← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9675

مباحث في إعجاز القرآن

مصطفى مسلم

Полный текст (302 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ربانية أخرى في تسوية البنان، وتبقى الحقيقة الخالدة بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ معلما بارزا على مر الأجيال والعصور تشير إلى مصدر القرآن الكريم. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفرقان: ٦]. وشيء قريب من سر الخالق في البنان، قضية اختلاف ألوان الناس وأصواتهم فلا نجد شخصين متطابقين في تقاسيم الوجه والبشرة واللون، وكذلك نبرات الصوت وطريقة الكلام، إنها قدرة الخالق العظيم الذي لا تنتهي بدائع صنعه، ولا تنقضي عجائب مخلوقاته، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) [الروم: ٢٢].

стр. 212

الحساسية الجلدية يقول الله في معرض بيان ألوان العذاب التي يلاقيها يوم القيامة الذين كفروا بآيات الله وأغمضوا بصرهم وبصيرتهم عن نور الحق: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) [النساء: ٥٦]. إن قدرة الله لا يقف أمامها شيء فتبديل الجلود المحترقة بأخرى جديدة أمر غير معجوز عنه، وقد أعاد بعث العظام وهي رميم، إنما الإشارة المعجزة في قوله تعالى: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ. لقد قرر الأطباء أن حدود الشعور بألم الكي في الجلد السطحي، فلو احترق الجلد ووصل إلى اللحم لما كان هناك شعور بالألم بدرجة الحالة السابقة لأن الأعصاب التي تشعر بالألم موجودة في الجلد الخارجي. أما في الأنسجة والعضلات والأعضاء الداخلية، فالإحساس فيها ضعيف، لذلك يقول الأطباء: إن الحرق الذي لا يتجاوز الجلد يحدث ألما شديدا بخلاف الحرق الشديد الذي يتجاوز الجلد إلى الأنسجة لأنه مع شدته وخطره لا يحدث ألما كثيرا، فكأن الآية الكريمة تبين أن النار كلما أنضجت الجلد الذي يحتوي على أعصاب الإحساس بالألم جددت هذه الجلود بجلود جديدة ليستمر الشعور بالألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم (١). إنه علم الله الذي أحاط بكل شيء، ودليل على أن هذا الكتاب

стр. 213

الخالد هو تنزيل الذي خلق الجلود والأنفس وأودع فيها خاصيات الإحساس بالألم وإلا فمن علم الأمي هذه الحقائق المذهلة في نفس الإنسان وتكوينه وميزاته التي تميز بها عن سائر المخلوقات. الضغط الجوي وتأثيره على الإنسان: يخبرنا القرآن الكريم عن حالة الذين يضيقون ذرعا بهدايات الإسلام ووعيده وإنذاره، يشبه حالتهم عند سماعها بحالة من يصعد في السماء وذلك في قوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) [الأنعام: ١٢٥]. قال المفسرون: إن الآية الكريمة تشير إلى أن حالة الكفار عند سماع الإسلام كحالة من يزاول أمرا غير ممكن لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد عن الاستطاعة، فكأن الكافر في نفوره من الإسلام وثقله عليه بمنزلة من يتكلف الصعود إلى السماء، فحاله كحال من يزاول ما لا يقدر عليه (١). وهذا الفهم محتمل من حيث ظاهر الآية، ولم يكن يتصور قبل صعود الإنسان في الفضاء أكثر من ذلك. إلا أن آفاقا جديدة فتحت في دلالة الآية الكريمة عند ما صعد الإنسان في الفضاء وعرف تأثير الضغط الجوي على أجهزة الإنسان الداخلية. يقول العلم الحديث في هذا الصدد: إن الله جعل الضغط في داخل الجسم متناسبا تماما مع الضغط الجوي المحيط بالجسم، وقدر قياس هذا الضغط بما يساوي وزن ستة وسبعين سنتمترا من الزئبق. ففي الأحوال الاعتيادية للإنسان ليس هنالك أي تغلب من الضغط الداخلي على الخارجي ولا العكس، وبعد اكتشاف الوسائل الحديثة للارتفاع في أجواء السماء فقد لاحظوا مدى التأثير عند الصعود بهذا الضغط وما

стр. 214

يرافقه من انقباض وضيق في الصدر وآلام مبرحة في الرأس والأذنين وجميع المناطق الحساسة في الجسم، وكلما ارتفع في الجو تخلخل الضغط الجوي وزاد الضغط الداخلي واشتد هذا الضيق والشعور بالاختناق، وإذا ما استمر الإنسان في الصعود يأتي الوقت الذي يكون فيه هلاكه المحتم، لذا يضطر رواد الفضاء والطيارون الذين يحلقون عاليا في الأجواء إلى استخدام الألبسة المجهزة الخاصة بهذه الحالات، والتفسير العلمي لهذه الظواهر هو: - كلما ارتفع الإنسان في الجو، انخفض الضغط الجوي، وتغلب عليه الضغط الداخلي للإنسان. - تخلخل الهواء وعدم وجود الأوكسجين الكافي للتنفس. - برودة الجو وعدم حفظ درجة الحرارة بنسبة معينة. - يصل الإنسان عند الخروج من الغلاف الجوي إلى انعدام الوزن وهي مرحلة دقيقة خطيرة. وكل هذه الظواهر تؤدي إلى تغير في وظائف أعضاء الإنسان الداخلية فالغازات في المعدة والأمعاء تتمدد وتسبب تقلصات عنيفة، وقد يؤدي تمدد هذه الغازات إلى انتفاخ يدفع الحجاب الحاجز إلى أعلى، فيضغط على القلب والرئتين مما يسبب الإغماء أو الاختناق في الحالات الشديدة، ويختل نظام الدورة الدموية فقد تنفجر بعض العروق والأغشية في الجسم كغشاء الطبل في الأذنين والإصابة برعاف شديد .. إلخ. هذه هي الحالة التي يشبه بها القرآن الكريم حالة الذين يضيقون ذرعا بسماع آيات القرآن وهدايات الإسلام، إنها كحالة من يصعد في السماء من شعور بالضيق والاختناق: .. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ. هكذا تنكشف الحجب عن الآيات المعجزة كلما تقدم العلم وتطور على مر العصور.

стр. 215

وجه دلالة الإعجاز العلمي على مصدر القرآن الكريم إن الإشارات التي وردت في ثنايا آي الذكر الحكيم تتحدث عن بديع صنع الخالق في هذا الكون الفسيح في مختلف مجالاته، وتتحدث عن النفس الإنسانية وأعماقها وعواطفها ومشاعرها. بلغت هذه اللفتات والإشارات من السعة والشمول مبلغا لا تستطيع أجيال من العلماء الإحاطة بها مهما أوتوا من وسائل وإمكانيات وجهود وطاقات، فهي من الشمول بحيث تمتد في البعد الزمني إلى أصل الكون بمجراته وأفلاك نجومه وكواكبه. ومن الإحاطة بحيث تتعرض للأنظمة المرئية وغير المرئية التي تسير عليها الكائنات الحية والجمادات من رياح، وسحب، وبحار، ونبات، وحيوان، وإنسان، وبلغت هذه الإشارات والتلميحات مبلغا من الدقة بحيث تعجز أحدث الوسائل والمختبرات العلمية عن متابعة هذه الحقائق، وكما رأينا من الأمثلة المتقدمة يقف العلم التجريبي الحديث فاغرا فاه عند بعض هذه الحقائق الدقيقة. إن سوق القرآن الكريم هذه الحقائق بهذه السعة والشمول، وبهذه الدقة المتناهية يحمل كل صاحب عقل منصف إلى القول بأن هذا تنزيل العزيز الحكيم الذي أحاط بكل شيء علما. إن البشرية كلها عاجزة عن الإحاطة بهذه الحقائق والوصول إلى ماهيتها وأسرارها، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن من عند رجل أمي عاش

стр. 216

في بيئة أمية لم يذكر التاريخ عن أسلافها تقدما في فنون علوم الكون أو النفس البشرية؟. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) [الفرقان: ٤ - ٦].

стр. 217

الفصل الثالث الإعجاز التّشريعيّ الحديث عن الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم حديث عن النظام الخالد للكون وما فيه، فالذي أبدع الكون من العدم وأوجد فيه من المخلوقات ما لا يحصى عددا وجعل أشرف هذه المخلوقات وأكرمها بني آدم، قد اختار لهذا المخلوق المعزز دستورا في الحياة ينظم سلوكه في الدنيا وعلاقته بنفسه وبخالقه ، ورتب نتائج دنيوية وأخروية على نتيجة سيره وفق هذا الدستور الإلهي الكريم، حيث يحصل الإنسان على الطمأنينة والعزة والرفاه في الدنيا ويشعر بإنسانيته الحقة، ويدرك الحكمة الإلهية من خلقه وإيجاده وتفضيله على سائر المخلوقات، كما ضمن الله له السعادة في الآخرة استمرارا لسعادته الدنيوية: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ [الأعراف: ٣٢]. واشتمل القرآن الكريم على الأنظمة التي يحتاجها البشر في حياتهم المعاشية ولم يدع جانبا من جوانب الحياة إلا كانت له نظرته الخاصة وتشريعه المستقل بحيث ينتج من مجموع أنظمته تشريع متكامل لمناحي الحياة كلها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٥]. وينتج من تطبيقه على الناس أمة متكاملة الشخصية متميزة الملامح والسلوك عن سائر الأمم كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 218

وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠]. إن الجانب التشريعي والخلقي في القرآن الكريم لآية وأيما آية على كون القرآن من عند الله وليس من عند البشر. فالأسس الأخلاقية والقواعد التشريعية السامية التي تضمنها القرآن الكريم تخرج عن طوق البشر إحاطة ودقة وشمولا. يدل تاريخ الإنسانية على أنها لم تنجب مفكرا أو فيلسوفا أو مصلحا اجتماعيا استطاع أن يضع نظاما كاملا للعلاقات الداخلية والخارجية لدولة ما، وكم من حكيم حاول ذلك، ولكن نظرياته ظهر فيها النقص أحيانا والتناقض طورا ومجانبة الصواب كثيرا، وثار على بعضها أتباعه في حياته أو بعد مماته. ولا تزال هذه الظاهرة تتكرر إلى يومنا هذا في الأمم والشعوب التي لا تدين دين الحق، علما أن هذه النظريات لا تتناول إلا جانبا واحدا بل وضيقا من جوانب الحياة الاجتماعية، أما أن توضع نظرية متكاملة الجوانب للكون والمخلوقات والأفراد والجماعات في شتى صورها وحالاتها، فهذا مما يخرج من طاقة البشر مهما أوتوا من علم وحكمة، فما بالك إذا ورد مثل هذا النظام الكامل على لسان رجل أمي لم يشتهر في حياته بالاطلاع على كتب وفلسفات الأقدمين، ولم يعرف بالأسفار العلمية والتجوال في الآفاق بحثا وراء الأنظمة والتشريعات. وبقيت تلك العلوم والمبادئ قرونا وأجيالا كلما مر عليها دول وأزمان وتناولتها الأيدي والأفكار بالبحث والنقاش والنقد والتمحيص ظهر بريقها واشتد لمعانها وأدرك المنصفون من أهل كل عصر ربانية مصدرها وجدارة تطبيقها وصلاحها دون غيرها لكل زمان ومكان. إن المبادئ السامية التي وردت في الشريعة الإسلامية وتضمنها القرآن الكريم برهان ساطع على مصدر القرآن الكريم ودليل صدق على نبوة

стр. 219

محمد ﷺ وأنه تلقاها من لدن الحكيم الخبير، ليكون رحمة للعالمين. وسنلقي في مبحث الإعجاز التشريعي بعض الأضواء على جوانب من الهدايات القرآنية في: أولا: العقيدة. ثانيا: الشريعة. ثالثا: الأخلاق. وسنكتفي بالعموميات في كل ذلك، لأن التفاصيل تستغرق عمر الأجيال ولا زال علماء الأمة الإسلامية يستنبطون تشريعاتهم وأنظمة حياتهم وحلول مشاكلهم المستجدة من آي الذكر الحكيم، وسيبقى الدستور الخالد نبراسا في حياة المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أولا: في العقيدة: جاء القرآن الكريم بعقيدة سهلة خالية من التعقيد ملائمة للفطرة الإنسانية تملأ النفس طمأنينة وارتياحا، والقلب نورا وانشراحا، والعقل قناعة. فقد تولى القرآن الكريم توضيح العقيدة الإسلامية بأسلوب عذب جذاب لا يمكن لتاليه أو سامعه إلا أن يستجيب لنداء الفطرة ومقالة الحق بأنه تنزيل من حكيم حميد: ١ - ففي مجال بيان توحيد الله والاستدلال عليه من خلال مخلوقاته وآثار الإبداع في خلقه- وهي الطريقة الفطرية للإقناع والإتباع- يقول تعالى:* إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ

стр. 220

مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) [الأنعام: ٩٥ - ١٠٤]. ورد القرآن شبه المنحرفين وزيغ الزائغين عن عقيدة التوحيد بالبراهين العقلية الدامغة، يقول تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) [الإسراء: ٤٢] لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) [الأنبياء: ٢٢] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) [المؤمنون: ٩١ - ٩٢]. ٢ - وقرر القرآن الكريم وحدة الرسالات السماوية في أهدافها ومنطلقاتها ووسائلها، وإن اختلفت في جزئيات تشريعاتها، يقول تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) [البقرة: ٢١٣]. وبين القرآن الكريم أن اختيار الرسل من البشر ومن جنس أقوامهم وبألسنتهم سنّة الله في الرسالات إذ لا تتحقق الغاية من إرسالهم على الشكل الأمثل إلا بتلك المواصفات، كما أن تأييدهم بالمعجزات أمر لازم لإقامة الحجة على الناس، يقول تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي

стр. 221

الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) [النحل: ٣٦] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤) [إبراهيم: ٤] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (٩٥) [الإسراء: ٩٥]. ويوضح القرآن الكريم أن مهمة الرسل تبليغ رسالات ربهم إلى الأقوام بعد تطبيقها العملي في حياتهم الخاصة، وليس من مهماتهم حمل الناس على الدخول في دينهم أو إنزال العقوبات بهم، يقول تعالى: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) [الأنعام: ٥٧ - ٥٨]. ويقرر القرآن أن الميثاق قد أخذ على الأنبياء وأقوامهم أن يؤمنوا بخاتم النبيّين ويجاهدوا معه لنصرة دعوته إن أدركوا زمان بعثته التي يتم بها صرح النبوات، يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) [آل عمران: ٨١]. ويقرر القرآن الكريم أن الإيمان برسل الله جميعا وبما جاءوا به من عند الله من أركان الإيمان وأساسياته، يقول تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) [البقرة: ١٣٦] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ

стр. 222

ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. ٣ - وقرر القرآن الكريم عقيدة البعث بعد الموت والحساب والجزاء يوم القيامة أوضح تقرير وأدقه، فاليوم الآخر من مستوجبات العدل الإلهي المطلق، فلا بد من التمييز بين المحسن والمسيء والصالح والطالح، يقول تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) [القلم: ٣٥ - ٣٦]: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) [ص: ٢٨]. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]. ولما كان البعث بعد الموت من الأمور الغيبية التي لا تدرك آثارها فقد أكثر القرآن الكريم من ضرب الأمثال والحجج العقلية والقياس على الأمور المشاهدة المحسوسة. يقول تعالى: وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) * قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢) [الإسراء: ٤٩ - ٥٢]. وقال تعالى: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) [يس: ٧٨ - ٨٣]. وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) [فصلت: ٣٩]. إن الإيمان بالبعث بعد الموت والحساب والجزاء عنصر مهم في

стр. 223

تقويم سلوك الإنسان في الحياة الدنيا ودفعه نحو الكمالات النفسية والتحلي بالفضائل والابتعاد عن الرذائل، كما أنه عزاء لأهل الخير والصلاح إن فاتتهم سراء أو أصابهم الضر في الحياة الدنيا. لذا نجد القرآن الكريم يصف منكري البعث بالخسران: قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) [الأنعام: ٣١ - ٣٢]. ولقد خسر الكافرون بالبعث عقولهم وأفهامهم إذ فهموا- خطأ- أن لا حكمة من خلقهم. وخسروا العزاء إذا شقوا في الحياة الدنيا. وخسروا ما أعده الله لأوليائه المؤمنين يوم القيامة. هذه أسس العقيدة الإسلامية: الألوهية- الرسالة- المعاد- وقد فصلها القرآن الكريم أوضح تفصيل وأبلغه، ولم يدع مجالا من مجالاتها إلا وقرره أحكم تقرير. ولكل من هذه القضايا مستلزمات ومقومات عرضها القرآن الكريم أيضا فمن مقتضيات الإيمان بالألوهية: الإيمان بأسماء الله وصفاته وما يجب لله من صفات الكمال المطلق وتنزيهه عن صفات النقص. والرسالة تستلزم الإيمان بالكتب التي تضمنت الرسالات وبالأشخاص الذين حملوها، وما يجب توفره فيهم من صدق وأمانة وفطانة وعصمة، كما تستلزم الرسالة الإيمان بالملائكة الذين هم السفراء بين عالم الغيب والشهادة الأمناء على تنفيذ حكم الله في خلقه. والإيمان بالمعاد يستلزم الإيمان بما ورد في هذا اليوم من موقف ومحشر وميزان وصراط وجنة ونار، وما أعد لأهل الجنة من نعيم وما يلقاه أهل النار من الجحيم. وقد تناول القرآن كل ذلك تفصيلا، فكانت العقيدة الإسلامية الراسخة

стр. 224

النقية الصافية الجلية المشرقة من غير تعقيد أو غموض، أو حيرة واضطراب: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) [البقرة: ٢٨٥]. ثانيا: في الشريعة: لقد أرسى القرآن الكريم دعائم المجتمع الإسلامي على أسس متينة وشرع لنا من التشريعات المستمدة من العقيدة الراسخة ما يوفر له السعادة والطمأنينة ويسمو به نحو الكمال البشري. وتمتزج هذه التشريعات بالعقيدة امتزاج الروح بالجسد، ويمكن تلمس هذه النتائج العظيمة من خلال التطبيق الجاد المخلص لأحكامه، وأحداث التاريخ التي ملئت بها بطون الكتب من سير السلف الصالح خير شاهد على مدى نجاح هذه التشريعات في توفير السعادة والطمأنينة والرفاه. وفيما يلي إشارة سريعة إلى جملة من هذه الأسس والتشريعات التي تضمنها القرآن الكريم: ١ - الرابطة بين أفراد المجتمع الإسلامي رابطة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين: إن الأساس الذي يبنى عليه هيكل المجتمع الإسلامي هو أن رابطة العقيدة هي التي تشكل الآصرة التي تربط الأفراد في المجتمع، وليس للرابطة الوطنية أو القومية أو القبلية أو الجنس أو اللون أي أثر في المجتمع الإسلامي. وارتباط المسلم بالوطن والقوم بمقدار ارتباط هذا الوطن وأهله بالإسلام، فولاء المسلم لعقيدته أولا وآخرا، لذا نجد القرآن الكريم ندد بمن آثر الوطن والمسكن والأهل والأقارب على العقيدة، وامتدح الذين ضحوا بكل ذلك في سبيل عقيدتهم، يقول تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ

стр. 225

بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) [المجادلة: ٢٢]. وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) [النساء: ٦٦]. وقد تضمن القرآن الكريم من أحكام العبادات والمعاملات والحدود والقصاص ما يقوي أواصر الجماعة ويثبت روح التعاون والتعاضد بين أفرادها ويعودهم على النظام والطاعة والانقياد للقيادة المؤمنة العليا في المجتمع الإسلامي، ويتجلى ذلك في تشريعات الصلاة والزكاة والصوم والحج .... ففي الصلاة تربية الفرد على النظام وتلقي الأوامر من الرئيس المباشر (الإمام)، ولعل هذا المعنى أثر في نفس عدو الله رستم في القادسية عند ما كان يراقب الجيش الإسلامي وهو يؤدي صلاة الجماعة صفوفا خلف الإمام حيث قال: (لقد مزق عمر كبدي، يعلم الأعراب النظام). وفي الزكاة قضاء على الحقد والبغضاء بين الطبقات وإشعار بتكافل المسلمين وتضامنهم. وفي الصوم إشعار بوحدة الأمة وتعويد لها على الصبر وقوة الإرادة وتنمية مراقبة الله تعالى في السر والعلن. وفي الحج إبراز المساواة بين الناس وتذكيرهم بالموقف الأكبر وإظهار للمساواة بين المسلمين، ووحدة أمتهم الإسلامية على اختلاف ألوانها وأجناسها وتحقيق لقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) [الأنبياء: ٩٢].

стр. 226

إلى جانب تقوية صلة الفرد بالله وتزكية روحه والتسامي على الأهواء والنزوات المنحطة. قرر القرآن الكريم من التشريعات التفصيلية للفرد والمجتمع ما يقطع دابر الشقاق والخلاف بين المسلمين، وإن وقع شيء من ذلك ضيق هوّة النزاع بين المتخاصمين للحيلولة دون انتشاره واستمراره. فمن أجل ذلك جاءت التشريعات لصيانة دماء الناس فيما بينهم فشرع القصاص في النفس والأعضاء بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) [البقرة: ١٧٨]. وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) [المائدة: ٤٥]. وشرع من الأحكام ما صان أعراض الناس وحذر من انتهاكها ولم يبحها إلا بعقد الزوجية أو ملك اليمين، يقول تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) [النور: ٢ - ٣]. كما سن القرآن الكريم من التشريعات ما يحفظ أموال الناس ويمنع من الاستيلاء عليه عن طريق الغش والخداع والنصب والإكراه وحيل الربا وأنواع الاستغلال الحرام، يقول تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) [البقرة: ١٨٨].

стр. 227

وأبدل بذلك إباحة البيع والشراء فقال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [البقرة: ٢٧٥]. وفرض الزكاة وحث على الصدقات المطلقة توسيعا لقاعدة التداول المالي قال تعالى:* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) [التوبة: ٦٠]. وحرم كنز المال ومنعه عن أصحاب الحقوق والمحتاجين فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. ووعد المنفقين في سبيل الله بالمضاعفة في الدنيا والمثوبة العظيمة في الآخرة فقال جل من قائل: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥) [البقرة: ٢٤٥]. وقال: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) [البقرة: ٢٦١]. كل ذلك لمنع تجميع المال في أيد قليلة تعيش طفيلية على جهد العاملين وكدحهم: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ [الحشر: ٧]. ٢ - الأسرة ومكانتها في القرآن: أولى القرآن الكريم الأسرة اهتماما كبيرا باعتبارها اللبنة الأولى من لبنات الأمة، ومن البدهي أن البناء يستمد قوته من قوة لبناته وضعفه من ضعفها، فكلما كانت الأسرة قوية متماسكة ذات مناعة تجاه الأوبئة الخلقية والانحرافات الاجتماعية بني صرح الأمة قويا منيعا وإذا كانت الأسرة ضعيفة

стр. 228

منحلة كان انحلال الأمة وتفسخها نتيجة طبيعية لذلك، لذا لم يترك القرآن الكريم جانبا من شئونها إلا وتوجه له بالتوجيه والتسديد: أ- جعل القرآن الكريم الزواج أصل نشوء الأسرة ومن هنا أخذ الزواج نفس العناية التي أخذتها الأسرة وأسبغ عليه نفس القدسية والجلال، يقول تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) [النحل: ٧٢]. وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) [الروم: ٢١]. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) [النساء: ٢٠ - ٢١]. ب- ولما كان للزواج هذه الأهمية فقد عني القرآن الكريم بجملة من الوسائل التي من شأنها إذا روعيت أن تقوي الحياة الزوجية وتدعم استمرارها وتحول بين تدهورها وانحلالها. من هذه الوسائل ما يجب مراعاته في الزواج منذ اللحظة الأولى، لحظة التفكير فيه والتوجيه إليه والعزم عليه، ومنها ما يجب مراعاته بعد أن يتم عقد الزواج وتسير الحياة الزوجية في طريقها، ومنها ما يجب مراعاته حين الشعور بمبدإ الزعزعة والاضطراب فترجع النفوس عن غيها وتقف في جانب المحافظة ودوام الاتصال بدلا من الاندفاع في الغضب والانحلال. أما إذا لم تتسع ساحة الدار للشقاق والخلاف بين الزوجين فقد أمر الله بعرض النزاع على المهتمين بشئون الزوجين من القرابة لإيجاد الحل الذي يحفظ على الزوجين ودّهما ويعيد المياه إلى مجاريها. وإن كانت الأخرى فلكي يمضي كل في سبيله وقد عرف ما له وما عليه فلا ضيم ولا ظلم ..

стр. 229

وهكذا لو تتبعنا المسيرة القرآنية مع الأسرة لطال بنا المسير ونحن نستعرض التشريعات الحكيمة في حالات الوفاق والاستمرار، وفي حالات الطلاق والانفصال، وفي حالة الحياة وبعد الممات. ٣ - الدولة والحكومة في القرآن: ومن الموضوعات اللافتة للنظر في القرآن الكريم تشريعاته المتعلقة بشئون السلطة والسياسة الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية في السلم والحرب، لقد أقام الإسلام دولة لم يشهد التاريخ لها مثيلا تحققت فيها كل مقومات السعادة والأمن والعدل وكل مظاهر القوة والعظمة والمجد، وذلك نتيجة تطبيق أحكام القرآن الكريم، فالدولة تستمد عظمتها ومجدها من المبادئ التي تحملها إلى الإنسانية وتسهر على تطبيقها بنزاهة وعدالة. ونشير إلى جملة من هذه المبادئ الأساسية التي قامت عليها الدولة الإسلامية: أ- الشورى: لقد قرن القرآن الكريم بين الشورى وبين عناصر الشخصية المؤمنة مثل الصلاة والزكاة فهي من المقومات الأساسية في تكوين شخصيته أيضا. يقول تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) [الشورى: ٣٧ - ٣٩]. ولم يحدد القرآن الكريم طريقة المشورة ووسيلتها توسعة ورحمة لأن الوسيلة قد تختلف من جيل إلى جيل. إلا أن السوابق الدستورية في عصر رسول الله ﷺ والخلافة الراشدة تبين أنهم كانوا يوسعون من أبعادها بقدر الإمكان، حتى تشمل فئات المسلمين وطبقاتهم، وأهل الاختصاص والرأي فيهم، وإذا ما انتهت الشورى إلى رأي أو قرار وأجمع أهل الحل والعقد على أمر وجب على جميع المسلمين طاعتهم.

стр. 230

ب- العدل المطلق بين الرعية: فلا وجود في الدولة الإسلامية للمتنفذين الذين يتسلطون على حقوق الضعفاء، بل الناس سواسية، الحاكم والمحكوم، القوي والضعيف، الصغير والكبير، أمام القضاء والحكم. ومن هنا إقامة العدل بين الناس من أوليات الدعوة الإلهية. يقول : فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) [الشورى: ١٥]. ويبين القرآن الكريم أن العدل في كل الظروف وحيال جميع المواقف وتجاه كل إنسان يجب أن يطبق سواء كانوا من الأقرباء أو البعداء، وسواء كانوا من الأصدقاء أو الأعداء، من المحبين أو المبغضين. يقول تعالى:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [النحل: ٩٠].* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) [النساء: ١٣٥]. فلا تفرقة بين الأشخاص في تحقيق العدالة، وإذا حوبي القريب المحب على حساب العدالة، وأبغض البعيد وظلم بسبب العداوة أو الجنس أو اللون اضطرب شأن الدولة واختلت المعايير والقيم فيها فقوض أركانها. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) [المائدة: ٨]. ج- التكافل الاجتماعي: يبين القرآن الكريم أهمية التكافل الاجتماعي في بناء الدولة الإسلامية إذ إن شعور أفراد الأمة الإسلامية بمسئوليتهم جميعا عن تصرفات الأفراد،

стр. 231

وأن كل واحد منهم حامل لتبعات أخيه ومحمول على أخيه، فيسأل عن نفسه ويسأل عن غيره. وهذا قانون من قوانين الاجتماع الراقي، ومن المقومات التي توفر الحياة السعيدة الكريمة للأمة وتوفر لها المناخ الملائم لأداء دورها في الحياة. وقد أشار القرآن الكريم إلى شعبتي التكافل الاجتماعي ودعا إلى القيام بهما: أما الشعبة الأولى فهي الجانب الأدبي في التكافل. وهي تبرز تكافل المسلمين وتعاونهم على إحقاق الخير وتأييده ونصرته وكسر شوكة الباطل واجتثاث جذوره والقضاء عليه. إنه دعامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) [التوبة: ٧١]. إن سنّة الله في المجتمعات هي أن أفراد المجتمع إن لم يسندوا أولي الأمر في محاربة الباطل، وإقامة العدل، والأخذ على يد الظلمة والفسقة، إن لم يقوموا بما كلفهم الله به استشرى الباطل وعجز السلطان عن تنفيذ الأحكام فكان مصير الأمة الدمار والخراب فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) [هود: ١١٦]. وأما الشعبة الثانية في التكافل الاجتماعي فشعبة مادية. وسبيلها على مستوى الفرد في الجماعة الإسلامية هو أن يمد يد المعونة في حاجة المحتاج وإغاثة الملهوف وتفريج كربة المكروب وتأمين الخائف وإطعام الجائع، وقد حث القرآن الكريم على هذا التعاون المادي واستنهض الهمم فيه، يقول ﷻ :* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى

стр. 232

حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) [البقرة: ١٧٧]. وعلى نطاق الدولة فمهمتها كفالة المجتمع الإسلامي بأسره وتوفير الحاجيات الأساسية من مطعم وملبس ومأكل، وقد جاء ذلك صريحا في سنّة رسول الله ﷺ وسنّة خلفائه الراشدين، يقول ﵊: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته» وفي رواية: «من ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» رواه مسلم من حديث أبي هريرة (١). ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (ولم يبق أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق، إلا ما تملكون من رقيقكم، فإن أعش إن شاء الله لم يبق أحد من المسلمين إلا سيأتيه حقه، حتى الراعي بسر وحمير يأتيه ولم يعرق فيه جبينه) (٢). ٤ - الأسس التي بنيت عليها علاقات الدولة الإسلامية بغيرها: ذكر القرآن الكريم المبادئ التي يحدد المسلمون بموجبها علاقتهم بغيرهم والنظرة القرآنية إلى هذه العلاقات متمشية مع مبادئه السامية في نظرته إلى الكون والإنسان عامة. فمن سنن الله في المجتمعات الإنسانية سنة التدافع، فالحق لا بد له من قوة تسند مسيرته، وإلا تغلب عليه الباطل وأهله وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٢٥١]. لذا كانت نظرة القرآن الكريم إلى الإنسانية أنها مأمورة بالسير في

стр. 233

الكون على منهج خالق الكون، فإذا اضطرب أمرها واندثرت معالم الحق منها كانت مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام بيانه لها، فإن صممت على السير في متاهات الحياة على غير بصيرة اقتضت مصلحتها أن تعاد إلى الطريق السوي بالقوة. فالنظرة الإسلامية إلى الإنسان نظرة شفقة وعطف ورحمة، والمسلمون حين يدعون الناس إلى الإسلام إنما يريدون لهم الخير والفلاح، فإن أصر الناس على معاندة الحق وتنكب طريق الفلاح كانت النظرة الإسلامية العلاجية لمثل هذه الحالات إعلان الجهاد في سبيل إحقاق الحق وإزالة العقبات أمام الدعوة والدعاة ورفع الظلم والاضطهاد عن المستضعفين. وإلى هذه الغايات تشير الآية الكريمة: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) [الحج: ٣٩ - ٤٠]. والناس أمام دعوة الحق فئات، وقد أشار القرآن إلى الموقف الذي ينبغي اتخاذه تجاه كل فئة. ١ - فمنهم الذين يقفون في وجه دعوة الحق موقف العداء، ويحاولون الاعتداء على بيضة الإسلام في أرض المسلمين، أو يمنعون الدعاة من إبلاغ الدعوة إلى الشعوب بالاعتداء عليهم وإخراجهم من أرض الله، أو يفتنون المسلمين من سكان بلادهم عن دينهم بمنعهم من إقامة شعائر دينهم، فهؤلاء المحاربون الذين حث القرآن على قتالهم بكل وسائله وطرقه بالهجوم على مآمنهم والقصد إلى مكامنهم، وفي ذلك يقول الله : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) [التوبة: ٥].

стр. 234

ويقول تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) [التوبة: ٢٩]. إلا أن الجهاد الإسلامي لا يتجاوز معسكر الحكام والجيوش، أما العلاقة بين المسلمين والشعوب فتبقى علاقة ود وعطف ورغبة في الهداية، يقول تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) [الممتحنة: ٨ - ٩]. ويرغب القرآن الكريم في إنهاء القتال إن مال الأعداء إلى السلم ما لم تظهر منهم أمارات الخديعة والمكر:* وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) [الأنفال: ٦١ - ٦٣]. ٢ - والفئة الثانية أهل الميثاق: وتمشيا مع شرعة القرآن في جعل الجهاد علاجا لحالات لم تنفع فيها الحكمة والموعظة الحسنة فقد سن للمسلمين حق إنشاء معاهدات ومواثيق بينهم وبين غيرهم بدأ وبعد حرب، وأمر بالوقوف عند هذه المواثيق بقطع النظر عن أي اعتبار ما داموا لا ينقضون منها شيئا ولا يظاهرون على المسلمين أحدا، يقول تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٤] ويقول: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) [النحل: ٩١]. إلا أن مراعاة المواثيق والعهود لا تجعلنا في غفلة عن حال العدو، فنحن ملتزمون بمضمون المعاهدة إذا حافظ عليها الطرف الآخر ولم تبد من

стр. 235

جانبه نية الخيانة ولم يخل بشيء من التزاماته، ولم يظاهر علينا عدوا بالمال أو السلاح أو الرأي والتدبير، فإن بدر منه ما ينقض مضمون المعاهدة كان لنا أن نعامله بالمثل، وبذلك تفقد المعاهدة حرمتها ونكون في حل من التزاماتها، ولكن القرآن أوجب عندئذ إعلام الطرف الآخر بنبذ المعاهدة ولا يسمح بالمباغتة إلا بعد وصول نبأ النبذ إليهم، يقول تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) [الأنفال: ٥٨]. ٣ - والفئة الثالثة هم فئة المسالمين (المحايدين): وهم الذين يعتزلون قتال المسلمين ويكفون أيديهم وألسنتهم ولا يظاهرون عليهم عدوا، وهم الذين لا يريدون أن يكونوا مع المؤمنين على قومهم، ولا مع قومهم على المؤمنين، فهؤلاء لا يقاتلون ما التزموا الحياد في مكانهم بعيدين عن المحاربين. يقول تعالى في شأن هؤلاء: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) [النساء: ٩٠]. وهكذا تتضح لنا معالم هدايات القرآن الكريم في تنظيم شئون الحياة كلها صافية نقية توفر السعادة للفرد والأمن والاستقرار للمجتمع وتحفظ للأمة كيانها وهيبتها ومركزها بين الأمم. وإذا كان المعيار الذي يعرف به عظمة التشريعات وصلاحها وشمولها ودقتها هو الأثر الذي تتركه في المجتمعات ومدى توفير السعادة والطمأنينة للشعوب فإن أثر تطبيق الشرائع الإسلامية ظاهرة للعيان في مختلف العصور الإسلامية وفي سائر أقطار المسلمين. فسعادة المسلمين ورقيهم وتقدمهم مرتبطة بالتمسك بشرائع الإسلام وهم قوم أعزهم الله بالإسلام فمهما ابتغوا العزة في غيره أذلهم الله.

стр. 236

ثالثا: في الأخلاق: لقد أولى القرآن الكريم الأخلاق أهمية كبيرة، وحث على التمسك بفضائلها بمختلف الأساليب، وحذر من ارتكاب مرذولها بشتى الطرق، ونظرة القرآن إلى الأخلاق منبثقة أيضا من نظرته إلى الكون والحياة والإنسان. وإذا كانت العقائد تشكل أركان الصرح الإسلامي فإن التشريعات تكون تقسيمات حجراته وممراته ومداخله، والأخلاق تضفي البهاء والرونق والجمال على الصرح المكتمل، وتصبغه الصبغة الربانية المتميزة. وإذا كانت العقيدة الإسلامية تشكل جذور الدوحة الإسلامية وجذعها فإن الشريعة تمثل أغصانها وتشعباتها، والأخلاق تكون ثمارها اليانعة وظلالها الوارفة ومنظرها البهيج النضر: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]. لقد عرضت آيات القرآن الكريم الدعوة إلى التحلي بالأخلاق الفاضلة من خلال الالتزام بالعقيدة الإسلامية ومن خلال الأوامر الربانية، لأن الله الذي خلق الإنسان وأودع فيه الفطرة المستقيمة أودع فيه أيضا العواطف والمشاعر والغرائز والحاجات ووضح المنهج الأمثل الذي يحافظ على استقامة الفطرة، وينمي فيها نوازع الخير، ويحد من أهواء النفس والشهوات ويهذب الغرائز ويسمو بها ويوجهها إلى الكمالات الإنسانية: إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم: ٣٢]. ولقد تنوعت الأساليب القرآنية في عرض الأخلاق والحث على التحلي بها فكثيرا ما يكرر القرآن الكريم خلقا من الأخلاق أو صفة مستمدة منه ويستعملها استعمالات شتى. وما ذاك إلا بهدف ملء أسماع المؤمنين من هذه الصفة، فإذا ما سيطرت عليهم استشعروها في أنفسهم واتصفوا بها

стр. 237

في سلوكهم ونفروا من ضدها، وهذا أسلوب من الأساليب التربوية الرفيعة. خذ مثلا على ذلك خلق (العزة) فقد كرر القرآن الكريم وصف ذات الله القدسية بصفة العزيز ما يقرب من تسعين مرة. ووصف به الرسول والمؤمنين في قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨]. وقال تارة أخرى عن عباد الله الذين يحبهم ويحبونه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [المائدة: ٥٤]. وتارة يحصرها في الخالق سبحانه يهبها لمن يشاء: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) [آل عمران: ٢٦]. وفيما يلي جملة من هذه الأساليب من خلال آيات الذكر الحكيم: أ- تعرض كثير من الآيات الكريمة أمهات الأخلاق الفاضلة وتدعو إلى التمسك بها لأنها أمر إلهي، وفي التمسك بها فلاح البشرية وسعادتها والفوز برضوان الله . وبالنص على هذه الأمور العامة وكأن الهدايات القرآنية ترسم الخطوط العريضة في خارطة السلوك البشري وما ينبغي أن يكون الحال عليه. فنقرأ مثلا قوله تعالى: * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) [النحل: ٩٠ - ٩١]. والبر والتقوى مرتبتان لا يدركهما إلا من اتصف بصفات عظيمة وارتفع عن الشهوات وتسامى في العواطف والمشاعر، وكانت منطلقاته في

стр. 238

ذلك الإيمان الراسخ بالله واليوم الآخر، يقول تعالى:* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) [البقرة: ١٧٧]. فالآية الكريمة جمعت أطراف البر ابتداء بالعقيدة إذ هي الأساس الذي يبنى عليه غيره واستطرادا إلى التشريعات التي تكون الهيكل والقوام وانتهاء بالأخلاق والفضائل وهي المزايا الكريمة الراقية. يقول ابن عاشور: (فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم، وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشئة عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال، فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية، لأنهما ينبثق عنهما سائر الفرديات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة، وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحرارا، والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض، والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة، ولذلك قال تعالى هنا: أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرا ادعائيا للمبالغة (١). فهذه الآية الفذة قد جمعت بين البر في العقيدة والبر في التشريعات والبر في الأخلاق، وهي قوام التقوى والفلاح في الدارين: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦].

стр. 239

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) [القمر: ٥٤]. ب- وتارة تعرض جملة من أمهات الأخلاق على شكل وصية وميثاق يؤخذ على المؤمنين وعليهم الالتزام به والقيام عليه والوفاء به. يقول تعالى:* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣]. ج- وتأتي التوصية أحيانا على لسان أحد الأولياء المصطفين وهو يمحض النصيحة لمن يحرص على نجاته ويعز عليه انحرافه وضلاله، وهذا ما نقرؤه في قوله تعالى على لسان لقمان وهو يعظ ابنه: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) [لقمان: ١٣ - ١٩].

стр. 240

د- وتارة يأتي الحث على أمهات الأخلاق من خلال الثناء على طائفة ممتازة مختارة من عباد الله الذين نهجوا في حياتهم الدنيا نهجا ربانيا استحقوا بذلك هذا الثناء في الدنيا ورضوان الله في الآخرة، وفي كل ذلك من الأساليب التربوية الرائعة عن طريق الإيحاء الشيء الكثير. يقول تعالى: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧) [الفرقان: ٦٣ - ٧٧]. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) [المؤمنون: ١ - ١١].

стр. 241

هـ- هذا إلى جانب الحث على خلق معين عند وجود الدواعي لإفراده بالذكر أو المناسبة المقتضية للنهي عن ضده أو التنفير عن خلق ذميم. - فالحث على التقوى والصدق نجده في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) [التوبة: ١١٩]. وذلك في تعقيب رائع على قصة الثلاثة الذين خلفوا والتزموا الصدق في موقفهم فأكرمهم الله بقبول توبتهم وخلود ذكرهم، فقد كانوا متقين صادقين وعلينا أن نتأسى بموقفهم وسيرتهم. - والحث على الكرم والإيثار يأتي في تعقيب خاطف على الموقف المشرف الذي وقفه الأنصار من إخوانهم المهاجرين بعد حادثة فيء بني النضير حيث قال لهم رسول الله ﷺ : «إن أحببتم قسمت ما أفاء الله عليّ من بني النضير بينكم وبينهم، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكن في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم»، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: (بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونون في دورنا كما كانوا) ونادت الأنصار قائلة: (رضينا وسلمنا يا رسول الله)، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار» وأعطى المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا، إلا اثنين أو ثلاثة كان بهم فقر وحاجة، فنزل فيهم قول الله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) [الحشر: ٩]. فكانت مأثرة خالدة للأنصار وهم أهل لها وجديرون بها وبالتالي فهي خصلة إسلامية يندب لها ويكتب النجاح والفلاح لمن اتصف بها. - والأمر بالتواضع يأتي في صيغة خطاب موجه إلى رسول الله ﷺ :

стр. 242

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) [آل عمران: ١٥٩]. وفي قوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) [الشعراء: ٢١٥]. ورسول الله ﷺ هو القدوة والمثل الأعلى في سلوكه وتصرفاته وصفاته، فأمره بخفض الجناح للأتباع، واستشارتهم في شئون الدولة والحكم إنما هو رسم للمنهج الإسلامي في شئون الحياة. ولو ذهبنا نستعرض هدايات القرآن الكريم في شأن الأخلاق لطال بنا التطواف ولا نستطيع الإحاطة بالأساليب القرآنية في الحث على التحلي بالفضائل الخلقية والكمالات النفسية. ومن أراد المزيد من ذلك فليراجع كتاب: «مدارج السالكين» لابن القيم، و «أخلاق القرآن» للدكتور محمد عبد الله الدراز، وكتاب «موسوعة أخلاق القرآن» للدكتور أحمد الشرباصي.

стр. 243

دلالة الإعجاز التشريعي على مصدر القرآن الكريم إن المتعمق في دراسة التشريعات الإسلامية في مختلف مناحي الحياة يدرك إدراكا واضحا وجليا أن هذه التشريعات تهدف إلى هداية الإنسان في حياته الدنيا إلى أقوم السبل التي تحفظ للإنسان إنسانيته وتطلق طاقاته الإيجابية نحو الكمالات البشرية، وتحفظ له نظرته المستقيمة، وتوفر له التوازن الدقيق في متطلباته الجسدية المادية وأشواقه الروحية، مع انسجام تام مع المحاكمات العقلية، مما يثمر الطمأنينة النفسية والسعادة في حياته الدنيا، وهي السبيل إلى الحياة الباقية في الدار الآخرة. إن تاريخ البشرية لم يحدثنا عن مصلح اجتماعي أو فيلسوف عبقري أنه وضع نظام حياة لشعب من الشعوب بمختلف فئاته وتنوع مجالاتها بل حاول كثير من المصلحين أن يضعوا قوانين تنظيمية لدولة من الدول. ولكن محاولاتهم كثر الانتقاد عليها في حياتهم وبعد مماتهم لأنها كانت متأثرة ببيئة واضعها، وقاصرة عن استيعاب المشاكل لمجتمعهم، وأوجدت الجور والحيف على بعض الفئات لمصلحة آخرين. وما قانون حمورابي وصولون .. وغيرهم، وما أخذ عليها وما نتج من تطبيقاتها قديما إلا مظهر من المظاهر التي ابتلي بها الإنسان في مراحل شقائه. ولا زالت هذه الظواهر تتكرر في المجتمعات التي لا تدين دين الحق، فالمجتمعات الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والوثنية تكتوي بمثل هذه التجارب المريرة إلى يومنا هذا. إن التشريعات الإسلامية التي جمعت بين الروح والمادة فأشبعت كلا منهما في الإنسان بما يناسبها، ووفرت السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا وأزالت القلق عن النفوس من المستقبل مع مراعاة الفطرة وتلاؤمها معها،

стр. 244

لدليل على أن أحدا من البشر لا يستطيع أن يدرك هذه المجالات أو يحيط بها، وهي برهان ساطع على أنها منزلة من خالق الإنسان الذي أودع فيه هذه الطاقات والقدرات والاستعدادات فأنزل ما ينظمها جميعا ويوجهها لعبادة الخالق . وتكون الدلالة أوضح والبرهان أظهر عند ما تعلم أن الذي نزلت عليه كان أميا لم يتلق العلم على يد أحد من البشر، ولم يعرف بتجواله في الآفاق بحثا عن النظريات والدساتير الإصلاحية. يقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه القيم «المعجزة الكبرى»: ( ... إن ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تتعلق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودة والرحمة والعدالة لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية، وإذا وازنا ما جاء في القرآن بما جاءت به قوانين اليونان والرومان، وما قام به الإصلاحيون للقوانين والنظم بما جاء في القرآن وجدنا أن الموازنة فيها خروج عن التقدير المنطقي للأمور، مع أن قانون الرومان أنشأته الدولة الرومانية في تجارب ثلاثمائة سنة وألف، من وقت إنشاء مدينة روما إلى ما بعد خمسمائة من الميلاد، ومع أنه قانون تعهده علماء قيل إنهم ممتازون منهم: سولون الذي وضع قانون أثينا، ومنهم ليكورغ الذي وضع نظام أسبرطة. فجاء محمد ﷺ ومعه القرآن الذي ينطق بالحق عن الله من غير درس درسه، وكان في بلد أمي ليس فيه معهد ولا جامعة ولا مكان للتدريس، وأتى بنظام للعلاقات الاجتماعية والتنظيم الإنساني، لم يسبقه سابق، ولم يلحق به لا حق) (١). إن الإعجاز التشريعي لآية بينة على أن القرآن الذي اشتمل عليه هو كلام الله أنزله على قلب عبده ورسوله محمد ﷺ ليخرج الناس من ظلمات الانحراف والضلال والشقاء إلى نور الإيمان والهداية والتمسك بحبل الله المتين: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩) [الصف: ٩].

стр. 245

الفصل الرّابع الإعجاز الغيبيّ من وجوه الإعجاز للقرآن الكريم التي ذكرها العلماء الإعجاز بما فيه من أنباء الغيب ويقصدون بذلك كل ما كان غائبا عن محمد ﷺ ، ولم يشهد حوادث الواقعة ولم يحضر وقتها، فيدخل في الغيب بهذا المفهوم كل ما ورد في القرآن الكريم عن بداية نشأة الكون وما وقع منذ خلق آدم ﵇ إلى مبعث رسول الله ﷺ من عظيمات الأمور ومهمات السير، وكذلك يشمل ما غاب عن محمد ﷺ في وقته من الحوادث التي كانت تحدث ويخبر بها بطريق الوحي، كإخبار الله له بما يكيده اليهود والمنافقون، ويشمل أيضا ما تضمنه من الإخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان. ولشمول كلمة الغيب كل هذه المعاني سيكون بحثنا في هذا الفصل في جوانب ثلاثة وفي ثلاثة مباحث: المبحث الأول: غيب الماضي. المبحث الثاني: غيب الحاضر. المبحث الثالث: غيب المستقبل.

стр. 246

المبحث الأول غيب الماضي لقد سمى الله الأخبار عن الأمم السابقة غيبا، وأشار إلى وجه دلالتها على صدق رسول الله ﷺ وعلى كون القرآن الكريم إنما نزل بوحي من الله ، فكثيرا ما يفتتح القرآن القصة أو يختمها بالإشارة إلى أن هذه الأمور ما كان لرسول الله طريق إلى العلم بها إلا عن طريق الوحي من الله تعالى شأنه وجلت قدرته، فمثلا بعد ذكر قصة مريم وكفالة نبي الله زكريا لها يقول تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) [آل عمران: ٤٤]، فإن هذا النص يدل على أن القرآن من عند الله، وعلى أن ذلك النوع من العلم ما كان عند محمد ﷺ ، وليس له به دراية. ويقول عز من قائل بعد قصة نوح ﵇: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) [هود: ٤٩] وهذه أيضا إشارة واضحة إلى أن هذا العلم من عند الله، وأنه لم يكن معروفا عند العرب وما كانوا يتذاكرون به. ويقول جلت حكمته بعد قصة يوسف وذكر دقائقها وتفصيلاتها وعظاتها وعبرها: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) [يوسف: ١٠٢]. وقبل عرض قصة موسى ﵇ يقول عز من قائل: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) [القصص: ٣]، وبعد انتهائها يقول جل ثناؤه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى

стр. 247

الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) [القصص: ٤٤ - ٤٦]. إن ورود أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية بهذا الشكل المفصل الدقيق في القرآن الكريم لدليل على أنه وحي من الله وليس من عند البشر، لأن من ترعرع في بيئة مثل البيئة التي نشأ فيها محمد ﷺ لا يمكنه أن يطلع على مثل هذه الأمور التي لا سبيل للحصول عليها إلا بالتلقي، ولم يكن في تلك البيئة الأمية من يعرف هذه الأنباء على هذا الوجه الدقيق. وإن وجد في ذلك العصر في أطراف الجزيرة العربية بعض أهل الكتاب فلقد كانوا منغلقين على أنفسهم، وليس لهم تأثير فيمن حولهم، وكان المتخصص منهم في علم الكتاب- على قلتهم- يرى في اطلاعه على جوانب من قصص السابقين ميزة عظيمة له، فكان ضنينا به حتى لا ينافس على مركزه. وكانوا يعرفون قرب مبعث الرسول الخاتم للأنبياء والمرسلين، فكان من جملة ما يتحققون به من صدقه سؤاله عن القرون الغابرة ومصائر الأمم السابقة، كما ورد في سبب نزول سورة الكهف، حين سألت قريش اليهود أن يدلوهم على أمور يتحققون بها صدق محمد ﷺ ، فلما أجابهم القرآن الكريم ووافق ما عندهم من أنباء بل فاقها دقة وتفصيلا، وصحح ما التبس عليهم أمره واختلط عليهم وقائعه، أو حرفوه وبدّلوه عن قصد منهم، أو كتموه تعمية وتضليلا ووقف موقف التحدي منهم، وبيّن الحق والصواب من بين ركام الباطل الذي ألقوه عليه، علموا أن هذا لم يكن لبشر أن يدركه بالاطلاع والتتبع والاستقراء مهما أوتي من علم وحكمة ودراسة لسير الأولين فما بالك إذا كان الذي جاء به أميا ونشأ في بيئة أمية كما أخبر عنه ربه ﷻ : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) [العنكبوت: ٤٨].

стр. 248

لقد اتهمت قريش رسول الله ﷺ بأنه افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وقالوا تارة أخرى إنه يتلقاه من بشر. وسموا أنباء الغيب الماضي أساطير الأولين. وهذه التهم شهادة غير مباشرة لرسول الله ﷺ ، كانت قريش تعلم أحوال رسول الله ﷺ قبل البعثة، ولم يتهموه أنه اتصل بأحد من أحبار اليهود أو رهبان النصارى، ولم تكن له أسفار للبحث والتنقيب عن آثار الأمم. وعند ما قالوا إنها تملى عليه كانوا يدركون عدم صدقهم في هذه التهمة. فمن الذي أوتي علوم الأولين والآخرين حتى يستطيع إملاءها على التهمة. فمن الذي أوتي علوم الأولين والآخرين حتى يستطيع إملاءها على محمد ﷺ ؟! ولماذا لم يدع هو النبوة بدل محمد ﷺ ؟ لذا كانت تهمتهم هذه اعترافا منهم بأن هذه الأنباء لا يمكن أن يأتي بها محمد ﷺ من عند نفسه، وتمويها وتضليلا للناس وخداعا لأنفسهم فليلصقوها بأحد أتباع محمد ﷺ ، ورواجا لهذه الفرية ليكن شخصا غريبا عن قريش لعل في ذلك زيادة في التضليل والتمويه، فليكن صهيبا الرومي أو يسارا مولى الحضرمي، أو عداسا مولى حويطب بن عبد العزى أو جبرا مولى ابن عامر، واختاروهم من الموالي الغرباء عن قريش ليوهموا العامة أن هؤلاء الغرباء على علم لا تعلمه قريش. وهذا ما تولى القرآن الكريم الرد عليه في قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) [الفرقان: ٤ - ٦]. وقوله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) [النحل: ١٠٣]. أهداف غيب الماضي: من خلال تتبع القصص القرآني وما ورد فيه من أنباء الأمم السابقة ندرك أن الهدف الأساس من هذا النوع من الغيب هو إثبات صدق رسول الله ﷺ ، وكثيرا ما يستدل القرآن الكريم على ذلك بالإشارة إلى

стр. 249

مطابقة ما ورد في القرآن لما ورد في الكتب السابقة، كما في قوله تعالى: وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) [يونس: ٣٧]. وهناك أهداف تبعية لغيب الماضي مثل: أ- تثبيت فؤاد رسول الله ﷺ ، وإدخال الطمأنينة إلى قلبه أن منهجه هو منهج الأنبياء والرسل السابقين، وأن ما يلاقيه من عنت المشركين وعنادهم هو سنّة الله في جميع الأقوام. كما في قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) [هود: ١٢٠]. ب- تربية الأمة وتهذيبها من خلال العظات والعبر التي ترد في قصص السابقين كالإخلاص والتوكل في قصة إبراهيم ﵇، والبر والوفاء والطاعة في قصة إسماعيل ﵇ والصبر والتحمل في قصة أيوب ﵇ ... ج- تنمية المشاعر النبيلة والاستمتاع الوجداني والتسلية والترويح من خلال هذا الزاد الثقافي العظيم، كما في قوله تعالى بعد قصة يوسف ﵇ لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) [يوسف: ١١١]، وقوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) [القصص: ٥٨]. د- إبراز وجه من وجوه الإعجاز البياني للقرآن الكريم، فالقصة الواحدة تتكرر أحيانا عدة مرات، وتحس في كل مرة بقضايا وأمور جديدة مع الحفاظ على أصل القصة، ومن غير تناقض في وقائعها، ويؤدى ذلك كله بأسلوب معجز، وهذا ليس في قدرة البشر، يقول الإمام فخر الدين الرازي: ( .. إنه كان يذكر القصة الواحدة مرارا مختلفة بألفاظ مختلفة،

стр. 250

وكل ذلك مشابهة في الفصاحة، مع أن الفصيح إذا ذكر قصة واحدة مرة واحدة بالألفاظ الفصيحة عجز عن ذكرها بعينها مرة أخرى بألفاظ فصيحة، فيستدل بفصاحة الكل على كونها من عند الله تعالى لا من البشر (١).
следующие страницы →