← Тафсир

Тафсир · id 96753

تفسير ابن عرفة النسخة الكاملة

ابن عرفة

Полный текст (1 663 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ابن عرفة: مقتدرا أبلغ من قادر. قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ... (٤٦)﴾ قال ابن عرفة: كان ابن قيس حكى عن والده: أنه رأى في الأندلس ضعيفا يستعطي ومعه أربعة أولاد، يقول: ارحموا من خالف كتاب الله حيث قدم التزوج على اكتساب المال، فابتلي بالفقر وكثرة البنين، وهو خلاف ما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى) ولفظ البنين خاص بالذكور، ولذلك لم يقل: المال والأولاد لدخول الآيات في الأولاد، وقد كانوا يقولونهم ويتشاءمون بهن فكيف يكونون زينة؟! قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ... (٤٧)﴾ ابن عرفة: انظر هل اليوم القطعة من الزمان، أو الزمان الذي لَا ينقسم إلى شيء؟ والظاهر الأول. قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً). ابن عرفة: إذا قلنا: إنها هذه الأرض فيؤخذ منه أنها بسيطة؛ لأن ظاهرها أن الإنسان يرى جميعها ولو كانت [كورية*] لما رأي إلا بعضها، لأنا نفرق بين قولك: رأيت الأرض، وقولك: رأيت بعض الأرض. قوله تعالى: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا). ورد الزمخشري سؤالا: لما قال (وَحَشَرْنَاهُم) بالماضي و (نسير) روي بالمضارع؟ وأجاب: بأن الحشر متقدم على نسير الجبال، ورؤية الأرض بارزة. وأجاب ابن عرفة: بأن الكفار خالفوا في الإعادة والحشر؛ فأتى فيه بلفظ الماضي تحقيقا له حتى كأنه واقع، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)، و (نُسَيِّرُ الْجِبَالَ)، ورؤية الأرض بارزة، فلم يقع النص على الخلاف فيهما إلا زمنا، وأجيب: فلم عطف (فَلَمْ نُغَادِرْ) بالفاء والأصل فيه الواو؛ لأنه حال؛ أي وحشرناهم في حالة العموم وعدم الترك ولا تصح السببية؛ لأن الحشر ليست بسبب في عدم المغايرة، وليست عدم المغايرة تعقبه بل هي معه، قال: وأجيب بأن المغادرة هي الترك، والترك يستلزم تقدم سببي عليه؛ فلذلك عطف بالفاء، وذكر بعضهم أن المجانين لَا يحشرون ولا يبعثون. قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ... (٤٨)﴾

стр. 982

قيل: إنهم صف واحد، وقيل: إنهم صفوف، وعبر بالواحد عن الجمع إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى في تنزيل الجماعة عنده منزلة الواحد في العرض والرؤية، ونظيره قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) عبر هنالك بالواحد عن الجماعة تحريضا على المقاتلة، وحثا على التقدم في الصف الأول الموالي للعدو، وحتى كان الجميع صفاً واحداً. قوله تعالى: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا). إن قلت: الأصل أن يقال: بل زعمتم أن لن نجعل لكم؛ لأنه ماض فالأصل نفيه بـ لم، وأجيب بأنه مكانه حكاية حال ماضيه. قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ ... (٤٩)﴾ ابن عرفة: الكتاب إما واحد بالنوع؛ أي تضع لكل إنسان كتابه، أو واحد بالشخص ويكون واحدا للناس كلهم؛ وهو اللوح المحفوظ أو شبهه فيه جميع أعمال الخلق وغير موضع، ولم يقل: وأحضر الكتاب، وكذلك قال في سورة (تَنْزِيلٌ) تنبيها على أنه وضع للنظر فيه والاطلاع عليه؛ بخلاف ما لو قيل: وأحضر الكتاب؛ فإنه لَا يتعمد هذا المعنى. قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا). هل هو تأكيد؛ لقوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، وقوله تعالى: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ)، أو هو كقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) قيل: هو تأكيد؛ لأنه إذا أحصى الصغائر فأحرى أن يحصي الكبائر، وأجيب بأنه تأسيس إشارة إلى أن إحصاءه الصغيرة بجميع أجزائها كمن أحصى جزءاً من خمسة أجزاء؛ فإنه قد يقدر أن يحصي صغيرة من عشرة أجزاء، وقد لَا يقدر عليها، وإما أنه تأكيد والعطف للتسوية إن إحصاءه للصغيرة مساو لإحصائه للكبيرة، وإحاطته بعلمها واحدة تنبيها على كمال الإحاطة، وإما لأن العطف ليدل اللفظ على إحصائه الكبيرة دلالتين بالمطابقة وباللزوم. قلت: وأجاب صاحب الفلك الدائر بأن الآية ليست لتفصيل أحوال الواحدة، فيكون إحصاء الصغيرة فيها يستلزم إحصاء الكبيرة؛ وإنما هي لإحاطة علم الله تعالى

стр. 983

بأعمال العباد، والعلم بالصغير لَا يستلزم العلم بالكبير بخلاف العكس، كقولك: إذا أبصرت من هو على عشرة فراسخ فأحرى أن تبصر من هو على فرسخ واحد. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ... (٥٠)﴾ قال ابن عرفة: هذه الآية تكررت في القرآن لما اشتملت من الأمر الغريب العجيب والوعظ؛ لأن إبليس كان من الملائكة فأُخرج منهم، وكان آدم في الجنة فأُهبط منها فينبغي الاتعاظ بهما وأن لَا يثق بعلمه، ويكون حائطا مراقبا حركاته وسكناته، قال: والسجود إما حقيقة، إن قلنا: إن الملائكة أجسام متحيزون، أو بمعنى الخضوع، إن قلنا: إنهم غير متحيزين، ونقول بالجوهر المفارق، والصحيح أن إبليس ليس من الملائكة؛ لأن الملائكة أجمع العلماء على عصمتهم فكيف يكون إبليس منهم؟ قوله تعالى: (كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ). وهذا من تقديم العلة على المعلول [كقولك: سهى فسجد، وزنا فرجم]، وقد يقدم المعلول على العلة فكونه من الجن علة في فسقه. قوله تعالى: (عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ). دليل على أن الأمر غير الإرادة؛ لأن الله تعالى أمره بالسجود ولم يرده منه؛ إذ لو أراده لوقع تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ ... (٥٢)﴾ إن قلت: لم عبر في الأول بالنداء، وفي الثاني بالدعاء؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن النداء يكون لمحبوب الدعاء للإنسان ولمكروهه، والدعاء إنما يكون لمحبوبه؛ فما يدعو الإنسان إلا من يجيب فهو أخص من النداء، ولذلك قرن الأخص؛ لأن الاستجابة إنما تكون بالمؤاخذة دون المخالفة، فلذلك قال: (فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) أي فلم يجيبوهم بغرضهم. قال ابن عرفة: وغلط هنا ابن عطية، وأبو حيان، فنقلا عن ابن كثير أنه قرأ (شركائي) بالقصر بغير مد ولا همز وليس كذلك، وإنما قرأ ذلك في سورة النحل حسبما نص عليه الشاطبي، وابن غلبون في أصول القراءات. قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ ... (٥٩)﴾

стр. 984

ابن عرفة: الظاهر عندي بأن الألف واللام في القرى للعهد، والمراد قرى الأولين الذين تقدم ذكرهم في قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ). قوله تعالى: ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ... (٦٠)﴾ كان بعضهم يقول: يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجمع البحر المالح ووادي مجردة عند الذرية، وهو الذي يقال له: فرق البحرين والصخرة فصخرة أبي ربيعة، والجدار في المجدية، والسفينة هي التي كانت تجلب الحجر والرخام؛ إنما الحقيقة العادية من خراسان. قال الزمخشري: مجمع البحرين ملتقى بحري فارس والروم بالمشرق، وقيل: طنجة بالأندلس عند زقاق سبتة وهو ملتقى بحر الظلمات والبحر الآخر، وقيل: إفريقية، واختلفوا في الخضر هل هو حي أم ميت، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا إسلام لمن لَا هجرة له"، فلو كان حيا لهاجر، وقال [مكي بن أبي طالب*] في القوت: إنه هاجر، وقال أبو المعالي: الظاهر أنه [ ... ]. ووقع في البخاري: "أَرَأَيْتَكُمْ [لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا، لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ*] "، فأجيب بأنه لعله كان بين السماء والأرض أو كان في البحر، والمراد بالأرض أرض بلدهم التي هم فيها، كقوله تعالى: (يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا ... (٦١)﴾ معطوف على فعل مقدر، أي صارا فلما بلغا. قوله تعالى: (نَسِيَا حُوتَهُمَا). النسيان إما بمعنى الترك، أو هو في حق يوشع ﵇ على حقيقته، وفي حق موسى بمعنى الترك، فإن قلت: لاتخاذ الترك متقدم على النسيان؛ لأن يوشع لما رقد موسى وبقي هو يحرس، طاش الحوت ودخل في البحر، فهم يوشع أن يوقظ موسى وهابه (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) وعزم يوشع على أن يخبر بذلك موسى إذا استيقظ من نومه، فلما استيقظ سيء أن يخبره؛ فكان الأولى أن يقال: فلما بلغا مجمع بينهما اتخذ سبيله في البحر سربا فنسيا حوتهما، ولإتيان العطف بالفاء

стр. 985

المقتضية للترتيب ولو كان بالواو ما قال فيه إشكال، قال: والجواب: أن يجعل النسيان هنا بمعنى الترك، ويكون النسيان في قوله (إِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) على حقيقته. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ ... (٦٣)﴾ أن أذكره قد يكون النسيان من الله تعالى، وقد يكون من الشيطان؟ فنسيه هنا للشيطان ظنا منه، وإلا فيكون الله تعالى أنساه ذلك لما أراده من إطلاعه على الخضر. قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ... (٦٥)﴾ قال المفسرون: المراد بالرحمة النبوة؛ فيكون الخضر نبيا. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الرحمة على إبقائها وقدم ذكرها احتراسا لما يأتي من قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ) وقتله للغلام يوهم اتصافه بالغلظة والجفاء فاحترس من ذلك بأنه متصف بكمال الرحمة، وما فعل ذلك إلا بأمر من الله إما بوحي إن كان نبيا على لسان الملك، أو بأنها أمر من الله تعالى إن كان وليا. قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ قال ابن عرفة: فيه إشارة إلى أنك كنت غير عالم فعلمت، وكذلك إما كما علمت علمني؛ فلذلك لم يقل (مِمَّا عُلِّمْتَ)؛ فإن قلت: ما يقبل التعليم العلم الظاهر الذي له أمارات ودلائل، وأما علم الباطن فلا ينحصر ولا يقبل تعليما، ولذلك قال (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، فالجواب: أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظن أنه راجع للعلم الظاهر الذي ينحصر بالأمارات والدلائل، فأسفرت العاقبة أنه من علم الباطن الذي لَا يقبل تعليما، أو يقال: إنه طلب منه أن يعلمه طريق السلوك الموصلة لما وصل هو إليه. قال ابن عرفة: و (رُشْدًا) لَا يصح أن يكون من باب الأعمال بحيث يطلبه بعلمني، وعلمت أن تكون مفعولا ثانيا لكل واحد منهما؛ لأنك إن علمت فعلمني يجب أن يضمر في الثاني مفعولا ولا يكون إلا منطوقا به لَا مقدرا؛ لأنه يؤدي إلى نصبه العامل للعهد وقطعه عنه، وإن أعلمته للثاني يبقى الموصول بغير عائد فيتعين أن يكون معمولا للأول، ولا تكون المسألة من باب الإعمال. قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ... (٧١)﴾

стр. 986

قال ابن عرفة: خرقها خرقا يصيبها ولا يضرها؛ ولذلك لم يغرق من أهلها أحد. قال الزمخشري: فإن قلت: لم جعل هنا جواب الشرط فعل الخضر وهو الخرق لا قول موسى، وجعل في قتل الغلام فعل الخضر معطوف بالفاء، وجواب الشرط قول موسى؟ فأجاب بأن الخرق متراخ عن الركوب، والقتل يعقب لفاء الغلام، وتبعه أبو حيان. قال ابن عرفة: إنما عادتهم يجيبون بأن خرق السفينة ملائم لسببه وهو الركوب؛ لأنهم فعلوا معهم أمرا ملائما فحملوهم بغير قول؛ ففعل هو معهم بسبب ذلك أمرا ملائما وهو خرق السفينة الموجب إنجائهم من الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا؛ فناسب جعله سببا عنه، وأما قتل الغلام فليس ملائم للفاء؛ وإنما الملائم له فعل مقدر وهو خوف أن يرهق والديه المؤمنين طغيانا وكفرا؛ فلذلك عطفه على الشرط ولم يجعله جوابا له ولا سببا عنه. قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا). أي شيئا عظيما، كقول أبي [سفيان*] في حديث هرقل: [لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ*]. قوله تعالى (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ... (٧٣) قال ابن عطية: كانت الأولى من موسى نسيانا، والثانية شرطا، والثالثة تعمدا فكان الجمع شرطا، قال: أما كون الثانية شرطا؛ فلأن مفهوم قوله (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) أنه إن عاد إلى ذلك يؤاخذه فهذا شرط في الثانية. قيل لابن عرفة: بل الشرط هو قوله: إن سألتك بعدها، فقال: إنما شرط ذلك بعد وقوع الغفلة الثانية، وأما الثالثة فتعمد؛ لأنه عزم على فراقه؛ فلذلك أنكر عليه. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ... (٧٧)﴾ ولم يقل: وصلا إلى أهل قرية؛ إشارة إلى أن إتيانهم لها كان على قصد، والقرية قيل: هي الأبلة، قالوا: وهي أبعد أرض إلى السماء. ابن عرفة: إن قلنا: إن الأرض كورية فمن هو في أعلى الكورة أقرب إلى السماء ممن هو في جوانبها، مثل: بطيخة موضوعة في قبة فصعدت نملة في أعلى البطيخة، ونملة في جوانبها، فإن التي في أعلاها أقرب إلى سقف القبة. قوله تعالى: (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا).

стр. 987

فيها سؤالان: الأول: لم أعاد الاسم الظاهر، وهلا قال: استطعماهم؟ قال: فأجيب بأن المراد أنهما استطعما كرم أهلها ومن يظن به منهم التكرم؛ لَا أنهما قصدا الجميع. السؤال الثاني: أن الاستطعام أعم لصدقه لأدنى شيء، والضيافة أخص إما ليلة أو ثلاثة أيام أو نحو ذلك؛ فاستعمل في الآية إلا في الثبوت والأخص في النفي، والقاعدة عكس ذلك، قال: وأجيب: بأنهما قصدا التلطف في الطلب فعبرا بأدنى العبارات، وهو الإطعام الذي حصل مدلوله باللقمة الواحدة، وقوبلا هما بالامتناع من الضيافة بقصدهما الإسراف من أهلها الذين لَا يطلب منهم إلا المقابلة بالتسامي في [الإكرام*] على قدر همهم وعظم منازلهم؛ بل إنما أجاب بأن موسى والخضر ﵉ لَا يقابلان إلا بالضيافة الكاملة لَا مطلق الطعام؛ فلذلك قال (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا). قوله تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ). قيل لابن عرفة: هل هذا مجاز في الإسناد؟ فقال: لَا بل هو مجاز في الإفراد؛ لأن إرادته مجاز وانقضاضه مجاز؛ حتى كان بعضهم يقول: المجاز في الإسناد لا يمكن بصورة إلا في مثال واحد؛ وهو: أنا قد قررنا الفرق بين الحكم التقييدي والحكم الإسنادي، كقولك: الرجل العاقل قائم؛ فالعقل قيد والقيام إسناد، فإذا قلنا: الذي لَا تجوز شهادته فهو صادق بكون الحكم التقييدي عند المنطقيين من قبيل التصديق لَا من التصور؛ فهو مجازي في الإسناد، وهو من مجاز إطلاق الملزوم على اللازم. قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ... (٧٨)﴾ الإشارة إما إلى الشرط الواقع بينهما، والتقدير هذا فراق الصلة بيني وبينك، فإن قلت: هلا قال: هذا فراق بيننا، فإن أعاد لفظ بين تحقيقا للمفارقة حتى لَا يجمع بينه وبيّنه في لفظ بيننا. قيل لابن عرفة: إن الحريري قال في مقاماته في السابعة والثلاثين: واستنزل [الريَّ*] من درِّ السحاب [فإنْ بُلّتْ يَداكَ بهِ فليَهنِكَ الظّفَرُ*].

стр. 988

قال ابن عرفة: هذا نظير ما وقع في الغيبة فيمن عير برعاية الغنم، فقال: رعى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال به مالك: إن قاله على سبيل التسلي أُدِّب، وإن قاله على غير ذلك ضرب عنقه، قلت: يريد أن يحتد به التنقيص. قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أورد الزمخشري سؤالا: اغتصاب الملك للسفن سبب لتعييب الخضر لهذه السفينة، فهو مقدم عليه فلم أخر عنه؟ وأجاب: بأن السبب فيه أمران كونها للمساكين ولخشية الاغتصاب، فوسط المسبب بين علتيه؛ كقولك: زيد في ظني قائم. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الحكم تارة يؤتى به مقرونا بعلته، وتارة يؤتى به بسؤال محتاجا جوابا عنه فيؤخر العلة. وهذا كما يقول السماكي: وهم وتنبيه، وذلك أن ركوبها للمساكين ليس بعلة في إعابتها؛ بل يتوهم أنه علة في العكس، فيقول القائل: فلم أعابها وهي للمساكين؟ فيقال: خشية اغتصاب الملك لها. وقال الطيبي: أخر العلة فيكون بيانا للسبب والارتباط الذي بين العلة وهي المسكنة، وبين المعلول. فقال ابن عرفة: بل هي جواب عن السؤال متوهم إيراده على جعل المسكنة سببا في إعابة السفينة. فإن قلت: لم قال في السفينة (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)، وفي قتل الغلام (فَأَرَدْنَا)؟ فأجيب بأن الأول متعلق بالإعابة فأسندها إلى نفسه، والثاني متعلق بتبديله بما هو خير منه فشرك غيره معه على سبيل التواضع والأدب. قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾ قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية أنه إذا تعارض احتمال يوهم [نقض*] دين الإسلام مع تحقق حفظ النفس، فقلت: احتمال يوهم [نقض*] الدين؛ لأن الخضر قتل الغلام باحتمال توهم أن يكفر إذا كبر، ويكفر أبواه بسبب كفره. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ... (٨٣)﴾ الطلب من الأعلى للأدنى [أمر*]، وعلته سؤال وخضوع، فهذا سؤال حقيقة [ويجب على هذا*] أن يكون قوله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ)

стр. 989

[تهكما بهم*]، قالوا: وذو القرنين إما اسم علم له أو صفة، وذكروا فيه وجوها: إما أنه ضرب في القرن الأيمن من رأسه جرحا ومات بسببه؛ فأحياه الله، فضرب في قرنه الأيسر جرحا فمات؛ فأحياه الله. وحكى ابن عطية، عن علي: أنه ملك، وعن عمر: أنه ليس بنبي ولا ملك، وحكى الزمخشري العكس سواء. قوله تعالى: (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا). ولم يقل: إن شاء الله مع أنه أمر بأن لَا يقول الشيء إني فاعله غدا إلا أن يشاء الله، واكتفى بذكره ذلك هناك عن حكاية هنا، والآية على تقدير مضاف إما أولا وآخرا فإن قدرته. قلت؛ ويسألونك عن حال ذي القرنين، فيعود الضمير في قوله تعالى: (عَلَيْكُم مِنْهُ ذِكْرًا) على حاله، وإن لم يقدره أولا فيحتاج إلى تقديره آخرا؛ أي سأتلوا عليكم من خبره ذكرا، وتنوين (ذِكْرًا) إما للتقليل إشارة إلى عظم حاله، وإلا لم ينكر إلا أقله للتعظيم، وأن النفي ذكر منه، وإن قل فهو عظيم في ذاته، قال تعالى في قصة أهل الكهف (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ)، ولم يقل: من نبأهم، وقال تعالى (قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا)؛ لأن قصة أهل الكهف منحصرة، وأمر هذا الرجل غير منحصر. قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ ... (٨٤)﴾ ابن عرفة: إن كان أمر تبليغ هذا اللفظ فيكون حكاية لكلام الله تعالى: أي قل لهم إنا مكنا له في الأرض، وإن كان من كلام الله فيكون شبه التفات، وإلا كان يقال: إن الله مكن له في الأرض. قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ). إن كان نبيا فيكون المراد العموم في الأنواع والتبعيض في إعادتها؛ فأدنى بعض كل نوع؛ لأن النبي لا يصد عنه شيء. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ... (٨٦)﴾ [لا أنها تغرب فيها حقيقة*]؛ لأن العين جزء من الأرض، والشمس أكبر من الأرض بكثير فكيف يغرب الجرم الكبير في الصغير؟ فالمراد أن ذلك المحل رآها منه حتى

стр. 990

غربت ولا يغرب كل يوم فيه؛ فإن لها مغارب ومشارق، ومع أنها تغرب على قوم وتطلع على آخرين، ومع ما ورد في حديث أبي ذر، قال له: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» [قلت لا، قال «إنها تغرب في عين حامية» *]. قوله تعالى: (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا). إما للتخيير أو للتفصيل؛ أي للتخيير في أنواع العذاب إما تعذيبهم بالقتل أو بالأسر وهو [الحسن*]، أو للتفصيل للتخيير؛ بمعنى إما أن تعذبهم، وإما أن تحسن إليهم فاختار هو [حسنها*]. قال ابن عرفة: وبدأ بمغرب الشمس قبل مطلعها؛ إشارة إلى ما يقول الحكماء أول الفكر أجر العمل، وهي العلة الغائبة تنبيها للإنسان على النظر في عواقب الأمور، وأنه يكون على حذر من أجرته فيعمل على ما يحصلها، وإذا أراد أن يفعل أمرا تفكر في عواقبه وحينئذ يفعله. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ العطف بـ ثم إشارة إلى المهملة التي بين فعله الأول والثاني لَا سيما مع كونه ملكا [لَا ينتهي أمره*] إلا بعد طول ومهلة. قيل لابن عرفة: ذكروا أن عمره أربعون سنة، والمعمور من الأرض مسافة ثمانين فكيف مشى هذا المقدار؟ فقال: هذا خرق عادة والرجل نبي أو ولي أو ملك فلا يستغرب في حقه أن يقطع المسافة الطويلة على الزمن القليل. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ ... (٩٠)﴾ ابن عرفة: قالوا: ما الحكمة في إدخال لفظة (إِذَا) في [المطلع*]؛ مع أنك إنما تقول: إنما سرت حتى أدخل المدينة، فهلا قال: حتى بلغ مغرب الشمس، وحتى بلغ مطلعها؟ فأجيب بأن لفظة (إِذَا) تفيد القصد أنها بعد [الحامية*]، كقولك: سرت حتى أبلغ مكة فأعتمر، إن العمرة مقصودة لك من [الأول احترازا*] من أن يكون فعلك لها إشاريا اختياريا من غير قصد له، وكذلك هنا إنما كان سيره ليبلغ أول المعمور وآخره، فيدعوا النَّاس إلى الإيمان بالله، لَا أنه كان اتفاقيا، قال: وقرأ الأكثرون بالفتح في سورة (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) لوضوح إرادة المكان هنا، ووضوح إرادة الزمان هناك أو المصدر.

стр. 991

قوله تعالى: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا) أي سترا معهودا. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ إشارة إلى علم الله تعالى بالجزئيات والكليات، فكذلك (خُبْرًا). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ... (٩٣)﴾ قال الزمخشري: إن اسم الجبلين والسد بفتح السين مصدر سد يسد سدا، [فهو اسم*]، [وانتصب بَيْنَ على أنه مفعول به مبلوغ*] أخرج عن أصله، كما أخرج في قوله تعالى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ) فجعل مضافا، وكما أخرج في (لَقَدْ تَقَطَّعَ [بَيْنُكُمْ) *] فجعل فاعلا. ابن عرفة: وقال ابن أبي الربيع ابن سالم في الاكتفاء: إن المعتصم الملك كان في البلد التي جال فيها سر من رأى، وإنه رأى في منامه قائلا يقول له: إن سد يأجوج ومأجوج قد وقع، قال: فلما استيقظ شق عليه ذلك فأعد من جيشه خمسين فارسا، وأمَّر عليهم واحدا منهم، وأعطاه خمسة آلاف زيادة، وأعطاه من المال والطعام شيئا كثيرا؛ فخرجوا وغابوا عنه ثمانية وعشرين شهرا، فلما قدموا عليه أخبروا أنهم مشوا من أرض إلى أرض وهم يسألون ويلتمسون الدليل، ويخرجون كتب الملك إلى عمال البلاد فيمدونهم بالمال والطعام إلى أن وصلوا إلى بلاد خربة غير عامرة، فذكر لهم أن يأجوج ومأجوج كانوا أخربوها ثم وصلوا بعدها إلى مؤمنين فأخبروهم أن السد قريب منهم، وبلغوهم إليه فوجدوا له بابا شاهقا له قفل طوله عشرة أذرع وغلظه ذراعا ومفتاحه مغلق فوقه، وعادتهم يأتون إليه في يوم معين من أيام كل جمعة؛ فيضربون عليه بذلك المفتاح ضربا عنيفا ليشعروا يأجوج ومأجوج بعمارة تلك الجهة، فيسمعون عند ذلك لهم ضجيجا وصياحا يرتعش له النفوس، ووجد عند السد شيئا كثيرا من الأواني والقدور التي بلغته الغاية في كبر جرمها، وهي من بقايا ما كان ذو القرنين أذاب فيه النحاس والرصاص، وقالوا: إن بعض يأجوج ومأجوج علا في أعلى السد فسقط منهم اثنان أحياء فماتا. قال ابن عرفة: وظاهر الحديث أن الدعوة بلغت يأجوج ومأجوج، لقوله: يدخل النار من يأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ويتبعون شخصا ومنكم شخص واحد. قوله تعالى: (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ).

стр. 992

هؤلاء يفهمون كلاما مع أن الكلام هو المفيد، والقول يطلق على المفيد وغيره؛ فالكلمة الواحدة قول وليست بكلام؛ فالقول يطلق على التصورات، والكلام يطلق على التصديقات، قال: والجواب أنهم إذا لم يفهموا القول المطلق على المطلق فأحرى أن لَا يفهموا الكلام. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ... (٩٤)﴾ مع أنهم لَا يفهمون القول، فكلفهم لهذا الكلام لغاية اضطرارهم إليه على عادة المريض أو العاجز عن الكلام، أنه لَا يتكلم إلا عند الحاجة الفادحة والضرورة التي لا بد له منها. قوله تعالى: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا). يؤخذ منه أن الإنسان إذا طلب من الملك حاجة يعلم أنه يقوم بها ولا يحتاج إلى معونته فيها فإنه يبدأ بنفسه ويعرض لها في الإعانة بها؛ فلذلك قالوا: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) مع علمهم بعدم افتقاره إلى ذلك لكثرة جنوده وماله. قوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ... (٩٥)﴾ مثل قوله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا). قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ... حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ قرئ (آتُونِي) بمعنى أعطوني، وقرئ [(أتُونِي)] من الإتيان بمعنى المجيء؛ فزبر على هذا منصوبة بإسقاط حرف الجر؛ أي بزبر الحديد. قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ [قَالَ انْفُخُوا حَتَّى) *] غاية [والمغيى بها*] مقدر تقديره فآتوه ما طلب، وأخذ في بناء السد (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا) فنفخوا حتى إذا جعله نارا، والمساواة إما بمعنى أنه صعد بالبناء حتى ساوى أعلى الجبلين في الارتفاع، وإما بمعنى أنه كان يبني بناء مساويا لعرض الصدفين؛ أي للجانب الذي ظهر يأجوج ومأجوج من الصدفين؛ فيصعد مثلا مقدار إقامة [ويوقد عليه*] حتى يصير نارا؛ فيفرغ عليه القطر ثم يبني فوقه بناء آخر مساويا لوجه الصدفين فيصعد به مثل ذلك؛ حتى علا به إلى أن ساوى أعلى الجبلين من غير زيادة عليهما ولا نقصان. قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا).

стр. 993

نسب الجعل إليه اعتناء به وإلا فليس في قدرته جعله نارا وإنما ذلك بفعل الله تعالى وهو مجاز؛ أي جعله ذا نار إلا أنه هو نفس النار، والنار لَا توجد إلا في شيء، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا) ولم يقل: أنشأتموها. قيل لابن عرفة: فالنار جسم أو عرض؟ فقال: جسم مجاور ما حل فيه إلا يمازجه. قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ عبر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم، فهلا قيل: وما استطاعوا أن ينقبوه، أو يقال: فما استطاعوا له ظهورا؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن الفعل عندنا مشتق من المصدر فدلالته على المعنى أظهر من دلالة المصدر؛ لأن المشتقات تدل منها على ما اشتقت منه وزيادة، فلما كانت دلالة الفعل على المعنى أظهر من دلالة المصدر عليه عبر به عن الظهور لتكون دلالته مناسبة للفظه، كما قيل: [صرصر البازي وصرصر العصفور*]، وعبر عن النقب بالاسم على الأصل؛ لأنه مفعول والأصل أن يكون مفردا، أو يحتمل أن يجاب بمراعاة رءوس الآي. قيل لابن عرفة: أو يقال: إن الصعود عليه أصعب من نقبه فنفى بلفظ الفعل المقتضي لعموم عجزهم عن قليله فأحرى كثيره؛ فالنقب أخف، فنفى أشده لأنهم ذكروا أنهم ينقبون كل وقت ولا يتم لهم ذلك، ولما في حديث البخاري: " [فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ» وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا*] "، وهي علامة على قرب الساعة، فإن قلت: لم حذفت التاء من اسطاعوا الأول، وثبتت في الثاني؟ فأجاب أبو جعفر الزبير بوجهين: أحدهما: أن معمول الأول جملة، ومعمول الثاني مفرد والجملة أكثر حروفا من المفرد؛ فناسب حذف التاء من الأول دون الثاني (١). الوجه الثاني: أن الظهور على السد أسهل من نقبه وأخف فناسب التخفيف بحذف التاء من عامله وهو اسطاعوا، كما قالوا في صرصر البازي؛ أي اللفظ فيه مناسب لمعناه. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ قال ابن عرفة: هذا يدل على أنه كان عنده علم يتم بناء ويبقى صحيحا إلى أمد معلوم، وكان يجوز أن يكون ذلك على يديه.

стр. 994

قوله تعالى: (وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) إن قلت: ما الفائدة فيه؟ فالجواب: إنه دليل على صحة ما يقولون من أن ذا القرنين كان عالما بقواعد المنطق؛ لأن هذا قياس شرطي استغنى فيه عن المقدم فينتج عين الثاني، فيقال: كلما جاء وعد ربي جعله دكاء، والمقدم حق فالثاني حق؛ أي وعد ربي حق فجعله دكاء حق؛ لأن ذا القرنين قرأ على أرسطاطاليس. قيل لابن عرفة: وكان أرسطاطاليس فيلسوفا طبائعيا، وذو القرنين سني، فقال: وكذا إمام الحرمين سني وشيخة الجبائي معتزلي. قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ... (٩٩)﴾ قال ابن عرفة: انظر هل يؤخذ منه أن الترك فعل؛ أي جعلنا بعضهم يموج في بعض؟ قيل لابن عرفة: إن الأصوليين ما جعلوا الترك إلا الكف عن الشيء؛ فكذلك سعوا إلى الله تعالى. فقال ابن عرفة: بل أجازوا نسبته إليهم بدليل أنهم ألزموا من يقول به قدم العالم. قوله تعالى: (إِنْ أُرِيدُ). إن يأجوج ومأجوج فيكون التنوين عوضا عن الجملة في قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ) أي يوم عدم استطاعتهم، وتكون إذ على بابها ظرف زمان لما مضى حقيقة، أو أريد جميع فيكون التنوين عوضا من جملة مجيئها كذا الله تعالى وهو يوم القيامة، ويكون إذا ما ظرف زمان لما يستقبل، أو ماضيه في معنى المستقبل، مثل: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ولذلك قرأتها بقوله (يَمُوجُ) وهو مستقبل. قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا). التأكيد بالمصدر لتحقيق الجمع؛ إما في نفسه؛ فيكون تأكيد الجمع، أو باعتبار الزمان؛ فيكون تأسيسا، فأفاد الفعل جمع أجزائهم، وأفاد الثاني الإتيان بهم مجتمعين في زمن واحد للحساب؛ فهو على الأول مصدر مؤكد لنفسه، وعلى الثاني مؤكد لغيره. قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ قال ابن عطية: يحتمل أن يكون هذا من باب القلب؛ أي عرضناهم على جهنم.

стр. 995

فرده ابن عرفة بأن القلب مجاز، والتأكيد يرفع المجاز، ولذلك احتجوا به في قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) على صحة وقوع الكلام من الله حقيقة، وإلا كان يقول: أنه من باب القلب (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا). قوله تعالى: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي ... (١٠١)﴾ ظاهره عام في المؤمنين والكافرين؛ فلذلك أضاف الذكر إلى الله تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ إنما قال: الكافرين، ولم يقل: أعتدنا جهنم لهم؛ لاحتمال عود الضمير على لفظ عبادي وهم الملائكة. قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ قال ابن عرفة: هذا استفهام حقيقة، كأنه يقول: هل نخبركم بالأخسرين أعمالا، إن سألتهم عنهم فهم الذين ضل سعيهم، وقال هنا (نُنَبِّئُكُم) بالنون. وقال في [الشعراء (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) *]. وقال في سورة آل عمران (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ)، وقال: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) فعبر في هؤلاء بهمزة المتكلم وحده، وهما بنون من غيره لوضوح مدلول هذه وخفاء مدلول تلك الآيات، وتوقف صحتها على المعجزة، والمعنى ضل في الآخرة سعيهم في الدنيا؛ لأن كل ما عملوه يذهب عنهم ولا يجدونه فأشبه الضالة الذاهب، قال: وأسند الضلال للسعي والإحسان للصنع؛ لأن السعي أعم من الصنع، فناسب إسناده إلى الضلال؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والضلال نفي والإحسان إثبات، فصار كقوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ). قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ ... (١٠٥)﴾ قال ابن عرفة: يؤخذ منها أن جحد المعاد محبط للعمل، وأنه كفر، قيل له: إنما أحبط أعمالهم اتصافهم بالكفر وجحد المعاد معا، فقال: بل كل واحد من الأمرين كاف في ذلك بدليل أن مجرد الكفر كاف في إحباط العمل، وكذلك جحد المعاد.

стр. 996

قيل لابن عرفة: اقتضت الآية أن أعمالهم حبطت مجموع الأمرين، ودليل الدليل من خارج على أن مجرد الكفر محبط للعمل وليس من الآية، فقال: بل من الآية؛ لأن تعليق الحكم على الوصف المناسب يشعر بعلة ذلك الحكم للوصف. قال الفخر: لَا يقال: من زنا وأكل الحلوى فاجلدوه؛ فدل على أن كل واحد من الوصفين على انفراده كافٍ في إحباط العمل. قوله تعالى: (فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا). ظاهره أنه لَا يوزن أعمالهم السيئة إذ لها أثر مع الكفر، وظاهر قوله تعالى: (وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) أنها توزن. فقال ابن عرفة: لعل تلك في العصاة وخلودهم غير مؤبد، قيل له: بل ظاهرها التأبيد، فقال: أو تكون خفة الموازين مجازا عبارة عن عدم ما يجعل فيها فلذلك تخف. قال ابن عطية، والزمخشري: أن ابن الكواء قال علي بن أبي طالب: من هم؟ فقال هم أهل حروراء وإننا منهم. قال ابن عرفة: هذا إما تشديد عليه، وإما بناء بأن المعاصي محبطة للعمل، وكان ابن الكواء من المعتزلة. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ... (١٠٩)﴾ اختلف الزمخشري، وابن عطية في سبب نزولها. فقال ابن عطية: [سبب نزولها أن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كيف تزعم أنك نبي الأمم كلها، [ومبعوث إليها*]، وأنك أعطيت [ما يحتاجه*] النَّاس من العلم، [وأنت مقصر*] قد سئلت عن الروح ولم تجب فيه؛ فنزلت الآية معلمة [باتساع معلومات*] الله تعالى، وأنها [غير*] متناهية وعلم الله غير متناه، فلا يستغرب من النبي أن يقول: لَا علم لي بهذه المسألة، قال: وهذا مخالف لما قال اليهود في سؤالهم له عن الروح حيث سألوه عنه، فقالوا: إن أجابكم عنه فليس بنبي، وإن لم يجبكم عنه فهو نبي؛ المراد بالكلمات: إما علم الله القديم الأزلي ومعلوم الله تعالى من حيث تعلقه، والمتعلق بذاته هو العلم لا المعلوم. قوله تعالى: (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي). كان بعضهم ينتقد على أبي سعيد قوله في المدونة: ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل، فإن اغتسل بعده أجزأه، ويقول: إنه ليس في المدونة. فإِن اغتسل بعده

стр. 997

أجزأه، بل قوله: فقبل الغسل يجزئ عنه،؛ لأن قولك: جاء زيد قبل عمرو يقتضي مجيء عمرو، وكأن غيره لَا يقتضيه، لأنك تقول: [ ... ] زيد ابنه قبل أن يتزايد لابنه الولد، ولا يلزم منه أن يكون لابنه ولد، ويحتج عليه بآيات من القرآن منها هذه، وكان الآخر يجيب بأن هذه في سياق الشرط يتركب من المحال؛ لأن المحال يستلزم محالات؛ لأن كون البحر مدادا لكلمات الله ونفاذ كلمات الله محال. قوله تعالى: (وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا). وقال في لقمان (وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) فانظر أيهما أبلغ؟ قال ابن عرفة: كلاهما بليغ؛ لأنه ليس المراد نفس سبعة أبحر بل هو مبالغة، وكذلك هنا ليس المراد مثله فقط بل مثله ومثل مثله إلى ما لَا نهاية له. وقوله تعالى: (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ). اعلم أن لو حرف امتناع، وينتفي منها عند الأصوليين الأول لانتفاء الثاني، وكذا عند المنطقيين خلافا للنحويين؛ بدليل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ) فانتفت الآلهة لانتفاء الفناء. لَوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ... (١١٠) يؤخذ منه أن المماثلة بين الشيئين لَا ينافي اختصاص أحدهما بأمر دون الآخر، فالأنبياء ﵈ مماثلون لنا في الخلق في الأمور الذاتية، وإن اختصوا بأمر عرضي، ويؤخذ منه أن هداية نفوسهم مماثلة لغيرهم، فليست النبوة أمرًا مكتسبا بوجه؛ بل هي خصوصية ألحقهم الله بها من غير تطبع ولا اختلاف مجاز. قوله تعالى: (يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ). إن قلت: تغليب على المخاطب؛ فهلا قال: إنما إلهنا إله واحد، فالجواب: أنه موحد لله تعالى لَا يعتقد له شريكا، والآية حيث مخرج الرد عليهم. فناسب أن يقول (إِلَهُكُم) لأنهم يشركون به، والوحدة في الأمر الذاتي، والأمر الحكمي. قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ). ولم يقل: يرجو لقاء ربكم، ولذلك لم يقل: فاعملوا صالحا تهيئا لهم على العمل الصالح، والرجاء إما على بابه، أو بمعنى الخوف على جهاز المجاز.

стр. 998

سُورَةُ مَرْيَمَ عليها الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾ اختلفوا هل هذه الأحرف اسم للسورة، أو الكاف عبارة عن الكبير، والياء عبارة عن العلي، والعين عن العليم، والهاء عن الله، والصاد عن الصادق. ابن عرفة: لَا يؤخذ بالاجتهاد وإنما إسناده عن الصحابة ﵃ أو حديث. قيل لابن عرفة: نص النحويين على أن الحروف لَا تنطق بها، ولا يقال: هذا الحرف ويقطع من كذا، [وذكر*] سيبويه عن الخليل في كيفية النطق أنه كاف له هنا السكت؛ فيقال: في حروف [**قرب ضرب صدرويه] فقال: هذه ليست منقطعة منها بل هو حرف آخر مماثل للكاف من الكبير وهي اسم؛ لأنك تقول كاف ياء فهي اسم لتلك الحروف. وقال بعضهم: إن الحروف التي في أوائل السور مما استأثر الله بعلمه. وقال بعض المتأخرين ممن اختصر "كتاب المحصول: هذا إنما هو في الألفاظ [المعبر بها*] عن الكلام القديم، وأما الكلام القديم الأزلي فيستحيل أن يقال فيه: إنه لَا يفهم. قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ قال الطبري: نداء مخلصا؛ فعبر عنه [بالخفي*] مجازا وليس بكناية؛ لأن الخفي منه المخلص وغيره. قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ... (٤)﴾ ابن عرفة: قال بعض اللغويين: (وَهَنَ) أي ضعف لكن الوهن أخص من الضعف؛ لأن الضعف له أول ومنتهى، والوهن يقتضي الضعف الشديد المتناهي. فإن قلت: هلا قال: وهنت العظام مني، فهو أبلغ؟ ابن عرفة: فأجاب بعض البيانيين: إن الألف واللام إذا دخلت على المفرد سيرته عاما في المفردات، والعموم الذاتي أقوى من العموم العرضي، كقولك: كل رجل قائم، وكل الرجال قائم.

стр. 999

فإن قلت: اشتعال الشيب في الرأس سبب في الوهن فهلا قدم عليه؟ قلت: إنما يؤكد الأضعف بالأقوى، والوهن أقوى في الدلالة على الضعف من الشيب؛ لأن الإنسان قد يشيب صغيرا مؤكد هنا بالأقوى الأضعف فلا فائدة فيه. قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الوهن سبب خفي، والاشتعال بالشيب سبب ظاهر يراه كل أحد فأخَّره ليكون كالدليل عليه، وأجيب بأن الوهن يكون لمرض، فهو قابل للتداوي والرجوع إلى حالته الأولى، فلما عقبه بالشيب دل على أنه أمر لازم. ابن عرفة:؛ لأنه يضعف [لأن الكبر ليس لها دواء*]. فإن قلت: هلا قال: وهن مني عظمي؟ فالجواب: أن فيه التبيين بعد الإجمال. كما قال الزمخشري في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، فإن قلت: هلا قال: واشتعل شيب الرأس؟ فأجاب بأنه مجاز على جهة المبالغة في نسب الاشتعال [لجميع*] الرأس؛ إشارة إلى عموم الشيب في رأسه حتى كأنه شيب. قوله تعالى: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). معناه: أني أدعوك فإن استجبت لي حصلت السعادة، وإن لم تستجب لي أجرت أجر [التضرع والخضوع*] فلم أكن شقيا بوجه، والمصدر هنا مضاف إلى المفعول؛ أي ولم أكن بدعائي إياك شقيا. قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي ... (٥)﴾ فإن قلت: هذا معطوف على وهن المؤكد فهلا استغنى عن إعادة إني؟ فالجواب: إما بأنه تأكيد الشيب في المطلب، وإمَّا بأن وهن العظم والمشتعل الرأس ليس من كسبه بوجه، وخوف الموالي من أقاربه في الكسب فهو مباين للأول، وقرئ (خُفْتُ) ومعنى من ورائي من بعدي، فعلى قراءة (خِفْتُ) يفهم معنى الآية؛ لأنه بمنزلة رجل ومات نظراؤه في صناعته؛ حتى لم يبق منهم إلا إنسان، فيقال: خفت الصناع من بعدي؛ لأنه يقطع إذا مات لَا يبقى إلا إنسان، وعلى قراءة (خُفْتُ) لا يصح المعنى؛ لأن إذا مات ارتفع خوفه من هذه من رضى الدنيا لَا يخاف مما كان بعد موته. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ ... (٨)﴾ ابن عطية: كيف استبعد زيادة الولد بعد أن طلبه ودعا به، فأجاب بأربعة أوجه:

стр. 1000

أحدهما: إنما طلب وليا لَا ولدا؛ فلعله يكون له ولد غير الولد لَا ولدا، إما حفيدا، وإما ابن عم، أو ابن أخ أو غير ذلك؛ فلما بشر بالولد استغرب ذلك، فقال: أنى يكون لي [ولد*]. الثاني: أن يكون بين طلبه له وبين التبشير به زمن [متطاول*] بحيث تزايد ضعفه، وتمكنت شيخوخته فكان يرجو أن يبشر به في زمن [إياسه*] من الولد. الثالث: أنه سأل عن الكيفية التي تزايد له فيها الولد هل مرجوع امرأته شابة، أو تلد على ذلك الحال، كما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى). وفي عبارة ابن عطية، قلت: لأنه طلب الولد ثم استفهم كيف الوصول إليه، [وكيف نفذ القدر به*]. ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا، وهو أنه إذا تقدم اسم نكرة ثم أعيد فإنما يعاد معرفا بالألف واللام، قال الله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، قال هنا (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى)، فقال: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) الولد، أو يقول: أنى يكون لي الغلام [فأجيب بوجهين*]: أحدهما: أن الغلام هنا مدح باسمه فأشبه المعرفة؛ فلذلك لم يعده. الثاني: ذلك إنما هو حيث يعاد بلفظه، وهنا إنما أعيد بلفظ الولد ولا شك أن أحدهما أعم من الآخر، فالغلام أعم؛ فإنه يمكن أن يكون ولد ولده، أو ولد أحد من قرابته؛ فأخذ هو بحق السؤال باستبعاد كونه ولده. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ ... (٩)﴾ أي: كما علمت أن جميع الأشياء هين على الله فاعلم أن هذا هين عليه، واستدل بخلقه إياه من عدم، وهذا هو المذهب الكلامي وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله. قوله تعالى: (وَلَمْ تَكُ شَيْئًا). ظاهره أن هذا حجة لأهل السنة في قولهم؛ لأن الندم ليس بشيء. والزمخشري يقول: ولم تك شيئا موجودا أو شيئا مذكورا. قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ... (١٠)﴾

стр. 1001

أي علامة. قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ... (١٢)﴾ ابن عرفة: عرف القرآن في هذا النداء بالياء، إيماء بالموجود؛ فلذلك قال ابن عطية: [المعنى فولده له*]، وقال الله للمولود (يَا يَحْيَى). ابن عرفة: إنما عد بولد؛ لأن المتكلمين اختلفوا في الاستدلال على الحدوث هل يستدل بالإمكان أو بالموجود؟ فإن نظرنا إلى ما قبل الآية، وهو قوله تعالى: (إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى) وهذا دليل على إمكان وجوده، وإن نظرنا إلى قوله تعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) كان دليل على أنه واحد؛ لأنه خطاب له؛ فلذلك أضمر وجوده قبله. وقوله تعالى: (خُذِ). إن كان تكليفا فهو للوجوب، وإن كان امتنانا فهو للندب. قوله تعالى: (بِقُوَّةٍ). قال أبو حيان: إما مفعول أو حال. ابن عرفة: يريد إما متعلق بقوله (خُذِ) وهو موضع الحال والكتاب التوراة، وإنما قال: (بِقُوَّةٍ) ولم يقل ذلك في موسى ولا في [غيره*] من الأنبياء؛ لأنهم أوتوا الحكم [كبارًا*] بالضرورة أن يأخذوا الكتاب بقوة، ويحيى أوتي الحكم صبيا، فقال (بِقُوَّةٍ) أحرى بنا؛ فالحكم المراد به الأمر الفضلي، يعني لأن الصبيان يوصفون بالحكم الضروري فلا مزية له عليهم فيه. حسبما قال الفخر في المحصول: الحكم القصد، يعني هو يمكن أن يكون وأن لا يكون؛ فلذلك يوصف به الصبيان، ويوصفون بالضروري، فلو [علمه*] الصبي لعلمه بتفضيل [**لم يضر] لأنكر ذلك بالبديهة. قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا ... (١٣)﴾ ابن عطية، والزمخشري: يحتمل أن يراد وخلقنا في قلبه الحنان، ويحتمل أن يراد وآتيناه حنانا منا عليه. وذكر ابن الصلاح في علوم الحديث في باب رِوَايَةِ الْآبَاءِ [عَنِ الْأَبْنَاءِ*] حديثا يقتضي اتصاف الله تعالى بالحنان، وذكر فيه سندا متصلا إلى علي بن أبي طالب ﵁: أن الحنَّان هو الذي يُقبل على من أعرض عنه، [والمَنَّانَ هو الذي يبدأ بالنوال

стр. 1002

قبل السؤال*]، فقال ابن العربي هنا في الأحكام: إن إتيان النبوة للصغير ممكنة جائزة عقلا؛ لكنها لم تقع، ولم يذكر ذلك المتكلمون؛ لأن ظاهر كلامهم بياني في بداية الإقدام، أيضا أنها جائزة عقلا؛ لأنه قال: لَا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده بالنبوة والولاية؛ فعموم هذا يتناول الصغير والكبير. قال ابن عرفة: [وأما المعتزلة*] فلا يجوز عندهم نبوة الصغير بناء على قاعدة التحسين والتقبيح، والفلاسفة يصح ذلك على مذهبهم؛ لأنهم يقولون: إنها راجعة إلى طبع مجازي [يحظون به*]، وظاهر كلام الفخر هنا أنها واقعة أن يحيى وعيسى بعثا صغيرين. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ وقال تعالى في عيسى: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)، وكان بعضهم يقول: لأن يحيى [أكثر تكليفا، قال: وعيسى كذلك [وكان رسولا*]. قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ ... (١٥)﴾ وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) قيل لابن عرفة: هذا حكم إنشائي وصيغ الاستثناء حالته، فكيف يعمل في المستقبل؟ فقال: ليس المراد حقيقة المستقبل، وإنما هو كقولهم: ضربته الظهر والبطن. قوله تعالى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَومَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ). وقال عيسى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) فأجاب الزمخشري والغزالي بأن يحيى غلب مقام الخوف فسلم عليه أمنا له [وتطمينا*]، وعيسى غلب عليه مقام الرجاء. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ... (١٦)﴾ قال ابن عرفة: عينها باسمها في سورة التحريم، فقال تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) تشريفا بذكرها مع امرأة فرعون، وامرأة نوح ولوط، ويوجد جواز اجتماع الخبر والأمر في الكلام الواحد؛ لأن الإخبار الآخر عن هذه القصة مع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور بتبليغها للناس فيؤخذ منه أن من آمن فلا يبيع سلعة بكذا دينار، فقال: إن فلانا، قال: بائع سلعتي هذه بكذا وأنا قد بعتها به، فقال المشتري: وقد اشتريتها بذلك، فقال: ربما لَا أرضى بذلك أنه يلزمه البيع. قوله تعالى: (إِذِ انْتَبَذَتْ).

стр. 1003

قال أبو حيان: يصح أن يكون مفعولا أو بدلا من مريم، فقيل له: هما شيء واحد؛ لأن اذكر إنما يتعدى لمفعول واحد، فقال: القائل فيه فعل آخر مقدر؛ أي اذكر إذ انتبذت. قال المختصر السفاقسي: يحتمل أن يكون على حذف مضاف؛ أي اذكر خبر مريم وما جرى لها إذ انتبذت. قال ابن عرفة: هذا هو الصحيح، لأن الخبر متأخر عن المجرور عنه فلا يصح أن يعمل الخبر في إذ؛ لأن وقت الانتباذ ليس هو وقت الخبر؛ فلذلك قال أبو حيان: وما جرى لها إذ انتبذت. قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا ... (١٧)﴾ وهو جبريل، وقال تعالى في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) التبشير وقع من الملائكة وهذا الإرسال من ملكَ واحد، فإن كانت القصة واحدة فيكون ذكر هذا جبريل وحده؛ لأنه المتقدم في الملائكة وهو تبع له، وإن كانت قصتين فتكون تلك قبل هذه فبشرها أولا الملائكة ثم أتاها جبريل وحده فنفخ في فرجها. فإن قلت: كيف يفهم [تصور*] الملك ورجوعه على صورة إنسان حسن الصورة مع أن الموجودات ثلاثة: إما متحيز، أو قائم بالتحيز، أو لَا متحيز ولا قائم؛ فمتحيز على القول بإثبات الجوهر المفارق، فكما لَا يصح صيرورة الجوهر [عرضا*] ولا العكس؛ لذلك لَا يصح الموجود الغير المتحيز متحيزا، قلت: فالصواب أن الملائكة أجسام متحيزة، فكما أن الله تعالى أقدر الجسم على القيام والقعود والحركة، كذلك أقدر بعض الأجسام على [التصور*] على صفات مختلفة. ابن عرفة: وقد كنت رأيت السلطان إبراهيم في غاية الضعف قولا [ ... ]. قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي ... (٢٤)﴾ وقرئ (مَنْ تَحْتَهَا)، وعلى كلا القراءتين يصح أن يكون المنادِي جبريل وعيسى ﵉، ورجح بعضهم الأول بعدم الاحتياج إلى إضمار الفاعل، وأجيب بأن الفاعل هناك الجزء من الفعل فهو بمنزلة المركب. ابن عرفة: [ومن بدع التفسير قول الزمخشري في أن جبريل ﵇ كان يُقَبِّل الولدَ كالقابلة*].

стр. 1004

قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي). قال الزمخشري: أن مفسرة. ابن عرفة: انظر هل هي مفسرة للنداء أو للقول الكائن معه؟ فالمعنى: قال لها يا مريم لَا تحزني، أو كون قوله: (نَادَاهَا) فحملوه من قوله لها: (يَا مَرْيَمُ) وأن لا يفسر القول الواقع بالنداء. قوله تعالى: (أَلَّا تَحْزَنِي). قال ابن عرفة: عادتهم يوردون فيه سؤالا وهو أن الغم الواقع من النفس إن كان لأجل أمر مستقبل فهو خوف، وإن كان لأجل أمر ماض فهو حزن وتألم، إما أن تكون مما يلحقها من المعرة فقط من قومها فهو أمر مستقبل، أو بالسبب الواجب لهذه المعرة وهو أمر ماض أو مجموعهما، وهو مستقبلي؛ لأنه إن كان بعض المجموع مستقبل فالكل مستقبل، وتألمها في الحقيقة، وهو إما أن يلحقها من المعرة فقط، فهلا قال [(فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَخافي) *]؟ قال: والجواب: اختار أنها اغتمت وتأملت للمجموع من المعرة وسببها وراعاها في هذا المجموع سببه وهو ماض تذكيرا لها لما فيه من المعجزة، والأمر الخارق للعادة؛ ففيه تسلية لها عن العالم لما يتوقعه من المعرة وسببها وراعاها في المستقبل. قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ قال ابن عطية: يؤخذ منه مراعاة الأسباب، وإلا فالله سبحانه قادر على إيصال ذلك إليها من غير هز. ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إنما أمرها بالهز؛ لأن فيه اشتغالا لها لتسلى [ويزول*] عنها ما بها من الغم، [كما شاهدناه*] فيمن يكون مغموما فتعلق نفسه بشيء يزيل همه، قالوا: ففي الآية تعدى فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، وأجاب أبو حيان بخمسة أوجه: إما أنه على إضمار أعني إليك. وإما أن ذلك اسم.

стр. 1005

وإما أن ذلك جائز عند الكوفيين. ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: الصواب جوازه هنا، وإنما يمنع حيث يباشر الفاعل المفعول، كقوله: ضربتني وضربتك، وهنا فصل بين الضميرين حرف الجر، وقد أجازوا العطف على المضمر المتصل المرفوع إذا فصل بينه وبين المعطوف بالجر، مثل: (مَا أَشرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا). فقيل لابن عرفة: هذا شبه القياس في اللغة، وهو ممنوع عندهم، قيل له: [إنه يجاب*] [بأن*] (إليك) متعلق بـ (تساقط عليك) ويكون بدل اشتمال]؛ لأن الاستعلاء مشتمل على منتهى الغاية. قلت: وذكرته لصاحبنا الأستاذ أبي الفارس بن القصار فرده بوجهين: الأول: أن جواب الشرط لَا يجوز تقديم معموله عليه إلا عند [الفراء*]، و (تساقط) هنا جواب للأمر المتضمن معنى الشرط، واحتج المؤلف بقول الشاعر: وللخيلِ أيَّام فمن يصطبرْ لها ... ويعرفْ لها أيَّامها الخيرَ يُعقبِ وأجاب ابن عصفور بأن الخبر للام الثاني إنما نصوا على شديدة الاتصال بالجمل، فلا يجوز الفصل بينهما بأجنبي باتفاق، وإذا كان متعلق بـ تساقط صار أجنبيا عن هذا، قال: وإنما الجواب عندي بأنه على حذف مضاف؛ أي: وهزي إلى جهتك حسبما ذكر ابن عصفور في قوله تعالى: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) وذكروا أيضا نحوه في قوله: فدعْ عنك نَهباً صِيحَ في حَجراتِه ... ولكن [حديث*] ما حديث الرواحلِ قوله تعالى: (رُطَبًا جَنِيًّا). أي رطبا مهيئا للاجتناء؛ لأن الرطب قسمان: منها ما حل، ومنها ما لم يحضر وقت اجتنائه. قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ ... (٢٦)﴾ أصله: فإنْ ما ترين. قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا). فكان في شريعتهم أنهم إذا انذروا الصوم يمسكون عن الطعام والشراب والكلام. قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ... (٢٧)﴾

стр. 1006

قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (تَحْمِلُهُ) مع أن (بهِ) يغني عنه؟ فأجاب بأنه احتراس عن أن يظن، قيل له: هلا استغنى بقوله (تَحْمِلُهُ) عن قوله: (بِهِ)؟ فقال: أفاد ذكره التفسير بعد الإجمال، كما قال في قوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ)، قال وعادتهم يقولون: يقدرون أن الفعل يقتضي التكلف، واحتمال [المشاق*] بخلاف الاسم، كقولك: جاء زيد يحمل عمرا؛ بخلاف قولك: حامل عمرو، ولا شك أن عليها في دخولها به قريتها [هَمٌّ*] كبير، ومشقة؛ لاستحيائها منهم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ قال ابن عرفة: فيه إيماء إلى أن الأصل له أثر في الفرع، ولذلك قال [ ... ]. [لعله عرق نزعه*]. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ ابن عرفة: (مَنْ) إما عبارة عن الأنواع أو عن الأشخاص؛ فإن كانت للأنواع فالمعنى كيف نكلم من هو من هذا النوع؟ فتبقى كان على أصلها؛ لأن هذا النوع مضى منه كثير. قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون في هذا سؤالا؛ وهو أن الصواب [أن يقال*]: كيف نسمع كلام من كان في المهد صبيا؟ أو كيف يجيبنا من كان في المهد صبيا؟ لأنهم قد تكلموا وكلامهم وإنكارهم إنما هو [عليها*] لَا على الصبي، وقد كلموها، وما بقي لهم إلا السماع، قال: فكان الجواب يمشي بتقدير [صحته*]؛ أي إنما [أجبنا*] المسئول لا غيره، ونحن إنما نتكلم ونسأل من هو أهل لأن يتكلم، ومن كان في المهد صبيا لا يتكلم. قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ... (٣١)﴾ إنما لم يقل: وأمرني؛ لأنه صغير لم يبلغ هذا التكليف. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ... (٣٤)﴾ قيل لابن عرفة: يحتمل أن يكون (الْحَقِّ) بدلا من (عيسى) بدل اشتمال، وقد نصوا على جواز بدل المصدر من الاسم في بدل الاشتمال؛ فرد عليه بأنه مشروط بضمير

стр. 1007

يربط بين البدل والمبدل منه، والمصدر ليس فيه ضمير إذ ليس بمشتق، وأجيب بأن ابن هشام [نص*] في شرح الإيضاح على [أنه*] الألف، والألف تقوم مقام الضمير. قوله تعالى: (الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ). ولم يقل: الذي فيه يختلفون؛ لأن الاختلاف يستلزم أن يكون البعض حقا والبعض مبطلا، والامتراء يقتضي بطلان قول جميعهم. قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ... (٣٥)﴾ قابلية [اتخاذ*] الولد، ونفي مكان اتخاذه]، ونفى في سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ) وجود اتخاذه، وفي سورة المؤمنين (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ). ابن عرفة: وبين الآية عموم وخصوص من وجه دون وجه؛ فنفي وجود الولد لا يستلزم نفي وجود البنين، ونفي اتخاذ الولد يتناول ولد البنين أو ولد الصلب. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ... (٣٦)﴾ قال الزمخشري: قرأ المدنيون، وأبو عمرو بفتح (إن) [والأستار*] وأبو عبيد بكسرها على الابتداء. قال ابن عرفة: وجدت في طرة كتاب عن الزمخشري: الإسناد معناه الأربعة. قال الطيبي: هم الكوفيون والأعمش. قوله تعالى: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ (مِنْ) للسبب؛ أي لسبب شهادتهم ذلك اليوم لما يقولون. قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ... (٣٨)﴾ ابن عطية: هؤلاء ممن يقال فيهم: ما أسمعهم وما أبصرهم بالعذاب والوعد والآلام النازلة بهم. قال ابن عرفة: وكان بعضهم يرجح الثاني، قوله تعالى: في سورة نون والقلم، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ). فظاهره أنه ليست لهم قدرة عن أفعال أسباب السعادة، وأجيب بأن تلك على سبب القوة العملية عنهم، وهذه إنما تدل على إثبات القوة العلمية لَا العملية. قال الزمخشري: وقيل: إنما معناه التهديد بما ينالهم ويصدع قلوبهم من السوء.

стр. 1008

ابن عرفة: فيكون أمرا بالسماع حقيقة. وقيل لابن عرفة: فالإسماع في الدنيا فكيف يعمل في (يوم يأتوننا)؟ فقال: الفاعل لازمه لَا هو أي أسمع غيرهم بخبرهم يوم يأتوننا. ابن عرفة: وظاهر الآية دليل في المسألة التي كفر القرآن فيها الفلاسفة حيث أنكروا إعادة الأجسام بعينها، بقوله (يَوْمَ يَأْتُونَنَا) فظاهر إتيانهم بأسماعهم وأبصارهم على ما كانت عليهم. قوله تعالى: (فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). يحتمل معنيين: إما أنه مبين في نفسه، وأنه مبين جهلهم وغباوتهم وهلاكهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ... (٤٠)﴾ الوارث قسمان: فوارث المال بمعنى تملكه حسيا، ووارث الأب بمعنى [**تملكه حظه] أو عمله وهي معنوية؛ فهل هو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؟ قال: ليس هو لذلك؛ لأن الأب لَا يملك، والأرض هنا ومن فيها ملك لله . قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ... (٤١)﴾ قال ابن عرفة: قال المفسرون: إن كان الله تعالى ذكره في الكتاب فيكون أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم فضائله وأوصافه وسماعه من النبوة والرسالة والصدق، وإن كان أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيكون ذكر حقيقة. ابن عرفة: ويحتمل على الأول أن يكون بمعنى اذكر للناس ذكر إبراهيم في الكتاب؛ أي اتل عليهم أنه ذكره في الكتاب. ابن عرفة: وانظر هل ذكره في الكتاب تشريفا له أو تعظيما؛ فكان بعضهم يأخذ من هذه الآية مع قوله تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) بأنه ليس بين مرتبة النبوة ومرتبة [الصديقين*] مرتبة زائدة، وبيَّن [الصديقين*] بأنهم العلماء في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، أو في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) مع أنهم ذكروا في الحال أنها على أربعة أقسام: فأولها: إيمان المقام.

стр. 1009

الثاني: من حصل له العلم بدليل لَا يقدر على التعبير عنه، وهذا يختلف فيه هل هو مقلد أو مجتهد. والثالث: من حصل له العلم أنه بالدليل القوي يقدر على دفع ما يرد عليه من التشكيكات، وعلى تربية النَّاس وإرشادهم به إلى الطريق الحق، كان سيدي أبو الحسن الزبيدي على صحن الجابية وهو ينظر [منتهى السول للآمدي*]، قال: قلت في نفسي: [عذرا يا سيدي أبا الحسن*]، هل هو من الصديقين أم لَا؟ فطوى الكتاب. كان سيدي أبو الطاهر الركراكي يقول: نحن معاشر الصديقين آخر من ينصرف من المحشر ثم رجع ينظر في الكتاب. قال ابن عرفة: ما ورد في الحديث من أن إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم لم يكذب إلا ثلاث كذبات ليس على ظاهره، وما عدها إبراهيم كذبات إلا تواضعا منه، وإلا فقوله: (بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا) ليس بكذب، بقوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) فقد فعله كبيرهم هذا وهم لَا ينطقون فلم يفعل هو. قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ ... (٤٢)﴾ النداء له تنبيه ليحضر ذهنه لسماع ما يرد عليه، ولم يقل: يا آزر على جهة اللطف والاستعطاف، ومن التلطف سؤاله عن سبب عبادته لمن هو عاجز، وهو قوله (وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) إشارة إلى أنه مفتقر لمعبود يغني عنه وينفعه ويضره. قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ ... (٤٣)﴾ إشارة إلى أن أباه عجز عن جوابه هذا فأخبر هو بما حصل حقيقة عنده من العلم. قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ... (٤٦)﴾ قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون استفهاما حقيقة؛ ليحصل المشاكلة بينه وبين قول إبراهيم (لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ) كأنه أيضا استفهام حقيقة يرد السؤال لَا في استفهام إبراهيم عن العلة في عبادته أبيه عن نفس العبادة، واستفهام آزر عن ذات الشيء لَا عن علته، هل هو راغب عن آلهته أو يعبدها؟ قال: وأجيب بثلاثة أوجه: الأول: أن هذا منه على سبيل المغالطة، وإلا فهو يعلم أن إبراهيم يرغب عن آلهته.

стр. 1010

الثاني: أنه سئل عن علة العلم، وأما الجاهل فلا يسأل عن علة الحكم ولا عن دليله بوجه. الثالث: أنه إنما ذكره ليرتب عليه العقوبة في قوله (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا). قال ابن عرفة: فإن قلت: هلا ابتدأ بالنداء قبل الاستفهام؟ فالجواب: أنه قدم الاستفهام؛ لأنه الاسم المقصود. قوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا). معطوف على مقدر؛ أي فاحذرني واهجرني مليا. قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ... (٤٧)﴾ كان بعضهم يقول: أما سلام القادر فمطلوب مشروع، وأما سلام المنصرف فغير مشروع، ومنهم من قال: مشروع بدليل هذه الآية مع حديث خرجه أبو داود. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ فكان بعضهم يقول: الوصف بالنبوة تأكيد؛ لأن الرسالة أخص، وكان بعضهم يجيب بأن الأعم على قسمين: أعم لَا يوجد إلا في أخصه المعين. وأعم يوجد فيه وفي غيره، فمثال الأول في قولك لرجل ميت: كان هذا إنسانا حيوانا؛ فالأعم في هذا المثال لَا يوجد إلا في أخصه المعين؛ لأن كون ذلك الرجل حيوانا لَا يمكن أن يوجد إلا مع كونه إنسان، وكذلك الموصوف بعد الرسالة إن كان نبياً مدة من الزمان، ثم كان رسولا بعد ذلك باستبعاد استقلال كل واحد من الوصفين فيه وفي غيره من الرسل أرسل وثبت واحدة. قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ... (٥٢)﴾ (مِنْ) للغاية؛ أعني لابتدائها وانتهائها، نحو: خذ المال من الصندوق، وذلك من النسبة إلى المخاطب، والوصف الأيمن إما مأخوذ من اليمن والبركة، وإما باعتبار الشرف، وإما باعتبار القوة والضعف؛ لأن اليمين أقوى في التكسب والحركة من الشمال باعتبار الأعم الأغلب، وقد يكون في بعض النَّاس على العكس. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾

стр. 1011

قد يقال: ظاهر الآية أن هارون ﵇ كان نبيا فقط، فيجاب بأنه رسول نبي بدليل قوله تعالى: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ ... )، غير أن رسالته على جهة التبعية لموسى؛ بقوله (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ). قال الزمخشري: [الرسول الذي معه من [الأنبياء*] [والنبىّ: الذي ينبئ عن الله ، وإن لم يكن معه كتاب، كيوشع*]. ابن عرفة: إنما الرسول المأمور بالتبليغ فيما أوحي له به، والنبي هو الذي يوحى إليه ولم يؤمر بالتبليغ. ابن عرفة: وفي هذه الآية عندي رد على شيخنا القاضي ابن عبد السلام حيث كان في ميعاده، يقول في تفسير طه في قوله تعالى: (قَدْ أُوتيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) بعد قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارون أخي) إلي [(في أمري) *]، قال: هذه الآية حجة للمعتزلة في قولهم: إن النبوة مكتسبة، وكان ابن مرزوق يشنع عليه، وعزم على تكفيره؛ لكنه ذكره بأثره كلاما يدل على سلامة عقيدته مع أن تلك الآية لَا حجة لهم فيها؛ لأن القائلين بأنها مكتسبة بالدعاء [والتضرع*] إلى الله تعالى؛ لكن قبل خاتم النبوة، وأما الآن فلا؛ لأن موسى دعا بذلك؛ فاستجاب دعائه، كما يدعوا الإنسان بأن يكون وليا أو عالما. قال ابن عرفة: قال: فقوله في هذه الآية (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا) دليل على أن نبوة هارون ﵇ محض تفضل من الله تعالى، ورحمته ليس باكتساب بوجه. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ ابن عرفة: هذا كله تشريف لإبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آله وسلم بما يخصه في ذاته وما يخص ذريته؛ لأن إسماعيل ﵊ من ذريته. ابن عطية: الجمهور على أن الذبيح إسماعيل. وقال ابن رشد في المقدمات: الأكثرون على أنه إسحاق. وقال اللخمي: الأصح أنه إسماعيل.

стр. 1012

ابن عرفة: وكان بعض الطلبة، يقول: إطلاق صادق بلفظ اسم الفاعل على الذات حقيقة، وعلى القول مجاز، فيقال: رجل صادق، وقول صادق؛ فإنما الحقيقة قول صادق بوصف المعنى بالمعنى، وظاهر الآية العكس؛ لأنهم قالوا في قوله: مررت برجل حسن الوجه لَا بصفته، فكذلك هذا وصف إسماعيل [بصفة*] وعده. قال ابن عرفة: وأجيب الفرق بين القول والوعد والصدق ينسب إلى القائل في قوله حقيقة إلى صاحب الوعد مجاز، أو إنما يقال: فلان وفى في وعد أوعدني فأوفى إليَّ؛ فقولك كان هنا مجازا. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ... (٥٥)﴾ إعادة لفظ كان تنبيه على أن كل وصف منها منتقل بالمدح عليه. قوله تعالى: (وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا). فيه تشريف له بوجهين: أحدهما: أن لفظ [العندية*] منسوبة إلى الله . والثاني: وصف الرضا. قال الزمخشري: أصله مرضو. وقال ابن عطية: أصله مرضوي، والصحيح ما قال الزمخشري؛ لقوله تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) فهو من ذوات الواو، ولذلك [لم يُمَلْ*] ورش مرضاة، وأمالها الكسائي. قلت: قال صاحبنا ابن القصار: اعتبر أصل المادة وهو رضو؛ فجاءت واو في آخر الفعل قبلها كسرة فقلبت ياء؛ لأن مصدره رضوان، وراعا ابن عطية أصل الإعلال؛ لأنه لما أعل [رجع*] إلى الياء، وأصل الإعلال عندهم إنما يعتبر في الفعل. قيل لابن عرفة: اعتبر ابن عطية في الفعل، وهو رضيت ورضينا. قال ابن عطية: إنما وصف إسماعيل بصدق الوعد؛ لأنه وعد رجلا أن يلقاه في موضع فانتظره إسماعيل يوما وليلة، وقيل: انتظره سنة. ابن عرفة: والعجب من الزمخشري على تأخره على ابن عطية كيف لم يذكر القول الأول.

стр. 1013

قال ابن عطية: وفعله نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم قبل البعثة، ذكره النقاش، وخرجه الترمذي. ابن عرفة: وذكر عياض في الشفاء: أنه انتظر موعوده ثلاثة أيام، وذكر ابن ماجه حديثا. قال ابن عرفة: والعطف في الآية تدل أن الرسالة أشرف من [صدق الوعد*] والأمر بالصلاة والزكاة مستند إلى تبليغه عن الله أشرف من وصف الرسالة فقط، والرضا مع ذلك أشرف من الجميع. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ... (٥٦)﴾ قيل: إنه ولد قبل وفاة آدم ﵇ بمائة سنة*. ابن عرفة: والظاهر أنه نبي فقط؛ لأن هذه الأوصاف ذكرت على معنى التشريف له فيعتبر في ذلك أعلاها؛ فلو كان رسولا لمدح بوصف الرسالة. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ... (٥٨)﴾ قال ابن عرفة: انظر هل هذا من الإشارة إلى القريب بلفظ البعيد للتعظيم؟ مثل: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [أو لا؟ *] كان بعضهم سيعمله منه محتجا بأنه إذا اجتمع في الكلام القريب وبعيد يغلب القريب بدليل [تغليبهم*] ضمير المخاطب على الغائب والمشار إليهم هنا منهم زكريا وهو بعيد، ومنهم إدريس، وهو قريب، وكان بعضهم يقول بالعكس أولا؛ لأن المشار إليهم مجموع مشتمل على قريب وبعيد. وقد قال المنطقيون: فاعتبر هنا في المجموع أدناه وهو البعيد، فلذلك أشير إليه بلفظ البعيد. قوله تعالى: (مِنَ النَّبِيِّينَ). قال ابن عرفة: كونه خبر المبتدأ يوجب إشكالا؛ وهو توهم [حصر*] النبيين في هؤلاء، ولزم من البيان الجنس، فيجاب بأنه أعم، والخبر يكون أعم من المبتدأ، أورده بعض الطلبة بأن هذا عام لَا أعم إذ لَا يقول: زيد الرجال، كما يقول: زيد الحيوان، وأجاب ابن عرفة بأن كونه تاما لَا ينافي هنا كونه أعم فهو هنا عام وأعم، قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ) أنه معلوم لَا غرابة فيه، قال: فائدته تشريف آدم [بنسبتهم*] إليه.

стр. 1014

قوله تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ). ولم يقل: آيات الله، أو القهار، أو العزيز، أو الجبار [تنبيها بالأدنى على الأعلى*]؛ إشارة إلى أنهم إذا سمعوا آيات الرحمن والرحمة يبكون ويسبحون؛ فأحرى إذا سمعوا آية التخويف والموعظة. قوله تعالى: (سُجَّدًا). قال أبو حيان: حال مقدرة؛ لأنهم حال الخرور والقعود. قال أبو حيان: ((شَاهِدٍ وَمَشهُودٍ). قال ابن عرفة: شهود ليس إلا جمع، وشهود وقعود يحتمل الجمع والمصدر، كما أن (بُكِيًّا) يحتمل الجمع إذا تلوها هم بأنفسهم هل يكون أحرى فيمن جاورهم أو مساويا أبدا؟ قلنا: يحتمل الأخروية والتساوي، ويحتمل أن يكون من جاورهم بسماعها من غيرهم أمرا، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم: "إني أحب أن أسمعه من غيري". قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ... (٥٩)﴾ العطف بالفاء يقتضي كمال القرب بين زمنهم وزمن هؤلاء المخالفين لهم؛ ولذلك قال ابن عطية: بينهم ستون سنة، وأنه أقل ما تبدل فيه الأحوال، وكذلك قال النبي صلى الله وعلى آله الطيبين وسلم: ": خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، والمراد القرب بينهم وبين آخرهم وهو عيسى ﵇، وحينئذ يحصل كمال البعد بينهم بمجموعهم وبين المخالفين لهم، هذا إن قلنا: إن الخلف في النصارى، وإن قلنا: إن اليهود فيهم فيكون المراد من بعدهم، والخلَف بالفتح في الخير وبالسكون في الشر، ومنه حديث خرجه مسلم في كتاب الزكاة: " [مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا*] ". قال ابن عرفة: والمراد بالأول الإنفاق في الواجب والمندوب والإمساك عن النفقة الواجبة؛ لأنه إخبار من المشرع بالدعاء له وعليه ففيه ذم فاعله؛ فدل على أنه واجب. قوله تعالى: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ). قال ابن عرفة: قالوا: اتباع الشهوات سبب لإضاعة الصلاة؛ لأن من اتبع شهوة النفس مكنها من غرضها في الراحة والتكاسل عن الطاعة.

стр. 1015

قال ابن عرفة: بل المراد على العكس؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ ... (٦٠)﴾ قيل لابن عرفة: إن قلت: التوبة تستلزم الإيمان لأنها إما من الكفر أو المعاصي؛ فما أفاد قوله (وَآمَنَ)؟ فالجواب: إما بأنه على التوزيع فمن تاب المراد به المعاصي، ومن آمن أي من الكفر، وإما أن التائب تقبل توبته إذا تاب وتحققت حالته، وإن ازدادت على ما كانت عليه قبل ذلك، فقوله (آمَنَ) إشارة إلى هذا. قوله تعالى: (وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا). الواو إما للحال؛ أي يدخلون الجنة في حال عدم الظلم، ويحتمل أن تكون جملة مستقلة وهو أولى لاقتضائه عدم ظلمهم قبل الدخول وبعده. قوله تعالى: ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ... (٦١)﴾ لأنهم عبدوا الله استنادا للوعد بها لمن أطاعه وهو أمر فجيب عنهم. قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا). يحتمل أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول، إما أنه كان [وعده آتيًا*] أو مأتيا مدركا. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا ... (٦٢)﴾ بهذا مثل عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ أي ليس فيها لغو يسمع، واللغو الساقط من القول. قوله تعالى: (إِلَّا سَلَامًا). ذكر أبو حيان فيه ثلاث أوجه: أحدهما: أنه استثناء متصل؛ لأن السلام في الجنة لغو؛ لأنه لَا فائدة فيه إذ لا خوف فيها فيحتاج إلى التأمين منه. الثاني: أنه منقطع. والثالث: أنه مثل: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ

стр. 1016

قيل لابن عرفة: فهو إذا منقطع؛ لأن سيبويه أنشد هذا البيت في باب الاستثناء المنقطع، فقال ابن عرفة: الفرق بينهما أنه على هذا الوجه يكون المراد به المدح؛ فهو من تأكيد المدح بما [يشبه*] الذم، والبكرة والعشي حملها ابن عطية على [تقادير الزمان*]، قال: وروى أن أهل الجنة - تسد لهم الأبواب بقدر الليل في الدنيا فيعرفون البكر عند افتتاحها والعشي عند] [انسدادها*]، والليل إنما هو به والشمس، وقال تعالى (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا). فقال ابن عرفة: يحتمل أن يراد لَا يرون شمسا محرقة؛ لأن الشمس يحجبها عنهم كثرة أنوارها فلا يرونها، والزمهرير شدة البرد، وهذا أمر جائز ممكن لَا مانع يمنع منه، أو يحتمل أن يكون مثل قولهم: ضربته الظهر والبطن أي رزقهم هاهنا مستمر. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما قال (نُورِثُ) ولم يقل: نعطي أو نجازي؛ إشارة إلى أنها ليست عوضا عن الأعمال بوجه، ولم يأخذها أحد بالاستحقاق، وإنَّمَا [كالوارث*] الذي أخذ كوارث بغير معاوضة [ولا استحقاق*]، قال: وفي هذا تشريف لهم من وجهين: أحدهما: لفظ العباد من حيث إضافته إلى الله تعالى. والثاني: (تَقِيًّا)؛ لأنه أخص من المتقي. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا ... (٦٤)﴾ قال الفخر: [خِطَابُ جَمَاعَةٍ لِوَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى الرَّسُولِ*]. ويحتمل أن يكون هذا من كلام بعض أهل الجنة لبعض؛ أي ما نزلنا هذه المنازل إلا بأمر ربك. قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا). عموم [العلم*]؛ ومع أنه مردود بقوله تعالى: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ)، ورد في بعض الأحاديث ما يدل على أنه في هذه الآية يعني الذهول؛ لأنه استدل بها. قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ .. (٦٥)﴾ أي اصطبر على المشاق لعبادته؛ وهذا أمر لجميع النَّاس.

стр. 1017

قال ابن عرفة: خطابا للمعدوم على تقدير وجوده؛ لأنه يتناول من هو موجود حين نزول الآية، ومن سيوجد إلى قيام الساعة. قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا). إما أن يراد هل تعلم له شبيها؟ وهل تعلم من تسمى باسمه موصوفا بهذه الصفة؟ وهو كونه رب السماوات والأرض، وليس المراد شبيها بالإطلاق؛ بل سميا على هذه الكيفية. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ ... (٦٦)﴾ قال الزمخشري: [يحتمل*] أن يراد بالإنسان الجنس أو بعضه [وهم الكفرة*]. قال ابن عرفة: إن كانت القضية خارجية فالمراد [البعض*]، وإن كانت حقيقة فالمراد كل من يوجد إلى قيام الساعة فهو بمظنة المخالفة. قال الزمخشري: فإن قلت: [لم جازت إرادة الأناسى كلهم، وكلهم غير قائلين ذلك*]؟ قلت: لما كانت هذه المقالة موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بني فلان قتلوا فلانا، وإنما القاتل رجل منهم، وكذلك قال في البقرة في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا)، وفي آل عمران في قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِن النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُم). وكذلك قال التلمساني: في شرح المعالم الفقهية في المسألة الخامسة في الباب الثالث، قال: يقال لمن تبرجت لرجل واحد تبرجين للرجال بالنكاح. ابن عرفة: وهذه قضية شرطية مؤكدا فيها الشرطية بـ إذا المقتضية لتحقيق الوقوع، وبما، وباللام، وسوف، وأدخل على ذلك همزة الاستفهام على سبيل الإنكار لذلك على ما هو عليه. قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ هذه الآية أصل في إلحاق المثل بمثله. قيل لابن عرفة: فيها حجة لأهل السنة في إعادة العدم بعينه. وقالت المعتزلة: إنما يعاد مثله. قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُ شَيْئًا).

стр. 1018

الواو للحال من الضمير في خلقنا، ويرد فيه السؤال الثاني أن التأثير فيه بالإيجاد إن كان حالة عدمه فيلزم عليه اجتماع الوجود والعدم وهو محال، وإن كان حالة وجوده فيلزم عليه تحصيل الحاصل حسبما أورده في أصول الدين، وأجابوا بأن التأثير فيه حالة الأثر وإيجاده به؛ أي بذلك الأثر. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ النزع: هو أخذ الشيء بقوة، مثل (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍ) (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا) [ومن نزع الروح من الجثة*]. قوله تعالى: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا). ذهب ابن الطراوة إلى أن في الآية نفي وإضافة، وهي مبتدأ وأشد خبره، والفعل معلق عن العمل فيها. قال الزمخشري: وذهب الخليل إلى أنها معرفة وارتفعت على الحكاية تقدير الكلام لننزعن [الذين يقال فيهم أيهم أشد*]. ورده ابن عرفة بأن حذف الموصول وإبقاء بعض صلته لَا يجوز. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ ابن عرفة: ليس المراد نفس العلم؛ لأنه لَا شركة فيه، وإنما المراد بالعلم هنا [ورود*] أثره. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ... (٧٣)﴾ الضمير عائد على (وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا). قال الزمخشري: [بَيِّناتٍ مرتلات الألفاظ، ملخصات المعاني، مبينات المقاصد: إما محكمات أو متشابهات، قد تبعها البيان بالمحكمات. أو بتبيين الرسول قولا أو فعلا. أو ظاهرات الإعجاز تحدّى بها فلم يقدر على معارضتها. أو حججا وبراهين*]، والوجه أن يكون حالا مؤكدا بل مبينة؛ لأنها حين نزولها لَا تكون بينة إلا بعد تبيان الرسل لها، قال: ويجاب بأنه بينها عنه تلاوتها عليهم فهي بينة حينئذ لَا مبينة يحتمل أن تكون اسم فاعل مفعول فهو المراد أنها بينة في نفسها أو مبنية ببيان غيرها لها. قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا). فأجيب بأنهم قالوا: أينا لتوهم أن التفضيل بين الكفرة.

стр. 1019

ورده ابن عرفة بأن الكلام في التفضيل إنما هو من الفريقين، قال: وإنما عادتهم يجيبون بوجهين: الأول: لو قال أينا لكان فيه لين وتأسيس لهم وتلطف في خطابهم لأجل الإقبال عليهم بالخطاب وخلطة مع التعلم في الضمير. الثاني: أن المضمرات على الصحيح جزئية، والشخص يرى لَا يدخل تحت الجزئي، ولف الفريق كلي والكل يشتمل على الجزئي وغير فيدخل تحت الحاضر والغاية. قوله تعالى: (خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا). ولم يقل: أحسن مقاما وخير نديا. قال ابن عرفة: أجاب البيانيون بأن أحسن أخص ولا يوصف بالحسن إلا الحسن. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ ... (٧٤)﴾ نقل ابن عصفور في شرح مقربه عن الأعمش: أنه يجوز عنده ملكت كم فلان، ونقل أيضا ابن مالك في شرح كافيته، ونقل عن بعضهم: أنه يجوز زيد كيف. وكان بعضهم يقول: إن كتاب سيبويه قياس الأمثلة بكونه يحمل كم الخبرية على كم الاستفهامية تشبيها في اللفظ. فإن قلت: قوله تعالى: (أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيرٌ مَقَامًا) يدل على أن مقام الكافر ليس فيه خير. قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا). يقتضي مشاركتهم في الخير، وأنهم متصفون بمطلق الحسن، قال: والجواب: أن الأول أخروي؛ لأن الكفار ادعوا أنهم خير من المؤمنين بحسن ثباتهم وكثرة أموالهم؛ فأنكر ذلك عليهم بأن المؤمنين خير منهم في الآخرة. قوله تعالى: (هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثا وَرِئْيًا). يعني أنهم كانت دنياهم أحسن من دنيا هؤلاء. قال ابن عطية: [واختلف الناس في قدر المدة التي إذا اجتمعت لأمة سميت تلك الأمة قرنا، فقيل مائة سنة، وقيل ثمانون، وقيل سبعون، وقد تقدم القول في هذا غير مرة*] وقيل: غير ذلك إلى الثلاثين، قوله في سورة هود وقد تقدم أيضا في الأنعام.

стр. 1020

ابن عرفة: والعصر فيما بينهم هم الذين أدرك أصغرهم أكبرهم، قال: فعصر الصحابة [انقضى*] بانقضاء آخرهم مدة، وكذلك عصر التابعين، كما أن عصر شهود ابن القداح [انقضى*] بموت الفقيه أبي عبد الله السكوني. قيل لابن عرفة: نص ابن عقبة ورد على امتناع كون الشرط [مستقبلا*]، والجواب [ماضيا*]، وهو غير [**ما ذكر في الآية]، فأجاب بأن ذلك بحيث يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، وإذا لَا تجزم إلا في التصغر، فلا يقع الحضور هنا المنهي عنه. قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ... (٧٥)﴾ إما أمر حقيقة، أو نهي بمعنى الخبر، والمراد يمدد له مدا حالة كونه في الصلاة، وأما بعد ذلك فيمكن. قوله تعالى: (إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ). هذه القضية مانعة [الخلو*] وليست مانعة الجمع؛ لأنه يخلو أحدهما عن عذاب الدنيا بالقتل أو بالأسر وبالحيرة والغم حيث قتل أصحابه وأسروا، وأما في الآخرة فيحتمل أن يقال الأمرين. قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا). دليل على أن المقام في قوله تعالى: (خَيرٌ مَقَامًا) اسم مكان؛ لأنه من مقابلته. قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ... (٧٦)﴾ قال ابن عرفة: [**يزيد من أفعال السنة، مثل: على زيد لَا من الأفعال المتصلة]، مثل: قام زيد؛ لأن العلو يستدعي معلوا عليه، كما أن الزيادة تقتضي مزيدا عليها، قال: فإن قلت: ظاهر الآية يقتضي جواز اجتماع الأمثال وهو باطل عندنا، فالجواب بوجوه متعددة: أحدها: أن الزيادة هنا باعتبار القوة العلمية [لأن*] الطاعة متعددة وإن كانت كلها تقتضي الهداية. الثاني: أنه إذا قلنا: إن العرض لَا يبقي زمانين وهو مذهب أهل السنة فتصح الزيادة؛ بمعنى أنه بعدم عرض، ويخلفه عرض آخر أكبر منه فهو زيادة في الهدى، وإنما يشكل إذا قلنا: إنه يبقى زمانين.
следующие страницы →