← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96768

السبحة تاريخها وحكمها

بكر أبو زيد

Полный текст (107 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

السُّبْحةُ تارِيخُها وَحُكْمُهَا تَأليف الشيخ بَكر بن عبد الله أبَوُ زيد دار العاصمة - الطبعة الأولى (١٤١٩هـ - ١٩٩٨م)

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى جميع صحبه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أَما بعدُ: فإن عَدَّ الأَذكار العَدَدِيَّة بالأنامل, سُنَّةٌ ماضية في الإِسلام, ومن العمل المتوارث بين المسلمين, ثم دَاخَلَ بَعْضَهُمْ في غير طبقة الصحابة ﵃ وفي غير صدر التابعين - رحمهم الله تعالى- بَادِرَةُ عَدِّ الأذكار بالنوى, أو الخرز منظوماً في خيط, مما اكتسب بَعْدُ اسْم: ((السُّبْحَة)) حتى أصبحت شعاراً للِطُّرقِيَّة, والروافض, وادَّعى المدَّعون مشروعية تعليقها بالأعناق, وأنها سيما الملائكة الكرام في التسبيح والتعليق لها في الأعناق - وحاشاهم - وأنها تدور بنفسها إذا تأخر المريد عنها, كأنما نُفِخَتِ الرُّوح فيها, وادَّعى الكَذَّابون, أن النبي ﷺ وَرَّث لأمته ((سُبْحَة)) في تركته, وأنه يشرع اتخاذ خرز لها كالأَرْحَاء, فَتُعَلَّقُ بالسقوف, وَيَتَعَاقَبُ

стр. 3

على إدارتها المريدون, وأن صَوْتَ وقْعِها كصوت الوحي وَتُوْقَفُ عليها الوُقُوفُ, وَتُحَوَّلُ عليها الوصايا والهبات, ويرثها الابن عن أبيه عن جده, للتسبيح, والاستشفاء, ويُمَرُّ بها على جسد المريض فيكتب له الشفاء, واستقلت بأسماء, منها: حبل الوصل, وسوط الشيطان, ورابطة القلوب. حينئذٍ نَالَتْ حظّاً وَافِراً, من بيان حكمها, وأحوالها لدى العلماء: فقهاء, ومحدِّثين, ولسانيين, ومؤرخين, في كتُب الفقه, والفتاوى, والشروح الحديثية, وكتب اللسان, والتاريخ, حتى أُفْرِدَت بالتأليف, وبلغت نحو اثني عشر كتاباً, لَعلَّ أولها للسيوطي المتوفى سنة ٩١١ - رحمه الله تعالى - باسم: ((المنحة في السُّبْحة)) التي استلها منه تلميذه ابن طولون المتوفى سنة ٩٥٣ - رحمه الله تعالى - باسم: ((الملحة. . .)) حتى إذا بلغت النَّوْبَةُ إلى الشيخ عبد الحي اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى - ألَّف كتابه: ((نزهة الفِكْر في سُبْحة الذَّكر)) فاستوفى جُل ما في الباب رواية وفقهاً, لكن الجميع نزعوا من وجهة الانتصار * * *

стр. 4

للمشروعية, وَلَمْ أَرَ واحداً منهم التفت إلى تاريخ وجودها في تَعَبُّدَات الأمم الأخرى لدى البوذيين, والهندوس, والنصارى في أيدي الرهبان والراهبات, فيما ابتدعوه, ولا إلى تاريخ تسربها إلى بعض المسلمين عن طريق الروافض, ودراويش المتصوفة, ولا إلى كلام المانعين لاستعمالها في جانب التعبد لعد الأذكار, وفي جانب اللَّعِب والتَّلَهِّي, وتحرير حجج الفريقين, مما أدَّى إلى طول الجدل من جهة, وتوسع انتشارها من جهة أُخرَى. لهذا أحتسب عند الله تعالى تحرير القول فيها من جميع جوانبه, بجمع المرويات, وبيان درجتها, وجمع كلام العلماء في تاريخها, وتاريخ حدوثها في المسلمين, وأن العرب لم تعرف في لغتها شيئاً اسمه: ((السُّبْحَة)) في هذا المعنى, وفي ((خلاصة التحقيق)) بيان حكمها في التعبد لِعَدِّ الذِّكر, أو في العادة واللَّهْو, حتى يُعلم أنها وسيلة محدثة لِعَدِّ الذِّكر, ومجاراة لأهل الأهواء, فَتَشَبُّهٌ بأهل الملل الأخرى, وَمِنِ اسْتِبْدَالِ الأَدْنَى بالذي هو خير, وقاعدة الشرع المطهر:

стр. 5

تحريم التشبه بالكفار في تعبداتهم وفيما هو من خصائصهم من عاداتهم, مُبيِّناً ذلك في مبحثين: المبحث الأول: في بيان المشروع وهو عَدُّ الذكر بالأنامل. المبحث الثاني: في بيان غير المشروع وهو عَدُّ الذكر بغير الأنامل كالسُّبْحَة. وهذه الرسالة في جملتها ضمن كتاب: ((تصحيح الدعاء)) لكن رأيت من الخير إفرادها, لعله يكثر الانتفاع بها. والله ولي التوفيق. المؤلف بكر بن عبد الله أبو زيد ٢٥/ ٥/ ١٤١٩

стр. 6

المبحث الأول في بيان المشروع وهو عد الذكر بالأنامل ثبت من هدي النبي ﷺ قولاً, وفعلاً, وتقريراً, عَدَّ الذكر بالأنامل. ((أصابع اليد)) (١) لا غير. ودرجَ على ذلك الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا, فهو من السُّنن المستقرة, والعمل المتوارث لدى الأُمة, تأسياً بنبيها ﷺ وقد دَلَّ هديُ النبي ﷺ على أَنَّ ذكر العبد لربه بالتهليل, والتسبيح, والتكبير, والحمد, والتعظيم, على نوعين: مُطْلَقٌ: كما قال الله تعالى: ? وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ? [الأحزاب/٣٥]. وقال سبحانه: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 7

آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ? [الأحزاب/٤١]. وَمُقَيَّدٌ بِحال, أو زمان, أو مكان, وأكثر ما ورد فيه من العدد مائة, مثل: مائة تهليلة, ومائة تسبيحة, وقول: سبحان الله, والحمد لله, والله أكبر, ثلاثاً وثلاثين مرة لكل واحدة منها, وتمام المائة: ((التهليل)). وما زال المسلمون - بحمد الله - يقومون بهذا الذكر العددي المبارك, ويعقدون تعداده بأنامل اليدين, أو أنامل اليد اليمنى, دون حاجة إلى وسيلة أخرى, من حصى, أو نوى, أو سُبْحة منظومة, أو آلة مصنوعة. وهذا هو الذي يوافق يسر الإِسلام, وسهولة التشريع, وأن أحكامه في قدرة المكلفين على اختلاف طبقاتهم. وهذا دأب هذه الشريعة المباركة في التيسير, كما رَدَّهم النبي ﷺ في إثبات الشهر دخولاً وخروجاً إلى الرؤية, أو الإِكمال, مع تعلقها بركنين من أركان الإِسلام: الصيام, والحج, ولم يكلفهم ما وراء ذلك من الحساب, ومراقبة النجوم, وتسيير الكواكب.

стр. 8

ولهذا فإنه لما ظهر للنبي ﷺ من بعض أصحابه ﵃: عَدُّ التسبيح بالحصى - على فرض ثبوته - دَلَّهم على هديه ﷺ من العد بالأنامل, وَأَنَّهَا وسيلة العَدِّ المشروعة لا غير, وأنها خير وأفضل على حَدِّ قول الله تعالى: ? أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ? [الفرقان/٢٤]. فإنه - والله أعلم - من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء, لأنه لا خير في مقيل أهل النار, ومستقرهم, كقول الله تعالى: ?آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ? (١). فلا وسيلة شرعية لِعَدِّ الذكر سوى الأنامل. * * *

стр. 9

المبحث الثاني في بيان غير المشروع وهو عد الذكر بغير الأنامل, مثل العَدُّ بالسُّبْحَة (١) استقرت السنة على عقد الذكر العَدَدِيِّ بالأنامل

стр. 10

ثم حصل التحول إلى وسيلة أخرى لِعَدِّ الأذكار في مراحل ثلاث: المرحلة الأولى: عَدُّ الذكر بالحصى أو النوى. المرحلة الثانية: عَدُّ الذكر به منظوماً في خيط: ((السُّبْحَة)). المرحلة الثالثة: عَدُّ الذكر بآلة حديثة مُصَنَّعة. فإِلى بيان التحول في مراحله الثلاث: * * *

стр. 11

المرحلة الأولى التسبيح بالحصى أو النَّوى وهي على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: في زمن النبي ﷺ -: معلوم أن المساجد من زمن النبي ﷺ وإلى زمننا هذا في بقية من القرى في جزيرة العرب, كانت أرضها مفروشة بالحصباء, وكان الناس يستعملون الحصباء التي في المسجد, لحصب الصبية عن العبث بالمسجد, وفي العصور اللاحقة من بني أمية فما بعد, كان المصلون يحصبون به الولاة, والخطباء, إذا سمعوا منهم مالا يرضيهم (١). وقد عَلِمْتَ أن هدي النبي ﷺ هو عقد التسبيح بأنامل اليد, قولاً, وفعلاً, وتقريراً.

стр. 12

فهل حصل تحول إلى عَدِّ الذكر بالحصى, أو النَّوى, في زمنه ﷺ فيكون من اختلاف التنوع في وسيلة عد الذكر, فيكون العد بالأنامل, أو بالحصى ونحوه, أم أن الآلة واحدة وهي: الأنامل ولا وسيلة سواها؟! أقول: لا يصح في مشروعية عَدِّ الذكر بالحصى أو النوى حديث, وغاية المروي في ذلك مرفوعاً: ثلاثة أحاديث, واحد منها موضوع وهو حديث أبي هريرة ﵁, وحديثا صفية وسعد بن أبي وقاص ﵄ لا تثبت دلالتهما على المشروعية, وفي ثبوت سند كل منهما نظر. وإلى بيانها سنداً ومتناً: الحديث الأول: حديث صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ : عن صفية ﵂ قالت: ((دخل عَليَّ رسول الله ﷺ وبين يدي أربعة آلاف نواة أُسَبِّح بهن, فقال: يا بنت

стр. 13

حيي, ما هذا؟ قلت: أُسبح بهن. قال: قد سَبَّحْتُ مُنْذُ قُمْتُ على رأسك أكثر من هذا, قلت: علمني يا رسول الله, قال: قُولي: سبحان الله عدد ما خلق الله من شيء)) رواه الترمذي (برقم / ٣٥٥٤ - ٤/ ٢٧٤) وقال: ((هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه من حديث هاشم بن سعيد الكوفي, وليس إسناده بمعروف, وفي الباب عن ابن عباس)) انتهى. ورواه الحاكم وصححه, ووافقه الذهبي: (١/ ٥٤٧). ورواه أبو يعلى في ((مسنده: ٤/ ١٦٩٦)) , وابن عدي في: ((الكامل ٧/ ٢٥٧٤)) وهذا الحديث في سنده هاشم بن سعيد الكوفي, قال الحافظ في: ((التقريب)): ((ضعيف)). وفيه: شيخه: كنانة مولى صفية, قال الحافظ: ((مقبول, ضعفه الأزدي بلا حجة)) انتهى. وهذا الحديث رواه الطبراني من وجه آخر في: ((الدعاء)) و ((الأوسط)) عن روح بن الفرج, ثنا عمرو بن خالد, ثنا خديج ابن معاوية, ثنا كنانة مولى صفية, عن صفية بنت حيي - رضي الله عنها

стр. 14

- وحُدَيْج قال الحافظ عنه: ((صدوق يخطئ)). ورواه الطبراني أيضاً من وجه آخر في: ((الدعاء)) وفي ((الأوسط)) فقال: ((حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة, ثنا أبي, قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: ثنا مسلم بن سعيد عن منصور بن زاذان, عن زيد - يعني ابن متعب - مولى صفية بنت حيي ﵂ به. لكن يزيد لم يوجد له ترجمة, لكنه من طبقة أوساط التابعين, من موالي صفية ﵂. وقول الترمذي المتقدم, بعد حديث صفية ﵂: ((وفي الباب عن ابن عباس)) يريد ما أخرجه مسلم وغيره عن ابن عباس ﵄ عن جويرية ﵂: ((أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرةً حين صَلَّى الصبح وهي في مسجدها, ثم رجع حين أضحى وهي على حالتها, فقال: ما زالت على حالتك التي فارقتك عليها قالت: نعم, فقال النبي ﷺ لقد قلت بعدك أربع كلمات

стр. 15

ثلاث مرات, لو وُزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده, عدد خلقه, ورضى نفسه, وزِنة عرشه, ومداد كلماته)). قال الحافظ ابن حجر في: ((نتائج الأفكار: ١/ ٧٨)): ((وهذه المرأة يمكن أن تكون جويرية وقد مضى حديثها, لكن سياقه بغير هذا اللفظ, ويمكن أن تكون صفية, فقد جاء من حديثها بهذا اللفظ, ولكن باختصار, وفيه ذكر عدد النوى التي كانت تُسبح به)) انتهى. الحديث الثاني: حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه دخل مع رسول الله ﷺ على امرأة وبين يديها نواة, أو قال: حصاة تسبح بها, فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء. وسبحان الله عدد ما خلق في الأَرض. وسبحان الله عدد ما بين ذلك.

стр. 16

وسبحان الله عدد ما هو خالق والله اكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)) انتهى. رواه أبو داود ((٤/ ٣٦٦)) والترمذي ((٣٥٦٨)) وقال: ((هذا حديث حسن غريب, والنسائي في: ((عمل اليوم والليلة)). وهو في: ((مسند سعد برقم / ٨٨)) , والطبراني في: ((الدعاء ٣/ ١٥٨٤ برقم / ١٧٣٨)) وينظر تعليق المحقق, والبزار في: ((مسنده)) والبيهقي في: ((الشعب ١/ ٣٤٧)) والبغوي في: ((شرح السنة / ١٢٧٩)). جميعهم بأسانيدهم إلى ابن وهب, عن عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال, عن خزيمة, عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص, عن أبيها ﵁ فذكره. ورواه الحاكم في: ((المستدرك ١/ ٥٤٧)) وابن حبان في: ((صحيحه / ٨٣٤)) والبزار في: ((مسنده ٤/ ٤٠)) كلهم بإسقاط ((خزيمة)) وراوية سعيد بن أبي هلال له مباشرة عن عائشة بنت سعد به.

стр. 17

فمدار أسانيده على: سعيد بن أبي هلال, قال الحافظ عنه: ((صدوق)) لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفاً, إلا أن الساجي حكى عن أحمد أنه أختلط)) انتهى. وقال الحافظ أيضاً في: خزيمة: ((خزيمة عن عائشة بنت سعد: لا يعرف, من السابعة د ت سي)) انتهى. الحديث الثالث: عن أبي هريرة ﵁ (١): عن أبي هريرة ﵁ قال: ((كان ﷺ يسبح بالحصى)) رواه أبو القاسم الجرجاني في: ((تاريخ الجرجاني / ٦٨)). وفي سنده: عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي, صاحب مصائب, ومناكير, كما في ترجمته من: ((لسان الميزان)) وأصله: ((الميزان)). والراوي عنه: صالح بن علي النوفلي, لم يعرف له ترجمة.

стр. 18

فهذا حديث ذكرته من باب ذكر ما في الباب, وإلا فلا يلتفت إليه بحال. والخلاصة: عن هذه الأحاديث المرفوعة: أن حديث أبي هريرة وهو الثالث منها لا يعتد به, إذ له حكم الأحاديث الموضوعة, وأما حديث صفية, وحديث سعد بن أبي وقاص, فيشهد كل واحد منها للآخر, إذ ليس في إسناد أحدهما من قُدح فيه من جهة عدالته؟ ولكن ما معنى كل واحد منهما - على فرض ثبوته -؟ إن حديث صفية ﵂ فيه قول النبي ﷺ لها لما رآها تعد التسبيح بالنوى: ((ما هذا؟)) وهذا استنكار لفعلها, كأنه على غير المعهود في التشريع, فهو إنكار له, ولذا دَلَّها ﷺ على التسبيح المشروع, كدلالته ﷺ للمستغفرين على سيد الاستغفار. فلا دلالة فيه لمستدل على جواز التسبيح بالحصى, أو النوى. وإن حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ فيه

стр. 19

لما رأى ﷺ المرأة تسبح بنواة, أو حصاة, قال: ((ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل. . .)). وهذا أسلوب عربي معروف تأتي فيه صيغة أفعل على غير بابها, كما في قول الله تعالى عن نعيم أهل الجنة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان/٢٤]. ((فإنها من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء, لأَنه لا خير في مقيل أهل النار, ومستقرهم, كقوله: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وبهذا التقرير لمعنى هذين الحديثين - على فرض صحتهما - يظهر بجلاء عدم صحة استدلال من استدل بهما على جواز التسبيح بالحصى, أو النوى. والله أعلم. المرتبة الثانية: في زمن الصحابة ﵃ -: والآثار فيها على نوعين: نوع في الإنكار, ونوع في الفعل, أو الإِقرار, وهذا بيانها:

стр. 20

النوع الأول: الآثار في الإِنكار: وهي عن ثلاثة من الصحابة ﵃: عن عمر بن الخطاب ﵁ وعن عائشة ﵂ وعن ابن مسعود ﵁ وهذا بيانها: ١ - الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: عن سعيد بن جبير, قال: ((رأى عمر بن الخطاب رجلاً يسبح بتسابيح معه, فقال عمر: إنما يجزيه من ذلك أن يقول: سبحان الله ملء السموات والأرض, وملء ما شاء من شيء بعد, ويقول: الحمد لله ملء السموات والأَرض وملء ما شاء من شيء بعد, ويقول: الله أكبر ملء السموات والأَرض وملء ما شاء من شيء بعد)). رواه ابن أبي شيبة في: ((المصنف ٧٦٦٩)) باب: ((من كره عقد التسبيح)). ورواية سعيد ابن جبير المتوفى سنة ٩٥ - رحمه الله تعالى - عن عمر ﵁ مرسلة ففي الأثر انقطاع.

стр. 21

٢ - الأثر عن عائشة ﵃: حدثنا يحي بن سعيد القطان, عن التميمي, عن أبي تميمة عن امرأة من بني كليب, قالت: ((رأتني عائشة أُسَبِّح بتسابيح معي, فقالت: أين الشواهد؟)) يعني الأصابع. رواه ابن أبي شيبة في: ((المصنف برقم/ ٧٦٥٧)). وفي سنده جهالة كما ترى. ٣ - الآثار عن ابن مسعود ﵁: فيه ثلاثة آثار وهي: الأول: عن إبراهيم, قال: ((كان عبد الله يكره العَدَّ, ويقول: أّيُمَنُّ على الله حسناته؟)). رواه ابن أبي شيبة في: ((المصنف: برقم / ٧٦٦٧)) بسند صحيح. الثاني: عن الصلت بن بهرام, قال: ((مَرَّ ابن مسعود بامرأة معها تسبيح تُسبح به فقطعه, وألقاه. ثم مَرَّ برجل يسبح بحصى, فضربه برجله, ثم قال: لقد سبقْتُمْ, ركبتم بدعة ظلما, ولقد غلبتم أصحاب محمد ﷺ عِلْماً)).

стр. 22

رواه ابن وضاح القرطبي في: ((البدع والنهي عنها: ص / ١٢)) بسند صحيح لولا الانقطاع الذي فيه, فإن الصلت لم يسمع من ابن مسعود. الثالث: عن سيار أبي الحكم: أن عبد الله بن مسعود, حُدِّث: ((أَن أُناساً بالكوفة يُسبحون بالحصى في المسجد, فأتاهم وقد كَوَّمَ كُلُّ رجل منهم بين يديه كوْمَةَ حصى, فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد, ويقول: لقد أحدثتم بدعة ظلما, أو قد فَضَلْتُم أصحاب محمد ﷺ عِلْماً)). رواه ابن وضاح في: ((البدع والنهي عنها: ص / ١١)) بسند صحيح, لولا الانقطاع الذي فيه, فإن سياراً لم يسمع من ابن مسعود ﵁. الرابع: عن ابن سمعان, قال: ((بلغنا عن ابن مسعود, أنه رأى أُناساً يُسَبِّحُوْنَ بالحصى, فقال: على الله تحصون؟ سبقتم أصحاب محمد ﷺ عِلْماً, أو لقد أحدثتم بدعة ظلما)). رواه ابن وضاح في: ((البدع والنهي عنها ص / ١٢)).

стр. 23

وسنده تالف, لأن ابن سمعان وهو: عبد الله بن زياد المخزومي, رُمي بالكذب, فهذا لا يعتبر بمتابعته لما قبله. الخامس: الحكم بن المبارك عن عمرو (١) بن يحي بن عُمارة بن أبي حسن المازني, قال: سمعت أبي يحدِّث أبيه, قال: ((روى الدارمي في سننه: قال: أخبرنا الحكم بن المبارك أن عمر - عمرو - بن يحي قال: سمعت أبي يحدِّث, عن أبيه قال: كنا جلوس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة, فإذا خرج مشينا معه على المسجد, فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أَخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بَعْدُ؟ قلنا: لا. فجلس حتى خرج, فلما خرج قمنا إليه جميعاً, فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن, إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته, ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً, قال: فما هو؟ فقال: إن عِشْتَ فستراه, قال: رأيتُ في المسجد قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة, في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى, فيقول: كبروا مائة, فيكبرون مائة, فيقول: هللوا مائة,

стр. 24

فيهللون مائة, ويقول: سبحوا مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلتُ لهم شيئاً انتظار رأيك أو انتظار أمرك, قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم, وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم مضى ومضينا معه, حتى أتى حلقة من تلك الحِلَق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصىً نعدّ به التكبير والتهليل والتسبيح, قال: فعدوا سيئاتكم, فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء, ويحكم أمة محمد, ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون, وهذه ثيابه لم تبل, وآنيته لم تكسر, والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد, أو مفتتحو باب ضلالة! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير, قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه, إن رسول الله ﷺ حدثنا: إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم, وايم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم, ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحِلَق

стр. 25

يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج)) انتهى. ورجاله كلهم من رجال: ((التقريب)) وهم ثقات, عمرو وأبوه يحيى من رجال الكتب الستة, وجده عُمارة من رجال النسائي في: ((عمل اليوم والليلة)) وهو ثقة. وأما الحكم بن المبارك فهو الباهلي, فقال في التقريب: ((صدوق ربما وهم)) ورمز بكونه من رجال البخاري في الأدب المفرد, ومن رواة الترمذي, وقد توبع في الرواية بعده: السادس: قال بحشل: أسلم بن سهل, المتوفى سنة ٢٩٢ - رحمه الله تعالى - في: ((تاريخ واسط: ص / ١٩٨ - ١٩٩)). قال: ((حدّثنا علي بن الحسن بن سليمان, قال: حدّثني أبي, قال: حدّثني أبي [؟!] قال: كنا جلوساً. . .)) إلى آخره بنحو سياقه عند الدرامي. فهذه متابعة من علي بن الحسن بن سليمان الحضرمي الواسطي, ثقة من رجال مسلم وابن ماجه.

стр. 26

النوع الثاني: آثار في الإِقرار: وهي عن ستة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب وأبو هريرة, وأبو الدرداء, وسعد بن أبي وقاص, وأبو سعيد الخدري, وأبو صفية ﵃. ١ - الأثر عن علي ﵁: قال ابن أبي شيبة في: ((المصنف برقم / ٧٦٦٢)): حدّثنا حميد بن عبد الرحمن, عن حسن بن موسى القاري عن طلحة بن عبد الله, عن زاذان, قال: ((أخذت من أم يعفور تسابيح لها, فلما أتيت علياً علمني فقال: يا أبا عمر, ارْدُدْ على أم يعفور تسابيح)). انتهى. ٢ - عن أبي هريرة ﵁: وعنه أثران: أ- عن شيخ من طفاوة, قال: ((تَثَوَّيت أبا هريرة بالمدينة -أي جئته ضيفاً- فَلَمْ أَرَ رجلاً من أصحاب النبي ﷺ أِشَدَّ تَشميراً ولا أقوم علي ضيف منه, فبينما أنا عنده يوماً, وهو على سرير له, معه كيس كبير فيه حصى, أو نوى, وأسفل منه جارية سوداء, وهو يسبح بها, حتى أنفذ ما في الكيس

стр. 27

ألقاه إليها, فَجَمَعَتْهُ, فأعادته في الكيس, فدفعته إليه. . . رواه أبو داود في: ((سننه ٢/ ٣٣٩)). وابن أبي شيبة في: ((المصنف برقم / ٧٦٦١)). وأصله دون ذكر قصة الكيس في: المسند للإمام أحمد, ولدى الترمذي, والنسائي. وأنت ترى أن الرواي له عن أبي هريرة: شيخ من طفاوة لم يُسَمَّ, ولذا قال الحافظ في: ((التقريب)): ((لا يعرف)). ب- الأثر الثاني عن أبي هريرة ﵁ (١): ((كان يسبح بالنوى المجزع)). أخرجه ابن سعد في: ((الطبقات)). ولم أقف عليه. ٣ - أثر أبي الدرداء ﵁: عن القاسم بن عبد الرحمن, قال: ((كان لأَبي الدرداء, نوى من نوى العجوة, حسبت عشراً, أو نحوها في كيس, وكان إذا صَلَّى الغداة أفضى على فراشه, فأخذ الكيس, فأخرجهن, واحدة, واحدة, يُسبح بهن, فإذا نَفَذْن, أعادهن,

стр. 28

واحدة, واحدة, كل ذلك يُسبح بهن)). رواه عبد الله بن الإِمام أحمد في: ((زوائد الزهد)). ولم أر من صرّح بسماع القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى جويرية بنت أبي سفيان, من أبي الدرداء الصحابي لأَنه إن لم يسمع منه فهو أثر منقطع. ٤ - أثر سعد بن أبي وقاص ﵁: عن حكيم بن الديلمي: ((أن سعداً كان يسبح بالحصى)). رواه ابن سعد في: ((الطبقات)) وأحمد في: ((الزهد)) وفيه انقطاع فإن حكيم بن الديلمي لم يرو عن سعد بن أبي وقاص ﵁, ورواه ابن أبي شيبة في: ((المصنف برقم / ٧٦٥٩)) بسنده عن حكيم بن الديلمي, عن مولاة لسعد: ((أن سعداً يسبح بالحصى أو النوى)). ومولاة سعد هذه مجهولة. ٥ - الأثر عن أبي سعيد الخدري ﵁: قال السيوطي - رحمه الله تعالى - (١):

стр. 29

((وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري, أنه كان يسبح بالحصى)) انتهى. والذي في: ((مصنف ابن أبي شيبة برقم / ٧٦٦٠)): ((حدثنا يحيى بن سعيد, عن عبيد الله, عن ابن الأخنس, قال: حدثني مولى لأَبي سعيد, عن أبي سعيد, أنه كان يأخذ ثلاث حصيات فيضعهن على فخذه فيسبح, فيضع واحدة, ثم يسبح ويضع أخرى, ثم يسبح ويضع أخرى, ثم يُرْفَعْنَ, ويضع مثل ذلك, وقال: لا تسبحوا بالتسبيح صفيراً)) انتهى. ٦ - الأثر عن أبي صفية ﵁ مولى النبي ﷺ (٢): عن يونس بن عبيد عن أمه, قالت: ((رأيت أبا صفية, رجل من أصحاب النبي ﷺ وكان جارنا, قالت: فكان يسبح بالحصى)). رواه الإِمام أحمد في: ((الزهد)) و ((العلل / ٧١١)) وفي: ((المنحة)) للسيوطي, قال: ((وفي جزء هلال الحفار و ((معجم الصحابة)) للبغوي

стр. 30

وابن عساكر في: ((تاريخ دمشق)) من طريق معتمر بن سليمان, عن أبي بن كعب, عن جده بقية, عن أبي صفية مولى النبي ﷺ : ((أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزنبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فإذا صَلَّى الأولى أُتي به فيسبح به حتى يمسي)) والخلاصة: أن في الإنكار على من سبح بالحصى آثار عن ثلاثة من الصحابة ﵃, وهي عن عمر ﵁ رواه ابن أبي شيبة وفي سنده جهالة, وعن ابن مسعود ﵁ وجل أسانيده كالشمس صحة, وصراحة في النهي والإِنكار, وفي وقائع متعددة. وأن في الإِقرار ستة آثار عن ستة من الصحابة ﵃, وهي عن علي ﵁ رواه ابن أبي شيبة, وعن أبي هريرة ﵁ أثران: أحدهما: في أبي داود وغيره وفي سنده جهالة, والثاني لم أقف عليه, وعن أبي الدرداء من فعله ﵁ وفي سنده انقطاع رواه

стр. 31

عبد الله في زوائد الزهد لأَبيه, وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ من فعله, رواه ابن أبي شيبة, وفي سنده جهالة, وعن أبي سعيد الخدري ﵁ رواه ابن أبي شيبة. وعن أبي صفية مولى النبي ﷺ مِنْ فِعْلِهِ ﵁ رواه أحمد في الزهد, والعلل, وفي سنده جهالة, فصارت آثار التسبيح بالحصى المذكورة لا تخلو أسانيدها من مقال, وآثار النهي والإِنكار عن عمر, وعائشة ﵄ كذلك, أما عن ابن مسعود فهي صحيحة صريحة في النهي والإِنكار على من فعله, ولا معارض له في إنكاره على من فعله, وإعلانه له, وقولته العظيمة: ((لقد أحدثتم بدعة ظلما, أو فضلتم أصحاب محمد ﷺ عِلْماً)). والله أعلم. المرتبة الثالثة: العَدُّ بالحصى أو النوى عند التابعين إلى الآخر: الآثار السالفة في المرتبة الثانية عن عمر بن الخطاب ﵁, وعائشة ﵂, وابن مسعود ﵁ جميعها في الإِنكار على جماعة من التابعين, عدلوا عن التسبيح بالأنامل إلى التسبيح بالحصى, لا سيما

стр. 32

ما صح منها, وهو أثر ابن مسعود ﵁ فهي تفيد بادرة التحول إلى العد بالحصى, أو النوى, وإنكار الصحابة ﵃ عليهم, وفي هذه المرتبة قصص وحكايات, في الإِنكار مرة, وما أذكره علي سبيل الطرفة مرة أخرى مما هو مدرج في كتب المعارف العامة والتاريخ, لكن جُلها في النوى ونحوه منظوماً مما يأتي في مرحلة العد بالسبحة, ومنها هنا: • قصة عبد الملك بن هلال الهنائي: ذكر الجاحظ المتوفى سنة ٢٥٥, في: ((البيان والتبيين: ٣/ ٢٢٨)) وابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ في: ((عيون الأخبار: ٢/ ٥٩)): ((أن عبد الملك بن هلال الهنائي, عنده زنبيل ملآن حصى, فكان يسبح بواحدة, واحدة, فَإِذا مَلَّ شيئاً, طرح اثنين, اثنين, ثم ثلاثاً, ثلاثاً, فإذا ملَّ, قبض قبضة, وقال: سبحان الله بعدد هذا كله, وإذا بَكَّر لحاجة وكان مستعجلاً, لحظ الزنبيل لحظة, وقال: سبحان الله عدد ما فيه)) انتهى (١). * * *

стр. 33

المرحلة الثانية عَدُّ الذكر بالسُّبْحَة وفيها: ١ - تعريفها . ٢ - أسماؤها. ٣ - مادتها. ٤ - تاريخها عند غير العرب. ٥ - وظيفتها- عندهم. ٦ - تاريخها عند العرب. ٧ - تاريخها في العصور الإِسلامية. ٨ - عدد حباتها. ٩ - وظيفتها عند من اتخذها من المسلمين. ١٠ - أسماؤها عند المسلمين. ١ - تعريفها (١): ((السُّبْحة)): بضم السين وإسكان الباء: مشتقة من: ((التسبيح)) وهو قول: ((سبحان الله)) أو هو تفعيل من السَّبْح, الذي هو التحرك والتقلب, والمجيء والذهاب, كما في قول الله تعالى: ? إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ? [المزمل/ ٧] ,

стр. 34

وتجمع على سُبَح, مثل: غُرْفة, وغُرَف, آلة تسبيح, وهي خرزات منظومة في خيط للتسبيح يُعَدُّ بها. وهي كلمة مولدة, قاله الأزهري, وقال الفارابي, وتبعه الجوهري: السُّبْحَة: التي يسبح لها, وقال شيخنا (١): ((إنها ليست من اللغة في شيء, ولا تعرفها العرب, وإنما حدثت في الصدر الأول, إعانة على الذكر, وتذكيراً وتنشيطاً)). أما: ((السُّبْحة)) شرعاً فهي بمعنى: الدعاء, وبمعنى صلاة التطوع, وكان ابن عباس ﵄ يسمي السَّبَّابة: ((المسبحة)) كما في: ((الفرج بعد الشدة: ١/ ١٨٥)). فآلت من المشترك اللفظي, الذي يحمل معنيين شرعيين, هما: الدعاء, وصلاة التطوع, لأَنه يُسَبِّح بها, ومنها: سُبْحة الضحى, ومعنى غير شرعي: وهو الخرزات المنظومة لِعَدِّ الأَذكار.

стр. 35

٢ - أسماؤها: يُقال: ((سُبْحة)) (١) وتجمع على: ((سُبَح)): ويقال: ((مِسْبَحَة)) على وزن: ((مِفْعَلة)) مشتقة من الفعل: سَبح ومصدره: ((السَّبْح)) وتجمع على: ((مسابح)) و ((مسابيح)) (٢). ويُطلق عليها: ((النظام)) كما روى ابن وضاح في كتابه: ((البدع والنهي عنها ص / ١٢)) بسنده عن أبان بن أبي عياش, قال: ((سألت الحسن عن النظام - خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوها - من الخرز والنوى, ونحو ذلك يُسَبَّح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات)).

стр. 36

وفي سنده متروك هو: أبان بن أبي عياش البصري, فلا يحتج به, بل تزداد روايته وهناً على وهن, إذا روى عن الحسن, وهو كذلك هنا, كما بينه الذهبي في: ((الميزان: ١/ ١١)). ويُطْلَقُ عليها: ((الآلة)) فإن السيوطي - رحمه الله تعالى - لما ذكر في: ((المنحة)) بعض الآثار عن كثرة تعبدهم, ومنها: مائة ألف تسبيحة, وهكذا قال: ((ومن المعلوم المحقق, أن المائة ألف, بل الأربعين ألفاً, وأقل من ذلك, لا يحصون بالأنامل, فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يُعدان بآلة)) انتهى. واستحدث لها المتصوفة من الألقاب: ((المذكرة بالله)) و ((رابطة القلوب)) و ((حبل الوصل)) و ((سوط الشيطان)). ٣ - مادتها (١): يظهر أنها تصنع من مواد مختلفة, باختلاف الأحوال, والقدرة واليسار, أو قلة ذات اليد, وضعف الحال, وحسب الأزمنة والأمكنة, وأن لكل قُطر عناية بصناعتها من مواد معينة

стр. 37

كما في مصر, والهند, والصين, وأوروبا, وهذه المواد التي أمكن الوقوف على صناعة السَّبَح منها هي: الطين. الحصى. النوى. المعدن. العاج. الزجاج. الذهب. الفضة. الخزف. العنبر. وأنواع الطيب الأخرى. الأحجار الثمينة. الألماس. أو تطلى بالذهب, أو بالفضة, أو تتخذ من عظام بعض الحيوانات, مثل: ((عظم سِنِّ الفيل)) ومن أنواع الخشب, كالأرز في لبنان, ومن نوى بعض الفواكه, مثل: المشمش والخوخ. ثم هي مختلفة الألوان, فيكون خرزها: أسود, أو أحمر, أو أبيض, وهكذا. ٤ - تاريخها عند غير العرب (١): تفيد المصادر المعرفية, أن ((السُّبْحة)) دخيلة على كل

стр. 38

دين من عند الله تعالى, وأنها في الأديان المختلقة معروفة منذ عُصور ما قبل التاريخ, وقيل: منذ عام ٨٠٠م, وأنها من وسائل التعبد, لدى البوذيين, ثم لدى البراهمة في الهند وغيرها, ومنهم تسربت إلى النصارى, لدى القسيسين, والرهبان, والراهبات, ومن الهند انتقلت إلى غرب آسيا. وجاء في ((الموسوعة العربية العالمية)) ما نصه: ((وتتكون المسبحة التي يستعملها الكاثوليك من خمسين حبة صغيرة, مقسمة على أربع حبات كبيرة, إلى أقسام متساوية, ويتدلى من المسبحة قلادة مكونة من حبتين كبيرتين, وثلاث حبات صغيرة, وصليب, ويرتل المصلون صلوات الرب على الحبات الكبيرة, كما يستعملون الحبات الصغيرة في صلوات مريم العذراء, ويُسمون هذه الصلوات بالسلام المريمي. وفي آخر كل مقطع من السلام المريمي يتم ترتيل مقطع صغير في الثناء على الرب, وترتيل قانون الإِيمان النصراني على الصليب, وأثناء ترتيب المصلين للصلوات يُوقع أن تنكشف لهم أسرار الإِيمان.

стр. 39

نشأت المسبحة من زمن بعيد, وربما كان البوذيون أول من يستعملها في محاولة لم لربط الصلوات اللفظية بالصلوات الفعلية. ويستعمل البوذيون والهندوس المسبحة في صلواتهم, وبدأت أول أشكال الصلاة بالمسبحة في النصرانية في العصور الوسطى, ولكنها انتشرت فقط في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين)) انتهى. وفي كتاب: ((مساهمة الهند)) ص / ٩٤ - ١٠٥, عَرْض مُطَوَّلٌ مُوَثَّق عن تاريخها, فقال تحت عنوان: ((السُّبْحَة)): ((لما كان التدين من طبع الإِنسان, احتاج إلى معرفة طريق صحيح لعبادة ذلك الخالق وذِكْرِه, فقدمت إليه الأديان المختلفة لذلك طرقاً شتى, وساهمت الهند في قضاء بغيته تلك بتقديم طريق خاص لإِحصاء الذكر - إحصاء بواسطة عقد الحبات - السباحة, فإحصاء الذكر بالسبحة من اختراع الهند, اخترعه الدين البرهمي فيها, ومنا تسرب إلى بلاد وأديان أخرى. والسبحة تسمى بالسنسكريتية ((جَبَ مَالاَ)) معناه: عقد الذكر.

стр. 40

وتختلف الفرق في الدين البرهمي في عدد حباته وترتيبها, ففرقة شِيْوائية تعين في ٨٤ حبة ولا تزيد عليها طبقاً لحساب علم النجوم لديها, فإن العدد ٨٤ لديها حاصل ضرب ١٢ وهو عدد الأبراج, في ٧ وهو عدد النجوم الظاهرة لعين مجردة, مع شمول الشمس والقمر فيه, أما الفرقة الوِشْنَويّة فتعين عدده ١٠٨, وهو حاصل ضرب عدد الأبراج ١٢ في عدد النجوم ٩, وهو عدد زائد عما قررته الفرقة شِيْوائية, لأَنه روعيت فيه أحوال القمر الثلاثة: الاستهلال والاستواء, والاستسرار. أما ترتيب الحبات في المسبحة, فالفرقة الشيوائية, تميز فيها بين كل مجموعة من تسع حبات. عندما ظهر الدين البوذي بالهند اختار رهبانه سبحة الفرقة الوِشْنَويّة أي ذات مائة وثمان حبات. وافترق الدين البوذي في فرقتين عظيمتين: مَهايانا, وهِنايانا, فانتشرت عقيدة مهايانا في معظم آسيا الشمالية -نيبال, وتيبت, والصين, واليابان, ومنغوليا, وكوريا, وقطنت دعاتها في
следующие страницы →