يكون قوله (وَلَا أُشْرِكُ بِهِ) حالا لكن خص الأكثرون على أنه لَا يحصل الفعل [للاستقبال]، فقال: يكون هذا حالا مقدرا؛ كقولهم مررت برجل معه [ ... ] يديه هكذا، الجواب الثاني: أن المراد أمرت أن أعبد الله وأدوم على عبادته إني أعبده عبادة لا يتخللها أو لَا يعقبها إشراك، الثالث: إنما قدمت العبادة لتدل على نفي الإشراك باللزوم ثم بالمطابقة فيدل اللفظ دلالتين وبالله التوفيق.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ... (٤٠)﴾
اختلفوا هل هذا وعد النبي ﷺ بتعذيبهم أو وعيد لهم فأطلق الوعد على الوعيد، ابن عرفة: وقال في الزخرف (أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ) لكن أبلغ لأنها اقتضت رؤية بعض عذابهم وهو ما ينزل بهم في الدنيا، قبل وفاة النبي ﷺ ومعنى الآية إما نرينك بعض ما ينزل بهم أو نتوفاك قبل [رؤيتك*] ذلك، قال ابن عرفة: وفي هذا كمال التسلية للنبي ﷺ وكان بعضهم يقول إن الوعد بالإحسان أو بالنصرة على الأعداء من السلطان والرجل ذو الهيئة ليس في الوعد كمن دونه لأن الأول يحصل منه كمال الطمأنينة والركون، وفي الآية سؤال وهو ما الحكمة في تأكيد الفعلين بالنون من أن أحدهم محقق الوقوع لَا شك فيه، وإنما المهم تعيين الواقع منها علم [ ... ] نزل تأكيدهما؟ قال والجواب: إن التأكيد راجع للخبر لَا للشرط، قلت له: إنما هو في الشرط يقطع، فقال: الشرط والخبر أمر ببطلان ألا ترى أن القائل إذا قال قام زيد فإنما أكرمه يحسن أن يقال له صدقت أو كذبت، والتصديق والتكذيب إنما هو الخبر لا للشرط.
قوله تعالى: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
ابن عرفة: وفي هذا عندي اللف والنشر كقوله: (عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) يرجع لقوله: (نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ) لأنه أنزل العذاب بهم في حياتهم قد يظن هو أن عليه في ذلك [ ... ] ما لعدم إيمانهم فقبل له أن رأيتهم نزل بهم عذاب فلا يتوهم إن عليك في ذلك شيئا لأنك إنما عليك البلاغ وقد بلغت وقوله: (وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) يرجع لقوله: (أَوْ نَتَوَفَّيَنكَ) لأنهم إذا عذبوا بعد وفاته أنفى التوهم المتقدم، وقيل له: علينا حسابهم.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا ... (٤١)﴾
ابن عطية: أي من خيارها وهو عكس ما قال الزمخشري في (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) قال أي خيارا.
стр. 877
قوله تعالى: (وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
سرعة حسابه إما باعتبار قرب أوانه، أو قصر زمانه وقلة [مكثه*]. قال ابن عطية: في سورة آل عمران عن مجاهد يحتمل أن يراد بسرعة الحساب أن الله تعالى [بإحاطته*] بكل شيء [علمًا*] لا يحتاج إلى [إلى عد ولا فكرة*].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... (٤٢)﴾
قلت: (مِنْ) لابتداء الغاية فيقتضى أول أزمنة القبلية وقد يضرب الماضي من زمن الحال فكيف صح الجمع منهما؟ فقال: المراد أول أزمنة هذا المكر المقرب وهو الزمن القريب من وقتك.
قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ).
ابن عرفة: وذلك إن الفاعل له صفتان القدرة على الفعل والعلم بموجبات أسبابه فقوله: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ) راجع لوصف القدرة وقوله: (يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) راجع للعلم.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ... (٤٣)﴾
هذا تصريح بقبح مقالتهم لمخالفة فيها الأمر الضروري لأنهم كذبوا به بعد ظهور المعجزات والخوارق المعلوم صدق من ظهرت على يديه بالضرورة وتقدم في أصول الدين أول الواجبات النظر فمذهب أهل السنة أنه واجب بالشرع، وقالت المعتزلة: النظر واجب بالعقل قالوا ولو كان واجبا بالشرع للزم عليه إقحام الرسول لأنه يقول له ما نظر في معجزتك حتى يجب ذلك على ولا يجب على إلا بقولك وأنا لَا أصدقك، وأجاب أهل السنة عن ذلك بجوابين، الأول: أن المعجزات والخوارق من الأمر الغريب والنفس مجبولة على النظر في خوارق الأمور، الجواب الثاني: أن النظر إن قلنا بتكليف ما لَا يطاق فنقول إنه واجب ولا يلزم ما ذكروه، وإذا لم يقل بذلك، فنقول: إنه متوقف على تمكن العلم بنبوة الرسل لَا على حصول العلم بنبوته ويقول له أنت تمكن من العلم بنبوته فانظر النظر الذي يوصلك إلى ذلك الفعل العلم، ابن عرفة: فإن قلت: مقالتهم ماضية علم قال ويقوِل (الَّذِينَ كَفَرُوا) فالجواب من ثلاثة أوجه، الأول: أتى به مستقبلا للتعجب كقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولم يقل فأصبحت، الثاني: للتصوير كأنها لم نزل واقعة مشاهدة، الثالث: ليتناول اللفظ من قالها ومن سيقول مثلها في المستقبل قوله لست مرسلا قط الأخص حسبما ذكره الزمخشري وغيره،
стр. 878
فالجواب: أن نفي الأخص هنا يستلزم نفي الأعم لأنه قال لهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) فكذبوه في هذه المقالة فإذا كذبوه فيها فهم لم يصدقوه في نبوته لأن النبي لَا يكذب.
قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ).
هذا من كمال الاتصاف مثل (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فمعنى الآية الله شهيد علي وعليكم فيعلم المحق من المبطل فيجازي كلا بفعله، وقوله (شَهِيدًا) من باب المبالغة، والمبالغة فيه إما [ ... ] متعلقة شهادته؛ لأنها عامة في كل أحد.
قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ)
والمبالغة في نفس الشهادة باعتبار استيفاء وجوهها وجميع شرائطها حتى لَا يشذ عنه من حال المشهود عليه في نفس الشهادة هي، قوله تعالى: (شَهِيدًا) يعم الدنيا والآخرة فالدنيا باعتبار ظهور المعجزات على يدي رسول الله ﷺ وهي تنزل منزلة قوله صدق عبدي فصار كالشهادة لأحد الخصمين بالصدق في دعواه باعتبار آي القرآن.
قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) وأما الآخرة فباعتبار مجازاته إياهم وعقابهم على تكذيبهم قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) المصدر مضاف للمفعول أي ومن يعلم الكتاب والمراد بمن عنده إما الصحابة والكتاب القرآن أو الله تعالى واللوح المحفوظ، وقيل: المراد بها من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، والكتاب التوراة والإنجيل، قال ابن الخطيب: هذه السورة مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم بعد ذلك فكيف يقال إنه هو المراد بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) لأنه لَا يشهد حينئذ أو هو كافر، أجاب: باحتمال أن تكون هذه الآية خاصة منها مدنية وبالله تعالى التوفيق.
* * *
стр. 879
سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ ﵇
قال الزمخشري: وهي إحدى وخمسون آية، وقال الغزنوي: هي اثنان وخمسون آية.
قال تعالى: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ... (١) .. الإنزال انتقال من فوق إلى أسفل، فإِن راعيت [المبدأ*] عدى بعلى لاقتضائها العلم [**ولذوات منها وعدى على بإلى].
وقوله: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ) فقيل لابن عرفة: هذا يدل على أن أفعال الله [ ... ] عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" والجواب: إنه عام مخصوص بهذا الحديث فيتناول من في زمانه ومن بلغ كافرا ممن أتى بعده لو يقال إن النَّاس كلهم كانوا في الظلمات بالفعلِ والكفار كانوا في النور باعتبار القائلين والإمكان ولذلك قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوَّليَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) قوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) الزمخشري: أي تسهيله، ابن عرفة: هذا على قاعدة لأنه يقول أفعال العباد ليست مقدرة لله تعالى وإنما الله تعالى ييسرها ويسهلها عليه وتفسيرها أن يأمر ملك رجلين متفرقين أن يبلغا كتابين له إلى بلد كذا ويخبر أحدهما بالطريق القريبة ويأذن له في سلوكها ويترك الآخر فإنه سهل الأول الطريق فقط، ولم يمش الرسول فيها إلا بقدرة نفسه وقوته ولا بقدرة الملك فكذلك تقول المعتزلة، وقال ابن عطية قوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بعلمه واقتضائه وتوفيقه، قال ابن عرفة: هذه نزعة اعتزالية ولولا قولَه واقتضائه لكان صريحا في مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون إن العبد [يستقل*] بأفعاله ويخلقها، وأن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده، فهذه العبارة إن كان أتبع فيها [ ... ] فيحمل على أنه أراد بالاقتضاء الإرادة للحسن، لَا مطلق الإرادة، وإن كانت هذه العبارة من عند نفسه، فيحمل على الإطلاق لكن يقال له المواضع التي خالفونا فيها لا ينبغي لك أن تأتي فيها بالمحتملات، فالصواب أن معنى قوله (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بقدرته وخلقه واختراعه وإنه خلق الهداية والضلال، وأراد بها تعالى أن [تكون*] في [**ملكه لَا يرثه].
стр. 880
قوله تعالى: (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
وصف العزة مناسب لإخراج النَّاس من الظلمات إلى النور، والعزيز هو الذي لا يمانع، والحميد هو الذي يحمد على أفعاله ومن جملته بعثه الرسل ففيه دليل على أن بعثه الرسل غير واجبة خلافا للمعتزلة فالآية تدل على أنها محض تفضل من الله لنا فلذلك يحمد.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (٢)﴾
فقد رد على المعتزلة لأن من [جملة*] ما فيها أفعال العباد واختلفوا هل المعتزلة كفار لأجل مقالتهم لأنهم نفوا الصفات وإنما هم فساق وعصاة، واختار عز الدين في قواعده عدم بكفرهم، قال: لأنهم إنما قصدوا التبرئة وكيف يكفرون بلازم مذهبهم، وهم قد نصوا على نفي ذلك اللازم، وقالوا: لَا نقول له وكذلك اختار عدم تكفيرهم من قال بالجهة والتجسيم ونظيره لو أمر الملك رجلا ونهى آخر فامتثلا، قوله، وقال أحدهما ملكا أزرق العينين، وقال آخر: بل هو أكحل، وما مقصد كل أحد منهما إلا أن يصفه بالوصف الأكمل إلا بلغ لكن أحدهما يعتقد أن الزرقة أحسن وأبلغ والآخر يقول بل الكحولة أبلغ وأحسن فإن كلاهما معا مصيب وكذلك هو لَا يقطع لكفرهم، قال الشيخ عز الدين: وكان بعضهم يورد مثل هذا على أهل السنة فإنهم اختلفوا هل هو باق ببقاء وقديم بقدم أو بغير بقاء ولا عدم في قديم لذاته وباق لذاته قال فيلزم هؤلاء ما ألزموا المعتزلة، وأجاب بعضهم: بأن المعتزلة نفوا مطلق الصفة من أصل وأهل السنة إنما نفوا بعض الصفة وأثبتوا بعضها.
قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ).
الزمخشري الويل [نقيض الوأل*] إلا أنه لَا يشتق منه فعل، إنما يقال ويلا له، ابن عرفة: يعني بقوله لَا يشتق منه أي من الويل وأما الوال فيشتق منه، قال أبو العباس المبرد في الكامل إن [عيَّاشا*] الكندي من كبار الشجعان [بئيسا فأبلى يومئذ ثم مات على فراشه بعد ذلك، فقال المهلب: لا وألت نفسي الجبان بعد عياش*] (١).
قوله تعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... (٤)﴾
دليل على أن واضع اللغة ليس هو الله تعالى بل العرف حصول العلم عقيب النظر عادي وليس بعقلي إذ لو كان عقل للزم البيان والهداية، قال: ويحتمل أن يقال لَا يلزم ذلك لأن المخاطب قد لَا ينظر النظر الموصل للعلم.
стр. 881
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ... (٥)﴾
ابن عرفة: ذكروا في أن وجهين هل هي ناصبة أم مفسرة، وقال بعض الطلبة أكثر النحويين يمنعون وصل أن بالجملة الغير الخبرية، وذكر ابن العطا في شرح الجزولية: جواز ذلك وأنشد عليه بتاء قال: فالظاهر أنها هنا تفسيرية.
قوله تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ).
ابن عرفة: التذكير بذلك سبب في إخراجهم من الظلمات إلى النور فلم أخره عنه، وأجاب: بأن التذكير هو الموعظة، قال والدعاء على الإسلام متقدم عليها والموعظة إنما تكون بعد ذلك لأنه يريهم المعجزات ابتداءً فإذا آمنوا وعظهم ليدوموا على إيمانهم ابن عرفة: وهنا سؤال وهو هلا قال أخرج قومك من الظلمات إلى النور بإذن الله كما قال أولا (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) وعادتهم يجيبون: بأن الأول خطاب للنبي ﷺ وشريعته من أسهل الشرائع فناسب فيها ذكر الإذن ليفيد معنى السهولة واللين المأذون فيهما وهذه الآية الثانية خطاب لموسى وقد كانت شريعته صعبة ألا ترى إلى قوله (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُم) قلت له: أو يجاب بأن اخرج فعل أمر فهو بنفسه دليل على الآن فلم يحتج إلى ذكره معه بخلاف قوله ليخرج النَّاس فإِنه جملة خبرية لَا تدل على الإذن فلذلك قيدت به.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ).
المراد بهما الآيات النافعة بدليل قوله: (لِكُلِّ صَبَّارِ شَكُورٍ) مع أنه آية للصابر الشاكر لكن إنما هو آية نافعة للصبار والشكور لَا لمن اتصف بمطلق صبر ومطلق شكر، ابن عرفة: وليس المراد من جميع الوصفين بل من اتصف بأحدهما وإنما لم يعطفهما بالواو إشارة إلى التهييج والإلهاب على الإنصاف بهما معا.
قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... (٦)﴾
قال: لم أفرد النعمة؟ فأجيب بوجهين: الأول: قلت إما لأنه فسرها بشيء واحد وهو الإنجاء من آل فرعون فهي نعمة واحدة، الثاني قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه إنما أفردا لأن الإنسان لَا يستطيع الشكر على كل النعم بل على البعض فقط فأفردها تحقيقا على المكلف في الشكر على النعم وإن كثرت إذ لَا يقدر على القيام بواجب الشكر على جميعها وإن [أفرغ وسعه*]، قال والعامل في (إذ) (نِعْمَةَ) لأنه [مصدر مجرد بالياء] [ظرف للنعمة بمعنى الإنعام*] (١)
стр. 882
ولا يصح أن يعمل فيها إذا ذكروا لأنه مستقبل [وإذ*] ظرف زماني لما مضى وقت الذكر ليس هو وقت الإنجاء.
قوله تعالى: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ).
ابن عرفة: إن قلت عطف (يُذَبِّحُونَ) على (يَسُومُونَكُمْ) مشكل لأن العطف يقتضي المغايرة فإن كان السوم هو الذبح لزم عطف الشيء على نفسه والعطف يقتضي المغايرة كما سبق وإن كان غيره لزم تفسير [الشيء*] بغيره، والجواب: أنه غيره لكنه أعم منه فالسوم هو أوائل العذاب ومقدماته والذبح أخص منه، فإن قلت: هلا قال (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) كما قال (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) فالجواب: أن البنات في حال صغرهن لَا مؤنة لهن ولا مشقة وإنَّمَا يلحق أباءهن المؤنة والمشقة إذا كبرن وصرن نساء، فإن قلت: لم عطف الفعل هنا ولم يعطفه في البقرة؟ قال عادتهم يجيبون: بأن [النعمة*] في آية البقرة وقعت من الله تعالى لأنه قال (إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) [فأسند*] الفعل إلى [نفسه*] [ولأن*] كل الأشياء عنده حقيرة؛ فلهذا أتى بالجملة الثانية غير معطوفة لتكون مفسرة للأول [كأنهما] شيء واحد؛ [لأن من يستعظم الأشياء الحقيرة*] لا قدرة له، فالمائة دينار لَا قدر لها عند الغني، وهي عند الفقير مال معتبر، والآية في هذه السورة [والمذكور*] فيها من موسى ﵇ لأن [أولها*] [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا*] فهذه صدرت من موسى لقومه فناسب فيها المبالغة في العطف بالواو، والتي تقتضي المغايرة والبيان لكثير أسباب المن، وأجاب صاحب درة التنزيل بأن آية إبراهيم وقعت في خبر عطف خبر آخر قبله وهو قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) و (إذ قال موسى) فتضمن الأول إخبار عن إرسال موسى بالآيات، والثاني: تنبيهه لقوله على [نعمة*] الله فتقوى معنى العطف في (يُذَبِّحُونَ) لأنه وما عطف عليه [**وأخلى] جملة معطوفة علي غيرها فالمقام مقام الفضل بخلاف آية البقرة فإنه أخبر بخبر واحد، وهو إخباره عن نفسه بإنجائه بني إسرائيل فلذلك عطف (١)، قلت: يريد والجمل المتقدمة في سورة البقرة إنما هي طلبه وهي قوله: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا) والمشاكلة تقتضي أن الإخبار يجري مجرى واحد في الوصل والعقل بخلاف أخبرو الطلب فإنه لَا يعامل أحدهما معاملة الآخر ألا ترى المشهور عند النحويين أنه لَا يجوز عطف الجملة الخبرية على الطلبية ولا العكس حسبما نبه عليه أبو الربيع في شرح الإيضاح هذا الذي تلخص لي من كلام درة التنزيل على طوله.
قوله تعالى: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ).
стр. 883
فلم يقل: بناتكم وهو كان يكون أولا كقوله: (وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) ولم يقل: رجالكم قال وعادتهم يجيبون بأن ذلك إشارة إلى الوصف الذي لأجله أحيوا البنات وهو بقاؤهن حتى يكبرن فيحتقروهن ويذلوهن [ ... ].
قوله تعالى: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ... (٧)﴾
ونظيره [توعد وأوعد*] وتفضل وأفضل. ولابد في تفعَّل*] من زيادة معنى ليس في [أفعل*] كأنه قيل (وإذ آذن ربكم*) إيذانا بليغا [تنتفي عنده*] لشكوك، ابن عرفة: أراد الزمخشري أن تفعل ما يقتضي تكلف الفعل بمشقة، ويصير النظر غير متعد كقولك في أكرم وتكرم [وأوعد وتوعد*]. ابن عطية: إنها مثلها في عدم تكلف الفعل والمشقة. حمله الزمخشري: والله أعلم على أن التضعيف للتأكيد والمبالغة في الإذن. قوله (رَبُّكُمْ) لأي شيء أضاف الرب للمخاطب، والأصل إضافته إلى المتكلم، فيقال: ربنا [فأجاب*] بأنه لما طلب منهم الشكر [**أنابهم فأوجد موجباته وهو اللفظ الدال على التراخي والتخافي] وأضافه إليهم ليكون آكد في الشكر وإمَّا هو فشكره حاصل ومعرفته بذلك مستقرة ثابتة.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ ... (٩)﴾
ابن عرفة: كيف جزموا أولا بالكفر ثم قالوا: (إِنَّا لَفِي شَكٍّ) أو يجاب: باحتمال أن يريدوا بالأول قسم التوحيد، وبالثاني قسم الشرائع والأحكام أو باحتمال العكس أو يراد إنما كفروا بما أرسلتم به من حيث الجملة وإننا لفي شك من الرسل بدليل قوله [أَفِي اللَّهِ شَكٌّ*] فهم شكوا في الله وكفروا بما جاءت به الرسل من هذه ونقل بعض الطلبة عن الأصبهاني شارح المحصول أنه قال الفرق بين الترديد في الحكم بالترديد وبين الحكم، فقال له ابن عرفة: إنما ذلك في أو فقط، فإن قلت: لم قال في سورة هود: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) وقال هنا (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، قلنا: أما أفراد ضمير تدعونا هناك فلأنه خطاب لصالحٍ وحده وأمَّا جمع ضمير تدعوننا هنا فلأنه خطاب من جماعة من النَّاس بجماعة الرسل وأما حذف الضمير المنصوب بأن هنا وإثباته في هود، فقال صاحب درة التنزِيل: إنما أثبت ضمير النصب في هود لتقدم مثله قبله من النقل مثبتا في قوله (أَتَنْهَانَا أنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) وحذفه في إبراهيم وحذفه آخرا فقال: (إِنَّا لَفِي شَكٍّ) لتقدير نظيره قبله معبر لآخر الفعل وهو قوله (إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) وقال أبو جعفر: حذف نون الضمير المنصوب من أن في هود لتكرار
стр. 884
ما في تدعوننا ولم يحذفها في هود لعدم تكرارها في تدعونا لأنه خطاب لصالح وحده فهو ضمير.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ ... (١٠)﴾
ابن عرفة: أضاف الرسل إليهم ولم يقل رسلنا على إن الرسل منهم بحيث يعلمون حالهم وأنهم لم يعبدوا منهم كذبا ولا علم أنهم خالطوا نحوه فدل ذلك على أن حاجاتهم به حق.
قال الفخر: في [المحصول*] مذهب أهل السنة لأن الرسل ليس في خلقهم وبينهم زيادة علينا ولا خاصية ذاتية خلقوا بها عنا وما وجد منهم من القوة على الوحي أو غير ذلك فأمور عرضية كالشجاعة للبطل ومذهب الفلاسفة أن بنيتهم مخالفة لنا ولا بد لهم من خاصية ذاتية اختصوا بها هنا.
قوله تعالى: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ).
أي في ألوهية الله شك، وقال الفارسي: أفي وحدانية الله شك، ابن عطية: هذا علة مذهب المعتزلة في إنكار الصفات لأن إنكار الألوهية يستلزم إنكار الصفة فرد عليه بأنه لم يخالف أحد من المسلمين في أن إثبات الآلوهية لله تعالى بخلاف العلم ونحن فإنهم يقولون عالم لَا يعلم، قالوا: وإنما قدره الفارسي هكذا لأن أول ما يجعل الرسل علمهم على اعتقاد وحدانية الله بخلاف الألوهية إذ لم يخالف فيها أحد، قلت: قد خالف فيها المجوس الذين عبدوا الشمس: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) انتهى، قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في هذه الآية انظر كلامهم جعلوا أنفسهم مظروفين في الشك والشك ظرفا لهم وكلام الرسل جعلوا الشك مظروفا في أمر الله أو في شأن الله، وجعلوا شأن الله ظرفا له قالوا وهذا [لوجهين*] عقلي ونقلي، أما النقلي فلأن الظرف أوسع من المظروف قال محيط بالكفار في جميع الجهات وهم مفتقرون إِليه إذا المتحيز مفتقرا إلى الخير والحال مفتقر إلى المحل لابد له منه وقول الرسل (أفِي اللَّهِ شَكٌّ) جعلوا الشك متحيرا حالا في أمر الله وأمر الله أعلى منه وأكبر وهو خير له فهو إشارة إلى تعليل الشك، أي لَا يتصور أن يقع في شك في الله بوجه، وإن قل فإِذا أنكروا أن يكون أمر الله خيرا للشك مع قلته فأحرى أن ينكروا كون الشك خيرا له مع كثرته.
قوله تعالى: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
إن استدلال أهل أصول الدين على وجود الإله بوجهين، أحدهما: إمكان العالم وأنه جائز الوقوع وكل جائز لابد له من مرجّح يقتضي وقوعه على أحد الجائزين، الثاني: حدوث العالم إذ لابد له من موجدا وجده، قيل له: فالحكماء القائلون بقدم العالم هل على مذهبهم يتم الدليل على وجود الإله بأن العالم ممكن، فقال: نعم
стр. 885
ويقولون هو ممكن لذاته واجب لغيره.
قوله تعالى: (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ).
قال الزمخشري: أي (يَدْعُوكُمْ) إلى الإيمان (لِيَغْفِرَ لَكُم) أو يدعوكم لأجل المغفرة؛ كقولك دعوته لينصرني ودعوته ليأكل معي، ابن عرفة: وجه الفرق [ ... ] والله أعلم أن قوله ليأكل معي دخلت اللام على العلة، وقوله لينصرني جعلت اللام على المدعو له بدليل إنك تعلل الأول فغفر دعوتك لتأكل إكراما لك، قيل له: وكذلك تقول دعوتك لتنصرني ثقة بك أو بشجاعتك، فقال: إنما هذا تعليل للعلة وليس تعليل الفعل المتقدم.
قوله تعالى: (مِنْ ذُنُوبِكُمْ).
قيل: (مِنْ) للتبعيض أي بعض ذنوبكم، ونقل العز بن أبي الربيع: أنه أشار إلى أن الإسلام يحيط ما قبله كقوله (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ورده ابن عرفة: بأنه لَا يلزم صدق الذنوب على الماضي والمستقبل لأن الخطاب للكفار، فيلزم المجاز لأن الآن لم يعلموه فكيف يصدق عليه أنه ذنوب قبل الفعل، ونقل عن ابن عصفور أنه قال: (يَغْفِرَ لَكُمْ) جملة من ذنوبكم، ورده ابن عرفة: بأن الجملة بعض الذنوب فلا حاجة إلى تقديرها ولفظة من الثانية مناب بعض يغني عنها، قلت لابن عرفة: وما المانع من كون (مِنْ) للبداية أعني للابتداء والانتهاء كقولك أخذت المال من الصندوق، فقال لَا يصح، هنا لأن الصندوق غير مأخوذ منه فيلزم هنا أن تكون الذنوب غير مغفوره.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ ... (١١)﴾
وقال: قبله (قالت رسلهم)، فأجيب: بوجوه الأول، قال ابن عرفة: لما كان وجود الله تعالى أمرا نظريا ليس بضروري وكون الرسل مبعثهم أمرا ضروريا لَا يحتاج إلى نظر لظهوره فكأنه يقول ما قالوا هذا لأنهم لَا يغريهم لقلتهم وغباوتهم وجهلهم كما أن القائل السماء فوقنا والأرض تحتنا ما يخاطب به إلا من هو في غاية الجهل والغباوة، الجواب الثاني: قلت إما أن قوله (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) [خطاب لمن عاند فيه*] وهو كالمعاند في الأمر الضروري فلذلك أسقط المجرور لأن المجيب عن ذلك يجيب به من حيث الجملة، ولا يقبل بالجواب على المخاطب لغباوته عنده ومعاندته فيجيب وهو معرض عنه بخلاف قولهم (إن نحن إلا بشر مثلكم)؛ لأنه يقرر لمقالتهم ويثبت لها القول لمقالة خصمه يقبل عليه بالجواب لأنه لم يبطل كلامه بالإطلاق بل يقرره ويزيد فيه زيادات تبطل [قول خصمه*]، قلت وأجاب ابن عرفة: عن هذا مرة أخرى بأن قوله [قالت لهم] [مقالة*] خاصة أو هي جواب عن قوله صدر منهم والمقالة الأولى لهم ولغيرهم.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
قال هذا راجع لقوله (تريدون أن تصدونا) فمعناه (يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) بالإيمان
стр. 886
والخروج [عن عصياته*].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ... (١٢)﴾
قال بعضهم: لم جمعه وتقرر غيرها مرة أن طريق الهدى واحده حسبما أشار إليه الزمخشري في قوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) قال ابن عرفة: ما جواب أنه على التوزيع قال تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) فلكل رسول طريق باعتبار شريعته وأحكامه.
قوله تعالى: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا).
ابن عطية: (مَا) إما موصولة بمعنى الذي أو مصدرية والعائد محذوف تقديره آذيتموناه أو (آذَيْتُمُونَا) به، قال: ويجوز ذلك عند سيبويه خلافا للأخفش، ابن عرفة: آذى هذه ليست من الأفعال المتعددة إلى مقبول تارة ينفع وتارة بحرف الجر إلى أحدهما، وقال بعض الطلبة إنما مراده أنه لَا يجوز حذف الضمير العائد إلا إذا دخل على الموصول حرف مثل حرف الجر الداخل على الضمير وهنا اختلف الجار.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ... (١٣)﴾
ليس المراد حقيقة العود لأن الرسل لم يكونوا من ملة قومهم قبل الرسالة، قاله الزمخشري: قيل لابن عرفة: وما المانع من أن الكفار ادعوا على الرسل أنهم كانوا قبل البعثة على ملتهم وافتروا عليهم ذلك؟ فقال: يمنع سنة أن هذا أمر مشاهد حسي وليس بعقلي، وقالوا: في أصول الفقه أن عدو التواتر يقع في الأمر الحسي بخلاف العقلي فلو أخبر عشرون ألفا [بقدم العالم*] لما قبل قولهم بخلاف قالوا خبر جماعة بقدوم زيد فإما تقبل قولهم لأنه لَا يمكن اجتماعهم كلهم على الكذب فيه وأما الأول فالعقل يكذبهم قيل له: لعل المراد به على التوزيع بمعنى أن تلك المقالة قالها لكل واحد اثنان من أشراف قومه، فقال هذا بعيد، قال ابن عرفة: أو يكون العود على حقيقته لاحتمال كون الرسل لم يظهروا لهم قبل البعثة أنهم مخالفون لدينهم فلما بعثوا إليهم أظهروا المخالفة، قلت لابن عرفة: أخرجهم آباؤهم من أرضهم عقوبة لَا نسبة عن عدم العود فهلا قالوا ليعودن في ملتنِا أو لنخرجنكم من أرضنا، فقال المقام مقام التخويف فلذلك بدءوا بالإخراج قوله (أوْ لَتَعُودُنَّ) قال ابن عطية: أو بمعنى إلا أن ونقل عن ابن هشام شارح الإيضاح إن أو لا تكون بمعنى إلا إذا لم تدخل على الفعل.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ... (١٨)﴾
ابن عطية: المثل بمعنى الصفة، ابن عرفة: ليس مطلقا بل التي فيها غرابة ولذلك جعلوا الأمر المودع قصرا منه مثلا قوله (كَفَرُوا بِرَبِّهِم) ذكر الرب تستنتج لهم، أي كفروا بمن أنعم عليهِم ورحمهم.
قوله تعالى: (أعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ).
стр. 887
تشبيها بالرماد لوجهين، أحدها: خفيه وسرعة حرقه بالريح، والثانية: أنه لَا يثبت شيئا بخلاف التراب وجمع الرياح لتفيد شدة التفريق من جميع الجهات قوله (في يوم عاصف) من إضافة الصفة إلى الموصوف وأجازه الكوفيون وابن عرفة هل هو من إضافة الملابسة لأن العاصف الريح الهاب في اليوم لَا من صفة اليوم فأصله في يوم ريح عاصف فحذف الموصوف وأقيمت صفة مقامه فأعربت بإعرابه وهذا جائز عند الجميع، قوله: ذلك هو الضلال البعيد الإشارة إما لعملهم أو إلى الخيبة التي تنالهم.
قوله تعالى: (لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ).
يسمى التدليل لأن الجملة الثانية كمعنى الأولى.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... (١٩)﴾
قرأ حمزة (خالق). ابن عرفة: وهذه أبلغ لاسيما على مذهبنا في أن العرض لَا يبقى زمانين فهو في كل زمان خالق لهما بأعراض آخر قوله تعالى: (بِالْحقِّ) الزمخشري بالحكمة والفرض الصحيح ولا يخلقهما عبثا ولا شهوة، ابن عرفة: هذا على مذهبه في أن أفعال الله معللة ومذهبنا نحن إنها غير معللة. قال: ويحتمل قوله بالحق على مذهبنا وجهين أحدهما أن خلقه واختراعه لها حق ولا شك فيه، والثاني: أن المراد بذلك كونها مستعملة على الحق وهو الشرائع التي جاءت بها الرسل لأنها كائنة فيها.
قوله تعالى: (إِنَّ يَشَأْ يُذْهِبْكُم).
فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني أي إن شاء إذهابكم والإتيان بغيركم يذهبكم ويأت بخلق جديد وفيه دليل على أن [العدم*] الإضافي مقدور لله تعالى لأنه مراد وكل مراد مقدور وهو مذهب أكثر أهل السنة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إنه غير مقدور أما العدم المطلق فلا خلاف أنه غير مقدوم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾
الزمخشري: أي بمتعذر، ابن عرفة: إنما معناه ينحصر أعني ليس بصعب لأن ما قال الزمخشري: [يحتمل*] فيه التكرار؛ لأن قوله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبكُمْ) أفاد أنه ممكن فإِذا كان ممكنا [فهو غير متعذر*].
قوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ... (٢١)﴾
(فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) هكِذا في سورة غافر وقال في سورة سبأ (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) فعبر عن الضعف بالاسم وفي سبأ بالفعل، قال وأجيب: بأن الاسم يقتضي الثبوت وكلما ثبت للأخص ثبت للأعم فإذا كان مطلق الاستنكار يمنع من إيمان من اتصف بأخص الضعف فأحرى إن يمنع من الإيمان من اتصف بأعمه، وأما في السورة سبأ المراد فيها تبعية من اتصف بمطلق الضعف لمن اتصف بمطلق الضعف فأحرى أن لَا ينفع لمن اتصف بأخص ولا ينعكس.
стр. 888
قوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا).
ابن عرفة: هل استفهام حقيقة، وقيل: على سبيل الإنكار قوله [مِنْ شَيْءٍ*] أعربه أبو حيان بدلا من قوله (من عذاب الله) ورده المختص بأنه بدل الأعم من الأخص، ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه في باب النفي لأن الاستفهام بمعنى الإنكار ونفي الأعم أخص من نفي الأخص وبصحة ورود ذلك قال امرؤ القيس:
كأنِّي غَداةَ البَينِ يَومَ تَحَمَّلُوا ... لدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنظَلِ
قوله تعالى: (لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ) ابن عرفة: هذه حيده من الجواب والجواب الحقيقي أن يقولوا لهم كما يقدر على ذا ولا يغني عنكم شيئا.
قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ ... تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾
هذا إما على التوزيع فلكل واحد جنة أو لكل واحد جنات، وقوله (مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) التمدح بالباء بكونه أصل كل شيء، قال [أبو العباس في الكامل: أن بعض ملوك الروم كان يعمد لمعاوية ويهادية معاوية فطلب مرة من معاوية أن يبعث له بأصل كل شيء فاستشار معاوية خواصه فأشار إليه عبد الله بن عباس بأن يبعث له قارورة بالماء فلما بعثها إليه قال الرومي ما أشار عليه بهذا الأمن] فيه عضو من أعضاء النبوة قوله (خَالِدِينَ فِيهَا) حال من الذين آمنوا مقدرة لأن الدخول غير مقارن لزمن الخلود، قلت: أو حال من جنات لأنها موصوفة، فقال: صفة جرت على غير من بني له فكان يقال خالدين هم فيها، قلت: ضمير فيها يغني عنه، فقال: إنما يجب إبراز ضمير من شيء له فقلت: هو مثل مررت برجل حائض السبت فقال الألف واللام هناك نائب مناب الضمير.
قوله تعالى: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).
ابن عطية: بقضائه، ابن عرفة بل يفضل ربهم لَا جزائهم على عملهم إنما هو مجرد دخول الجنة وإما الخلود فهو محض تفضل من الله.
قوله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ).
ابن عطية: يحتمل أن يريد التحية بمعنى أن الملائكة يحيونهم فيها بالسلام ويحتمل أن يريد أن بعضهم يحيي بعضا بالسلام، ورده ابن عرفة: بأن التلمساني لما استدل على أن أقل الجمع اثنين كقوله تعالى: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) بمعنى داود وسليمان، قال فإن قلت: لعل المراد داود وسليمان والمحكوم لهم، فإن قلت: يلزم عليه أن يكون الضمير في موضع رفع وموضع نصب وذلك غير جائز، ابن عرفة: فكذلك يلزم ابن عطية: هنا لأنه مقتضى كلامه أن المراد المحي والمحيا.
قوله: (سَلامٌ) ابن عطية: هو مبتدأ وخبره عليكم، ابن عرفة: انظر هل يصح أن تكون تحيتهم مبتدأ وسلام الخبر، قال إن قلنا: إن المراد اللفظ فيكون خبرا، وإن
стр. 889
قلنا: المراد المعنى فلا يصح كونه خبرا، قوله: (أَلَمْ تَرَ ... كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) .. قالا التقيد يقتضي وقوع ذلك وضرب المثل لم يقع، فأجاب: بأنه المعنى من حيث الجملة، قوله تعالى: (كَلِمَةً طَيِّبَةً) إما أن المراد نفس كلمة التوحيد.
قوله تعالى: (أَصلُهَا ثَابِتٌ).
الزمخشري: وترى ثابت أصلها والقراءة المشهورة أبلغ ابن عرفة: ثابت أصلها صفة رفعت الفاعل فهي في معنى الفعل وأصلها ثابت مبتدأ وخبر فليس في معنى الفعل والإخبار بالاسم عندهم أبلغ من الإخبار بالفعل فلذلك كان زيد أبي قائم أبلغ من زيد قام وأبوه، وقال بعض الطلبة: يحتمل أن يريد أن ثابتا في قوله (أصلُهَا ثَابتٌ) خبر فهو عمده لأنه من باب الحكم الإسنادي أبلغ من الحكم التقييدي، ورده ابن عرفة: على الزمخشري بأن ابن عصفور ذكر في باب الصفة المشبهة باسم الفاعل أن مررت برجل حسن وجهه أبلغ من مررت برجل وجهه حسن قال لأن الأول جعلت أحسن فيه صفة للرجل وكله بخلاف الثاني، قلت: لأن لَا يصح هنا لأنك تجوز هناك أن تقول مررت برجِل حسن وتسكت ولا يصح هنا أن تقول: (كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ثابت حتى يقول: (أصلُهَا) ولأن: (ثَابت) مذكر فلا يصح وصف الشجرة به إلا أن يقال إنه يصح جرها عليه من حيث أن تأنيثها غير حقيقي والمذكر يوصف به والمؤنث الغير الحقيقي، قال تعالى: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بهِ) فيقول علامة الثأنيث في الشجرة هنا يمنع من ذلك وقال بعض الطلبة ولأن الثبوت إنما هو من صفة أهملت لَا من صفتها بخلاف الحسن هناك.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ حِينٍ ... (٢٥)﴾
قيل: (حِينٍ) ستة أشهر، وقيل: شهران لأن مدة إطعام الثمار شهران، وإما السنة فما بين الإثمار والإثمار.
قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ... كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾
عبر هنا بالاسم فرفع، وقالَ في المؤمن: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا) فعبر بالفعل ونصب المثل، قلت: لأن المؤمن له حالتان لأنه انتقل من الكفر إلى الإيمان والكافر له حالة واحدة ثبت عليها ولم ينتقل عنها فلذلك عبر عن مثله بالاسم.
قوله تعالى: (كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ).
قيل: إنها الثوم، وقيل: إنها الحنظل وشجرة كشجرة الدلاف والقتّ لأنه ليس له ساق، قيل لابن عرفة: الثوم فيه منافع جمة فكيف يسميه به الكافر والكافر لَا مصلحة فيه بوجه، فقال: الغالب إنه إنما يشبه به من حيث أنه لَا يثبت أو ليست له ساق فالنسبة في أن العمل الخبيث يضمحل ويذهب يوم القيامة ولا يبقى إلا العمل الصالح.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ... (٣٢)﴾
قيل المراد السماء المشاهدة [القريبة*]، وقيل المراد معناها وهو العلو سماء
стр. 890
والسحاب سماء العلو وهذا جار على الخلاف في المياه هل هي كلها من السماء، وأنها تنزل منها وتكون سحابا تهبط به الماء وهي من البحار وأنه بخار لطيف يصعد عنه السحاب أو السحاب خلقه الله من غير ماء ولا بخار في ذلك ثلاثة أقوال نقلها ابن رشد في البيان والتحصيل: في كتاب السداد والأنهار واختار القول بالوقف.
قوله تعالى: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ).
ابن عرفة: ما الحكمة في إخراج النبات بهذا الماء مع أن القدرة صالحة لإخراجها بغير شيء، قال: وتقدم لنا الجواب بأنه تكثير لمتعلقات القدرة.
قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ).
هذا مثل (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بجَنَاحَيهِ) لَا جريها ليس إِلَّا في البحر وجريها في البحر لَا يقعَ إلا بإذن الله تعالى، إن قلت: ما أفاد قوله: (بِأمْرِهِ) فالجواب: إن جريها لما كان له أسباب في محاولة البحرين والخدمة فقد يتوهم أن جريها بسبب ذلك فاحترس منه بقوله (بأمْرِهِ) وبهذا تعمّ الحكمة في إدخال اللام في قوله في الواقعة (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) دون إدخالها في قوله (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) لأن الأول فيه لبني آدم تسبب ومحاولة فقد يتوهم أن ذلك من فعلهم بخلاف الماء فإنهم لَا تسبب لهم في كونه حلوا.
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ... (٣٣)﴾
دليل على أنها شمس واحدة وقمر واحد.
قوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ... (٣٤)﴾
(مِنْ) للتبعيض و (كُلّ) للعموم ومتعلقهما مختلف فالعموم في الأنواع والتبعيض في الأشخاص تلك الأنواع أي وآتاكم بعض كل نوع سألتموه.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا).
أقروا النعمة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى بمعني أن الإنسان أيضا جزئيتان النعمة الواحدة فأحرى ما هو أكثر، قال: و (نعمة) مصدر محدد بالتاء فليس المراد به الجنس بل هو مفرد حقيقة بدليل أن المصدر المحدود بالتاء [مفرد*] يجوز تثنيته وجمعه بخلاف المبهم، قيل له: قد قال القرافي في أول شرح المحصول إنما لفظة مصدر محدود بالتاء وأنها ليست إلا مفردة فرد عليه الأصبهاني بأنه قد يراد بها الجنس، فقال ابن عرفة: الصحيح ما قال القرافي: ابن عرفة. وفي الآية سؤال وهو إن الشرط لَا يكون مناقضا للجزاء فلا يقول قام زيد لم يقدر على القيام والعد هو غير الإحصاء، وأجيب: بأن المعنى وإن أردتم أن تعدوا نعمة الله لَا تحصوها مثل (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ).
стр. 891
ابن عرفة تارة يراد [بالإنسان*] الجنس العام الباقي على عمومة فيحتاج إلى الاستثناء منه كقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)، وتارة يراد به الخصوص كهذه الآية وقوله (لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) المراد ظلم المعصية وكفار أي جاحد نعم ربه، قيل لابن عرفة: لو أراد بالمفرد المحلى بالألف واللام العموم لجاز أكرمت الرجل، الفضلاء وأجمعوا على منعه، فقال: إنما منعوه رعيا للمشاركة اللفظية.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ... (٣٥)﴾
وقال في البقرة: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أن آية البقرة مدنية وهذه مكية والقاعدة عنده أن اسم [ ... ]. قلنا إن المنزل أولا هو المدعو به أولا مع أنه لَا يلزم هذا فقد يكون المنزل أولا هو المدعو به ثانيا لأن الاسم إذا تقدم نكرة ثم أعيد فإنه يعاد معرفا مثل (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) ابن عرفة: وعادتهم يوردون هنا سؤالا وهو أن القاعدة أن يكون المبتدأ معلوما وخبره مجهولا، والبلد في قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أصله قبل دخول الفعل عليه مبتدأ لأنه نعت لهذا ونعت المبتدأ مبتدأ وأما خبره وفي قوله: (اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) هو مبتدأ و (بَلَدًا) خبره و (آمِنًا) نعته أو خبرا بعد خبر والقضية واحدة، قال: وأجيب بأن الشيء في نعته ليس كهو مع غيره، فهو معلوم من حيث كونه بلدا مجهولا من حيث كونه بلدا آمنا فالأول: كما نقول اجعل هذا رجلا صالحا دعوت له بالصلاح فقط، والثاني: كقولك اجعل هذا رجلا صالحا مع أنه رجل لكنك دعوت له بالصلاح تحصيل المجموع ورد بأنه يلزم عليه أن يجوز زيد العاقل مخير بزيد العاقل عن زيد مع غيره إما إذا ثبت مجرد لفظه الأول فلا يجوز.
قوله تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
ابن عرفة: هذا دعاء على سبيل إظهار [التذلل*] والخضوع لأنه عبادة الأصنام مستحيلة في حق النبي ﷺ إذ هو معصوم وقد قالوا: إن المستحيل عقلا لَا يجوز طلبه [كالطيران في الهواء*] وكذلك لَا يجوز للإنسان أن يقول رب اجعلني من غير خبر لأنه محال وكذلك المستحيل شرعا.
قوله تعالى: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... (٣٧)﴾
الزمخشري: نفى القليل والكثير والمراد به ليس فيه بحر ولا نجم ولا ماء، ورده ابن عرفة: بأنه تقدم في الرعد أن قولك زيد ذو مال يفيد الكثرة والمبالغة، قاله عياض فى الإكمال: فيجيء الجواب فيه هنا كالجواب في قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).
стр. 892
قوله تعالى: (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ).
أي دعوتك (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) أي قوله تعالى: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ) أو اجعل ذي أفئدة من النَّاس، ابن عطية: والمجعول لهم ذلك مجهولون لأن الأفئدة نكرة، ابن عرفة: بل لأن من التبعيض والبعض غير معين.
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ... (٣٨)﴾
ابن عرفة: هذا احتراس لأنها لما تقدمها (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) فقد يتوهم أنه أتى بها على جهة الإعلام ولم يقصده في ذلك والإعلام يقتضي الجهالة بالشيء واحترس من ذلك، وقال إني ما أعلمتك إلا بما تعلم لأنك تعلم ما تخفي وما تعلن، ثم قال (وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) فهذا أيضا احتراس لأنه يظن أن علمه قاصر على إبراهيم وأهله وأخذوا منها أن المعدوم شيء لأنه إن كان شيئا فهو معلوم وأن لم يكن شيئا فخرج عن الآية مع أنها أثبت على سبيل العموم في إحاطة علم الله تعالى لكل معلوم، ابن عرفة: وفيها رد على من يقول إن الله تعالى يعلم الأشياء على الجملة ولا يعلمها على [التفصيل*] لئلا يلزم عليه التفسير وبيانه أن زيدا إذا قام وعلمت بقيامه فقد تغير عليك عن ما كان عليه.
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ... (٣٩)﴾
قال ابن أبي الربيع في شرح الإيضاح: (الْحَمْدُ) هو الثناء، والثناء مشتق من التثنية فهو إنما يصدق على حمد مرة بعد أخرى وكذلك هذا [ ... ]. النفي داخل على الفعل المؤكد فنفاه فهو تأكيد للنفي لَا لنفي الفعل المؤكد فهو نفي الأعم لَا نفي الأخص.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾
(إِنَّمَا) هنا ليسَت للحصر مطلقا بل في شيء خاص لأنه لم يؤخرهم ليعمل لهم قال تعالىَ: (إنَّمَا نُمْلِى لَهُم لِيَزْدَادُوا إِثْمًا).
قوله تعالىَ: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾
هو المراد هنا به الريح من أفئدتهم كالهواء إشارة إلى ذلك بخلاف عندهم وكذلك زيد مثل الأسد.
قوله تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ... (٤٥)﴾
إن أخذوا منها أن التواتر يفيد العلم لأنه لم يتبين ذلك إلا بالإخبار عن الأمم السالفة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... (٥٢)﴾
يؤخذ منها أن الوحدانية ثبتت بالسمع وهو أحد القولين عند الأصوليين.
* * *
стр. 893
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْحِجْرِ
مكية
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ... (٣)﴾
ابن عرفة: انظر هل يؤخذ منها أن الزائد على الشبع حرام لأن الآية خرجت مخرج الذم لهم والذم على تحصيل القوت ليس يحسن قال: ويجاب بأن الذم على المجموع وهو أكل القوت والتمتع واللهو.
قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾
لا يستقل الكلام فالجواب: أنه أفاد الإخبار بكمال عبادتهم وأنهم جماعة كثيرون وتعدد الأشخاص مظنة التفطن والتفهم ومع هذا فكلهم يتعامون وتعمهم الضلالة ولا يصدق إلى الإيمان به بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ ... (٢٦)﴾
قال بعضهم: هذا دليل على إبطال القول بحوادث لَا أول لها وهل هذا كقولك هذا [شراب من عسل من نحل*]، أو كقولك هذا من سكر من قصب، أو كقولك هذا عسل من تمر بمعنى أن العسل يستخرج من التمر قال هو من الثاني.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ ... (٢٨)﴾
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾
الكاف في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ أو في موضع نصب صلة لمصدر محذوف فعلى الأول.
قال الزمخشري: مثل ذلك (نَسْلُكُهُ) أبو حيان: الأمر كذلك ورد الخولاني بأنه لا رابط بينه وبين (نَسْلُكُهُ) والمقام مقام الوصل [فما قاله الزمخشري أصح*].
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ... (١٣)﴾
قالوا حال، قال الخولاني: مما قيل له من المجرمين، فقال: لَا تأتي الحال من المضاف إليه حسبما قال ابن مالك: والحال لَا تأتي من المضاف إليه إلا إذا اقتضى المضاف إليه علمه أو كان بعض ما أضيف إليه كبعض من غيره من قدموا وكذلك تأنيث الفعل إذا كان فاعله المذكور مضافا لمؤنث هو جزء منه أو كالجزاء كقوله تعالى: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) ومثال إتيان الحال من
стр. 894
المضاف إليه قوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، (إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُم جَمِيعًا) ورده أبو حيان: بأن ذلك كله منصوب على معنى أمدح قال وليس لإتيان الحال من المضاف إليه نظير، قيل للخولاني: كما صح تأنيث الفعل تنزيلا للمضاف منزلة المضاف إليه كذلك يصح إتيان الحال من المضاف إليه فقال لا نظير له قبل قد أنشد عليه ابن عصفور في شرح الإيضاح:
[تَرَى أرْمَاحَهُمْ مُتَقَلديها ... إذَا صَدِئَ الحَدِيدُ على الكُماةِ*]
ولا يصح تأويل هذا على المدح، قال الخولاني: ويمتنع كون لَا يؤمنون حالا لأنه منفي بلا ولو كان حالا لكان بالواو ونقل ذلك عن ابن عرفة قال: بابا في السماء لأن من الابتداء الغاية يستدعي على المنهي والباب مبتدأه ومنتهاه في السماء، فقال الظرفية: تصدق بأدنى شيء وبأدق الأحوال فتجعل من التبعيض.
قوله تعالى: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾
ابن عرفة: هذا إضراب انتقال؛ لأنهم إنما أضربوا عن مفهوم قوله: (سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) لأن مفهومه أن باقي جسدهم لَا ينكر، وما ذاك صحيحا فأضربوا عن هذا المفهوم وقالوا: [بل*] جميع ذواتنا مسحورة ولو كان إضراب إبطال للزم عليه أن تكون أبصارهم غير مسحورة وليس ذلك مرادهم وقوله تعالى: (إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا) ظاهرة وكالمناقض بقوله: (بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾.
قال ابن عرفة: الوصف بالأخص هو القرآن، والذكر وصف أعم، فلم عبروا بالأعم دون الأخص؟ قال: والجواب أن في التفسير بالأخص تنبيه [لتلك*] المعجزات [التي*] ورد بها القرآن وهم متعبدهم ذلك] [**وأخذاه وانظر إلى المثل السائر ذكر بني الظعن وكنت غافلا]. قوله: (إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) قال [ابن زيتون*]: أرادوا أن اتصافه بما جاء به من الوحي مستفاد من الجن الذي يسترقون السمع، فرده ابن عرفة وقال: إنهما أرادوا به جنون.
قوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾
يحتمل وجهين أحدهما: لأن حكمة الله تعالى جارية في أن نزل الملائكة لغير النبي إنما هو للانتقام منه أو لبعض روحه، الثاني: أن حكمة الله تعالى جرت في إيمان خلاقه إنما يكون نظر ما بالدليل والبرهان ولو نزلت الملائكة لاضطر خلقه إلى الإيمان؛ لأنهم رأوا الحق عيانا والمعجزات التي أمر بها أصحابه ولم يروها ورأيناها نحن عيانا
стр. 895
[لأنَّا*] في القرن الثامن وقد شاهدنا القرآن محفوظا عن المخالفة باقيا على حاله لم يتبدل فيه شيء بوجه، ولما عرف القاضي عياض في المدارك وإسماعيل القاضي قال: حدثنا عمرو المغربي عن أبي المساني القاضي قال: كنت عند إسماعيل يوما فسئل في إجازة التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن، فقال قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فلم [يجز*] التبديل عليه فذكر ذلك للمحاملي، فقال: ما سمعت كلاما أحسن من هذا، وقال عياض: وبمثله أجاب محمد بن وضاح لنصراني سأله عن هذا [فبينه*].
قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ ... (٢٨)﴾
نقل ابن عطية هنا خلافا في إبليس هل هو من الملائكة قال: والظاهر من هذه ومن كثير من الأحاديث أنه من الملائكة واستبعده ابن عرفة: لأن الملائكة معصومون قاله الأصوليون، وحكى الطبراني عن ابن عباس: إن الله تعالى خلق ملائكة وأمرهم بالسجود لآدم فأبوا فأرسل عليهم نارا، ورده ابن عرفة بثبوت العصمة للملائكة.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ... (٣٩)﴾
الزمخشري: قسم هنا بالإغواء وفي (ص) (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ
أَجْمَعِينَ) أقسم هنا بالفعل وهناك بالصفة قال فعَادتهم يقولون هذا مناقض لأصل الزمخشري ولأنه ينفي الصفات جملة يقولون إن الله سميع لَا يسمع ولا يبصر عالم لَا يعلم مريد لَا بإرادة قادر لَا بقدرة بل سميع بذاته بصير بذاته.
قوله تعالى: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾
قلت لابن عرفة: (الْمُخْلَصِينَ) يغويهم ولا يسمعون منه، فقال: بل لَا يقدر على إغوائهم بوجه لكن زين لهم فقط لأن التزيين هو تحسين القبائح والإغواء هو الحمل على الوقوع فيها فالإغواء يستلزم الفعل والتزيين لَا يستلزم فقوله: (إِلا عِبَادَكَ) مستثنى من الإغواء لَا من التزيين فالمخلصون يزين لهم ولا يغويهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ... (٤٤)﴾
ابن عطية: الطبقة الأولى جهنم، الثانية: الحطمة وهي طبقة اليهود، والثالثة: السعير وهي طبقة النصارى، وقال القونوي عكس هذا إن النصارى في الثانية، واليهود في الثالثة، وضعفه ابن عرفة قال: لأنهم مهما كثرت الرسل [كثرت*] عقوبة مكذبها، وقوم موسى كفروا بموسى فقط، والنصارى كفروا بعيسى وهو بعد موسى فعذابهم أشد لأنه سبقه من الأنبياء كثير دعوا إلى مثل ما دعا هو قومه.
стр. 896
قوله تعالى: (لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ).
الضمير عائد على الغاوين.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾
ابن عرفة: قالوا إما كونهم مظروفين في الجنة فظاهر وإما حلولهم في العيون فلا يتصور فلا بد من حذف مضاف أي في نعيم جنات وعيون، قال: وهذا إما مجاز تسمية الشيء بما يؤول إليه أو من مجاز التقليب لأن المتقين ليس لهم حين نزول الآية في الجنان إذ هم أحياء لم يمت منهم إلا القليل أو غلب من مات على ممن لم يمت، كما قال: [(وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) *].
قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾
قال بعضهم: (بِسَلامٍ) متعلق بمحذوف (آمِنِينَ) منصوب بادخلوا فالسلام صفة للقائلين والأمر صفة للداخلين معناه يقال لهم بسلام ادخلوها آمِنِينَ أي يقال لهم: سلام عليكم.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ... (٤٧)﴾
قال بعضهم: هذا دال على أن الغل لنا في التقوى، قيل لابن عرفة: لعل الغل في قلوبهم وهم يجاهدونه، فقال هذه صفة ممدوحة وهذا إن كان النزع في الآخرة وإن كان في الدنيا فلا كلام، وقال ابن عرفة مرة أخرى: هذه الآية تدل على أن التقوى مساوية للإيمان وليست أخص قسمة بخلاف غيرها من الآيات إذ لو كانت أخص منه لما كان في قلوبهم غل.
قال الزمخشري: وعن الحارث الأعور كنت جالسا عند علي بن أبي طالب إذ جاءه ابن طلحة، فقال له علي: مرحبا بكم يا ابن أخي أما أنا والله لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله تعالى في حقه: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ) فقال له قائل: كلام الله أعدل من أن يجمعك وطلحة في مكان واحد، فقال: لمن هذه الآية لَا أم لك.
قال ابن عرفة: لأن طلحة كان يقاتل عليا مع معاوية.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾
قال القاضي عياض في المدارك: لما عرف بعيسى ابن سعادة من مشاهير العرب قال، قال أبو الحسن القابسي: لما أتينا مرة ابن محمد الحافظ أنا وعيسى بن سعادة
стр. 897
والأصيل واقعناه نازلا من درج مسجد، وقال من هؤلاء قول معاوية فوقف فسلمنا عليه ثم رجع فقعد ونظر في وجوهنا فقال ما أدري إلا خيرا حدثونا عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري عن [عمرو بن قيس الملائي*] عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى"، وتلا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾
قال ابن عرفة: كان بعض البغداديين يقول إنما خصص لفظ السبع هنا لأن العدد الكامل الزائد على العدد التام إلا جزعا لأن الستة عدم تام الأجزاء قال: وعادتهم يجيبون إيتاء النعم والسكوت وتناسبها وهو أكمل من إتيانها والمد بها حسبما نبه عليه الزمخشري في سورة البقرة، وأنشد عليه:
وإن امرءا أسدى إلي بنعمة ... وذكر فيها مرة لبخيل
ولا شك أن المقام شريف فلما ذكر رسول الله ﷺ بهذه النعمة، قال: [وأجيب*] بوجهين أحدهما: أن التذكير بالنعمة الماضية إن كان إشعارا بورود نعمة أخرى في المستقبل فلا شيء فيه، وإنما يكون امتنانا إذا لم يشعر بوروده نعمة أخرى في المستقبل وعليه قوله تعالى: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧). الثاني: إنه ذكرها ليرتب عليها أمرا تكليفيا فيكون داخل في مقام الامتثال.
ابن عرفة: فإن قلت: الجملة الثانية كانت مسببة من الأولى فهلا عطفت بالفاء فكان يقال: فلا تمدن عينيك، فالجواب: إنه لما كانت السببية ظاهرة أغنت عن الإتيان بالفاء [والله المستعان والموفق*].
стр. 898
سُورَةُ النَّحْلِ
مكية إلا ثلاثة آيات في آخرها.
قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ... (١)﴾
ابن عطية: إخبار عن إتيان بما سيأتي على جهة التأكيد وإن كان الخبر حقا لأنه لوضوحه كأنه قد وقع وإنما يجوز ذلك عندي لمن يعلم قرينة التأكيد ويفهم المجاز وإن كان المخاطب لَا يفهم المجاز فلا يجوز وضع الماضي بوضع المستقبل لأن ذلك يوجب الكذب.
قال ابن عرفة: عادة الطلبة يوردون عليه بقول أبي بكر لمن سأله النبي ﷺ هذا هاد يهدي إلى الطريق، وقوله نحن ما وتقدم الجواب بأن كلام أبي بكر من استعمال الأعم في بعض [أجزائه*] والقرينة، وقول ابن عطية: من نقل اللفظ حقيقة إلى مجازه فلا بد فيه من الملازمة الذهنية.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾
يتناول الطائع والعاصي، فالطائع مخاصم لإظهار الحق، والعاصي مخاصم بالباطل فهو من الكلام المتناول للشيء ونقيضه كقوله ﷺ "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾
هذا ترق لأن الدفء ميسر قريب إذ ليس فيها إلا إزالة صوفها ووبرها والانتفاع بها فليس عليها فيه مضرة ثم الامتناع بالمنافع أقوى لأن تسخيرها والحمل عليها وهذا مما لا يقدر الإنسان على فعلها ولا ما أتيح له فيها تكلف ومشقة عليها ثم الإنسان ما لا يأكل منها أقوى من ذلك وأشد لأن فيه بها وهذا لَا يقدر الإنسان عليه لأنها محرمة فكيف تذبح وما أباح الله لنا ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾
وقدم الرواح وإن كان متأخراً في الوجود عن السراح لأن الجمال فيها [حظ*] الرواح أكثر لكونها ترجع مستعانة البطون، ورُدَّ بأن، قيل: هلا قصد الترقي فهو أحسن من التدلي، وأجيب: بأنه إنما قدم المؤخر لأن الجمال حين الرواح كثير والجمال حين السراح إنما يكون عن جمالها في الرواح فإن [ ... ] بأنه سرحت من الغد جميلة وإن راحت ما فيه لم يكن بينها حين السراح جماله بوجه.
стр. 899
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ... (٩)﴾
قال ابن عرفة: لما ذكر الدلائل الفعلية قال من النَّاس من هداه الله بها فاهتدى ومنهم من ضل فجار وما لها اهتدى.
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ... (١٠)﴾
صح صيغ الابتداء بالنكرة لأن فيها حتى التفصيل.
قوله تعالى: (وَمِنْهُ شَجَرٌ).
ابن عطية: عن عكرمة اجتنبوا ثمر الشجر فإنه سمت.
ابن عرفة: يريد به كلأ الأرض لحديث النهي عن [ ... ] الكلأ حسبما ذكره في كتاب [ ... ] وكلام عكرمة نص في إطلاق الشجر على ما ليس له ساق فعلى هذا يكون لفظ الشجر مشتركا بين الكل والجزء وقدم المجرور لشرف السماء وعظم خلقها.
قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ ... (١١)﴾
قدمه لعموم الحاجة إليه من الحيوان العاقل وغيره ويقدر أن الأمر على ثلاثة أقسام ضرورية وحاجيه وتكميلية وترتيبه فقدم الزرع لدعوى الضرورة العامة إليه وقدم الزيتون على التمر ما يوقد به فهو تكميل للقوت، والتمر ما يتفكه به فهو ترتيبي فكان أدون لأنه زائد على القوت عصر وقدم التمر على العنب لأن الخطاب لأهل الحجاز ليس بأرضهم إلا التمر فهو عندهم أشرف من العنب لأن محبته الإنسان طالما يعاهد وأدى عليه أقوى من مجيئه لغيره فالترتيب وهذا على صحة النقل، جمع العنب لظهور الاختلاف في أنواعه لأن منه الأبيض والأكحل والأحمر فاختلافه في أنواعه بالطعم واللون والجرم والتمر إنها الاختلاف في أنواعها بالطعم والجرم فقط وانظر على هذا التقسيم المستوفى، كقوله:
[وراحوا فريقٌ فِي الإسَارِ ومثلهُ ... قتيلٌ ومثلٌ لَاذَ بالبحر هاربه*]
وكقول الآخر:
فقَالَ فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريقٌ أيمنُ الله ما ندرى
وكقول الآخر:
[وهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيَّبته المقابر*]
стр. 900
كقوله تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) وليس ثم غير هذا.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
أفرد الأول والآخر وجمع الوسطى لأن الأول تقدمتها آية أرضية والوسطى تقدمتها آية سماوية وهي أكثر من الآيات الأرضية (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) أو يقال: إنما جمع الثانية إشارة إلى أنها نهي الأولى [ ... ] ويحتمل أنه تعالى لو كانت الثانية نعمة سماوية وهي أشرف وأجل وأطهر من النعمة الأرضية جعل كل واحد منها على انفراد وآية لشهرته وظهوره أو لأن المذكورات أولا راجعة إما مجرد القوت أو الوصف الثالث وكلاهما شيء واحد بخلاف الثانية، وقال في الأولى (تفكرون) لأنها أمور عادية إذ حصول الشراب [ ... ] أمر عادي وقد لَا يكون عنه شيء وتسخير الليل والنهار والقمر أمر عقلي وليس بمادي، والثالث: يقال لمن لقن الحجة والدليل بعد أن كان نفسه فهو أمر تذكيري فلذلك قال: (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ... (١٢)﴾
قدم الليل إما لأنه عدم والعدم سابق على الوجود أو لأن [ ... ] لنا يؤرخون الليالي وأول الشهر ليلة وقدم الشمس وإن كانت مؤنثه لأن ضوء القمر مستمد منها. ابن عرفة: أفرد الآية أولا إذ هي امتنان بنعمة أرضية ثم جميعها لأن الثانية امتنان بنعم سماوية أجل وأشهر من الأرضية فكل واحد منها آية وكذلك قال في الثانية (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) لأنها تعلم بمجرد العقل من غير تفكر ولا تأمل وفي الآيات الأرضية لَا تعلم إلا بقدر زائد على العقل والتفكر، وقال ابن الخطيب: الفكر في إعمال الفكر بطلب الفائدة والمذكورات راجعة لباب القوت وكل النَّاس محتاج إليه فعند ذلك يتفكرون النعم فيشكرونه، وأما الثانية فيراها أعلى رتبة إذ منافعها أخص وأغمض فيستحق صاحبها الوصف بما هو أعلى وأغمض وهو العقل.
ابن عرفة: وقوله يذكرون إنما جاء به أخيرا لأن التفكير ناشئ عن التفكر ولهذا اختلفوا فذهب بعض الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكر به وأن النفوس كانت عالمة بكل علم فلما خالطت الأبدان ذهب عنها ذلك بكل ما تعلمه إنما هو تذكر كل ما كان وذهب، ومذهب الجمهور أن أكثرها تفكر وبعضها تذكر فالتفكر لما لم يعلمه والتذكر لما علمه وتثنيته فلذلك جعله ثالثا.
قوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ... (١٣)﴾
стр. 901
قال الزمخشري: مختلف الهيئات والمناظر، وقال ابن عطية: أي أضافه كقوله ألوان من التمر؛ لأن المذكورات أصناف عدت في النعمة والانتفاع بها على وجوه ولا يظهر الأمر حيث تلونها حمرة وصفرة وغير ذلك ويحتمل أن تكون تنبيها على اختلاف ألوانها حمرة وصفرة، قال: والأول ابن عرفة لأنه اختلف بالأمور الذاتيات وهو أجل من الاختلاف بالأمور العرضية.
ابن عرفة: وفي الآية ردٌّ على [الطبائعيين*] لأنه لو كان أفعال الطبيعة لاختلف فبطل كون الأرض [تفعل بطبعها*].
قوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ... (١٤)﴾
وصفه بالطري لوجهين الأول، قال ابن عطية: [**لسرعة النتوئة للحوت فالأسنان إنما هو بالطري منه]، الثاني لابن عرفة: قالوا إن الخطاب لن يصل إليهم لبعد البحر عنهم فكأنه، قيل: لهم في البحر المنعم عليكم مع نعمة لن تشاهدوها فتعرفوها وهي التلذذ بأكل السمك طريا لأنه أطيب من المملح.
قال الزمخشري: إذا حلف أن لَا يأكل لحما حنث بأكل السمك وهو حنفي المذهب وعندنا فيه قولان، فقال ابن القاسم: يحنث، وقال أشهب: لَا يحنث، وقال ابن الخطيب: إن أبا حنيفة سئل عن من حلف أن لَا يجلس على بساط فجلس على الأرض، فقال: لَا يحنث فأخبر بذلك أبو سفيان فقال: الأرض بساطا قال الله (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا) فكيف لم يحنث وقد حنث أن لَا يأكل لحما فأكل الحوت فأخبر بذلك أبو حنيفة فقال: تسمية الأرض مجازا بخلاف تسمية الحوت لحما.
قوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا).
ابن عطية: هي اللؤلؤ أو المرجان قال والمراد البحرين بالحلو والمالح، وقال في سورة الرحمن في قوله تعالى: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ). إنه إنما يخرج من المالح.
ابن عرفة: وفي جزء في [الأمير أبو حسن بن مزيد*] أنهم استخرجوا من وادي رقاق شبه الجوهر واستشهد ببعض الحاضرين وكذلك سمعت أنهم خرجوا من موضع هناك المرجان لكنها صغيرة ومرجان صغير مكتوف اللون يسحقونه ويعملونه في الأدوية وإنما يستخرج الكبير البراق المنير المشرق من ماء البحر المالح.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ... (١٧)﴾
стр. 902
أورد الزمخشري سؤالين، أحدهما: إن الأصنام لَا تعقل فهلا قيل: كما لا يخلق؟ وأجاب ابن عرفة: بأنه لو عبر بها لكان الإنكار عليهم بأمرين من حيث كونها لا [تخلق فقط*]، وأجاب الزمخشري بأمرين: [إما لأنهم سموها [آلهة*] وعبدوها، فهو على نحو ما كانوا يعتقدون، ورده ابن عرفة: بأنه إقرار لهم على معتقدهم وإما بأنهم عاملوها معاملة ما لَا يعقل فروعي فيه المشكلة بينه وبين من يخلق، ورده ابن عرفة بأن المشاكلة إنما تكون حيث التساوي كقوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)، وقوله:
[قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا*]
فالأول: شئت، والثاني: كذلك وإما هذا فالأول مثبت والثاني منفي، السؤال الثاني إنه إنما أنكر عليهم بتشبيههم من يخلق بمن لَا يخلق، فكان الأصل أن يقال: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) لأن همزة الاستفهام إنما تدخل على المنكر والمسئول عنه، وأجاب الزمخشري: بجواب لَا يفهم.
قال ابن عرفة: إنما عادتهم [أنهم*] يجيبون بأن الإنكار إنما يكون إلزام الخصم نقيض دعواه، أما إذا كان الإنكار بإلزامه حين الدعوى فلا يصح هنا لو قيل لهم: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) لم يكن الإنكار راجعا لنفي المساواة فلم يبق إلا أن يقال إن الله تعالى متصف بنقيض ما اتصف به معبودهم، وهو الخلق فيكون المراد الإشعار بتنقيص معبودهم، والتنقيص موجب لعدم الألوهية فليس المراد نفي مساواة الناقص للكامل إنما المراد الإشعار بتنقيص الناقص لأنه إذا قيل: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) يقولون: نعم نحن شبهنا من لَا يخلق بمن يخلق وقصارا أن يوجب تنقيص المشبه وكذلك هو منتقص فلما قيل: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ) كان الإنكار راجعا لتشبيه الخالق بمن لم يخلق لأن تشبيهه به يوجب تنقيص البارئ والتنقيص موجب لعدم الألوهية، وقد قال: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فيستلزم نقيض دعواهم.
قوله تعالى: (لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا).
مصدر مضاف مؤكد لنفسه فهو نفي أعم لَا نفي أخص.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ... (١٨)﴾
ابن عرفة: قالوا إذا كان الشرط عين الجزاء كانت القضية باطلة مثل إن قام زيد، والعد هو الإحصاء فكأنه قيل: إن تعدوا نعمة الله لَا تعدوها فلا بد فيه من حذف،
стр. 903
[وأُجيب*] بثلاثة أوجه: أي وإن تحاولوا عد نعمة الله لَا تحصوها، ومنهم من كان [يجريها*] على ظاهرها من غير حذف، ويجيب بثلاثة أوجه الأول: أن العد راجع للآحاد والإحصاء للمجموع فإذا عدوا آحادها وتوسطوا فيها ينسون ما بدأوا به فلا تحصوا الجملة بوجه، الثاني: إن العدد لإحصاء [عاد النعم*] والإحصاء لأنواعها، الثالث: إن العدد للأنواع والإحصاء للأجناس.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).
أي لولا مغفرته لكم ورحمته بكم لما أنعم عليكم لمخالفتكم أوامره ونواهيه.
قال ابن عرفة: [ويفهم منه*] أن الله تعالى لم يؤاخذ بعدم القيام بشكر النعم بذكره المغفرة والرحمة عقب ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾
أي وما تحدثون به أنفسكم وليس المراد في اصطلاح الفقهاء وتضمنت الآية الإشعار باتصاف الله تعالى بالقدرة والعلم فالقدرة بقوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ)، وهذا المعلم وعطف (وَمَا تُعْلِنُونَ) على (مَا تُسِرونَ) للتسوية فهو أمر استأثر الله به كما قال (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ).
قوله تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ... (٢٠)﴾
قال ابن عرفة: (شَيْئًا) إما المفعول أو مصدر دخل بعد النفي على الفعل المنفي فأكده لأن النفي دخل على الفعل المؤكد به فنفاه فيكون نفيا أخص لَا نفي أخص، قيل لابن عرفة: هلا قالوا: ليسوا قائلين لأن لَا يخلقوا شيئا فهو أخص من الخلق منهم لاستلزامه له من باب أحرى، فأجاب: بأن هذا يفيد إثبات الخلق لله تعالى بالفعل فهو أخص من إثبات قبوله للخلق.
قوله تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ... (٢١)﴾
قال ابن عرفة: هذه معدولة وليست سالبة لأن المعدولة تقتضي ثبوت الموضوع بخلاف السالبة.
قوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).
الضمير إما للأصنام أو للكفار.
ابن عطية: فعلى أنه للكفار يكون وعيدا أي وما يشعر الكفار أيان يبعثون للعذاب ولو اختص هذا المعنى لم يكن في وصفهم بعدم الشعور فائدة لأن الأنبياء والملائكة
стр. 904
والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث، ورده ابن عرفة: بأنه إنما يصح هذا لو نفى عنهم العلم بوقت البعث فهو أمر استأثر به الله تعالى، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) إنما نفى عنهم الشعور به والأنبياء قد حصل لهم الشعور به وعلموا بأشراط الساعة وأماراتها.
قوله تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ... (٢٢)﴾
اعلم أنه تارة يراد بها نفي الكمية المتصلة كقولك الجوهر واحد بمعنى أنه لا ينقسم وهي في قولك: (إِلَهٌ وَاحِدٌ) لنفي الأمرين معا والوصف بواحد دال على أن لفظ الإله كلي.
ابن عرفة: فإن قلت: ما حد الإله؟ قلنا: هو المعبود المنقاد إليه وإن شئت هو المستغني بذاته عن العبادة وإن شئت هو المستحق للعبادة وهذا هو الصحيح ويبطل الأول بأن الله سمي إلها في الأزل لكنه مستحق للعبادة والأصنام الآلهة لاستحقاقها عندهم العبادة.
قوله تعالى: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ).
الفاء للسبب وليس هو من باب ذكر اللازم عقيب الملزوم إنما هو من باب ذكر الشيء عقب نقيضه لأن لازم كونها إلها واحدا التصديق لَا الإنكار والكفر وظاهر كلام الزمخشري: أن الوحدانية ثابتة بالفعل لأنه قال قد ثبت بما تقدم إبطال أن تكون الآلهة لغيره فكان من نتيجة الوحدانية ووضوح دليلها استمرارهم على شركهم فظاهر كلام ابن عطية: أنها ثابتة بالسمع؛ لأنه قال لما تقدم وصف الأصنام جاء الخبر الحق بالوحدانية وهذه مخاطبة لجميع النَّاس فعلمه أن الله متحد وحدة تامة لَا يحتاج لمكانها إلى ما انضاف إليها.
ابن عرفة: والصحيح غيره إنها مستفادة منهما معاً، قال: وذلك أن القضية على ثلاثة أقسام عقلية كقولك الواحد نصف الاثنين والجوهر متحيز أو مفتقر إلى العرض وشرعته كقولك الميت يبعثه الله، ومركبة منها كقولك الله سميع بصير، واختلفوا في قوله: (اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) فذهب الفخر [ ... ] إلى صحة إثباته بالسمع، ونقل ابن التلمساني في شرح المعالم اللدنية عن بعضهم أنه لَا يصح إثباته بالسمع، وقال في شرح المعالم الفقهية أن ما يتوقف دلالة المعجزة عليه لَا يصح إثباته بالسمع.
стр. 905
ابن عرفة: لوجود الإله لئلا يلزم عليه الدور وما لَا يتوقف عليه يصح إثباته بالسمع كقوله (وَاحِدٌ) ذكره في الباب السابع في الإجماع.
ابن عرفة: وعندي أن الآية تدل على إثبات الوحدانية بالسمع والعقل كقولك (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) فكأنه يقول والمكذبون بالآخرة (قُلُوبُهُم مُنْكِرَةٌ)، ولو كانت لَا تتوقف على السمع لقال فالصم العمي أو فالمتصامون قلوبهم منكرة فذكره عقب الإيمان يشعر بعليته له فهو داخل على أنهم سمعوا فلم يؤمنوا بالآخرة ولو لم يتنكر فعلها على الإيمان لما ذكره بعده.
قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ ... (٢٣)﴾
قيل: في كلها بمعنى حقا، وقيل: (لَا) نافية، وقيل: نافية و [جرم*] وحده بمعنى حق فعلى هذا يكون فعلا ماضيا [وينبني*] عليه فتح إن من قوله تعالى: (أَن اللَّهَ يَعْلَمُ)، وكسرها لأن المفتوحة تكون فاعلة به.
قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ).
قال ابن عرفة: هو عندي كاللف والنشر، فيسرون راجع لقوله: (قُلُوبُهُم مُنْكِرَةٌ) ويعلنون لقوله (مُسْتَكْبِرُونَ) لأن الاستكثار في الأقوال والأفعال وهو هيئة ظاهرة.
قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ).
ابن عطية: هو عام في الكافرين والمؤمنين واستدل بأحاديث الزمخشري بجواز أن يراد بالمستكبرين عن التوحيد يعني المشركين ويجوز أن يعلم تغير كل مستكبر.
ابن عرفة: الصواب أنه خاص بالكفار لأن النحويين قالوا: إذا تقدم الاسم منكرا ثم أعيد معرفا بالألف واللام فهي للعهد؛ كقوله تعالى: (رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ)، وقال هنا: (وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ) ثم قال: إنه [لَا يحب*] المستكبرين فهم أولئك بلا شك.
ابن عرفة: وفي الآية سؤال وهو أن الصحيح أن المحبة والكراهة ليستا على طرفي النقيض وإن تقسم قسما ثالثا وهو أنه لَا يحب الإنسان شيئا ولا يكرهه وإذا كان كذلك لا يستلزم إثبات الكراهة، وكراهة الله تعالى لهؤلاء ثابتة موجودة فهلا قيل: إن الله يكره المستكبرين قال: وعادتهم يجيبون عن هذا بوجهين، الأول: أن المحبة والكراهة في حق الله تعالى على طرفي النقيض ولا يصح ارتفاعها ووجود القسم الثالث إلا في حق
стр. 906
المخلوق والجاهل بحقائق الأمور لأنك إذا كنت تعلم حقيقة ما اتصف به فلا بد من أن تحبه أو تكرهه وإنَّمَا ينتفي عنك الأمران إذا لم تعلم وخفي عليك أمره فحينئذ لَا تحبه ولا تكرهه فإِنك لَا تدري ما هو عليه من قبيح أو حسن والله تعالى عالم بحقائق الأمور فنفي المحبة في حقه يستلزم ثبوت الكراهة، الوجه الثاني: أن العرب إذا أرادوا المدح قالوا: حبذا زيد، وفي الذم لَا حبذا زيد فلولا [أن*] قولك لَا حبذا زيد ملزوم لثبوت الذم ما قالوا ولو كان كما قلت: لما كان قولهم لَا حبذا صريحا في الذم بل كان يكون تارة ذما صرفا وتارة لَا مدح ولا ذم فدل على أن نفي المحبة عندهم ملزوم لثبوت الكراهة والذم، قال ابن عرفة: والمحبة والإرادة في حق الله تعالى مترادفان لأن المحبة في حقه مردودة إلى صفة الفعل أو إلى الإرادة أي يفعل بهم الحسن أو يريد بهم فعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ... (٢٥)﴾
قيل: إن (مِنْ) للتبعيض ورده أبو حيان بالحديث الصحيح الذي خرجه مسلم في آخر كتاب الفضائل "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولا ينقص من أوزارهم شيئا"، وأجيب: بأن المضلين ترتب عن كفرهم وزران، أحداهما متعلق بهم، والآخر متعلق بمن أضلهم، ورده ابن عرفة: بأنه إنما يتم هذا لو كانت التلاوة ومن أوزار إضلال من اتبعهم فتضاف الأوزار للضلال لَا لهم.
ابن عرفة: قال والظاهر أن من للسببية ومن ثم معطوف مقدر هو مفعول أي ليحملوا أوزارهم وزرا آخر ليست أوزار الذين يضلونهم، ونقل عن أبي حيان أنه قال في سورة البقرة إن (مِنْ) تكون بمعنى مثل ولكنه شاذ.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال أبو حيان: إنه حال من مفعول يضلونهم.
ابن عرفة: الصواب إنه حال من الفاعل لأن العلم إنما بطلب ممن ينصب نفسه منصب المفيد لَا ممن نصبها منصب المستفيد قيل له: فعل هذا الأصوب أن يكون متعلقا بـ يضلونهم، فقال: وإليه حينئذ للمصاحبة فلا بد من الحال.
قوله تعالى: ﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ ... (٢٦)﴾
ما كان تحت الأرض فهو أساس وما فوقها سواء عندهم ومجموعها هي القواعد.
قوله تعالى: (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ).
стр. 907
أن قلت: لم قال (مِنْ فَوقِهِمْ) وهل هو إلا فوقهم؟ فالجواب بوجهين الأول: قال ابن عطية: يحتمل أن يكون خرورة يمينا وشمالا فقال (مِنْ فَوقِهِم) ليزيل ذلك الاحتمال، الثاني: قال بعضهم لو لم يقل (مِن فَوْقِهِم) لاحتمل أن يكونوا لما رأوا علامات السقوط خرجوا فحينئذ خر السقف، فقال (مِنْ فَوْقِهِم) ليفيد أنهم تربصوا حتى هلكوا.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ... (٢٧)﴾
قال ابن عطية: هذا يدل على دخولهم النار وهو نظير قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) ورده ابن عرفة: لأن الإيمان إنما دلت على أن دخول النار ملزوم للخزي لأن الخزي ملزوم لدخول النار وما تم له هذا إلا لو كانت هذه القضية تنعكس كنفسها كلية وهم في اصطلاح المنطقيين إنما تنعكس جزئية فيقال: كل كافر فاجر أيدخل النار فينتج كل كافر مدخل وإنما عكسها عندهم بعض المخزى كافر.
قوله تعالى: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ).
راجع للأمر الباطن النازل بهم والسوء راجع للأمر الظاهر الحال بهم في أبدانهم، فإن قلت: كيف أكده بأن وخطابهم إنما هو لله تعالى بأن ذلك حق، وأجيب: بأن هذه المقالة صدرت منهم قبل حلول العذاب بأولئك فهم في مظنة الإنكار لها.
قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ... (٢٨)﴾
يريد أنهم استسلموا لقضاء الله والمغلوب إذا استسلم تارة يعترف وهو كقوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) وتارة ينكر موجبات العقوبة كهذه الآية طمعا في أن يقبل ذلك منه [ ... ].
قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ ... (٢٩)﴾
فيها حال مقدرة.
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ... (٣٠)﴾
قال الزمخشري: للذين أحسنوا يدل من خير مكانة لقول الذين اتقوا.
ابن عرفة: أراد أن خيرا من كلام الحاكمين فهو والذين أحسنوا معمولان لـ قالوا، الزمخشري: ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عند القائلين.
стр. 908
ابن عرفة: يريد أنه يحتمل أن يكون من كلام المحكي عنه، ونظير ذلك أن يقول [زيد قال خيرا الحمد لله*]، فيقول: أنت حاكيا لكلام قال زيد خيرا الحمد لله فهذه من كلام المحكي عنه، فإن قال: أقول الحمد لله، فقلت أنت: قال زيد خير الحمد لله فهذه من كلام الحاكي عنه، والقول محكي به الجمل والمفرد المؤدى معناها.
قوله تعالى: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ).
وقال في الفريق الآخر (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)، ولم يقل دار المتكبرين، فأجاب ابن عرفة: بأن مثوى هي الإقامة والإقامة مطلقة بصدق بأقل الأزمنة كقوله: ولقد كان في قول [ ... ]. ولذلك قال تعالى: (النارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ورد القليل يستلزم ذم الكثير من باب أحرى، وأما النار فهي محل للسكنى، والسكنى مظنة الطول فناسب الإتيان بها في محل المدح لأن الإنسان قد يسكن الموضع الزمن القليل ويمل من سكناه ولا يحب البقاء به فأتى به دار الآخرة ليفيد أنها محبوبة مرادة بسكنى الزمن [ ... ] بل إذ ليس فيها مال.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتقِينَ).
وهم المتقون المذكورون في قوله تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقَوْا) (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ) جزاؤهم قد ذكر فكيف يشبه النبي نفسه، فأجاب ابن عرفة بوجهين: الأول أن المتقين في قوله تعالى: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أنهم الصحابة لأنهم هم الذين حصلت لهم التقوى وحسن نزول الآية والمتقون في قول الله تعالى يجزي الله المتقين يراد بهم عموم المتقين في كل زمن والألف واللام فيه للجنس فشبه جزاء ضيف بجزاء ضيف آخر فالمغايرة على هذا في المخزي، الثاني: إن المغايرة في الجزاء ومعناه مثل ذلك الجزاء بجزي الله المتقين جزاء آخر وذلك رضاه عنهم خير لا بجزاء عليهم أبدا ونظرهم إلى وجهه الكريم، قيل له: يلزمك أن يكون يشبه الأعلى بالأدنى وقد قالوا إن الشبه لَا يقوى قوة المشبه به، فقال: قد ذكروا عكس التشبيه وجعلوا منه (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)، والبيع متفق عليه والربا مختلف فيه، قلت وأورد ابن عرفة: السؤال مرة أخرى، فقال: قد نص على جزاء المتقين في قوله تعالى: (وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) .. فكيف يقول لذلك يجزي الله المتقين فيلزم عليه الشيء بنفسه، ثم أجاب: بأن الجزاء الأول حاصل لأن الجنة مخلوقة على الصحيح فلهم الآن فيها ما يشاءون
стр. 909
ويجزيهم الله في المستقبل جزاء آخر إشارة إلى دوام النعمة وعدم انقطاعه وإلى ما ورد أن في الجنة ما لَا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وإلى حصول النعيم لهم بالفعل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ... (٣٦)﴾
حكى الفقهاء في كتاب الجهاد والخلاف هل خلا العقل من جمع أو لا وحكاه المازري في المعلم، قلت لابن عرفة: قد قالوا لأن رسالة النبي ﷺ هو ونوح كانا عامين [للعرب والعجم*] فدل على أن غيرهما لم يرسل للعجم، فيرى العقل خلا من السمع، فقال: إنما ذلك في التفاصيل والأحكام وأما [الإيمان بوجود الإله ووحدانيته*] فكل شيء أرسل بذلك على العموم، فإن قلت: قس بن ساعدة وغيره من فصحاء العرب وعبدة الأصنام كانوا لَا يعرفون الإله بوجه، قلنا: إنما ذلك في عوامهم وأما رؤساؤهم فيعرفون وجود الإله وإن كانوا متعاهدين على ذلك.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ ... (٤٠)﴾
ابن عطية: إنما هو للمبالغة لَا للحصر لأنه قد ينزل له عن ذلك، وأجيب: بأن المعنى إنما قولنا لشيء إذا أردناه إيجاده وإحداثه، قال الثعلبي، وابن الخطيب: الآية تدل على أن القرآن غير مخلوق وإنما كان يلزم عليه التسلسل، ورده ابن عرفة: بأن أهل الأصول قالوا للصفات قسمان متعلقة كالعلم والإرادة والقدرة والكلام، وغير متعلقة كالحياة، والمتعلقة قسمان مؤثرة كالقدرة والعلم، وقالوا: إن الصفات الغير مؤثرة تتعلق بنفسها فالكلام وإذا كان كذلك فما يلزم عليه التسلسل.
قوله تعالى: (إِذَا أَرَدْنَاهُ).
ابن عطية: أي إنما قولنا لشيء مراد لنا.
ابن عرفة: إن قلت كيف هذا "وإذا" ظرف لما يستقبل، قلنا ذكر ابن مالك: إذا يكون ظرفا لما مضى ومثله بقوله تعالى: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) فلذلك هي هنا.
قوله تعالى: (فَيَكُونُ).
ابن عطية: قرئ بالنصب على جواب الأمر قال: وفيه تأمل، وقال الزمخشري: النعت عطف على القول.
стр. 910
ابن عرفة: والتأمل الذي فيه - والله أعلم - هو أنه وجد القول في الزمن الأول، ولم يوجد المقول له إلا في الزمن الثاني؛ ألا ترى أن قولك قام زيد فعمرو يقتضي الوجود لقيام زيد في الزمن الأول وبعده قيام عمرو في الثاني، وأمر الله تعالى يقتضي الوجود المتأخر فلا يصح وجوده في زمن لم يوجد فيه المقول له وهو الزمن الأول وهذا مغاير ما فسرنا به [ ... ] النقرشي في تقييده على ابن عصفور لما ذكر احتجاج من زعم أن الفاء كالواو، وبقوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا). وأجاب عنه بأن المعنى أردنا إهلاكها، كما قال النقرشي: فيه نظر، قلنا: الذي فيه هو أن الفاء تقتضي الترتيب فيقتضي وجود الإرادة في الزمن الأول ولا مراد لأنه لم يوجد إلا في الزمن الثاني والإرادة من الصفات المتعلقة فلا يصح انفكاكها.
قال ابن عرفة: والجواب عن هذا أن الزمان في حق الله محال وإنما هو باعتبار المتعلق فصح على هذا العطف على كن.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ... (٤١)﴾
ابن عرفة: يحتمل أن تكون المفاعلة هنا حقيقية لأن من هجرك من أهلك فقد هجرته، ويحتمل أن يكون بمعنى مثل [ ... ] الفعل، وهو الصحيح هنا لأن المشركين لم يهجروا المسلمين في الله قال وهذا لف ونشر فقوله تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) راجع لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا)، وقوله تعالى: (وَلَأجْرُ الآخِرَةِ خَيرٌ) لقوله تعالى: (هَاجَرُوا فِي اللَّهِ).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾
عبر عن الصبر بالماضي لأن متعلقه ماض وعبر عن التوكل بالمستقبل لأن متعلقه مستقبل والتوكل يترك الأسباب التكميلية عدد جائز، واختلف فيه بترك الأسباب التي لا قوام للإنسان إلا بها فمذهب الفقهاء تحريمه ومذهب الأصوليين جوازه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ... (٤٣)﴾
يدل على تخصيص الرسالة بالرجال فيحتج به من قال إن مريم ﵍ ليست نبية، ويجاب: إما بأن الآية إما اقتضت تخصيص الرجال بالرسالة لَا بالنبوة، وإما بأن قوله: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ... (٤٤) .. متعلق بـ (أَرْسَلْنَا).
قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
دليل على أن خبر التواتر يفيد العلم وعلى أن خبر الواحد يفيد العلم لأن المعنى فاسألوا أهل الذكر لتعلمون إن كنتم لَا تعلمون فهو سؤال عما لم يعلم، وإن كان
стр. 911
المسئولون بالمعنى عدد التواتر فهو خبر تواتر وإلا فهو خبر واحد محصل للعلم في الوجهين.
قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)
ابن عطية: الذكر القرآن، وقوله تعالى: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) إما بشروحك عليهم أنت القرآن، وإما بتفسيرك المجمل وشرحك ما أشكل منه، فيدخل فيه ما تبينه السنة من أمر الشريعة.
ابن عرفة: إن أراد تفسير المجمل وشرح ما أشكل منه، فالنَّاس العلماء كأبي بكر وعمر، وإن أراد البيان [بالمعنى الأول*] وهو سرده عليهم [نصه وبيانه*] فـ (النَّاسُ) عام، انظر قوله تعالى: (يَتَفَكَّرُونَ) والتفكر إنما يكون من العلماء، قال وفي الآية سؤال وهو أن المبين بعد التبيين، وأنزل يقتضي الإجمال، وإنزاله دفعة واحدة، ونزل يقتضي التنجيم حسبما ألم به الزمخشري في أول خطبة كتابه، والقرآن نزل أولا دفعة إلى سماء الدنيا [ثم*] نزل منها منجما فأنزل قبل نزل، وجاءت الآية على العكس وهو أن بيان ما نزل يقع بإنزال الذكر فجعل متعلق أنزل مبينا بمتعلق نزل قال: وتقدم الجواب بأن متعلق أنزل راجع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبين بها ما نزل على أمته مفصلا منجما.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ... (٤٥)﴾
هذا من باب القلب لأن الخسف إنما هو بهم لَا بالأرض فهو مبالغة فالباء سببية وانظر قوله تعالى: (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) فالعاصي إنما تقع العقوبة به لَا بمجمله، وقوله: (مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ) قيل: (السَّيِّئَاتِ) مصدر وقيل: مفعول لمن وأن الخسف بدل منه وهو بدل الأخص من الأعم والمراد بخسف الأرض بهم انقلابها وزلزالها، فإن قلت: هلا قيل أن يخسفهم الله في الأرض، فالجواب: إن هذا أبلغ أن خسف محلهم بهم أبلغ من خسفهم فقط.
قوله تعالى: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ).
أو للتفصيل باعتبار من حلف من الأمم في أن بعضهم خسف به الأرض وبعضهم عذب.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ ... (٤٦)﴾
أي في حركاتهم وأسفارهم فما هم بمعجزين تعالى الله عن ذلك؛ لأنه لَا يعجزه شيء، والفاء للسبب، ووجه ذلك أنها دخلت على الجملة قبل النفي، والتقدير أو يأخذهم
стр. 912
في تقلبهم فهم بسبب ذلك معجزين لأن أخذه لهم حالة التقلب والتحرك مظنة لفرارهم وهروبهم فدخل حرف النفي فنفى ذلك السبب المترتب على تقلبهم أي فما يكون تقلبهم سببا في تعجيزهم له لأن الفاء دخلت بعد النفي لأنه لَا يصح فيها السببية إلا على هذا التأويل.
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ... (٤٧)﴾
والتخوف النقص، قال الشاعر يصف ناقته، وهو زهير.
[تخوف السّير مِنْهَا تامكا قردا ... كَمَا تخوف عود النبعةِ السفن*]
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ... (٤٨)﴾ .. الرؤية بصرية بدليل تقدمها بـ (إلَى) كما قال تعالى: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) والإنكار ليس هو نفس الرؤية بل للازمها وهو التفكر والاعتبار.
قال ابن عرفة: وانظر هل وقع التوقيف بمجموع تفيؤا الظلال وكونها ممجدة الله أو بمجرد كونها سجداً لله فقط، فهل قوله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ) حال أو صفة ونظيره قولك: أليس إنك زيد العالم راكبا، وقولك أليس إنك زيد عالما راكبا، قال: والصواب الأول لأن تفيؤها أمر حسي مشاهد؛ وكونها سجدا فلا يدرك بالمشاهدة بل بالدليل العقلي.
قال ابن عرفة: وعلى هذا التأويل تكون الآية حجة لمن يقول إن العرض لَا وجود له والمشهور عند المتكلمين أنه أمر وجودي حكى القولين المقترح، ووجه الدليل أن الأمة دلت على أن كل شيء مخلوق لله تعالى وأن ظله مستفيء ساجد الله تعالى والتفيؤ من صفات الأجرام والذوات، والعرض ليس بذات فليس بمخلوق لله وهذا كفر، وإذا جعلنا تتفيؤ صفة لشيء يكون المعنى أن كل شيء موصوف بالتفيؤ فهو مخلوق لله فأنكر عليهم عدم الاعتبار به حالة سجوده وقوله تتفيؤ أي ترجع عن اليمين يريد يمين الناظر إليه لأن الناظر إلى الظل أول النهار ينظر إلى جهة القبلة حيث هو محل طلوع الشمس فيكون الظل حينئذ عن يمينه فلذلك بلا باليمين، وقوله: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ) أي يرجع عن جهة اليمين إلى جهة الشمال، وقوله: (وَالشَّمَائِلِ) أي يرجع عن جهة الشمال إلى جهة اليمين لأن (عَنِ) تقتضي المجاوزة، فالمراد مجاوزته جهة اليمين إلى جهة الشمال والعكس، فإن قلت: لم أفرد اليمين وجمع الشمال؟ فالجواب بوجهين: الأول: أن الظل حالة كونه عن يمين الناظر، وذلك [أول*] النهار [يتأتى النقص*]، فكانت له جهة واحدة نقص عنها، وفي آخر النهار يأخذ في الزيادة
стр. 913
والشمال والجهة التي قال مثله إليها لم تكن له قبل ذلك وكلما زاد بعد أي جهة يسار الناظر فكانت تلك الزيادة تكثرها واختلافها تمايل بل خلاف أول النهار وأنه لم يرد؛ بل [نقص*] عن حده الذي كان، فصار كأنه بعض اليمين فضلا عن أن يكون لبيان الوجه الثاني: أن اليمين مأخوذ من اليمن وذلك راجع إلى طريق الحق والشمال راجع إلى طريق الباطل طريق قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ) وطريق الحق واحد [وطرق الباطل متعددة*] والآية دالة على كمال التوحيد بالله لأن مذهبنا أن الأعراض [لَا تبقى*] زمنين، فما من جوهر إلا وهو مصغر في كل زمن في أعراض يستمد بها، ولا بد لذلك من فاعل، ولا يصح تعدد ذلك الفاعل لما تقرر في دلالة التمانع ...
قيل لابن عرفة: فهلا قيل [أولم يروا إلى ما*] خلق الله من شيء بعده يخفي هذا في الاعتبار، فإن العبرة فيها، والمعنى بالنظر إلى اللقاح، [**فشجرة التي هي رؤية البعض ثمود يابس] [وورود الثمر*] منها والورق أقوى بالعبرة، وبالنظر إلى ظلالها، فقال: وذلك أن الظلال إنما ينشأ من ملاقات يوم جرم الشمس جرم الشجرة الكثيفة المظلم، ومذهبنا أن الأجسام متساوية في الحد والحقيقة فلا فرق بين الشمس والشجرة فجاءت الشجرة سكنا فيها أو طليتها نور الشمس، وما زال لَا تخصيص أوجه ولا بد له من مختص ويستحيل بعدده فدل بذلك على أنه واحد.
قوله تعالى: [(سُجَّدًا) *].
[**أي أولا صاغرين فرد آخرين أي صاغرون].
قال الزمخشري: والسجود هنا [الانقياد*].
ابن عرفة: [(سُجَّدًا) *] متناولا للعاقل وغيره؛ لأنه قال أي ويرجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من المعبود [الأجرام*] في نفسها صاغرة منقادة لله تعالى فيها.
ابن عرفة: وهذا مما يرويه علي، فإن من شيوخنا [من*] ينكر على الفخر في قوله في صيغة [افعل*] أنها للقدر المشترك بين الوجوب والندب ويقول إن القدر المشترك لا وجود له في كلام العرب [مع*] أن الزمخشري أنعته هنا. قوله : (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ ... (٤٩) .. قال ابن عرفة: هذا يرد على القائلين بإثبات موجود لَا متحيز ولا قائم بالمتحيز؛ لأن الدابة من صفتها الحركة، والسجود إنما
стр. 914
[يكون*] بالحركة والموجود الذي ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز غير متحرك. وفي الآية سؤالان: الأول: قال قبله (سجدا لله) فهو مجرور [فما*] العامل فيه، وقال هنا (ولله يسجد) [مقدما*]، وأجيب بوجهين الأول: لابن عرفة: قالوا إن الضمير في سجدا لله عائد على الظلال وهي لَا تعقل بمعنى يتوهم أنها تقصد السجود والتذلل لغير الله تعالى فهو هناك على الأصل، وأما قوله: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) فهو عام يتناول العاقل وغيره والمقصود بالذات إنما هو العاقل ويمكن في حقه أن يقصد بالسجود غير الله لأنه ذو تمييز [**ومقيد فأحتج هنا] في تقديم المجرور على عامله [يفيد الحصر*] وإنما السجود هو لله لا لغيره، الوجه الثاني: قلت: إما أن العامل في المجرور في (لله) الفعل والعامل في قوله (سجدا لله) الاسم وعمله ضعف من عمل الفعل فأخر معموله عليه لضعف عمله فيه بالنسبة إلى الفعل، وقدم معمول الفعل عليه هنا، وإن كان الأمران جائزين، السؤال الثاني: قال هناك: (أَوَلَم يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ) فإن تلك الجملة استفهاما على معنى التقرير وأتى بهذه هنا خبرا وكلاهما أتت على معنى التخويف والزجر. هلا قال هناك وكل ما خلق الله من شيء يتفيأُ ظلاله فيأتي تلك خبرية؟ قال والجواب: إن الظلال أمر محسوس مشاهد فناسب التقرير عليهم والتوبيخ، [ولَا يوبخ الإنسان إلا بما هو عالم به موافق عليه*]، فيقال له: ألم يكرمك ألم يحسن إليك، وأمَّا سجود ما في السماوات به وكذلك الملائكة فأمر مغيب عنهم لَا يعلم إلا من حقه الخبر بخلاف تفيؤ الظلال وليس الخبر كالعيان.
قوله تعالى: (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ).
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون من دابة بيانا ويحتمل أن يكون بيانا لما في الأرض ويراد بما في السماوات الخلق الذي يقال له: الروح، قلت لابن عرفة: هل هو [جبريل*]، فقال: لَا على خلق آخر يسمى بالروح ذكره الطبري وغيره وورد في الحديث وذكره المفسرون في قوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ابن عرفة: وانظر هل فيه دليل لمن يقول إن الملائكةَ ليسوا متحيزين ولا قائمين بالمتحيز، وهو قول شاذ، والظاهر [أنه لَا دليل فيه*]؛ لأنه إنما كررهم بالعطف تشريفا لهم، وانظر هل هم من الدواب أو لَا، ذوو أجنحة يطيرون والطائر ليس من الدواب بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) ابن عرفة: والظاهر أنهم من الدواب ولذلك الطائر لقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) ثم قال: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ) قالوا: يدخل فيه ابن آدم والطائر.
стр. 915
قال الزمخشري: وسجود العاقل حقيقة وغير العاقل بمعنى التذلل والخضوع، فيكون لفظ السجود للقدر المشترك بينهما وهو الخضوع والاستسلام أو يكون من باب استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ ... (٥٠)﴾
قال الزمخشري؛ له وجهان أحدهما: أنه قال من الضمير في (وَهُمْ لا يَسْتَكبِرُونَ) قلت أنا لابن عرفة: يلزم عليه المفهوم؛ لأن الحال من شرطها الانتقال لمفهومه أنهم يستكبرون حالة عدم الخوف، فقال: هذه حال لازمة بمعنى أنهم لا يزالون خائفين [خوف الإنصاف*] وأن ذلك قليل في الحال، والظاهر أنه خبر بعد خبر أو جملة مفسرة لما قبلها.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ... (٥١)﴾
قال الزمخشري: ما فائدة الوصف (اثْنَيْنِ) أجاب بما حاصله إنك تارة تريد المعدود، وتارة تريد النعت، والنعت لتحقيق المراد فأتى به هنا ليبين أن المراد العدد لا المعدود ومثاله إذا قال رجل أعد لفلان دينارين فيحتمل العدد وهو ظاهر اللفظ ويحتمل أن يريد بذلك لَا بعض دراهم بل خص الذهب فإن أعطاه: دينارا، وإن جاء على هذا خرجت من العهدة وعلى الوجه الأول لَا يخرج من العهدة إلا إذا أعطيته دينارين، فإذا قال لك أعطه دينارين اثنين زال الاحتمال.
قال ابن عرفة: والجواب عندي من وجه آخر وهو أن قوله: (لَا تَتخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَينِ) يحتمل أن يكون [كليا*] وأن يكون كلية، فأفاد قوله: (اثْنَيْنِ) أنه كلي لَا كلية ومثاله له قولك لَا فقط لفلان دينارين لأنه أن كان كلية عصا بإعطائه دينارا واحدا وأن كان كلا لم يعص حتى يعطية دينارين فإنما المراد هنا النهي عن اتحاد مجموع الاثنين إلهين لَا عن اتحاد كل واحد على حدته ولا يلزم عليه الكفر فوصفه بـ اثنين ليفيد أن المراد النهي عن الجمع بينهما في وصف الربوبية وتقديره أن السالبة الجزئية هي التي سورها ليس كل ولا شيء ولا آخر وتقرر الفرق بين ليس كل وبين لَا شيء أن ليس كل يأتي بسلب الكلية وقد يراد منها سلب الكل يفيد الجمعية فيقول ليس كل النَّاس أكرمت بعضهم وكذلك قوله تعالى: (لَا تَتخِذُوا إِلهَينِ اثْنَينِ) إنما نهى عنهما يفيد الجمعية لَا أن ذلك اقتضى النهي عن اتخاذ إله واحد فلذلك قال: (اثْنَينِ) لما تقرر من أن ليس كل محتمل لَا أن يراد به سلب الكل وسلب الكلية وهو الأكثر فيه فبين الوصف بـ اثنين أن المراد هنا النهي عن الكل لَا عن الكلية.
قوله تعالى: (إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ).