← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

أي بالبرهان والموعظة هي الخطابة. ابن عرفة: وذكر الغزالي في [الاقتصاد*] هذه الثلاثة قال: والبرهان يخاطب به الأذكياء والخطابة يخاطب العوام لأنهم لَا يفهمون البرهان وإنما يفهمون المواعظ والجدال لا يخاطب به إلا المعاندون في الاعتقاد لأنهم لَا يرجعون عن مذهبهم بالموعظة ولم يذكر هنا العائلة لأنها ليست لكل النَّاس بل لمن لم ينفع فيه من ذلك فإن قلت قد قال ﵊: "أمرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا لَا إله إلا الله" الحديث قلنا: قد تقرر في كتاب الجهاد أنهم يدعون أولا إلى الإسلام فإن لم يستجيبوا حينئذ يقاتلون، قلت: وقال الفقيه أبو العباس أحمد بن محمد بن البنا المراكشي في كتابه المسمى بالروض المريع في صناعة البديع: المخاطبات على خمسة أقسام على ما أحصيت قديما الأول: البرهان وهو الخطاب بأقوال اضطرارية يحصل عنها اليقين، والثاني: الحول وهو الخطاب بأقوال مشهورة يحصل عنها الظن الغالب، والثالث: الخطابة وهو الخطاب بأقوال مقبولة يحصل عنها استقرار في النفس الإقناع وهذه الثلاثة هي التي تستعمل في طريق الحق. والرابع: الشعر وهو الخطاب بأقوال كاذبة يحصل عنها استقرار في النفس، والخامس: المخالطة وهي الخطاب بأقوال كاذبة يحصل عنها الاعتقاد ما ليس بحق أنها حق وهذان اسمان خارجان عن باب العلم وأخلاقه في باب الجهل فالمنظوم يكون إذاً شعرا وغير شعر كما أن المنثور كذلك، وأهل العرب يسمون المنظوم كله شعرا معرض في دار في الشعر انتهى كلامه، وقال غيره: البرهان قياس مركب من مقدمات يقينية كعلمنا بأن الواحد نصف الاثنين، والجدل قياس مركب من مقدمات مشهورة كالعلم بأن العلم حسن والجهل قبيح، والخطابة قياس مركب من مقدمات منقولة وهي المأخوذة عن الأنبياء والعلماء ومن فيه زيادة عقل أو دين كعلمنا بأن إعادتنا حق وإنَّمَا مجازون بالجنة والنار ولاختلاف النَّاس أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعوا بالثالثة قدر العمل والفهم بدعا بالحكمة وهم الخواص ومن دونهم بدعا بالجدال والعوام [يدعون*] بالموعظة إذ لو دعوا بالحكمة لم يفهموها، [**والقياس الشعر من مركب من مقدمات تخيلية للفعل النفس] لها كتشبيه الخمر ياقوتة سيالة فرغب فيه وتشبيه العسل بقيء [فتنفر*] عنه النفس، وكذلك البيض بقوله إنه خارج من محل العذرة [فتنفر*] عنه النفس وهذا لَا فائدة فيه إلا أنه يوجب قبضا وبسطاً في النفس وأما السرقسطاني وهو المغالطي: فهو قياس مركب من مقدمات مشبهة بقضايا أوليات كقول القائل كل من

стр. 947

ليس في مكان وجهة لَا يدرك بحاسة البصر فيصح استحالة رؤية الله وهذه مغالطة إذ ليس من شرط الإبصار الجهة وقد سمي الغزالي هذا وأنظاره ميزان الشيطان. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ... (١٢٦)﴾ وإن أردتم العقابة والأمر للإباحة. قوله تعالى: (بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ). سمى فعل الجاني عما يأمن مجاز المقابلة كقوله [ ... ]: [قالوا اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا*] وقال في المدونة: فمن مثل برجل فقطع يده وجرحه إلى غير ذلك ثم قتله قال إن العلم أنه قصد الممثل به فعل به مثل ذلك والأصل فقط. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ... (١٢٧)﴾ فيه رد على المعتزلة في قولهم العبد خلق أفعاله ورد على الجبرية القائلين بأن حركة العبد كحركة المرتعش وإنه قيل له: افعل بأمر لَا فعل له ودليل لأهل السنة في إثبات الكسب لأنه أمر بالصبر ثم إنه لَا صبر له إلا بالله. قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ). أي لَا تحزن على ما سلف من قتالهم وعدم إيمانهم في المستقبل ولا تك في ضيق مما يمكرون به ويحلون فيه، فنهاه عن التأسف على كفرهم ثم عن الخوف والجزع مما سيجدون عنهم في المستقبل. فإن قلت هلا قال ولا يكن في صدرك ضيق فهو أبلغ. * * *

стр. 948

سُورَةُ الْإِسْرَاءِ [وهي مائة آية وعشر آيات*] قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ... (١)﴾ قال ابن عرفة: وجه ذكر التسبيح هنا أن الباقي بعده للمصاحبة فيقتضي مصاحبة بعده في الإسراء وذلك مستحيل كما استحال في قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِم). فذكر تنزيهه عن ذلك وغيره. قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ... (٤)﴾ قال ابن عرفة: هي دليل على صحة تكليف ما لَا يطاق ولا [يحمل*] على أنهم مخلفون بالإصلاح والإيمان مع كونه قضى عليهم بالفساد في الأرض وما قضاه وأراده فلا بد منه فهم مخلفون بالإيمان وحوطوا بأنهم سيفسدون قال: والجواب أن هذا ليس محل النزاع لأنه في المستحيل عقلا وهو الذي علم الله أنه لَا بد منه خلاف المستحيل عادة وأتى فيه بالقسم لأجل أنه مستبعد عنهم فلذلك أقسم له. قوله تعالى: ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ... (٥)﴾ .. ابن عطية: قرأ [الناس*] فجاسوا [بالجيم، وقرأ أبو السمال «فحاسوا» بالحاء وهما بمعنى الغلبة والدخول قسرا ومنه الحواس*] وقيل [لأبي*] السماك إنما القراءة (جاسوا) بالجيم فقال جاسوا [وحاسوا واحد*]، ابن عطية: فهذا يدل على [تخير*] لَا على رواية ولهذا لَا تجوز الصلاة بقراءته وقراءة نظرائه. قال ابن عرفة: قال الشيخ أبو الحسن اللخمي في كتاب الصلاة في فعل القراءة يجوز نقل القرآن بالمعنى تخريجا من راوية ابن وهب أنه حال مبالغة الإقراء بقراءة ابن مسعود أن (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ) فقال الرجل: طعام اليتيم فقال ابن مسعود: طعام الفاجر أيقرأ بهذا، فقال: نعم فخرج الفخر عدم إعادة المصلي بها، وأنكر عليه المازري، وقال [**هذه وله] لأن لفظه معجز، فلا يصح بديله بالمرادف الذي في الحديث القدر بل فعل وحده وليس هذا [ ... ] مستوفيا خروج المباح منه؛ لأن المعنى أن يصدر منكم إحسان فلأنفسكم والمباح [ليس لهم ولا عليهم*] فإن قلتم نص الأصوليون على أن المباح من أقسام الحسن قلنا: هذا صحيح لكن قوله هنا (لأنفسكم) يرده؛ لأنه تنبيه على الثواب الحاصل لهم في الدار الآخرة والمباح لَا ثواب فيه، وكرر لفظ [(أحسنتم) للاستجلاء*] كقول أبي نواس:

стр. 949

ألا فاسقني خمراً وقلْ لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سِرًّا إذا أمكن الجهرُ وقال ابن الخطيب؛ لعظم قدره عند الله تعالى كقوله: الحسنة بعشر أمثالها إلى مائة وأزيد والسيئة بمثلها، وأتجاوز. ابن عرفة: وهذا على جهة الأعم الأغلب وإلا فقد يحسن الإنسان لغيره؛ كمن يدعو لميت ويتصدق عنه بشيء. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ... (٧)﴾ قال المعبرون: المراد الوجه [خاصة*]، ويحتمل أن يريد به أشرافهم ويتناول من دونهم من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ ابن عطية: الحصير من الحصر يعني السجن، ويقال لجني الإنسان [حصيران*] [لأنهما*] يحصران جانب من هنا وجانب من هنا، وقال: [الحسن البصري*] في الآية [أراد به ما يفترش ويبسط كالحصير المعروف عند الناس.*] ابن عرفة: لَا يريد أنها ذات حصر؛ كقولك [امرأته طالق ثلاثا*]؛ [لأنها*] ملازمة الحصر لهذه، فهي متصفة به دائما خلاف المرأة [والثلاث*]، والطلاق أيضا ليس من فعل المرأة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ... (٩)﴾ الزمخشري: حذف الموصول بما في إيهامه بالجميع من فخامة فقدمت مع ذكره ابن عرفة: أراد أنه حذف قصد للعموم لبقاء اللفظ صالحا لأن يكون المقدر يهدي الطريق التي هي أقوم أو للملة التي هي أقوم ولو ذكر إحداهما لكان خاصا فحذف لقصد صلاحية هدايته للجميع. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ ابن عرفة: عاداتهم يقولون المناسب وكان الإنسان جهولا؛ لأن من يدعو على نفسه بالشر مثل ما يدعو بها بالخير سواء جاهل أو لَا، [يسوي*] بين [العالم والجاهل*] فأما العجول، فإنما يناسب أن الإنسان يستعجل الدعاء بالخير قبل حضور أوانه. قال: والجواب أن العجلة سبب في الجهالة لأن المستعجل لَا يتأمل ولا ينظر بل يبادر إلى الشيء من غير تأمل فهو كالجاهل سواء قائم السبب مقام سببه، قلت: وهذا قال الزمخشري في قوله: (أعجلتم أمر ربكم) [يقال*]: [عجل عن الأمر إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره*] (١). قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ... (١٢)﴾

стр. 950

ابن عطية (جعل) بمعنى (خلق) لَا بمعنى (صير)؛ لأنه يلزم عليه وجودهما [قبل: ذلك*] [وأُجيب*] بالتزام ذلك، ويكونا في ثاني حال (صير) آيتين؛ ورُدَّ بأن حالتهما الأولى [**مساء]، وبالحالة الثانية إلا أن يقال: إنهما خلفاء مكتفين، وحين صيرا اثنين خلق فيهما النور [**وغير أن في كلام ابن عطية]. ابن عرفة: والآية حجة لأهل السنة على أن الكلمة أمر وجودي وأنها جواهر كثيفة واستدلوا بأنها ترى وكل ما يرى فهو وجودي، وقال المعتزلة: إنها أمر عرفي أولا فرق بين حالة الإنسان إذا فتح عينيه في الظلام وقال إذا أغلقها قاله الفخر في [**المحصل والمشهور عند الأصوليين أن العدم الإضافي لَا يصح أن يكون أمرًا للقدرة وأجمعوا على العدم المطلق به ويستقيم القول بأن العرض لما بقي وما بين الآية دليل على أن الميل أمر وجودي لأن العامل فيه خلق أو صير]. قوله تعالى: (لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ). قال ابن عرفة: إن أريد الحساب القمري [**جلون معا الفضل بالنهار] ومعرفة الحساب بالليل وعدد السنين راجع لعلم مدها ومداها والحساب واسع لجمعها وطرح بعضها من بعض وعندما قالوا العدد كمية منفصلة ذات ترتيب والحساب هو التصرف فمن العدد بالتركيب والتحليل. قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا). قال ابن القصار في قول الشاعر: [ ... ]. لهم لاحتمال أن يكون صنع بعضهم تجعله في الرفع كالعلي وفي النصب كل الكل، وأجاب الآخرون بأن ذلك إنما هو في النفي والحكم في الثبوت على خلافه ولهذا مثل المنطقيون المبالغة الجزئية بقولك ليس كل كذا وكذا. قال ابن عرفة: فهذا إن كان قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) متعلقا بتعلموا معطوفا على قوله عدد السنين فلا يكون عالماً فإن معرفتنا لأنهم وإن كان راجعا لله تعالى فهو كلية فيكون عالماً؛ لأنه يعلم الأشياء جملة وتفصيلا ونحن لَا نعلمها إلا جملة فإذا رجع العلم إلينا كلا لَا كلية وهو على المجموع من حيث هو مجموع كقولك كل من عام يرفع الصخرة العظيمة. قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾

стр. 951

في الدنيا، واختلفوا في شكر النعم فمذهبنا أنه واجب شرعا، ومذهب المعتزلة وجوبه عقلا، وكذلك اختلفوا في النظر فمذهبنا وجوبه، حسبما تقدم في الإرشاد، والآية دليل لنا، واختلفوا هل [**جلا العقل] من سمع أو لَا، وقال في كتاب الجهاد: إن الكفار لا [**يثبتوا] حتى يدعوا إلى الإسلام وهذا يدل على أن العقل [**من سمع] وبه احتجوا في كتاب الجهاد، وأجاب المازري بأنهم عالمون بالتوحيد، الكلام فى الرسالة. ابن عرفة: وهؤلاء اليهود والنصارى يجب دعواهم لأنهم مد بكفهم التوحيد وعلموه وأما البعثة فلا، وأجاب المتعسفون بأن رسولا في الآية المراد به العقل وهذا تحريف للفظ القرآن. ابن عرفة: واختلفوا هل يشترط المعلم بالتكليف أو التمكن من العلم بالتكليف فيخرج المجانين والأطفال أو لَا يشترط ذلك والآية حجة في اشتراط ذلك، قلت: وقال الشيخ ابن مرزوق: كانت وقفاً ببلد فاس في عام أربعين وسبعمائة في مدة الأمير أبي الحسين في حين وصل إلى الجزائر الخالدات وطار لهم ووجد فيهم ناسا على شكل بني آدم ولا يفهم لهم كلاما وليسوا متشرعين فرفع عنهم جماعة إلى بلاد الأندلس فلم يفهم لهم أحد كلاما فما زالوا مقيمين ومخالطين للنصارى حتى يفهم بعضهم كلام النصارى ورجع عنهم فوجدهم لَا يعرفون النبوة ولا شيئا منها فوصل بهم إلى الأمير أبي الحسن المريني فاختلف الفقهاء حينئذ فمنهم من قال تغزى بلادهم ويقاتلون ومنهم من قال: يبعث إليهم هؤلاء الذين فهموا لغتنا منهم فيدعونهم إلى الإسلام ويخبرونهم بالشريعة المحمدية وأحكامها فإن أذعنوا لذلك وإلا قوتلوا وأخذوا ثم توفي الأمير أبو الحسن قبل الوصول إليهم وهم جوز في البحر. قال ابن عرفة: والآية على إبطال مفهوم الغاية لأنه لَا يقع التعريف بمجرد اللغة بل مع تكذيب المبعوث والغاية بحتى أبلغ منها بإلى حسبما ذكره الزمخشري: في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) ولذلك قال ابن الحاجب: والعورة من الصرة إلى الركبة، وقيل: حتى الركبة. ابن عرفة، وقوله تعالى: (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ) ليس المراد وقوع ذلك، وإنما المراد وما يصح لنا التعذيب شرعا حتى نبعث رسولا وكذا قال الزمخشري: في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ). قوله تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ... (١٦)﴾

стр. 952

فقيل أمرناهم بالطاعة ففسقوا، وقال الزمخشري: أملينا لهم وفعلنا بهم الأسباب المكثرة للرزق وصببنا عليهم النعمة صبا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي، ورده ابن عرفة بأن فيه [شذوذ*] من وجوه أحدها إخراج لفظ الأمر من حقيقته وتكثير المضرات والمقدرات، وإقامة السبب مقام المسبب إلى غير ذلك، قال وكان بعضهم يرد عليه إلى بعض أنه يقال أمرنا المعين [أمرناهم*] بالعصيان ففسقوا؛ لأن الفسق هو الخروج، والخروج يستلزم [مخالفة الأمر*] ولا معنى للعصيان إلا هذا فقيل لابن عرفة، وما قاله الزمخشري جار على مذهبه كان على أصول الفقه حكوا في لفظ آخر خلافا هل هو حقيقة في القول المخصوص أو في الفعل، وهو مذهب أبي القاسم، والمعتزلة فقال يلزم هنا الإجمال، وقيل (أمرنا مترفيها) بمعنى كثرناهم، ومترفوها هم المنعمون أي ذوو النعمة. ابن عطية [الإمارة*]. ابن عرفة: فإن كل أحد [**ذل داره] ولعلها يحكي بها ما كان كلاما لا قولا، فالقول أعم من الكلام لصحة إطلاقه اصطلاحا على غير المفيد فلذلك قال هنا لحق عليها القول؛ لأنه إذا حق عليها ما هو أعم من المفيد وغيره فأحرى أن يحق عليها المفيد وهذا باعتبار ظهوره وبروزه لهم وإلا فقد كان لازما ثابتا لأنه قديم أزلي. قوله تعالى: (فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا). ابن عرفة: قال بعضهم: حسبوا تاريخ بغداد فوجدوه بعدد حروف تدمير أجاب أبي جاد لأن التاء أربعمائة، والدال أربعة، والميم أربعون، والباء عشرة، والراء مائتان. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ ... (١٧)﴾ إنما أتى بعده لأن القضية الشرطية لَا تدل على وقوع الشيء ولا إمكان وقوعه. قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ... (٢٤)﴾ قال: هذا إما أن يكون استعارة، وإما أن يراد حقيقة الإنسان، والجناح مجاز. قال الزمخشري: [إما أن المراد الذليل أو الذلول*]. ابن عرفة: فالأول: نهي عن التعصب أي لَا يتعصب عليهما وكن لهما كالفرس الذلول، والثاني: بمعنى لَا يفتر عليهما، وكن لهما كالرجل الذليل. قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا). ذكر السهيلي حديثا أن من زار قبر والديه عد بارًّا لهما.

стр. 953

قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا) نظر هل يتناول هذا ابن النفي قال: إن حملت التربية على آخر الحمل والنفقة عليه حينئذٍ فلا يتناول إلا ابن الولادة وإن حملناها على العموم فيتناوله. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا ... (٢٨)﴾ ... فيه وجهان الأول أنه من [إقامة*] السبب مقام المسبب والتقدير، وإما تعرض عنهم لاعتبارك لأن إعراضه إنما هو لاعتباره لَا [لابتغاء الرحمة*]، وإما أن في الكلام تقديما وتأخيرا أي وإما تعرضن عنهم فقل لهم قولا ميسورا [ابتغاء الرحمة من ربك*]. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ... (٢٩)﴾ هذا تمثيل في المعنى البخل ستنتج كقول "العائد فيه كالكلب يعود في قيئه" كل ذلك ينفي عن الاتصاف بهذه الصفات، قلت لابن عرفة: ظاهر الآية النهي عن هذا البخل لأن [غل*] اليد إلى العنق هو النهاية وإنما كان يتناول مطلق البخل لأنه لو قيل: لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، فقال بل يتناول مطلق البخل، وشبهة بغل اليد إلى العنق استقباحا للبخل قلَّ أو أكثر. قوله تعالى: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ). يتناول النفقة المحرمة أصلا؛ كشراء الخمور، والمحرمة بعارض كشراء [**الخمور بدينار كبير]. قوله تعالى: (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا). ابن عرفة: هذا لف ونشر فاللوم راجع إلى البخل لأن الإنسان يلام على عدم النفقة، ولم يقل مذموما ليتناول ذلك النهي عن البخل بالواجب، وبغيره، وقوله محسورا راجع إلى النهي عن بسط اليد؛ لأنه إذا بالغ في بسطها يقل درهمه ورزقه ويتغير عليه فيبقى محسورا. قال ابن عرفة: وانظر قال في سورة تبارك الفرقان: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا) وإن كان بين ذلك قواما فبدأ هنالك بالسرف في النفقة وهو بسط اليد، وبدأها هنا بالبخل. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون أن سورة الإسراء مشتملة على جملتين اقتضاء النهي والأعم والأغلب في البخل والشح فهو أحق وهم بأن تقدم النهي، فقدم نفي ذلك لأنه هم هنالك والآية خرجت مخرج المدح دليل مقدم فيها ما سواهم في المدح،

стр. 954

وهو نفي السرف عنهم لأنه علم من حالهم عدم البخل لأن الكلام إنما هو في المنفقين. ابن عرفة: ولو قيل إذا انفقوا لم يقتروا ولم يسرفوا لكان الجواب غير الشرط كقولنا إذا لم يبخلوا لم يبخلوا فلا يكون فيه فائدة. قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ... (٣٠)﴾ أي لمن يشاء بسط الرزق له، وقال ابن عطية: لمن يعلم أن في بسط الرزق العقليين عندهم وأمَّا عندنا فالحسن والقبح شرعيان لَا عقليان. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ... (٣١)﴾ وقال في سورة الأنعام (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فقدم هنا ضمير الأولاد وأخره في الأنعام فما السر في ذلك. ابن عرفة: أجابوا بأن المخاطب هنا من عزم على قتل ولده في حال غناه خشية أن يصير بإنفاقه عليه فقيرا والمخاطب في سورة الأنعام هو من عزم على قتل ولده في حال فقره وإملاقه ... عياله والأعم الأغلب المشاهد من النَّاس أن إلا [٤٩/ ٢٣٧] قيل: نزول البلاء بأنه يفضل أولاده وأحفاده على نفسه ويودان أن يكون فاداهم فيما يؤمهم وينزل بهم فإذا رأى البلاء عيانا وحل به لم يفضل أحد على نفسه إنما يجب خلاص نفسه منه دون أحب النَّاس إليه ولا يحب إلا نفسه هذا في كل آية بما هو الأهم فيها ففي سورة الأنعام الأهم عليهم أنفسهم لأنهم فقراء قد ذاقوا ألم الفقر والإملاق فلذلك قيل فيها نحن نرزقهم وإياهم وهنا الأهم عليهم أولادهم لأنهم أغنياء لكن خافوا الفقر. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ... (٣٢)﴾ [**الزنا عند مالك وأبي حنيفة]، فإن قلت: [لم نهى*] عن قربه دون قرب القبل؟ قلنا: لأن الزنا له مقدمات كالقبلة والملامسة وهي كلها محرمة فنهى عن قربه ليتناول النهي عن المقدمات، قلت: والنفس تدعوا إلى هذه المقدمات من الجانبين، ومقدمات القبل ضيقة؛ لأن المقتول يدافع عن نفسه، فإن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً) مع أنه إن كان تعليلا عقليا كان حجة المعتزلة في أن أفعال العبد معللة وأن الزنا قبيح عقلا، وإن كان شرعيا لزم تعليل الشيء نفسه لأن يكون المعنى لَا تقربوا الزنا لأنكم لَا تقربوه [**وأقضيكم عن قربه لأنكم قضيتم] عنه لأن صحته لم تثبت إلا من جهة الشرع، فالجواب أنه يكون هذا إشارة إلى أن تحريمه ثابت في الشرائع المتقدمة لأن

стр. 955

الملل كلها أجمعت على وجوب حفظ الأنساب فالمراد أن النهي عن الزنا ليس هو خاصا بكم فلا تقربوه فإنه لم يزل فاحشة في شرع من قبلكم من الأمم. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ... (٣٣)﴾ المراد به الجهاد والحرابة والقصاص. ابن عرفة: والمرتد يحد فيه ويستتاب، والزنديق يقتل ولا يستتاب، والمحارب إذا قدر عليه الحد صبرا واختلف في قتله بخلاف قتله حال الحرابة فإنه متفق عليه عندنا. قوله تعالى: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ). يحتمل وجهين أحدهما عود الضمير في يسرف على ولي القتيل، فالمراد أنه لا يمثل به بعد قتله، وفى هذا على بابها من الطرفين، الوجه الثاني: أن الضمير عائد على القاتل، أي: فلا يسرف من أراد قتل شخص والتعدي عليه في قتله أي لَا صلة [**بسرفه]، وفي هذا للسبب أي فلا يسرف بسبب قتله. قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). أو لم يزل كذلك. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... (٣٦)﴾ قال ابن عرفة: الوجود على ثلاثة أقسام: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان ووجود في اللسان، ومنهم من يعبر عن هذا الثالث بقوله وجود في البنان والوجود والقياس يكون [علما وظنا*] فكأنه يقول لَا تكلم إلا بالعلم، ففيه دليل على [إعمال القياس*] لأنه إنما يفيد الظن لأنه قسمان قياس في الأمور الشرعيات، وهي ظنية، واتفقوا على أنه يفيد الظن، وقياس في العقليات بالجوامع الأربعة وهي العلة والدليل والشرط والحقيقة، فالعلة لتحقيق العالمية في الشاهد، إنما هو يعلم فكذلك في الغالب والدليل كالأثر في الشاهد يدل على مؤثر فكذلك في الغائب والشرط كالحياة هي في الشاهد شرط في وجود العلم فكذلك في الغائب والحقيقة كالإرادة فإنها في الشاهد عبارة عن التخصيص فكذلك في الغائب. ذكره التلمساني في المسألة الثالثة من الباب التاسع والمشهور عن المتقدمين أنه يفيد القطع وأما المتأخرون فأطبقوا على أنه إنما يفيد الظن لأنه قد تعرض بشبهة أو في شيء فيمدح فيه وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ابن عرفة: عموم الآية مخصوص بالمباح لأنه لَا يتناوله النهي. قوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ).

стр. 956

هذا مجاز أولا يسأل هؤلاء فإن قلت: هل يدل على أن العقل في القلب قلنا: قد تفرد في أصول الدين بأن العقل علوم ضرورية فلا يقال للقلب عاقل، وإنَّمَا العاقل صاحبه. قوله تعالى: (كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). قيل: إن اسم كان عائد على كل والمجرور نفسه عائد على ما من قوله ما ليس به علم، وقيل: إن اسم كان عائد على ضمير المخاطب بقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ) على الالتفاف والضمير في عنه عائد على كل. قوله تعالى: ﴿مَرَحًا ... (٣٧)﴾ حال، وقيل: مفعول من أجله، قال أبو حيان: ولا يظهر ابن عرفة لأن المرح إنما هو حالة الشيء وإذا جعلته مفعولا من أجله كان سابقا على الشيء غير مقارن له. ابن عرفة: فإن قلت: لم أفرد أمر الإشارة؟ قال: عادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى كل واحدة على انفرادها، فإفراده أبلغ في الذم فهو كلية لَا كل. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ... (٣٩)﴾ انظر هل [مِن*] للتبعيض [أو للبيان*] الحقيقي، والحكمة وضع الشيء في محله، وهل يشترط كونه أنسب من غيره، وإنما يشترط مناسبته فقط الظاهر الأول. قال الزمخشري: هذا [وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه*]، وقال ابن عطية: الإشارة بذلك إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآية أي هذه من الأفعال المحكمة التي [تقتضيها*] حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن [الأخلاق*] والحكمة قوانين المعاني المحكمة، والأفعال الفاصلة. قوله تعالى: (مَلُومًا مَدْحُورًا). إن قلت ما مناسبة اللوم هنا مع أن العذاب يكفي الذم مدحورا فمناسبة لأن معناه مدفوعا، وأما اللوم فلم قال؟ فالجواب: أنهم لما كذبوا بعد ظهور الدلائل الواضحة والمعجزات على يدي الرسل يعذبون على كفرهم ويلامون على ما لديهم ولا يقبل لهم معذرة. قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ ... (٤٠)﴾ كان بعضهم يقول هذه الآية دليل على أن ارتباط الدليل بالمدلول عقلي لَا عادي وفي المسألة أربعة أقوال، وأجيب بأن هؤلاء لم ينظروا النظر التام ابتدأ في المقدمتين

стр. 957

ولو استوفوا النظر لظهر لهم الحق واستحال كفرهم أو تقول إن بعضهم لم يستوف شرائط النظر. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ ... (٤١)﴾ قال بعضهم [في*] زائدة [ ... ] هذا القرآن لأنه كله مصرف، ورده ابن عرفة: بأنه إنما نسخ منه آية الأحكام، [**ونصا آية الأخبار والقصص والتوحيد فليس مصرفة] فصح أن التصريف إنما هو في بعضه وليس بعام فيه. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ ... (٤٢)﴾ قال ابن عطية: في دلالة التمانع أنهما إما أن يتفقا أو يختلفا، فإن اتفقا فيجوز اختلافهما. ابن عرفة: وأيضا فيقولون إنما إذا اجتمعا على إيجاد جوهر فهو حالة الإيجاد وإما مقدم لأحدهما فيلزم عجز الآخر له أو مقدر لها فيلزم عليه وجود مقدورين وقادرين، واجتماع اثنين على مؤثر واحد وهو محال، قال وعادتهم يوردون على هذه الآية. قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا). لأن هناك أكد الجواب بـ إذا واللام، وهنا أكده باللام فقط، وأجيب بوجهين الأول: إن البيانيين يقولون: إن كان المخاطب منكرا للخطاب أو في مادة المنكر فحينئذ يؤكد الخطاب وإلا فلا، وهذا كقولك زيد قائم، إن زيدا قائم، وإن زيدا القائم، والشرط هنا ذكر فيه أن هنا عائد موجود ومنكر فقيل (لو كان [معه*] آلِهَةٌ كما يقولون) فاحتيج إلى تأكيد الجواب بـ إذا واللام فقط، الجواب الثاني: لفظ الفساد هنا صريح بدليل أنه لم يختلف فيه وهنا هو الشرط غير صريح بدليل الاختلاف في تفسيره فقيل: معناه لابتغوا المناقضة، وقيل معناه لابتغوا الطاعة. ابن عرفة: وتفسيره بأن معناه لابتغوا الطاعة غير مناسب لأنهم مقرون بهذا لقولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى) وإنما اتخذوهم، قيل لابن عرفة: إن هذا لم يقع ابتغاء الآلهة إلى ذي العرش سبيلا؛ فقال: على هذا [بطلت*] الملازمة وأيضا، فقال ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في المسألة الثالثة من كتاب القياس: إنه إن كان المستثنى مثبتا فالأحسن أن يأتي بأن ويستثنى عين المقدم فيستثنى عين الثاني بحيث إن كان هذا إنسان فهو حيوان لكنه إنسان فهو حيوان وإن كان منفيا فالأحسن أن يأتي بلو ويستثني نقيض الثاني فينتج نقيض المقدم بحيث لو كان هذا إنسانا ليس إذن حيوانا لكنه ليس بحيوان فلا يكون إنسانا، فيلزم على هذا التفسير إن كان

стр. 958

يؤتي بإن عوض لو، فالظاهر أن المراد بقوله: (لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا) المناقضة والمعاهدة أي لناقضوه وعاهدوه. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ... (٤٥)﴾ ليس المراد إذا أردت أن تقرأ؛ لأنه إنما يجعل الحجاب بينه وبينهم إذا سمعوا قرآنه [فينسبون في أداته، قال: والقرآن اسم [جنس*] يصدق على القليل والكثير. (مستورا) إما أن المراد [ساترا*] وهو مفعول بمعنى فاعل فيكون مجازا، والظاهر أن الخطاب خاص به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن قلت: مفهومه أنه إذا لم يقرأ لم يحفظ منهم مع أنه معصوم من شيطان الإنس والجن مطلقا، قلنا: بل مفهومه أنه إذا لم يقرأ عصم منهم من باب آخر الآية إذا [ ... ] المنافي لهم الذي يكرهونه فهم حينئذ أشد حقا على إيذائه ومضرته. فإن قلت: هلا قال: جعلنا بينك وبين المشركين أو وبين الكافرين؟ فالجواب إن الآخرة إنما علمت بإخبار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكأنه يقول جعلنا بينك وبين الذين يكذبونك وتكذبهم له سبب في أذيتهم إياه فكذلك احتيج بلعل الجواب بينهم وبينه. قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً). أي على كل قلب منهم أكنة، والأكنة جمع قلة، والقلوب جمع كثرة، والقليل لا يقوم بالكثير إذا وزع عليه، فقوله على قلوبهم شبه الكلية لَا الكل، وقوله أكنة شبة الكل لا الكلية فجعل على كل قلب باعتبار تتبع أفراد القلوب مجمع الأكنة. قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ... (٤٧)﴾ قال ابن عطية: إذ متعلقة بـ (يستمعون). قال ابن عرفة: يلزم عليه تحصيل الحاصل لأن المعنى يسمعون وقت استماعهم إليك، وقال الزمخشري: إذ يستمعون نصب بـ (أعلم) فالمعنى نحن في وقت استماعهم أعلم بما يستمعون. قال ابن عرفة لابن هشام [شارح*] الإيضاح قال في قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) أنه لَا يصح أن يعمل أفعل من في الظرف لأنها قوي فيها جانب الأدعية وقيل: يجوز ذلك.

стр. 959

قال ابن عرفة وهل يصح الاشتراك بين الغائب والشاهد في مطلق العلم قالوا: أما النافون للحال فيمنعون الاشتراك، وأما القابلون بالأحوال فيقولون: يشتركان في العلم لكن يخص أحدهما بعالمية قامت به والآخر بعلمية قامت به كما أن بياض الثوب وبياض الإنسان يشتركان في مطلق البياض ويختصان بالبياضية، وهي الحال وما به الشركة غيرها حد الاختيار، وكذلك يشترك البياض والبياضية في مطلق اللون، قيل لابن عرفة: ظهر اختلافهما في العلم النظري وهل يتفق الشاهد والغائب في العلم الفردي؟ فقال: لَا بدليل أنه قد تعرض له التشكيك. قوله تعالى: (وَإِذْ هُم نَجْوَى). في وقت تناجيهم، ونجوى مصدر فهو كقولك رجل عدل. قوله تعالى: (إِلَّا رَجُلا مَسْحُورًا). فسره ابن عطية: بوجهين: أحدهما: أنه اسم مفعول من السحر، [والثاني: أنه [ذو سحر*] وهي [الرية أي رجلا ذات رية*] أي بشر مثلكم. قلت: ومنه قول عائشة ﵂، وكرم وجه أبيها وجدها: توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين سحري [ونحري*]. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ قال ابن عرفة: هذا الكل ومنهم للبعض، وهو عندنا جائز عقلا واجب وقوعه شرعا وعند المعتزلة يجب وقوعه عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح والعقليين عندهم وصل العام للأجسام إيجاد عن عدم أو جمع بعد تفريق فيهما قولان وأما الأرواح فمذهب أهل السنة أنها تفنى وإعادتها بمعنى خلقها في أجسامها قال ابن عرفة: وكان بعضهم يستشكل فهم الآية لأن الاستفهام الدليل على الجملتين إما أن يكون بمعنى الثبوث أو بمعنى النفي فإن كان بمعنى الثبوت لزم إقرارهم بالبعث والغرض عدمه، وإن كان بمعنى النفي لزم عليه أن يكونوا أنكروا الملازمة، وهو ملزومية الفناء للإعادة ولا يصح هذا إلا لو كان الاستفهام داخل على أول الجملة الشرطية فقط مع أنه دخل على الجملة الأولى منها والثانية والاستفهام الداخل على الثانية في معنى النفي وقد دخل النفي على الأول فيكون نفيا دخل على نفي فيصير ثبوتا، والمراد نفي لزومية الشرط للجزاء، والثاني: نفي للإعادة فهما متغايران ومن شرط التأكيد اتفاق معنى الجملتين وأجيب بأن الثاني إنكار للإعادة مطلقا، والأول

стр. 960

إنكار للإعادة بعد الفناء، فالثاني أعم فيكون من تأكيد نفي الأخص بنفي الأعم كما يقول ليس في هذه الدار إنسان ثم نقول بأن فيها حيوانا، فهو تأكيد للأول. قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً ... (٥٠)﴾ قال ابن عطية: صيغة افعل للتعجيز، وقال الطيبي: للخيرة، وقال ابن التلمساني: التعجيز بقوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ). قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... (٥٣)﴾ فأورد عليه أنه يلزم عليه اللف في الخبر لأن بعضهم لم يمثل هذا الأمر وأجيب بوجهين: إما بأن العباد خاص بالمؤمنين كقوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيْهِم سُلْطَانٌ) وإمَّا بأنه عام مخصوص، وقال المبرد: تقديره قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ويرد عليه ما أورده أبو حيان في قوله تعالى: (قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) وهو أن يكون الجواب عين الشرط وأجيب بأن يكون جوابا للأمر، وهو قل لأنه جواب لقوله: (يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) والتي هي أحسن كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله، وقيل: إنها الخطاب اللين أي [لا يخاشنوهم*]؛ كقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وفسرها بقوله: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ) أي لَا تقولوا إنكم من [أهل النَّار*] ولكن خاطبوهم خطابا لينا لئلا يغيظهم ذلك، ورده ابن عرفة بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ*] ". فصح أنها الكلمة التي هي أحسن. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ... (٥٤)﴾ إن قلت: هلا عطفه بالواو؛ لأن الرحمة والعذاب صالحان لكل واحد منهما و (أو) يقتضي صلاحية الرحمة لفريق، والعذاب لفريق؛ لأنها [للتفصيل*] [فهي حجة لمذهب المعتزلة*]، والجواب أن الرحمة عند المعتزلة أمر عقلي، ونحن نقول هو أمر شرعي، فوعد الشرع بتعذيب العاصي وتنعيم الطائع. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ... (٥٥)﴾ قال هذه أخص من قوله تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فإن تفضيل الأعم يستلزم تفضيل الأخص على الأخص ولا ينعكس. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... (٥٩)﴾

стр. 961

قال ابن عطية: هذا من إقامة السبب مقام مسببه، وذلك أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسأل لهم الله تعالى في أن يحول جبال مكة ذهبا وفضة أو ينسفها من أصل ويبقي مواضعها مستوية مسطحة ينتفعون بها في الحرب والزراعة فأخبره الله تعالى بأنه إجزاء للعبادة في أن الآيات المقترحة إذا فعلها النبي وكذب بها الكفار فإنهم يعالجون بالعقوبة وهؤلاء قومك متبعون لَا بأبيهم وآبائهم قد كذبوا بعد ظهور الآيات المقترحة وعوجلوا بالعقوبة فإن أظهرنا لهم الآيات التي طلبوا يكذبون بها فنعاجلهم بالعقوبة فخيره الله تعالى بين إظهار الآيات لهم ثم عقوبتهم عند التكذيب بها وبين عدم إظهارها وبقائهم ليؤمن بعضهم ويخرج من قلب الآخرين من يوحد الله فاختار البقاء مكانه يقول ما منعنا من إظهار الآية إلا إهلاك الأولين لتلقيهم لها بالتكذيب. وهم لَا يتبعون لها فإن أظهرناها كذبوا فنهلكهم. قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ). لأنها خرجت من الصخرة. قوله تعالى: (مُبْصِرَةً). هذا مجاز لأنها لَا تبصر بل تصير غيرها يبصر لأنه يؤمن بها. قوله تعالى: (فَظَلَمُوا بِهَا). أي فيها بتكذيبهم. قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا). المراد هنا المعجزات وهي الآيات غير المقترحة وذلك كانشقاق القمر وتكلم البعير ونحوه معناه نرسل بها تخويفا للكفار كي يؤمنوا وأما الآيات المقترحة فإنما نرسل بها تعذيبا. قوله تعالى: ﴿الرُّؤْيَا ... (٦٠)﴾ قيل إنها [رؤيا منام*] والصحيح أنها بصرية (إِلَّا فِتْنَةً) هي [الاختبار*] ويتوهم الناس أنها فساد، وهي مصلحة، وكذلك قال ابن يونس في كتاب الجهاد تكره الفتنة [ ... ]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ... (٦١)﴾

стр. 962

اختلفوا في التفسير والصحيح أنه ليس من الملائكة وكان بعضهم من إطلاق هذا الخلاف، ويقول إنه يستلزم مفسدة كثيرة فإن مذهب أهل السنة أن الملائكة معصومون من المعاصي والمخالفات. فإن قلت: فلم استثنى [إبليس*] منهم فالجواب أنه لما كان ملازما لهم [وأُمروا هم*] بالسجود دخل هو في الأمر من باب أحرى؛ لأنه إذا أمر الأعلى بالسجود فأحرى مَن دونه. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ ... (٦٢)﴾ إن قلت لم كرر (قال) مع أن المتقدم من كلامه وهو قوله: (قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) فالجواب أن ابن مالك قال [**نكرر القول للنظرية إذا طال الإخبار] ومنه تكرار المؤلفين الألفاظ في العقود، وأما هنا فلم يطل الكلام لكن إنما كرره على سبيل التشنيع عليه، والتنفير من [مقالته*] وإنه هو الذي قال ذلك [ونص عليه*]. قوله تعالى: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). المراد به هنا يوم موت جميع الخلائق لَا يوم بعثهم لأن من مات فقد قامت قيامته وإبليس لَا يؤخر إلا إلى ذلك اليوم، وأما يوم البعث فلا يتصور ولا يعقل تأخيره إليه؛ لأن كل من يكون فيه حيا، فإنه لا يموت أبدا، فلو حملوا تأخيره إلى ذلك اليوم لما تصور موته بوجه، ويحتمل أن يريد يوم قيامته هو بناء على القول بأنه مات يوم أحد، قلت: لكن ما يكون فيه فائدة إذ لَا يصح أن يقول لكن أخرتني إلى وقت موتي. قوله تعالى: (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا). قال ابن مالك: لَا يجوز استثناء المجهول فلا يقال قام القوم إلا رجالا. ابن عرفة: والمستثنى هنا وإن كان بكثرة فهو معلوم بالصفة فكأنه يقول إلا ذريته. ابن عرفة: استدل بعضهم على عدم قبول شهادة العدل على ذرية عدوه؛ لأنه ثبت قليلاً. بهذه الآية أن العداوة بين الشخصين سر البغض بين أحدهما وبين ذرية الآخر لأنه لما أمر إبليس بالسجود لآدم واضح ورأى أنه أكبر عداوة منه فأذاه وحده من أجل ذلك فانتشرت عداوته على ذريته. قوله تعالى: ﴿بِصَوْتِكَ ... (٦٤)﴾ المراد به صوت بني آدم، فهو إقامة السبب مقام المسبب، وأما صوت إبليس فلا يصح؛ لأنها لَا تسمعها الأذن، والصوت مسموع بلا شك.

стр. 963

قوله تعالى: (بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ). قيل الخيل والرجل هم بنو آدم، والمراد بالخيل رُكَّابها فهو من التعبير عن الشيء بلازمه، كما قيل: يا خيل الله اركبي، والخيل مركوبة لَا راكبة. قوله تعالى: (وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ). يحتمل أن يراد بالأموال قتل الولد خشية الفقر بسببه وبالأولاد وقتلهم خشية المشاركة في المنزلة كقتل السلطان أولاده، وقيل: المراد بالأموال والأولاد ما ورد في حديث الأمر بالتسمية عند الأكل وعند الجماع فإن الشيطان يسبقه إليهما وإن لم يسم فيأكل معه ويجامع معه. قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ... (٨٠)﴾ قال ابن عرفة: ذكروا في التفسير على أنه جرى خمسة أوجه: إما أدخلني المدينة حين الهجرة وأخرجني من مكة، وإما أدخلني مكة دخول الفتح وأخرجني منها خروج الهجرة، وإما أدخلني القبر وأخرجني منه، وإما أدخلني الغار وأخرجني منه، وإما إدخاله في أمر تبليغ الشرع وإخراجه منه بعد التوفية بأول ما كلف به، وإما أن ذلك كلي أي أدخلني في أعباء النبوة وأمور التكاليف مدخل صدق وأخرجني منها مخرج صدق وعادتهم يستدلون بهذا على ابن التلمساني في قوله في حد الخبر هو إن احتمل الصدق والكذب أنه استعمل الأخص في حد الأعم فإن الصدق أخص من الخير وأجابوا بأن الصدق أهم لكونه يشمل الأقوال والأفعال والخير خاص بالأقوال بدليل هذه الآية فالصدق فيها في الأفعال ورده بعض الطلبة بأن الطيبي نقل هنا عن أئمة اللغة الزمخشري وغيره أن معنى الآية أدخلني مدخلا حسنا فيكون الصدق لفظا مشتركا فقال ابن عرفة: فكونه المقدر المشترك أولى من جعله مشتركا حسبما قال ابن التلمساني: إذا تعارض الاشتراك والتواطؤ أولى. قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ... (٨٢)﴾ قال ابن عطية من إما لابتداء الغاية أو لبيان الجنس ولا يصح أن يكون للتبعيض لأن مفهومه أن بعض القرآن ليس شفاء مع أنه كله شفاء. قال ابن عرفة: كانوا يجيبون عن هذا بأن المفهوم بالنسبة إلى مجموع الأوصاف فبعضه شفاء ورحمة للمؤمنين وخسارة للكافرين وبعضه شفاء ورحمة فقط. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ... (٨٣)﴾

стр. 964

ابن عرفة: أعرض بقلبه ونأى بجانبه أي ببدنه، وهو أولى من جعلهما بمعنى واحد لأن التأسيس أولى من التأكيد. قال: وجاء هذا على سبيل التأدب مع الله تعالى في نسبة الخير إليه وعدم نسبة الشر إليه، فقال الفقهاء ولم يقل إذا [مسسناه*] بالشر فإن قلت: هلا قيل: وإذا أنعمنا على الإنسان كان معرضا كما قيل (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) فالجواب أنه لما كان الإعراض ملازما للإنعام في الأكثر باعتبار الوجود الخارجي لم يحتج إلى المبالغة فيه والنفي في التعبير عنه بمطلق العبارات، ولما كان الإعراض بين في النَّاس عند من أكثر لهم الإنعام أقل وقوعا [احتيج*] إلى التعبير عنه بأبلغ العبارات، وقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ... (٨٥) .. قال ابن عرفة: وقع السؤال في القرآن تارة بعن مثل، (ويسألونك عن الجبال)، وتارة بماذا كقوله (يسألونك ماذا يتفقون) فقال: والجواب أنه إن أريد تشريف السائل والاعتبار به يؤتي بكلامه على سبيل الحكاية مثل (ويسألونك ماذا ينفقون) وإن أريد الإعراض عنه وعدم المبادلات به يؤتي بكلامه على سبيل الاعتبار به فيخبر عنه بعن المقتضية للمجاوزة والبعد فإِن قلت تصنيع في قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ) مع أن السائل هم الصحابة فالجواب أنهم لم يسألوا عن أمر مهم بل سألوا عن شيء لَا خبرة به. قال ابن عرفة: وذكر ابن الخطيب في الروح في الأربعين أربعين قولا وذكر فيه ابن رشد في كتاب المرتبة العليا في تعبير الرؤيا بآيتين هؤلاء الحكماء وغيرهم، ونقل نحوهم عن [**ابن حَيْدَرَةَ] وحكى المازري عن الشيخ أبي الحسن الأشعري في الروح: أنه النفس الداخل والخارج. ابن عرفة: وليس بصحيح لأنا نجد في الحيوان ما لَا يتنفس وهو الحوت لأنه في الماء وأجزاء الماء متراصة لَا يدخلها هواء والتنفس إنما يحدث الهواء البارد [ ... ] به النفس وسكن حرارتها، قال المازري: وبعض النَّاس يرى أنه جسم لطيف خلقه الله تعالى، وإجراء العادة أن الحيوان لَا يكون مع فقده. ابن عرفة: أراد أن وجود الحياة عند ممازجة الروح للبدن أمر عادي وليست الروح بموجبة للحياة ولا ملازمة لها كملازمة العالمية والقدرية لمن قائم به العلم والقدرة وإنما ذلك في خلق الله تعالى لأن العلم والقدرة صفتان يوجبان لمن قامتا به حصول بدل لهما بخارج الروح على هذا التأويل قلنا جسم أو قالا الجسم لَا يوجب له شيئا

стр. 965

لأن كل واحد منها في حين فحدوث صفة تقوم بهما عند مقارنتها في الوجود إنما هو أمر عادي خلق الله تعالى لَا أن أحدهما أوجب ذلك الأمر. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ... (٨٦)﴾ هنا دليل على أن الأعراض ما يبقى [زمنين*] وإلا فإن يقول لنذهبن بمثل الذي أوحينا إليك قلنا لابن عرفة المراد بالذهاب منعه من استمداده بعد إعدامه بأعراض أُخر؛ لأن العلم عرض من الأعراض أو هو صفة وليس بذات وقل معه عرض، قال: وعدم العصمة في حق الأشياء ممكن عقلا [ ... ] فصار ذلك كالأمر الضروري فمن حمله قال: وليس شيئا [ ... ] ممكن عقلا فلذلك علق به المسألة. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ... (٨٨)﴾ قال ابن عرفة عن بعض الشيوخ يقول الإنس علمت منهم بفصاحة؛ لأنهم عرب والجن فلم يعهد معهم شعر ولا فصاحة، فلا يتوهم معذور المعارضة منهم للقرآن، قال وكنا نحن نجيبه بوجهين الأول: أن الجن عهد منهم على ما يزعمون الاطلاع على بعض المغيبات [والقرآن*] يشتمل على [الإخبار*] بالغيوب فلو اجتمع الجن الذين [يجيئون*] ببعض الغيوب والإنس ليغيروه عن معانيه بألسنتهم لما أتوا بمثله، فوجه الجواب الثاني: أن من عادة العرب أنهم ينسبون الإعراب للجن، فصار [ ... ] ينسبون للجن فقال المقري: قد كان أرباب الفصاحة كلما رأوا عجبا عدوه من صفة الجن فلذلك قال: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) [نقل ابن عطية*] كمًّا في فصاحة العرب ومعارضة القرآن كلاما طويلا، ثم قال: وقد اختلف النَّاس في هذا الموضع فقيل: دعوا إلى السورة المماثلة في النظم والغيوب وغير ذلك من الأوصاف، وكان ذلك من [تكليف ما لَا يطاق*]. [فلما عسر عليهم خفق بالدعوة إلى المفتريات*]، وقيل غير هذا. قال ابن عرفة: هذا غلط من ابن عطية، وليس هذا من تكليف ما لَا يطاق إنما هو تعجيز لَا تكليف لأن التكليف بما لَا يطاق إنما هو أمر شرعي يثاب على فعله، ومعاقب على تركه، وأما التحدي بهذا فإنما هو تعجيزي، لَا تكليفي؛ لقوله تعالى: (قُل كُونُوا حِجَارَةً أَو حَدِيدًا) ولذلك غلط الشاطبي في قوله [ما لَا يطاق هو تكليف*] بعجزه والإفضاء له قد أوضح العذر في الإخبار بالغيب وإن كان مما لَا يطاق، وإنَّمَا هو تعجيزهم.

стр. 966

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ... (٨٩)﴾ والتصريف هو الإتيان بأفراد أمر على شيء تعدى، وليس هو تكرار الشيء، والقرآن مشتمل على الأدلة الكلية والحقة والمتوسطة، وهذا كما بين للطالب فلا يفهمها فيأتيه بعبارة أخرى أو بدليل آخر أوضح من الأول وكذلك القرآن تارة يكرر فيه القصص، وتارة [يعبَّر*] عنها بألفاظ أُخر وأدلة أُخر، قال: وأخذوا من هذه الآية مطلبين: الأول: [**الرد على الجاحظ لأنه أنكر وقوع المذهب لكلام في القرآن وألا يقدر له على اشتماله على البرهان والخطابة]، الثاني: وقوع القياس فيه لقوله تعالى: (مِنْ كُل مَثَلٍ) ولا معنى للقياس إذا جعل المثل على مثله، وفي هذه الآية من أنواع [**جر اليد مع الاتباع]، وهو الإتيان بما يحتاج إليه كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) وكذلك إن القرآن يشتمل على [كل*] دليل معجز على سبيل الرد على الكفار في قولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا) فطلبوا الإتيان بالمعجزة، وهو قد أقر بها. قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ... (٩٠)﴾ قيل لابن عرفة؛ هذه حكاية لمعنى [كلامهم*]؛ لأنه [بفعلهم*] إذ لو كان هو عين لفظهم لما كان معجزا، فقال ابن عرفة: بل يصح أن يكون عين لفظهم ويكون الإعجاز وقع تكليفه ولعله في محله كما نجد بعض الخطباء يذكر في خطبته أحاديث ويذكرها الآخر بعينها ويجري في كلام أحدهما من العذوبة ما ليس في كلام الآخر، وما ذاك إلا أن الأول أتاها مرتبة في محلها، وإن كان اللفظ واحدا، فالإعجاز بالنظم والكيفية لَا بنفس اللفظ. قال بعض الطلبة: يحتمل أن حال هذا هو نفس لفظهم لكن الإعجاز إنما وقع بالسورة ثلاث آيات لقوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) وهذا كلام كثير يشتمل على آيات جملة فيكون أحدهم تكلم بشيء والآخر تكلم بشيء، وكذا قال المفسرون إن عبد الله بن أمية قال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه ثم تأتي معك منشور معه أربعة من الملائكة تشهد لك إنك حق. قوله تعالى: (حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا). ولم يقل في الأرض إشارة إلى أن الينبوع يكون مشاهد للناس [احتراز*] من أن يعجزه ولا يرده. قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي ... (٩٣)﴾

стр. 967

مع أن المناسب أن تقول: قل الأمر لله يفعل ما يشاء فأجيب بأن التسبيح إشارة لقوله: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا) فإنه يقتضي [التجسيم*]، وهو على الله محال، وقوله: (هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) والباء في [ ... ]. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى ... (٩٤)﴾ قال ابن عرفة: المنع هو الصرف عن الفعل ما كان حاصلا، وفي مادة المحرك، قال ابن عطية: هذه الآية توجه للمشركين وتلفظ من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليهم. ابن عرفة: ويحتمل أن تسلية له ونفروه بأفعالهم إليهم من البشر مع أن الرسل المتقدمة فلهم من البشر فإذا لم يؤمنوا بهذا فيلزمهم أن يؤمنوا بكل رسول تقدم [فتكذيبهم*] له تكذيب لجميع من سبق من الرسل [فلا يسوؤك*] أمرهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾ [أي: خلقه من جنسهم فلو كان*] في الأرض ملائكة لأرسل إليهم ملكا كذلك البشر يرسل إليهم من جنسهم، وقياس المساواة هو الحكم بمساواة أمر إلى أمر في شيء لاستوائهما في شيء آخر، كقولهم في كتاب الجهاد جزاء الصغير في الصيد والطير كجزاء الكبير كما أن دية الجزاء للصغير كدية الجزاء للكبير، وقولهم في كتاب الصلاة أيصح في الأمة [أن*] تصلي [مكشوفة*] اليدين وتعتق في الصلاة أنها [تصلي*] في الوقت قياسا على [فاقد الماء*] في رحله فأتى كما [**قول فيه أنه بعيد جدا لكن فردوه] بأن الحجة على مساواة حكم النسيان في الماء للعمد في الإعادة فليكن كذلك حكم النسيان في الآية مساويا للعمد فينتج هنا الإعادة في الوقت، وهنا الإعادة أبدا. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾ قال ابن عرفة: خبيرا أخص من عليم وبصيرا مغايرا لذا فيلزم أن يكون مغايرا لعليم مغايرة الأخص لَا يلزم أن يغاير الأعم فقد يكونا صفتين متباينتين والجملتين تحت الأعم، فقال: هذا في صفة البشر، وأما في هذا المقام فخبير مثل عليم كما غاير عليم. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ ... (٩٧)﴾ جمع الضالين وأفرد المهتدين لكثرة الضالين وقله المهتدين.

стр. 968

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ... (٩٩)﴾ دلت الآية على إثبات صفة القدرة والإرادة لله تعالى فقوله: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لَا رَيْبَ فِيهِ) فالتخصيص دليل الإرادة، قال: وذكر الأصوليون الدليل على إثبات الصانع إما بالإمكان أو بالحدوث، وكان بعضهم يقول الآية دالة على صحة الاستدلال على إثبات الصانع بالحدوث كقوله تعالى: (قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم) قال وهذا دليل برهاني فيه قيل لابن عرفة لَا يحتاج فيه إلى مقدمة ولا إلى حجة لأنهم يوافقون على قدرته على إيجاد الخلق من عدم، وإنَّمَا خالف الحكماء وغيرهم في صحة إعادة معدوم، والآية إنما دلت على قدرته على خلق مثلهم لَا على إعادتهم فقال: وجه البرهان فيها أنه إذا قدر على خلق مثلهم خلقا ابتدائيا فليكن قادر على إعادتهم من باب [أحرى*]. قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ). قيل: إنه الموت، وقيل: إنه القيامة. قال ابن عرفة: الأول أظهر لأنهم ينكرون البعث ولا يقرون به فكيف يقدر عليهم بشيء يخالفونه فلا يصح هذا إلا على تنزيل الأمر النظري منزلة الضروري. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي ... (١٠٠)﴾ قالوا [لولَا يليها إلا الفعل ظاهرا وقد*] يكون مضمرا، لكنه قليل لقولهم لو ذات سوار لطمتني"، وكقول أبي جهل [**لو عز إنكار قتلتني]. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول حكمة ذلك أنها شرط، والشرط إنما يتعلق بالأمور العارضة للذات لَا بنفس الذات فالأمور العارضة للذات هى أفعال ومهما كانت فيها غرابة، وكان المراد نفس الذات وليها اسم لَا وكذلك هما؛ لأنه ليس المراد مطلق الملك وإنما المراد ملكهم الخاص وكذلك ليس المراد مطلق اللطم؛ وإنَّمَا المراد وقوعه في ذات السوار وكذلك ليس المراد مطلق القتل إنما المراد وقوعه من غير إنكار، فإن قلت المراد ما فائدة إدخال قلنا؟ فائدتها ملازمة الشرط للجزاء. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ... (١٠١)﴾

стр. 969

قال ابن عرفة: أخذوا من الآية جواز [توارد*] الأدلة على مدلول واحد، وهي صلة خلاف بين الأصوليين، أجيب بأن ذلك الخلاف حيث يكون الخطاب لرجل واحد، والمخاطبون هنا جماعة فيخاطب بعضهم بالبرهان، وبعضهم بالجدال، وبعضهم بالخطاب، فتكون الأدلة على سبيل التوزيع، قيل لابن عرفة: كيف عدم من الآيات الحجر مع إنها إنما كانت بعد موت فرعون في قضية البينة مع بني إسرائيل لقوله تعالى في سورة النمل: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ)، فالتسع آيات كلها له مع فرعون، فقال ابن عرفة: هو على التوزيع لعل أن المراد إن البعض لفرعون والبعض لقومه قبل هذا (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) أي لَا يملكون زواله من أصل ولا تحويله من وقت كمن به الحمى، فتارة يدعونه فترتفع عنه، وتارة تنتقل من وقت إلى وقت، وليس المراد بالتحويل ارتفاعه جملة، وإلا كان يكون تكرارا لغير فائدة. * * *

стр. 970

سُورَةُ الْكَهْفِ قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ... (١)﴾ قال الزمخشري: هذا تعليم للأمة كيف يحمدونه على نعمائه، وقال ابن عطية: لما [عانده*] الكفار، وأنزل الكتاب عليه للجزاء لهم، أمر بأن [يحمد الله*] على ذلك (١)، وفيه سؤالان: الأول: هلا قيل لَا عوج له، فهو أخص من قوله (ولم يجعل له عوجا)؟، الثاني: هلا [قيل*]: ولم يجعل فيه عوجا، فهو أبلغ؟ وأجيب عن الأول بأن الجعل أسند إلى الله تعالى فلا فرق بين كون العوج منفيا عنه لذاته أو باعتبار الجعل؛ لأن الكل مسند إليه لأنه كلامه؟ وأجيب عن الثاني بأن فيه أخص من له ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ولا ينعكس. قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا ... (٢)﴾ .. جعله الزمخشري تأكيدا، وأجاب ابن عرفة بأنه تأسيس، قال: لأن إقليدس فسر المستقيم بأنه أقرب خط بين نقطتين أو الخط المتوازي بين نقطتين وأن الموجودات أولها النقطة ثم الخط ثم السطح ثم الجسم ثم الدائرة فلا شك أن الجسم والخط يصدق عليه الاعوجاج والاستقامة، وأما النقطة فما يصدق عليها إنها معوجة ولا إنها مستقيمة، وكلام الزمخشري يقتضي أنه كلما انتفى الاعوجاج ثبتت الاستقامة، وليس كذلك بل ينتفي الاعوجاج ولا يثبت الاستقامة ما قلناه في النقطة قيل له إنها على طرفي النقيض وإنما يصح ما قاله فيما هو قائل لها بحيث إذا انتفى أحدهما عنه ثبت له الآخر بدليل أن الغرض لَا يقال له إنه متحرك ولا ساكن، والحركة والسكون نقيضان فقال ما نزعناه في قوله كلما انتفى الاعوجاج تثبت الاستقامة قيل له: وهذا معنى من المعاني فليس يقابل لهما. قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ ... (٦)﴾ تقرئ (نفسك) بالفتح والكسر (٢)، وكان بعضهم يقول الفرق بين قولك زيد ضارب [عمروا*] [وبين قولك زيد ضارب عمرو، أنك*] إن أردت الإخبار عن مجرد ضربه عمرو نصبت وإن أردت الإخبار عن خصيصه بضرب عمرو وخصصت لأن من أنواع الإضافة التخصيص. قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ ... (١١)﴾ الفاء للسبب ولا يصح أن تكون عاطفة على (فقالوا) لأنها تشترك في الإعراب والمعنى وهذا ليس من قولهم.

стр. 971

قوله تعالى: (سِنِينَ عَدَدًا). قال الزمخشري: يحتمل القلة والكثرة. ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح حمله على الكثرة بوجهين: الأول: قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا)، الثاني: إن عرف القرآن واللغة في اللفظ معدودة أي معدودات القلة وفي لفظ عدد الكثرة، قال تعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)، (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، وقال تعالى: (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ بالتوفيق بوحدانيته والتثبيت، وقال ابن عرفة: يحتمل أن يراد آمنوا بوجود الله وزدناهم هدى بالإيمان بوحدانيته أو آمنوا بوجود الله إيمانا مستلزما لوحدانيته تعالى وزدناهم هدى بالعثور على الدليل الدال على وحدانيته. قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ ... (١٤)﴾ أي ربطنا الإيمان على قلوبهم فهو إشارة إلى أنه إيمان قوي لَا يؤثر فيه الشكوك ولا يعرض له وهن ولا يدركه خلل بوجه بل هم مصممون عليه كما تربط الحمل على الدابة حتى توقعه من عليها. قوله تعالى: (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). راجع للإيمان بوجود الله تعالى. قوله تعالى: (لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا). راجع للإيمان بوجود الله تعالى فهو لف ونشر. قوله تعالى: (لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا). أي قولا وشططا، وهو الإفراط في الظلم والإبعاد منه من شيط إذا بعد قاله الزمخشري. ابن عرفة: قال الجوهري: يقال شط إذا بعد ورجل شاط أي طويل وغمر أو شاطة أي طويلة، وقال ابن عبيد: يقال شط إذا قال قولا بعيدا خارجا عن الصواب فيحتمل أن يكون المراد لقد قلنا قولا غريبا في عبادتنا الله حيث انفرادنا بها سائر بلدنا. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾

стр. 972

الفاء للسبب أي بسبب هذه المقالة لَا أظلم منه. قال: والجمع بينه وبين قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) أنه ينتج تساويهما في الظلم قال: ومن أفتى في قتله غير مستند لدليل ولا إلى نقل صحيح فهو مفترٍ على الله الكذب؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى؛ فإن قلت: هلا قيل: ولي له فهو أبلغ فالجواب إن نفي الوجدان يستلزم البحث عن الولي وعدم وجوده وهو إنكار أشق من عدمه. قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ... (١٨)﴾ فإن بعضهم يقول عرف القرآن أن الرقاد أشد من النوم، قال تعالى: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ) وقال: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا). قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ). هذه الآية خرج فيها الأمر الخارق للعادة بالأمر العادي لأن حياتهم ثلاثمائة عام وتسعة أعوام بلا أكل ولا شرب أمر خارق للعادة وتقلبهم يمينا وشمالا أمر عادي، قال: وقعت مسألة في مسلمين ومشركين فضرب مسلم رجلا فقتله، وقال: إنما هو كافر فشهدت عليه بينة أنه قصد إلى ضرب رجل هو مسلم وكانت البينة أو ماتوا فهل للقاتل في الحال تعلق بالحال وارتباط بها أم لَا؟ فهل يقال إن شهادتهم بقصده إلى ضربه وهو مسلم يستلزم شعوره بأنه مسلم فيلزمه القصاص أم لَا يستلزم ذلك، وإنما هو خطأ وفي المسألة قولان، وكان بعضهم يستدل عند الآية على أنه لَا تعلق له به ولا يستلزمه لأن حسابهم أيقاظ لَا يستلزم حسابهم رقود بل هم في نفس الأمر رقود والناظر إليهم يعتقد إنهم أيقاظ. قوله تعالى: (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا). ابن عرفة: عادتهم يوردون فيها أن الرعب والخوف منهم يسبب في الفرار عنهم فهلا قدم عليه، وعادتهم يجيبون بإنه إشارة لشدة الخوف منهم؛ لأن الهارب منهم مهما بعد عنهم أطمأنت نفسه وأمن من خوفه، وهو الهارب منهم لَا يزال مرعوبا فالرعب منهم سابق على القرب ومتأخر عنه فهو أشد في الخوف.

стр. 973

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ... (١٩)﴾ .. من نومهم فبعثهم في الغرابة شبيه بنومهم، وهذا من رشح المجاز لأن البعث إنما هو من الموت لَا من النوم فشبه بالقيام من النوم. قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ). ولم يقل أحدهم إشارة إلى قائل تحرير عارف بطريق السؤال والاستدلال كما يقول تاج الدين، والفخر: ولقائل أن يقول كذا إذا كان السؤال قويا يفسر الجواب عنه. قوله تعالى: (كَمْ لَبِثْتُمْ). ولم يقل كم رقدتم؛ لأن الرقاد يقتضي الاستغراق في النوم، والمستغرق لَا يدري ما حل به ولا يعرف ما يحدث فعبر باللبث الذي هو أعم من اليقظة والرقاد ليحسن سؤاله له ونظيره قولك سألت زيدا اللغوي ما هو العرفج؟ فقال: أحسن من قولك سألت زيداً ما هو العرفج؟ قوله تعالى: (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). وقال تعالى في سورة طه: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا) فكان بعضهم يورد هنالك سؤالا وهو أن الأمثل طريقة إنما يقول لبثتم شهرا أو عاما قال: (كَمْ لَبِثْتُمْ) فقول من أخبره بلبثه شهرا أصوب من قول من أخبره بلبثه يوما، قال: وأجيب بأن حال الدنيا بالنسبة إلى حال الآخرة [كالعدم*] فكان الأنسب قول من قال: لبثت يوما. قوله تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ). قالوا هذا المخاطب على المتكلم والأصوب إن كان يقول ربنا أعلم بما لبثنا فالجواب أن يكون كل واحد منهم قال لأصحابه ربكم أعلم بما لبثتم فجمعت أقواله وخلط بعضها ببعض لأنه جمع لضميرهم تغليبا للمخاطب على الغائب بل جمع لأقوالهم. قوله تعالى: (بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ). قال ابن عطية فكانت دراهم على قدر [أخفاف الربع*] أي الجمل. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ... (٢٠)﴾ .. معناه أي يطلعوا عليكم ويتحققوا ذواتكم يرجموكم.

стр. 974

قال ابن عرفة: انظر هذا الكلام في نفسه صدق أو كذب قال: هذا عندي جار على ما قالوه في كتاب النكاح فيمن رأى امرأة في الطريق فقال هذه طالق فكان ظانا أنها زوجته فتبين أنها أجنبية عنه، فقيل: يلزم الطلاق اعتبارا بنيته، وقيل: لَا يلزم اعتبارا بما في نفس الأمر، وكذلك مسألة من قال: يا ناصح فأجاب مرزوق فقال له: أنت حر فعلى القول الأول يلزم الطلاق له يكون هذا الكلام صدقا؛ لأنهم اعتقدوا أنهم كفار لعلمهم أن الملك الكافر لم يزل جبارا على القول باعتبار ما في نفس الأمر يكون هذا الكلام كذبا، قال: ويؤخذ منه أن بين أوصى رجلا بوصية فإنه يقتضي له أن يذكر له من الأوصاف ما يجعله به على امتثال ما أوصاه به ولاسيما أن هذه الأوصاف فيها ما يرجع إلى ذات الموصى. قوله تعالى: (أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ). إن قلت: لما قدره على التحفظ منهم بأن يكفروا في الظاهر ويؤمنوا في الباطن؟ قلنا: التحفظ منهم من الكفر في الظاهر [تنزيها لذواتهم عن الكفر ظاهرا أو باطناً*]. وقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ... (٢١) .. قال ابن عرفة: كان بعضهم يرد على إمام الحرمين في قوله في حد النظر إنه هو الذي يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه [يدل*] الدليل فإن العثور عليه يكون اتفاقيا من غير قصد تقول عثر زيد على كذا إذا أصابه من غير قصد إليه فمعنى الآية، وكذلك جعلنا ناس عاثرين عليهم من العاثر لأنه يعثر على الشيء من غير قصد. قوله تعالى: (لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ). الوعد على حقيقته [وهو في الكتب السالفة*] فمجرد الإخبار به كاف في أنه حق، فلا حاجة إلى ذكر ما يحققه، وإن كان المراد بالوعد الإلهام بمعنى [أُلهموا ذلك*] أو خطر ببالهم، فأطلع الله تعالى على ما تحقق لهم ما حصل في اعتقادهم، وقد وقع الوعد في القرآن بمعنى الإلهام، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) بعد أن قال: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ). قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ... (٢٢)﴾

стр. 975

قال الزمخشري: إن قلت: لأي شيء، عبر في الأول بالسين دون ما عداه؟ فأجاب بوجهين: الأول: بأن عطفه بالواو يصير الاستقبال منصبا على الجميع، الثاني: أن [يراد*] به فعل بمعنى الاستقبال في الأول دون الذي هو صالح له. قال: والصواب أن يقال: إن الفعل إذا كان غريبا عجيبا مما يستبعد وقوعه ويستغرب يؤتى فيه بالسين الدالة على تحقيق وقوعه لَا على الاستقبال كقوله تعالى: (سَيَقُول السُفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ)، وقوله ستكتب شهادتهم وهنا لَا شك إن قول من قال: إنهم (ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ)، أبعد عن الصواب وأغرب من قول من قال: إنهم (خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) لأن الصحيح إنهم (سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فما قرب منه أصوب مما بعد وقوله ثلاثة خبرا مبتدأ أي هم ثلاثة وحذف المبتدأ هنا لأن الخبر لَا يصلح إلا له، أي الثلاثة إلا لهم، قيل لابن عرفة: الدليل من الآية على أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، قوله تعالى: (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) فانقسم المجيبون قسمين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، وقسم قالوا ربكم أعلم بَما لبثتم وقد عبر عن قول كل قسم بضمير الجمع وأقل الجمع ثلاثة. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٢٤)﴾ اللام للتعليل، واختلف في تفسيره، فقيل معناه أنها إذن الله في فعله فله أن يخبر بفعله مطلقا غير مقيد بالمشيئة وما لم يسمع منه إذنا فلا يخبر بفعله إلا مقيدا بالمشيئة، وفسره الزمخشري بوجهين: أحدهما لَا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن يقوله بأن يأذن لك فيه، والثاني: لَا يقوله إلا مقرونا بلفظ إن شاء الله. قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ... (٢٧)﴾ الضمير إما عائد على الكتاب أو على الرب، والمراد له لَا مبدل لكلمات غيره أو لا مبدل لكلمته التي هي خبر؛ لأن الإخبار لَا ينسخ أو يقال: إن النسخ تغيير لَا تبديل، وفرق بعضهم أبدل في الأمر الحسي وبدل في المعنوي، وهذا إشارة إلى قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).

стр. 976

إن قلت: هلا قيل لن تجد مبدلا لكلماته، والجواب أن التبديل راجع إلى الكتاب لا إلى المكلف [ووجه*] أن الملتحد راجع إلى الإنسان فهو أمر ملائم محبوب يطلبه الإنسان ويحث عليه فناسب الوجدان المقتضي المطلب والبحث. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ... (٢٨)﴾ قال ابن عرفة: عادتهم يستدلون بهذه الآية على صحة بين واو المفعول معه وواو العطف من أن واو العطف تقتضي التشريك في المعنى وواو المفعول معه لَا يقتضي التشريك، فإذا قلت جاء زيد وعمرو فهو يقتضي اشتراكهما في المجيء كما أنك تقول: جلست والنار فلا يقتضي اشتراكهما في الجلوس، وكذلك هذا لأنه هو الذي يجلس معهم. قوله تعالى: (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ). إن أريد بالدعاء الصلاة فيكون لفظ الغداة والعشي على بابه وإن أريد به تنقية الدعاء فيكون من باب قوله مطرنا السهل والجبل وضربته الظهر والبطن. قوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا). إما من الإفراط: وهو الزيادة في الشيء والتجاوز وتعدي الحدود أو من التفريط، وهو النقض وعدم الوفاء بما أمر الله تعالى به. قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ... (٢٩)﴾ قال ابن عرفة: إن عاد الضمير على (مَن) فظاهر، وإن عاد على (الله) فقيل فهم الآية؛ لأن الأول أمر بالإيمان، والثاني لَا يصِح أن يكون أمرا بالكفر، قال تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) وإن جعلته خبر الذم مخالفة الجملة الثانية للأولى مع إنه جزاء التقسيم. قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ). إن قلت: هلا قال: وإن استغاثوا فإنه محقق وقوعه؟ فالجواب: إنه على سبيل التعظيم والتهويل؛ فناسب حرف الشك المقتضي لشربهم من المهل على تقدير طلبهم ذلك الطلب الغير محقق. قوله تعالى: (يَشْوِي الْوُجُوهَ).

стр. 977

ولم يقل: وجوههم؛ إشارة إلى عظمته وتعدي دخانه للغير بحيث يخرج عنهم، ويكاد يشوي وجوه غيرهم معهم. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ... (٣١)﴾ إما أن لكل واحد جنات، أو على الجمع على سبيل التوزيع؛ فلكل واحد جنة؛ فإن قلت: هلا قيل لهم: جنات عدن، ويستغنى عن لفظ (أُولَئِكَ)؟ فالجواب: أن فيه زيادة تأكيد وتعظيم لهم؛ ولذلك أتى فيه بلفظ البعيد، كما قالت زليخا: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ). قوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ). قال بعضهم: سميت عدنا لوجهين: إما لأنها من عدن بالمكان إذا أقيم به فهي دار إقامة والدنيا دار رحيل وائتمان. وإما أن كل نعيم وإذ لم يمل؛ فهي إشارة إلى أن أهلها يقيمون عليها محبون فيها لا يملون منها بوجه. قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا). قدم التحلية على اللباس مع أن الحاجة إلى اللباس أقوى من الحاجة إلى التحلية، فالتحلية أمر تكميلي، واللباس حاجي فهو أهم، وقال في سورة الإنسان (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) فقدم اللباس على التحلية، قال: وعادتهم يجيبون بأن التحلية هنا بالذهب أمر تكميلي، فقدمت على اللباس تنبيها على أنه أيضا أمر تكميلي زائد على اللباس الحاجي، وقدم في سورة الإنسان الحاجي وعطف على التحلية، فهي أيضا أمر حاجي لأنها بالفضة، فهي أقل ما يتحلى به، والتحلية بالذهب أمر زائد عليه تكميلي. قوله تعالى: (ثِيَابًا خُضْرًا). أخذ منه أن الخضرة أحسن الألوان لأنها وسط بين السواد والبياض، والسواد مجمع للبصر مع أنه يحدث انقباضا في النفس، والبياض مفرق للبصر مع أنه يؤثر انبساطا وسرورا في النفس، وأجيب بأن الخضرة أحسن الألوان المغيرة بالصباغ، وأما البياض فهو أحسن الألوان، والسندس [ما رقَّ من الحرير*]، وأما الإستبرق [ما غلظ منه*]، فإن قلت: الإستبرق دون الحرير؛ بدليل قوله تعالى في سورة الرحمن: (مُتَّكِئِينَ عَلَى

стр. 978

فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) فجعله بطانة، فالجواب: أن الإستبراق فيه الأرفع والأدنى، فجعل بطانة وأرفعه شبيه بالسندس. فإن قلت: لم قال: (يُحَلَّوْنَ) فحذف الفاعل وبناه للمفعول، وقال: (وَيَلْبَسُونَ) ولم يحذف الفاعل؟ فالجواب: أن اللباس ساتر للعورة فيلبسه الإنسان منفعة خشية [التكشف*] على عورته، والتحلية ليس فيها كشف عورة فلا يتكلف استعمالها بيده؛ بل يستنيب من يكفيه مؤنتها ويزوجه منها، وتقدم عنه توجيها، وقال تعالى في سوِرة الحج (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا) وقرئ (وَلُؤْلُؤ) بالخفض؛ فتكون الإشارة على هذا (من ذهب وفضة ولؤلؤ). قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ... (٣٢)﴾ ابن عرفة: قالوا القاعدة في مثل هذا أن يقال: واذكر لهم قصة رجلين؛ لأن هذا من باب الإخبار عن الواقع، وأجيب بأن ضرب المثل فيه بالفعل والانفعال والأثر؛ لأن الضرب أمر حسن، فكان هذا المذكور ينفي أثرا من التذكر والموعظة بمن جرى له ذلك. قيل لابن عرفة: أو يكون قياسا تمثيليا. قال بعض الطلبة: قدم في الآية السبب على مسببه؛ لأن المناسب في خروج الثمرة، فهلا قيل (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا) وفي خلالهما ثمرا (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا). قيل لابن عرفة: وقوله (وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا) مستغنى عنه؛ لأنه مجرد تأكيد؛ لأن معنى الإضافة في قوله (آتَتْ أُكُلَهَا) تقتضي بها؛ كقوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقفَالُهَا) (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا). قيل لابن عرفة: (وَجَعَلْنَا) بمعنى صيرنا أو بمعنى خلقنا؛ فإن كانت بمعنى خلقنا فيكون هو أنشأهما واخترعهما، وإن كانت بمعنى صيرنا فيحتمل أن يكون أنشأهما غيره واشتراهما هو منه، والآية دالة على أن العنب أفضل الفواكه؛ لأنه بدأ به وكان أكثر غرس الجنتين. قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ... (٣٥)﴾

стр. 979

إنما أفردها تنبيها على أنه استشعر ذلك عند دخوله إحداهما فأحرى إذا دخلهما، أو لأن الدخول لَا يقع إليهما في حالة واحدة بل إنما يدخل إحداهما أولا ثم يدخل الأخرى بعد ذلك. قوله تعالى: (مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا). إن أراد الأرض والسماوات فيؤخذ منه أنه كان يقول بقدم العالم. قاله ابن عطية: قال ابن عرفة: لأن بما ثبت قدمه يستحال عدمه؛ فعكسها ابن عطية، فقال: ما استحال عدمه ثبت قدمه هذه أصول العالم وهي السماوات والأرض، وأما الجزئيات كالأشجار والثمار فمعلوم أنها تفنى ويخلفها غيرها. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ... (٣٧)﴾ كفره إما بإنكاره المعاد؛ لقوله (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً)، أو شكه فيه لقوله (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي). ابن عرفة: وتقدمنا فيها إشكال وهو ما الموجب لتكفيره إياه؛ مع أن المعاد عند أهل السنة إنما هو ثابت بالسمع لَا بالعقل، والعقل اقتضى إمكانه وتجويز وقوعه؛ لأن وجوب وقوعه، والمعتزلة يقولون: إنه واجب الوقوع عقلا بناء على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم، فإما أن يجاب بأنهم لعلهم كان غيرهم سمع واقتضى وجوب المعاد وإنكاره كفرا، وفهم عنه أنه مشرك بالله حسبما أقر به على نفسه في آخر الآية، في قوله (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) .. قيل لابن عرفة: فكيف يكفره بإنكاره ما ثبت بالسمع ثم يستدل بما فيه بالعقل. قوله تعالى: (مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ). استدل له بأصل بعد منفصل وهو التراب، وأصل بعد متصل وهو النطفة؛ أي خلق أباك من تراب ثم من نطفة. قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ). أفردهما؛ وهما جنتان تحقيرا لهما. قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ). ابن عرفة: وكان بعضهم يقول سببا للذم إن كان فعليا، فالعادة تكون الندم بتقليب الكف، وإن كان قوليا فيكون بالقرع على السن. كما قال الشهرستاني في أول نهاية الإقدام:

стр. 980

[لقد طفت في تلك المعاهد كلّها ... وسيّرت طرفي بين تلك العوالم فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر ... على ذقنه أو قارعا سنّ نادم*] قوله تعالى: (وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا). قال ابن مالك: حرف النداء إن دخل على ليت فإنه للتشبيه لَا للنداء؛ كقوله تعالى: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)؛ لأنه لم يكن هنالك من [تناديه*]. قال ابن عرفة: بل هنالك ربها، أي يا رب ليتني مت قبل هذا. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... (٤٣)﴾ قال الزمخشري: أي يقدرون على نصره من دون الله. قال الطيبي: إنما صرف اللفظ على ظاهره؛ فالمعنى لم ينصره أحد بالفعل دون الله؛ فمفهومه أن الله ينصره مع أن الثابت أن الله لَا ينصره؛ لذلك قال: لم يقدر على نصرته أحد دون الله، فمفهومه إن الله قادر على نصرته ولم ينصره، ورده ابن عرفة بأن هذا غير محتاج إليه؛ لأن في الآية (وَلَم تَكُنْ) ولفظ كان المنفي يقتضي نفي القابلية، فالمعنى ولم تكن له فيه قابلية لنصرته سوى الله فهي مفهومة أن الله قابل لنصرته ولم ينصره، وهذا المعنى ليس من الآية. قوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ قال الزمخشري، وابن عطية: أي خير في العاقبة باعتبار الدنيا والآخرة. ابن عرفة: ويحتمل أن يراد العذاب؛ أي هو خير في العقوبة؛ لأن عقوبة الكافر هو للمؤمن خير. فيكون ذلك في الدنيا كما وقع في هذه القضية. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٤٥)﴾ ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها؛ أنه لما تقدم ذم الحياة الدنيا باعتبار ما نشأ عنها من الشرك، والعجب، والبطر، والرياء عقبه بذمها في نفسها بكون نعيمها زائلا مضمحلا [شبهها بالماء*] في كونه ينزل فينشأ عنه النبات الأخضر الناعم ثم يضمحل، فكذلك الإنسان يوجد بعد أن لم يكن ثم تدرج حالاته من الصغر إلى الشباب، ثم إلى الكبر ثم ينعدم. قوله تعالى: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا).

стр. 981

ابن عرفة: مقتدرا أبلغ من قادر. قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٤٦)﴾ قال ابن عرفة: كان ابن قيس حكى عن والده: أنه رأى في الأندلس ضعيفا يستعطي ومعه أربعة أولاد، يقول: ارحموا من خالف كتاب الله حيث قدم التزوج على اكتساب المال، فابتلي بالفقر وكثرة البنين، وهو خلاف ما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى) ولفظ البنين خاص بالذكور، ولذلك لم يقل: المال والأولاد لدخول الآيات في الأولاد، وقد كانوا يقولونهم ويتشاءمون بهن فكيف يكونون زينة؟! قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ... (٤٧)﴾ ابن عرفة: انظر هل اليوم القطعة من الزمان، أو الزمان الذي لَا ينقسم إلى شيء؟ والظاهر الأول. قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً). ابن عرفة: إذا قلنا: إنها هذه الأرض فيؤخذ منه أنها بسيطة؛ لأن ظاهرها أن الإنسان يرى جميعها ولو كانت [كورية*] لما رأي إلا بعضها، لأنا نفرق بين قولك: رأيت الأرض، وقولك: رأيت بعض الأرض. قوله تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا). ورد الزمخشري سؤالا: لما قال (وَحَشَرْنَاهُم) بالماضي و (نسير) روي بالمضارع؟ وأجاب: بأن الحشر متقدم على نسير الجبال، ورؤية الأرض بارزة. وأجاب ابن عرفة: بأن الكفار خالفوا في الإعادة والحشر؛ فأتى فيه بلفظ الماضي تحقيقا له حتى كأنه واقع، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، و (نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)، ورؤية الأرض بارزة، فلم يقع النص على الخلاف فيهما إلا زمنا، وأجيب: فلم عطف (فَلَمْ نُغَادِرْ) بالفاء والأصل فيه الواو؛ لأنه حال؛ أي وحشرناهم في حالة العموم وعدم الترك ولا تصح السببية؛ لأن الحشر ليست بسبب في عدم المغايرة، وليست عدم المغايرة تعقبه بل هي معه، قال: وأجيب بأن المغادرة هي الترك، والترك يستلزم تقدم سببي عليه؛ فلذلك عطف بالفاء، وذكر بعضهم أن المجانين لَا يحشرون ولا يبعثون. قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ... (٤٨)﴾

стр. 982

قيل: إنهم صف واحد، وقيل: إنهم صفوف، وعبر بالواحد عن الجمع إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى في تنزيل الجماعة عنده منزلة الواحد في العرض والرؤية، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) عبر هنالك بالواحد عن الجماعة تحريضا على المقاتلة، وحثا على التقدم في الصف الأول الموالي للعدو، وحتى كان الجميع صفاً واحداً. قوله تعالى: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا). إن قلت: الأصل أن يقال: بل زعمتم أن لن نجعل لكم؛ لأنه ماض فالأصل نفيه بـ لم، وأجيب بأنه مكانه حكاية حال ماضيه. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ ... (٤٩)﴾ ابن عرفة: الكتاب إما واحد بالنوع؛ أي تضع لكل إنسان كتابه، أو واحد بالشخص ويكون واحدا للناس كلهم؛ وهو اللوح المحفوظ أو شبهه فيه جميع أعمال الخلق وغير موضع، ولم يقل: وأحضر الكتاب، وكذلك قال في سورة (تَنْزِيلٌ) تنبيها على أنه وضع للنظر فيه والاطلاع عليه؛ بخلاف ما لو قيل: وأحضر الكتاب؛ فإنه لَا يتعمد هذا المعنى. قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا). هل هو تأكيد؛ لقوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، وقوله تعالى: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ)، أو هو كقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قيل: هو تأكيد؛ لأنه إذا أحصى الصغائر فأحرى أن يحصي الكبائر، وأجيب بأنه تأسيس إشارة إلى أن إحصاءه الصغيرة بجميع أجزائها كمن أحصى جزءاً من خمسة أجزاء؛ فإنه قد يقدر أن يحصي صغيرة من عشرة أجزاء، وقد لَا يقدر عليها، وإما أنه تأكيد والعطف للتسوية إن إحصاءه للصغيرة مساو لإحصائه للكبيرة، وإحاطته بعلمها واحدة تنبيها على كمال الإحاطة، وإما لأن العطف ليدل اللفظ على إحصائه الكبيرة دلالتين بالمطابقة وباللزوم. قلت: وأجاب صاحب الفلك الدائر بأن الآية ليست لتفصيل أحوال الواحدة، فيكون إحصاء الصغيرة فيها يستلزم إحصاء الكبيرة؛ وإنما هي لإحاطة علم الله تعالى

стр. 983

بأعمال العباد، والعلم بالصغير لَا يستلزم العلم بالكبير بخلاف العكس، كقولك: إذا أبصرت من هو على عشرة فراسخ فأحرى أن تبصر من هو على فرسخ واحد. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ... (٥٠)﴾ قال ابن عرفة: هذه الآية تكررت في القرآن لما اشتملت من الأمر الغريب العجيب والوعظ؛ لأن إبليس كان من الملائكة فأُخرج منهم، وكان آدم في الجنة فأُهبط منها فينبغي الاتعاظ بهما وأن لَا يثق بعلمه، ويكون حائطا مراقبا حركاته وسكناته، قال: والسجود إما حقيقة، إن قلنا: إن الملائكة أجسام متحيزون، أو بمعنى الخضوع، إن قلنا: إنهم غير متحيزين، ونقول بالجوهر المفارق، والصحيح أن إبليس ليس من الملائكة؛ لأن الملائكة أجمع العلماء على عصمتهم فكيف يكون إبليس منهم؟ قوله تعالى: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ). وهذا من تقديم العلة على المعلول [كقولك: سهى فسجد، وزنا فرجم]، وقد يقدم المعلول على العلة فكونه من الجن علة في فسقه. قوله تعالى: (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ). دليل على أن الأمر غير الإرادة؛ لأن الله تعالى أمره بالسجود ولم يرده منه؛ إذ لو أراده لوقع تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ ... (٥٢)﴾ إن قلت: لم عبر في الأول بالنداء، وفي الثاني بالدعاء؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن النداء يكون لمحبوب الدعاء للإنسان ولمكروهه، والدعاء إنما يكون لمحبوبه؛ فما يدعو الإنسان إلا من يجيب فهو أخص من النداء، ولذلك قرن الأخص؛ لأن الاستجابة إنما تكون بالمؤاخذة دون المخالفة، فلذلك قال: (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) أي فلم يجيبوهم بغرضهم. قال ابن عرفة: وغلط هنا ابن عطية، وأبو حيان، فنقلا عن ابن كثير أنه قرأ (شركائي) بالقصر بغير مد ولا همز وليس كذلك، وإنما قرأ ذلك في سورة النحل حسبما نص عليه الشاطبي، وابن غلبون في أصول القراءات. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ ... (٥٩)﴾

стр. 984

ابن عرفة: الظاهر عندي بأن الألف واللام في القرى للعهد، والمراد قرى الأولين الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ). قوله تعالى: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ... (٦٠)﴾ كان بعضهم يقول: يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجمع البحر المالح ووادي مجردة عند الذرية، وهو الذي يقال له: فرق البحرين والصخرة فصخرة أبي ربيعة، والجدار في المجدية، والسفينة هي التي كانت تجلب الحجر والرخام؛ إنما الحقيقة العادية من خراسان. قال الزمخشري: مجمع البحرين ملتقى بحري فارس والروم بالمشرق، وقيل: طنجة بالأندلس عند زقاق سبتة وهو ملتقى بحر الظلمات والبحر الآخر، وقيل: إفريقية، واختلفوا في الخضر هل هو حي أم ميت، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا إسلام لمن لَا هجرة له"، فلو كان حيا لهاجر، وقال [مكي بن أبي طالب*] في القوت: إنه هاجر، وقال أبو المعالي: الظاهر أنه [ ... ]. ووقع في البخاري: "أَرَأَيْتَكُمْ [لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ*] "، فأجيب بأنه لعله كان بين السماء والأرض أو كان في البحر، والمراد بالأرض أرض بلدهم التي هم فيها، كقوله تعالى: (يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا ... (٦١)﴾ معطوف على فعل مقدر، أي صارا فلما بلغا. قوله تعالى: (نَسِيَا حُوتَهُمَا). النسيان إما بمعنى الترك، أو هو في حق يوشع ﵇ على حقيقته، وفي حق موسى بمعنى الترك، فإن قلت: لاتخاذ الترك متقدم على النسيان؛ لأن يوشع لما رقد موسى وبقي هو يحرس، طاش الحوت ودخل في البحر، فهم يوشع أن يوقظ موسى وهابه (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) وعزم يوشع على أن يخبر بذلك موسى إذا استيقظ من نومه، فلما استيقظ سيء أن يخبره؛ فكان الأولى أن يقال: فلما بلغا مجمع بينهما اتخذ سبيله في البحر سربا فنسيا حوتهما، ولإتيان العطف بالفاء

стр. 985

المقتضية للترتيب ولو كان بالواو ما قال فيه إشكال، قال: والجواب: أن يجعل النسيان هنا بمعنى الترك، ويكون النسيان في قوله (إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) على حقيقته. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ ... (٦٣)﴾ أن أذكره قد يكون النسيان من الله تعالى، وقد يكون من الشيطان؟ فنسيه هنا للشيطان ظنا منه، وإلا فيكون الله تعالى أنساه ذلك لما أراده من إطلاعه على الخضر. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ... (٦٥)﴾ قال المفسرون: المراد بالرحمة النبوة؛ فيكون الخضر نبيا. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الرحمة على إبقائها وقدم ذكرها احتراسا لما يأتي من قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ) وقتله للغلام يوهم اتصافه بالغلظة والجفاء فاحترس من ذلك بأنه متصف بكمال الرحمة، وما فعل ذلك إلا بأمر من الله إما بوحي إن كان نبيا على لسان الملك، أو بأنها أمر من الله تعالى إن كان وليا. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ قال ابن عرفة: فيه إشارة إلى أنك كنت غير عالم فعلمت، وكذلك إما كما علمت علمني؛ فلذلك لم يقل (مِمَّا عُلِّمْتَ)؛ فإن قلت: ما يقبل التعليم العلم الظاهر الذي له أمارات ودلائل، وأما علم الباطن فلا ينحصر ولا يقبل تعليما، ولذلك قال (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، فالجواب: أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظن أنه راجع للعلم الظاهر الذي ينحصر بالأمارات والدلائل، فأسفرت العاقبة أنه من علم الباطن الذي لَا يقبل تعليما، أو يقال: إنه طلب منه أن يعلمه طريق السلوك الموصلة لما وصل هو إليه. قال ابن عرفة: و (رُشْدًا) لَا يصح أن يكون من باب الأعمال بحيث يطلبه بعلمني، وعلمت أن تكون مفعولا ثانيا لكل واحد منهما؛ لأنك إن علمت فعلمني يجب أن يضمر في الثاني مفعولا ولا يكون إلا منطوقا به لَا مقدرا؛ لأنه يؤدي إلى نصبه العامل للعهد وقطعه عنه، وإن أعلمته للثاني يبقى الموصول بغير عائد فيتعين أن يكون معمولا للأول، ولا تكون المسألة من باب الإعمال. قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ... (٧١)﴾
следующие страницы →