وجوهه، وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد. وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض الشعر، على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالا، فتطلب فيه الإصابة والإفادة، وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع، وترتيب لطيف، وإن لم يكن معتدلا في وزنه، وذلك شبيه بجملة الكلام الذي لا يتعمل [فيه]، ولا يتصنع له. وقد علمنا أن القرآن خارج عن هذه الوجوه، ومباين لهذه الطرق.
ويبقى علينا أن نبين أنه ليس من باب السجع، ولا فيه شيء منه، وكذلك ليس من قبيل الشعر، لأن من الناس من زعم أنه كلام مسجع، ومنهم من يدعي فيه شعرا كثيرا، والكلام عليهم يذكر بعد هذا الموضع.
فهذا إذا تأمله المتأمل تبين- بخروجه عن أصناف كلامهم، وأساليب خطابهم- أنه خارج عن العادة، وأنه معجز، وهذه خصوصية ترجع إلى جملة القرآن، وتميّز حاصل في جميعه.
٢ - ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة، والغرابة، والتصرف البديع، والمعاني اللطيفة، والفوائد الغزيرة، والحكم الكثيرة، والتناسب في البلاغة، والتشابه في البراعة، على هذا الطول، وعلى هذا القدر. وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة وألفاظ قليلة، وإلى شاعرهم قصائد محصورة، يقع فيها ما نبينه بعد هذا من الاختلال، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف، ويشملها ما نبديه من التعمل والتكلف والتجوّز والتعسف. وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا في الفصاحة، على ما وصفه الله تعالى به، فقال عزّ من قائل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]، وقوله: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء: ٨٢]. فأخبر سبحانه أن كلام
стр. 72
الآدمي إن امتد وقع فيه التفاوت، وبان عليه الاختلال. وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره، فتأمله تعرف الفصل.
٣ - وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة، وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع، يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور.
فمن الشعراء من يجوّد في المدح دون الهجو.
ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح.
ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين.
ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ.
ومنهم من يغرب في وصف الإبل أو الخيل، أو سير الليل، أو وصف الحرب، أو وصف الروض، أو وصف الخمر، أو الغزل، أو غير ذلك مما يشتمل عليه الشعر ويتناوله الكلام، ولذلك ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وبزهير إذا رغب. ومثل ذلك يختلف في الخطب والرسائل وسائر أجناس الكلام.
ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ، رأيت التفاوت في شعره على حسب الأحوال التي يتصرف فيها، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه، ووقف دونه، وبان الاختلاف على شعره؛ ولذلك ضرب المثل بالذين سميتهم، لأنه لا خلاف في تقدّمهم في صنعة الشعر، ولا شك في تبريزهم في مذهب النظم. فإذا كان الاختلال يتأتى في شعرهم، لاختلاف ما يتصرفون فيه، استغنينا عن ذكر من هو دونهم، وكذلك يستغنى به عن تفصيل نحو هذا في الخطب والرسائل ونحوها. ثم نجد من الشعراء
стр. 73
من يجوّد في الرجز، ولا يمكنه نظم القصيد أصلا، ومنهم من ينظم القصيد، ولكن يقصر [تقصيرا عجيبا، ويقع ذلك من رجزه موقعا بعيدا.
ومنهم من يبلغ في القصيدة الرتبة العالية، ولا ينظم الرجز، أو يقصر] فيه مهما تكلفه أو تعمله.
ومن الناس من يجود في الكلام المرسل، فإذا أتى بالموزون قصر ونقص نقصانا بيّنا، ومنهم من يوجد بضد ذلك.
وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدّمنا ذكرها، على حدّ واحد، في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه، ولا انحطاط عن المنزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب، من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حدّ واحد لا يختلف. وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة [تفاوتا بيّنا، ويختلف اختلافا كبيرا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة] فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر عليه البشر، لأن الذي يقدرون عليه قد بيّنا فيه التفاوت الكثير، عند التكرار وعند تباين الوجوه، واختلاف الأسباب التي يتضمن.
٤ - ومعنى رابع: وهو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بيّنا في الفصل والوصل، والعلوّ والنزول، والتقريب والتبعيد، وغير ذلك مما ينقسم إليه الخطاب عند النظم، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع.
ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره، والخروج من باب إلى سواه. حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري، مع جودة نظمه، وحسن وصفه- في الخروج من النسيب إلى المديح. وأطبقوا على أنه لا يحسنه، ولا يأتي فيه بشيء، وإنما اتفق له- في مواضع معدودة- خروج يرتضى، وتنقل يستحسن.
وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء، والتحوّل
стр. 74
من باب إلى باب. ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة، ونبين أن القرآن- على اختلاف [فنونه و] ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة- يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب، والمتنافر في الأفراد إلى حد الآحاد، وهذا أمر عجيب، تبين به الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج معه الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العرف.
٥ - ومعنى خامس: وهو أن نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة كلام [الجن، كما يخرج عن عادة كلام الإنس]. فهم يعجزون عن الإتيان بمثله كعجزنا، ويقصرون دونه كقصورنا. وقد قال الله :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) [الإسراء: ٨٨].
فإن قيل: هذه دعوى منكم، وذلك أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم عجز الجن عن [الإتيان] بمثله، وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله، وإن كنا عاجزين، كما أنهم قد يقدرون على أمور لطيفة، وأسباب غامضة دقيقة، لا نقدر نحن عليها، ولا سبيل لنا للطفها إليها، وإذا كان كذلك، لم يكن إلى علم ما ادعيتم سبيل.
قيل: قد يمكن أن نعرف ذلك بخبر الله ، وقد يمكن أن يقال إن هذا الكلام خرج على ما كانت العرب تعتقده من مخاطبة الجن، وما يروون لهم من الشعر، ويحكون عنهم من الكلام، وقد علمنا أن ذلك محفوظ عندهم منقول عنهم. والقدر الذي نقلوه [من ذلك] قد تأملناه، فهو في الفصاحة لا يتجاوز حد فصاحة الإنس؛ ولعله يقصر عنها، ولا يمنع أن يسمع الناس كلامهم، ويقع بينهم وبينهم محاورات في عهد الأنبياء، صلوات الله عليهم، وذلك الزمان مما لا يمتنع فيه وجود ما ينقض العادات. على أن القوم إلى الآن يعتقدون مخاطبة الغيلان، ولهم أشعار محفوظة مدونة في دواوينهم. قال تأبط شرّا (١):
стр. 75
وأدهم قد جبت جلبابه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا (١)
إلى أن حدا الصبح أثناءه ... ومزّق جلبابه الأليلا (٢)
على شيم نار تنوّرتها ... فبتّ لها مدبرا مقبلا (٣)
فأصبحت والغول لي جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا
وطالبتها بضعها، فالتوت ... بوجه تهوّل واستغولا (٤)
فمن سال أين ثوت جارتي ... فإن لها باللوي منزلا
وكنت إذا ما هممت اعتزمت ... وأخر إذا قلت أن أفعلا
وقال آخر (٥):
عشوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما
فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم يحسد الإنس الطعاما
ويذكرون لإمرئ القيس قصيدة مع عمر والجني، وأشعارا لهما، كرهنا نقلها. وقال عبيد بن أيوب:
فلله درّ الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقفّر
أرنّت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حواليّ نيرانا تلوح وتزهر
وقال ذو الرمة (٦) بعد قوله:
стр. 76
قد أغسف النازح المجهول مغسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه البوم (١)
للجنّ بالليل في حافاتها زجل ... كما تناوح يوم الرّيح عيشوم (٢)
دوّية ودجى ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم (٣)
وقال أيضا:
وكم عرّست بعد السرى من معرّس ... به من كلام الجن أصواب سامر (٤)
وقال:
ورمل عزيف الجن في عقباته ... هزيز كتضراب المغنّين بالطبل (٥)
وإذا كان القوم يعتقدون كلام الجن ومخاطباتهم، ويحكون عنهم، وذلك القدر المحكي لا يزيد أمره على فصاحة العرب، صح ما وصف عندهم من عجزهم عنه كعجز الإنس.
ويبين ذلك من القرآن: أن الله تعالى حكى عن الجن ما تفاوضوا فيه من القرآن فقال: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) [الأحقاف: ٢٩]، إلى آخر ما حكى عنهم فيما يتلوه.
стр. 77
فإذا ثبت أنه وصف كلامهم، ووافق ما يعتقدونه من نقل خطابهم، صح أن يوصف الشيء المألوف بأنه ينحط عن درجة القرآن في الفصاحة.
وهذان الجوابان أسدّ عندي من جواب بعض المتكلمين عنه، بأن عجز الإنس عن القرآن يثبت له حكم الإعجاز، فلا يعتبر غيره. ألا ترى أنه لو عرفنا من طريق المشاهدة عجز الجن عنه، فقال لنا قائل: فدلّوا على أن الملائكة تعجز عن الإتيان بمثله، لم يكن لنا في الجواب غير هذه الطريقة التي قد بيناها.
وإنما ضعّفنا هذا الجواب، لأن الذي حكي وذكر عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثله، فيجب أن نعلم عجز الجن عنه، كما علمنا عجز الإنس عنه ولو كان وصف عجز الملائكة عنه، لوجب أن نعرف ذلك أيضا بطريقه.
فإن قيل: أنتم قد انتهيتم إلى ذكر الإعجاز في التفاصيل، وهذا الفصل إنما يدل على الإعجاز في الجملة؟.
قيل: هذا كما أنه يدل على الجملة، فإنه يدل على التفصيل أيضا، فصح أن يلحق هذا القبيل، كما كان يصح أن يلحق بباب الجمل.
٦ - ومعنى سادس: وهو أن ينقسم عليه الخطاب، ومن البسط والاقتصار، والجمع والتفريق، والاستعارة والتصريح، والتجوّز والتحقيق، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم، موجود في القرآن. وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم، في الفصاحة والإبداع والبلاغة وقد ضمنا بيان ذلك [من] بعد، لأن الوجه هاهنا ذكر المقدّمات، دون البسط والتفصيل.
٧ - ومعنى سابع: وهو أن المعاني التي تضمنها، في أصل وضع الشريعة والأحكام، والاحتجاجات في أصل الدين، الردّ على الملحدين على تلك الألفاظ البديعة، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة، مما
стр. 78
يتعذر على البشر ويمتنع وذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس، أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة،
وأسباب مؤسسة مستحدثة. فإذا برع اللفظ في المعنى البارع، كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرّر، والأمر المتقرّر المتصوّر، ثم انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه، ويراد تحقيقه، بان التفاضل في البراعة والفصاحة، ثم إذا وجدت الألفاظ وفق المعنى، والمعاني وفقها، لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم.
٨ - ومعنى ثامن: وهو أن الكلام يتبين فضله ورجحان فصاحته، بأن تذكر منه الكلمة في تضاعيف كلام، أو تقذف ما بين شعر، فتأخذها الأسماع، وتتشوّف إليها النفوس، ويرى وجه رونقها باديا غامرا سائر ما تقرن به، كالدرّة التي ترى في سلك من خرز، وكالياقوتة في واسطة العقد.
وأنت ترى الكلمة من القرآن يتمثل بها في تضاعيف كلام كثير، وهي غرّة جميعه، وواسطة عقده، والمنادي على نفسه بتميزه وتخصصه، برونقه وجماله، واعتراضه في حسنه ومائه، وهذا الفصل أيضا مما يحتاج فيه إلى تفصيل وشرح ونص، ليتحقق ما ادّعيناه منه.
ولولا هذه الوجوه التي بيناها، لم يتحير فيه أهل الفصاحة، ولكانوا يفزعون إلى التعمل للمقابلة، والتصنع للمعارضة، وكانوا ينظرون في أمرهم، ويراجعون أنفسهم، أو كان يراجع بعضهم بعضا في معارضته ويتوقفون لها.
فلما لم نرهم اشتغلوا بذلك، علم أن أهل المعرفة منهم بالصنعة إنما عدلوا عن هذه الأمور، لعلمهم بعجزهم عنه، وقصور فصاحتهم دونه.
ولا يمتنع أن يلتبس- على من لم يكن بارعا فيهم، ولا متقدّما في الفصاحة منهم- هذا الحال حتى لا يعلم إلا بعد نظر وتأمل، وحتى يعرف حال عجز غيره. إلا أنا رأينا صناديدهم وأعيانهم ووجوههم سلموا ولم
стр. 79
يشتغلوا بذلك، تحققا بظهور العجز وتبينا له. وأما قوله تعالى حكاية عنهم: لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١]، فقد يمكن أن يكونوا كاذبين فيما أخبروا به عن أنفسهم، [وقد يمكن أن يكون قاله منهم أهل الضعف في هذه الصناعة دون المتقدمين فيها]، وقد يمكن أن يكون هذا الكلام إنما خرج منهم، وهو يدل على عجزهم. ولذلك أورده الله مورد تقريعهم، لأنه لو كانوا على ما وصفوا به أنفسهم لكانوا يتجاوزون الوعد إلى الإنجاز، والضمان إلى الوفاء؛ فلما لم يفعلوا ذلك- مع استمرار التحدّي وتطاول زمان الفسحة في إقامة الحجة عليهم بعجزهم عنه- علم عجزهم، إذ لو كانوا قادرين على ذلك لم يقتصروا على الدعوى فقط.
ومعلوم من حالهم وحميّتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيّات وفي وصف الأزمّة والأنساع والأمور والتي لا يؤبه لها ولا يحتاج إليها، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس، ويتبجحون به أشد التبجح. فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة، والعبارات الفصيحة، مع تضمن المعارضة لتكذيبه، والذب عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم، وتضليله إياهم، والتخلص من منازعته، ثم من محاربته ومقارعته. ثم لا يفعلون شيئا من ذلك، وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل، ويعلّلونها بالأباطيل.
[هذا محال].
٩ - ومعنى تاسع: وهو: أن الحروف التي بنى عليها كلام العرب تسعة (١) وعشرون حرفا، وعدد السور التي افتتح فيها بذكر الحروف ثمان وعشرون سورة، وجملة ما ذكر من هذه الحروف في أوائل السور من حروف المعجم نصف الجملة، وهو أربعة عشر حرفا، ليدل بالمذكور على غيره، وليعرفوا أن هذا الكلام منتظم من الحروف التي ينظمون بها كلامهم.
стр. 80
والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية وبنوا عليها وجوهها أقسام، نحن ذاكروها:
فمن ذلك أنهم قسموها إلى حروف مهموسة، وأخرى مجهورة.
فالمهموسة منها عشرة: وهي الحاء، والهاء، والخاء، والكاف، والشين، والثاء، والفاء، والتاء، والصاد، والسين.
وما سوى ذلك من الحروف فهي مجهورة.
وقد عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور.
وكذلك نصف الحروف المجهورة على السواء، لا زيادة ولا نقصان.
«والجمهور» معناه: أنه حرف أشبع الاعتماد في موضعه ومنع أن يجري معه [النفس] حتى ينقضي الاعتماد ويجري الصوت.
«والمهموس» كل حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى معه النفس. وذلك مما يحتاج إلى معرفته لتبنى عليه أصول العربية.
وكذلك مما يقسمون إليه الحروف، يقولون: إنها على ضربين:
أحدهما حروف الحلق، وهي ستة أحرف: العين، والحاء، والهمزة، والهاء، والخاء، والغين.
والنصف [الآخر] من هذه الحروف مذكورة في جملة الحروف التي تشتمل عليها الحروف المثبتة في أوائل السور، وكذلك النصف من الحروف التي ليست بحروف الحلق.
وكذلك تنقسم هذه الحروف إلى قسمين آخرين: أحدهما حروف غير شديدة، وإلى الحروف الشديدة، وهي التي تمنع الصوت أن يجري فيه، وهي الهمزة، والقاف،
والكاف، والجيم، والظاء، والذال، والطاء، والباء.
وقد علمنا أن نصف هذه الحروف أيضا هي مذكورة في جملة تلك الحروف التي بني عليها تلك السور.
стр. 81
ومن ذلك الحروف المطبقة، وهي أربعة أحرف، وما سواها منفتحة.
فالمطبقة: الطاء، والظاء، والصاد، والضاد.
وقد علمنا أن نصف هذه [الحروف] في جملة الحروف المبدوء بها في أوائل السور.
وإذا كان القوم- الذين قسموا في الحروف هذه الأقسام لأغراض لهم في ترتيب العربية وتنزيلها بعد الزمان الطويل من عهد النبي ﷺ ، رأوا مباني اللسان على هذه الجهة، وقد نبه بما ذكر في أوائل السور على ما لم يذكر، على حد التصنيف الذي وصفنا- دل على أن وقوعها الموقع الذي يقع التواضع عليه، بعد العهد الطويل، لا يجوز أن يقع إلا من الله ، لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب.
وإن كان إنما تنبهوا على ما بنى عليه اللسان في أصله ولم يكن لهم في التقسيم شيء، وإنما التأثير لمن وضع أصل اللسان. فذلك أيضا من البديع الذي يدل على أن أصل وضعه وقع موقع الحكمة التي يقصر عنها اللسان.
فإن كان أصل اللغة توقيفا فالأمر في ذلك أبين، وإن كان على سبيل التواضع فهو عجيب أيضا؛ لأنه لا يصح أن تجتمع هممهم المختلفة على نحو هذا إلا بأمر من عند الله تعالى. وكل ذلك يوجب إثبات الحكمة في ذكر هذه الحروف على حد يتعلق به الإعجاز من وجه.
وقد يمكن أن تعاد فاتحة كل سورة لفائدة تخصها في النظم، إذا كانت حروفا، كنحو الم، لأن الألف المبدوء بها هي أقصاها مطلعا، واللام متوسطة، والميم متطرفة، لأنها تأخذ في الشفة، فنبه بذكرها على غيرها من الحروف، وبين أنه إنما أتاهم بكلام منظوم مما يتعارفون من الحروف التي تتردّد بين هذين الطرفين.
ويشبه أن يكون التصنيف وقع في هذه الحروف دون الألف، لأن الألف قد تلغى، وقد تقع الهمزة وهي موقعا واحدا.
стр. 82
١٠ - ومعنى عاشر: وهو: أنه سهّل سبيله، فهو خارج عن الوحشيّ المستكره، والغريب المستنكر، وعن الصنعة المتكلّفة. وجعله قريبا إلى الأفهام، يبادر معناه لفظه إلى القلب، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس. وهو مع ذلك ممتنع المطلب، عسير المتناول، غير مطمع مع قربه في نفسه، ولا موهم مع دنوّه في موقعه أن يقدر عليه أو يظفر به.
فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل، والقول المسفسف، فليس يصحّ أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة، فيطلب فيه الممتنع، أو يوضع فيه الإعجاز.
ولكن لو وضع في وحشيّ مستكره، أو غمر بوجوه الصنعة، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف-: لكان لقائل أن يقول فيه ويعتذر، أو يعيب ويقرع.
ولكنه أوضح مناره، وقرّب منهاجه، وسهّل سبيله، وجعله في ذلك متشابها متماثلا، وبيّن مع ذلك إعجازهم فيه.
وقد علمت أن كلام فصحائهم وشعر بلغائهم لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر، أو وحشيّ مستكره، ومعان مستبعدة. ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة، ثم تحوّلهم إلى كلام معتدل بين الأمرين، متصرف بين المنزلتين.
فمن شاء أن يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها، على وجه يؤخذ باليد، ويتناول من كثب، ويتصوّر في النفس كتصور الأشكال.
ليتبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن.
واعلم أن من قال من أصحابنا: إن الأحكام معللة بعلل موافقة
стр. 83
لمقتضى العقل، جعل هذا وجها من وجوه الإعجاز، وجعل هذه الطريقة دلالة فيه، كنحو ما يعللون به الصلاة ومعظم الفروض وأصولها. ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة، ووجوه تستحسن.
وأصحابنا من أهل خراسان يولعون بذلك، ولكن الأصل الذي يبنون عليه، عندنا غير مستقيم. وفي ذلك كلام يأتي في كتابنا في الأصول.
وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والإفراد، فإنا جمعنا بين أمور، وذكرنا المزية المتعلقة بها. وكل واحد من تلك الأمور مما قد يمكن اعتماده في إظهار الإعجاز فيه.
فإن قيل: فهل تزعمون أنه معجز، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه، أو لأنه عبارة عنه. أو لأنه قديم في نفسه؟.
قيل: لسنا نقول بأن الحروف قديمة، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضا: إن وجه الإعجاز في نظم القرآن [من أجل] أنه حكاية عن كلام الله، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله معجزات في النظم والتأليف. وقد بيّنا أن إعجازها في غير ذلك، وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة
مفردة معجزة بنفسها ومنفردها، وقد ثبت خلاف ذلك» (١).
عبد القاهر الجرجاني ونظريته في إعجاز القرآن:
يعتبر أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفّى سنة ٤٧١ هـ، صاحب نظرية خاصة في البحث عن وجه إعجاز القرآن.
لم يخصص الجرجاني كتابا معينا يقصره على البحث في إعجاز
стр. 84
القرآن وإنما كتب ثلاثة كتب لها علاقة وثيقة بإعجاز القرآن، وهي:
١ - «أسرار البلاغة».
٢ - «دلائل الإعجاز».
٣ - «الرسالة الشافية».
ولقد عمد عبد القاهر الجرجاني إلى البحث عن البلاغة ووجوهها وأساليبها للارتقاء بالذوق البلاغي عند القارئ ومن ثم ليضع يده على موطن البلاغة في كل كلام بليغ سواء كان هذا الكلام شعرا أو نثرا أو خطبة. ويبرز وجه الحسن في الكلام من خلال أمثلة مختارة. وبعد ذلك يلتفت من خلال تلك المقدمات والأمثلة إلى إعجاز القرآن الكريم ورأيه في ذلك.
وسننقل رأيه في الإعجاز الذي عرضه عرضا مفصّلا بعد أن أورد أقوال السابقين في بيان وجه الإعجاز في القرآن وأكثر من ضرب الأمثلة على ما ذهب إليه ثم ناقش الاعتراضات التي يمكن أن تورد على نظريته هذه.
وكأن عبد القاهر الجرجاني شعر بأن السابقين الذين كتبوا في نظم القرآن وبيان إعجازه قد أكثروا من الحديث عن الجانب اللفظي، ولم يتناولوا جانب المعاني إلا لماما. فحصر جهده وكتاباته على إبراز جانب المعاني، يقول عبد القاهر في هذا الصدد:
( ... وإذا ثبت أنه في النظم والتأليف، وكنا قد علمنا أن ليس النظم شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها من بعض، غير توخي معاني النحو وأحكامه طلبنا ما كل محال دونه).
ويقصد الجرجاني بالنحو دلالته الواسعة بحيث يشمل علم النحو وعلم البلاغة. وفيما يلي جملة من الأمثلة التي ساقها الجرجاني لإبراز وجهة نظره في وجه إعجاز النظم القرآني:
стр. 85
من أمثلة عبد القاهر الجرجاني على أن حسن الكلام من جهتي اللفظ والنظم:
( ... ومن دقيق ذلك وخفيّه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى:
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها ولم يروا للمزية موجبا سواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجلية، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند الكلام لمجرد الاستعارة، ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه ويؤدي بالذي الفعل له في المعنى منصوبا بعده، مبينا أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابسة، كقولهم طاب زيد نفسا وقرّ عمرو عينا وتصبّب عرقا وكرم أصلا وحسن وجها وأشباه ذلك مما تجد الفعل منقولا عن الشيء إلى ما ذلك من سببه، وذلك أنا نعلم أن (اشتعل) للشيب في المعنى وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن طاب للنفس وقر للعين وتصبب للعرق، وإن أسند إلى ما أسند إليه .. يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخّي به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه، وتأخذ اللفظ فتسند إلى الشيب صريحا، فتقول: اشتعل شيب الرأس، والشيب في الرأس، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان (اشتعل) إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بان بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى المشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به، وهذا ما لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس. بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة، ووزان هذا أنك تقول: اشتعل البيت نارا، فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد
стр. 86
استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: اشتعلت النار في البيت، فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، وإصابتها جانبا منه، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة) (١).
(ونظير هذا في التنزيل قوله : وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢] التفجير للعيون في المعنى، وأوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك، وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجري اللفظ على ظاهره، فقيل: وفجّرنا عيون الأرض، أو العيون في الأرض، لم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها.
واعلم أن في الآية الأولى شيئا آخر من جنس النظم، وهو تعريف الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية، ولو قيل: واشتعل رأسي، فصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن فاعرفه .. ) (٢).
ومن أمثلة عبد القاهر الجرجاني على حذف المفعول للعناية بنفس الفعل:
(وإن أردت أن تزداد تبيينا لهذا الأصل- أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله ولا يدخلها شوب- فانظر إلى قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ [القصص: ٢٣، ٢٤].
ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى: وجد عليه أمة من الناس
стр. 87
يسقون أغنامهم، أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما.
ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي ومن المرأتين ذود، وأنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى ﵇ من بعد ذلك سقي، فأما ما كان المسقي- أغنما أم إبلا أم غير ذلك؟ - فخارج عن الغرض وموهم خلافه، وذلك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود، كما أنك إذا قلت:
مالك تمنع أخا لك؟ كنت منكرا المنع لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ، فاعرفه تعلم. أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة وأن الغرض لا يصح إلا عن تركه) (١).
ومن أمثلة عبد القاهر على احتمال النظم وجوها ثم اختيار وجه معين دون غيره من الوجوه:
(ومثال ذلك قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [الأنعام: ١٠٠]، ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنا وروعة ومأخذا من القلوب أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخّرت فقلت: وجعلوا الجن شركاء لله. وأنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل، والسبب في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا، لا سبيل إليه من التأخير.
стр. 88
بيانه: أنّا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى، ويفيد معه معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا غير الجن، وإذا أخّر فقيل: جعلوا الجن شركاء لله، لم يفد ذلك ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم، بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه، وذلك أن التقدير يكون مع التقديم أن (شركاء) مفعول أول لجعل و (لله) في موضع المفعول الثاني، ويكون (الجن) على كلام ثان وعلى تقدير أنه كأنه قيل: فمن جعلوا شركاء لله تعالى فقيل: الجن، وإذا كان التقدير في (شركاء) أنه مفعول أول و (لله) في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء الله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء.
وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار، دخول اتخاذه من الجن لأن الصفة إذا ذكرت مجرّدة غير مجراة على شيء كان الذي يعلق بها من النفي عاما في كل ما يجوز أن تكون له الصفة. فإذا قلت: ما في الدار كريم، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة له، وحكم الإنكار أبدا حكم النفي. وإذا أخّر فقيل:
وجعلوا الجن شركاء لله، كان (الجن) مفعولا أول والشركاء مفعولا ثانيا.
وإذا كان كذلك كان الشركاء مخصوصا غير مطلق من حيث كان محالا أن يجري خبرا على الجن، ثم يكون عاما فيهم وفي غيرهم، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون القصد
بالإنكار إلى الجن خصوصا أن يكونوا شركاء دون غيرهم، جلّ الله وتعالى عن أن يكون له شريك وشبيه بحال.
وجعلوا الجن شركاء لله وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم فقام التقديم والتأخير مقام الكلام السابق).
стр. 89
إعجاز القرآن عند مفسري أهل السنّة والجماعة
تعرض المفسرون لذكر وجوه الإعجاز في القرآن الكريم في تفاسيرهم بإحدى طريقتين:
أ- التحدث عن إعجاز القرآن عند تفسيرهم لآيات التحدي في سورة البقرة ويونس وهود والإسراء. وحيثما ذكرت آيات جامعة لمعان غزيرة وبأسلوب فيه إيجاز، فقد تعرضوا كثيرا لبيان وجه البلاغة والفصاحة فيها، وإبراز النكات البلاغية. وذلك كأسلوب تطبيقي لإبراز الإعجاز البياني في القرآن الكريم وهم في كل ذلك بين مطنب في عرضها وبين مقتصد. من هؤلاء أبو حيان في «البحر المحيط»، وأبو السعود في «إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم»، والشوكاني في «فتح القدير».
ب- وخصص بعض المفسرين في مقدماتهم لكتبهم في التفسير مقدمات تتعلق بموضوعات في علوم القرآن ومن هذه الموضوعات بيان إعجاز القرآن.
فذكروا أقوال العلماء في وجه الإعجاز وضربوا بعض الأمثلة على ذلك. من هؤلاء المفسرين ابن عطية في تفسيره «المحرر الوجيز»، والقرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن»، والألوسي في تفسيره «روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني».
وسنختار نموذجا من النوع الثاني ما كتبه القرطبي في مقدمة تفسيره تحت عنوان (باب ذكر نكت في إعجاز القرآن وشرائط المعجزة وحقيقتها).
стр. 90
وباستعراض ما كتبه القرطبي تحت العنوان المتقدم نجد أنه بدأ بذكر المعجزة وشرائطها وضرورتها للرسالة على طريقة علماء التوحيد وعلم الكلام، ثم ذكر وجوه إعجاز القرآن وجعلها وجوها عشرة- وأغلب هذه الوجوه تتعلق بالإعجاز البياني، وجعل الإخبار بالغيب من وجوه إعجاز القرآن، وأشار مقتضبة إلى الإعجاز التشريعي بقوله: (ومنها: ما تضمنه القرآن من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وفي سائر الأحكام) ثم ذكر الصرفة وردها.
نجد من خلال العرض السريع السابق أن القرطبي قد اطلع على ما كتبه السابقون في إعجاز القرآن وبالأخص الخطابي والباقلاني ولخص آراءهما وعرضها عرضا موجزا في مقدمة تفسيره. وصنيع القرطبي هو ما عمله بعض المفسرين كما تقدمت الإشارة إليهم.
стр. 91
الفصل الثالث
إعجاز القرآن في دراسات المعاصرين
١ - مصطفى صادق الرافعي وكتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»:
ولد الرافعي عام ١٢٩٧ هـ، وعاش في طنطا بمصر، وأصله من طرابلس الشام عالم بالأدب شاعر كتاب، له «ديوان شعر» في ثلاثة أجزاء، و «تاريخ أدب العرب» جزآن، و «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»، و «تحت راية القرآن»، و «أوراق الورد» وغيرها من كتب الأدب. كان أبرز من تصدى لطه حسين في كلامه حول الشعر الجاهلي. توفي بطنطا سنة ١٣٥٦ هـ.
كان أصل الكتاب جزءا من كتابه «تاريخ آداب العرب» ثم نشره بعد ذلك كتابا مستقلا.
يذهب الرافعي إلى (أن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه، حين ينفي الإمكان بالمعجز عن غير الممكن، فهو- أي القرآن- لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغا، وليس إلى ذلك مأتى ولا جهة، وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرّغة إفراغا من ذوب تلك المواد كلها) (١).
стр. 92
ويحدد الرافعي في موضع آخر من كتابه جهات الإعجاز فيقول:
(إنما هي صفات من نظم القرآن وطريقة تركيبه، فنحن الآن قائلون في سر الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة وانفرد به ذلك النظم) (١).
فإعجاز القرآن في بلاغة النظم. وقسم الرافعي النظم إلى الحروف والكلمات والجمل.
الحروف:
يقول الرافعي: (إن القيمة الفنية للحروف كامنة في كونها دالة على أصوات والصوت وسيلة من وسائل التعبير، وهو يحمل رعشات الطرب، واضطرابات الفزع، وهمسات لا يفسرها غير سماعها، فأصوات الحروف إنما تنزل منزلة النبرات الموسيقية المرسلة في جملتها كيف اتفقت، فلا بد لها مع ذلك من نوع في التركيب وجهة من التأليف حتى يمازج بعضها بعضا، ويتألف منها شيء فتتداخل خواصها وتتجمع صفاتها ويتكون منها اللحن الموسيقى) (٢).
(وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم القرآني، وأنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق والتفشي والتكرير) (٣).
الكلمات وحروفها:
ثم يتحدث الرافعي عن الجمال التنسيقي في صف الحروف في الكلمات والذي يتجلى في جوانب ثلاثة:
стр. 93
الأول: دلالة الكلمة الموضعية الذي سماه (صوت النفس) أي المناسبة بين الكلمة ومدلولها.
الثاني: الدلالة العقلية للكلمات في الجملة والذي سماه (صوت العقل) وهي دلالة الكلمة البيانية.
الثالث: تفاوت الجمل في دقة التصوير والإبداع، والذي سماه (صوت الحسّ) وهو أبلغ الثلاث.
ويقول الرافعي:
(إن القرآن قد حاز القدر المعجز من هذا الجانب بل هو روح الإعجاز في القرآن الكريم فالقرآن يبادرك الروعة في كل جزء منه، كما تبادرك الحياة في كل حركة للجسم الحي) (١).
(ولو تدبرت ألفاظ القرآن الكريم في نظمها، لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب، مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، والتي لا تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النغم الموسيقى) (٢).
الجمل وكلماتها:
تحدث الرافعي عن التنسيق في انتظام الكلمات في الجملة، والتعابير تتفاوت في الفصاحة والبلاغة والحسن والجمال، بمقدار التنسيق الموجود في الجمل التي تتألف فيها .... وأسلوب القرآن بلغ في هذا التنسيق حد الإعجاز، وإنما اطرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز، من الصوت في الحرف إلى الحرف في الكلمة إلى الكلمة في الجملة، حتى يكون الأمر مقدّرا على تركيب الحواس النفسية في الإنسان تقديرا يطابق وضعها وقواها وتصرفها) (٣).
стр. 94
(فأنت ما دمت في القرآن حتى تفرغ منه، لا ترى غير صورة واحدة من الكمال، وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب ومواضع التأليف، وألوان التصوير وأغراض الكلام كأنها تفضي إليك جملة واحدة) (١).
وجه الإعجاز عند الرافعي:
انطلق الرافعي كما رأينا في حديثه عن الإعجاز من الحروف وأصواتها، ثم من الحركة الصرفية واللغوية للألفاظ القرآنية المشتملة على تلك الحروف، حتى ليمكن القول: إن عماد حديثه عن إعجاز النظم الموسيقى يعتمد بالدرجة الأولى على الألفاظ وعلى الجانب الصوتي منها على وجه الخصوص.
يقول الرافعي: (ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقى، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة لسبب من أسباب الثقل أيا كان، فلا تعذب ولا تساغ وربما كانت أوكس النصيبين في حظ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقى، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأورقه، وجاءت متمكنة في موضعها وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة).
ثم يضرب لذلك أمثلة يوضح بها ما ذهب إليه، فيقول: (من ذلك لفظة (النّذر) جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا، فضلا عن جشأة هذا الحرف ونبوّه عن اللسان، وخاصة إذا جاء
стр. 95
فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى:
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) [القمر: ٣٦]. فتأمل هذا التركيب وأنعم ثم أنعم على تأمله، وتذوّق مواقع الحروف وأجر حركاتها في حسن السمع وتأمل مواضع
القلقلة في دال (ولقد) وفي الطاء من (بطشتنا) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا) مع الفصل بالمد كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة، ثم ردد نظرك في الراء من (تماروا) فإنها ما جاءت إلّا مساندة لراء (النذر) حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها. فلا تجفو عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون (أنذرهم) وفي ميمها وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر) ... )
ثم يعقب على هذه الآية بقوله: (وما من حرف أو حركة في الآية إلا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد به، حتى ما تشك أن الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، ليس منها إلا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدم في النظر وأحكمته الرويّة وراضه اللسان، وليس منها إلا متخير مقصود إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الحركات) (١).
٢ - رأي الدكتور محمد عبد الله الدراز:
من الذين تحدثوا عن الإعجاز الدكتور محمد عبد الله الدراز في كتابه «النبا العظيم» الذي ألفه سنة: ١٩٣٣ م.
وذكر فيه ثلاثة أوجه من الإعجاز:
стр. 96
١ - الإعجاز اللغوي.
٢ - الإعجاز العلمي.
٣ - الإعجاز التشريعي.
وقد فصل في الوجه الأول، لأنه هو الذي وقع من جهته التحدّي بالقرآن. ويتجلى ذلك في ناحيتين.
الناحية الأولى: الجمال التوقيعي في توزيع حركاته وسكناته ومدّاته وغنّاته ويقول في ذلك: (دع القارئ المجوّد يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله، نازلا بنفسه على هدي القرآن، وليس نازلا بالقرآن على هدي نفسه، ثم انتبذ منه مكانا قصيا لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها وسكناتها، ومدّاتها وغنّاتها واتصالاتها وسكتاتها، ثم ألق سمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جرّدت تجريدا، وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب عجيب لا تجده في كلام آخر لو جرّد هذا التجريد، وجوّد هذا التجويد).
(وإيقاع الشعر وغيره متقاربة ولذلك لا يلبث السمع أن يمجها والطبع أن يملّها، بينما وأنت من القرآن أبدا في لحن متنوّع متجدد، تنتقل فيه بين (أسباب وأوتاد وفواصل) على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وتر من أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده ملالة ولا سأم، بل لا تفتا تطلب منه المزيد) (١).
والناحية الثانية: الجمال التنسيقي في رصف الحروف وتأليفها من مجموعات مؤتلفة مختلفة. يقول: (فإذا ما اقتربت بآذانك قليلا قليلا، فطرقت سمعك جواهر حروفه خارجة من مخارجها الصحيحة، فاجأتك منه لذة أخرى في نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها. هذا
стр. 97
ينقر، وذلك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النفس وآخر يحتبس عنده النفس وهلم جرّا .. ) (١).
من هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني، وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف مما تحويه من اللئالئ النفيسة، فإنه جلت قدرته قد أجرى سنته في نظام هذا العالم أن يغشي جلائل أسراره بأستار لا تخلو من متعة وجمال، ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها بتنافس المتنافسين فيها وحرصهم عليها ... ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبدا في أفواه الناس وآذانهم ما دامت فيهم حاسة تذوق وحاسة تسمع ...
ثم يتحدث الدراز عن الجانب المعنوي وجماله ويسميه اللب الداخلي للصدفة الجميلة وهذه الناحية هي أداة لتصوير المعاني ونقلها من نفس المتكلم إلى نفس المخاطب بها، وهي أعظم الناحيتين أثرا في الإعجاز اللغوي، إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان، أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام.
ثم يتحدث الدراز عن خصائص القرآن البيانية ويرتّبها على أربعة مراتب:
١ - القرآن في قطعة قطعة منه.
٢ - القرآن في سورة سورة منه.
٣ - القرآن فيما بين بعض السور وبعض.
٤ - القرآن في جملته.
ثم ساق أمثلة مستفيضة لإبراز الجانب البياني في كل ذلك بما يشفي الغليل ويقنع الفكر ويطمئن القلب.
стр. 98
٣ - سيد قطب ورأيه في إعجاز القرآن:
ولد سيد قطب في قرية من قرى محافظة أسيوط عام ١٩٠٦ م.
اتصل بالأديب عبّاس محمود العقاد في بداية تحصيله العلمي وتأثر به، ثم التزم مع الاتجاه الإسلامي. واستشهد عام ١٩٦٦ م.
له مؤلفات عديدة في الأدب والنقد، وعن الإسلام عامة، إلا أن الكتب التي تحدد آخر مراحل تطور فكره هي: «هذا الدين» و «المستقبل لهذا الدين» و «في ظلال القرآن»، و «معالم في الطريق».
كتب سيد قطب كتابات كثيرة حول القرآن ونظمه وأسلوبه والوجوه الكثيرة التي تدل على ربانية مصدره، وذلك في الكتب الثلاثة التي ألفها حول القرآن الكريم: «التصوير الفني في القرآن» - «مشاهد القيامة في القرآن» - «في ظلال القرآن».
إلا أن الجانب الذي أبرزه في كتاباته هو جانب التصوير الفني في القرآن وارتبط اسم التصوير الفني في القرآن باسم سيد قطب. وهو أول من أبرز الجوانب الجمالية الفنية في أسلوب القرآن الكريم من هذه الناحية، ونقتطف بعض المقاطع وهو يشرح نظريته هذه:
يقسم سيد قطب مراحل تذوق الجمال القرآني إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى:
مرحلة التذوق الفطري:
فالعرب الذين تلقوا القرآن الكريم، تذوقوا بحاستهم الفنية جماله الفني الساحر وأحسّوا تأثيره المباشر على قلوبهم وتحسسوا سلطانه العجيب على نفوسهم، والكافرون منهم الذين شنوا ضده حربا دعائية ضخمة، وقالوا عنه: إنه شعر وإنه سحر، لكنهم اعترفوا بالعجز البالغ عن معارضته، وأدركوا إعجازه البياني الرفيع، وتذوقوا جماله الفني وتحسسوه شبه مسحورين.
وإذا نظرنا في الروايات التي سجّلت تأثير القرآن في قلوب المؤمنين
стр. 99
والكافرين والكلمات التي تحدثوا بها عن ما يحسون من أثر القرآن فإننا لا نجد فيها تعليلا فكريا لهذا الأثر.
فعمر بن الخطاب يقول عن القرآن (ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!) ويقول عن تأثير القرآن في نفسه (فلما سمعت القرآن رقّ له قلبي، فبكيت ودخلني الإسلام) (١).
وكذلك قول الوليد بن المغيرة عند ما تحدث عن مشاعره وأحاسيسه عن القرآن في لحظة صدق مع نفسه قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، ما يقول هذا بشر) (٢).
وزعماء قريش يجدون شيئا خفيا يسيّرهم كل ليلة ليستمعوا قراءة رسول الله ﷺ ولا يستطيعون الامتناع عن السير إليه مع تعاهدهم عليه ولا يملكون مخالفة هذا الدافع الخفي (٣).
هذه المرحلة الأولى لتذوق الجمال الفني القرآني، هي مرحلة التذوق الفطري المباشر، يجد فيها الإنسان مس القرآن، ويلمس تأثيره ويبهر به، ويستسلم له، ولا يحاول أن يبحث عن سر ما يلمس، وتعليل ما يجد، لأنه في شغل عن بيان كل هذا:
المرحلة الثانية:
مرحلة إدراك مواضع الجمال المتفرقة:
وتبدأ هذه المرحلة في منتصف القرن الثاني للهجرة عند ما أقبل العلماء على القرآن الكريم من مفسرين وأدباء ومتكلمين.
إلا أن نظراتهم اقتصرت على نواح جزئية حيث نظروا في الآية
стр. 100
كوحدة منفصلة، وراحوا يستخرجون منها مباحث في اللغة والأدب والبلاغة والأصول والفقه والتشريع والعقيدة وغيرها، وألفوا مؤلفات كثيرة ضخمة في التفسير، وملئوها بمباحث في النحو والبلاغة ... كما ألّفت كتب عديدة في علوم القرآن ضمنت مباحث متنوعة مثل قصص القرآن وبديع القرآن وتشبيهات القرآن ومعاني القرآن وإعجاز القرآن.
إلا أن القليل من المفسرين والبلاغيين وفّقوا في بعض الأحيان إلى إدراك الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن الكريم ووقفوا عند نظرات جزئية، وأدركوا فيها بعض مواضع الجمال المتفرقة.
وسبب عدم إدراكهم للخصائص العامة هو وقوفهم عند حدود عقلية النقد العربي القديمة، تلك العقلية الجزئية التي تتناول كل نص على حدة فتحلّله وتبرز الجمال الفني فيه، إلى الحد الذي تستطيع- دون أن تتجاوز هذا- إلى إدراك الخصائص العامة في العمل الفني كله (١):
المرحلة الثالثة:
مرحلة إدراك الخصائص العامة:
وهي المرحلة التي جاءت متأخرة، ولم تتم إلا في العصر الحديث، حيث بدأت الكتابة في الخصائص العامة للجمال الفني في القرآن، باكتشاف القاعدة العامة والطريقة الموحدة في التعبير القرآني.
وتناول سيد قطب جانبا هاما من القواعد الأساسية في أسلوب القرآن الكريم في كتاب «التصوير الفني في القرآن» فكان رائدا من رواد هذه المرحلة في إبراز قاعدة أساسية عامة من الأساليب البيانية للقرآن الكريم.
يقول سيد قطب في ذلك: (إن حقيقة جديدة تبرز لي، إن الصور في القرآن ليست جزءا منه يختلف عن سائره، إن التصوير هو قاعدة التعبير في هذا الكتاب الجميل، القاعدة الأساسية المتبعة في جميع الأغراض- فيما
стр. 101
عدا غرض التشريع بطبيعة الحال- فليس البحث إذن عن صور تجمع وترتب، ولكن عن قاعدة تكشف وتبرز، ذلك توفيق لم أكن أتطلّع إليه، حتى التقيت به) (١).
ويقول: (التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسّة المتخيّلة عن المعنى الذهني والحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة أو الحركة المتجددة، فإذا المعنى الذهني هيئة أو حركة وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حيّ، وإذا الطبيعة البشرية مجسّمة مرئية. وأما الحوادث والمشاهد، والقصص والمناظر فيردها شاخصة حاضرة فيها الحياة، وفيها الحركة، فإذا أضاف إليها الحوار فقد استوت لها عناصر التخيل فما يكاد يبدأ العرض حتى يحيل المستمعين نظارة، وحتى ينقلهم نقلا إلى مسرح الحوادث الأول الذي وقعت فيه أو ستقع، حيث تتوالى المناظر وتتجدد الحركات، وينسى المستمع أن هذا كلام يتلى ومثل يضرب، ويتخيل أنه منظر يعرض وحادث يقع ... إنها الحياة هنا وليست حكاية الحياة).
أمثلة على نظرية سيد قطب في التصوير الفني:
١ - قوله تعالى: إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [الملك: ٧ - ٨]. (فهي مخلوقة حي لها صفات الأحياء من البشر فها هي تكظم غيظها فتكاد تميز من الغيظ وتتمزق منه فترتفع أنفاسها من كظمها له فتفور ويسمع السامعون لها شهيقا مرعبا فظيعا) (٢).
٢ - وفي قوله تعالى: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ
стр. 102
اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥]. (والهمود درجة بين الحياة والموت فإذا نزل عليها الماء (اهتزت وربت) وهي حركة عجيبة سجلها القرآن، قبل أن تسجّلها الملاحظة العملية بمئات الأعوام فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز وهي تتشرب الماء وتنتفخ فتربو) (١).
٣ - وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) [النور: ٣٩] (تحوّلت أعمالهم المعنوية هنا إلى سراب مجسم بقيعة يراه الرائي ماء).
٤ - وفي قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [العنكبوت: ٤١].
(الولاية لغير الله- وهي أمر معنوي مجرد- صارت هنا صورة منفرة محقّرة محسوسة مجسمة، بيت عنكبوت ضئيل هزيل واهن).
بهذه الدراسات القيّمة يكون سيد قطب قد أضاف بعدا جديدا إلى مفهوم إعجاز النظم القرآني من الناحية البيانية.
ويبقى كتاب الله الخالد ومعجزة رسوله الباقية المعين الثرّ والنبع المتدفق للمعارف الراقية والدراسات المتجددة ولن تنقضي عجائبه ولن يحيط بأسراره مخلوق مهما أوتي من العلم والحكمة.
* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) [الواقعة: ٧٥ - ٨٠].
стр. 103
القسم الثاني الجانب الموضوعي لإعجاز القرآن
стр. 104
وجوه إعجاز القرآن
تباينت أقوال العلماء في تحديد وجوه الإعجاز في القرآن الكريم:
فمنهم من أوصلها إلى عشرة وجوه، ومنهم من نيف على ذلك، ومنهم من جعل وجوه الإعجاز وجها واحدا ونافح عنه وأورد الاعتراضات على سواه. ومن يتتبّع هذه الوجوه التي ذكرها العلماء قديما وحديثا يجد كثيرا منها تتداخل أو تتشابه ويمكنه بعد الاستقراء والتحقق أن يجمع بين كثير منها.
نجد أن وجوها كثيرة تدور حول الأداء البياني وأسلوب القرآن الكريم المتميّز في ذلك ... ووجوه تنصب على الهدايات في القرآن الكريم ومراميه في إسعاد البشرية بإخراجها من الظلمات إلى النور وإيصالها إلى دار السعادة والنعيم المقيم ... ومن الوجوه ما يتعلق بالإخبار عن الغيوب ... ومنها ما اشتمل على إشارات وإيحاءات إلى سنن الله في الكون والطبيعة والحياة التي خلقها الله .
لذا يمكن أن نجمع الأقوال جميعا في أربعة وجوه وهي:
أولا: الإعجاز البياني.
ثانيا: الإعجاز العلمي (التجريبي).
ثالثا: الإعجاز التشريعي.
رابعا: الإعجاز الغيبي.
стр. 105
الفصل الأوّل الإعجاز البيانيّ
стр. 106
المبحث الأول
فصاحة القرآن وبلاغته
أولا: تعريف الفصاحة والبلاغة:
الفصاحة: في اللغة: الظهور والبيان، ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته، ويقال أفصح الصبح إذا بدا ضوؤه واستبان (١)، ولسان فصيح أي طلق.
وفي القرآن الكريم على لسان موسى عليه: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي [القصص: ٣٤].
وفصاحة الكلام في الاصطلاح: خلوصه من التعقيد، وفصاحة القرآن: كونه لفظا عربيا مستعملا مؤدّي المعنى بوجه لا تعقيد فيه (٢).
نجد أن التعاريف كلها تدور حول الإظهار والوضوح مع الخلوّ من التعقيد.
والبلاغة في اللغة: مأخوذة من البلوغ وهو الوصول إلى الشيء والانتهاء إليه. يقال بلغت المكان بلوغا: وصلت إليه.
وفي الاصطلاح: البلاغة في الكلام: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ (٣). وقيل: أن يبلغ به المتكلم ما يريد من نفس
стр. 107
السامع بإصابة موضع الاقتناع من العقل والوجدان من القلب.
وفي لسان العرب: رجل بليغ: حسن الكلام فصيح يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه .. وقال خالد بن صفوان: أبلغ الكلام ما قلّت ألفاظه وكثرت معانيه، وخير الكلام ما شوّق أوله إلى سماع آخره (١).
وقال بعض المتأخرين: البلاغة: التعبير باللفظ الرائع عن المعنى الصحيح بلا زيادة ولا نقصان (٢).
ونجد أن تعاريف البلاغة تدور معظمها حول: إيصال المعنى إلى قلب المخاطب بعبارة سهلة موجزة، مراعيا في ذلك مقتضى حال السامع بحيث يؤثر في نفسه، ويبلغ منها ما يريد القائل. وهو ما دل عليه التعريف الأول ولعله أرجحها.
وهل من فرق بين الفصاحة والبلاغة؟
قال بعضهم: إنهما متعاقبان على معنى واحد. وذهب أغلبهم إلى التفريق فقالوا: إن الفصاحة من عوارض الألفاظ مع ملاءمة المعنى والبلاغة من عوارض المعنى، وهو تكميل المعنى باللفظ الذي يفهمه.
فالبلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ. يقال: معنى بليغ ولفظ فصيح.
يقول الخفاجي في «سر الفصاحة»: (والفرق بين الفصاحة والبلاغة:
أن الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلا وصفا للألفاظ مع المعاني. لا يقال في كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة، وإن قيل فيها فصيحة وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا) (٣).
стр. 108
ويقول: (فالفصاحة نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة، ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ، وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف، وبوجود أضدادها تستحق الإطراح والذم، فمن هذه الشروط:
١ - أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج (١).
٢ - أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية على غيرها.
٣ - أن تكون الكلمة غير متوعرة وحشية.
٤ - أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية.
٥ - أن تكون الكلمة جارية على العرف العربي الصحيح غير شاذة.
٦ - أن لا تكون الكلمة قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره.
٧ - أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف).
وإذا استعرضنا آيات القرآن الكريم من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس على تعريف الفصاحة والبلاغة، وشروط الألفاظ الفصيحة والكلام البليغ، لوجدنا كل آية قد تحققت فيها الفصاحة والبلاغة في أبهى صورهما، ولوجدنا أن معاني الكلمات تنساب إلى القلب قبل أن تبهرنا الألفاظ بجمالها الساحر، سواء في ذلك السور والآيات التي تلفت أنظارنا إلى الآفاق لنستدل على الصانع من لوحة إبداعه الرائعة أو الآيات المتعلقة بمبدإ البعث والنشور والموقف والحساب أو ما يتعلق منها بتنظيم شئون الحاكم مع رعيته، أو الأسرة وحقوق أفرادها، وغيرها من الأمور التي تولى القرآن الكريم الحديث عنها.
стр. 109
كل تلك الآيات عليها الصبغة الزاهية من البيان الرائع والجمال اللفظي في أبسط أسلوب وأوضحه وأقربه إلى الفهم والقلب.
لقد كان معروفا ولا زال عند علماء البلاغة وأهل البيان أن هناك أمورا معيّنة وأحوالا خاصة يجيد فيها الشاعر أو الكاتب دون سواها. وحالته النفسية تلعب دورا في إعطاء الملامح والمزايا لإنتاجه، لذا عرف بعض الشعراء بجودة المديح والغزل وآخرون بالهجاء والذم، وكانت الأسبقية لآخرين في الشجاعة ووصف الحروب، ولغيرهم في الحكم ودقة التعبير عن المعاني العقلية أو النفسية. وكان إذا ترك أحدهم ما طبع عليه، وحاول أمرا لم يعتد عليه تناقصت قيمة شعره وإنتاجه وربما جاء بما يستنكر أو يستكره.
لذا ضرب المثل بامرئ القيس إذا ركب والنابغة إذا رهب وزهير إذا رغب. أما أن تلتزم الطبقة العليا في الفصاحة وذروة سنام البلاغة في كل صغيرة وكبيرة مهما اختلفت المواضيع وتباينت الأحوال وامتد الزمن فذلك ما لا نجده في إنتاج أحد من البشر، لأن البشر- كما يقول ابن عطية- يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بكل شيء علما، ولا يكون ذلك إلا للخالق ﷻ وتعالى شأنه، الذي أحاط بالكلام كله فيعلم مكان اللفظة وما يناسبها في الترتيب، وما يصلح أن يكون رديفا لها، فلذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة (١).
والمتتبع لآيات القرآن الكريم من العارفين بأفانين البلاغة يجد فيه فنونها بأسرها، من إفادة المعاني الكثيرة باللفظ القليل، ومن ضروب التأكيد، وأنواع التشبيه والتمثيل، إلى ضرب الأمثال، وأصناف الاستعارة، وحسن المطالع والمقاطع والفواصل، والتقديم والتأخير، والفصل والوصل،
стр. 110
وخلوه عن اللفظ الغث الشاذ الخارج عن القياس، والشارد النافر عن الاستعمال، إلى غير ذلك من أنواع الفنون البلاغية بحيث لا يرى المتصفّح للقرآن الكريم وتراكيبه المتمرّس في فنون البلاغة نوعا منها إلا وجده أحسن ما يكون، لا يقدر أحد من البلغاء الواصلين إلى ذروة البلاغة من العرب العرباء وإن استفرغ وسعه أن يحيط بأنواع قليلة منها. ومن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بمزايا بلاغات القرآن الكريم وإعجازه للثقلين.
ثانيا: أمثلة على بعض الفنون البلاغية:
١ - إيجاز القصر:
أ- قال تعالى في سورة النحل:* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) [سورة النحل: ٩٠].
- أمر الله في أول هذه الآية بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى في وسطها عن الفحشاء والمنكر والبغي، ووعظ في آخرها وذكّر، فجمع في هذه ضروبا من البيان وأنواعا من الإحسان. فذكر العدل والإحسان، والفحشاء والمنكر بالألف واللام التي هي للاستغراق، أي استغراق الجنس المحتوي على جميع أنواعه وضروبه.
- وفي نهايتها الطباق اللفظي والطباق المعنوي، أما اللفظي ففي قوله (يأمر ... وينهى) وأما المعنوي ففي قوله: العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وقوله: الفحشاء والمنكر والبغي، فإن الثلاثة الأواخر من القبيح.
فطابق بين الحسن والقبيح مطابقة معنوية.
- ثم بين خصوصية ذوي القربى بإعادة الإيصاء عليهم والإيتاء لهم ومع أن الأمر بالإحسان قد تناولهم.