يدل على قربه للثبوت. فهل كون الكلام بليغًا ومثل هذه الأمور يجعل حافظًا أو عالمًا من علماء الجرح والتعديل أو النقد أو التحقيق يحكم على الحديث بالثبوت أم أن هذه قرينة من قرائن الترجيح في مثل هذه المسائل؟
الجواب: هو لا يدل، هذه الألفاظ ربما تكون حكمًا أو من كلام أهل العلم، والعلماء أنفسهم ربما يشمّون منه رائحة الثبوت، مثل حديث: ((ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد عمّا في أيدي النّاس يحبّك النّاس)) يقول بعضهم: عليه نور النبوة، مع أنه ضعيف وإن حسّنه الشيخ حفظه الله تعالى، وعلى كل فلا بد من السند المستجمع لشروط القبول.
السؤال١٦٦ الحديث رقم (٤٦٨) أيضًا في "السلسلة الصحيحة": ((أكثروا من شهادة أن لا إله إلاّ الله)) -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- قال الشيخ الألباني: رمز المناوي رحمه الله تعالى لضعفه، وتقدمه العراقي مبيّنًا لعلته، قال: فيه موسى بن وردان مختلف فيه، قال الشيخ الألباني: وفي هذا الكلام نظر من وجوه: أولاً: أن العراقي قال في ابن وردان: مختلف فيه، ليس نصًا في تضعيفه، بل هو إلى تقويته أقرب منه إلى تضعيفه، لأن المعهود في استعمالهم لهذه العبارة: (مختلف فيه) أنّهم لا يريدون به التضعيف، بل يشيرون بذلك إلى أن حديثه حسن، أو على الأقل قريب من الحسن، ولا يريدون تضعيفه مطلقًا، لأن من طبيعة الحديث الحسن أن
стр. 107
يكون في راويه اختلاف وإلا كان صحيحًا. والسؤال مني ليس في نفيه الضعف المطلق، ولكن في جعْل هذه العبارة إشارةً إلى حسن حديثه، وهي مذكورة في مراتب التجريح المعتبرة في الشواهد، وكون رجال الحسن فيهم اختلاف لكن يعبرون عنه بقولهم: (صدوق أو لا بأس به) لا بقولهم: (مختلف فيه) فما هو الصواب؟
الجواب: الأمر كما قلت، فالذي فهمته أنت هو الذي فهمته أنا، أنّ قول المحدث: (مختلف فيه) بمعنى أن منهم من يوثّقه، ومنهم من يضعّفه، ويحتاج إلى نظر في كلام من وثقه أهو أرجح، أم من ضعّفه أرجح، فما يوحي بأنه حسن، ولا بأنه أنزل من حسن، و (مختلف فيه) و (متكلم فيه) محتاج إلى أن يقف الشخص على كلامهم، فينظر الشخص هل الراجح قبوله أم الراجح ضعفه؟ فلا بد من الوقوف على عباراتهم فإن لم يتيسر الوقوف على عباراتهم توقف، والشيخ حفظه الله تعالى يقول في شهر بن حوشب، وأبي جعفر الرازي وغيرهما مختلف فيه والراجح ضعفه.
السؤال١٦٧ بالأمس ونحن نسأل قلت: إن هناك فرقًا بين قولهم في الرجل: (تغير في آخره) أو (اختلط)، لكن قلت: إن الذي يقال فيه: (تغير بآخره) أنه يحتج به، وأنه من باب الحسن لذاته، وهذا الشيخ الألباني في الحديث رقم (٥١٨) من "السلسلة الصحيحة" قال في حديث: ((إنّ الله لم ينْزل داءً إلاّ
стр. 108
أنزل له شفاءً)) الحديث، قال: فيه أبوقلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال عنه الحافظ: صدوق يخطئ، تغير حفظه، فقال الشيخ الألباني فمثله يحتج به إذا وافق غيره، أما إذا خالف أو تفرد، فلا.
الجواب: الذي أعرفه أنه إذا كان مما أخطأ فيه ينظر، لأن الحافظ الذهبي ذكر في "ميزان الاعتدال" في ترجمة هشام بن عروة أنه تغير بآخره قال: أي خفّ حفظه وضبطه، ثم ذكر أن ابن القطان قال: (اختلط)، وأنكر غاية الإنكار على قوله بأنه (اختلط)، فالذي يظهر أنه إذا قالوا: (تغير) ينظر أهذا الحديث مما حدث به في حال تغيره، أو مما وهم فيه بسبب تغيره، وإلا قبل.
السؤال١٦٨ قولهم في الرجل: فلان (على شرط الستة)، ماذا يعنون؟
الجواب: إذا كان من المتأخرين فيظهر أنه يعني أصحاب الأمهات الست، وإن كان من المتقدمين فلا أعرف، وشرط أصحاب الأمهات الست مختلف.
السؤال١٦٩ عند أن سألتك عن المدلس تدليس السكوت وقلت: نرجع إلى ترجمة عمر بن علي المقدمي، فننظر من الذي قال هذه المقالة, فبعض الأئمة لا يفوت عليهم التدليس مثل القطان وغيره، فنرجو أن توضح هذه الفائدة.
الجواب: بعض الأئمة لا ينفق عليه التدليس، فسفيان الثوري أراد أن
стр. 109
يدلس على يحيى بن سعيد القطان، وقال ذات مرة: حدثني أبوسهل فقال يحيى بن سعيد القطان: محمد بن سالم، فضحك سفيان الثوري وقال: لا يفوتك شيء يا يحيى.
السؤال١٧٠ الكلام الذي ذكره الحافظ الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب رغم العدالة. قال: هم اشترطوا العدالة، ولسائل أن يسأل: إذا كنتم تقبلون حديث الداعية المبتدع فلم اشترطتم في العدالة أن يجتمع كذا وكذا؟ فأنا أسأل هم قالوا العدالة: أن يكون سالماً من أسباب الفسق، وخوارم المروءة، ولا شك أن المبتدع حتى وإن كان عاميًّا أو المبتدع الداعية الذي حتى وإن كان متحرّجًا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أليس هذا من خوارم المروءة؟
الجواب: هو من أسباب الفسق، والذي حملهم على قبول رواية المبتدع أنّها وجدت بدع في كبار المحدثين مثل: الأعمش بالتشيع، وأبي إسحاق بالتشيع، وقتادة بالقدر، فوجد في كبار المحدثين بحيث لو ردّت أحاديثهم لردّت سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحملهم على أن يقبلوا حديثهم، وهو أمر ضروريّ، حتى أبوإسحاق الجوزجاني بعد أن ذكر جماعةً من الشيعة قال: لو رددنا حديث هذا الضرب لرددنا الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
السؤال١٧١ في الحديث الشاذ، ذكروا أن من شروط الصحيح أن لا يكون شاذًا، وكنت أعرف من ذلك أن الشاذ من جملة الضعيف
стр. 110
حسب ترتيب ابن الصلاح لأقسام الضعيف، فلما انتهى من الشاذ وذكر هذه الأشياء أنّها من جملة الضعيف قال: هناك فوائد، ولكن الحافظ ابن حجر قال في بعض أقواله: إنه لا يسمي ضعيفًا ولكن مرجوحاً، وكم من صحيح لا يعمل به وهو من جملة الصحيح لمعارض أقوى أو لمرجّح؟
الجواب: الأمر سهل في هذا، فمؤداه مؤدى الضعيف، فإذا قيل فيه: إنه صحيح لأن سنده ثقات، فصحيح باعتبار سنده، ضعيف باعتبار آخر، إما باعتبار سنده الشاذ، وإما بسبب متنه والله أعلم.
السؤال١٧٢ في حديث قد صححه إمام من الأئمة: مثل ابن حنبل أو الترمذي، أو مثل أبي داود، أو مثل الحافظ ابن حجر، أو الشيخ الألباني، أو الشيخ مقبل، وأنا أستطيع أن أبحث، ولكن ليس عندي الوقت أو من النشاط ما يجعلني أراجع وأقف على مقال، فأعتقد في حديث وقلت: هذا الحديث صحيح أخذًا ومعتقدًا في ذلك لأن الله قد حثنا على قبول قول أهل العلم، فبعض الإخوة يقول: إن هذا من باب التقليد، لأنك أخذت بقوله دون أن تبحث ما ورائه، فقلت له: إن قول الإمام من الأئمة: هذا حديث صحيح هو كما قال الصنعاني: اختصار لكلام كثير، إن هذا الرجل عدل، أو هذا الحديث رجاله عدول، وحتى لو قال رجاله عدول، فالعدالة أصلاً
стр. 111
مختلف فيها، عدول ينتهون من كذا، ويفعلون كذا، وضابطون ومعنى الضبط، وهذا كلام يطول جدًا. فقوله: صحيح يكفينى، لأنه من أئمة الشأن ويعرف معنى كلمة صحيح وعلى أي شيء تقع، ويعرف الاسم ومسماه، ويقول له الإخوة: إن هذا من باب التقليد لأنك أخذت هذا من غير حجة، وبعض الإخوة يقول: إن هذا من باب الاتباع، فماذ ترون؟
الجواب: هذا ليس من باب التقليد كما ذكره الصنعاني في رسالة "إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد"، إذا عرف من الرجل التحري وأنه لا يصحح إلا ما كان صحيحًا، ولا زال أهل العلم يستعملون هذا، فهذا لا يعتبر إن شاء الله من باب التقليد، والله يقول: ... ﴿ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا (١)﴾ مفهومه إذا جاء العدل تقبل.
السؤال١٧٣ إذا قالوا في الرجل: (عالي الإسناد)، قلت: يحتمل أن يكون مدلسًا؟
الجواب: الأقرب والمتبادر إلى الذهن أنه بمعنى أنه بكر في الطلب فأدرك شيوخًا لم يدركهم غيره، لكن الأخ أبا الحسن أتى بمعنى أنه يحدث عن أناس لم يدركهم، فيكون محتملاً لهذا، ومحتملاً لهذا. والله أعلم.
السؤال١٧٤ الشيخ المعلمي ﵀ ذكر في مقدمة "الفوائد المجموعة"
стр. 112
عند أن تكلم على الأحاديث الموضوعة، ذكر عدة فوائد يقف عليها طالب العلم وقال: ينتفع بها، منها: فائدة أردت أن أذكرها ليتضح لي الخوض فيها، قال: إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة، فإنّهم يتطلبون له علة، إذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر، فمن ذلك إعلالهم أن راويه لم يصرّح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس، أعل البخاري بذلك خبرًا رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة تراه في ترجمة عمرو من "التهذيب"، ونحو ذلك كلامه في حديث عمرو بن دينار في القضاء بالشاهد واليمين، ونحوه أيضًا كلام شيخه علي بن المديني في حديث: ((خلق الله التّربة يوم السّبت)) إلخ، كما تراه في "الأسماء والصفات" للبيهقي، وكذلك أعلّ أبوحاتم خبرًا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري كما تراه في "علل أبي حاتم " (ج٢ ص٣٥٣) ومن ذلك إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين، بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يدخل على الشيوخ، فليراجع هذا في "معرفة علوم الحديث" للحاكم ص (١٢٠)، ومن ذلك الإعلال بالحمل على الخطأ، وإن لم يتبين وجهه، كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشفعة، ومن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أدخل
стр. 113
على الشيخ كما ترى في "لسان الميزان" في ترجمة الفضل بن الحباب، وغيرها، وحجتهم في هذا، بأن عدم القدح في العلة مطلقًا إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة فالظاهر أنّها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها، وبهذا يتبين أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنّهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر، هذه فائدة قرأتها؟
الجواب: هذه فائدة تساوي الدنيا، وربما أعلوا الحديث ولم يستطيعوا أن يعبروا عن العلة، والفائدة لن أجيب عليها. فلا مزيد عليها.
فالأمر كما قال، بل أعظم من هذا: أنّهم ربما يعلون الحديث ولا يستطيعون إبراز العلة، ويلزم المتأخر أن يأخذ بقولهم، لأنه ما بلغ مبلغهم في الحفظ ومعرفة الرجال، وحفظ كل طرق الحديث، وكل راو وما روى، يعنى كم له من تلاميذ، وكم روى كل تلميذ عنه، فهم يعتبرون آيةً من آيات الله.
السؤال١٧٥ ذكر السخاوي -رحمه الله تعالى- في "فتح المغيث" (ج٢ ص١٢) أن البزار في "مسنده" وابن القطان في "الوهم والإيهام" ذهبا أن
стр. 114
العدالة تثبت برواية جماعة من المشاهير عن الراوي، حتى قال الذهبي في ترجمة مالك ابن الخير الزبادي وقد نقل عن ابن القطان أنه ممن لم تثبت عدالته، ويريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة، قال: وفي رواة "الصحيحين" عدد كثير ما علمنا أن أحدًا نص على توثيقهم. والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح، لكن تعقبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فقال: ما نسبه للجمهور لم يصرّح به أحد من أئمة النقد إلا ابن حبان، هو حق فيمن كان مشهورًا بالطلب والانتساب إلى الحديث. والسؤال: إذا كان مذهب البزار وابن القطان مرجوحًا فإذا وجدنا راويًا لم يوثقه غيرهما أو أحدهما، أليس من التواضع أن يكون حكمه مقبولاً حيث يتابع كما يفعل الحافظ في كثير من التراجم أم ماذا تقولون؟
الجواب: إذا وثقا فهما معتبران، إذا رأينا حديثًا في كتابيهما أو في كتبهما من طريق راو روى عنه جماعة، لم يوثقه معتبر، وليس مشهورًا بالطلب. أو رأيناهما صححا هذا الحديث فيتوقف فيه، يعني عرفت قاعدتهما بحسب ما قرأته في التصحيح لا في التوثيق نفسه، فإذا وجدناهم قد صححا حديثًا فيه راو روى عنه جماعة ولم يوثقه معتبر ولم يشتهر بالطلب توقفنا في تصحيحه. ثم إنه قد علم تساهل البزار في التوثيق وكذا في التصحيح.
فائدة: قال السخاوي رحمه الله تعالى في "فتح المغيث" (ج٢ ص١٢): وذهب
стр. 115
بعضهم إلى أن مما تثبت به العدالة رواية الجماعة من الجلة عن الراوي وهذه طريقة البراز في "مسنده" وجنح إليها ابن القطان في الكلام على حديث قطع السدر من كتابه الوهم والإيهام.
قلت: ابن القطان ليس له قاعدة مطردة في هذا، فيحتمل أنه حسن حديث السدر لرواية الجماعة عن سعيد بن محمد بن جبير أو أنه ممن عرفت بيته ونسبه أو للأمرين جميعاً.
وهذا نص كلامه: ( ... وأما ابن عمه سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم فلا تعرف له حال، وإن كان قد روى عنه جماعة منهم: عثمان المذكور، وعبيد الله بن موهب، وابن أبي ذئب، وعبد الله بن جعفر، وغيرهم كلهم أخذ عنه هذا الحديث، ولا أعرف له من العلم غيره وإن كان معروف البيت والنسب.
وله أخ أسمه عمر، وأخ ثان اسمه الحارث، يروي أيضًا عن أبيه، وثالث اسمه جبير بن محمد، يروي أيضًا عن أبيه فهم أربعة: سعيد وعمر والحارث وجبير، فالحديث من أجله حسن.
وإلا فقد حصل بينه وبين الإمام الذهبي خصام في بعض الرواة من هذا الضرب ففي ترجمة حفص بن بغيل من "الميزان": روى عن زائدة وجماعة، وعنه أبوكريب وأحمد بن بديل، قال ابن القطان: لا يعرف له حال، ولا يعرف. قال الذهبي: لم أذكر هذا النوع في كتابي فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره ما يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون، ما ضعّفهم أحد ولا هم بمجاهيل.
стр. 116
وزاد صاحب "تهذيب التهذيب" ممن روى عنه عبد الرحمن بن صالح الأزدي، وأبا الوليد الكلبي. قال ابن حزم: مجهول.
وفي ترجمة مالك بن الخير الزبادي نسبه إلى موضع في المغرب يقال: (زباد) بالباء الموحدة قال ابن القطان: وهو ممن لم تثبت عدالته فرد عليه الذهبي قائلاً: (يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة) وفي رواة "الصحيحين" عدد كثير ما علمنا أن أحداً نص على توثيقهم.
وقد قال فيه الذهبي: (محله الصدق) يروي عن أبي قبيل .. روى عنه حيوة بن شريح، وهو من طبقته، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين. اهـ
وفي "تاريخ أبي زرعة الدمشقي" (ج١ ص٤٤٢) أنه سأل عنه أحمد بن صالح: ما تقول في مالك بن الخير الزبادي؟ قال: ثقة. اهـ
وفي "تهذيب التهذيب" كثير ممن يروي عنه جماعة فيقول: مجهول الحال، فعلى هذا فلا ينبغي أن يعزى توثيق المجاهيل لابن القطان.
السؤال١٧٦ ماذا تقولون في قول الذهبي -رحمه الله تعالى-: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، وكثير من التراجم يختلف فيها ابن معين، وأحمد بن حنبل، وأبوحاتم، وأبوزرعة، بعضهم يقول: ضعيف، والآخر يقول: ثقة، فهو قال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة، ذكر هذا السيوطي؟
стр. 117
الجواب: هذه العبارة مفسّرة بتفسير لا أذكره الآن، ولعل المراد لا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف لا يخالفهما أحد، أو على تضعيف ثقة لا يخالفهما أحد، والله أعلم.
السؤال١٧٧ في رواية الفرع -وهو ثقة- للحديث ويجحده الأصل ذكروا لذلك تفصيلات كما هو معلوم. وأنا أسأل: إذا جحد الأصل مكذّبًا للفرع وليس شاكًا وقال: أنا ما حدثتك بهذا الحديث. وقال الفرع: أنت حدثتني بهذا الحديث، فهم رجّحوا كلام الأصل قائلين: إنه أعلم بفعل نفسه، والثاني -الفرع- أعلم بسماع نفسه، فهل يترك هذا الحديث من أجل هذا؟
الجواب: هذه المسألة الذي يظهر أن الراجح فيها، والله أعلم هو: إذا كذبه فيتوقف في ذلك الحديث نفسه، ولا يقدح فيهما في هذا ولا هذا، وأما أبومحمد بن حزم -رحمه الله تعالى- فيقول: وإن كذبه فهو ثقة، والنسيان يطرأ على الشخص، هذا إذا كان قد جحده من دون مسوغ، أما إذا وجد مسوغ لجحوده -كأن يكون في الحديث مضرّة عليه وقال: أنا ما حدثت فلانًا بهذا- فيحمل عليه لكن من دون ما يسوغ له الجحود فيتوقف فيه، وإلا فيقبل، فقد جاء في حديث: ((ما كنّا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلاّ بالتّكبير)) جاء في هذا الحديث أن عمرو بن دينار سأل شيخه فأنكر أنه
стр. 118
حدثه بهذا، فالإمام البخاري ذكره ولم يذكر ترددًا، قال فسألته فقال: ما حدثته بهذا -يعنى لا أذكر هذا- ومع هذا فأورده البخاري في "صحيحه" ولم يورد هذا التردد، وأورده الإمام مسلم في "صحيحه" وأورد هذا التردد، فإذا كان مجرد تردد فلا بأس إن شاء الله وإن جحد الأصل فيتوقف فيه، لأنه يكون محل ريبة. وهذه مسألة اجتهادية.
السؤال١٧٨ وأيضًا ذكروا فيمن ترد روايته: من خالف ثم أصر ولم يرجع -أي خالف في حديثه وخالف من هو أوثق منه أو أكثر منه، ومع ذلك راجعوه فلم يرجع- وقالوا هذا ترد روايته، لكن معلوم أن الإمام مالكًا ﵀ له في ذلك قصة في مخالفته للثقات، في روايته عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمر بن عثمان عن أسامة مرفوعًا ((لا يرث المسلم الكافر)) وغيره من أصحاب الزهري، رووه عن عمرو بن عثمان -بفتح العين- ومع ذلك لم يرجع الإمام مالك؟
الجواب: نعم هم جعلوا ذلك من القوادح، لكنه محمول على إذا لم يرجع عنادًا وتكبرًا، أما إذا كان واثقًا بنفسه فلا، والإمام الطبراني رحمه الله تعالى أيضًا وهم في اسم شيخ من شيوخه فقيل له في ذلك، فلم يرجع، وقد ذكروا في ترجمة غير راو أنه لم يرجع لوثوقه بعلمه، والله أعلم.
السؤال١٧٩ قولهم في الرجل: (لا نعلم إلا خيرًا)، يترجم له الحافظ رحمه الله تعالى في "التقريب" بقوله: (مقبول) إذا لم يكن في الرجل إلا
стр. 119
كلمة أبي زرعة أو غيره: (فلان لا نعلم إلا خيرًا) قال عنه في "التقريب": (مقبول) إلا أن أبا زرعة سأل دحيمًا: ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ فقال: لا بأس به. قال أبوزرعة: ولم لا تقول: (ثقة ولا نعلم إلا خيرًا)، قال: قد قلت لك: إنه ثقة. الشاهد في قول أبي زرعة: ولم لا تقول: ثقة ولا نعلم إلا خيرًا، هل هذه العبارة تعني أنه أرفع من أن يترجم له بمقبول؟
الجواب: العلماء تختلف عباراتهم حتى في الألفاظ، قد يكون اللفظ واحدًا وله معنى عند يحيى بن معين، غير معناه عند البخاري، من أجل هذا كما تقدم قد ألف اللكنوي كتابه "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" وكان الحافظ ابن حجر كما ذكره تلميذه السخاوي يقول: (يا حبذا لو جمعت ألفاظ الجرح والتعديل وفسرت) وقد وفق الله اللكنوي فجمعها، فلا بد أن تحمل على المعنى اللائق بها، فقوله -من حيث المعنى اللغوي-: (لا أعلم إلا خيرًا) الظاهر إذا سئل عنه: أهو ثقة، أم ليس بثقة؟ أنه يقبل، هذا من حيث مؤداها، وهو محتمل أيضًا: أنه لا يعلم إلا خيرًا في الصلاح، وبقي الضبط، (لا أعلم إلا خيرًا) ويكون مستور الحال، لا أعلم إلا خيرًا في الصلاح، لكن إذا سئل مثل يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد القطان، وكذا الإمام أحمد وغيره وليس هناك مانع أنه يأتي بكلام فيه معاريض فيحمل على أنه مقبول -وأعني- أنه ثقة يقبل حديثه، وليس مقبولاً على اصطلاح الحافظ.
стр. 120
السؤال١٨٠ في قولهم في كثير من الرجال: (فلان طويل اللحية) هل يحمل على أنه يرفع المراسيل، ويصل المنقطعات، وإلا فما وجه قولهم؟
الجواب: عند بعض الأدباء الذين لا خير فيهم أن طول اللحية دليل على خفة العقل، فنحن إن شاء الله ما نحمل كلام المحدثين على هذا النحو السخيف، فالله أعلم بمرادهم، ولعله أيضًا من باب الحيدة عن الجواب الصحيح.
السؤال١٨١ الشيخ الألباني حفظه الله تعالى في حديث: "الأذنان من الرّأس" ساق إسنادًا من "الفوائد المنتقاه" ثم قال: وهذا سند حسن عندي، فإن رجاله كلهم ثقات معروفون غير يحيى بن العريان الهروي، وقد ترجمه الخطيب ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلاً، غير أنه وصفه بأنه كان محدثًا، فهل هذا يحسن حديثه لذاته؟
الجواب: لا يحسن، ولكن يستأنس به، فلفظة كونه محدثًا لا تدل على أن حديثه مقبول، فيجوز أنه محدث وهو ضعيف، محدث وهو كذاب، محدث وهو ثقة، والله أعلم.
السؤال١٨٢ بعضهم يقول: فلان من المحدثين، وفلان من الشيوخ، أيعني أنه من الشيوخ الفقهاء أم ماذا؟
الجواب: يعني أنه من الشيوخ الذين ليسوا بأثبات. والله أعلم.
стр. 121
أسئلة شباب لودر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم أجمعين.
وبعد: فهذه أسئلة من شباب (لودر) نقدّمها إلى شيخنا العلامة المحدث الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حفظه الله تعالى.
السؤال١٨٣ فضيلة الشيخ: ماهو القول في قول شعبة بن الحجاج ومسعر بن كدام في أهل الحديث: (يا أهل الحديث إن هذا الحديث يشغلكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)، وكيف نجمع بين هذا وبين قول الإمام أحمد لما سمع أحدهم يتكلم في أصحاب الحديث، فنفض ثوبه وقال: زنديق؟
الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فالجمع بين القولين -على أنه لا يوجد تعارض- أن القول الأول: لا يشغلنكم الحديث عن ذكر الله، فإن من المحدثين من ربما
стр. 122
ينهمك في الحديث ويشغل به عن الذكر، ويشغل به عن بعض النوافل، وربما يزدحم المحدثون على الشخص ويقلقونه ويضجرونه، فيضجر ويقول عند ضجره مثل هذا الكلام، مثل ما كان يفعل سفيان الثوري فقد كان يطرد المحدثين من عنده ثم يقول بعد ذلك: لو لم يأتوني لأتيتهم وما أستطيع أن أصبر عنهم.
وكما جاء عن الأعمش عند أن مات كلبه فأزدحم المحدثون على بابه وعليه وأضجروه حتى قال: مات الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر -يقصد كلبه-. وألحّ بعض المحدثين على أبي معاوية فقال لأبي معاوية: الأعمش عمن؟ فقال أبومعاوية: عن إبليس.
أما قول الإمام أحمد: إنه من تكلّم في أهل الحديث أنه زنديق، ونفض ثوبه وقام، على أن القصة فيها كلام، فنعم، فإن الذي يطعن في أهل الحديث يعتبر طاعنًا في دين الله، فهم نقلة الدين وحماته، كما قال الحافظ الصوري -رحمه الله تعالى- في شأن المحدثين:
قل لمن عاند الحديث وأضحى أبعلم تقول هذا أبن لي ... عائباً أهله ومن يدّعيه
أيعاب الذين هم حفظوا الدين وإلى قولهم وما قد رووه ... أم بجهل فالجهل خلق السّفيه
من الترهات والتمويه
راجع كلّ عالم وفقيه
السؤال١٨٤ بالنسبة للحديث الضعيف إذا كان الضعف راجعًا إلى سوء
стр. 123
الحفظ، وتكون له طرق كثيرة فهل يرتقي إلى الصحيح لغيره؟
الجواب: نعم، إذا لم يشتد ضعفه، فممكن أن يرتقي إلى الحسن لغيره، وإلى الصحيح لغيره إذا جاء من نحو سبع طرق أوست، سيء الحفظ مع سيء الحفظ مع سيء الحفظ، ولكن بشرط ألا يكون ذلك الذي قيل فيه سيء الحفظ قد خالف، وقد ذكر الحديث في ترجمته من "الكامل" لابن عدي، أو ذكر في ترجمته في "ميزان الإعتدال"، أو ذكر في ترجمته من "لسان الميزان" أو في كتب العلل أن هذا الحديث منكر، فمثل هذه الطريق لا تصلح في الشواهد والمتابعات لأنه إذا خالف الثقات المتكاثرين فحديثه منكر والمنكر لا يصلح في الشواهد والمتابعات، فلا بد من اعتبار هذه الشروط. والله المستعان.
السؤال١٨٥ ما هو القول الفصل فيمن قيل فيه من المحدثين: إنه متساهل كالحاكم، وابن حبان، والترمذي، هل هو الحكم على الحديث الحسن بالصحة أم غير ذلك؟
الجواب: أما ابن حبان فتساهله فيما يختص بالمجهولين، وقاعدته وقاعدة شيخه ابن خزيمة معروفة كما في مقدمة "لسان الميزان" للحافظ ابن حجر: أنّهما يوثقان المجهول، وعلى هذا بنيا عملهما في صحيحيهما.
أما في بقية الأمور فربما يحصل منه بعض التساهل، مثل: تصحيح حديث درّاج عن أبي الهيثم أو غيره، ولكن "صحيح ابن حبان" يعتبر مرجعًا من المراجع الكبيرة المفيدة، وأخطاؤه في مسألة توثيق المجهول
стр. 124
وتصحيح حديث المجهول لا ينبغي أن يتابع عليها، وتساهله في بعض الأحاديث التي من طرق بعض الرجال لا يتابع عليها أيضًا.
والترمذي كذلك، مع أن الترمذي أكثر تساهلاً من ابن حبان، فالحافظ الذهبي قال في ترجمة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد ذكر حديث: ((المسلمون على شروطهم))، قال: وأما الترمذي فصحح حديثه، ولهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. لأنه قد كان ذكر في ترجمة كثير بن عبد الله عن الإمام الشافعي وأبي داود، أنه ركن من أركان الكذب.
وقال في ترجمة يحيى بن يمان: وقد ذكر في ترجمته حديثًا وهو أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ناراً في المقبرة، وذهب فإذا هم يحفرون بالليل ودفن في الليل، والدفن جائز في الليل لأدلة أخرى ليس الكلام على هذا فقال الترمذي: حسن، فقال الذهبي: حسّنه الترمذي، وفي سنده ثلاثة ضعفاء، فعند المحاققه غالب تحسينات الترمذي ضعاف.
وروى الترمذي في "جامعه" لمحمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي ولبعض الهلكى، من أجل هذا نزلت رتبته عن "سنن أبي داود" وعن "سنن النسائي"، وأما الحاكم فهو أكثر الثلاثة تساهلاً فربما يصحح حديثًا من طريق أبي حذيفة إسحاق بن بشر البخاري، أو من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، وربما يصحح حديثًا منقطعًا أو شديد الضعف، وقد تتبع الذهبي ﵀ بعض ما تيسر له، وتتبعنا بحمد الله بعض ما سكت
стр. 125
عليه الحافظ الذهبي، في هوامش المستدرك، وقد خرج الكتاب والحمد لله وهو بعنوان "تتبع أوهام الحاكم التي سكت عليها الذهبي".
والإمام الذهبي ﵀ يقول في ترجمة الحاكم في شأن "المستدرك": وياليته لم يؤلّفه.
ويقول أيضًا: إنه محتاج إلى نظر فيه -أي "المستدرك"- لماذا؟ لأن كتاب الذهبي مجرد تلخيص "للمستدرك"، فإذا جاء منه تنبيه على حديث ضعيف فهو عفو وفضل منه ﵀ والعلماء منهم من أسرف في شأن "المستدرك"، فأبوسعد الماليني يقول: ليس في "المستدرك" حديث صحيح على شرطهما. قالوا: وهذا إسراف وغلو.
والحافظ الذهبي يقول: فيه النصف صحيح، وقدر الربع صالح، والباقي عجائب وغرائب. وقد جمع الحافظ الذهبي نحو مائة حديث من "المستدرك" التي هي موضوعة.
وأعدل شيء في "المستدرك" هو قول الإمام الذهبي فيه، ولا تطمئن النفس إلى ما تفرد به حتى ينظر من أخرجه، لكثرة أوهامه في هذا الكتاب.
أما "صحيح ابن حبان" فهو كتاب عظيم يستفاد منه.
وأما "جامع الترمذي" فقد كان أبوالحسن المقدسي ينصح طلبة العلم بالبدء قبل البخاري ومسلم لسهولته، فإنه يذكر الحديث ويذكر الحكم
стр. 126
عليه، ويذكر ما يستنبط منه، ومن قال به من الفقهاء، وإذا ذكر الاسم ذكر الكنية أو النسبة بعد الحديث، وإذا ذكر الكنية ذكر الاسم بعد الحديث، فكتاب الترمذي كتاب عظيم على تساهله هو وابن حبان.
السؤال١٨٦ يقال إن تساهل الحاكم راجع إلى مافي آخر"المستدرك" لأنه قد حرر أوله ولم يحرر آخره، فما مدى صحة هذا القول؟
الجواب: لعل الأكثر في آخره، وإلا فأوائله وأواخره سواء، ومن أوائل الأحاديث التي في "المستدرك" في كتاب الإيمان يقول: في سنده أبوبلج يحيى بن سليم، أو يحيى بن أبي سليم فهو متساهل في هذا من أوله إلى نهايته، إلا أن التساهل في آخره أكثر.
والحافظ يقول: إن الحاكم كان في أول "المستدرك" يمليه املاءً فكان التساهل فيه أقل، وفي آخره لا يمليه.
فعلى هذا فهو إلى نحو نصف المجلد الثالث وهو يمر بنا الإملاء وليس كما يقول الحافظ إنه في أوائله أو في نحو الربع أو النصف.
السؤال١٨٧ يكثر الإمام النووي ﵀ في "شرحه للمهذب" من القول في بعض الأحاديث: (وهذا الحديث قد اتفق الحفاظ على ضعفه)، فهل يقبل منه ذلك، وهل هذا الأمر ممكن أصلاً؟
الجواب: هو كغيره، فالحافظ يتعقبه في كثير من الأشياء مثل قوله: اتفق الحفاظ على أن زيادة (وبركاته) في التسليم في الصلاة ضعيفة، أو غير صحيحة، وكذلك في حديث آخر، فلا بد من نظر فقد عرف أنه
стр. 127
ربما يقول هذا ويتعقبه الحافظ، فالإمام النووي كغيره من العلماء لابد أن ينظر في الحديث بسنده ويحكم عليه بما يستحقه.
السؤال١٨٨ وضع المحدثون قواعد للجرح والتعديل، والحكم على الأحاديث، ومضى عليها من بعدهم فيما ظهر لهم، ولكن بالنظر إلى بعض أحكامهم يجد المحدث أو الباحث أن حكمهم على الحديث بالضعف أو الوضع مخالف لما ظهر له من القواعد، فهل يأخذ بالقواعد التي وضعوها أو يعتمد قولهم في المخالفة؟
الجواب: إذا قال أبوحاتم: هذا حديث ضعيف، أو هذا حديث منكر، أو هذا حديث موضوع، ولم يخالفه أحد من معاصريه، أو ممن بعد معاصريه كالإمام الدارقطني فنأخذ به، إلا إذا قصد حديثًا بهذا السند نفسه، فلا بأس إذا جاء من طريق أخرى، فإنّهم قد يعلّون الحديث بسند واحد كما ذكرنا هذا في مقدمة "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" ونقلناه أيضًا من "الإلزامات والتتبع" ونقلناه من "النكت على ابن الصلاح" للحافظ ابن حجر بتحقيق أخينا الفاضل الشيخ ربيع بن هادي -حفظه الله- فإن أراد هذا الحديث بهذا السند ضعيف، وعثرت على سند آخر صحيح فلا بأس بذلك، أما إذا قال: الحديث لا يثبت بحال من الأحوال. أو تريد أنت أن تصححه بذلك السند فقد يحكم أبوحاتم بأن الحديث لا يصح لأنه تفرد به فلان، فيأتي الباحث العصري ويقول:
стр. 128
وفلان ثقة، فالحديث صحيح، فيامسكين من أنت بجانب ذلك الإمام، أليس الثقة يخالف الثقات؟ أو ليس الثقة يهم أو يغلط؟، فإذا ضعّفوا الحديث وهذا الباحث يريد أن يصححه بذلك السند فلا نقبل، لأنّهم يعرفون حديث المحدث، وحديث شيوخه، وحديث تلاميذه، وهل هذا من حديث فلان أو ليس من حديث فلان، أما إذا عثرت له على سند صحيح فلا بأس، ولم يجزم الحافظ بأنه لا يصح بوجه من الوجوه من ذلك الزمان كأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، والدارقطني، ومن سلك مسلك هؤلاء من معاصريهم فمن بعدهم من الحفاظ الكبار ولم يخالفهم أحد من معاصريهم فنأخذ به وأنفسنا مطمئنه، ونترك قول المعاصر، فالفرق بينهم وبيننا أن المعاصر لا يعدو أن يكون باحثًا، وهم حفاظ يحفظون حديث المحدث وحديث شيخه، وحديث تلميذه، وهل هذا من حديث فلان أم ليس من حديث فلان.
السؤال١٨٩ ما هو الفرق في التقليد لقول أحد المحدثين في الحكم على حديث، أو أحد الفقهاء في مسألة فقهية، وقد ذكرتم -حفظكم الله- في "المقترح" (١) أنه لا بأس لطالب العلم أن يقلّد الحافظ في التصحيح والتضعيف في "بلوغ المرام"؟
الجواب: لا أظن أنني قلت: يقلّد، ولو أعلم أنني قلت تقليدًا لشطبتها
стр. 129
من الكتاب، بل لا بأس أن يأخذ ويتبع الحافظ في هذا كما أجاب بهذا محمد بن إسماعيل الأمير في كتابه "ارشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد"، فقال: إن قولهم: هذا حديث صحيح معناه: أنه متصل السند يرويه العدل عن مثله غير معلّ ولا شاذّ، ولكنهم يستطيلون هذا، فهم يختصرونه بقولهم: صحيح، فهذا من باب قبول خبر الثقة، وليس من باب التقليد، فإن الله يقول في شأن قبول خبر الثقة: ﴿ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (١)﴾.
مفهوم الآية أنه إذا جاءنا العدل بالخبر نقبله، على أن الذي يبحث ويتتبع الطرق تطمئن نفسه أكثر من غيره، ولكن لك أن تأخذ بتصحيح الحافظ ابن حجر، ولك أن تأخذ بتصحيح الشيخ الألباني، وبتصحيح العراقي، أو غيرهم من العلماء، ولك أن تبحث، وهذا الذي أنصحك به، وأن تقف على الحقيقة بنفسك.
أما التقليد فتذهب إلى العالم ويقول لك: تفعل كذا وكذا، بدون دليل، فتصلي كما صلى مالك، أو تصلي كما صلى ابن حنبل، أو كما صلى الشافعي، أو كما صلى الشيخ المعاصر، والشيخ المعاصر لم يقل: سأصف لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأما إذا قال: سأصف لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مستعد
стр. 130
للمناقشة بعد أن ينتهي فلا بأس بذلك ولا يعد تقليدًا، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعلّم بالقول والفعل، والتعليم بالفعل يرتسم في الذهن أكثر.
السؤال١٩٠ لربما استخرج المستخرج على "الصحيحين" لفظةً ليست عنده، فهل يرجع فيها إلى النظر، أم تترك لاحتمال أنه تركها لعلّة عنده؟
الجواب: بل لابد من النظر، هل هذه الزيادة التي زيدت في المستخرج هل الذي زادها يماثل من لم يزدها، أو هو أرجح ممن لم يزدها، فتقبل. أما إذا كان مرجوحًا فيتوقف فيها وترد.
السؤال١٩١ إذا أورد ابن حبان رجلاً في "الثقات" فوثقه وأورد رجلاً آخر، ولم يوثقه فهل هما في مرتبة واحدة؟ وهل مراتب ابن حبان في التوثيق واحدة؟ بمعنى أن كل من ذكرهم عنده موثقون في توثيق واحد؟
الجواب: يلتمس، هل وثّقه غيره ممن يعتد به -غير العجلي فإنه متساهل كما تساهل ابن حبان-؟ فإذا وثقه غير ابن حبان مثل: ابن أبي حاتم، أو البخاري، أو يحيى بن معين، أو غيرهم من الأئمة الذين ألّفوا في الرجال فيقبل مثل: يعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، فمثل هؤلاء يقبل، وإذا تفرد هو بالتوثيق فقول: (ثقة) أرفع من مجرد ذكره في "الثقات"، لأنه قد ذكر في "الثقات" بعض الناس وقيل له من هو؟ فقال: لا أدري من هو ولا ابن من هو؟
стр. 131
ولكن أيحتج به إذا قال: (ثقة) أم نتوقف فيه؟، وإن كان المعلمي له تقسيم في "التنكيل" فقد قسم من وثقه ابن حبان إلى خمسة أقسام، إذا لم يوافقه أحد، أما نحن فنتوقف فيه لما علم من تساهل ابن حبان ﵀ في توثيق المجهولين.
السؤال١٩٢ بالنسبة للعنعنة في "الصحيحين" ولم نجد لها التصريح بالسماع يقول فيها المزي ﵀: لا يسعنا إلا تحسين الظن، بصاحبي "الصحيحين"، فكيف نبني على هذا الظن؟ وما الذي أخرج "الصحيحين" عن قواعد المصطلح والجرح والتعديل؟
الجواب: أخرجهما شروطهما، فشروطهما ليست كغيرهما، والحديث المدلّس يحتمل أنه قد صرح بالتحديث في مكان آخر، والإمام الدارقطني ﵀ قد أجهد نفسه في التتبع لما أخطأ فيه الشيخان، فما بلغ الخطأ إلا نحو مائتي حديث، وبعضها لم يسلّم للدارقطني -رحمه الله تعالى- بأنّها منتقدة، على أن انتقادات الإمام الدارقطني اعتبرها العلماء.
فقال ابن الصلاح في "المصطلح": إن أحاديث "الصحيحين" تفيد العلم اليقيني النظري إلا أحاديث يسيرة انتقدها الحفاظ كالدارقطني وغيره. فهم يعتبرون انتقاداته ﵀.
السؤال١٩٣ الذين هذّبوا كتب الرجال واختصروها هل كان عملهم مجرد الاختصار والتهذيب، أم هو قائم علىلترجيح في ألفاظ الجرح والتعديل بالنسبة للرجل؟
стр. 132
الجواب: منهم من اختصر مجرد اختصار، وربما يذكر أقوالاً متناقضة ولا يلتفت إلى صحيحها من سقيمها، ومنهم من اختصر مع ملاحظة الأسانيد والمتون كما هو شأن الحافظ ابن حجر، وكذلك الحافظ الذهبي رحمهما الله. فهما يلاحظان متون الكلام الذي قيل عن أئمة الجرح والتعديل ويلاحظان السند فرب قصة يسكت عنها الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال" ويتكلم عليها في "السير" أو يسكت عنها في "السير" ويتكلم عنها في "ميزان الإعتدال" أو يسكت عنها فيهما ويتكلم عليها في "تذكرة الحفاظ"، فهذا هو شأن بعض أهل العلم الذين اختصروا.
وعلى هذا فلا يقال: أن حذفهم الأسانيد يعتبر مخلاً، لأنّهم أرادوا أن يأتوا بفائدة مختصرة، فربما تمرّ بك في الترجمة الواحدة في "تهذيب التهذيب" أو "تهذيب الكمال" عدة مراجع ويقربون هذا لك بأوجز عبارة، على أنك إذا استطعت أن ترجع إلى الأصول فعلت ذلك، فربما اختصروا كلمةً وحذفوها ولها تعلّق بجرح أو تعديل، وربما ذكروا الكلام بالمعنى، ولو ذكر باللفظ لكان فيه زيادة أو نقص، فهذه هي نصيحة الشيخ عبد الرحمن المعلمي ﵀ في "التنكيل" ونعم ما نصح به.
السؤال١٩٤ بالنسبة لكتاب "تقريب التهذيب" هل يستطيع أحد في هذا العصر أن يحققه ويخالف الحافظ ابن حجر فيه، علمًا بأنه ليس هناك حافظ في هذا العصر؟
الجواب: أما وضع الكتاب فلا يستطيع أحد أن يضع مثله، لأنه جهود
стр. 133
حافظ كبير، وإذا أشكلت علينا عبارات أهل العلم ولم نستطع الجمع والترجيح بينها رجعنا إلى عبارة الحافظ في "تقريب التهذيب".
وأما الأخطاء التي وقعت للحافظ فلأنه جهد كبير، وبعضها أخطاء كبيرة جدًا حتى أن شيخنا محمد الأمين المصري ﵀ طلب منا ونحن في الجامعة الإسلامية أن يكتب كل واحد منا في عشرة من كل حرف، وكان قد أعطاني مقبولين من حرف الهمزة، فرأيت أن بعضهم يستحق أن يقال فيه: مجهول العين، وبعضهم صدوق، وبعضهم ثقة، وليس لديّ من المراجع في ذلك إلا "تهذيب التهذيب"، فما ظنك لو راجع شخص جميع المصادر التي قد طبعت الآن.
فالانتقادات في موضعها، ومن ذلك الزمان، وأنا أتمنى أن ييسر الله بأخ يقوم بتعقبات للحافظ ابن حجر ﵀ في هذا الكتاب القيم.
وأنا في بحوثي من ذلك الوقت إلى الآن أرجع إلى "تهذيب التهذيب"، ولا أرجع إلى "تقريب التهذيب" إلا إذا لم أستطع الجمع بين أقوالهم، فعندئذ أرجع إلى عبارة "التقريب" وأكتبها.
السؤال١٩٥ ما هو القول الفصل فيما رمي به الأئمة مثل: الحاكم، وعبد الرزاق بالتشيع؟ وهل ثبت أن عكرمة قال بالقدر؟
الجواب: أما عبد الرزاق الصنعاني ﵀ فقد دخل عليه شيء من التشيع، وقد قيل له: من أين لك هذا؟ مع أن أستاذيك أصحاب سنة؟ فقال: أتى إلينا جعفر بن سليمان الضبعي، وكان ذا هدي وسمت حسن
стр. 134
فتأثرنا به فدخل علينا شيء من التشيع، ولم يبلغ به الحال إلى أن يتنقص الأئمة والخلفاء الراشدين والصحابة، بل هو سنيّ من أهل السنة.
وقد جاء في ترجمة عبد الرزاق أنه قال في كلام عمر أنه قال: لفاطمة: جئت تطلبين ميراثك من أبيك وقال للعباس: جئت تطلب ميراثك من ولد أخيك. فقال عبد الرزاق: أنظروا إلى هذا الأحمق لم يقل: جئت تطلبين ميراثك من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فينظر هل ثبت عن عبد الرزاق أم لم يثبت، فإن ثبت فهو يعتبر خطأ لا يجوز أن يتّبع عليه، وقد قال الإمام الذهبي: أن عمر تكلم بهذا الكلام بناءً على قسمة الفرائض أن شخصًا مات عن ابنة وعن عم، فما لكل واحد منهما؟ ولم يقصد أن يتنقص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه ليس نبيًا ولا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وأما الحاكم فقد جاء عنه بعض الانزواء وبعض الانحراف عن معاوية ﵁، وقد قال أبوطاهر عن عبد الله بن محمد الهروي أبي إسماعيل أنه قال: إمام في الحديث لكنه رافضي خبيث.
وقال أيضًا كما في "العلل المتناهية" لابن الجوزي وقد ذكر حديث الطير أو حديثًا غيره وذكر ابن الجوزي ما فيه من الضعف، ثم ساق بسنده إلى أبي طاهر المقدسي وهو محمد بن طاهر عن شيخه قال: لا يخلو الحاكم إما أن يكون جاهلاً فهذا لا يؤخذ عنه العلم وإما أن يكون كذابًا دساسًا، وهذا أيضًا لا يؤخذ عنه العلم.
стр. 135
والحق أنه لا يثبت لا ذا ولا ذاك، فالحاكم ليس بجاهل، عرفنا هذا من ترجمته، وعرف العلماء منْزلته الرفيعة كما في "سير أعلام النبلاء" وفي "تذكرة الحفاظ" وفي "الإرشاد" للخليلي، فهو إمام متفق على جلالته.
فالحاصل أن بهما شيئًا من التشيع لا يخرجهما إلى الرفض كما قال الحافظ الذهبي عند أن ذكر هذا الكلام عن أبي إسماعيل الهروي، قال: إن الله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي ولكن به شيء من التشيع.
وقال المعلمي في "التنكيل" عندما ذكر كلام أبي إسماعيل الهروي: إمام في الحديث رافضيّ خبيث، قال المعلمي: لعل السجعة هي التي حملت قائلها إلى أن يقول ما قال. وما أشبهها بما كتب الصاحب بن عباد إلى قاض (بقم) -وهي بلدة كانت سنية ثم أصبحت رافضية- فكتب الصاحب بن عباد:
أيها القاضي بقم ... قد عزلناك فقم
فلما وصلت إلى القاضي تذكر ذنوبه ماهو الذي فعله؟ فلم يجد أنه أذنب ولا فعل شيئًا، فقال: والله ما عزلتني إلا السجعة.
وأما عكرمة فقد رمي برأي الخوارج وليس بالقدر، فإن الذي رمي بالقدر هو قتادة، وقد دافع عن عكرمة الحافظ ابن حجر وبرّأه وذكر في "فتح الباري" في الكلام على سبب نزول قول الله تعالى: ﴿إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا
стр. 136
ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنّم وساءت مصيرًا (١)﴾ أنه قيل لعكرمة وقد سأله شخص: أأخرج مع هؤلاء الذين يخرجون؟ أي: للقتال، والقتال بين مسلمين، فقال له عكرمة: لا تخرج، ثم استدل بهذه الآية أي: لا تكثر سواد أهل الباطل ولا تخرج. قال: في هذا دليل على أن عكرمة لا يرى رأي الخوارج.
السؤال١٩٦ ذكر الشيخ عمرو بن عبد المنعم في كتابه: "لا دفاعًا عن الألباني فحسب بل دفاعًا عن السلفية": أن ابن معين قد يطلق لفظة: (ثقة)، ولا يريد بها إلا إثبات صفة الصدق والعدالة للراوي فما تقولون؟
الجواب: الأصل في (الثقة) أنّها توضع لمن اجتمع فيه الحفظ والعدالة، فإذا نص ابن معين على ذلك قبل عنه ذلك، وإلا فهذا هو الأصل في هذه اللفظة، إذا قالوا: (ثقة) بمعنى أنه حافظ وعدل، وأن حديثه ينبغي أن يصحح.
السؤال١٩٧ ماهو مقصود الحاكم ﵀ بقوله: (على شرطهما) وقوله: (على شرط الشيخين)؟
الجواب: هما بمعنى واحد على شرطهما أو على شرط الشيخين، أي: البخاري ومسلم، والصحيح من أقوال أهل العلم أن المقصود بهذا هو أن رجال هذا السند هم رجال الشيخين،
стр. 137
أو قال: على شرط البخاري، أن رجال هذا السند هم رجال البخاري، أو فيهم واحد من رجال البخاري فقط، والباقون متفق عليهما أو على شرط مسلم، كما يقول الحاكم في بعض الأوقات: على شرط مسلم فقد روى لسماك، أو على شرط البخاري فقد روى لعكرمة، أو صحيح فإن البخاري قد أخرج لعكرمة، ومسلم قد أخرج لسماك، وبعضهم يقول: إن معنى على شرطهما، أي: أن هذا الحديث قد توفرت فيه الشروط التي يشترطونها في "صحيح البخاري ومسلم"، وإن لم يكن رجاله رجالهما، وهذا ليس بصحيح فقد ذكرنا أمثلةً بحمد الله في مقدمة "المستدرك" متكاثرة، وذكر الحافظ ابن حجر مثالاً أو مثالين في "النكت"، قال: فإن قلت: إن الحاكم قد يقول: على شرطهما، ويوجد فيه رجل ليس من رجالهما، أو يوجد فيه رجل ضعيف، يقول الحافظ: فنعده من أوهام الحاكم المتكاثرة.
وهذا الذي قاله الحافظ كلام حق، فعرفنا من هذا أن قوله على شرطهما، أو على شرط الشيخين، أي: أن رجال هذا السند رجال الشيخين، كما قد صرح الحاكم بهذا في غير موضع.
السؤال١٩٨ قول يحيى بن سعيد القطان: كل من هو عاصم فهو ضعيف، هل هذه القاعدة على إطلاقها، وكيف نفعل بعاصم بن بهدلة؟
الجواب: وهناك أقوى من عاصم بن بهدلة، عاصم بن سليمان
стр. 138
الأحول، فلا تسلّم له هذه القاعدة.
السؤال١٩٩ عندنا حديث مرسل قد جاء من طريقين، فهل يقوى بهما أم له شروط؟
الجواب: هذه مسألة اجتهادية والشافعي ﵀ يقول: إن مرسلاً مع مرسل يرتقي إلى الحجية. ويشترط أيضًا ألا يتحد المخرج فمثل مرسل قتادة مع مرسل سعيد بن المسيب يحتمل أنّهما مرسل واحد، وأن قتادة رواه عن سعيد بن المسيب.
وإذا روى همام بن منبه وروى قتادة فهذا روى مرسلاً، وذاك روى مرسلاً، فهذا عند الإمام الشافعي يرتقي إلى الحجية، لأن همام ابن منبه يمنيّ وقتادة بصريّ، وهذا مجرد مثال.
فهذه مسألة اجتهادية وليست بملزمة لأن مسألة التصحيح والتضعيف مبناهما على غلبة الظن.
السؤال٢٠٠ يقول ابن معين ﵀ في الرجل: ثقة، ثم يقول في موضع آخر: صدوق، فكيف نجمع بينهما؟
الجواب: إن علم المتقدم من المتأخر من كلام يحيى بن معين فتأخذ بالمتأخر، وإن لم يعلم تنظر أسباب كلامه، فربما قال: ثقة، وقد قورن بضعيف، فهو ثقة بالنسبة إلى هذا الضعيف، وربما قال: صدوق وقد قورن بثقة أرفع منه فقال: صدوق، فتكون الإجابة كما ذكر صاحب "فتح المغيث" بحسب من قورن به، بحيث لو سئل يحيى بن معين عن
стр. 139
الرجل بمفرده استقر رأيه على أنه صدوق أو أنه ثقة، فإذا لم يظهر لا هذا ولا ذاك، أخذت رتبة وسطى وهي: جيد، وقلت في حديثه: جيد، أو فلان جيد، فهي رتبة بين الحسن والصحة.
السؤال٢٠١ ماذا يقصد الإمام أحمد بلفظة: (منكر) في الحديث أو في الرجل؟
الجواب: أما إذا قال في الحديث: (منكر) فهو محمول على النكارة وعلى التفرد، فقد يتفرد راو من بين سائر الرواة، وربما أطلق الإمام أحمد النكارة بمعنى التفرد، حتى ولو تفرد به راو ثقة وهو محتج به مثل قوله في محمد بن إبراهيم التيمي: روى مناكير، ومحمد بن إبراهيم التيمي هو حامل لواء حديث ((إنّما الأعمال بالنّيات وإنّما لكلّ أمرئ ما نوى)) فهو يرويه عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب.
فربما يطلقها على الثقة وهو يعني أنه يتفرد بأحاديث، ولا يعني أنّها ترد، وهكذا الإمام النسائي ﵀ وربما يطلقها على النكارة التي هي ضد المعروف، فإذا لم يظهر لا ذا ولا ذاك من تصرفه، حملت على النكارة التي هي ضد المعروف وتوقّف فيه.
لكن مثل قوله في محمد بن إبراهيم التيمي: يروي المناكير، ومن كان على شاكلة محمد بن إبراهيم التيمي فهو يعني أنه يتفرد ببعض الأحاديث، والتفرد لا شيء فيه إذا لم يخالف من هو أرجح منه.
السؤال٢٠٢ قولهم في الرجل: متروك، هل هو جرح مفسّر؟
стр. 140
الجواب: الصحيح أنه جرح مفسر، لأنّهم يعنون بأنه متّهم بالكذب أو أوهامه أكثر من صوابه، وقد توسع بعضهم في غير المفسر فجعل منه كذابًا وقال: إنه جرح غير مفسر، كما قاله حسين السياغي، وكما نقله عن محمد بن إبراهيم الوزير من "تنقيح الأنظار"، وكما في "تدريب الراوي" (ج١ ص٣٠٦) نقلاً عن الصيرفي.
السؤال٢٠٣ ماهو القول الفصل في الحارث الأعور؟
الجواب: لا يحتج بحديثه، فتلميذه الشعبي يقول: حدثنا الحارث الأعور وكان كذابًا، وأما قول من قال: إن ضعفه من أجل رأيه لا في روايته، فالصحيح أنه لا يحتج به، فهل احتج به البخاري، ومسلم، وابن حبان، وابن خزيمة، فلا يحتج بالحارث الأعور، ولا يصلح في الشواهد والمتابعات، وكذّاب جرح مفسر.
السؤال٢٠٤ أيهما ترجّح على الآخر ابن خزيمة أم تلميذه ابن حبان لأن السيوطي في "التدريب" قدم ابن خزيمة، وشعيب الأرناؤوط نافح عن ابن حبان وقدمه؟
الجواب: لا شك أن ابن خزيمة أرجح، وأن ابن حبان توسع في القاعدة وإن كان قد شارك شيخه في توثيق المجهولين.
"فصحيح ابن خزيمة" يعتبر أرجح من "صحيح ابن حبان".
السؤال٢٠٥ بالنسبة لحديث الآحاد هل يفيد العلم، وهل تقبل قراءة
стр. 141
القرآن بخبر الآحاد؟
الجواب: أما تقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر، فهو تقسيم مبتدع، وأول من ابتدع هذا هو عبد الرحمن بن كيسان الأصم الذي قال فيه بعضهم: وهو عن الحق أصم. وتبعه على ذلك تلميذه إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم الشهير بابن علية، ووالده هو المشهور بابن علية وهو -أي والده إسماعيل- من مشايخ الإمام أحمد ومن رجال الشيخين، أما إبراهيم بن إسماعيل فجهميّ جلد، وأما ما جاء عن الشافعي أنه استعمل في "الرسالة" متواترًا فلعله أخذها عن أهل الكلام.
فتقسيم الحديث إلى آحاد ومتواتر يهون من قيمة السنة المطهرة في نفوس كثير من الباحثين، وهو باب للشر قد فتح، فحالق اللحية يحلق لحيته وتريد أن تنصحه فيقول: أحاديث إعفاء اللحية أحاديث آحاد، والمصور يصور فتنصحه، ثم يقول: أحاديث تحريم الصور أحاديث آحاد. فقد فتحوا بابًا من أبواب الشر.
والصحيح أن الحديث إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجب قبوله، ونقول يجب قبوله ولا نقول: يجب العمل به، لأن العمل قد يكون واجبًا، وقد يكون محرمًا وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا.
ولكننا نقول: يجب قبوله، إذا ثبت سنده، وسلم من العلة والشذوذ، ولا يضرنا أأفاد علمًا أم أفاد ظنًا، فالناس يختلفون في معرفتهم للرجال، ويختلفون في معرفتهم لأوهام الرجال، فقد يهم
стр. 142
الحفاظ أمثال: شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وغير هذين الحافظين، وإنما مثّلت بهما لكونهما غاية في الإتقان.
فعلى هذا إذا ثبت سند الحديث وسلم من العلة والشذوذ وجب قبوله، سواء أفاد علمًا أم أفاد ظنًا.
وأبومحمد بن حزم يقول: إنه يفيد علمًا، واستدل بقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ والصنعاني في تعليقه على "المحلى" عند كلام أبي محمد بن حزم المتقدم يقول: إنه يفيد ظنًّا، واستدل بحديث ((لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ بالله ) وليس كل الظن ممقوتًا، لأن ابن حزم ﵀ استدل بقوله تعالى: ﴿إن يتّبعون إلاّ الظّنّ وإنّ الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئًا (١)﴾.
فقال الصنعاني: إن المراد بالظن ههنا: الذي هو بمعنى الشك، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ بالله ).
ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصّواب))، أي: مبناها على التحري وهي من أشرف العبادات.
ويقول أيضًا في شأن بيان العمل بالظن: ((إنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم ألحن بحجّته من بعض، فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئًا،
стр. 143
فإنّما أقطع له قطعةً من النّار)).
شاهدنا من هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد يحكم بغير العلم، ويحكم بالظن، ويجوز أن يكون في حكمه مصيبًا وأن يكون مخطئًا.
السؤال٢٠٦ ما حكم من يغلط في ضبط الحديث مثل ما ذكره الخطابي ﵀ في غلط المحدثين في حديث ذي اليدين فقال: سرعان، وسرْعان، وسرْعان الناس، ونحن كطلبة علم ربما قرأنا الحديث فربما أخطأنا فيه فما حكم ذلك؟
الجواب: الواجب هو التحري أما المعروف والذي رجّحه الخطابي فهو: سرعان.
وهذا لا يدخل في حكم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو الوعيد على الكذب، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار)).
وقد جاء عن الأصمعي وهو عبد الملك بن قريب أن الذي يلحن يتناوله أو يخشى عليه قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار)).
ولكن الصحيح أن الذي يلحن أو يصحّف غير متعمد فلا يشمله الوعيد، لكن الواجب عليه أن يتعلّم وأن يصلح لسانه.
السؤال٢٠٧ ما حال حديث: ((يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله))؟
الجواب: الذي يظهر أنه مرسل من مراسيل إبراهيم العذري، وجاء
стр. 144
من طرق أخرى لا ترتقي إلى الحجية، وجاء عن الإمام أحمد أنه يقول: إنه صحيح، وقد خولف الإمام أحمد ﵀، ثم لو صح فهو على الأمر لا على الإخبار، بمعنى: ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. قال بهذا بعض أهل العلم.
وقد استدل ابن عبد البر بهذا الحديث على أن حملة العلم أو المحدثين عدول، وهذا مخالف لما جاء في تراجم المحدثين، فمثلاً سليمان ابن داود الشاذكوني أبوأيوب وكان حافظًا، جاء عنه أنه كان يشرب الخمر، وقال فيه الإمام البخاري: إنه أضعف من كل ضعيف.
وكذلك محمد بن عمر الجعابي نقل عنه أنه كان لا يصلي، فالواقع يخالف ما قاله ابن عبد البر ﵀: أن حملة علم الحديث كلهم ثقات.
وعندنا بحمد الله "ميزان الاعتدال"، والإمام الشافعي ﵀ يقول: من روى عن البياضي بيض الله عيونه.
ويقول أيضًا في حرام بن عثمان: الرواية عن حرام بن عثمان، حرام.
وما أكثر المحدثين الذين يعتبرون من حملة الحديث ومن حفاظه الكبار، ومع ذلك فهم مضعّفون مثل: أحمد بن محمد بن سعيد الشهير بابن عقدة، فهو حافظ كبير أمثاله قليل في الحفظ من معاصريه، ومع هذا فهو ضعيف.
السؤال٢٠٨ ((أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيّك يا أبا ذرّ))، هل هذا حديث وإن كان حديثًا فما حاله؟
стр. 145
الجواب: هو حديث، لكنه ضعيف، فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى ابن يحيى الغساني وقد كذّبه أبوحاتم، وأبوزرعة، كما في "الميزان".
السؤال٢٠٩ ما صحة نسبة كتاب "الروح" للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-؟
الجواب: هو صحيح، والعلماء يثبتونه، وقد حصلت له أخطاء فيه لا ينبغي أن يتابع عليها، وبعضهم يقول: لعله ألّفه قبل أن يثبت عقيدته.
وآخرون يقولون: لعله ألّفه قبل أن يجالس شيخ الإسلام ابن تيمية، ولكنه ينقل في هذا الكتاب عن شيخ الإسلام ابن تيمية، فهذا دليل على أنه كان يجالسه، وعلى كلّ فيتوقف فيما يرى مخالفًا لأصول الشرع والأحاديث الصحيحة.