ما يتمتع به أواني الحديد والنحاس والرصاص والحلية كل ما يحلى به من الذهب والفضة وغيرها. قوله تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً).

стр. 868

ابن عرفة: قال الخطيب في تاريخ بغداد ولما عرف بابن سعيد أحمد بن الحسين [الْبَرْذَعِيّ*] أحد فقهاء مذهب أبي حنيفة قال: قدم بغداد حاجا فدخل الجامع ووقف على [دَاوُد بْن عَلِيّ*] الظاهري وهو يكلم رجلا من أصحاب أبي حنيفة وقد ضعف الحنفي في يده فجلس فسأله عن بيع أمهات الأولاد، فقال له: يجوز لأنا [أجمعنا*] على جواز بيعهن [قَبْلَ*] العلوق [ووضع الحمل*] فليكن كذلك بعده عملا [باستصحاب*] الحال، ولا يزول إلا بإجماع، فقال لنا [الْبَرْذَعِيُّ*]: أجمعنا بعد العلوق [قبل وضع*] الحمل أنه لَا يجوز بيعها [فيجب أن نتمسك*] بهذا الإجماع [ولا نزول عَنْهُ إلا بإجماع مثله فأنقطع دَاوُد] *، وقال: ننظر في هذا، وقام أبو سعيد [فعزم*] على التدريس ببغداد، ولما رأى من [غلبة*] أصحاب الظاهر فلما كان بعد [مديدة*] رأى في المنام كأن قائلا يقول له (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) [فانتبه*] فسمع دق الباب فخرج [فإذ*] بقائل يقول له: قد مات داود الظاهري فإن أردت أن تصلي عليه فأت إلى الجامع وقت كذا، فأقام بعد ذلك سنين [كثيرة يدرس*] في محلته، ثم خرج إلى الحج فقتل في وقعة القرامطة مع الحاج، وذكر هذه القضية ابن سيد النَّاس في تأليف له خاص في أم الولد، وذكرها [ ... ] في فرق الفقهاء وأنكر هذا الإجماع. قال ابن عربي في قانون التأويل: ضرب الله الحق الباطل، فإنه خلق الماء لحياة الأبدان؛ كما أنزل القرآن لحياة القلوب، وضرب مثلا [الأودية*] بالماء مثلا [لامتلاء*] القلوب بالعلم، وضرب [الأودية*] الجامعة للماء مثلا للقلوب الجامعة للعلم، وضرب قدر [الأودية*] في احتمال الماء سعتها وضيقها وصغرها وكبرها مثلا لقدر القلوب في انشراحها وضيقها بالحرج، وضرب السيل للتمهيد والهشيم وما يجري به ويدفعه مثلا لما يدفعه القرآن من الجهالة والزيغ والشكوك ووساوس الشيطان، وضرب استقرار الماء ومكثه لانتفاع النَّاس به في السقي والزارعة مثلا لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع به، قال هذا المثل الأول وأما الثاني: فضرب المثل فيما يوقد عليه النار مثلا على ما في القرآن من فائدة العلم والعمل به فحلية الذهب والفضة مثل للعلم الواجب اعتقاده والمتاع مثل لما فيه من العمل المنتفع به كالانتفاع بالمتاع وكما أن النار تميز الخبيث من الطيب كذلك القرآن إذا عرضه عليه العلوم غير النافع فيها من الضار. قوله تعالى: (فَيَذْهَبُ جُفَاءً). الزمخشري: قرأ رؤبة جفالا وعن أبي حاتم لَا تقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر ونقل ابن رشد في البيان في سماع عيسى في رسم أوصى من كتاب الصلاة عن عائشة أنها أجازت أكله وفي المدونة لَا بأس بأكل اليربوع والخلد عياض هو فأر الصحارى أعمى.

стр. 869

قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى ... (١٨)﴾ وهل تارك الصلاة مستجيب لنطقه بالشهادتين والظاهر أنه مستجيب بالشهادتين فقط لا مطلقا. قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ). هذا تهكم به لأن ذلك [عليهم لَا لهم*] وكذلك قوله (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) تهكم لأن المهاد ما يفرش ويوطأ. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ... (١٩)﴾ في الآية حذف التقابل، أي أفمن ينصر فيعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى جاهل، قلت: وهذا من التنبيه بالأدنى عن الأعلى لأنه نفى مشابهه من اتصف بمطلق العلم بالحق عمن اتصف بكمال الجهل الثابت قادرا أن لَا يشبه من اتصف بكمال العلم الثابت فلذلك عبر في الأول بالفعل والثاني بالاسم. قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ). ابن عرفة: العلوم النظرية مستفادة من العلوم الضرورية؛ ولذلك قال أبو المعالي في الإرشاد: العقل علوم ضرورية، ومذهب أهل السنة أن العلوم كلها إنشائية، ومذهب المغاربة أنها تذكر به وأن النفس كانت عالمة بكل شيء حتى دخلت في الجسم [ ... ] بكافة فعلها [ ... ] وكان ابن عبد السلام يقول هذه الآية حجة للفلاسفة، ابن عرفة: وجوابه نظر. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... (٢٠)﴾ إن قلت: هلا قيل: ولا ينقضون ميثاق الله كما قيل (بِعَهْدِ اللَّهِ) فالجواب: أن الوفاء بالعهد راجع لفعل المأمورات، ونقض الميثاق راجع لاجتناب المنهيات وتقرر أن النزول لَا يفتقر إلا إلى الموفى به أنه وفاء بعهد الله، قلت أو يقال: أن الألف واللام نائبة مناب الإضافة على ضميره أي ولا ينقضون ميثاقه. قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ... (٢٣)﴾ إما بالشخص أو بالجنس وهي من عدن بالمكان إذا أقام به، وسميت بذلك لميل النفوس إلى الإقامة فيها دون غيرها لأنها أفضل وأشرف. قوله تعالى: (وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ).

стр. 870

ترتيب المعطوفات على حسبها في الوجود الخارجي فوجود الأب سابق على وجود زوجتك سابق على وجود ولدك ودخول الأبناء الجنة إما لصلاحهم أو لصلاح آبائهم كما قال: (وَكَانَ أبُوهُمَا صَالِحًا)، وقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) أو العكس. وهو أن دخول الآباء سبب للأبناء كما في الحديث "من قرأ القرآن وعمل ما فيه ألبس والديه يوم القيامة تاجا ضوؤه أحسن من ضوء الشمس" لذلك قال الشاطبي: [هَنِيئاً مَرِيئاً وَالِدَاكَ عَلَيْهِما ... مَلاَبِسُ أَنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ وَالحُلاْ*] قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ... (٢٥)﴾ .. ابن عرفة: هذا دليل على أن العهد يطلق على الوعد وعلى الأمر المشتق الملتزم ولو كان العهد هنا الميثاق لما كان لقوله (مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) فائدة، قال: وكان بعضهم يقول إنها مباينة لما قبلها، ووقعت المبالغة فيما قبلها بتسعة أوصاف وفي هذه بثلاثة أوصاف، لأن الأولى في معرض الجزاء على الطاعة وعدم المبالغة في هذه تنفير أو هذه في معرض العقوبة على المعصية فناسب المبالغة في الأولى تأكيدا على انحساره على الطاعة وعدم المبالغة في هذه تنفيرا عن المعاصي وإن العقاب يقع على أدنى شيء من المعصية، قال بوجه ثان: وهو أن نقض العهد إشارة إلى العهد المأخوذ على الخلائق يوم السبت بربكم فهو راجع للتوحيد وقطع ما أمر الده بوصله، راجع إلى الإيمان بالرسول لأن تكذيبه قطع له عم مرسله والإيمان به إقرار بصلته مع رسله والفساد في الأرض راجع إلى المعاصي، ابن عرفة: وفي الآية عندي حجة لمن يقول إن المندوب غير مأمور به لأنها في معرض الذم الفاعل ذلك، فلو كان مأمورا به لما تناوله الذم، قال: وليس المراد منه جمع هذه الأوصاف بل من اتصف بواحد منها فقط. قوله تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ). إدخال اللام تهكم بهم إشارة إلى أن اللعنة أمر ملائم لهم ومناسب لفعلهم واللعنة للكفار وبسوء الدار للعصاة فهو لف ونشر. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ... (٢٦)﴾ ابن عرفة: هذا كالدليل على ما قبله لأنه تقدم ذكر فريق المؤمنين وفريق الكافرين أتى بهذا نفيا لما قد يتوهم من أن إيمان المؤمن وكفر الكافر من قبل نفسه أي كما تعلمون أن البسط في الرزق والإقتار من فعل الله ليس للعبد فيه قدرة فكذلك اعلموا أنه

стр. 871

لا قدرة له على الإيمان والكفر إلا بالله ويحتمل أن يكون وجه المناسبة بينهما أنه لما ذكر فعل المؤمنين وعقابهم وفعل الكافرين وعقابهم أخبر أن بسط الرزق على أكثر الكفار في الدنيا وقبضه على أكثر المؤمنين إنما هو بمشيئة الله تعالى وإرادته حسبما ورد في الحديث "لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضه ما سقى الكافر منها شربة ماء"، ابن عبد السلام وهذا [**تتجارى فيه النَّاس] وأوسعهم حالا أشد كفرا أو منعا، وفي حديث الابتلاء "أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا". قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ). أي وما اعتبار الحياة الدنيا في الآخرة، وإلا فالآخرة ليست ظرفا للدنيا بوجه وهذا إشارة إلى محل من يعمل للدنيا وعمل من يعمل للآخرة فمن قطع نهاره في لذة وشهوة وقطع يوما آخر في طاعة إذا تذكرهما نجده يندم على يوم الشهوة لأنه انقضى ولم يبق إلا الحساب عليه [ ... ] يوم الطاعة لأنه مضت مشقته وبقي ثوابه مدخرا له، وقوله: (مَتَاعٌ) أي شيء يتمتع به منفصل زائد. قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ... (٢٧)﴾ [للتحضيض*] وفي مقدمة [ابن بابشاذ*]: إنها مع الماضي للتوبيخ، ولا يطرد له إلا في الطلب الجازم، وإن كانت [للمضارع*] [فللتحضيض*] كقول الفقير للغني لولا أحسنت إلي لأنه على سبيل الندب. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ). إن قلت: لم جاء فعل المشبه مضارعا والإنابة ماضيا والمناسب العكس لأن مشيئة الله قديمة وإنابة العبد حادثة، وفي غافر: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) ومَن سوى الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب؟ فأجيب: بوجهين

стр. 872

الأول: أن فعل المشبه أتى مضارعا باعتبار متعلقها وهو من فعل العبد وغير مطلوب لأن أصلها من الله فلم يحتج إلى طلب متعلقها والإناب من فعل العبد فجاء فعلها ماضيا إشارة إلى تأكيد طلبها حتى كأنها واقعة، الثاني: أن مشيئة الله دائما مستمرة وإنابة العبد متقطعة فهو إشارة إلى أن من أناب ليس على من آمن، بقاء إنابته واستمرارها في المستقبل إلا بهداية الله وتوفيقه، ابن عرفة: والآية عندي صريحة في مذهب أهل السنة لقوله (وَيَهْدِي إِلَيهِ) أي يخلق في قلبه الهداية ويرشده إليها. وأناب إشارة إلى ما له في ذلك من الكسب. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ... (٢٨)﴾ قال ابن عرفة: عادتهم يوردون عليه قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) لأن تلك الآية اقتضت أن ذكر الله موجب لخوفهم ووجلهم وهذه اقتضت إنه موجب لطمأنينة قلوبهم وزوال الخوف منها، قال: وكانوا يجيبون لوجهين: الأول: أنهم تذكرهم الله تعالى فحدث لهم خوف ووجل ثم تعقبه طمأنينة وسكون قلب كقوله: وإني لتعروني لذكراك هِزّة ... كما انتفض العصفور بلَّلَه القطر والجواب الثاني: قال كان شيخنا القاضي ابن عبد السلام يحكى عن بعض نحاة الأندلس، أنه قال: قوله: (وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ) بذكر الله مصدر مضاف للفاعل أنهم إذا أخبروا أن الله تعالى ذكرهم اطمئنان قلوبهم وسكت لأنهم يعملون أن ذلك رحمة منه بهم واعتناء بذكرهم وجاء قوله: (إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُم) على الأصل من حالهم لَا حالهم الخوف فإذا ذكر الله زاد وجلهم وخوفهم من عقابه وهذا جواب حسن. قوله: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ ... (٣٠) .. ولم يقل: إلى أمة؛ إما لأنه أرسل إلى قوم نشأ فيهم، فإن قلت: رسالته عامة للعرب والعجم والقريب والبعيد؟ قلنا ابتداؤها كان من قريش وإما لكون إلى مختلف في دخول ما بعدها فيما قبلها وفي الظرفية والإحاطة فهي أدل على عموم رسالته. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ... (٣١)﴾

стр. 873

جوابها مقدر [أي: لما آمنوا*]، وقيل: أي لكان هذا القرآن، ابن عرفة [والقضية*] الشرطية تارة تقتضي نفي لانتفاء الثاني نحو لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان، وتارة يقتضي ثبوته لثبوته نحو لو لم يكن هذا هو قضاؤنا لما كان إنسانا لكنه إنسان فهو حيوان، وتارة يقتضي مجرد [ ... ] والارتباط نحو لو حضر زيد لحضر ثوبه، والآية من هذا القسم، قال: والعطف [ ... ] لَا تسير الجبال أغرب وأعجب لعظم [جرمها*] وكونها جماد ألا يقبل الاتصاف بصفة الحيوان والتفسير من صفة الحيوان ولم يقع ذلك فيها بوجه ثم يليه تقطيع الأرض لكثرة وقوعه لاسيما على ما قال ابن عطية: من أن تفجير أنهارها ويليه تكلم الموتى، وإنه قد وقع لعيسى وغيره. قوله تعالى: (يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ). ابن عرفة: فيه ترجيح لمذهب المعتزلة القائلين بوجوب إنفاذ الوعيد وذلك أن إنفاذ الوعيد متفق عليه وإنفاذ الوعد مختلف فيه لكن جوابنا نحن أن الجواب القديم الأزلي هو صفة ذاتية لله تعالى استحيل فيها الخلف وأما كلام النبي ﷺ الذي هو [ترجمة*] عن ذلك الكلام فليس كذلك ومثاله إذا قلت: من يقتل زيدا أفأنا أقتله فتارة يقصد الحقيقة، وتارة يكون غير زيد قتله لكنك تقصد المبالغة في العبارة على جهة التخويف عن فعل ذلك فعبارتك يمكن فيها عدم الوقوع وإما في نيتك وقصدك فلا بد من وقوعه لأنك عزمت على ما أجمعت عليه وهو قصد حقيقي فلأن الكلام الذي ترجمته عما في القلب فأنه قد يكون مجازا وهذا هو جواب أهل السنة عن قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا). قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ... (٣٢)﴾ ابن عرفة: فيه عندي دليل على صحة العمل بالقياس لأن الآية [سيقت*] مساق التخويف للكفار والقبلية للنبي ﷺ وما وجه التخويف للكفار والتسلية للنبي ﷺ ، وما وجه التخويف إلا من جهة أن المشاركة في الوصف توجب التسوية في الحكم الناشئ له والكفار المعاصرون له ﷺ مشاركون لمن سبقهم في الاستهزاء؟ واقتضت الآية أن من سبقهم عوقب فكذلك هؤلاء ولا معنى للقياس إلا إثبات حكم الأصل للفرع بعلة جاءت معه، وتنكير لفظ الرسول للتنويع ولا يناسب التعظيم إنه لَا يحصل به التخويف لأنهم يقولون إنهم عوقبوا هؤلائك على استهزائهم بعظماء الرسل ما يلزم منه عقابنا نحن، قيل لابن

стр. 874

عرفة: كيف ينفي هذا القسم باللام وقد، مع أن الماضي بعيد عن زمن الحال؟ فقال: تنزيلا له منزلة القريب ليحصل كمال التخويف. قوله تعالى: (فَأَمْلَيْتُ). قال الإمهال مجرد تأخير العذاب والإملاء تأخر العذاب وتيسير أسباب الوقوع في موجبات عذاب آخر ولهذا كان بعضهم يقول الإملاء أشد من الإمهال يعني لأنه يتضاعف به العذاب قال تعالى: (إنَّما نُملي لهم ليَزْدادُوا إثْمًا) المعنى ثابتا في بعض الأمر فهو تقرير وإن لم يكن ثابتا فهو إنكار وهو هنا تقرير لقول ابن عطية: المراد أفمن هو قائم هي كل نفس بما كسبت حق بالعبادة أم الجمادات التي لا تنفع ولا تضر وهو معطوف على مقدر فمنهم من كان مقدره أَهُمْ جاهلون فمن هو قائم زمنهم من قدره منهم غافلون فمن هو قائم، والصواب: قال وهل هذا من العمومات المخصوصة أم لَا؟ قال: إن قلنا أن ذات البارئ تعالى لَا يطلق عليها نفس فيكون باقيا على عمومه، وإن جوزنا الإطلاق لقوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) فيكون هذا مخصوصا بالبارئ تعالى إذ لَا يقال إنه حفيظهم على نفسه، قيل له: قول (بِمَا كَسَبَتْ ... (٣٣) .. يدل على التخصيص بل هو متعلق بقائم وليس بصفة للنفس والكَسب، الصواب تفسيره بما قاله أهل السنة لأن الأمثل عدم النقل ومعنى قائم حفيظ ورقيب وعالم. قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ). ابن عرفة: تارة تبطل الدعوى ببيان بطلان دليلها في نفسه، وتارة يبطل، بيان بطلان مدلول دليلها وأبطل عليها هنا دليلهم السمعي والعقلي، أما العقلي فبطل لبطلان مدلوله وهو قوله (قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ) فهو غير معلوم لله وكل ما ليس بمعلوم لله فليس موجود ولا معدوم الممكن معدوم، إن قلنا: إن المعدوم الممكن معلوم فدل على أنه محال وأما السمعي فهو قوله (أمْ بظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) وهو قولهم (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقولهم (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) فقيل لهم: هل بلغكم ذلك من الله على ألسنة الرسل أم لَا؟ وقوله (شُرَكَاءَ) خالفها الزمخشري هنا بكلامه على عادته في خلط لفظة المعتزلي بخلافه، وقوله (قُلْ سَمُّوهُم) قيل لابن عرفة: كيف هذا وهم سموهم فقالوا (اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى)، فقال: ليس المراد مجرد التسمية بل يعنيهم والمعنى أنه إنما يستحق اسم إله من اتصف بالاستغناء والكمال ونكره عن العجز والاحتياج فعينوا لنا شركاء متصفين بذلك

стр. 875

فإنهم لَا يجدونهم، قلت: وتقدم لابنِ عرفة: في هذه الآية ما نصه قوله (وَمَا فِي الأَرْضِ) وقال في سورة يونس (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) وفي سورة إبراهيم (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) فأجاب ابن عرفة: بأنه إنما خص الأرض لأنها المشاهدة القوية، وإلا فقد عبدوا الشِّعْرَى [ ... ] عبدوا الشمس لَا غير ذلك، ونفى علم الشيء على الله يستلزم عدم ذلك الشيء وفيه دليل على أن العدم غير معلوم، وفي المسألة ثلاثة مذاهب، مذهب الجمهور إلى أنه معلوم، وقيل: إنه غير معلوم، وقيل: المستحيل غير معلوم والممكن معلوم. قوله تعالى: (أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ). أي أم بدليل سمعي فمعناه أنكم لا تجدون دليلا عقليا على ذلك ولا سمعيا فلا مستند لكم بوجه فالدليل العقلي تقدم نفيه لقوله (أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ) وفي قوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ). قوله تعالى: (بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ). ابن عرفة: ومن زين له مكره وقد يصور دليلا يصوره به ويزوده وهو [ ... ] صدوا عن السبيل فليس لهم شبهة ولم يجدوا وأجاز [ ... ] ولا ما يستدلون به على صحة دعواهم. قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ). إن أريد ومن يضلل الله دائما فما له من هاد بالإطلاق وإن أريد ومن يضلل الله وقتانا أي وقت كان فما له من هاد غير الله. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ ... (٣٥)﴾ ابن عرفة: الظاهر أن الخبر مقدر، وفي الآية حذف مضافين والتقدير (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فرد عليه بأنه إن أراد بالثانية جنة الآخرة فقد شبه [الشيء*] بنفسه، [ولا يصح*] أنها ضد الدنيا؛ لأن [التشبيه*] بالشيء [لَا يقوى*] قوته وهنا تشبه الأقوى بالأضعف فقال: قد يكون الفرع أقوى [**نفي المعنوي مقدم على العبادة] [ ... ] لا [**من قول ولا يعبد]، فأجيب: بوجود الأول أن المراد [بالشرك الرياء والكبر فالمعنى أمرت أن أعبد الله عبادة صالحة من الرياء*] ولكن هذا لَا يناسب السياق، قيل له: وعلى هذا

стр. 876

يكون قوله (وَلَا أُشْرِكُ بِهِ) حالا لكن خص الأكثرون على أنه لَا يحصل الفعل [للاستقبال]، فقال: يكون هذا حالا مقدرا؛ كقولهم مررت برجل معه [ ... ] يديه هكذا، الجواب الثاني: أن المراد أمرت أن أعبد الله وأدوم على عبادته إني أعبده عبادة لا يتخللها أو لَا يعقبها إشراك، الثالث: إنما قدمت العبادة لتدل على نفي الإشراك باللزوم ثم بالمطابقة فيدل اللفظ دلالتين وبالله التوفيق. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ... (٤٠)﴾ اختلفوا هل هذا وعد النبي ﷺ بتعذيبهم أو وعيد لهم فأطلق الوعد على الوعيد، ابن عرفة: وقال في الزخرف (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) لكن أبلغ لأنها اقتضت رؤية بعض عذابهم وهو ما ينزل بهم في الدنيا، قبل وفاة النبي ﷺ ومعنى الآية إما نرينك بعض ما ينزل بهم أو نتوفاك قبل [رؤيتك*] ذلك، قال ابن عرفة: وفي هذا كمال التسلية للنبي ﷺ وكان بعضهم يقول إن الوعد بالإحسان أو بالنصرة على الأعداء من السلطان والرجل ذو الهيئة ليس في الوعد كمن دونه لأن الأول يحصل منه كمال الطمأنينة والركون، وفي الآية سؤال وهو ما الحكمة في تأكيد الفعلين بالنون من أن أحدهم محقق الوقوع لَا شك فيه، وإنما المهم تعيين الواقع منها علم [ ... ] نزل تأكيدهما؟ قال والجواب: إن التأكيد راجع للخبر لَا للشرط، قلت له: إنما هو في الشرط يقطع، فقال: الشرط والخبر أمر ببطلان ألا ترى أن القائل إذا قال قام زيد فإنما أكرمه يحسن أن يقال له صدقت أو كذبت، والتصديق والتكذيب إنما هو الخبر لا للشرط. قوله تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ). ابن عرفة: وفي هذا عندي اللف والنشر كقوله: (عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) يرجع لقوله: (نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) لأنه أنزل العذاب بهم في حياتهم قد يظن هو أن عليه في ذلك [ ... ] ما لعدم إيمانهم فقبل له أن رأيتهم نزل بهم عذاب فلا يتوهم إن عليك في ذلك شيئا لأنك إنما عليك البلاغ وقد بلغت وقوله: (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) يرجع لقوله: (أَوْ نَتَوَفَّيَنكَ) لأنهم إذا عذبوا بعد وفاته أنفى التوهم المتقدم، وقيل له: علينا حسابهم. قوله تعالى: ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا ... (٤١)﴾ ابن عطية: أي من خيارها وهو عكس ما قال الزمخشري في (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال أي خيارا.

стр. 877

قوله تعالى: (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). سرعة حسابه إما باعتبار قرب أوانه، أو قصر زمانه وقلة [مكثه*]. قال ابن عطية: في سورة آل عمران عن مجاهد يحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى [بإحاطته*] بكل شيء [علمًا*] لا يحتاج إلى [إلى عد ولا فكرة*]. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... (٤٢)﴾ قلت: (مِنْ) لابتداء الغاية فيقتضى أول أزمنة القبلية وقد يضرب الماضي من زمن الحال فكيف صح الجمع منهما؟ فقال: المراد أول أزمنة هذا المكر المقرب وهو الزمن القريب من وقتك. قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ). ابن عرفة: وذلك إن الفاعل له صفتان القدرة على الفعل والعلم بموجبات أسبابه فقوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ) راجع لوصف القدرة وقوله: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) راجع للعلم. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ... (٤٣)﴾ هذا تصريح بقبح مقالتهم لمخالفة فيها الأمر الضروري لأنهم كذبوا به بعد ظهور المعجزات والخوارق المعلوم صدق من ظهرت على يديه بالضرورة وتقدم في أصول الدين أول الواجبات النظر فمذهب أهل السنة أنه واجب بالشرع، وقالت المعتزلة: النظر واجب بالعقل قالوا ولو كان واجبا بالشرع للزم عليه إقحام الرسول لأنه يقول له ما نظر في معجزتك حتى يجب ذلك على ولا يجب على إلا بقولك وأنا لَا أصدقك، وأجاب أهل السنة عن ذلك بجوابين، الأول: أن المعجزات والخوارق من الأمر الغريب والنفس مجبولة على النظر في خوارق الأمور، الجواب الثاني: أن النظر إن قلنا بتكليف ما لَا يطاق فنقول إنه واجب ولا يلزم ما ذكروه، وإذا لم يقل بذلك، فنقول: إنه متوقف على تمكن العلم بنبوة الرسل لَا على حصول العلم بنبوته ويقول له أنت تمكن من العلم بنبوته فانظر النظر الذي يوصلك إلى ذلك الفعل العلم، ابن عرفة: فإن قلت: مقالتهم ماضية علم قال ويقوِل (الَّذِينَ كَفَرُوا) فالجواب من ثلاثة أوجه، الأول: أتى به مستقبلا للتعجب كقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولم يقل فأصبحت، الثاني: للتصوير كأنها لم نزل واقعة مشاهدة، الثالث: ليتناول اللفظ من قالها ومن سيقول مثلها في المستقبل قوله لست مرسلا قط الأخص حسبما ذكره الزمخشري وغيره،

стр. 878

فالجواب: أن نفي الأخص هنا يستلزم نفي الأعم لأنه قال لهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) فكذبوه في هذه المقالة فإذا كذبوه فيها فهم لم يصدقوه في نبوته لأن النبي لَا يكذب. قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ). هذا من كمال الاتصاف مثل (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فمعنى الآية الله شهيد علي وعليكم فيعلم المحق من المبطل فيجازي كلا بفعله، وقوله (شَهِيدًا) من باب المبالغة، والمبالغة فيه إما [ ... ] متعلقة شهادته؛ لأنها عامة في كل أحد. قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) والمبالغة في نفس الشهادة باعتبار استيفاء وجوهها وجميع شرائطها حتى لَا يشذ عنه من حال المشهود عليه في نفس الشهادة هي، قوله تعالى: (شَهِيدًا) يعم الدنيا والآخرة فالدنيا باعتبار ظهور المعجزات على يدي رسول الله ﷺ وهي تنزل منزلة قوله صدق عبدي فصار كالشهادة لأحد الخصمين بالصدق في دعواه باعتبار آي القرآن. قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) وأما الآخرة فباعتبار مجازاته إياهم وعقابهم على تكذيبهم قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) المصدر مضاف للمفعول أي ومن يعلم الكتاب والمراد بمن عنده إما الصحابة والكتاب القرآن أو الله تعالى واللوح المحفوظ، وقيل: المراد بها من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، والكتاب التوراة والإنجيل، قال ابن الخطيب: هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم بعد ذلك فكيف يقال إنه هو المراد بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) لأنه لَا يشهد حينئذ أو هو كافر، أجاب: باحتمال أن تكون هذه الآية خاصة منها مدنية وبالله تعالى التوفيق. * * *

стр. 879

سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ قال الزمخشري: وهي إحدى وخمسون آية، وقال الغزنوي: هي اثنان وخمسون آية. قال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ... (١) .. الإنزال انتقال من فوق إلى أسفل، فإِن راعيت [المبدأ*] عدى بعلى لاقتضائها العلم [**ولذوات منها وعدى على بإلى]. وقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ) فقيل لابن عرفة: هذا يدل على أن أفعال الله [ ... ] عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" والجواب: إنه عام مخصوص بهذا الحديث فيتناول من في زمانه ومن بلغ كافرا ممن أتى بعده لو يقال إن النَّاس كلهم كانوا في الظلمات بالفعلِ والكفار كانوا في النور باعتبار القائلين والإمكان ولذلك قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوَّليَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) قوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) الزمخشري: أي تسهيله، ابن عرفة: هذا على قاعدة لأنه يقول أفعال العباد ليست مقدرة لله تعالى وإنما الله تعالى ييسرها ويسهلها عليه وتفسيرها أن يأمر ملك رجلين متفرقين أن يبلغا كتابين له إلى بلد كذا ويخبر أحدهما بالطريق القريبة ويأذن له في سلوكها ويترك الآخر فإنه سهل الأول الطريق فقط، ولم يمش الرسول فيها إلا بقدرة نفسه وقوته ولا بقدرة الملك فكذلك تقول المعتزلة، وقال ابن عطية قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بعلمه واقتضائه وتوفيقه، قال ابن عرفة: هذه نزعة اعتزالية ولولا قولَه واقتضائه لكان صريحا في مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون إن العبد [يستقل*] بأفعاله ويخلقها، وأن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده، فهذه العبارة إن كان أتبع فيها [ ... ] فيحمل على أنه أراد بالاقتضاء الإرادة للحسن، لَا مطلق الإرادة، وإن كانت هذه العبارة من عند نفسه، فيحمل على الإطلاق لكن يقال له المواضع التي خالفونا فيها لا ينبغي لك أن تأتي فيها بالمحتملات، فالصواب أن معنى قوله (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بقدرته وخلقه واختراعه وإنه خلق الهداية والضلال، وأراد بها تعالى أن [تكون*] في [**ملكه لَا يرثه].

стр. 880

قوله تعالى: (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ). وصف العزة مناسب لإخراج النَّاس من الظلمات إلى النور، والعزيز هو الذي لا يمانع، والحميد هو الذي يحمد على أفعاله ومن جملته بعثه الرسل ففيه دليل على أن بعثه الرسل غير واجبة خلافا للمعتزلة فالآية تدل على أنها محض تفضل من الله لنا فلذلك يحمد. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (٢)﴾ فقد رد على المعتزلة لأن من [جملة*] ما فيها أفعال العباد واختلفوا هل المعتزلة كفار لأجل مقالتهم لأنهم نفوا الصفات وإنما هم فساق وعصاة، واختار عز الدين في قواعده عدم بكفرهم، قال: لأنهم إنما قصدوا التبرئة وكيف يكفرون بلازم مذهبهم، وهم قد نصوا على نفي ذلك اللازم، وقالوا: لَا نقول له وكذلك اختار عدم تكفيرهم من قال بالجهة والتجسيم ونظيره لو أمر الملك رجلا ونهى آخر فامتثلا، قوله، وقال أحدهما ملكا أزرق العينين، وقال آخر: بل هو أكحل، وما مقصد كل أحد منهما إلا أن يصفه بالوصف الأكمل إلا بلغ لكن أحدهما يعتقد أن الزرقة أحسن وأبلغ والآخر يقول بل الكحولة أبلغ وأحسن فإن كلاهما معا مصيب وكذلك هو لَا يقطع لكفرهم، قال الشيخ عز الدين: وكان بعضهم يورد مثل هذا على أهل السنة فإنهم اختلفوا هل هو باق ببقاء وقديم بقدم أو بغير بقاء ولا عدم في قديم لذاته وباق لذاته قال فيلزم هؤلاء ما ألزموا المعتزلة، وأجاب بعضهم: بأن المعتزلة نفوا مطلق الصفة من أصل وأهل السنة إنما نفوا بعض الصفة وأثبتوا بعضها. قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ). الزمخشري الويل [نقيض الوأل*] إلا أنه لَا يشتق منه فعل، إنما يقال ويلا له، ابن عرفة: يعني بقوله لَا يشتق منه أي من الويل وأما الوال فيشتق منه، قال أبو العباس المبرد في الكامل إن [عيَّاشا*] الكندي من كبار الشجعان [بئيسا فأبلى يومئذ ثم مات على فراشه بعد ذلك، فقال المهلب: لا وألت نفسي الجبان بعد عياش*] (١). قوله تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... (٤)﴾ دليل على أن واضع اللغة ليس هو الله تعالى بل العرف حصول العلم عقيب النظر عادي وليس بعقلي إذ لو كان عقل للزم البيان والهداية، قال: ويحتمل أن يقال لَا يلزم ذلك لأن المخاطب قد لَا ينظر النظر الموصل للعلم.
следующие страницы →