← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96768

السبحة تاريخها وحكمها

بكر أبو زيد

Полный текст (107 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وفي سنده متروك هو: أبان بن أبي عياش البصري, فلا يحتج به, بل تزداد روايته وهناً على وهن, إذا روى عن الحسن, وهو كذلك هنا, كما بينه الذهبي في: ((الميزان: ١/ ١١)). ويُطْلَقُ عليها: ((الآلة)) فإن السيوطي - رحمه الله تعالى - لما ذكر في: ((المنحة)) بعض الآثار عن كثرة تعبدهم, ومنها: مائة ألف تسبيحة, وهكذا قال: ((ومن المعلوم المحقق, أن المائة ألف, بل الأربعين ألفاً, وأقل من ذلك, لا يحصون بالأنامل, فقد صح بذلك وثبت أنهما كانا يُعدان بآلة)) انتهى. واستحدث لها المتصوفة من الألقاب: ((المذكرة بالله)) و ((رابطة القلوب)) و ((حبل الوصل)) و ((سوط الشيطان)). ٣ - مادتها (١): يظهر أنها تصنع من مواد مختلفة, باختلاف الأحوال, والقدرة واليسار, أو قلة ذات اليد, وضعف الحال, وحسب الأزمنة والأمكنة, وأن لكل قُطر عناية بصناعتها من مواد معينة

стр. 37

كما في مصر, والهند, والصين, وأوروبا, وهذه المواد التي أمكن الوقوف على صناعة السَّبَح منها هي: الطين. الحصى. النوى. المعدن. العاج. الزجاج. الذهب. الفضة. الخزف. العنبر. وأنواع الطيب الأخرى. الأحجار الثمينة. الألماس. أو تطلى بالذهب, أو بالفضة, أو تتخذ من عظام بعض الحيوانات, مثل: ((عظم سِنِّ الفيل)) ومن أنواع الخشب, كالأرز في لبنان, ومن نوى بعض الفواكه, مثل: المشمش والخوخ. ثم هي مختلفة الألوان, فيكون خرزها: أسود, أو أحمر, أو أبيض, وهكذا. ٤ - تاريخها عند غير العرب (١): تفيد المصادر المعرفية, أن ((السُّبْحة)) دخيلة على كل

стр. 38

دين من عند الله تعالى, وأنها في الأديان المختلقة معروفة منذ عُصور ما قبل التاريخ, وقيل: منذ عام ٨٠٠م, وأنها من وسائل التعبد, لدى البوذيين, ثم لدى البراهمة في الهند وغيرها, ومنهم تسربت إلى النصارى, لدى القسيسين, والرهبان, والراهبات, ومن الهند انتقلت إلى غرب آسيا. وجاء في ((الموسوعة العربية العالمية)) ما نصه: ((وتتكون المسبحة التي يستعملها الكاثوليك من خمسين حبة صغيرة, مقسمة على أربع حبات كبيرة, إلى أقسام متساوية, ويتدلى من المسبحة قلادة مكونة من حبتين كبيرتين, وثلاث حبات صغيرة, وصليب, ويرتل المصلون صلوات الرب على الحبات الكبيرة, كما يستعملون الحبات الصغيرة في صلوات مريم العذراء, ويُسمون هذه الصلوات بالسلام المريمي. وفي آخر كل مقطع من السلام المريمي يتم ترتيل مقطع صغير في الثناء على الرب, وترتيل قانون الإِيمان النصراني على الصليب, وأثناء ترتيب المصلين للصلوات يُوقع أن تنكشف لهم أسرار الإِيمان.

стр. 39

نشأت المسبحة من زمن بعيد, وربما كان البوذيون أول من يستعملها في محاولة لم لربط الصلوات اللفظية بالصلوات الفعلية. ويستعمل البوذيون والهندوس المسبحة في صلواتهم, وبدأت أول أشكال الصلاة بالمسبحة في النصرانية في العصور الوسطى, ولكنها انتشرت فقط في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين)) انتهى. وفي كتاب: ((مساهمة الهند)) ص / ٩٤ - ١٠٥, عَرْض مُطَوَّلٌ مُوَثَّق عن تاريخها, فقال تحت عنوان: ((السُّبْحَة)): ((لما كان التدين من طبع الإِنسان, احتاج إلى معرفة طريق صحيح لعبادة ذلك الخالق وذِكْرِه, فقدمت إليه الأديان المختلفة لذلك طرقاً شتى, وساهمت الهند في قضاء بغيته تلك بتقديم طريق خاص لإِحصاء الذكر - إحصاء بواسطة عقد الحبات - السباحة, فإحصاء الذكر بالسبحة من اختراع الهند, اخترعه الدين البرهمي فيها, ومنا تسرب إلى بلاد وأديان أخرى. والسبحة تسمى بالسنسكريتية ((جَبَ مَالاَ)) معناه: عقد الذكر.

стр. 40

وتختلف الفرق في الدين البرهمي في عدد حباته وترتيبها, ففرقة شِيْوائية تعين في ٨٤ حبة ولا تزيد عليها طبقاً لحساب علم النجوم لديها, فإن العدد ٨٤ لديها حاصل ضرب ١٢ وهو عدد الأبراج, في ٧ وهو عدد النجوم الظاهرة لعين مجردة, مع شمول الشمس والقمر فيه, أما الفرقة الوِشْنَويّة فتعين عدده ١٠٨, وهو حاصل ضرب عدد الأبراج ١٢ في عدد النجوم ٩, وهو عدد زائد عما قررته الفرقة شِيْوائية, لأَنه روعيت فيه أحوال القمر الثلاثة: الاستهلال والاستواء, والاستسرار. أما ترتيب الحبات في المسبحة, فالفرقة الشيوائية, تميز فيها بين كل مجموعة من تسع حبات. عندما ظهر الدين البوذي بالهند اختار رهبانه سبحة الفرقة الوِشْنَويّة أي ذات مائة وثمان حبات. وافترق الدين البوذي في فرقتين عظيمتين: مَهايانا, وهِنايانا, فانتشرت عقيدة مهايانا في معظم آسيا الشمالية -نيبال, وتيبت, والصين, واليابان, ومنغوليا, وكوريا, وقطنت دعاتها في

стр. 41

أرمينية, وقفقاسيا, والإسكندرية, والأنطاكية, وتدمر. وأما الفرقة هِنايانا فانتشرت عقيدتها في الغالب في جنوب آسيا, جنوب الهند, وسيلان, وبنغال, وبورما, وسيام, وانتشر استعمال السبحة بين رهبان هاتين العقيدتين في تلك البلاد المختلفة, فلما ظهرت النصرانية أخذ رهبانها استعمالها منهم. لم يعرف المسلمون استعمالها عند ظهور الإِسلام, فكانوا يحسبون ويعدون أذكارهم وأمورهم إمّا بواسطة الأنامل, أو الحصى, أو نواة البلح, أو الأشجار, أو الخيوط المعقودة. أما بواسطة الأنامل ففي الحديث عن النبي ﵊: ((إِنا أمة أمية, لا نكتب ولا نحسب, الشهر هكذا وهكذا)) يعني مرة تسعة وعشرين, ومرة ثلاثين. فقد أشار فيه بالأيدي متعمداً على عدد أصابعها. وفي حديث آخر عن حُميصة بنت ياسر عن جدتها يُسَيْرَةَ, وكانت من المهاجرات, قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : ((عليكن بالتسبيح, والتهليل, والتقديس, واعقدن بالأنامل, فإِنهن

стр. 42

مسؤولات ومستنطقات, ولا تغفلن فتنسين الرحمة)). وفي حديث آخر عن عبد الله بن عمرو, قال: رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح. أما بواسطة الحصى فروى الدارمي عن عمر - عمرو - بن يحيى قال: سمعت أبي يحدِّث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة, فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد, فجاءنا أبو موسى الأشعري, فقال أَخرَج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا, فجلس معنا حتى خرج, فلما خرج قمنا إليه جميعاً, فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن, إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته, ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً. قال: فما هو؟ فقال: إن عِشت فستراه رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلسوا ينتظرون الصلاة, ففي كل حلقة رجل, وفي أيديهم حصى. فيقول: كبروا مائة فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة, فيهللون مائة. ويقول سبحوا مائة, فيسبحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك - أو انتظار أمرك - قال: أفلا

стр. 43

أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم, وضمنتَ لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم مضى, ومضينا معه, حتى أتى حلقة من تلك الحلق, قال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن, حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. . . الخ. وكان من أصحاب النبي ﷺ أبو هريرة وسعد بن أبي وقاص, وأبو صفية, وأبو سعيد, يسبحون بالحصى. أما بواسطة نواة البلح, ففي الحديث عن كنانة مولى صفية, قال: سمعت صفية تقول: دخل عليّ رسول الله ﷺ , وبين يديّ أربعة آلاف نواة أسبّح بها, فقلت: لقد سبّحتُ بهذه, فقال: ألا أعلمكِ بأكثر مما سبّحتِ, فقلت: علمني, فقال: قولي, سبحان الله عدد خلقه. وكان من الأصحاب: أبو هريرة, وسعد بن أبي وقاص, وأبو الدرداء, يسبحون بالنوى. أما بواسطة الأشجار فذكر المبرد في كتابه الكامل: أن علي بن عبد الله بن عباس كان شريفاُ, بليغاً, وكان له خمسمائة أصل زيتون, يصلي كل يوم إلى كل أصل ركعتين,

стр. 44

فكان يدعى ((ذا الثفنات)). وهو يدل على أنه كان يعد تركعه بالأشجار. أما بواسطة الخيوط المعقودة فكان لأَبي هريرة خيط فيه أَلْفا عُقْدَة, فلا ينام حتى يسبّح, وكان لفاطمة بنت الحسين ابن علي خيط معقود تسبح به. جميع هذه النصوص التي سردناها لك تدل على أن المسلمين إلى القرن الأول الهجري, بل إلى أوائل القرن الثاني الهجري -فإن علي بن عبد الله ابن العباس توفي سنة ١١٠هجرية- لم يكونوا عرفوا استعمال السبحة, ويؤيد رأينا هذا ما نقله العلامة الزبيدي في التاج من قول شيخه, قال: وقال شيخنا: إنها (أي السبحة) ليست من اللغة في شيء, ولا تعرفها العرب, إنما حدثت في الصدر الأول إعانةً على الذكر وتذكيراً وتنشيطاً. على أنه يظهر أن النصف الثاني من القرن الثاني الهجري كان استعمالها قد تسرب بين المسلمين, فإن الشاعر أبا نواس ذكرها وهو في السجن, في قصيدة خاطب بها الوزير ابن الربيع في عهد

стр. 45

الخليفة الأمين (١٩٣ - ١٩٨) قال: أنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك ... وعودتنيه والخير عادة فارعوى باطلي واقصر حبلي ... وتبدلت عفة وزهادة المسابيح في ذراعي والمصحف ... في لِبَّتي مكان القلادة وهو أقدم ذكر للسبحة, فيما نعرف, بالشعر العربي. ويلوح أن عند تسرب استعمالها بين المسلمين باشره في الغالب العامّة منهم من مدّعي الصلاح, فلم يحز استعمالها تقدير العلماء الصادقين, واستحسان الصوفياء [؟] المخلصين. ولذلك عندما رؤي في القرن الثالث الهجري في يد سيد الصوفية أبي القاسم الجُنَيْد بن محمد سبحة, اعترض عليه وقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سبحة؟ فقال: طريق به وصلت إلى ربي لا أفارقه. أما تخريج الدليمي في مسند الفردوس برقم / ٧٠٢٩ (وهو موضوع كما في السلسلة الضعيفة ١/ ١١٠ - ١١٧) بسند طويل عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : ((نعم المذكر المسبحة)) فقد انتقده علماء الحديث, قال المحدث محمد

стр. 46

الأمير: لا تظهر صحته, وقال الملا علي القاري: سنده ضعيف. وأما ما رواه أصحاب المسلسلات عن عمر المكي عن الحسن البصري حيت قيل له: يا أستاذ, مع عظم شأنك وعبادتك إلى الآن أنت مع السبحة. فقال لي: ((هذا شيء قد استعملناه في البدايات ما كنا لنتركه في النهايات, أنا أحب أن أذكر الله بقلبي ولساني ويدي)) قد رواه القاضي عياض في مشيخته, والقاضي أبو بكر في مسلسلاته, وكذلك الكتاني, والسلفي, والروداني, وأبو الحسن الأنماطي, وغيرهم. فأشار الحافظ السخاوي إلى غالب طرقه وقال: مدار روايته على أبي الحسن الصوفي, وقد رُمي بالوضع, ورواية عمر المكي عن الحسن البصري معضلة. بقي استعمال السبحة بين المسلمين هكذا محبوباً عند البعض وممقوتاً عند الآخرين, يجتاز طوراً إلى طور, ففي القرن الخامس الهجري مثلاً نجد أنه كان استعمالها أصبح من اختصاص النساء الصوفيات, إلى أن عم استعمالها

стр. 47

بينهم واستحسن, بخاصة إذا قصد به ذكر الله الخالص وليس الرياء. أما عدد الحبات فيها فاختار المسلمون مائة حبة, على ما ورد في الأحاديث النبوية, أنه علية الصلاة والسلام علّم التسبيح خلف كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة, والتكبير أربعاً وثلاثين مرة, والتحميد ثلاثاً وثلاثين مرة, فيكون مجموعها مائة. وهكذا لقي استعمال السبحة التي اخترعتها الهند وقدمتها إلى العالم للذكر قبولاً ورضا من أديان العالم المختلفة)) انتهى بنصه. ٥ - وظيفتها عندهم (١): كما تفيد المصادر المعرفية - أيضاً - أنها شعار ديني, لدى أهل الملل من البراهمة, والنصارى, وغيرهم من الأعاجم, ولهم في اتخاذها أغراض دينية مختلفة على اختلاف مللهم, منها:

стр. 48

أ- اتخاذها لِعَدِّ الصلوات. ب- اتخاذها تعويذة, وتميمة. ج- اتخاذها للوقاية من الأخطار والأمراض. د- اتخاذها لمعرفة البخت والحظ. وتقدم في مبحث تاريخها: عدد حباتها عند النصارى. ٦ - تاريخ السُّبْحة عند العرب (١): اعلم أن ((العرب)) لا تعرف السُّبْحة في لغتها, ولا في تعبداتها في الجاهلية, ولا في عاداتها للعب, والتَّلهِّي, ولهذا فإنك لا تجد لها ذكراً في كلامها, نثره, وشعره. وهذه عناية ربانية لهذه العصابة التي نبعت منها النبوة والرسالة الخاتمة. ولذا قرر علماء اللسان العربي, أن هذه اللفظة: ((السُّبْحة)) مولدة, وأنها بهذا المعنى لم ترد في كلام أحد ممن يحتج بعربيته بعد الإِسلام.

стр. 49

٧ - تاريخ السُّبْحة في العصور الإِسلامية: وهو في مرات أربع: أ- في عصر النبي ﷺ -. ب- لدى الصحابة ﵃. ج- لدى التابعين -رحمهم الله تعالى-. د- بعد عصر التابعين. أ- في عصر النبي ﷺ : جزم غير واحد, أن ((السُّبْحة)) لم تكن معروفة في زمن النبي ﷺ , ولهذا فليست من سُنَّتِه لعَدِّ الذِّكْر. ولم أر لها ذاكراً في نسبتها إلى عصر النبي ﷺ إلا في نصين, لا يثبتان: أحدهما: تعداد تركة النبي ﷺ التي خَلَّفها ﷺ ونظمها المغربي التهامي بقوله (١): قَد خَلَّف الرسول تِسْعاً تُعْرَف ... سجادة وسبحة ومصحف

стр. 50

وقفتان وسواك وحصير ... مشط ونعلان وإبريق منير وقال الكتاني عن عَدِّ السبحة في تركة النبي ﷺ (١): ((وأما السبحة: فقال الشيخ الأمير في فهرسته: لم يصح ما اشتهر من عَدِّها -أي السبحة- من مخلفاته ﵇. اهـ. وسبقه إلى نحوه ملا علي قاري في شرح المشكاة قائلاً: إن السبحة المعروفة لم تكن في زمن النبي ﷺ )) انتهى كلام الكتاني. ونقل كلام الأمير, والقاري, وأقره أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في رسالة: نزهة العِطْر (٢) في سبحة الذِّكر. واقتصر على كلام الأمير في كتابه: ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني. ص / ١٥١ ونحوه لابن الطيب في حواشي القاموس ... اهـ. وثانيها: عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ

стр. 51

قال: ((نِعْمَ المُذَكِّرُ السُّبْحَة, وإن أفضل ما تسجد عليه: الأَرض وما أنبتته الأَرض)) رواه الديلمي في: ((مسند الفردوس: ٥/ ١٥/ ح/ ٧٠٢٩)). وفي سنده أربعة مجاهيل على نسق واحد, وفيه متهم بالوضع ذاهب الحديث في قول للخطيب البغدادي, وهو: محمد بن هارون بن عيسى بن منصور الهاشمي, ورماه بالوضع: ابن عساكر, وقال الدراقطني: لا شيء. فهذا الحديث لاَ يُشْتَغَلُ بِهِ, إذ لا يعتبر شاهداً, ولا متابعاً, فضلاً عن أن يستأنس به في فضائل الأَعمال. هذا في رده سنداً, وأما متناً, فإنه إذا تقرر لدينا أن: ((السُّبْحة)) لم تكن في زمن النبي ﷺ فنرد تفسير اللفظ إلى الحقائق الشرعية التي نطق بها الشرع, وهو أن المراد بالسُّبْحة في هذا المروي: ((سُبْحَة الصلاة)) لاستعمال هذه الحقيقة الشرعية في أحاديث أخر, وبضميمة ما جاء في آخر هذا المروي: ((وإن أفضل ما تسجد عليه. . .)). وإلى هذا جَنَحَ محمد بن محمد الأزهري المعروف

стр. 52

بالأمير, المتوفى سنة ١٢٣٢ - رحمه الله تعالى - في فهرسته, وتبعه اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى - كما في: ((ظفر الأماني: ص / ٢٩٣)) إذا قال نقلاً عن الأمير: ((ولا تظهر صحته, ويحتمل تفسير السبحة بصلاة النافلة كما هو أحد معانيها, فليحرر. انتهى كلام سيدي الأمير - رحمه الله تعالى - أقول: - القائل اللكنوي -: على تقدير صحة الحديث, تفسيره بسُّبْحَة الصلاة هو الصواب, فإنه قد استعملت السُّبْحَة كثيراً في الأحاديث بهذا المعنى, وقد صح أن السبحة المعروفة لم تكن في زمن رسول الله ﷺ )). انتهى (١). ب- السُّبْحة لدى الصحابة ﵃ - (٢): وكما أن: ((السُّبْحة)) لم تكن معروفة في زمن النبي ﷺ

стр. 53

فإنه لا ذكر لها في لسان الصحابة ﵃ بل لم تكن معروفة في زمنهم على لسانهم, وفي تعبدهم بِعَدِّ الأذكار. وأما الأثر عن أبي هريرة ﵁ (١) الذي أسنده عبد الله بن الإِمام أحمد في ((زوائد الزهد)) ومن طريق أبو نعيم في: ((الحلية)) , وكلاهما: من طريق نعيم بن محرر بن أبي هريرة, عن جده أبي هريرة: ((أنه كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يُسبح به)). فنعيم مجهول, لذا فلا يصح. ولهذا فلا تغتر بقول الكتاني بعد كلامه المتقدم مباشرة (٢): ((والصواب: أن اتخاذ السُّبْحَة ونحوه, لِعَدِّ الذكر, ثبت عن الصحابة في حياته ﵇ وبعده, والذي حدث هو خرز, ونظم تلك الحبوب في الخيط ونحوه, كما

стр. 54

قاله الشيخ عبد الغني الدهلوي المدني)) انتهى. ويريد ما رُوِيَ من عَدِّ بعض الصحابة ﵃ الذِّكر بالحصى, أو النوى, وأطلق عليه ((السُّبْحَة)) تجوزاً, كما يدل عليه آخر كلامه, فتأمل؟ ولا تغتر أيضاً بقول أبي العباس أحمد بن أبي بكر الرَّدَّاد, المتوفى سنة ٨٢١ (١) فيما نقله عنه اللكنوي بعد سياق: ((مسلسل السُّبْحَة)) قال (٢): ((قال الشيخ أبو العباس الرَّدَّاد, تبين من قول الحسن - البصري - أن السبحة كانت موجودة في زمن الصحابة. قلت: فعلم أنها لا تصح في زمن رسول الله ﷺ ولا ما اشْتُهر من عده بها)) انتهى. وهذا المسلسل من رواية وَضَّاع فكيف يُستدل به؟!

стр. 55

ج- السبحة لدى التابعين - رحمهم الله تعالى -: السياق هُنا, لما تم الوقوف عليه, من الآثار المقطوعة, والحكايات والقصص المذكورة, مما هو مصرح به باسم: ((السُّبْحة)) ومنها: • أبو مسلم الخولاني: عبد الله بن ثُوَب المتوفى سنة ٦٢, الملقب: ريحانة الشام - رحمه الله تعالى - (١): عن بكر بن خُنيس, عن رجل - سَمَّاه - قال: ((كان في يد أبي مسلم الخولاني سُبْحَة يُسبح بها, قال: فنام, والسبحة في يده, فاستدارت السبحة, فالتَفَّت على ذراعه, وجعلت تُسبح, فالْتَفَتَ أبو مسلم, والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات, ويا دائم الثبات, فقال: هَلُمَّ يا أُمَّ مسلم, وانظري إلى أعجب الأعاجيب, فجاءت أم مسلم, والسبحة تدور تُسَبِّح, فلما جلست سكنت)) اهـ. ذكرها أبو القاسم هبة الله بن الحسن الطبري اللاَّلكائي المتوفى سنة ٤١٨ في كتابه ((كرامات الأولياء)) , وأبو القاسم ابن عساكر: علي بن هبة الله المتوفى سنة ٥٧١

стр. 56

في: ((تاريخ دمشق)). وهذا إنما أذكره للفرجة, والتدليل على ترويج الطرقية لبضاعتهم البدعية: ((السُّبْحَة)) في مثل هذه القصة المختلقة الموضوعة. • الأثر عن إبراهيم النخعي المتوفى سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى -: قال ابن أبي شيبة في: ((المصنف: برقم / ٧٦٧٠)): ((من كره التسبيح)) وساق الأثر بسنده فقال: ((حدثنا حميد بن عبد الرحمن, عن حسن, عن إبراهيم بن المهاجر, عن إبراهيم, أنه كان ينهى ابنته أن تعين النساء على فَتْلِ خيوط التسابيح التي يُسبح بها)). وفي سنده: إبراهيم بن المهاجر, قال فيه الحافظ ابن حجر في: ((التقريب)): ((صدوق لين الحفظ)) اهـ. وفي هذا الأثر فائدتان: الأولى: ظهور نظم الخرز في الخيوط في أول عصر التابعين وآخر حياة الصحابة ﵃ إذ وفاة إبراهيم

стр. 57

النخعي سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى -. الثانية: إنكار النخعي للسُّبْحة, وهذا ظاهر. • الأثر عن الحسن بن يسار البصري المتوفى سنة ١١٠ - رحمه الله تعالى -: روى ابن وضاح القرطبي - رحمه الله تعالى - بسنده في كتابه: ((البدع والنهي عنها. ص / ٢٥)) عن أبان بن أبي عياش, قال: ((سألت الحسن عن النظام - خيط ينظم فيه لؤلؤ وخرز ونحوهما - من الخرز والنوى ونحو ذلك, يُسَبَّح به؟ فقال: لم يفعل ذلك أحد من نساء النبي ﷺ ولا المهاجرات)). وفي سنده أبان بن أبي عياش البصري, قال فيه الإِمام أحمد: ((متروك الحديث)). روايته هنا عن الحسن وفيها مغمز شديد, كما في: ((الميزان: ١/ ١١)) , فأنى له القبول. وفي هذا الأثر - لو ثبت - فائدتان كسابقه, لكن أَنَّى له الثبوت؟ والله أعلم

стр. 58

• المسلسل بالسُّبحة عن الحسن البصري - رحمه الله تعالى - (١): وهو عن أبي الحسن علي بن الحسن بن القاسم الصوفي, قال: سمعت أبا الحسن المالكي وقد رأيت في يده سُبْحَةً, فقلت: يا أُستاذي: أنت إلى الآن مع السبحة, فقال: كذلك رأيت أستاذي الجنيد وفي يده سبحة, فقلت: يا أستاذي. . . وهكذا استمر الإِسناد على هذه الصفة, الجنيد عن السري السقطي, عن معروف الكرخي, عن بشر الحافي, عن عمر المكي, عن الحسن البصري وفي يده سبحة, فقلت له: يا أستاذي, ما شأنك وحُسْن عبادتك وأنت إلى الآن مع السبحة, فقال لي: ((هذا شيء قد استعملناه في البدايات, فلا نتركه في النهايات, أنا أحب أن أذكر الله بقلبي ولساني ويدي)) انتهى. ثم قال اللكنوي (٢): ((وقال مولانا عابد السندي: في: ((حصر الشارد)) أورد

стр. 59

هذا المسلسل, وأشار إلى غالب طرقه الحافظ السخاوي, وقال: ((إن مدار روايته على أبي الحسن الصوفي, وقد رمي بالوضع, ثم سلسله من طريق آخر, وسكت عنه, اهـ)) انتهى. ومعلوم أن المسلسلات قل أن تسلم من ضعف أو وضع في تسلسلها العام. والله أعلم. • الأثر عن فاطمة بنت الحسين بن علي المتوفاة سنة ١١٠ ﵃ (١): أسند ابن سعد في: ((الطبقات)) عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب أنها كانت تُسبح بخيط معقود فيها. وفي إسناده ضعف وامرأة مجهولة. • السُّبح الزرق للشيعة: في: ((تاريخ جرجان. ص / ٣٢٤)) في ترجمة: عمران بن أبي اليقظان, عن جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ - رحمه الله تعالى - أنه قال: ((مثل السُّبح الزُّرْق في أيدي شيعتنا, مثل: الخيوط الزرق يذكر بها إله السماء)). انتهى [؟]

стр. 60

د- السُّبحة بعد عصر التابعين: من هذا العصر إلى الآخر, انفرط عَقْد الصدق عند من غلبت عليه الشقاوة, وَجَنَّدَ الوَضَّاعُوْن من الطرقية وغيرهم أَنْفُسَهم لاختلاق المرويات لِعَقْدِ نِظَام السُّبَح, في عصر التابعين, ومن بعدهم, واتسعت أغراض اتخاذها, ديانة, وتعاويذ, وشعاراً لأَهل الذكر, واتخذها الصف المقابل, للعب, والتلهي, وتنافسوا في نظمها ومادتها, ومن تتبع كتب السير, والتراجم, والكرامات, رأى من ذلك عجباً, ومنها: ١ - ذكر بعض الإِخباريين, منهم أبو الفرج الأصفهاني المتوفى سنة ٣٥٦ في: ((الأغاني ٨/ ٣٤٤)): أن والي المدينة عثمان بن حيان المري المتوفى سنة ١٥٠ المولَّى عليها من قِبَل الوليد الأُموي, أراد إخراج المغنية سلامة القُسِّ المتوفاة نحو ١٣٠ من المدينة؛ لما شهرت به من حذق الغناء, والأوتار, فشفع لها ابن عتيق عنده, فوكَّله على شأنها, وقال له: لا يدعك الناس, ولكن اسمع منها, فإن رأيت أن مثلها

стр. 61

يترك في جوار رسول الله ﷺ ومسجده تركتها, قال: نعم, فجاءه بها, وقال لها: اجعلي معك سُّبْحَة, وتخشَّعي, ففعلت)) انتهى. ٢ - وفي عصر الأمين العباسي المتوفى سنة ١٩٨ جاء للسبحة ذكر في قصيدة لأَبي نواس وهو في السجن, يخاطب فيها الوزير ابن الربيع, بقوله (١): أنت يا ابن الربيع ألزمتني النسك ... وعودتنيه والخير عادة فارعوى باطلي واقصر حبلي ... وتبدلت عفة وزهادة المسابيح في ذراعي والمصحف ... في لِبَّتي مكان القلادة ٣ - سبحة زبيدة بنت جعفر: ذكر أبو حيان التوحيدي في: ((البصائر والذخائر: ١/ ١٤٥)) أنه كان عند زبيدة بنت جعفر المتوفاة سنة ٢١٦ - رحمها الله تعالى - ((سُّبْحَة اشترتها بخمسين ألف دينار)).

стр. 62

وفي كتاب ((الجماهر في معرفة الجواهر)) للبيروني: ص / ١٥٦ قال: ((وكان لأم جعفر زبيدة سُبْحَةٌ لم يذكر في الكتب كيفيتها, ولكن قيل: إنه جرى بين الرشيد وبينها في ذكر نزاهة: عَمَّار بن حمرة بن ميمون, وعلو همته, فقالت: إن الأقدام الثابتة تزل عن مواطئها عند روائح المال, فادع به وهب له سبحتي هذه - وكان شراؤها بخمسين ألف دينار, فإن ردها عرفنا نزاهته,. . . فذكر القصة في رده لها. . .)) انتهى. ٤ - وذكر بعض الإِخباريين - أيضاً -: أن عبد الله بن أبي السَّمِط, أنشد أبياتاً بين يدي المأمون العباسي المتوفى سنة ٢١٨ يمتدحه فيها, فلما انتهى عند قوله: أضحى إمام الهُدى المأمون مشتغلاً ... بالدِّين والناس بالدنيا مشاغيل قال المأمون: ((ما زدت على أن جعلتني عجوزاً في محراب, وفي يدها سُبْحَة, أَعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:

стр. 63

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عَرَضُ الدنيا عن الدين شاغله)) انتهى (١) ٥ - سُبْحَة الجُنيد المتوفى سنة ٢٩٧ - رحمه الله تعالى - والإِنكار عليه (٢): ذكر القاضي أبو العباس أحمد بن خلكان في: ((وفيات الأعيان)): ((أنه رؤي في يد أبي القاسم الجنيد بن محمد المتوفى سنة ٢٩٧ ﵀ يوماً سُبْحَة فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ بيدك سُبْحَة, قال: طريق وصلتُ به إلى ربي لا أفارقه)). انتهى. ٦ - أثمن مسبحة عُرفَتْ في الإِسلام (٣): هي مسبحة ((زيدان)) قهرمانة, أم المقتدر العباسي, ويقال: بل هي:

стр. 64

سُّبْحَة المقتدر العباس جعفر بن أحمد, المتوفى سنة ٣٢٠ - رحمه الله تعالى -: قال الأستاذ / عبود الشالنجي, محقق: ((نشوار المحاضرة للتنوخي: ٥/ ٢٩)): ((وكان للمقتدر العباسي, سبحة قومت بمائة ألف دينار, فقد ذكر الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر, أن والدته عمرة, جارية المقتدر, أخبرته, بأن المقتدر استدعى بجواهر, فاختار منها مائة حبة, ونظمها سُبْحَة يُسبح بها, وأن هذه السبحة عرضت على الجوهريين, فقوموا كل حبة منها بألف دينار, وأكثر (نشوار المحاضرة لسبط ابن الجوزي. مخطوط)) انتهى.

стр. 65

٧ - وفي كتاب: ((الجماهر في معرفة الجواهر)) للبيروني. ص / ١٥٦ - ١٥٨ ذكر اتخاذ الأكاسرة للسُّبْحَة, ثم قال: ((ولما أشارت قبيحة [؟!] على ابنها المعتز بقتل أخيه المؤيد بعثت قبيحة إلى أمه في شهر رمضان بِسُّبْحَةِ دُرٍّ, قيمتها أربعة آلاف دينار, وقالت لها: سبحي بها يا أختي, فسحقتها في الهاون, وَلَفَّتْها في كاغَدٍ, ورَدَّتهَا إلى حاملتها, وقالت: أقرئي عني أختي السلام, وقولي لها: السُّبَح لا تذهب بحرارات الدماء)) انتهى. ٨ - سُبْحَة خباز البصرة: نصر بن أحمد الخُبْزَأُرْزي, المتوفى سنة ٣٢٧, قال التنوخي المتوفى سنة ٣٧٤ - رحمه الله تعالى - في كتابه: ((نشوار المحاضرة: ٥/ ٩٥)) وَنَقَلَهَا عنه الخلديان في: ((التحف والهدايا ص / ٢٣)): ((أَهدى إِلَيَّ نصر ابن أحمد الخُبْزَأُرْزي: سُبْحَةَ سَبَج, وكتب معها: بعثتُ يا بدر بني يعرب ... بسبحةٍ من سَبَج مُعْجِب يقول من أبصرها طرفه ... نِعْمَ عتاد الخائف المذنب لَمْ تُخْطِ إن فكرت في نظمها ... ولونها من حُمَّة العقرب)) اهـ والسَّبج: الخرز الأسود.

стр. 66

٩ - وذكر البشاري في ((رحلته ص / ١٨١)) اتخاذ مصانع للسبح في القرن الرابع في بيت المقدس؛ لكثرة من كان يزور مكة - حرسها الله تعالى -. ١٠ - وفي القرن الخامس الهجري, اشتهر اختصاص النسوة المتصوفات بالسُّبَح, كما في: ((طبقات الشافعية للسبكي: ٣/ ٩١)). ١١ - سُبْحَة الحافظ ابن حجر المتوفى سنة ٨٥٢ - رحمه الله تعالى -: في: ((الجواهر والدرر للسخاوي: ١/ ١١١)) ساق أخباراً تدل على عدم تضييع شيخه الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - لوقته, ثم قال: ((وكان - رحمه الله تعالى - إذا جلس مع الجماعة بعد العشاء وغيرها للمذاكرة, تكون السُّبْحَة تحت كُمِّه بحيْث لا يرها أحد, ويستمر يديرها وهو يسبح أو يذكر غالب جلوسه, وربما سقطت من كمِّه فيتأثر لذلك, رغبة في إخفائه)) انتهى.

стр. 67

١٢ - أشهر مسبحة في تاريخ المتصوفة: هي سبحة ابن زروق يأتي خبرها بعد قليل. ١٣ - وقال العماد المناوي في سُبْحَة (١): ومنظومة الشمل يخلو بها ... اللبيب فتجمع من همته إذا ذُكر الله جَلَّ اسمه ... عليها تفرق من هيبته ١٤ - ولابن عبد الظاهر (٢): وسُبْحَة أناملي ... قد شغفت بحبلها مثل مناقير غدت ... ملتقطات حبها ١٥ - وقال شوقي (٣): ما تلك أهدابي تُنْظَم ... بينها الدمع السكوب بل تلك سُبْحَة لؤْلؤٌ ... تحصى بها عليك الذنوب هكذا صارت أطوار السُّبْحَة في العصور الإِسلامية (٤):

стр. 68

أي من بعد عصر الصحابة ﵃ وعصر التابعين, وبخاصة في العصر الأموي, والعصر العباسي. بدأت السُّبحة وأخذت في أطوار في مادتها, وفي أغراضها, وفي أعداد حَبَّاتها وفي محل اتخاذها, وأن السبحة عَبَرت إلى بلاد العرب, عن طريقين: الروافض والمتصوفة. قال الشهابي (١): ((يرجع انتشار السبحة في بعض البلاد الإِسلامية إلى استخدام الصوفية لها؛ إذ يعتبرونها أصلاً من الأصول المرعية في طرائقهم, وعوائدهم؛ لاستخدامها في حلقات الذكر, ويحفظونها في صندوق خاص بها, ولها قوم يقومون على استخدامها في الأوراد والأذكار, ويعرفون بـ ((شيوخ السَّبْحَة)) وبعض طوائف الصوفية ترى ضرورة وضع المسبحة في العنق؛ لأَن هذا عندهم أحفظ وَأَثْوَبُ, وهذا التقليد واجب عند بعض طوائف الصوفية, وبعض الطوائف تنكر هذا التقليد)). انتهى.

стр. 69

ثم قال: ((من أشهر المسابح التاريخية: أشهر مسبحة في تاريخ الإِسلام: مسبحة ابن زروق العالم المغربي - أحمد ابن أحمد المالكي المتوفى سنة ٨٩٩ - الذي حضر منذ نحو ٥٠٠ [؟!] لتلقي العلم, ثم تخرج من الأزهر, وأقام مسبحته الشهيرة التي ضمت ألف حبة من الحجم الكبير المصنوع من خشب الصندل, وكان يجلس وحوله دائرة من تلاميذه في دائرة تملأ ساحة الأزهر يذكرون الله!!)) انتهى. ٨ - عَدَدُ حباتها: وكانت في بدايتها خيوط ينظم بها خرز من نوى مجزع (١) - الذي حُكَّ حتى صار فيه سواد وبياض - لعد الأَذكار, التي ورد الشرع بها, أو مطلقاً؛ لهذا كان عَدَدُ حَبَّات السُّبْحُ وفق الأطوار العددية الآتية: ١ - سُبْحَة من ((٣٣)) خرزة, وتسمى: ((السُّبْحَة الثُّلَثِيَّة)). ٢ - سُبْحَة من ((٩٩) خرزة. ٣ - سُبْحَة من ((١٠٠٠)) خرزة, وتسمى: ((السُّبْحَة الألفية)).

стр. 70

وخرزها متفاوت الحجم, من حجم عين الجرادة, إلى حجم البيضة ثم صار لكل أصحاب طريقة نوع من السُّبَح, نوعاً, وعدداً, وكيفية استعمال. وصار يكتب على بعض خرز السُّبح أسماء الله الحسنى وهي: ((٩٩)) اسماً, أو الاسم الذي يذكر الله به عند أهل الطريقة, مثل: ((اللطيف)) أو: ((حي)) أو: ((الله)) وهكذا. وكل هذه مشاهدة في عصرنا, وأنا أقيد هذا عام ١٤١٨. وفيه كذلك وجد المحتسبون مع بعض المقيمين من الأفارقة في مدينة الرياض سُّبْحَة بطول عشرين متراً, والخرزة منها بحجم البيضة. ٩ - وظيفتها عند من اتخذها من المسلمين: وتبعاً لذلك تدرجت في أغراضها الدينية على النحو الآتي: ١ - اتخاذها شعاراً على: ((أهل الله)) [؟!] الطرقية المتصوفة؛ لِعَدِّ الأذكار والتربية الدينية.

стр. 71

٢ - اتخاذها تعاويذ وتمائم. ٣ - اتخاذها للوقاية من الحسد والأخطار. ٤ - تطويق العنق بها للوقاية من الأمراض. ٥ - اتخاذها لمعرفة البخت. ٦ - غسلها بالماء وشربه للاستسقاء. ٧ - الاستخارة بها, بما يسمون: ((استخارة السبحة)) ذلك أن المرء إذا مرض تستعمل له السبحة قبل استدعاء الطبيب: هل يستدعى؟ هل يُنجع الدواء؟ أي طبيب يُدعى؟؟ إلى غير ذلك من الأغراض. ٨ - لتهدئة الأعصاب وسكون النفس. ١٠ - أسماؤها عندهم: وجعلوا لها مجموعة ألقاب: ١ - المذكرة بالله. ٢ - رابطة القلوب. ٣ - حبل الوصل.

стр. 72

٤ - سوط الشيطان. بل اتخذت سُبْحة الرجل اسماً خاصاً, ومنها ما ذكره السيوطي - رحمه الله تعالى - إذْ قَال (١): ((وقال الشيخ الإِمام العارف عمر البزار, كانت سبحة الشيخ أبو الوفاء ((كاكيش)) وبالعربي: عبد الرحمن التي أعطاها للشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني - قَدَّس الله أرواحهم - إذا وضعها على الأرض تدور حبة حبة)) انتهى. انظر كيف شَبَّه لهم الشيطان بالسُّبْحَة, حتى نُفِخَتْ فيها الرُّوْح؟!. ١١ - طَرَفٌ مما رتب عليها من الكرامات والأحوال والهيآت . ورتبوا عليها من الكرامات والأحوال ما يطول الكتاب بذكره. منها: ما تقدم عن أبي مسلم الخولاني. ومنها: سُبحة أبي الوفاء المذكورة آنفاً, ومنها: ما ذكره السيوطي أيضاً

стр. 73

فقال: ((وقد أخبرني من أثق به؟! أنه كان مع قافلة في درب بيت المقدس, فقام عليه سرية عرب, وجردوا القافلة جميعهم وجردوني معهم, فلما أخذوا عمامتي سقطت مسبحة من رأسي, فلما رأوها, قالوا: هذا صاحب سُبحة, فردوا عليَّ ما كان أخذ لي, وانصرفت سالماً منهم. قال السيوطي: فانظر يا أخي إلى هذه الآلة المباركة الزاهرة, وما جمع فيها من خير الدنيا والآخرة)) انتهى؟!!. وقد تطور الحال إلى مشروعية تعليقها بالأعناق, حتى أَلَّف البناني محمد بن عبد السلام - ابن حمدون الفاسي - المتوفى سنة ١١٦٣ رسالة باسم: ((تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق)) وهو مطبوع في ((١٥٦)) صفحة. وقد بلغ الحال إلى إمرار الإِبهام والسبابة على خرزات السبحة بسرعة فائقة, لا يساوي زمن إدارتها قول: ((سبحان الله)) مرتين أو ثلاثاً. وحصل فيها من فاسد الاعتقاد: إلى توارثها بعد

стр. 74

الصالحين, والاعتقاد فيها, والاحتفاظ بها, وإلى وقفيتها, ولدى بعض النظار على الأوقاف شنطة صغيرة فيها مجموعة سبح, يأتي الفقراء والدراويش للتسبيح بها على روح صاحب الوقف, وهكذا. . وبعض محبي الخير يعلقونها في المساجد للتسبيح بها, وقد شاهدت ذلك في عدد من بلدان العالم الإِسلامي. وقد صار عند بعض من تلاعب بهم الشيطان مظهراً للرياء, وإظهار التعبد, وأنه في زُمْرة الذاكرين, وهو من الذين يختلون الدنيا بالدين. وللشاعر محمد الأسمر كما ذكر الجندي في مقاله: ((السبحة والمسبحون)) قصيدة في ((١٨)) بيتاً, ذكر فيها بعض أحوال المسبحين بالسُّبْحَة فقال: فقد تُرى في حانة ... كما تُرى في المسجد وعدة للنصب من ... أدهى وشر العدد حَبَّالة الخاتل إن ... تَلْقَ حِمَاراً تَصْطَدِ يحملها في كفه ... وهي فساد المُفْسِدِ ومن رآها ظنها ... هداية للمُهْتَدِي

стр. 75

واعلم أن أصحاب الطرق, تَعَلَّقُوا بالسُّبْحَة, وشُغِفوا بها, حتى صارت سمة لهم وشعاراً, وكل أصحاب طريقة يذكرون لها من الكرامات, والخصائص, والأوصاف, ما لا يخطر على بال, فصارت من لوازم الطريق بداية ونهاية, ومن وظائف المريد, ولو أخذت أتتبع ما لديهم بشأنها من الأقوال والأفعال؛ لطال الكلام, وكله من بابة واحدة: الغلو, والإِسراف, من جهة, والاختلاق, والتصورات الشيطانية, من جهة أخرى, وهكذا من ضل عن الطريق النبوي وقع في مثل هذه النقائص. وأكتفي هنا بسياق مقتطفات بنصها من كتاب: ((تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السُّبْحَة وجعلها في الأعناق وبعض الآداب. . .)) تأليف فتح الله بن أبي بكر بن عبد السلام بن حمدون البناني الشاذلي الدرقوي المتوفى سنة ١٣٥٣, فإن هذا الكتاب يقع في: ((١٥٦)) صفحة, تكلم عن السُّبْحَة من ص / ٣ - حتى ص / ٢٠ وما بعد ذلك فهو في آداب الطريقة, وأسوق هذه المقتطفات جاعلاً لها عناوين؛
следующие страницы →