← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 96768

السبحة تاريخها وحكمها

بكر أبو زيد

Полный текст (107 стр.). Показаны 71–107 · переход к 76.

стр. 71

٢ - اتخاذها تعاويذ وتمائم. ٣ - اتخاذها للوقاية من الحسد والأخطار. ٤ - تطويق العنق بها للوقاية من الأمراض. ٥ - اتخاذها لمعرفة البخت. ٦ - غسلها بالماء وشربه للاستسقاء. ٧ - الاستخارة بها, بما يسمون: ((استخارة السبحة)) ذلك أن المرء إذا مرض تستعمل له السبحة قبل استدعاء الطبيب: هل يستدعى؟ هل يُنجع الدواء؟ أي طبيب يُدعى؟؟ إلى غير ذلك من الأغراض. ٨ - لتهدئة الأعصاب وسكون النفس. ١٠ - أسماؤها عندهم: وجعلوا لها مجموعة ألقاب: ١ - المذكرة بالله. ٢ - رابطة القلوب. ٣ - حبل الوصل.

стр. 72

٤ - سوط الشيطان. بل اتخذت سُبْحة الرجل اسماً خاصاً, ومنها ما ذكره السيوطي - رحمه الله تعالى - إذْ قَال (١): ((وقال الشيخ الإِمام العارف عمر البزار, كانت سبحة الشيخ أبو الوفاء ((كاكيش)) وبالعربي: عبد الرحمن التي أعطاها للشيخ محيي الدين عبد القادر الكيلاني - قَدَّس الله أرواحهم - إذا وضعها على الأرض تدور حبة حبة)) انتهى. انظر كيف شَبَّه لهم الشيطان بالسُّبْحَة, حتى نُفِخَتْ فيها الرُّوْح؟!. ١١ - طَرَفٌ مما رتب عليها من الكرامات والأحوال والهيآت . ورتبوا عليها من الكرامات والأحوال ما يطول الكتاب بذكره. منها: ما تقدم عن أبي مسلم الخولاني. ومنها: سُبحة أبي الوفاء المذكورة آنفاً, ومنها: ما ذكره السيوطي أيضاً

стр. 73

فقال: ((وقد أخبرني من أثق به؟! أنه كان مع قافلة في درب بيت المقدس, فقام عليه سرية عرب, وجردوا القافلة جميعهم وجردوني معهم, فلما أخذوا عمامتي سقطت مسبحة من رأسي, فلما رأوها, قالوا: هذا صاحب سُبحة, فردوا عليَّ ما كان أخذ لي, وانصرفت سالماً منهم. قال السيوطي: فانظر يا أخي إلى هذه الآلة المباركة الزاهرة, وما جمع فيها من خير الدنيا والآخرة)) انتهى؟!!. وقد تطور الحال إلى مشروعية تعليقها بالأعناق, حتى أَلَّف البناني محمد بن عبد السلام - ابن حمدون الفاسي - المتوفى سنة ١١٦٣ رسالة باسم: ((تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السبحة وجعلها في الأعناق)) وهو مطبوع في ((١٥٦)) صفحة. وقد بلغ الحال إلى إمرار الإِبهام والسبابة على خرزات السبحة بسرعة فائقة, لا يساوي زمن إدارتها قول: ((سبحان الله)) مرتين أو ثلاثاً. وحصل فيها من فاسد الاعتقاد: إلى توارثها بعد

стр. 74

الصالحين, والاعتقاد فيها, والاحتفاظ بها, وإلى وقفيتها, ولدى بعض النظار على الأوقاف شنطة صغيرة فيها مجموعة سبح, يأتي الفقراء والدراويش للتسبيح بها على روح صاحب الوقف, وهكذا. . وبعض محبي الخير يعلقونها في المساجد للتسبيح بها, وقد شاهدت ذلك في عدد من بلدان العالم الإِسلامي. وقد صار عند بعض من تلاعب بهم الشيطان مظهراً للرياء, وإظهار التعبد, وأنه في زُمْرة الذاكرين, وهو من الذين يختلون الدنيا بالدين. وللشاعر محمد الأسمر كما ذكر الجندي في مقاله: ((السبحة والمسبحون)) قصيدة في ((١٨)) بيتاً, ذكر فيها بعض أحوال المسبحين بالسُّبْحَة فقال: فقد تُرى في حانة ... كما تُرى في المسجد وعدة للنصب من ... أدهى وشر العدد حَبَّالة الخاتل إن ... تَلْقَ حِمَاراً تَصْطَدِ يحملها في كفه ... وهي فساد المُفْسِدِ ومن رآها ظنها ... هداية للمُهْتَدِي

стр. 75

واعلم أن أصحاب الطرق, تَعَلَّقُوا بالسُّبْحَة, وشُغِفوا بها, حتى صارت سمة لهم وشعاراً, وكل أصحاب طريقة يذكرون لها من الكرامات, والخصائص, والأوصاف, ما لا يخطر على بال, فصارت من لوازم الطريق بداية ونهاية, ومن وظائف المريد, ولو أخذت أتتبع ما لديهم بشأنها من الأقوال والأفعال؛ لطال الكلام, وكله من بابة واحدة: الغلو, والإِسراف, من جهة, والاختلاق, والتصورات الشيطانية, من جهة أخرى, وهكذا من ضل عن الطريق النبوي وقع في مثل هذه النقائص. وأكتفي هنا بسياق مقتطفات بنصها من كتاب: ((تحفة أهل الفتوحات والأذواق في اتخاذ السُّبْحَة وجعلها في الأعناق وبعض الآداب. . .)) تأليف فتح الله بن أبي بكر بن عبد السلام بن حمدون البناني الشاذلي الدرقوي المتوفى سنة ١٣٥٣, فإن هذا الكتاب يقع في: ((١٥٦)) صفحة, تكلم عن السُّبْحَة من ص / ٣ - حتى ص / ٢٠ وما بعد ذلك فهو في آداب الطريقة, وأسوق هذه المقتطفات جاعلاً لها عناوين؛

стр. 76

لتلفت الأنظار إلى مضامينها المظلمة المنسوبة إلى الشرع المطهر ظلماً, وهي: • سُبحة الشيخ السلوي: ((وفي طبقاتنا)) في ترجمة الشيخ المتقدم - نفعنا الله به - في الكلام على مجاهدته وخلوته التي كان يتعبد فيها بإزاء جامع الأندلس بفاس - حرسها الله - ما نصه: وقد زرت هذه الخلوة المباركة بعد وفاته ﵀ في بعض سياحاتي لما حللت فاساً لزيارة مولانا إدريس ووالده والإِخوان والأولياء الكائنين بها الأَحياء والمنتقلين - نفعنا الله بهم - ورأيت فيها سبحته التي كان يذكر بها ﵁ وتبركت بها وهي عظيمة جداً بحيث كان يعلقها في سقف الخلوة تعظيماً لها وتحفظاً عليها؛ لكونها آلة يستعان بها في الجهاد الأكبر, والسقف المعلقة فيه عال في الجملة, وتصل إِلى الأرض, ويستعملها على تلك الحالة وقد جعل لها جرارة ليسهل دورانها فيها - وقد قال بعض الكبار -: لو أمكننا التسبيح بالجبال لفعلنا, أي أن يجعل حبة السبحة مقدار

стр. 77

الجبل أو نفس الجبل؛ لما في ذلك من الأَسرار التي يعلمها من مارس المجاهدة على يد الفحول الكبار). • مبحث تعليقها بالعنق: ((كما أنهم نصوا)) على أن الفقير ينبغي له إذا فرغ من استعمال السبحة المتوسطة المناسبة في الذكر, أن يجعلها في عنقه تعظيماً لها واحتراماً وتوقيراً - وفي منن القطب الشعراني ﵀: ولقد وقعت رجلي مرة على السبحة فكدت أهلك من ذلك إكراماً لها. اهـ. ولأَن ذلك - أعني جعلها في العنق - أحفظ لها وأصون من الضياع والامتهان والتمزيق, مع ما في ذلك من هضم سطوة النفس, وقمعها عن الالتفات إلى التخلق بالأخلاق الظلمانية, حسبما يتحققه من كابد مجاهدتها على أيدي أهل الحضرة الربانية, الجامعين بين الشريعة والحقيقة, بين الفناء والبقاء, بين الصحو والسكر, بين الحضور والغيبة, بين المجاهدة والمشاهدة, وأَجْرِ القياس.

стр. 78

في العنق من أصعب ما يكون وأشده على النفس, وخصوصاً إن كانت غليظة من عود منظم في خيط صوف أو كتان, ومن ذاق عرف, ومن لا فلا حرج عليه إذا سلم واعترف, والأشياء كامنة في التجريب, ومن لم يجرب فليس بمصيب. ووالله ثم والله يا إخواني لقد كنت أقاسي المرارة الصعبة عند جعلها في عنقي في بدايتي, من حيث الالتفات إلى النفس والجنس وأود أن لو وضعت وزن قنطار مثلاً من حجر على رأسي, ولا أجعل سبحة تزن نصف رطل مثلاً في عنقي, وكنت مهما وضعتها في عنقي بأمر مشايخي الكرام خمدت أوصاف بشريتي, وهدأت نفسي عن التشوف إلى التخلق بأخلاق الأقران, الحاجبة عن حضرة الملك الدَّيَّان, واعتراني خشوع وخضوع قهري في ظاهري وباطني, إلى غير ذلك مما نحن مطالبون به من حيث القوانين الشرعية, من الأوصاف النورانية, المؤذنة بكمال العبودية لرب البرية, وهذا هو السر والسبب في ثقل ذلك على النفس؛ لكمال بعده عن وطن الحرية والأَنانية, وشدة قربه من حضرة

стр. 79

التواضع والتنزل والتحقق بوصف الفقر والفاقة والانطراح بين يدي الله, وغير ذلك من أوصاف العبودية, التي لا يتخلف عنها ويتقهقر ويتأخر عن الأسباب الموصلة إليها إلا ودليل هذا من حيث الذوق والحال: أن جعل السبحة هالك بصحبة الهالكين, وتالف بصحبة التالفين, وغافل بصحبة الغافلين, وراض عن نفسه بصحبة الراضين عن أنفسهم وأجر القياس. والله يعصمك من الناس. اللهم اعصمنا من شر الفتن وعافنا من جميع المحن, وأصلح منا ما ظهر وما بطن, بمنِّك. آمين. ولا يُقال: إن جعالها في العنق يورث الفقر حسبما ذكره بعضهم؛ لأَنا نقول: لا أصل يشهد لذلك, والتجربة والواقع يشهدان بخلاف ما هنالك, فإن عدداً من كبراء أهل النسبة - قواهم الله - ديدنهم أبداً جعلها في عنقهم بعد الفراغ من الاستعمال, وقد بسط الحق تعالى عليهم من الأرزاق الحسية والمعنوية ما لا يحد بحد ولا يخطر ببال, ولم يزدهم ذلك إلا تواضعاً وتنزلاً لله ورسوله ولسائر العباد في الحال والمآل.

стр. 80

نعم قد يكون جعلها في العنق يورث الفقر في حق من جعلها رياء وسمعة, وشبكة لنيل الدنيا وأخذ أموال الناس بالباطل, وذلك مسلم بنص الكتاب والسنة بلا شك ولا مرية, غير أن المعتقد في أهل النسبة أن الله تعالى طهرهم من هذه القاذورات بفضله, ومجالسة أهل حضرة قدسه, ونظرة مشايخهم التي هي الإِكسير المعنوي, الذي يقلب أعيان كل من إليهم بتوفيق الله يأوي, بحيث لا تجد لابسها المنتسب إليهم إلا متحققاً بأحوالهم السنية حالاً ومقالاً, أو متشبهاً بأخلاقهم النورانية المحمدية, طامعاً في التحقق بها حالاً أو مآلاً (وغير خفي) أن من تشبه بقوم فهو منهم, وأن التشبه بأهل الخير والصلاح, يورث المعية والسكون منهم بإجماع الملاح. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام رباح ثم قال: (ويقاس جعل السبحة في العنق عند الفراغ من استعمالها على جعل السيف فيه كذلك, فإنه إذا أباح الشارع صلوات الله وسلامه عليه تعليق آلة الجهاد الأصغر كالسيف في العنق, وأباح تعليق الكتف بوزن حمل - أي الشكارة

стр. 81

والقراب والجراب وغير ذلك مما يستعان به في العاديات - في العنق, فجعل آلة الجهاد الأكبر كالسبحة والمصحف ودلائل الخيرات ونحو ذلك فيه من باب أولى وأحرى, (وما ذكره ابن الحاج) في مدخله من كونه بدعة فهو فقه غير مسلم حسبما نص عليه غير واحد من أكابر علماء الظاهر والباطن, وستقف على بعض ذلك هنا بحول الله, ومن حفظ حجة على من لم يحفظ وعمل جمهور الأكابر شرقاً وغرباً على خلافه ومن المقرر أنه إذا وقع خلاف في مسألة وكان في إحدى الجهتين فقيه وصوفي, وفي الأخرى فقيه فقط؛ ترجح الأولى لما خص الله تعالى به سادتنا الصوفية ﵃ وجعلنا منهم - من مزيد الكشف والاطلاع بفضله وكرمه وبركة تحققهم بكمال الإتباع). • السُّبَح في أعناق الملائكة: قال: (وقد ذكروا أن شيخ شيوخنا القطب الكامل الغوث الواصل سيدنا ومولانا العربي الدرقوي ﵁ أطلعه الله تعالى على نوع من الملائكة الكرام, واقفين بين

стр. 82

يدي الملك العلام, هائمين بذكره ومشاهدته على الدوام, وتسابيحهم في أعناقهم منتظمة أي انتظام, فأخذ ذلك بمجامع قلبه, ووقع فيه حال عظيم؛ لما شاهده من أسرار وأنواع حضرة ربه, فتمنى ذلك لأَصحابه وأمرهم بجعل السبحة في العنق, تشبهاً بهؤلاء الملائكة الكرام, واغتناماً لما في ذلك من الفوائد العظام, وقد تقدم بعضها بفضل الملك السلام). • شعار الطائفة الشاذلية الدرقوية: قال: (ومما شاع وذاع: أن جعلها في العنق صار شعار هذه الطائفة الشاذلية الدرقوية المباركة وأن مشايخها يأمرون مريديهم بذلك بداية ووسطاً ونهاية. وقال أرباب المقام الثالث: شيء وصلنا به إلى الله لا نتركه ولا نفارقه أبداً. (وكما) أمروا بجعلها ظاهرة يرها الخاص والعام, خرقاً للعادة وتشبهاً بالملائكة الكرام, وغير ذلك حسبما نص عليه الأكابر الأعلام).

стр. 83

• فضل السبحة الغليظة على الرفيعة: قال: (وقال أيضاً ﵁ في الرسالة الأولى ما نصه: ((اتخاذ السبحة وجعلها في العنق واليد)) قد علمت يا أخي أن اتخاذ السبحة للذكر مما لا خلاف فيه بين العلماء من حيث إنها فعلت بين يديه ﷺ وأقرها كما في كريم علمكم, ويكفي في تصحيح هذا المعنى ما خرجه السيوطي في الحاوي على الفتاوي, وذكر أن تأليفاً سماه ((المنحة في اتخاذ السبحة)) وحيث كان الأصل جائزاً فالفرع يا أخي لا عليك فيه من حيث الكبر والغلظ, سيما وقد قال بعض العارفين: السبحة الغليظة تنشط الباطن, والسبحة الرقيقة تنشط الظاهر وتورث الوسوسة في الباطن). (وكل من له أدنى نصيب من سكون الذكر - أي طمأنينيته - يجد السبحة الغليظة أفضل من الرقيقة, لذلك قال بعضهم: السبحة الفاخرة تنشط الباطن, والسبحة الرقيقة تنشط الظاهر). ثم قال ص / ١٦: (وأما جعلها في العنق ففي المعيار:

стр. 84

أن الإِمام سحنوناً ﵀ دخل عليه بعضهم فرأى في عنقه سبحة, وقد يُقاس جعلها في العنق على جعل الخاتم في اليد؛ لأَنهم ذكروا من علل جعله في اليد حفظه لأَنه اتخذه أولاً ﷺ للطبع وكان يحفظه, ويدل له ما سمعت من شيخنا مولاي عبد الواحد ﵁ قال: العنق هو مسمار السبحة, ولا يقال: يكفي في حفظها أن تكون في الجيب مثلاً؛ لورود مثله في الخاتم أيضاً ولم يرد إلا جعله في اليد لحكمة أخرى وهي أن اليد مظهر الحكم ومحل الاقتدار؛ لتقع المناسبة بين الحامل والمحمول, فافهم. وكذلك السبحة جعلت حفظاً في العنق دون غيره؛ لأَن العنق هو محل التقليد, فيكون لابسها قد تقلدها حساً كما تقلدها معنى مناسبة, ولأَن السبحة آلة الذكر فلها بذلك قدر عظيم, والعنق هو أعظم ما في الجسد وأعلى ما فيه مما يمكن حفظه فجعل العظيم للعظيم مناسبة, ولأَن حبل الوريد الذي ضرب الله به المثل في قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ

стр. 85

مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ هو في العنق وهو مجرى الطعام والشراب فجعلت السبحة التي هي آلة القرب من الله عليه مناسبة للآية؛ حتى يكون الاعتناء بالحق أشد من الاعتناء بحبل الوريد فيكون حبل الوريد وسيلة للقرب من الله, إذ هو آلة لحمل السبحة المقربة من الحق سبحانه, فيحصل القرب من الله الذي هو المطلوب بالسبحة حساً ومعنى فاعلم ذلك فإنه دقيق. ثم رأيت ((في المنهاج الواضح في مناقب سيدي أبي محمد صالح)) بعدما ذكر أن سيدي أبا محمد صالح كان يلبس المرقعة والسبحة في عنقه ويلبس ذلك لأَصحابه (ما نصه): وأما جواز التقليد بها - أي السبحة - فهو مأخوذ مما ورد في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ , وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال ابن عطية: والقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمناً لهم, وذكره تعالى منة وتأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد.

стр. 86

قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السمر قلادة فلا يتعرض له أحد بسوء. قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور للناس في الجاهلية وهم لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً ثم شدد ذلك بالإِسلام. قلت: يخرج لنا من تفسير هاتين الآيتين دليل واضح على جواز تمييز أهل الدين والعبادة في الطرقات والمخاوف بسيمة وعلامة يأمنون بها من أهل الشر, إذا جاز ذلك لمن قصد نجاة نفسه عادة, فكيف بمن هو له عبادة؟ (قال) والتقليد بالسبحة أرجح من جعلها في اليد, ولا سيما عند التوجه في الطرقات كما يفعله فقراء العرب, ولأَن العنق محل الطهارة دائماً بخلاف اليد, اهـ. منه باختصار وتقديم وتأخير واقتصار. اهـ كلام صاحب المقالة المرضية). • سُبْحَة عبد الله بن مشيش: وقال: (وقد رأيت سبحات غليظة جداً, ومثبت ذلك عن أكابر العارفين, ولو لم يكن إلا الشيخ الأكبر والمحجة

стр. 87

الأشهر مولانا عبد السلام بن مشيش لكان كافياً, فإِنه حدثني من أثق به أنه رأى سبحة عظيمة جداً عند بعض الثقات من أولاد الشيخ المذكور, وذكر له أنها كانت عند الشيخ إلى أن مات, وإلى الآن لم تزل عندهم, وذكر لي أن ركبته كانت مريضه وكان بها وجع يمنعه من المشي إلا بمشقة, فأخذ تلك السبحة ووضعها عليها, فلما قام وجد ركبته كأنها لم يكن بها بأس ولا أوجعته أبداً). • سُبْحَة بعض الأشياخ: قال: (وسمعت شيخنا الإِمام ﵁ يقول: كانت لبعض الأشياخ سبحة عظيمة ثقيلة غاية محمولة معلقة على جرارة, فكان إذا جذب الحبة الواحدة وسقطت على أخرى يسمع لها صوتاً عظيماً, فقيل له في ذلك, فقال: تأتَّى لنا أن نذكر الله بالجبال لفعلنا. وذكر لي بعض الثقات أنه وقف على هذه الحكاية منصوصة في بعض التآليف). • سُبْحَة الكعكي: قال: (وذكر الشعراني في طبقاته الصغرى: أن سيدي

стр. 88

أحمد الكعكي كانت له سبحة فيها ألف حبة كيلاً, فسرق إنسان منها سبع حبات, فرأى النبي ﷺ وقال له: أحمد, فلان سرق من سبحتك سبع حبات ولك كذا وكذا يوماً تصلى ناقصاً عن العدد, فذهب إلى ذلك الفقير فقال صدق النبي ﷺ وأخرجها له من ردائه فردها إلى السبحة, قال: وما رأيت سبحة أنور منها تكاد تضيء من النور من كثرة الأوراد عليها, وبلغنا أنها كانت تدور بنفسها إذا أبطأ الشيخ عن وقت الورد فيعلم دخول الوقت). انتهى بطوله من كتاب: ((تحفة أهل الفتوحات. . .))!!! هذا في جانب التعبد, أما في جانب اتخاذها للزينة, واللعب والتلهي, فحدث عن أنواعها, وأحجامها, ومقدار أقيامها, ولا حرج, وقد رأيت مع بعض ذوي الثروة واليسار سُبْحة تفوق بقيمتها سُبْحَة المقتدر العباسي بأضعاف مضاعفة, رأيتها معه ونحن في: ((بروناي / دار السلام)) عام ١٤١٤, وذكر لي أن الخرزة الواحدة منها تساوي نحو ثلاثمائة ألف ريال.

стр. 89

واستطراداً, قال اللكنوي في: ((نزهة الفِكر)) في: ((الفصل الثامن)): (قال اليافعي في الإِرشاد والتطريز: السُّبْحَة على ثلاثة أقسام: مسبحة بالسين المهملة وهي التي تسبح بها, ومشْبَحة بالشين المعجمة, وهي البطالة, ومذبحة, وهي التي يديرها صاحبها وهو يغتاب الناس ويؤذيهم) انتهى. وسمعت الشيخ صالحاً الطرابلسي - رحمه الله تعالى - في حدود عام ١٣٨٥ وهو في المسجد النبوي يلقي موعظة, وكان مما قال عن السُّبْحَة: والسُّبْحة على ثلاثة أنواع: - مسباح, وهي التي يُسبح بها, وهذه بدعة, - وَمِقْبَاح, وهي التي يسبح بها صاحبها وقد عقد يديه على مؤخرته, وهذه بدعة ينضاف إليها إهانة الذكر, - وملواح وهي التي يلوح بها حاملها للعب والتسلي, وهذه تشبه, ولا تليق بذوي الهيآت. * * * ا

стр. 90

المرحلة الثالثة: عَدَّ الذكر بآلة حديدية مصنعة في عصرنا اتُّخِذَتْ آلة حديدية بحجم البيضة, فيها ألف رقم, فما على الذاكر إلا أن يضعها في كفه, ويضغط بالإِبهام على الزر, بقدر ما يريد من العدد إلى ألف, ثم تعود من عدد واحد إلى ألف, وهكذا. * * *

стр. 91

خلاصة التحقيق أن ((السُّبْحَة)) هي: خرز, أو غيره ينظم في خيط, جمعه: ((سُبَح)) وجمع الجمع: ((تسابيح)) , ويُقال: ((مِسْبَحة)) وجمعها: ((مسابح)) و ((مسابيح)) , ويقال: ((النظام)) كانت شائعة قبل الإِسلام, بل قبل الميلاد, وقيل: بل بعد عام ٨٠٠ من الميلاد في ديانة البوذيين, ثم لدى عامة الأعاجم, ولدى أصحاب الديانات كالبراهمة, والنصارى, وغيرهم, يتخذونها شعاراً دينياً لهم في صلواتهم؛ ولأَغراض ومعتقدات دينية: تعويذة, وتميمة, ويُرقى بها, وهكذا. وأن: ((السُّبْحَة)) لم تكن معروفة لدى العرب في تعبداتها في الجاهلية, ولا في عاداتها, ولهذا لم يرد لها ذكر في كلامها, نثره, وشعره. وأنه لما أشرقت شمس الرسالة المحمدية الخاتمة

стр. 92

الخالدة, كان من هدي النبي ﷺ الذي دَلَّ أمته عليه: عقد التسبيح بالأنامل, أنامل اليدين, أو اليد اليمنى؛ لأنهن مسؤولات ومستنطقات يوم القيامة, فهن شواهد على العبد, فعهد به الشرع إلى وسيلة لعد الذكر, يملكها في كل وقت وحال, بلا عناء, ولا اتخاذ شعار, ولا رسوم, ولا داعية للرياء, ولا غلو, ولا داعية إليه, وهي: ((أنامله)) , التي يُضْرَبُ بها المثل في الطواعية, فيقال: ((طوع بنانه)). ولهذا فإنه لما بدأت بَدَاة التسبيح بالحصى, أو النوى, دَلَّهم النبي ﷺ على الذكر الجامع للخيرية, والفضل, واليسر, كَمَا دَلَّ المستغفرين على: ((سيد الاستغفار)) وَكَمَا حَذَّرَ ﷺ الحجيج في رمي الجمار من الغلو في اختيار الحصى الكبار, فهذا نهي عن الغلو في الوصف والمقدار, وذاك نهي عن الغلو في العدول عن الأذكار الجامعة, وعن عَقْدِ الذكر بالأنامل التي أحالهم إليها ﷺ إلى عقده بالحصى ونحوه. وليس هناك حديث واحد يفيد الإِقرار على عد التسبيح بغير الأنامل, فإن غاية المرفوع أربعة أحاديث:

стр. 93

١ - حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يسبح بالحصى وهو موضوع, -٢ - وحديث ((نعم المذكر السبحة)) وهو في حكم الموضوع, ٣ - وحديث صفية, وقد استنكر النبي ﷺ عملها فقال: ((ما هذا؟)) , ثم دلها على الذكر الجامع، ٤ - وحديث سعد بن أبي وقاص، وهو دال على عدم المشروعية, وأن قوله ﷺ : ((ألا أخبرك بما هو أيسر وأفضل؟)) جاءت فيه ((أفعل)) على غير بابها, هذا مع ما في سند الحديثين من مقال. ولهذا انقرض زمن النبي ﷺ ولا وجود للتسبيح بالحصى أو النوى, فضلاً عن وجود التسبيح بها منظومة في خيط. ولهذا: إذا مَرَّ بك لفظ: ((سُبْحَةِ)) في حديث شريف فإنه لا ينصرف إلا إلى الحقيقة الشرعية: الدعاء, أو سُبْحة الصلاة, ولا يخطر على بالك تفسيره بهذه: ((السُّبْحَة)) المحدثة, فإن النبي ﷺ لا يخاطب أمته إلا بالحقائق الشرعية على سَنَنٍ اللسان العربي. وَمَا أَجمل إنصاف اللكنوي المتوفى سنة ١٣٠٤ - رحمه الله تعالى - حين نفى في شرح الحديث الذي

стр. 94

لا يصح: ((نعم المذكر السُّبْحَة. . .)) تفسيرها بهذا الخيط الذي نُظِمَ به الخرز, مُعَلِّلاً بِما ذُكر. وعلى هذا الهدي العام مضى عصر الصحابة ﵃ ولا يؤثر عن أَحَدٍ منهم حرف واحد يصح عنه بأنه خالف هدي النبي ﷺ فَعَدَّ التسبيح والذكر بالحصى, أو النوى, فضلاً عن اتخاذه في خيط معقود, والمرويات في هذا لا تخلو من مقال كما تقدم. وفي عصر التابعين, وأخريات عصر الصحابة ﵃ لَمَّا بَدَت في التابعين ظاهرة العد للأذكار بالحصى, أو النوى, منثوراً, أو منظوماً في خيط, ابتدرها الهداة من الصحابة والتابعين بالاستنكار, والإِنكار, فهذا ابن مسعود ﵁ يقول لإِخوانه من التابعين: ((لقد أحدثتم بدعة ظلما, أَوْ قَدْ فَضَلْتُم أصحاب محمد ﷺ عِلْماً)) , وابن مسعود ﵁ يقطع خيط آخر, وابن مسعود ﵁ يضرب آخر برجله لما رآه يَعُدُّ التسبيح بالحصى, ويعلن في الناس كراهيته للعد بالحصى, أو

стр. 95

النوى, ويقول: ((أَيُمَنُّ على الله حسناته؟)). وهكذا دفع ﵁ في وجه الغلو, ونَهْى الغلاة؛ ولهذا قال عمرو بن سلمة - رحمه الله تعالى -: ((رأينا عامة أولئك الخلق - أي الذين نهاهم ابن مسعود عن التسبيح بالحصى - يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج)). وهذا سيد التابعين في زمانه: إبراهيم بن يزيد النخعي المتوفى سنة ٩٦ - رحمه الله تعالى - ينهى بناته عن فتْلِ الخيوط للتسابيح؛ لأَنها وسيلة إلى غير المشروع, وهذا نظير النهي عن بيع العنب لمن يتخذه خمراً, ونظائره كثيرة في تحريم الوسائل المفضية إلى محرم كالبدعة. ثم أنه لما تسربت طرق التعبد المبتدعة إلى المسلمين من رهبان النصارى, إلى ضُلاَّلِ الروافض, إلى فآم من أهل السنة, فاشتغلت طرق التصوف في بما المسلمين بما اخترع لها من التزام آلاف الأذكار, والأوراد, واتخاذ شعارات, وسمات ما أنزل الله بها من سلطان كلبس الخرق, والعمائم الملونة, وافتراش الحصر, والحضرة. . . والسُّبْحَة, حتى صارت

стр. 96

شعاراً, وجُلبت لها الأسماء والألقاب واعتقدت فيها أنواع الاعتقادات, بما تبين شرحه, وتفصيله. بناء على جميع ما تقدم: لا يستريب منصف أن اتخاذ السُّبْحَةِ لتعداد الأَذكار: تشبه بالكفار, وبدعة مضافة في التعبد بالأَذكار والأوراد, وعدول عن الوسيلة المشروعة: ((العَدَّ بالأنامل)) التي دَلَّ عليها النبي ﷺ بقوله وفعله, وتوارثه المهتدون بهديه المقتفون لأَثره إلى يومنا هذا, وإلى هديه ﷺ يُرد أمر الخلاف, وبه يتحرر الصحيح عند النزاع. وإضافة إلى ذلك فإن فقهاء المذاهب المتبوعة لا يتنازعون في أن العد بالأنامل أفضل من العد بغيرها من الحصى ونحوه منثوراً أو منظوماً (١) , وأنه إذا انضاف إلى السُّبْحة أمر زائد غير مشروع, مثل جعلها في الأعناق تعبداً, والتغالي فيها من أنها حبل الوصل إلى الله, ودخول أي

стр. 97

معتقد نفعاً وضراً, وإظهار التنسك والزهادة, إلى غير ذلك مما يأباه الشرع المطهر, فإنه يحرم اتخاذها, بوجه أشد, وأضيف هنا أمرين مهمين: أولهما: أقول فيه: إن من وقف على تاريخ اتخاذ السبحة, وأنها من شعائر الكفار من البوذيين, والهندوس, والنصارى, وغيرهم وأنها تسربت إلى المسلمين من معابدهم؛ علم أنها من خصوصيات معابد الكفرة, وأن اتخاذ المسلم لها وسيلة للعبادة, بدعة ضلالة, وهذا ظاهر بحمد الله تعالى. وهذا أهم مَدْرَكٍ لِلْحُكْم على السُّبْحَة بالبدعة, لم أر من تعرض له من المتقدمين سوى الشيخ محمد رشيد رضا - رحمه الله تعالى - فمن بعده من أصحاب دوائر المعارف فمن بعدهم, ولو تبين لهم هذا الوجه لما قرر أحد منهم الجواز, كما هو الجاري في تقريراتهم في الأحكام, التي تحقق مناط المنع فيها: التشبه. وثانيها: قال الغلاة في اتخاذ السُّبْحَة: ((إن العقد

стр. 98

بالأنامل إنما يتيسر في الأذكار القليلة من ((المائة)) فَدُوْن, أما أهل الأوراد الكثيرة, والأذكار المتصلة, فلو عدوا بأصابعهم لدخلهم الغلط, واستولى عليهم الشغل بالأصابع, وهذه حكمة اتخاذ السُبحة)) (١). أقول: ليس في الشرع المطهر أكثر من ((المائة)) في عدد الذكر المقيد بحال, أو زمان, أو مكان, وما سوى المقيد فهو من الذكر المطلق, والله يقول: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ? [الأحزاب / ٤١]. إلى غيرها من الآيات, كما في: [آل عمران / ٤١, والأنفال / ٤٥, والأحزاب / ٣٥]. فتوظيف الإِنسان على نفسه ذكراً مقيداً بعدد لم يأمر الله به ولا رسوله ﷺ هو: زيادة على المشروع, ونفس المؤمن لا تشبع من الخير, وكثرة الدعاء والذكر, وهذا الأمر المطلق من فضل الله على عباده في حدود ما شرعه الله من الأدعية والأذكار المطلقة, بلا عدد معين, كل حسب طاقته ووُسعِه,

стр. 99

وفَرَاغه, وهذا من تيسير الله على عباده, ورحمته بهم. وانظر: لَمَّا ألزم الطرقية أنفسهم بأعداد لا دليل على تحديدها؛ وَلَّدَ لَهُمْ هذا الإِحداث بِدَعاً من اتخاذ السُّبَح, وإلزام أنفسهم بها, واتخاذها شعاراً وتعليقها في الأعناق, واعتقادات متنوعة فيها رغباً, ورهباً, والغلو في اتخاذها, حتى ناءت بحملها الأبدان, فَعُلِّقَتْ بالسقوف, والجدران, وَوُقِّفَت الوقوف على العَادِّين بها, وانْقَسَمَ المتعبدون في اتخاذها: نوعاً وكيفيةً, وزماناً ومكاناً, وعدداً, ثم تطورت إلى آلة حديدية مصنعة, إلى آخر ما هنالك مما يأباه الله ورسوله والمؤمنون. فعلى كل عبد ناصح لنفسه أن يتجرد من الإِحداث في الدين, وأن يقصر نفسه على التأسي بخاتم الأنبياء والمرسلين, وصحابته ﵃ فَدَع السُّبْحَة يا عبد الله, وتَأَسَّ بنبيك محمد ﷺ في عدد الذكر المقيد, ووسيلة العد بالأنامل, وداوم على ذكر الله كثيراً كثيراً دون التقيد بعدد لم يدل عليه الشرع, واحرص على جوامع الذكر,

стр. 100

وجوامع الدعاء. وَلاَ تَغْتَرَّ باتخاذ بعض الأئمة الكبار لها, أمثال الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - فإن الإِلْفَ والعادة لهما شأن كبير؛ إذ العادة مَلاَّكَة, والعوائد والأعراف تبني أصولاً, وتهدم أصولاً, والمعول على الدليل, وسلامة التعليل, وقواعد التشريع, وانظر كيف غلط أئمة كبار في أبواب التوحيد - مع جلالة قدرهم وعلو شأنهم - وما هذا إلا بحكم النشأة والأجواء المحيطة بهم, شيوخاً وتلاميذ وعامة, مع ضعف التجديد لهذا الدين, نسأل الله أن يغفر لنا ولهم, وأن يجمعنا بهم في جنته, آمين. وعلى المسلم الناصح لنفسه, أن لا يستوحش من هذا الحكم؛ لاستيلاء الإِلْفِ والعادة, ومستحدث رسوم التصوف ووظائف الزهادة, وأن يكون ديدنه الاكتفاء بهدي خاتم الرسل والأنبياء ﷺ وأن لا يقدم بين يديه وليجة أخرى. وأختم هذا التحقيق بفصل عقده ابن الحاج - رحمه الله تعالى - في: ((المدخل: ٣/ ٢١٤ - ٢١٥)) فقال:

стр. 101

((فصل: ومن هذا الباب أيضاً ما يفعله بعضهم من تعليق السبحة في عنقه. وقد تقدم قول عمر ﵁ لتميم الداريّ ﵁: أنت تريد أن تقول: أنا تميم الداري فاعرفوني. وما كان مراده إلا أن يذكّر الناس بالأحكام الشرعية المأمور بإظهارها وإشاعتها, وإظهار السبحة والتزين بها لا مدخل لهما في ذلك, بل للشهرة والبدعة لغير ضرورة شرعية. وقريب من هذا ما يفعله بعض من ينتسب إلى العلم فيتخذ السبحة في يده كاتخاذ المرأة السوار في يدها, ويلازمها, وهو في ذلك يتحدَّث مع الناس في مسائل العلم وغيرها, ويرفع يده ويحركها في ذراعه. وبعضهم يمسكها في يده ظاهرة للناس ينقلها واحدة واحدة كأنه يعدّ ما يذكر عليها, وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال وما جرى لفلان وما جرى على فلان, ومعلوم أنه ليس له إلا لسان واحد, فعدّه على السبحة على هذا باطل, إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر

стр. 102

واللسان الآخر يتكلم به فيما يختار, فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من الشهرة والرياء والبدعة. ثم العجب ممن يعدّ عَلَى السبحة حقيقة ويحصر ما يحصله من الحسنات , ولا يعد ما اجترحه من السيئات! وقد قال ﵊: ((حَاسِبُوا أنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا)) (١). فأرشد ﵊ إلى محاسبة المرء لنفسه فيما يتصرف فيه باعتقاده وجوارحه, ويعرض ذلك كله على السنة المطهرة, فما وافق من ذلك حمد الله وأثنى عليه, وبقي خائفاً وجلاً خشية من دسائس وقعت له لم يشعر بها, وما لم يوافق احتسب المصيبة في ذلك, ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والإِقلاع, فلعل بركة التوبة تمحو الحوبة وينجبر بذلك ما وقع له من الخلل, وهذه الطائفة أصل عملها التحفظ من السيئات والهواجس والخواطر, ثم

стр. 103

بعد ذلك يأخذ في كسب الحسنات. وقد قالوا: إن ترك السيئات أوجب من فعل الحسنات؛ لما في الحديث عنه ﵊: ((اتَّقِ المَحَارِمَ تكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ)) (١). وقد حُكِي عن بعضهم أنه بكى أربعين سنة, فسئل عن سبب بكائه, فقال: استضافني أخ لي فقدمت له سمكاً فأكل, ثم أخذت تراباً من حائط جار لي فغسل به يديه, فأنا أبكي على ذلك التراب الذي أخذته منذ أربعين سنة. وحُكِي عن آخر مثله فسئل عن ذلك, فقال: طلع لي طلوع فرقيته فاسترحت منه, فأنا أبكي عليه لعدم رضائي بما فعله الله بي, أو كما قال, وأحوالهم في هذا المعنى قلّ أن تنحصر. فإذا كان هذا حالهم في مثل ما وصفناه عنهم فما بالك بمن يحمل الأثقال؟ وأي أثقال؟ ثم يحصر الحسنات ولا يفكر في ضدها فـ (إنا لله وإنا إليه راجعون) ثم إن بعضهم

стр. 104

يحتج بأنها محركة ومذكرة, فوا سوأتاه إن لم يكن التحريك والتذكير من القلب فيما بين العبد وبين الرب , وقد تقدم ما ورد في الحديث: ((إنَّ عَمَل السِّرِّ يَفْضلُ عَمَلَ الجَهْرِ بِسَبْعِينَ ضِعْفاً)) (١) هذا, وهو عمل, فما بالك بإظهار شيء ليس بعمل, وإن كانت صورته صورة عمل؟ وما زال الناس يخفون أعمالهم مع وجود الإِخلاص العظيم منهم, وهو مع ذلك خائفون وجلون من دخول الدسائس عليهم, فأين الحال من الحال؟ فـ (إنا لله وإنا إليه راجعون). وبالجملة ففعل ذلك فيه من الشهرة ما فيه)) انتهى. هذا في حكم اتخاذ السُّبْحَة لعِدِّ الأَذكار؛ ولذا فإنه تفريعاً على أنها وسيلة محدثة, وبدعة محرمة؛ ولما فيها من التشبه بالكفرة, والاختراع في التعبد؛ فإنه لا يجوز فيما كان سبيلها كذلك تصنيعها, ولا بيعها ولا وقفيتها, ولا إهداؤها وقبولها, ولا تأجير المحل لمن يبيعها؛ لما فيه من الإِعانة

стр. 105

على الإِثم, والعدوان على المشروع, والله يقول: ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? [المائدة/٢]. وأما استعمالها للتسلي واللعب بها, فخليق بالمسلم الابتعاد عن التشبه بالكفار, وعدم تكثير سواد المبتدعة. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في: ((منهاج السنة النبوية: ٤/ ١٥٢ - ١٥٣)) في معرض بيان مطول في النهي عن مشابهة الرافضة: ((فالذي قاله الحنفية وغيرهم, أنه إذا كان عند قوم لا يصلون إِلاَّ عَلَى عَليِّ دون الصحابة, فإِذا صَلَّى عَلى عَلِيِّ ظُنَّ أنه منهم, فيكره لئلا يظن به أنه رافضي, فأما إذا علم أنه صَلَّى عَلَى عَلِيِّ, وعلى سائر الصحابة؛ لم يكره ذلك. وهذا القول يقوله سائر الأئمة, فإنه إذا كان في فعل مستحب مفسدة راجحة لم يصر مستحباً, ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات, إذا صارت شِعاراً لهم, فإنه لم يترك واجباً بذلك, لكن قال: في إظهار ذلك مشابهة لهم, فلا يتميز السني من الرافضي, ومصلحة التمييز عنهم

стр. 106

لأَجل هجرانهم ومخالفتهم, أعظم من مصلحة هذا المستحب. وهذا الذي ذهب إليه يُحتاج إليه في بعض المواضع, إذا كان في الاختلاط والاشتباه مفسدة راجحة على مصلحة فعل ذلك المستحب, لكن هذا أمر عارض لا يقتضي أن يجعل المشروع ليس بمشروع دائماً, بل هذا مثل لباس شعار الكفار, وإن كان مباحاً إذا لم يكن شعاراً لهم, كلبس العمامة الصفراء فإنه جائز إذا لم يكن شعاراً لليهود, فإذا صار شعاراً لهم نُهي عن ذلك)) انتهى هذا ويكون التحريم للسُبحة أشدّ: إن كانت من ذهب, أو فضة, أو مطلية, أو مموهة بهما, أو بأحدهما, وإن كانت من مادة نجسة, كَعَظم ما لا يؤكل لحمه, فهذا وجه آخر للتحريم مع بطلان الصلاة بها, أي: إن كانت من مادة نجسة كعظم ما لا يؤكل لحمه كالبغال (١). هذا. . ومن ضعف الأدب, وقلة الإِحساس: أن تخاطب الشخص وهو يعبث بالسُبحة ويتسلَّى, وأنت مُجْهِدٌ نفسك

стр. 107

بإكرامه والحديث معه. وإذا كان: ((السِّوَاك)) يكره في مثل هذه الحال, وهو في أصله مطهرة للفم, مرضاة للرب سبحانه فيكف بالسُّبْحَة التي هي مَذَمَّةٌ في الإِسلام؟. هذه خلاصة ما ظهر لي تحقيقه بشأن السُّبْحَة, والله تعالى أعلم.