القرآن بخبر الآحاد؟
الجواب: أما تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر، فهو تقسيم مبتدع، وأول من ابتدع هذا هو عبد الرحمن بن كيسان الأصم الذي قال فيه بعضهم: وهو عن الحق أصم. وتبعه على ذلك تلميذه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الشهير بابن علية، ووالده هو المشهور بابن علية وهو -أي والده إسماعيل- من مشايخ الإمام أحمد ومن رجال الشيخين، أما إبراهيم بن إسماعيل فجهميّ جلد، وأما ما جاء عن الشافعي أنه استعمل في "الرسالة" متواترًا فلعله أخذها عن أهل الكلام.
فتقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر يهون من قيمة السنة المطهرة في نفوس كثير من الباحثين، وهو باب للشر قد فتح، فحالق اللحية يحلق لحيته وتريد أن تنصحه فيقول: أحاديث إعفاء اللحية أحاديث آحاد، والمصور يصور فتنصحه، ثم يقول: أحاديث تحريم الصور أحاديث آحاد. فقد فتحوا بابًا من أبواب الشر.
والصحيح أن الحديث إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب قبوله، ونقول يجب قبوله ولا نقول: يجب العمل به، لأن العمل قد يكون واجبًا، وقد يكون محرمًا وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا.
ولكننا نقول: يجب قبوله، إذا ثبت سنده، وسلم من العلة والشذوذ، ولا يضرنا أأفاد علمًا أم أفاد ظنًا، فالناس يختلفون في معرفتهم للرجال، ويختلفون في معرفتهم لأوهام الرجال، فقد يهم
стр. 142
الحفاظ أمثال: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وغير هذين الحافظين، وإنما مثّلت بهما لكونهما غاية في الإتقان.
فعلى هذا إذا ثبت سند الحديث وسلم من العلة والشذوذ وجب قبوله، سواء أفاد علمًا أم أفاد ظنًا.
وأبومحمد بن حزم يقول: إنه يفيد علمًا، واستدل بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ والصنعاني في تعليقه على "المحلى" عند كلام أبي محمد بن حزم المتقدم يقول: إنه يفيد ظنًّا، واستدل بحديث ((لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ بالله ) وليس كل الظن ممقوتًا، لأن ابن حزم ﵀ استدل بقوله تعالى: ﴿إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وإنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئًا (١)﴾.
فقال الصنعاني: إن المراد بالظن ههنا: الذي هو بمعنى الشك، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ بالله ).
ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصّواب))، أي: مبناها على التحري وهي من أشرف العبادات.
ويقول أيضًا في شأن بيان العمل بالظن: ((إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئًا،
стр. 143
فإنّما أقطع له قطعةً من النّار)).
شاهدنا من هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يحكم بغير العلم، ويحكم بالظن، ويجوز أن يكون في حكمه مصيبًا وأن يكون مخطئًا.
السؤال٢٠٦ ما حكم من يغلط في ضبط الحديث مثل ما ذكره الخطابي ﵀ في غلط المحدثين في حديث ذي اليدين فقال: سرعان، وسرْعان، وسرْعان الناس، ونحن كطلبة علم ربما قرأنا الحديث فربما أخطأنا فيه فما حكم ذلك؟
الجواب: الواجب هو التحري أما المعروف والذي رجّحه الخطابي فهو: سرعان.
وهذا لا يدخل في حكم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو الوعيد على الكذب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار)).
وقد جاء عن الأصمعي وهو عبد الملك بن قريب أن الذي يلحن يتناوله أو يخشى عليه قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار)).
ولكن الصحيح أن الذي يلحن أو يصحّف غير متعمد فلا يشمله الوعيد، لكن الواجب عليه أن يتعلّم وأن يصلح لسانه.
السؤال٢٠٧ ما حال حديث: ((يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله))؟
الجواب: الذي يظهر أنه مرسل من مراسيل إبراهيم العذري، وجاء
стр. 144
من طرق أخرى لا ترتقي إلى الحجية، وجاء عن الإمام أحمد أنه يقول: إنه صحيح، وقد خولف الإمام أحمد ﵀، ثم لو صح فهو على الأمر لا على الإخبار، بمعنى: ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. قال بهذا بعض أهل العلم.
وقد استدل ابن عبد البر بهذا الحديث على أن حملة العلم أو المحدثين عدول، وهذا مخالف لما جاء في تراجم المحدثين، فمثلاً سليمان ابن داود الشاذكوني أبوأيوب وكان حافظًا، جاء عنه أنه كان يشرب الخمر، وقال فيه الإمام البخاري: إنه أضعف من كل ضعيف.
وكذلك محمد بن عمر الجعابي نقل عنه أنه كان لا يصلي، فالواقع يخالف ما قاله ابن عبد البر ﵀: أن حملة علم الحديث كلهم ثقات.
وعندنا بحمد الله "ميزان الاعتدال"، والإمام الشافعي ﵀ يقول: من روى عن البياضي بيض الله عيونه.
ويقول أيضًا في حرام بن عثمان: الرواية عن حرام بن عثمان، حرام.
وما أكثر المحدثين الذين يعتبرون من حملة الحديث ومن حفاظه الكبار، ومع ذلك فهم مضعّفون مثل: أحمد بن محمد بن سعيد الشهير بابن عقدة، فهو حافظ كبير أمثاله قليل في الحفظ من معاصريه، ومع هذا فهو ضعيف.
السؤال٢٠٨ ((أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيّك يا أبا ذرّ))، هل هذا حديث وإن كان حديثًا فما حاله؟
стр. 145
الجواب: هو حديث، لكنه ضعيف، فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى ابن يحيى الغساني وقد كذّبه أبوحاتم، وأبوزرعة، كما في "الميزان".
السؤال٢٠٩ ما صحة نسبة كتاب "الروح" للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-؟
الجواب: هو صحيح، والعلماء يثبتونه، وقد حصلت له أخطاء فيه لا ينبغي أن يتابع عليها، وبعضهم يقول: لعله ألّفه قبل أن يثبت عقيدته.
وآخرون يقولون: لعله ألّفه قبل أن يجالس شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكنه ينقل في هذا الكتاب عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذا دليل على أنه كان يجالسه، وعلى كلّ فيتوقف فيما يرى مخالفًا لأصول الشرع والأحاديث الصحيحة.
стр. 146
أسئلة متفرقة في المصطلح
السؤال٢١٠ ما سبب اختلاف العلماء في زيادة الثقة؟ وما الراجح في ذلك؟
الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعد:
فسبب اختلاف العلماء، اختلاف تصرف جهابذتهم الكبار، فليس لهم قانون متّبع في زيادة الثقة، فرب زيادة ثقة يقبلونها، ويردون مماثلةً لها في ذلك السند نفسه، أو ما يماثل ذلك السند نفسه.
والسبب في هذا أن العلماء المتقدمين حفاظ، يحفظون رواية الشيخ، ورواية طلبته، ورواية شيخه، ولا أقصد الرواية الواحدة، بل يحفظون كم روى الشيخ، وكم روى التلميذ، وكم روى تلميذ التلميذ، فإذا زاد واحد منهم زيادة وهم يعلمون أنّها ليست من حديث ذلك الشيخ حكموا عليها بأنّها غير مقبولة، وإذا تفرد واحد منهم بزيادة وهم قد عرفوا أنّها من رواية ذلك الشيخ فإنّهم يقبلونها، أما إذا اختلف حفاظ الحديث في شأن زيادة الثقة أتقبل أم لا؟ فإنا نرجع إلى الترجيح، وهو أن تقارن بين الرواة، ثم تجعل المرجوح
стр. 147
شاذًّا، والراجح محفوظًا، وتأخذ بالمحفوظ، وهكذا إذا وجدت زيادة ثقة ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا ترجع إلى تعريف الإمام الشافعي في الشاذ، أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتقارن بين الصفات وبين العدد، فربّ شخص يعدل خمسة، فلا تقارن بين العدد فقط.
مثل يحيى بن سعيد القطان، أو سفيان بن سعيد الثوري لو خالفه اثنان أو ثلاثة ممكن أن تجعل الحديث مرويًّا على الوجهين، وقد قال الدارقطني في "التتبع" بعد أن ذكر جماعةً خالفوا يحيى بن سعيد القطان يرويه عن عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
وجماعة يروونه عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة.
فيحيى بن سعيد تفرد بزيادة عن أبيه. ثم بعد أن ذكر الدارقطني الجمع الكثير الذين يخالفون يحيى بن سعيد قال: ولعل الحديث روي على الوجهين، فقد هاب الدارقطني أن يقول: إن يحيى بن سعيد شاذ.
إذا تساوت الصفتان يحمل على أن الحديث روي على الوجهين وأنصح أن يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه "علل الحديث للترمذي" و"توضيح الأفكار" للصنعاني وما كتبته في "الإلزامات والتتبع".
السؤال٢١١ ما الفرق بين الشهادة والرواية؟
الجواب: سيأتي بعض ذلك في كلام الخطيب ﵀ ص (١٨٩)،
стр. 148
وقد ذكر الإمام الشافعي ﵀ ص (١٦١) إلى (١٧٢) ومن جملة ما ذكره: أن الرواية قد يتحرى فيها ما لا يتحرى في الشهادة، بألا يقبل إلا من ثقة حافظ عالم بما يحيل المعنى. اهـ المراد منه.
وقد أتى السيوطي ﵀ بخلاصة ما يجتمعان فيه، وما يختلفان، فقال -رحمه الله تعالى- في "التدريب" ص (٢٢٢): فائدة ثم ذكرها. وبعضها عليه دليل، وبعضها لا دليل عليه. ومن أجل هذا لم أنقلها.
فأنصح الأخ السائل بمراجعة كتب المحدثين، فإن فيها ما يحتاج إليه الباحث، وإذا ثبتت سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم استسلم لها واتّهم نفسه. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.
السؤال٢١٢ إذا قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، هل يكون الرجال هم الذين في البخاري ومسلم؟ أم ليسوا في البخاري ومسلم؟
الجواب: هذا هو الذي ينبغي أن يفهم منه، أن قوله: على شرط الشيخين، معناه: أن رجاله رجال الشيخين. وقد يهم الحاكم، ويكون في السند من ليس من رجال الشيخين، أو هو من رجال أحدهما، وقد يهم ويكون في السند من هو كذاب أو وضّاع.
وربما يتساهل الحاكم ويقول في حديث من طريق محمد بن إسحاق: صحيح على شرط مسلم، ومن طريق سماك عن عكرمة صحيح على شرط مسلم، مع أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة ويأتي بأناس روى لهم
стр. 149
البخاري في المتابعات ويقول: صحيح على شرط البخاري، أو روى لهم مسلم في الشواهد والمتابعات، ويقول: صحيح على شرط مسلم، على أن البخاري ومسلم ربما ينتقيان لبعض المشايخ، فمثل هشيم عن الزهري لا يقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، مع أن البخاري ومسلمًا قد رويا لهشيم، ورويا للزهري، لكن لم يرويا بهذه السلسلة، ولعلهما رويا قدر أربعة أحاديث، يقولون: الذي حفظه هشيم عن الزهري قدر أربعة أحاديث.
من أجل هذا فنحن ننصح الإخوة في شأن "مستدرك الحاكم" أن ينظروا السند، وأن يبحثوا عنه رجلاً رجلاً، وما أحوجه إلى من يحققه ويخرّج أحاديثه، فإنه لا يزال محتاجًا إلى خدمة.
أما أنا فالذي أعمله هو تتبع مثل هذا الذي تقدم، فربما يقول: صحيح على شرط الشيخين، ويكون قد أخرجه أحدهما، أو يقول: صحيح على شرط البخاري، وفي السند من ليس من رجال البخاري، أو صحيح على شرط مسلم، وفي السند من ليس من رجال مسلم، أو صحيح الإسناد، ويكون من طريق درّاج عن أبي الهيثم، ودرّاج منهم من يضعّف حديثه مطلقًا، ومنهم من يضعّفه في أبي الهيثم، وربما يكون في السند من هو كذّاب فأنا أتتبّع هذا، والله المستعان.
ولكن ينبغي أن يعلم أنني الآن قد كتبت نحو ألفين وما أراها شيئًا بالنسبة إلى ما بقي فيه. فهو محتاج إلى جهود وعناية، يسر الله ذلك إنه
стр. 150
على كل شيء قدير. (١)
وسأذكر إن شاء الله في مقدمة "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" جملة من أوهام الحاكم ﵀ الفاحشة، وإنكار الذهبي عليه، يسر الله ذلك إنه على كل شيء قدير.
هذا، ومما ينبغي أن يعلم أن سكوت الحافظ الذهبي على بعض الأحاديث التى يصحّحها الحاكم وهي ضعيفة لا يعد تقريرًا للحاكم، بل الذي ينبغي أن يقول الكاتب: صححه الحاكم، وسكت عليه الذهبي. لأمور، منها: أن الذهبي ﵀ لم يذكر في مقدمة تلخيصه (ما سكتّ عليه فأنا مقرّ للحاكم).
ومنها: أنه ذكر في "سير أعلام النبلاء" في ترجمة الحاكم أن كتابه التلخيص محتاج إلى نظر.
ومنها: أن الحاكم قد يقول: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، أو صحيح على شرط أحدهما، أو صحيح ولم يخرجاه، ويكون في سنده من قال الذهبي في "الميزان": إنه كذّاب أو ضعيف وربما يذكر الحديث في ترجمته من "الميزان".
فعلى هذا فلا تقل: (صحّحه الحاكم وأقره الذهبي)، بل تقول: (صححه الحاكم وسكت عنه الذهبي)، على أني وقعت في كثير من هذا
стр. 151
قبل أن أتنبّه لهذا، والحمد لله، ونسأله المزيد من فضله، إنه على كل شيء قدير.
السؤال٢١٣ هل يعمل بالحديث الضعيف؟
الجواب: الحديث الضعيف لسنا متعبّدين به على الصحيح من أقوال أهل العلم، لأن الله يقول في كتابه الكريم: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم (١)﴾ فنحن نأخذ ديننا بتثبّت. والعلماء الذين فصلوا بين الحديث الضعيف في فضائل الأعمال وبينه في الأحكام والعقائد، يقول الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- في كتابه ... "الفوائد المجموعة": إنه شرع، ومن ادعى التفصيل فعليه البرهان. والأمر كما يقول الشوكاني -رحمه الله تعالى- والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((من حدّث عنّي بحديث يرى أنّه كذب، فهو أحد الكاذبين)).
فالحديث الضعيف لا يحتاج إليه، وفي كتاب الله وفي الصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يغني عن الضعيف. ثم إن هؤلاء الذين يقولون: يعمل به -خصوصًا من العصريين- تجده لا يعرف الحديث الضعيف، ولا يدرى لماذا ضعّف؟ أضعّف لأن في سنده سيء الحفظ؟ أم لأن في سنده كذابًا؟ أم لأن في سنده صدوقاً يخطئ كثيرًا ... إلخ؟ فتجده يأخذ الأحاديث الضعيفة ويقول: يعمل به في فضائل الأعمال، والذين أجازوا العمل بالضعيف اشترطوا شروطاً:
стр. 152
o لا بد أن يكون مندرجًا تحت أصل، كأن يأتي حديث في فضل ركعتي الضحى ويكون ضعيفًا، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضلها وقد ورد القرآن بالترغيب في الصلاة من حيث هي. وأيضًا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أسألك مرافقتك في الجنّة، قال: ((أو غير ذلك))؟ قلت: هو ذاك، قال: ((فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود)).
o ألا يشتد ضعفه، أي: لا يكون في سنده من قيل فيه: ضعيف جدًا، أو قيل فيه: إنه كذاب، أو قيل فيه: إنه متروك، وهذا الشرط لا يعرفه إلا المحدثون.
o أن يعمل به في خاصة نفسه.
السؤال٢١٤ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فقد وصل إليّ سؤال يتضمن طلب الإفادة في قبول المحدثين رواية المرأة، والله يقول في كتابه الكريم: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممّن ترضون من الشّهداء أن تضلّ إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى (١)﴾
الجواب: والله الموفق للخير والصواب: إن هذه المسألة بحمد الله قد
стр. 153
بيّن أهل المصطلح ﵏ شأنها، فقال الخطيب ﵀ في "الكفاية" ص (٥٨): باب ذكر ما يستوي فيه المحدث والشاهد، ثم ساق بسنده إلى أبي الطيب ﵀ أنه لا خلاف في قبول خبر من توفرت فيه صفات الشاهد في الحقوق: من الإسلام، والبلوغ، والعقل، والضبط، والصدق، والأمانة، والعدالة، إلى ما شاكل ذلك.
ولا خلاف أيضًا في وجوب اتفاق المخبر والشاهد في العقل، والتيقظ, والذكر.
فأما ما يفترقان فيه: فوجوب كون الشاهد حراً، وغير والد، ولا مولود، ولا قريب قرابة تؤدي إلى ظنّة، وغير صديق ملاطف، وكونه رجلاً إذا كان في بعض الشهادات، وأن يكونا اثنين في بعض الشهادات، وأربعة في بعضها، وكل ذلك غير معتبر في المخبر لأننا نقبل خبر العبد، والمرأة، والصديق، وغيره ثم ذكر حديث: ((لا تكتبوا العلم إلاّ عمّن تجوز شهادته)) ثم ذكر أنه لا يثبت، لأنه من طريق صالح بن حسان، وقد ترك نقاد الحديث الاحتجاج به.
قال أبوعبد الرحمن: ويمكن أن يستدل بما جاء عن عمر, أنه قال في حديث فاطمة بنت قيس الذي فيه: أنّ زوجها طلّقها طلاقًا بائنًا وأنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لها: ((ليس لك نفقة ولا سكنى)) فقال عمر: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة لعلّها نسيت. ويجاب عنه بأنّها لم تنس، بل عمر ﵁ لم تبلغه هذه السنة.
стр. 154
ثم قال الخطيب ﵀ ص (١٦٢): باب ما جاء في كون المعدّل امرأةً أو عبدًا أو صبيًّا. وذكر سؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بريرة عن عائشة: ((هل علمْت على عائشة شيئًا يريبك، أو رأيت شيئًا تكرهينه))؟ قالت: أحمي سمعي وبصري .. عائشة أطيب من طيب الذّهب.
قال أبوعبد الرحمن: هكذا هذه الرواية. وفي "الصحيح": ما رأيت عليها أمرًا قطّ أغمصه، غير أنّها جارية حديثة السّنّ تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن فتأكله. اهـ المراد من "الكفاية".
وهناك أدلة تدل على قبول رواية المرأة التي توفرت فيها شروط القبول من إسلام، وبلوغ، وعدالة، وضبط، كما تقدم في شروط الرجال، منها:
A قوله تعالى: ﴿ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبيّنوا (١)﴾ مفهوم الآية: أنه إذا جاءنا العدل نأخذ به. والعدل يشمل الذكر والأنثى، إذ الأصل عموم التشريع.
يدل على ذلك تصديق موسى، إذ قالت له ابنة الرجل الصالح: ﴿إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا (٢)﴾.
وتصديق الرجل الصالح، لابنته حيث قالت: ﴿ياأبت استأجره
стр. 155
إنّ خير من استأجرت القويّ الأمين (١)﴾.
B قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعائشة: ((مري أبا بكر فليصلّ للنّاس))، ولو كان خبرها غير كاف لأرسل معها من يعززها.
C إقراره صلى الله عليه وعلى آله وسلم عائشة، إذ تعلم المرأة كيف تزيل أثر الحيض. والحديثان في "الصحيح".
D ما رواه أبوداود (ج٤ ص٢١٥) والإمام أحمد (ج٦ ص٣٧) عن الشفاء ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنا عند حفصة فقال لي: ((ألا تعلّمين هذه رقية النّملة (٢)، كما علّمتيها الكتابة))؟ سنده حسن.
وأخرجه أحمد (ج٦ ص٢٨٦) من حديث حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂. وسنده صحيح.
E في "صحيح مسلم" (ج٢ ص٧٧٩)، أن عمر بن أبي سلمة سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن القبلة للصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((سل هذه)) لأم سلمة فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل ذلك. الحديث.
F قال البخاري -رحمه الله تعالى- (ج١٣ ص٢٤٣): باب خبر المرأة. حدّثنا محمّد بن الوليد، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن توبة
стр. 156
العنبريّ قال: قال لي الشّعبيّ: أرأيت حديث الحسن عن النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقاعدت ابن عمر قريبًا من سنتين، أو سنة ونصف، فلم أسمعه يحدّث عن صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير هذا، قال: كان ناس من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم سعد، فذهبوا يأكلون من لحم فنادتْهم امرأة من بعض أزواج النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنّه لحم ضبّ، فأمسكوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((كلوا، أو اطعموا، فإنّه حلال -أو قال:- لا بأس به -شكّ فيه- ولكنّه ليس من طعامي)).
G حديث عقبة بن الحارث: أنّه تزوّج ابنةً لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إنّي قد أرضعت عقبة والّتي تزوّج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنّك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((كيف وقد قيل))، ففارقها عقبة.
سواء أكان هذا من قبيل الشهادة، أم من قبيل الإخبار، إذ قد قبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبرها، وأمره بفراق امرأته.
ففي هذه الأدلة دليل على قبول خبر المرأة، ويجب أن تكون من وراء حجاب لحديث: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشّيطان)) رواه الترمذي من حديث ابن مسعود.
ولا يجوز لها أن ترقّق صوتها لقوله تعالى: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرض (١)﴾.
стр. 157
وليس هذا من تقديم قول أئمة الجرح والتعديل ﵏ على كتاب الله، فإنّهم لا يذكرون اصطلاحاتهم في الغالب إلا بأدلة، كما في كتاب العلم من "صحيح البخاري"، ومقدمة "الضعفاء والمجروحين" لابن حبان، وأوائل كتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم، "وإحكام الأحكام" لأبي محمد بن حزم ﵏.
السؤال٢١٥ ماذا تعرفون عن هذا الحديث: ((لعن الله امرأةً رفعت صوتها ولو بذكر الله))؟
الجواب: الحديث لا يثبت، ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ﴿وقلن قولاً معروفًا﴾ ويقول في كتابه الكريم: ﴿فلا تخضعن بالقول فيطمع الّذي في قلبه مرض﴾ فلو قالت المرأة بصوت خشن: سبحان الله، الله أكبر، وذكرت الله فلا شيء في هذا إن شاء الله.
السؤال٢١٦ عندي كتاب "بلوغ المرام" ومعتمد عليه، فهل هو قويّ أم ضعيف؟
الجواب: نعم الكتاب، "بلوغ المرام" من أحسن الكتب للحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - فقد حكم على غالب أسانيده بالصحة، أو الضعف أو الحسن أو النكارة، فهو كتاب قيّم، وليس معنى هذا أنه لا يوجد فيه حديث ضعيف، لكن إذا عملت به فأنت إن شاء الله على خير. وقد اهتم العلماء بالكتاب فقام بشرحه غير واحد ومن أحسنها "سبل السلام".
стр. 158
السؤال٢١٧ أخبرونا عن صحة هذه الأحاديث: (١) ((إذا رأيتم الرّجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان)). (٢) ((من كنت مولاه فعليّ مولاه))
الجواب: أما ((إذا رأيتم الرّجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان)) فرواه الترمذي والحاكم. روياه من طريق درّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودرّاج ضعيف، هذا الحديث صححه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي فقال: فيه دراج وهو ذو مناكير، هذا في (كتاب الصلاة)، ثم ذكره الحاكم في (التفسير) في سورة التوبة، وقال: صحيح الإسناد، وسكت الذهبي على هذا، فلا أدري هل اعتمد على ما تقدم أم سها، فدراج لا يعتمد عليه خصوصًا في روايته عن أبي الهيثم.
الحديث الثاني: ((من كنت مولاه فعليّ مولاه)) حديث صحيح، رواه الترمذي وغيره وقد ساق الشيخ ناصر الدين الألباني -حفطه الله تعالى- طرقه المتكاثرة فى "السلسلة الصحيحة" ولكن فهمته الشيعة فهمًا باطلاً، فهموا أنّ عليًا أحق بالخلافة، ونشأ عن هذا تخطئة أبي بكر وعمر وتخطئة الصحابة كلهم.
والإمام الشافعي والإمام الطحاوي وغيرهما يقولون فى هذا الحديث: إنه ولاء الإسلام، بمعنى قول الله : ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم
стр. 159
أولياء بعض (١)﴾ هكذا يقول الإمام الشافعي، والإمام الطحاوي وغيرهما، أما صاحب "نصب الراية" وهكذا فيما يظهر شيخ الإسلام ابن تيمية فإنّهما حكما على الحديث بالضعف ولا مجال لتضعيفه فهو مرويّ من طرق كثيرة متكاثرة لا يستطاع أن يحكم عليه بالضعف. والله المستعان.
السؤال٢١٨ نرجو أن ترشدونا إلى كتاب فيه أحاديث صحيحة وإلى كتاب فيه معرفة الأحاديث الضعيفة؟
الجواب: سؤال حسن. كنت أحب أن أعرف المستوى العلمي للسائل، ولكن إذا كان مبتدئًا فأنصحه "برياض الصالحين"، وإن كان قد ارتفع قليلاً كذلك مع "رياض الصالحين": "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" فإن كان قد ارتفع قليلاً فننصحه باقتناء "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" و"تفسير ابن كثير"، ومن الكتب القيمة التى لا يستغني عنها مسلم، كتاب: "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" كتاب "التوحيد" للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- و"فتح المجيد" لأحد أحفاده.
أنت تأخذ الحق ممن جاءك، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقر الشيطان على كلمة الحق، لما قال الشيطان لأبي هريرة: ((إنّك إذا قرأت آية الكرسيّ عند نومك لا يقربك شيطان)) قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لقد صدقك وهو كذوب)) وفى "سنن النسائي" بسند صحيح عن قتيلة امرأة من جهينة أنّ
стр. 160
يهوديًّا أتى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إنّكم تندّدون، وإنّكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثمّ شئت.
فالمسلم يقبل الحق ممن جاء به. والشيخ محمد بن عبد الوهاب هو عالم من علماء المسلمين يصيب ويخطئ.
الدين ليس فيه محاباة، الآن تحكمت الأهواء في الدين وأصبح اليمني لا يثق إلا باليمني. والنجدي لا يثق إلا بالنجدي، والمصري لا يثق إلا بالمصري. بخلاف ما عليه علماؤنا المتقدمون، فقد رحل العلماء إلى عبد الرزاق الصنعاني من بغداد، ومن نيسابور، ومن مصر، ومن مكة، ومن جميع البلاد الإسلامية، حتى قيل: إنه لم يرحل إلى عالم أكثر مما رحل إلى عبد الرزاق الصنعاني.
وهكذا تجدون اليماني يثني على العالم البغدادي، والمصري يثني على العالم المصري، والنيسابوري يثني على العالم الشامي، والكوفي يثني على البصري، والبصري يثني على الحجازي وعلى اليماني. الآن أصبح الهوى يتحكم والدعايات الملعونة من شيوعيين، وبعثيين، ومرتزقة، يرتزقون من الحروز والعزائم، نعم، كنا قبل خدمًا لهم فساءهم هذا، حتى نساؤنا كن يطلعن بالحطب إلى باب المركز في عهد أولئك الذين تعرفون، وذاك بالرشوة، وذاك بالدجل والشعوذة، فلما جاء الدعاة إلى الله يبينون الحق قامت قيامتهم، وصاروا تارةً يقولون: ذاك وهابيّ، وذاك عميل للسعودية، وذاك عميل، ربما قالوا لأمريكا، شنقوا السيد قطب
стр. 161
-رحمه الله تعالى- وقالوا: إنه عميل لأمريكا!!
كان هناك شابّ يعلم الله بحاله، أستطيع أن أقسم لكم إنه كان لا يملك ألف ريال ذهب للدعوة إلى الله وسكن في ماوية (١) في هذا الزمن فوصل إليهم ودعاهم إلى الحق، فقامت قيامة بعض المتأكلة سواء أكانوا من مشايخ القبائل أم من غيرهم، قالوا: هذا شيوعي، وبقي ما شاء الله واتضح وعرف من هو عميل الشيوعية ومن هو الداعي إلى الله، وفى نهاية أمره قتله الشيوعيون لا جزاهم الله خيرًا.
أقصد إخواني في الله أنّهم يريدون أن يحرموكم الخير، ويريدون أن يجعلوا بينكم وبين علمائكم فاصلاً، أستطيع أن أقول: إن أعداء الإسلام يخافون من العلماء أعظم مما يخافون من طائراتنا ومن صواريخنا، لأن عندهم أكبر منها وأكثر، لكنهم يخافون من العلماء، وما أكثر ما يدخلون البلدة ويبدؤون بقتل العلماء، كما حصل هذا في جنوب اليمن قبل الوحدة.
ونحن نقولها لكم، مشفقين عليكم ونحب لكم الخير، ونريد لكم العزة والكرامة ولوطنكم الأمن، وإلا فالحمد لله أرض الله واسعة، لا تظنوا أنني مستريح باليمن، أنا أؤلف الكتاب ثم بعد ذلك يعرض للضياع، يبقى ثلاث أو أربع سنوات ولم يطبع، وربما بعد الطبع يخرج بطبعة رديئة، وعند أن نزلت في مصر، والله لو أستطيع أن أؤلف فى اليوم
стр. 162
كتابًا أو أحقق في اليوم كتابًا لنشر، فلا تظنوا أننا ههنا في وطننا وفي بلدنا مستريحون، نحن نعتبر أنفسنا غرباء، ولكننا نرى هذه الوجوه المباركة الكريمة، وإقبالها على الخير فهذا هو الذي يصبرنا بين أظهركم وإلا فأرض الله واسعة والله المستعان.
السؤال٢١٩ ماحال ابن لهيعة؟
الجواب: عبد الله بن لهيعة، من أهل العلم من يرده، ومنهم من يقبله كـ (أحمد شاكر ومنهم من يفصل يقول: إذا روى عنه العبادلة:
• عبد الله بن يزيد المقرئ.
• وعبد الله بن وهب.
• عبد الله بن المبارك.
• وأضاف بعضهم عبد الله بن مسلمة وليس بصحيح لأنه صغير، والصحيح أنه يضعف ابن لهيعة مطلقًا.
وقد رأيت بحثًا قيّمًا في كتاب "الأذان" لأخينا في الله أسامة القوصي، يقول فيه: الصحيح أن ابن لهيعة مضعف سواء روى عنه العبادلة أم غيرهم، وأنه إذا روى عنه العبادلة أحسن حالاً مما إذا روى عنه غير العبادلة، وإلا فالصحيح أنه مضعف، وأنصح بقراءة ما كتبه أخونا أسامة في كتاب "الأذان".
ويا سبحان الله كيف يتلقى الناس العبارات ولا يبحثون، أنا من فضل الله ما أعلم حديثًا واحدًا قد قبلته لابن لهيعة، ولو روى عنه
стр. 163
العبادلة، أقصد من هذا أنني من أول الأمر والحمد لله لا أقبل حديثه. وهو يصلح في الشواهد والمتابعات والله المستعان.
السؤال٢٢٠ الحديث الذي يأتي من طريقين بصحابي واحد أقوى؟ أم الحديث الذي يأتي من طريقين وصحابيين، مع ذكر اسم كل منهما؟
الجواب: الذي يظهر، أن الذي يأتي عن صحابيين أقوى من الذي يأتي عن صحابي.
стр. 164
كيف تتعلم البحث
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فيقول الله : أفمن يعلم أنّما أنزل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو الألباب (١).
وروى البخاري ومسلم في "صحيحيهما": عن معاوية ﵁، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين)). ورويا في "صحيحيهما": عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبق عالمًا اتّخذ النّاس رءوسًا جهّالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا)).
وفي حديث أنس المتفق عليه، وحديث أبي هريرة المتفق عليه أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر من أمارات الساعة: ((رفْع العلم، وظهور الجهل))، أو
стр. 165
بهذا المعنى.
ونحن في هذا الزمن قد وقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ظهور الجهل وتفشّيه، حتى إنه أصبح كثير من المسلمين لا يميّز بين العالم والمنجّم، بل لا يميز بين المسلم والشيوعي، وكل هذا بسبب بعد المسلمين عن تعلّم كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
إذا عرفت هذا، -ومعرفته بإذن الله تعالى نافعة للباحث- أعني أن الباحث إذا نظر إلى أحوال المسلمين وإلى حاجتهم، ونظر إلى تفشي الجهل، أنه يحتسب الأجر والثواب ويصبر، فإن طلب العلم يحتاج إلى صبر، ورضي الله عن عبد الله بن عمر إذ يقول: قل لطالب العلم يتخذ نعلين من حديد (١). وكذا يحيى بن أبي كثير -رحمه الله تعالى- يقول لولده عبد الله: لا يستطاع العلم براحة الجسم. ذكره الإمام مسلم في (كتاب الصلاة).
أما إذا لم يصحب الشخص الصبر والاحتساب فإنه يوشك أن يملّ، ويسأم، بل ربما إذا حصل على فائدة وأخرجها للمسلمين، ولم ير المسلمين يتقبلونها، ربما يحمله ذلك على أن يترك، كما حصل لغير واحد من المتقدمين، وربّ شخص يحرق كتابه، وآخر يدفن كتبه، إما لخلل في كتبه، وإما لعدم إقبال الناس عليها، كما قال بعضهم:
غزلت لهم غزلاً نسيجًا فلم أر ... لغزلي نسّاجًا فكسّرت مغزلي
فالشخص الذي لا يصبر ولا يحتسب ربما تأخذه السآمة، ويأخذه
стр. 166
الفتور، سيما ونحن في مجتمع وعصر لا يشجع على العلم.
فربّ ولد محبّ للعلم يحول بينه وبين العلم والده الجاهل، وربّ شخص محبّ للعلم يحول بينه وبين العلم أهله الجاهلون، فمجتمعنا لا يشجّع على العلم، لكن ينبغي أن نصبر، وأن نحتسب، ولا نبالي، فرب العزة يقول في كتابه الكريم: ياأيّها الّذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلّكم تفلحون (١).
ويقول : وجعلنا منهم أئمّةً يهدون بأمرنا لمّا صبروا (٢).
فطالب العلم لابد أن يصبر، حتى وإن تراكمت عليه الأمور والمشاكل، ووجد ضيقًا في صدره، وربما يكلّف نفسه من الحفظ ومن الاهتمام بطلب العلم، حتى يجد قسوةً في قلبه، فلا ينبغي أن يثنيه عن هذا، فالشيطان لا يريد لك الخير، يريد أن يصرفك عن طلب العلم لأن طلب العلم في هذا الزمن أعظم حصن بإذن الله تعالى، يقيك من الفتن، فهو يعتبر حصنًا حصينًا، كما أن الذكر يعتبر حصنًا حصينًا، فكذلك العلم في هذا الزمن.
والذي ننصح به طالب العلم والمحب لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأخذ من اللغة العربية ما يستقيم به لسانه، وما يعرف به ارتباط
стр. 167
المعاني، فإن القرآن الكريم كما وصفه الله بقوله: ... قرءانًا عربيًّا غير ذي عوج (١) وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عربية.
كما ننصحه أن يتعلم الخط والإملاء، فإنه ينبغي أن يؤهل نفسه للتحقيق والتأليف، والرد على المنحرفين، سواء كان في صحافة، أو في إذاعة، أو كان في كتب عصرية. ينبغي أن تكون همته عاليةً كما قال الشاعر:
فكن رجلاً رجله في الثرى ... وهامة همّته في الثريا
ومن رزقه الله فهمًا وحفظًا، ثم قصّر في نفسه، وفي طلب العلم، فقد حرم خيرًا كثيرًا، كما ذكره الحافظ الخطيب رحمه الله تعالى في كتابه "الفقية والمتفقه".
إذا أخذ من اللغة العربية ما يستقيم به لسانه، ويمكن أن يكتفي "بقطر الندى" وأخذ من الخط ما يفهم لأن الخط عبارة عن نقوش اصطلح عليها الناس للتفاهم، فإذا كان خطه يقرأ، وقد عرف الإملاء، ولو أن يفهم "المفرد العلم" من أجل أن يعرف أصحاب المطابع الخط، ويعرف الناس الآخرون إذا أراد أن يكتب. والمنحرفون يعيرون أصحاب المساجد، يقولون: لا يستطيع أحدهم أن يكتب اسمه، أو لا يستطيع أن يكتب إلى أبيه أو إلى قريبه, ينبغي أن نقطع ألسنتهم، والكتابة مما امتن الله بها، قال الله : ن * والقلم وما
стр. 168
يسطرون (١) وقال : اقرأ باسم ربّك الّذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربّك الأكرم * الّذي علّم بالقلم * علّم الإنسان ما لم يعلم (٢).
وينبغي أن يحرص كل الحرص على تكوين مكتبة، فإن وجد علماء يثق بهم من علماء السنة، فننصحه أن يجلس إليهم، فرب جلسة عند عالم، خير من قراءة شهر، ويحرص على مجالستهم، فإذا لم يكونوا في بلده ينبغي أن يرحل إليهم، والرحلة مشروعة، ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرغّب في الرحلة في طلب العلم، والصحابة رضوان الله عليهم كان أحدهم يرحل في المسألة الواحدة، فالإمام البخاري رحمه الله تعالى قال: باب الرحلة في العلم، في كتاب العلم من "صحيحه" ثم ذكر حديث الرجل الذي أتى يسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن امرأة سوداء زعمت أنّها أرضعته وأرضعت امرأته.
وفي "الأدب المفرد" للبخاري: أن جابر بن عبد الله رحل من أجل حديث واحد إلى عبد الله بن أنيس إلى الشام، فلما حدثه به رجع.
وقد ألف الخطيب -رحمه الله تعالى- كتابًا في الرحلة، فإن تيسر له أن يرحل إلى أهل العلم، ويجالس أهل العلم، فمجلس واحد ربما يكون خيرًا من قراءة شهر، ويا سبحان الله لا تزال عبارة علمائنا الذين سمعنا منهم واستفدنا منهم، في أذهاننا إلى الآن فجزاهم الله خيرًا، فلا أزال أذكر
стр. 169
من شيخنا محمد بن عبد الله الصومالي -حفظه الله تعالى-: إذا رأيت شعبة عن عمرو فهو ابن مرة، وإذا رأيت سفيان عن عمرو فهو ابن دينار، وإذا رأيت عبد الله بن وهب عن عمرو فهو ابن الحارث، وهكذا إذا جاء سفيان في السند في "صحيح مسلم" في الثالث أي: بينه وبين مسلم اثنان، قال: في الغالب بأنه سفيان الثوري، وإذا جاء في "صحيح مسلم" بينه وبين مسلم واحد، قال: فالغالب أنه سفيان بن عيينة. لا أزال أذكر مثل هذه الفوائد التي استفدناها منه حفظه الله تعالى، تلقين الشيخ له أثر لا سيما الشيخ الذى يعمل لله ويعلّم لله، أما الشيخ المستأجر الذى يدرس بأجرة فالفائدة قليلة، فقد كنا في الجامعة الإسلامية، وبعض المشايخ يشرح الدرس حتى كأننا نشاهد الألفاظ بأعيننا، ونخرج بسبب عدم الثقة في الشيخ فلا نستفيد الفائدة التي ينبغي أن تستفاد.
فإن لم يتيسر له الحضور عند المشايخ ومجالستهم، فننصحه بتكوين مكتبة، والحمد لله الوجادة من طرق التحمل التي أجازها علماؤنا المتقدمون على الصحيح، يكون مكتبة من كتب السنة، ومن كتب الرجال، ومن كتب العقيدة، ومن كتب الفقه، ومن كتب التفسير، ينبغي أن يحرص كل الحرص على أن لا يترك كتابًا من كتب المراجع الإسلامية إلا ويكون موجودًا في مكتبته بحسب القدرة والطاقة، والفائدة الواحدة من الكتاب تساوي الدنيا عند الذي يعرف قدر العلم، وعند من أصبح العلم أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين، كما
стр. 170
قاله شعبة في حديث تعب في الرحلة من أجل أن يتحصل عليه، وانتهى به الأمر إلى أن الحديث من طريق شهر بن حوشب، فقال: أفسده عليّ شهر، ولو صح هذا لكان أحب إليّ من أهلي ومالي وولدي والناس أجمعين. أو بهذا المعنى. ذكر هذا الإمام الخطيب في كتابه "الرحلة" وكتابه "الكفاية" وذكر بعضه ابن أبي حاتم في مقدمة "الجرح والتعديل (١) " في ترجمة شعبة. فالفائدة الواحدة عند المحب للعلم والذي يعرف قدر العلم خير من الدنيا وما فيها، بل عبّر بعض أهل العلم بأن تحصيل الفوائد لا يعادلها شيء في نفسه فيقول شعرًا:
سهري لتنقيح العلوم ألذّ لي ... من وصل غانية وطيب عناقي
وتمايلي طربًا لحلّ عويصة ... أشهى وأحلى من مدامة ساقي
وصرير أقلامي على أوراقها ... أحلى من الدوكاة والعشاق
وألذّ من نقر الفتاة لدفّها ... نقري لألقي الرّمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدّجا وتبيته ... نومًا وتبغي بعد ذاك لحاقي
ثم بعد هذا جمْع ما تيسر من كتب اللغة، الكتب التى تشرح المفردات سواء كانت متعلقة بالحديث "كالنهاية" لابن الأثير و "الفائق" للزمخشري، أم كانت من قواميس اللغة "كالقاموس" و"تاج العروس" و"لسان العرب" وغير ذلك من الكتب التي لا بد أن يقتنيها فهو يحتاج
стр. 171
إلى البحث فيها.
بقي كيف يستفيد من هذه الكتب؟ وهذا هو الذي يهمنا كيف يستفيد من هذه الكتب؟ يستفيد أحسن استفادة بالممارسة، وبالقراءة من كتب أصحاب التخاريج مثل "التلخيص الحبير" ومثل: "نصب الراية" ومثل "تفسير ابن كثير" يعتبر أيضًا من أعظم كتب التخاريج يبين طرق الحديث وإن كان تفسيرًا، وطالب العلم المحب للعلم والذي لديه غيرة يستطيع أن يكتب، ويستفيد من مكتبته الصغيرة فقد كنت في مكة، وكان عندي مكتبة في دولاب صغير من الخشب، والحمد لله كتبت "الطليعة في الرد على غلاة الشيعة" والله المستعان. فإن تيسر توفير الكتب فبها ونعمت، وإن لم يتيسر فينبغي أن تستفيد من مكتبتك الصغيرة، وأن تصبر، إلا أنه فرق بين توفر الكتب وبين عدم توفرها، فتوفر الكتب يوفر عليك وقتك فرب مسألة قد ألّف العلماء فيها المؤلفات من أمثال هذا: بسم الله الرحمن الرحيم أيجهر بها في الصلاة أم لا يجهر بها؟ الحافظ ابن عبد البر له كتاب "الإنصاف في مسألة الخلاف" في هذا الموضوع، كذلك الدارقطني له كتاب في هذا الموضوع. يؤيد الجهر في بسم الله الرحمن الرحيم، والخطيب أيضًا له كتاب في هذا الموضوع بعض علمائنا المتقدمين مما لا أذكره، لأنه حصل صراع في هذه المسألة بين الشافعية وبين الحنابلة، الحنابلة يرون
стр. 172
الإسرار، والشافعية يرون الجهر، فحصل صراع في هذه المسألة فكثرت التآليف فيها، والإسرار أصح لما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما": عن أنس ﵁ قال: صلّيت خلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ﵃ فكانوا يستفتحون القراءة بـ الحمد لله ربّ العالمين. وفي رواية: في "صحيح مسلم": لا يجهرون بـ بسم الله الرحمن الرحيم.
والجهر وارد لما رواه الحاكم في "مستدركه": عن أبي هريرة أنه صلى بأصحابه وقال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وليس كما يقول بعض الناس: إن نعيمًا المجمر تفرد به، بل تابعه عبد الرحمن بن يعقوب، وتابعه رجل آخر، فالحديث صحيح في الجهر، وحديث الإسرار أصح.
إنما أتينا بمثال من هذه المسائل ليعلم أن بعض المسائل قد ألّف علماؤنا فيها، وإذا كان قد ألف في المسألة وفّر عليك الوقت، وكذلك أيضًا الأحاديث الواردة في فضل رجب، ربما تتعب وأنت تتتبعها من الكتب، قد ألف الحافظ ابن حجر كتابًا -رحمه الله تعالى- في هذا وسماه "تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب" وهكذا أيضًا القراءة خلف الإمام، ألف الإمام البخاري جزءًا، وألف الإمام البيهقي جزءًا.
والمسائل التى خصّت بالتأليف كثيرة، فهذا يوفر عليك وقتك. إذا علمت هذا فكيفية الاستفادة من الكتب، ذكرنا لك فائدة وهي أن ترجع إلى التخاريج، وتنظر كيف يستفيدون.
стр. 173
شيء آخر، ترجع إلى معاني الحديث، فإن كان الحديث يتعلق بالطلاق رجعت إلى كتب الطلاق من "صحيح البخاري" ومن ... "صحيح مسلم" ومن "سنن أبي داود"، ومن "جامع الترمذي"، ومن "سنن النسائي"، ومن "سنن ابن ماجه"، إلى غير ذلك، وهكذا "سنن البيهقي" وإن كنت تعرف صحابيه يمكن أن ترجع إلى "تحفة الأشراف" لتعرف من أخرجه، أو ترجع إذا لم تجده في "تحفة الأشراف" إلى المسانيد كـ"مسند الإمام أحمد" و"مسند البزار" و"مسند الحميدي" إلى غير ذلك من كتب المسانيد.
وبقي شيء، ما إذا كان الحديث مشهورًا فعلماؤنا أيضًا ألفوا في هذا، فهناك كتاب "المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة" للإمام السخاوي وهناك "كشف الخفا ومزيل الإلباس عما أشتهر على ألسنة الناس" للعجلوني، والعجلوني ربما يذكر الحديث ولا يذكر الحكم، وربما يكون حديثًا مخلاًّ بالعقيدة مثل حديث: ((إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)) ذكره وسكت عليه، وهو دعوة إلى التمسح بأتربة الموتى، وإلى العقيدة الشركية، وإن كان يمكن أن يحمل الحديث أي: أنكم تزورون القبور، فإنّها تزهد في الدنيا، وتذكر في الآخرة، كما في حديث بريدة مرفوعاً ((إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تذكّركم الآخرة)). رواه مسلم.
إن العجلوني ربما يذكر بعض الأحاديث فلا يتكلم عليها، بل هو
стр. 174
نفسه مخرّف، فقد ذكر في مقدمة كتابه: "كشف الخفا ومزيل الإلباس" أنه يمكن أن يعرف الحديث أنه صحيح ويكون عند المحدثين ليس بصحيح، كيف يعرفه؟ بواسطة الكشف بأنه يكشف للولي إذا نزل جبريل بالحديث إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فكشف له، ويكشف له بأنه ليس بصحيح ويكون عند المحدثين صحيحًا، ما هذا؟ إذًا فما فائدة كتابك "كشف الخفا" لم لا تعتمد على الكشف الذي هو أوهام وخرافات وخزعبلات، فرحم الله علماءنا المحدثين.
ورب العزة يقول في كتابه الكريم: ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا (١) وأوهام الصوفية وخرافاتهم وخزعبلاتهم تهدم علم الحديث.
وإن كنت مبتدئًا وكانت هذه الطريقة أو الطرق التى ذكرناها بعيدةً عليك، فننصحك بأن تأخذ سندًا من "سنن أبي داود" ثم تتبع رجاله رجلاً رجلاً، وينبغي أن تتحرى في ابتداء أمرك حتى لا يلتبس عليك الأمر، فربما تجد وأنت تبحث عن محمد بن علي فتجد في "التقريب" جماعةً ممن يسمون محمد بن علي، فلا تدري من هو الذي في السند فكيف تستطيع التمييز؟.
بأمور منها: الطبقات، ومنها: الرموز، فأنت تبحث في "سنن أبي داود"، فإذا رأيت محمد بن علي لم يكن
стр. 175
من رجال الجماعة، ولا من رجال أصحاب "السنن" ولا من رجال أبي داود عرفت أن هذا الرجل ليس هو الذي تبحث عنه. بعد هذا بالطبقة، ثم ترجع أيضًا إلى المشايخ تنظر إلى مشايخه ثم إلى الرواة من هو، وهم يميزون لك من هو، فإذا لم يتيسر لك هذا، فاجمع طرق الحديث فرب طريق يكون قد نسب فيها المحدث ويقولون مثلاً: محمد بن علي النيسابوري، أو مثلاً محمد بن علي يذكرون لقبه أو يذكرون كنيته. جمع الطرق أيضًا ربما تستطيع أن تميز بها.
فإذا لم تستطع أن تميز، وقد سلكت هذه المسالك فإن كانا ثقتين فلا يضر. من الأمثلة على هذا: علي بن محمد، شيخان لابن ماجة أكثر ابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي، وهناك علي بن محمد آخر أحدهما ثقة، والآخر صدوق، فلا يضر.
وإن اشتبه عليك ضعيف بثقة. ومن الأمثلة على هذا: إسماعيل ابن أبان المقرئ من مشايخ البخاري في طبقته إسماعيل بن أبان الغنوي متروك، والمقرئ من مشايخ البخاري. مثال آخر: الليثان: ليث بن سعد، وليث بن أبي سليم، ليث بن أبي سليم مختلط، وليث ابن سعد إمام.
مثال ثالث: عبد الكريم بن مالك الجزري، وعبد الكريم بن أبي المخارق اشتركا في كثير من المشايخ، واشترك كثير من الطلبة في الأخذ
стр. 176
عنهما. الجزري من رجال البخاري، وابن أبي المخارق ضعيف.
مثال آخر أيضًا: أسامة بن زيد الليثي، وأسامة بن زيد بن أسلم، أسامة بن زيد الليثي يحسن حديثه عند بعضهم، وأسامة بن زيد بن أسلم ضعيف، فإذا كان أحدهما ضعيفًا والآخر ثقة توقفت.
فإذا انتهيت من رجال السند وعرفتهم، ووجدتهم ثقات ينبغي أن تجمع طرق الحديث، فرب حديث يكون سنده كالشمس، ثم بعد ذلك تظهر به علة أو يكون شاذًّا، ومع جمعك للطرق فإنك تعرف الشذوذ، وتعرف العلة، ورحم الله علي بن المديني، إذ يقول: (الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه)، ورب حديث كما تقدم يكون سنده كالشمس، وهو شاذّ، أو معل، فجمع الطرق أمر مهم.
كيف تستطيع أن تجمع الطرق؟ تقدم شيء من هذا، إن كان الحديث يتعلق مثلاً بفضيلة الوضوء، ترجع إلى أبواب الوضوء وأبواب الطهارة في الكتب على الأبواب.
فإن كنت تعرف صحابيّه رجعت أيضًا إلى "تحفة الأشراف" وإلى المسانيد.
ما عرفت لا ذا، ولا ذاك، لكنك الآن قد خرجت إلى طريق أخرى، لكن لو ذكرت حديثًا ولم تعرف صحابيه ولم تعرف إلا معناه، فينبغي أن ترجع إلى "المعجم المفهرس" فهو يتكلم عن المعاني، ويرشد،
стр. 177
ولكن لا ينبغي أن تقتصر على "المعجم المفهرس"، بل هناك كتب لم تذكر في "المعجم المفهرس" من الأمثلة على هذا "مسند الحميدي" ومعاجم الطبراني الثلاثة "المعجم الكبير والمعجم الأوسط والمعجم الصغير" وكيفية الاستفادة من هذه الثلاثة المعاجم.
الاستفادة منها: أما "المعجم الصغير" فإنه على ترتيب شيوخه، وقد فهرس والحمد لله ونشرت فهرسته، فأما "المعجم الكبير" فإنه كالمسانيد على الصحابة، وإن كان يذكر فوائد ليست من الأحاديث و"المعجم الكبير" يخالف المسانيد، هو مثل المسانيد، بأنه على ترتيب الصحابة، يخالفهم ربما يذكر فوائد وآثار عن الصحابة، ويذكر تفسيرًا له إن كان من أئمة التفسير.
ومعرفة كيفية الاستفادة من الكتب أمر مهم، أذكر أننا في ذات مرة سألت بعض أهل العلم كيف أستطيع أن أستفيد من "التمهيد" لابن عبد البر فجزاه الله خيرًا، كان لا يعرف مثلي كيف يستفاد لكن أعطاه الله بصيرة، قال: ائتنا بكتابه فأتينا بالكتاب، فإذا هو على ترتيب مشايخ الإمام مالك، فشيخ الإمام مالك في الحديث اسمه إبراهيم فارجع إلى "التمهيد" تجد خيرًا كثيرًا لأن التمهيد يعتبر من أحسن الكتب في جمع الطرق والكلام على المعاني والجمع بين الأدلة.
ونسيت شيئًا مهمًا مما يستفاد من "التمهيد" وهو ذكر الاختلاف في وصل الحديث وإرساله، أو وصل الحديث وانقطاعه، أو رفْع الحديث ووقفه، وطريقة الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- قريبة أو أنه استفاد الحافظ ابن
стр. 178
حجر من "التمهيد" ومن طريقة "التمهيد" وفي طريقة إخراج الحديث، ثم الجمع بين الأدلة، ثم استنباط الأحكام، فجزاه الله خيرًا.
معرفة الاستفادة من الكتب من الأمور المهمة، فرب شخص يستطيع أن يستخرج الحديث في قدر نصف ساعة، ويخرج الحديث والحمد لله، لكن شخص آخر ممكن أن يبقى فيه سبعة أيام، وممكن أن يبقى فيه شهرًا.
وعند أن كنت مبتدئا مرّ بي حديث: ((يا عليّ لولا أن تقول فيك طوائف من أمّتي ما قالت النّصارى في عيسى لقلت فيك مقالاً لا تمرّ بأحد إلا أخذوا التّراب من أثرك لطلب البركة)) وأنا كنت أكتب في "الطليعة في الرد على غلاة الشيعة" فوجدت في السند يحيى ابن يعلى، ووجدت جماعةً في "تهذيب التهذيب" ممن يسمون يحيى بن يعلى فما استطعت التمييز وصرت أسأل العلماء في الحرم، وغالبهم لا يهتم بالحديث فلم أجد منهم إجابة، حتى سألت بعض الباحثين فقال: هو يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني قال: استفدت من "تهذيب الكمال" قلت: أين هو "تهذيب الكمال"؟ قال: في مكتبة الحرم المكي، ثم بعد ذلك ذهبت أهرول إلى مكتبة الحرم المكي حتى أنقله بعلوّ وأراجع ترجمة يحيى بن يعلى الأسلمي القطواني في "ميزان الاعتدال" إلى غير ذلك، فمعرفة الكتب ومعرفة الاستفادة من الكتب مهم.
وذات مرة كنت أبحث، فمرت بي كلمة لغوية، وكان عندي أخ في الله متخرّج من الجامعة الإسلامية كلية الشريعة، فأعطيته "القاموس
стр. 179
المحيط" ليخرجها، فأخذ الكتاب ووضعه على فخذه، وأنا كما يقولون: واحرّ قلباه ممن قلبه شبم، فأنا استحييت أن أقول له: أعطني الكتاب من أجل أن أخرج الكلمة، وهو أيضًا استحيى أن يردّ لي الكتاب، ويقول لا أستطيع استخراجها فقلت له: مالك يا أخي ما تخرج الكلمة؟ قال: أنا لا أعرف كيف أستخرجها، وصار يضحك جزاه الله خيرًا.
فمعرفة الاستفادة من الكتب توفر عليك وقتك. بقي المواضيع، فرب حديث يتعلق بالعقيدة وأنت تريد أن تخرجه وما وجدته في "السنن" ولا في "صحيح البخاري" أنصحك أن ترجع إلى كتب العقيدة مثل "الأسماء والصفات" للبيهقي وكتاب "التوحيد" لابن خزيمة و"الرد على الجهمية" لعثمان الدارمي و"الرد على الجهمية" لابن منده، وإذا كان الحديث يتعلق بالترغيب والترهيب ترجع إلى "الترغيب والترهيب" للمنذري ليدلك على مخرجه، لأن "الترغيب والترهيب" ليس كافيًا. إذا كان الحديث يتعلق بالطب ترجع إلى كتب الطب التي ألفت في هذا ككتاب "الطب" للحافظ ابن القيم وكتاب "الطب" للحافظ الذهبي، وكتاب "الطب" لأبي نعيم إلى غير ذلك من الكتب التي ألفت.
فينبغي أن تنظر وتفكر في الموضوع الذى تريد أن تخرجه.
فإذا لم تر الحديث فلا توقف بحثك من أجل أنك ما رأيت الحديث، أو من أجل أنك ما رأيت ترجمة الراوي، فكيف تعمل؟ تترك
стр. 180
بياضًا كما كان علماؤنا الأولون، يتركون بياضًا فابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" ربما يترك بياضًا. حتى تنتهي من البحث وتراجع، فإن وجدته وإلا قلت: لم أجده، كما يقول الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" وكما يقول الحافظ الهيثمي في كتابه "مجمع الزوائد" يقول: في سنده فلان ابن فلان ولم أجده أو لم أجد له ترجمة، والحافظ أيضًا في "تخريج الكشاف" ربما يقول: الحديث لم أجده، لأن الزمخشري يعتبر حاطب ليل، وكذا الغزالي يعتبر حاطب ليل، وربما يأتيك شخص بكلام يظنه حديثًا، كما كنا نسمع ونحن في مكة عند أن أخبر الناس بأن اثنين صعدا إلى القمر، فإذا قائل يقول: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى يصعد اثنان إلى ظهر القمر". أو بهذا المعنى. والحديث من موضوعات العصريين، فلا تتعب نفسك في البحث عنه، ومن الأمثلة على هذا أيضًا قول بعض الأئمة "استووا فإن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج" وهكذا أيضًا "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم" حديث ليس له أصل، ثم يطالبونك أن تخرجه من كتب السنة. ثم هب أنه في كتب السنة التي لم تطلع عليها، وهنا أمر أريد أن أنبّه عليه، فربما يقع فيه كثير من الناس ونحن من أولئك، ربما يستدل المستدل بجملة من الحديث وأنت تريد أن تستخرج هذا الحديث فتذهب وتبحث في كتب الفهارس في كتب الحديث وتتعب نفسك فلا تجد الحديث.
فإذا ذهبت تبحث في أوائل الحديث في كتاب مثل: "معجم