المبحث الأول
غيب الماضي
لقد سمى الله الأخبار عن الأمم السابقة غيبا، وأشار إلى وجه دلالتها على صدق رسول الله ﷺ وعلى كون القرآن الكريم إنما نزل بوحي من الله ، فكثيرا ما يفتتح القرآن القصة أو يختمها بالإشارة إلى أن هذه الأمور ما كان لرسول الله طريق إلى العلم بها إلا عن طريق الوحي من الله تعالى شأنه وجلت قدرته، فمثلا بعد ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله زكريا لها يقول تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) [آل عمران: ٤٤]، فإن هذا النص يدل على أن القرآن من عند الله، وعلى أن ذلك النوع من العلم ما كان عند محمد ﷺ ، وليس له به دراية.
ويقول عز من قائل بعد قصة نوح ﵇: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) [هود: ٤٩] وهذه أيضا إشارة واضحة إلى أن هذا العلم من عند الله، وأنه لم يكن معروفا عند العرب وما كانوا يتذاكرون به.
ويقول جلت حكمته بعد قصة يوسف وذكر دقائقها وتفصيلاتها وعظاتها وعبرها: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) [يوسف: ١٠٢].
وقبل عرض قصة موسى ﵇ يقول عز من قائل: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) [القصص: ٣]، وبعد انتهائها يقول جل ثناؤه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى
стр. 247
الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) [القصص: ٤٤ - ٤٦].
إن ورود أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية بهذا الشكل المفصل الدقيق في القرآن الكريم لدليل على أنه وحي من الله وليس من عند البشر، لأن من ترعرع في بيئة مثل البيئة التي نشأ فيها محمد ﷺ لا يمكنه أن يطلع على مثل هذه الأمور التي لا سبيل للحصول عليها إلا بالتلقي، ولم يكن في تلك البيئة
الأمية من يعرف هذه الأنباء على هذا الوجه الدقيق.
وإن وجد في ذلك العصر في أطراف الجزيرة العربية بعض أهل الكتاب فلقد كانوا منغلقين على أنفسهم، وليس لهم تأثير فيمن حولهم، وكان المتخصص منهم في علم الكتاب- على قلتهم- يرى في اطلاعه على جوانب من قصص السابقين ميزة عظيمة له، فكان ضنينا به حتى لا ينافس على مركزه.
وكانوا يعرفون قرب مبعث الرسول الخاتم للأنبياء والمرسلين، فكان من جملة ما يتحققون به من صدقه سؤاله عن القرون الغابرة ومصائر الأمم السابقة، كما ورد في سبب نزول سورة الكهف، حين سألت قريش اليهود أن يدلوهم على أمور يتحققون بها صدق محمد ﷺ ، فلما أجابهم القرآن الكريم ووافق ما عندهم من أنباء بل فاقها دقة وتفصيلا، وصحح ما التبس عليهم أمره واختلط عليهم وقائعه، أو حرفوه وبدّلوه عن قصد منهم، أو كتموه تعمية وتضليلا ووقف موقف التحدي منهم، وبيّن الحق والصواب من بين ركام الباطل الذي ألقوه عليه، علموا أن هذا لم يكن لبشر أن يدركه بالاطلاع والتتبع والاستقراء مهما أوتي من علم وحكمة ودراسة لسير الأولين فما بالك إذا كان الذي جاء به أميا ونشأ في بيئة أمية كما أخبر عنه ربه ﷻ : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨].
стр. 248
لقد اتهمت قريش رسول الله ﷺ بأنه افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وقالوا تارة أخرى إنه يتلقاه من بشر. وسموا أنباء الغيب الماضي أساطير الأولين. وهذه التهم شهادة غير مباشرة لرسول الله ﷺ ، كانت قريش تعلم أحوال رسول الله ﷺ قبل البعثة، ولم يتهموه أنه اتصل بأحد من أحبار اليهود أو رهبان النصارى، ولم تكن له أسفار للبحث والتنقيب عن آثار الأمم. وعند ما قالوا إنها تملى عليه كانوا يدركون عدم صدقهم في هذه التهمة. فمن الذي أوتي علوم الأولين والآخرين حتى يستطيع إملاءها على التهمة. فمن الذي أوتي علوم الأولين والآخرين حتى يستطيع إملاءها على محمد ﷺ ؟! ولماذا لم يدع هو النبوة بدل محمد ﷺ ؟ لذا كانت تهمتهم هذه اعترافا منهم بأن هذه الأنباء لا يمكن أن يأتي بها محمد ﷺ من عند نفسه، وتمويها وتضليلا للناس وخداعا لأنفسهم فليلصقوها بأحد أتباع محمد ﷺ ، ورواجا لهذه الفرية ليكن شخصا غريبا عن قريش لعل في ذلك زيادة في التضليل والتمويه، فليكن صهيبا الرومي أو يسارا مولى الحضرمي، أو عداسا مولى حويطب بن عبد العزى أو جبرا مولى ابن عامر، واختاروهم من الموالي الغرباء عن قريش ليوهموا العامة أن هؤلاء الغرباء على علم لا تعلمه قريش.
وهذا ما تولى القرآن الكريم الرد عليه في قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان: ٤ - ٦]. وقوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النحل: ١٠٣].
أهداف غيب الماضي:
من خلال تتبع القصص القرآني وما ورد فيه من أنباء الأمم السابقة ندرك أن الهدف الأساس من هذا النوع من الغيب هو إثبات صدق رسول الله ﷺ ، وكثيرا ما يستدل القرآن الكريم على ذلك بالإشارة إلى
стр. 249
مطابقة ما ورد في القرآن لما ورد في الكتب السابقة، كما في قوله تعالى:
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) [يونس: ٣٧].
وهناك أهداف تبعية لغيب الماضي مثل:
أ- تثبيت فؤاد رسول الله ﷺ ، وإدخال الطمأنينة إلى قلبه أن منهجه هو منهج الأنبياء والرسل السابقين، وأن ما يلاقيه من عنت المشركين وعنادهم هو سنّة الله في جميع الأقوام. كما في قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) [هود: ١٢٠].
ب- تربية الأمة وتهذيبها من خلال العظات والعبر التي ترد في قصص السابقين كالإخلاص والتوكل في قصة إبراهيم ﵇، والبر والوفاء والطاعة في قصة إسماعيل ﵇ والصبر والتحمل في قصة أيوب ﵇ ...
ج- تنمية المشاعر النبيلة والاستمتاع الوجداني والتسلية والترويح من خلال هذا الزاد الثقافي العظيم، كما في قوله تعالى بعد قصة يوسف ﵇ لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) [يوسف: ١١١]، وقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص: ٥٨].
د- إبراز وجه من وجوه الإعجاز البياني للقرآن الكريم، فالقصة الواحدة تتكرر أحيانا عدة مرات، وتحس في كل مرة بقضايا وأمور جديدة مع الحفاظ على أصل القصة، ومن غير تناقض في وقائعها، ويؤدى ذلك كله بأسلوب معجز، وهذا ليس في قدرة البشر، يقول الإمام فخر الدين الرازي: ( .. إنه كان يذكر القصة الواحدة مرارا مختلفة بألفاظ مختلفة،
стр. 250
وكل ذلك مشابهة في الفصاحة، مع أن الفصيح إذا ذكر قصة واحدة مرة واحدة بالألفاظ الفصيحة عجز عن ذكرها بعينها مرة أخرى بألفاظ فصيحة، فيستدل بفصاحة الكل على كونها من عند الله تعالى لا من البشر (١).
стр. 251
المبحث الثاني
غيب الحاضر
ويقصد بغيب الحاضر ما جرى في عصر رسول الله ﷺ من حوادث لم يحضرها، ثم نزل القرآن متضمنا لها ومخبرا بحقيقة ما جرى.
وفي تنبيه القرآن الكريم الرسول ﷺ ومعه المؤمنون على الحقيقة وتوجيههم إلى ما ينبغي اتخاذه حيال الوقائع ضمان لسلامة سير الدعوة وتجنب لها عن الوقوع فيما يخطط لها أعداؤها من الكفار والمنافقين.
فالغاية الأساسية من غيب الحاضر هو تأييد الدعوة والأخذ بيدها والسير بها على بينة من أمرها، وتربية الأمة وتهذيبها.
وإن كان يؤخذ إلى جانب ذلك من هذا النوع من الغيب صدق رسول الله ﷺ فيما يبلغ عن ربه، حيث لم يكن له علم بما دار في غيابه، وما خطط وما جرى تنفيذه، حتى أماط القرآن الكريم اللثام عن هذه الأمور.
لذا لا نجد تنبيه القرآن الكريم عند الحديث عن هذه الحوادث الجارية، على إثبات أصل الرسالة كما كان الأمر عند الحديث عن غيب الماضي، حيث وجدناه كثيرا ما يجعل إخبار رسول الله عن أنباء الأمم السابقة دليل كونه من عند الله كما في قوله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) [هود: ٤٩].
ونذكر أمثلة على هذا النوع من الغيب، ليظهر لنا من خلالها الهدف الأساسي الذي رمى إليه هذا التوجيه الرباني، والأهداف اللاحقة أو التبعية التي تستفاد من سوق الخبر أو الحادثة.
стр. 252
وأغلب هذه الحوادث تتعلق بكشف خطط أعداء الله وكيدهم للقضاء على جماعة المسلمين، وإطفاء نور الله ، فمن ذلك:
أولا: ما جاء في شأن اليهود:
أ- لما أدرك أعداء الله صدق رسول الله ﷺ فيما يخبر، ومطابقة كثير من أحكام القرآن الكريم لما في توراتهم عمدوا إلى التوراة فحرفوا أحكامها، وجاءوا يسألون النبي ﷺ عنها وهم يقولون: إن قال بمثل ما في أيديكم فخذوه وإلا فاحذروا، روى أحمد ومسلم وغيرهما عن البراء بن عازب قال: مر على النبي ﷺ يهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال: «هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» فقالوا: نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال: «أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟» فقال: لا والله، ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا زنى الشريف تركناه، وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي ﷺ : «إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه» فأمر به فرجم، فأنزل الله:
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ يقولون ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروه (١).
وأخرج الحميدي في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: (زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى الناس من اليهود بالمدينة أن اسألوا محمدا عن ذلك، فإن أمر بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه .. ) (٢).
стр. 253
وهذا ما حدّث عنهم رب العزة بقوله: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٤١].
ب- ومن هذا القبيل ما أخبر القرآن الكريم عن أساليبهم الملتوية في إدخال الوسواس والأحزان في قلوب المسلمين، يقول تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) [المجادلة: ٨].
وذلك أن اليهود عليهم غضب الله كانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكرهه، فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى فلم ينتهوا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) وأخرج أحمد والبزار، عن عبد الله بن عمرو أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ سام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول، فنزلت هذه الآية: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ (١).
ج- ومن ذلك أيضا قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) [آل عمران: ١٨٨].
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄: أن
стр. 254
رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروا عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم (١).
ثانيا: ما ورد في شأن المنافقين:
والفئة الثانية التي لم يقر لها قرار في المدينة بعد أن استوطنها المسلمون المهاجرون وآخى رسول الله ﷺ بينهم وبين الأنصار هي فئة المنافقين، وكان يتزعمها عبد الله بن أبي ابن سلول، فكان هو وأتباعه يحاولون النيل من الإسلام ووضع بذور الشقاق والخلاف بين المسلمين من الأوس والخزرج، وبينهم وبين المهاجرين كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ولكن آيات القرآن الكريم كانت لهم بالمرصاد حيث كشفت عن أعمالهم وعن دخيلة أنفسهم فكان المسلمون على بينة من أمرهم.
أ- فمن الأساليب التي كان يلجأ إليها المنافقون حرب الأعصاب، ففي غزوة أحد قام رأس النفاق بشطر الجيش وسحب أنصاره منه وهم زهاء الثلاثمائة وهم يريدون بذلك إيقاع البلبلة والاضطراب في قلوب المسلمين، ولما هزم المسلمون في المعركة أبدوا شماتة الجبناء الأنذال، والقرآن يصور خستهم القائمة على الخبث والجبن ويبرز الحقيقة الكامنة فيهم، وهي أن ألسنتهم وصدورهم إنما تعيشان باستمرار على طرفي نقيض: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٧].
وفي غزوة الخندق كان لنذالة المنافقين دورها، فقد حفر المسلمون الخندق حول المدينة ليكونوا في مأمن من هذا الهجوم ولكن المسلمين أصبحوا مع ذلك في خطر يتهددهم من داخل المدينة من قبل اليهود لا
стр. 255
سيما بنو قريظة الذين غدروا بالعهد ليطعنوا المسلمين من الخلف ولم يكتف المنافقون بمهمة التثبيط حتى قال قائلهم (١): كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
لم يكتفوا بهذا بل قاموا بدور الانسحاب مرة أخرى، والمعركة في أحد غير المعركة داخل المدينة، فإن كانوا قد انسحبوا من الميدان في أحد فكيف ينسحبون وهم في دور الدفاع عن كيان بلدهم، ومرة أخرى انتحلوا عذرا واهيا زاعمين أن بيوتهم عورة مكشوفة معرضة للخطر، عليهم أن يتولوا حراستها والدفاع عنها، علما أن الخطر لم يكن كامنا على بيوتهم بل على الجبهة التي وقف أمامها المسلمون، ولكن خسة الطبع زينت لهم هذا الغدر وسوغته فتركوا الميدان: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (١٣) [الأحزاب: ١١ - ١٣].
ب- ويتكرر موقف التخاذل والنذالة والانسحاب في غزوة تبوك- غزوة العسرة- بعد أن يحاولوا تثبيط المسلمين عن الخروج للجهاد، وجهز رأسهم جيشا من المنافقين واليهود ينافس به جيش المسلمين، حتى كان يقال ليس عسكر ابن أبيّ بأقل العسكرين، ثم أعلن حرب الأعصاب حين قرر التخلف والانسحاب وهو يقول: يغزو محمد بني الأصفر- مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به- يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب، والله لكأني أنظر إلى أصحابه غدا مقرنين في الحبال (٢).
هذا ديدنهم في الشدائد وعند الاستعداد للمعارك، وهو أن يفروا من الميدان، ويبررون هزيمتهم هذه بأتفه الأعذار، وانظر إلى عذر أحدهم (٣).
стр. 256
يقول: إنه يخشى على نفسه الفتنة من نساء الروم لجمالهن.
وانظر إلى الآيات وهي تعري حقائقهم: إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) [التوبة: ٤٥ - ٤٩].
ج- وخسة المنافقين ونذالتهم وكيدهم للمسلمين لا يقتصر على زمن الحرب بل لا يتورعون عن شيء يخدم قضيتهم إلا واستغلوه، ويبدو ذلك في قضية الإفك جليا، فبعد النصر الساحق للمسلمين على بني جذيمة في غزوة بني المصطلق، رجع المسلمون وهم في نشوة الانتصار، والمنافقون كانوا في مأتم لأن كيدهم لم ينفع، فوجدوا مجالا في تخلف السيدة عائشة ﵂ عن الركب وحمل صفوان بن المعطل ﵁ لها على بعيره، وجدوا في هذا ما يشفي غلّهم وحقدهم الدفين، وليعكروا صفو هذا الانتصار، ولتسوء العلاقة بين الرسول ﷺ وأم المؤمنين عائشة، وبينه وبين صديقه الأول أبي بكر، وفوق كل ذلك لتتزعزع ثقة المسلمين ببعضهم وبرسولهم، لكن الله ، جعل التباطؤ في قضية الإفك الذي حسبه المسلمون شرا كله، جعل فيه الخير الكثير، حيث كشف دخيلة أنفس المنافقين، وعلّم المسلمين درسا بليغا في التربية وضبط النفس وعدم الانسياق والانحراف مع الإشاعات المغرضة المدسوسة.
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
стр. 257
(١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) [النور: ١١ - ١٧].
هكذا نجد مواكبة القرآن الكريم لمسيرة الدعوة، وتوجيهها ورعايتها بإلقاء الضوء أمامها كلما اشتد الظلام وتفرقت السبل واختلط الأمر، وقويت وطأة التآمر من أعداء الله وراجت شائعاتهم، للنيل من وحدة المسلمين، وإلقاء الوهن في قلوبهم.
هذا هو الهدف الأساسي من ذكر هذا النوع من الغيب، ولكن هناك مقاصد أخرى تأتي تبعا، وقد نتوصل إليها كنتائج عند ما نتدبر النصوص التي كشفت النفاق والمنافقين وجميع أعداء الله.
فالنصوص التي استعرضنا قسما منها عرفتنا بحقيقة الأنفس التي بارزت الله والرسول بالعداء، لأن في ذكر خصال هذه الأنفس بتعرية النماذج الأولى منها في عهد رسول الله ﷺ وكشف حقيقتهم تمكينا للمسلمين في شتى عصورهم وعلى اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم من معرفة أعداء الله، والأساليب التي يلجئون إليها، فهذه النماذج تتكرر باستمرار، فما وجدت دعوة وقائمون عليها لا بد من وجود أعداء يعلنون ما في قلوبهم من غيظ وحنق، ومنافقين يلبسون لكل حالة لبوسها.
وإلى جانب ذلك فهنالك بعض الحالات التي تنزل بشأنها الآيات الكريمة والأطراف فيها مؤمنون صادقون، قد زلت بهم القدم أو اجتهدوا اجتهادا لم يوفقوا فيه إلا لحصول أجر الاجتهاد فتنزل الآيات لتخبر رسوله بما جرى وما ينبغي أن يكون عليه الحال. ومن أمثلة ذلك:
أ- ما نزل في قصة التحريم في قوله تعالى: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها
стр. 258
بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) [التحريم: ٣ - ٤].
فإن ما اتفقت عليه عائشة وحفصة من حرمان رسول الله ﷺ من شرب العسل في بيت زينب بادعاء أنهما تشمان رائحة المغافير منه لم يطلع رسول الله صلى الله سلم عليه، وإنما نزل عليه الوحي مخبرا ومهددا للاثنتين بالطلاق إن لم تكفا عن مثل هذه المواقف التي تزعزع ثقة المسلمين ببيت النبوة، مصدر التشريع للأمة. فالحادثة جرت بين أمهات المؤمنين لا بقصد الإساءة وإنما بقصد الاستحواز على حب رسول الله ﷺ والاهتمام بهن وإيثارهن على غيرهن من الضرائر. فنزلت الآيات الكريمة موجهة هادية للصواب مصححة للموقف (١).
ب- وفي غزوة حنين خرج المسلمون في اثني عشر ألف مقاتل، ولأول مرة في تاريخ المسلمين يخرجون بمثل هذا العدد، فكان من بعض الجند إعجاب بهذه الكثرة وغفلة عن أن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء ومتى شاء، وما العدد والعدة إلا أسباب ظاهرة أمرنا باتخاذها وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ١٢٦].
فلما فوجئ جند المسلمين بالعدو ولوا مدبرين، لولا أن تداركهم رحمة الله فثبت الرسول ﷺ ومعه عصبة من المهاجرين والأنصار، لكانت هزيمة نكراء.
يقول عز من قائل في الحادثة: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) [التوبة: ٢٥ - ٢٦].
стр. 259
إن المقالة التي قالها أحد المسلمين (لن نغلب اليوم من قلة) (١) لم يسمعها رسول الله ﷺ مباشرة، ولولا نزول الوحي في ذكرها لذهبت الكلمة في ضجيج الناس وصخب المشاة. إلا أن خطورة الغفلة عن الأسباب الحقيقية للنصر، ووجود المخالفات في صفوف المجاهدين ينعكس أثره على الجميع، ولذلك جاء إسناد الإعجاب إلى المجموع (أعجبتكم) فنزل الوحي منبها مصححا مهذبا.
ج- وفي غزوة أحد كشف لجانب آخر من الأمور الخفية التي لا سبيل لأحد من البشر الاطلاع عليها، وهي النية الكامنة في القلب عند التوجه لأداء فعل ما. فقد خرج المسلمون إلى قتال أعدائهم، وتخاذل المنافقون وعاد بهم القهقرى كبيرهم ابن أبيّ، وخوطبت الفئة التي دخلت المعركة وانتصرت في بدايتها ثم انشغلت طائفة منهم بجمع الغنائم، خوطبت بقول الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) [آل عمران: ١٥٢]. يقول عبد الله بن مسعود ﵁: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد:
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (٢). إن هذه الإرادة أمر قلبي لا يطلع عليه أحد سوى الله الذي لا تخفى عليه خافية. وهذا الكشف عن هذا الجانب الغيبي يجعل المؤمن حارسا لوساوس القلب مراقبا للمشاعر والأحاسيس. وفي ذلك إحياء للقلب وتصفية للنوايا من الشوائب والرغائب الدنيوية ليبقى المؤمن في أفق رفيع متألق من الإخلاص لله .
نتلمس من ذلك كله أن تسديد مسيرة الدعوة وتربية الأمة وتهذيب
стр. 260
الأنفس هو الغرض الأساس في غيب الحاضر. ويستدل تبعا لذلك أن ما نطق به رسول الله ﷺ من كشف الأمور ومجريات الأحداث- وهو لم يحضرها ولم يشاهدها- دليل على أنه وحي أوحي إليه من ربه وأنه رسول مؤيّد من الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات والأرض.
стр. 261
المبحث الثالث غيب المستقبل
ويقصد بغيب المستقبل ما ذكره القرآن الكريم من حوادث ستقع ولم تكن قد وقعت عند نزول الآيات التي تحدثت عن وقوع الحادثة.
ومن خلال استقراء الآيات التي تحدثت عن هذا النوع من الغيب يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع:
أولا: ما تحدث القرآن عنه ووقع في حياة رسول الله ﷺ فمن ذلك:
أ- ما تحدث عن مصير بعض المكذبين وأنهم سيموتون على الكفر ويخلدون في النار، كما جاء في قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) [المسد: ١ - ٥].
وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) [المدثر: ١١ - ٢٦].
وقوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) [العلق: ٩ - ١٨].
стр. 262
وقوله تعالى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) [الدخان: ٤٧ - ٥٠].
لقد حددت الآيات الكريمة مصير كل من أبي لهب والوليد بن المغيرة وأبي جهل في الدنيا والآخرة، فلو لم يكن القرآن تنزيلا من حكيم حميد الذي بيده الحياة والموت لما
صحّ ذلك في كل ما أخبر به، بل لما كان من عاقل من البشر أن يضع مصير دعوته على شيء معين، فلو آمن واحد من هؤلاء الثلاثة الذين دمغهم القرآن الكريم بالكفر، وخلد في الأشقياء ذكرهم، لانطفأت شعلة الإسلام، ولقامت الحجة على القرآن ومن جاء به، لو أسلم أبو لهب مثلا لما كان لقوله تعالى: سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) منصرف ولا واقع، ولأصبحت هذه الآية في واد والواقع في واد آخر.
وكيف كان محمد ﷺ يقابل الناس بها، وقد أصبح أبو لهب، من الصحابة كعمر بن الخطاب، وغيره من الذين كان لهم موقف معاد للإسلام قبل أن يدخلوا فيه، أفليست هذه معجزة قاهرة، وأي معجزة أبهر وأقهر من أمر لا يكلف صاحبه أكثر من كلمة يقولها بلسانه فيبطل بها قول محمد ﷺ ، ويفسد أمره جميعه، ثم لا يقول الكلمة، ولا تسمح له الحياة بأن يقولها فقد عاجلته المنية قبل يوم الفتح الذي دخلت فيه قريش كلها الإسلام فلو دخل هؤلاء لكان إسلامهم هدما للإسلام كله.
أفلا يدل هذا جليا أن القرآن من عند خالق الحياة والممات، والذي مصير كل شيء بيده، ومآل كل أمر إليه، وهو الذي حفظ دينه وكتابه.
ب- قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) [القمر: ٤٥].
سورة القمر من السور المكية التي نزلت في المرحلة المتوسطة حيث كان أذى المشركين يزيد يوما بعد يوم على المؤمنين، فكانت الآيات الكريمة تنزل على رسول الله ﷺ لتثبيت قلبه بذكر قصص الأنبياء والمرسلين وتبين أن العاقبة لهم وأن نصر الله آتيهم لا محالة، وأن مصير المعاندين هو
стр. 263
الهزيمة والخزي والعار وكان المؤمنون ينتظرون يوم النصر والفرج إلى أن جاء ذلك يوم بدر، يوم الفرقان يوم أعز الله جنده وأخزى أعداءهم، يقول عمر بن الخطاب ﵁ كنت أقرأ قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) فأقول أي جمع هذا وأية هزيمة إلى أن كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، فعرفت تأويلها يومئذ (١) وعند نزول الآية الكريمة ما كان أحد يتوقع أن تكون للمسلمين شوكة وجيش يواجهون به جموع المشركين. فكان أن تحققت النبوءة بعد سنوات عديدة في السنة الثانية من الهجرة النبوية.
ج- قوله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) [الروم: ١ - ٤].
كانت الدولتان العظيمتان في ذلك الحين الفرس والروم. فحدث أن وقعت معركة بين الدولتين وانتصر الفرس على الروم وألحقت هزيمة نكراء بجيش الروم واقتطعت أراضي من بلاد الشام من الممالك الرومانية، وكانت دولة الفرس وثنية تعبد النار، وكانت دولة الروم نصرانية تدعي متابعتها للإنجيل، ففرح المشركون الوثنيون بانتصار الوثن على أهل الكتاب. تفاؤلا بانتصارهم على المسلمين أتباع القرآن. فلما نزلت الآيات الأولى من سورة الروم، سخر المشركون من هذا النبأ، لأن الهزيمة التي لحقت بالروم في مقاييس الأسباب الظاهرية أضخم من أن تزال آثارها في عشرات السنين، فضلا عن تحقيق النصر على العدو المناوئ في بضع سنين، ولكن الأمر لله من قبل ومن بعد، وما كان وعد الله ليتخلف، ولم تمض عشر سنين حتى دحرت الروم الفرس، في وقت فتح الله على رسوله فتحا مبينا، وفرح المسلمون بانتصارهم السياسي في غزوة الحديبية.
стр. 264
ثانيا: ما تحدث عنه القرآن الكريم ووقع بعد وفاة رسول الله ﷺ .
أ- فمن ذلك قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦].
فقد استنفر رسول الله ﷺ الأعراب من حول المدينة في غزوة الحديبية، وتخلف كثير منهم خوفا من بطش قريش وسطوتها، وقالوا ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، فلما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية جاءوا يعتذرون إليه ويقولون: شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا [الفتح: ١١].
ففتح الله تعالى لهم باب التوبة بشرط الاستجابة لنداء الجهاد في قوله تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ... ولم يدع هؤلاء الأعراب في حياة رسول الله ﷺ ، وإنما استنفروا للجهاد بعد وفاته في عهد الخلفاء الراشدين.
ب- وفي قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور: ٥٥].
وقد تحقق ذلك في عهد الخلفاء من بعد رسول الله ﷺ فدحروا دولة الفرس والروم ووصلت الفتوحات الإسلامية إلى أطراف الصين شرقا وإلى المحيط الأطلسي غربا، وخضعت الشعوب والأمم للإسلام ودخل كثير منهم في الإسلام طواعية وعم ضياؤه أرجاء المعمورة وسارت الظعينة من حضرموت إلى صنعاء لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها، وكان الناس في أمن وأمان. وكان كل ذلك في العهود اللاحقة بعد وفاة رسول الله ﷺ .
ج- وفي قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) [الحجر: ٩]، نبوءة متجددة مستمرة، فقد تعاقبت أحداث بعد وفاة رسول الله ﷺ على الأمة
الإسلامية لو نزلت بأي أمة من الأمم لاندثر تاريخها، ولطمست معالم ثقافتها، ولبادت حضارتها كما بادت حضارات كثيرة في تاريخ البشرية. إلا أننا نجد أن كتاب الله الذي تكفل الله بحفظه
стр. 265
لم تنقطع سلسلة حفاظه الذين يتلقونه جيلا عن جيل من الصدور. ونجد الأمة بعد كل كبوة تستعيد فتوتها، وتجدد نشاطها، لتقوم بدورها الحضاري مرة أخرى وما ذاك إلا بفضل كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتحقيقا لوعد الله الذي تكفل بحفظ كتابه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩).
ثالثا: ما تحدث عنه القرآن الكريم ولم يقع إلى الآن، وسيقع حتما من غير ريب فمن ذلك ما ذكره القرآن عن أشراط الساعة والأحداث التي تقع قبيل قيامها وجاءت جملة منها في ثنايا الآيات الكريمة منها:
أ- في قوله تعالى:* وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) [النمل: ٨٢]. وجاء ذكرها مجملا، فلا ندرك حقيقتها ولا مكان خروجها، ولا وقته المحدد، إلا أن رسول الله ﷺ فصّل القول في بعض أوصافها ومكان خروجها: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم، وتخطم أنف الكافر بالعصا حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر» (١).
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خرجة بأقصى اليمن، فينشر ذكرها بالبادية في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية- يعني مكة- ثم تكمن زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية- يعني مكة- قال رسول الله ﷺ : ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها، المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام،
стр. 266
وتنفض عن رأسها التراب، فارفض الناس عنها شتى، وبقيت عصابة من المؤمنين، ثم عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم، فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي؟، فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم ينطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر اقضني حقي، وحتى الكافر ليقول:
يا مؤمن اقضني حقي (١).
ب- وفي قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧].
من علامات الساعة خروج يأجوج ومأجوج وإفسادهم في الأرض وسيطرتهم على العالم. ومن أخبارهم ما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع، حتى ظننا أنه في ناحية النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، فإن خرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن خرج ولست فيكم، فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب جعد قطط عينه طافئة، وإنه تخرج خيله بين الشام والعراق، فعاث يمينا وشمالا، يا عباد الله اثبتوا، قلنا يا رسول الله صلى الله وسلم: ما لبثه في الأرض؟ قال:
أربعون يوما، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر الأيام كأيامكم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي هو كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا ... اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله، ما أسرعه في
стр. 267
الأرض؟ قال: كالغيث يشتد به الريح، فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كان درا، وأمده خواصر وأشبعه ضروعا، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله، فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويأمر برجل فيقتل فيضربه ضربة بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل إليه، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين (١)، واضعا يده على أجنحة ملكين فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لدّ الشرقي، فبينما هم كذلك أوحى الله إلى المسيح عيسى بن مريم، أني قد أخرجت عبادا من عبادي لا يدان لك بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، فيبعث الله يأجوج ومأجوج كما قال الله: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل نغفا في رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة، فيهبط عيسى وأصحابه إلى الأرض فيجدون نتن ريحهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ويرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر أربعين يوما،
فتغسل الأرض حتى تتركها زلفة (٢)، ويقال للأرض: أنبتي ثمرتك فيومئذ يأكل النفر من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرسل (٣) حتى أن اللقحة (٤) من الإبل لتكفي الفئام (٥) من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي البيت، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله
стр. 268
ريحا طيبة تحت آباطهم فتقبض روح كل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر وعليهم تقوم الساعة (١).
ج- نبوءة قرآنية نعايشها الآن:
جاء في قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) [الإسراء: ٤].
ذهب كثير من المفسرين إلى أن العلو في الأرض والإفساد الأول قد تم فأرسل الله عليهم بختنصر ملك بابل فشردهم وقتل الكثير منهم وساق الكثير أسرى إلى بابل. أما العلو الآخر والإفساد الآخر فلم يأت بعد، حيث لم تقم لليهود بعد أسر بابل دولة ولا كيان.
وفي سورة الإسراء نفسها في أواخرها جاء قوله تعالى: وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) [الإسراء: ١٠٤ - ١٠٥].
أي قيل لهم انتشروا في الأرض فإذا جاء وعد المرة الآخرة في العلو والإفساد في الأرض جئنا بكم من أطراف الأرض جماعات جماعات.
ونحن نرجح أن مرحلة العلو في الأرض بدأت من مؤتمر اليهود في بال بسويسرا عام ١٨٩٧ م عند ما أعلن رئيسهم هرتزل عن وضع اللبنة الأولى لدولة إسرائيل، وقال إن الإعلان عن قيامها سيتم بعد خمسين عاما من ذاك التاريخ، وبالفعل أعلن قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ م. وتسابقت الدول العظمى إلى الاعتراف بها. ومنذ مؤتمر سويسرا وإلى اليوم فإن السياسة العالمية مسخرة لتسهيل هجرة اليهود من أنحاء العالم إلى فلسطين، وكان قيام الحربين العالميتين والمستفيد الأكبر منهما هم اليهود، ففي الأولى أزيلت الدولة العثمانية الإسلامية من الوجود وكانت تقف سدا منيعا في وجه اليهود، وفي الثانية هيئت الأجواء الدولية للاعتراف بإسرائيل ودعمها ماديا
стр. 269
ومعنويا، فالسنوات العشرون بعد الحرب العالمية الثانية كان اقتصاد ألمانيا موجها لدعم دولة إسرائيل تحت شعار التعويض عن جرائم النازية.
إن تجميع اليهود في فلسطين من سنن الله القدرية التي لن تتخلف.
لتأتي المرحلة اللاحقة، ويتوجه جند الإسلام لاجتثاث جذور الشر والإفساد وتقوم الدول النصرانية لمساندة اليهود وتقوم الملاحم الكبرى على أرض الشام، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ ... ) الحديث (١) وتستمر المعارك بين جند الإسلام وبين الروم أربع جولات، تكون الغلبة للمسلمين في الجولة الرابعة، بعد أن تلحق خسائر بشرية هائلة بالطرفين وبعد تمكن أعداء الله من هدم الكعبة المشرفة وتدمير الأقصى وإقامة الهيكل مكانه، تنطلق كتائب الإيمان إلى أرض فلسطين لاقتلاع جذور الشر بقيادة المهدي ويحين نزول عيسى ﵇، ويكون الدجال قد تزعم مملكة إسرائيل فينادي الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله إن ورائي يهوديا فتعال فاقتله (٢).
إننا نعيش بدايات علو بني إسرائيل للمرة الآخرة. كما إننا نتلمس بذور جند الإسلام في شباب الصحوة الإسلامية العارمة التي تنتشر في العالم الإسلامي اليوم، وإلى أن يأتي الوعد الحق، فإننا منتظرون، ولا يخلف الله الميعاد.
стр. 270
د- الآيات الكثيرة التي تتحدث عن اختلال النظام الكوني عند قيام الساعة كما في قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) [التكوير: ١ - ٦]. وقوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ
فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
(١٨) [الحاقة: ١٣ - ١٨]. وقوله تعالى: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) [القيامة: ٧ - ١٠].
فإن هذه الأحداث الجسام التي تضع نهاية للنظام الكوني واقعة لا محالة، وهذا المعتقد جزء من ديننا وعقيدتنا لا يكون المؤمن صحيح الإيمان إلا باعتقاده. ونتلمس من خلال استقراء الآيات الكريمة التي تحدثت عن غيب المستقبل، أن الهدف الأساس في إيراد هذا النوع من الغيب، هو الغرض التربوي لترسيخ الإيمان في القلب، وحسن التوكل على الله خالق السماوات والأرض، الذي بيده مقاليد الأمر، الذي يقول للشيء كن فيكون. والهدف التبعي لمثل هذا النوع من الغيب تصديق رسول الله ﷺ وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
стр. 271
وجه دلالة الغيب على مصدر القرآن
إن حالة محمد ﷺ عند إطلاق هذه الأنباء الموغلة في القدم، أو الحاضرة الخافية في صدور أهلها، أو الوعود المستقبلة التي كانت في مجاهل الغيب، كان حاله في كل ذلك حال الواثق المتيقن من الأمر، وهو بشر لم يطلع على كتب السابقين ولا يملك من تصرف أمور المستقبل شيئا، وكان هو بذاته ينفي عن نفسه علم الغيب: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف: ١٨٨].
فلو لم يكن مستندا إلى ركن قوي ما أطلق مثل هذا، وجازف بدعوته وهو الذي عرف عنه التعقل والحكمة ولم يعهد منه تسرع في أمر، أو تقول بلا روية، حتى قبل أن يكرمه الله بالرسالة.
فلا شك أن الوحي الإلهي كان ينطقه، كما أن الصدق المطلق الذي رافق القرآن الكريم من يوم نزوله إلى يوم انقطاع الوحي بالتحاق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى، أمر يوجب التوقف والتدبر، إن الصدق في أخبار القرآن الكريم ظاهرة لا يستطيع إنكارها أحد، حتى الذين عادوا الإسلام، كان هؤلاء يضمرون في أنفسهم احترام صدق القرآن وحقيقته بالرغم من ركام الوثنية والشرك والتكذيب الذي لاقوه به، بل كان هذا الاحترام المنتزع منهم والمفروض عليهم ملازما لشخص الرسول ﷺ الذي كان ينطق بالقرآن.
ولقد أدرك مشركو العرب هذه الحقيقة من خلال اختلاطهم
стр. 272
برسول الله ﷺ والمؤمنين به، حيث صدقت الحوادث الكونية كثيرا مما أخبرهم به القرآن الكريم.
كما أدرك أهل الكتاب صدق القرآن فيما أخبرهم به من الحوادث الغابرة التي كانوا يعرفونها من بطون كتبهم، وكذلك أدركوا هذا الصدق المطلق من خلال كشف القرآن الكريم لمخططاتهم ومؤامراتهم على الإسلام وأهله.
إن هذه الأنباء الصادقة التي جاء بها القرآن الكريم لدليل ظاهر وبرهان قاهر على أنه كلام رب العالمين، الذي يستوي عنده علم السابق واللاحق، لا تخفى عليه خافية، لقد ظهر صدق القرآن الكريم لكل ذي عينين في عشرات الحوادث التي أخبر عن وقوعها في المستقبل ووقعت بالفعل كما أخبر، ولا زالت الأيام تكشف عن جوانب من هذه الأنباء، سواء في الكون أو الإنسان أو الحوادث الكونية العامة الشاملة.
إن ظاهرة الإخبار بالمغيبات في القرآن الكريم وتصديق الوقائع لها وعدم تخلف الصدق عنها ولو في جزئية بسيطة، لدليل على أنه وحي ممن خلق الأرض والسماوات العلى، أنزله على رسوله ليكون دلالة على صدقه.
стр. 273
الخاتمة
كانت هذه جولات سريعة مع آي الذكر الحكيم في الآفاق والأنفس حاولنا أن نلقي فيها الأضواء على جهود السلف في إبراز الإعجاز في النظم القرآني، بعد أن ابتدع المعتزلة القول بالصرفة، وتصدى لمقولتهم علماء المسلمين، فكان سببا لقيام صرح علم البلاغة.
وقد أطنبنا القول في الإعجاز العلمي، لأن العصر الحالي عصر اكتشاف سنن الله في الكون والآفاق وتسخيرها للإنسان.
ولما كانت المعجزة قرينة الرسالة، ولما كان القرآن الكريم معجزة الرسالة الخالدة، فلا بد من أن تقام الحجة بالقرآن الكريم على كل جيل من الأجيال ليذعن أهل الإنكار والجحود في كل عصر لعظمة منزله، ويوقنوا في قرارة نفوسهم أنه كلام الذي أحاط بكل شيء علما، الذي يعلم السر في السماوات والأرض.
وكلما تقدمت الوسائل العلمية، وتوسعت دائرة المعرفة البشرية ستفتح آفاق جديدة أمام الباحثين في إعجاز القرآن الكريم.
وعلى أهل الاختصاص من علماء المسلمين أن يعايشوا القرآن المجيد ويستنطقوا آياته لكشف الأستار عن الإشارات القرآنية وتلميحاته عن الحقائق المودعة في مخلوقات الله، لتكون أبحاثهم ونتاج جهودهم وسيلة لتحقيق وعد الله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) [فصلت: ٥٣].
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.