← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 96783

المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح

مقبل بن هادي الوادعي

Полный текст (190 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله .. أما بعد: فإني أحمد الله الذي وفقني لإخراج كتاب "المقترح" فقد نفع الله به، وتنافس أهل المكاتب في طبعه فطبع مرات بدون إذن منا، ولما نفدت طبعاته الأول طلب مني الأخ الفاضل/ سعيد بن عمر حبيشان أن يعيد طبعه، فأعدت النظر فيه، وأضفت بعض أسئلة إخواننا أهل لودر لأنّها مماثلة لموضوع الكتاب. وإنني أحمد الله الذي وفقني للسهولة والتيسير، والمصطلح يحتاج إليه كل طالب علم لكن ينبغي أن يكون وسيلةً من الوسائل، أما الأصل فهو الكتاب والسنة لذا تركت الإجابة عن بعض الأسئلة، فإني أنصح كل طالب أن يهتم بعلم الكتاب والسنة ويأخذ من الوسائل ما يحتاج إليه فلا يشغل بالوسيلة عن حفظ القرآن وعن معرفة سنة رسول الله

стр. 2

صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعرفة صحيحها من سقيمها ومعلولها من سليمها، وبسبب هذا -من فضل الله- استفاد طلبة العلم بدار الحديث بدماج، والفضل في هذا لله، فهو الذي وفّقنا وله الحمد والمنة، ونسأل الله أن يتممها بخير وأن يعيذنا من شر أنفسنا وهو حسبنا ونعم الوكيل. أبوعبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي

стр. 3

المقدمة الحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإنّ كثيرًا ما يسأل إخواننا الراغبون في علم السنة كيف الطريق إلى الإستفادة من كتب السنة؟ ترد إلينا هذه الأسئلة من اليمن، ومن أكثر البلاد الإسلامية. وكنت أجيب على هذا في أشرطة، فلما رأيت الأسئلة تتكرر؛ رأيت أن ينشر هذا، فإن الكتاب يبقى. وأضفت إلى هذا أسئلة أخينا في الله أبي الحسن المصري لنفاستها وفائدتها، وما اشتملت عليه الأسئلة من الفوائد. أرجو أن ينفع الله بالجميع، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 4

حول العلم وفوائد في علم الحديث الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن الموضوع الذي تم اختياره هو موضوع العلم. والعلم يعتبر علاجًا لجميع أمراضنا، ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمره ربه أن يطلب الزيادة من العلم، فقال : وقل ربّ زدني علمًا (١) ورب العزة يبين حالة العالم وحالة الجاهل، فقال: أفمن يعلم أنّما أنزل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمى إنّما يتذكّر أولو الألباب (٢). ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول فيما رواه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث معاوية ﵁: ((من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين)). ورب العزة يعلّل كثيرًا من مخلوقاته، فيقول في آية من كتابه: إنّ

стр. 5

في ذلك لآيات للعالمين (١). وقال تعالى: وما يعقلها إلاّ العالمون (٢). ورب العزة يفضّل الكلب المعلم على غير الكلب المعلم، فيحلّ صيد الكلب المعلم مع ذكر اسم الله تعالى، فيقول : يسألونك ماذا أحلّ لهم قل أحلّ لكم الطّيّبات وما علّمتم من الجوارح مكلّبين تعلّمونهنّ ممّا علّمكم الله (٣). بل يخبرنا الله أن الهدهد صال بحجته على سليمان فقال: أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين (٤). ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرغّب أمته في العلم، ويرغّب أمته في أشرف العلوم، ألا وهو حفظ كتاب الله، فإن أفضل العلوم هو القرآن الكريم، بخلاف ما يقول أهل علم الكلام. أهل علم الكلام يقولون: إن أفضل العلوم هو علم الكلام لأنه يتكلم عن الله وصفاته. وهذا جهل منهم بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: (حكمي على أهل علم الكلام، أن يدار بهم في الأسواق ويضربوا بالسياط, ويقال: هذا جزاء من استبدل بكتاب الله أو من أعرض عن كتاب الله).

стр. 6

فأفضل العلوم هو تعلم كتاب الله وتعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرفع الله الّذين ءامنوا منكم والّذين أوتوا العلم درجات (١)، إنّما يخشى الله من عباده العلماء (٢). والعلم أفضله هو حفظ القرآن الكريم, فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول -كما في "صحيح البخاري" من حديث عثمان ﵁: ((خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه))، ويقول كما في "صحيح مسلم" من حديث عمر ﵁: ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)). وكان علماؤنا المتقدمون رحمهم الله تعالى, منهم من يتخصص للقرآن, ومنهم من يتخصص لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, ومنهم من يتخصص في اللغة العربية. وفي الغالب أن المتخصص منهم يكون ملمًا ببقية العلوم, لكن قد وجد من القراء كحفص بن سليمان إمام في القراءة -وهو أحد القراء السبعة- لكنه متروك في الحديث, ووجد أيضًا من هو إمام في الحديث, وربما يلحن في الأمور السهلة، وذلكم كعثمان بن أبي شيبة أخي أبي بكر بن أبي شيبة وأخي القاسم أيضًا، فإنه كان إمامًا في الحديث, لكنه يصحّف في القرآن, وإن كان الحافظ ابن كثير ينكر هذا في كتابه "مختصر علوم الحديث". ومن علمائنا المتقدمين من كان يتخصص في اللغة العربية، بل

стр. 7

العربية تنقسم إلى أقسام، فمنهم من يتخصص في النحو، ومنهم من يتخصص في الصرف إلى غير ذلك، ومنهم من يجمع بين هذا وذاك, فالإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان إمامًا في اللغة، وربما احتجّ بعربيته, وكان إمامًا في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إنه لقّب بناصر السنة، وكتاباه "مختلف الحديث" و"الرسالة" ينبئان بأنه يستحق أن يلقب بناصر السنة, لأنه رد على أصحاب الرأي، ورد أيضًا على المعتزلة، وعلى من يطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والعلم منْزلته رفيعة، من أجل هذا, فقّل أن تجد مؤلّفًا إلا وقد عقد كتابًا في العلم, ففي "البخاري" (كتاب العلم) , وفي "صحيح مسلم" (كتاب العلم)، وفي "الترمذي" كتاب العلم)، بل من أهل العلم من أفرد العلم بالتأليف كالحافظ ابن عبد البر يوسف بن عبد الله، فإنه ألف كتابًا قيّمًا يساوي الدنيا، اسمه "جامع بيان العلم وفضله" (١) فذكر فيه فضل العلماء، وذكر فضل العلم, وذكر التقليد, وأن التقليد ليس بعلم. يقول بعضهم: أجمع العلماء على أن المقلد لا ينبغي أن يعدّ من أهل العلم, ورب العزة يقول في كتابه الكريم: اتّبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون (٢). فذلك الكتاب القيم بدأه بفرض العلم، ثم أتى بحديث: ((طلب العلم

стр. 8

فريضة على كلّ مسلم)) وأشار إلى تضعيفه رحمه الله تعالى، لكن الإمام السيوطي رحمه الله تعالى يقول: إنه وجد له قدر خمسين طريقًا، ومن ثمّ حكم بصحته. وما هو العلم الذي يعد فريضة ؟. العلم الذي أوجبه الله عليك هو الذي يعد فريضة. فالعقيدة (التوحيد) واجب على كل مسلم أن يتعلمها، كما جاءت في الكتاب والسنة. ويحرم الجهل بالعقيدة سواء أكانت في أسماء الله أو صفاته، ويجب الإيمان بالعقيدة في أسماء الله وصفاته، كما وردت في كتاب الله، وكما وردت في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتلكم الجارية التي هي راعية غنم كما في حديث معاوية بن الحكم السّلمى ﵁: أنه أتى بجارية ليعتقها. فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها. فقال لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يا جارية أين الله؟)) قالت: في السماء. قال: ((أعتقها فإنّها مؤمنة)). يجب على كل مسلم أن يؤمن أن الله في السماء، وأن الله بعلمه مع كل أحد، وبحفظه وكلاءته ونصره مع المؤمنين يجب أن نؤمن بهذا: ءأمنتم من في السّماء أن يخسف بكم الأرض (١)، الرّحمن على العرش استوى (٢).

стр. 9

وهناك كتاب قيم في هذا الموضوع أنصح إخواني في الله بقراءته, ذلك الكتاب القيم هو "العلو للعلي الغفار" للحافط الذهبي رحمه الله تعالى، وقد اختصره الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى, فمن كان من طلبة العلم المحققين فينبغي أن يقتني الأصل, ومن كان لا يستطيع التحقيق فيقتني اختصار الشيخ، وإن جمع بين الكتابين فحسن، فإن أحدهما لا يغني عن الآخر. والعلم قيض الله له علماء حفظوا لنا هذا الدين، حفظوا كتاب الله، وتلقاه الآخر عن الأول، وحفظوا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونفوا عنها الكذب والأباطيل، نفوا ووقفوا في وجوه الكذّابين، ونخلوا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نخلاً، لأنّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. يقول الإمام الشافعي: (من روى عن البياضي بيّض الله عيونه). يدعو على من روى عن البياضي لأن البياضي مجروح. ويقول: الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (الرواية عن حرام بن عثمان حرام). فهذا قول الإمام الشافعي في هذين المحدثين. ولقد كان العلماء رحمهم الله تعالى ينخلون السنة نخلاً، حتى إنه قدّم زنديق لتضرب عنقه في عصر الرشيد فقال: كيف تقتلونني وقد وضعت في دينكم أربعة آلاف حديث أحرّم فيها الحلال وأحلّ فيها الحرام. فقال له الرشيد: يا خبيث، إن أبا إسحاق الفزاري وعبد الله ابن المبارك سينخلانها نخلاً. وكانت لديهم غيرة على سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إن يحيى بن

стр. 10

معين رحمه الله تعالى عند أن حدّث سويد بن سعيد: ((من عشق فعفّ فمات مات شهيدًا)). قال يحيى بن معين: لو أنّ لي فرسًا ورمحًا لغزوت سويدًا، لأنه تجرأ في رواية الأحاديث الضعيفة. ورئي شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى ذات يوم متقنعًا في نصف النهار، فقيل له: إلى أين يا أبا بسطام؟ قال: أريد أن أعتدي على جعفر بن الزبير, فإنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن لم يكن من المحدثين فلا بد أن يتخبط في عبادته، وفي وعظه، وفي معاملته، وفي جميع شئونه. لأنّه لا يؤمن أن يحدث بحديث ضعيف. وأنا آتيكم بمثال أو بأمثلة: من الأمثلة على هذا حديث قد شاع وذاع: ((حبّ الوطن من الإيمان)) هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الأمثلة على هذا أيضًا حديث: ((اختلاف أمّتي رحمة)) حديث لا يوجد له سند، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الأمثلة على هذا أيضًا حديث: ((الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني))، هذا حديث معناه صحيح. لكنه بهذا اللفظ ضعيف، لأنه من طريق أبي بكر بن أبي مريم، وقد اختلط بسبب حليّ سرقت عليه. ومن الأمثلة: قصة يحدّث بها في الحرمين ويحدّث بها في الإذاعات، قصة ثعلبة، التي فيها أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يسأل الله أن يرزقه

стр. 11

مالاً، وأنه قيل له: ((يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه))، وذكرت في "الجلالين"، وقلّ أن تجد تفسيرًا إلاّ وقد ذكرت فيه. هذه القصة استفدنا تضعيفها في أول الأمر من أبي محمد بن حزم رحمه الله تعالى، قال: إن في سندها معان بن رفاعة، وعلي بن يزيد الألهاني، والقاسم بن عبد الرحمن، وثلاثتهم ضعفاء. ثم روجع "مجمع الزوائد" فإذا هو يقول: في سندها علي بن يزيد الألهاني وهو متروك. ثم روجع "تخريج الكشاف" للحافظ ابن حجر فإذا هو يقول: في سندها علي بن يزيد الألهاني وهو واه، ثم روجع "تخريج الإحياء" فإذا الحافظ العراقي يقول: إن في سندها ضعفًا. وناهيك بالسيوطي تساهلاً فإنه ذكرها في "لباب النقول من أسباب النّزول". هذه القصة كان بعض علماء الحرم يحدث بها فقيل له: يا شيخ إنّها ضعيفة. قال: نريد أن نرقّق بها قلوب العامة. يا سبحان الله!! أما في كتاب الله، ولا في صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يرقق قلوب العامّة!! فبأيّ حديث بعد الله وءاياته يؤمنون. ومن الأمثلة على هذا حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعًا لما جئت به)) وما أكثر ما قد حدثْنا بهذا الحديث! يقول الحافظ ابن رجب في كتابه "جامع العلوم والحكم": إنه من طريق نعيم بن حماد، وهو ضعيف. هذه علة.

стр. 12

والعلة الثانية: أنه اختلف على نعيم في شيخه. والعلة الثالثة: أنه لا يدرى أسمع عقبة بن أوس من عبد الله بن عمرو أم لم يسمع؟ ومن الأمثلة على هذا: ((من تعلّم لغة قوم أمن مكرهم)) هذا الحديث بحث عنه الباحثون فلم يجدوا له أصلاً، وإن كان معناه صحيحًا، لكن لا يجوز لنا أن نضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما ثبت عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الأمثلة على هذا: أنكم تجدون بعض الأئمة عند تسوية الصفوف يقول: ((استووا فإنّ الله لا ينظر إلى الصّفّ الأعوج))، وهذا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكفي أن تقول: استووا، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم)). من الأمثلة على هذا -أي على الأحاديث الموضوعة- أنّهم رووا حديثًا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((من قال حين يسمع المؤذّن يقول: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، ثمّ ينفث في ظفري إبْهاميه ويمسح بهما عينيه ثمّ يقول: مرحبًا بحبيبي وقرّة عيني. قال: فمن قالها فإنّه لا يرمد)) الحديث ذكره الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الضعيفة والموضوعة". ومن الأمثلة على هذا حديث: ((أنا مدينة العلم وعليّ بابها، فمن يرد المدينة فليأت الباب)). فيه عبد السلام بن صالح أبوالصلت الهروي وهو متروك. والصحيح كاف. يكفي ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويكفي كتاب الله، فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار)). هذا مرويّ عن علي بن أبي طالب، وعن المغيرة بن شعبة، وعن

стр. 13

الزبير بن العوام وعن قدر ستين صحابيًا. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من حدّث عنّي حديثًا وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين)). قد يقول قائل: إن من أهل العلم من أجاز أن يحدث بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال! نعم، أجازه عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، والإمام البيهقي، وجمع من العلماء لكنهم يعنون الحسن، بدليل أنّهم مثلوا بمحمد بن عمرو بن علقمة وأمثاله, وجعلوا حديثه ضعيفًا، والمتأخرون يحسنون حديثه. فهم يريدون الحسن. ومن أجاز التحديث بالحديث الضعيف, فإنما يجيزه بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن لا يشتد ضعفه. الشرط الثاني: أن يكون مندرجًا تحت أصل من الأصول. الشرط الثالث: أن لا يشتهر العمل به، وأن لا يعتقد ثبوته. أما الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى فإنه يقول في كتابه "الفوائد المجموعة": وهو شرع ومن ادعى التفصيل فعليه البرهان. قد يقول قائل أو يظن ظانّ أن المشتغل بتصحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشغله عن الدعوة، لا، بل يقويك على الدعوة، وتصبح حاكمًا، تستطيع أن تحكم على الخطيب، وعلى الصحفي، وعلى المؤلف, فكم من حديث ضعيف يختلف الناس فيه، وهو حديث ضعيف. منهم من يقول

стр. 14

به، ومنهم من لا يقول به. ومن الأمثلة على هذا: حديث أن جماعةً من الصحابة ضحكوا في الصلاة، ثم أمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعيدوا الصلاة، وأن يعيدوا الوضوء. هذا حديث من طريق أبي العالية الرياحي، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حديث أبي العالية رياح. يعني لا يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الأمثلة على هذا أي على الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ما جاء في "فيض القدير" وفي "المجموع" المنسوب لزيد بن علي: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلاً يعبث بلحيته، وهو في الصلاة، فقال: ((لو خشع قلب هذا لسكنتْ جوارحه)). هذا الحديث يحدث به كثير من الناس، مع أنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الأمثلة على هذا: ((صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحتْ أمّتي وإذا فسدا فسدتْ أمّتي: العلماء والأمراء)). الحديث معناه صحيح، لكن لا يجوز لك أن تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, لأنّه ما كلّ ما يصحّ معناه يجوز لك أن تضيفه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالأحاديث الضعيفة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" سبب من أسباب الفرقة، تجد الرجل قد استدل بحديث، فيأتي آخر ويضعفه، وليس معنى هذا أنه لا سبيل إلى أن تعرف الحقيقة.

стр. 15

ومن أهل الخير، ومن الناس الطيبين من يحب علم الحديث، ويحب أهل الحديث, لكنه يرى أن الأئمة قد اختلفوا في التجريح والتعديل، واختلفوا في التصحيح والتضعيف، فيظن أنه لا سبيل إلى ذلك، لأن الأئمة رضوان الله عليهم وضعوا قواعد، فأنت إذا قال لك رجل: فلان ثقة. وقال لك آخر: أنا سمعته يعكف على آلات اللهو والطرب أو رأيته على آلات اللهو والطرب. فبأي القولين تأخذ؟ ويقول لك رجل: فلان ثقة يصلي معنا، وحسن المعاملة. وآخر يقول: أنا رأيته عاكفًا على آلات اللهو والطرب. فبأي القولين تأخذ؟ الجرح المفسّر مقدّم على التعديل، والجارح اطلع على مالم يطلع عليه المعدل. والعلماء يتفاوتون في هذا المضمار من أجل هذا يحصل الاختلاف. وقد ذكر ابن أبي حاتم في كتابه "مناقب الشافعي" والبيهقي أيضًا في كتابه "مناقب الشافعي" أنه اختلف الشافعي ومحمد ابن الحسن أي العالمين أعلم، مالك أم أبوحنيفة؟ وكان الشافعي يحب مالكًا، والشافعي تلميذ مالك. ومحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. فقال الإمام الشافعي لمحمد بن الحسن: أنشدك الله، أصاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم -يعني مالكًا-. قال: أنشدك الله، أصاحبنا أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم -يعني مالكًا-. قال: فلم يبق إلا القياس فالذي ليس لديه أصول فعلى أي شيء يقيس. هذه القصة ذكرها ابن أبي حاتم والبيهقي بسند صحيح. شاهدنا من هذا أن العلماء يتفاوتون فمنهم إمام في الفقه، وهو

стр. 16

ضعيف في الحديث، ومنهم إمام في الحديث، لا يستطيع أن يستنبط أحكامًا كما يستطيع أن يستنبطها الفقيه. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه)) ويقول: ((ربّ مبلّغ أوعى من سامع)). وعلم الحديث الذي زهد فيه كثير من الناس، وأصبحوا يزهّدون فيه, إن لم يكن الفقيه محدثًا فلا بد أن يتخبط، كما ذكره الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه "نيل الأوطار". وهكذا أيضًا لأن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرة ولا بد من النظر فيها، فماذا يفعل علماؤنا رحمهم الله تعالى؟ العلماء رحمهم الله تعالى إذا أرادوا أن يستدلوا بحديث؟ فإن كان في"الصحيحين" فقد أجمع أهل الحق على تلقي ما في "الصحيحين" بالقبول إلا أحاديث يسيرة انتقدها الحفاظ كالدارقطني وغيره. وإن كان في غير "الصحيحين" فإما أن يصححه حافظ من الحفاظ، كالحافظ ابن حجر والحافظ العراقي وغيرهما من العلماء الذين تصدوا للتصحيح والتضعيف، وإما أن تبحث أنت عن سنده لابد من هذا وإلا فلا يحل لك أن تستدل، لأن العلماء رحمهم الله تعالى مثل أبي داود رحمه الله تعالى يقول في "سننه": ذكرت الصحيح وما يقاربه وما يشابهه، وما كان فيه وهن شديد بينته وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح.

стр. 17

وهكذا الترمذي ذكر الأحاديث الصحيحة، ورب حديث يذكره الترمذي ويقول: إنه ضعيف، ويقول: إنه منقطع، ويقول: إنه غريب. والغالب على ما قال فيه الترمذي: (غريب) فقط الضعف. إذًا فسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجب على المدرس وعلى الواعظ أن يتعلمها وما أكثر التخبطات في كلام كثير من الواعظين، وذلكم من زمن قديم حتى إن من العلماء من ألّف كتابًا بعنوان "القصّاص" وآخر يؤلف كتابًا بعنوان "تحذير الخواص من أحاديث القصاص"، وكثير من الواعظين يعظون الناس بأحاديث ضعيفة وموضوعة، خصوصًا الأحاديث التي يتلقاها بعضهم من بعض. فأنصح إخواني في الله من أراد أن يعظ فليقتن "رياض الصالحين" وليقتن "اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان" وليقتن الكتب التي قد خدمت. أما أن تقرأ في "تنبيه الغافلين" لأبي الليث السمرقندي، أو تقرأ في "نزهة المجالس" أو تقرأ في "بدائع الزهوروكثير من الكتّاب العصريين يكتفون بقولهم: رواه الترمذي، رواه ابن ماجه، رواه أبوداود، رواه الطبراني. وهذا لا يكفى لأن هؤلاء لم يشترطوا الصحة, بل لابد أن يقول رواه الطبراني وهو حديث صحيح أو حسن أو ضعيف إلى غير ذلك. لا يكفى أن يعزو الحديث، ثم بعد ذلك أنت تقرأ وتظن أنه قد طبع في المطابع ولو لم يكن صحيحًا لما طبع في المطابع، لا، فكتب السحر والدجل والشعوذة

стр. 18

طبعت في المطابع، فإن المطابع الآن أصبحت آلة ارتزاق، يهمهم أن يطبعوا الكتاب الذي ينفق لهم في الأسواق. فلا بد أن تسأل العلماء، وأن ترحل إلى العلماء، كما كان العلماء السابقون يرحلون. فربما رحلوا من أجل حديث واحد، ونحن الآن معشر المسلمين يتغرب أحدنا عشر سنين، أو خمس سنين، أو سنتين من أجل الدنيا، أولئكم كانوا يتغربون، وكانوا يرحلون من أجل العلم, لعلمهم أنه لا قوام للأمة الإسلامية إلا بالعلم, لاسيما وبلدنا معشر اليمنيين فقيرة من العلم نحن محتاجون إلى شباب يدرسون كتاب الله ويحفظون كتاب الله، وإلى شباب يحفظون سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والأمر سهل جدًا لو تغرب طالب العلم مدة يسيرة استطاع أن يحفظ القرآن ومدةً يسيرة يستطيع أن يعرف كيف يستفيد من الكتب العلمية يستطيع أن يستفيد في مدة يسيرة. يسر الله ذلك إنه على كل شيء قدير (١).

стр. 19

أسئلة في المصطلح من أبي الحسن حفظه الله تعالى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فهذه عدة أسئلة نطرحها على شيخنا أبي عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي حفظه الله تعالى، بحضور إخواننا طلبة العلم. ونسأل الله أن ينفعنا وأياهم، وأن يعلّمنا ما جهلنا. السؤال١ في كتب المصطلح ذكروا: أن الرجل المشهور بالطلب ولم يثبتْ فيه جرح ولا تعديل، نص بعضهم مثل المزي، والذهبي، وابن القطان، وابن حجر، وغيرهم على قبول روايته، حتى يثبت جرح فيه، وأن أمره محمول على العدالة، وكان هذا منهم مصيّرًا على مذهب ابن عبد البر، في الحديث الذي ذكروه (١)، واعترضه

стр. 20

ابن الصلاح. بعضهم قال: إن هذا متعين في زمننا، وهذا الذي عليه العمل. فنريد أن نعرف: أن الرجل إذا لم يثبت فيه جرح ولا تعديل لكنه معروف عند أهل العلم، هل حديثه محمول على الاحتجاج به؟ أم ماذا؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فالسؤال عن الرجل المحدّث المشهور بالطّلب، ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل، ذكر صاحب "فتح المغيث" أن الرجل إذا كان مشهورًا بالطلب، ولم يأت فيه جرح ولا تعديل أنّهم يقبلونه، وهكذا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، لكن صاحب "فتح المغيث" مثّل بالإمام مالك رحمه الله تعالى، فالإمام مالك مشهور بالطلب وقد وثّق فإذا حصل من هذا النوع وكان مشهورًا بالطلب وتتلمذ له معاصروه مثل: يحيى بن سعيد القطان، أو يحيى بن معين، أو الأئمة من أمثالهما فيقبل، وإن لم يأت فيه جرح ولا تعديل، لأنه لو كان ضعيفًا لضعّف، والأصل في المسلمين هو العدالة، ولكنه يضاف إلى العدالة الحفظ -لا بد من معرفة الحفظ- إلا أنه لو كان مخلّطًا لصاحوا به، فهذا مستقيم إن شاء الله تعالى، ولا يقدح فيه أنّهم يشترطون العدالة ويشترطون الضبط، لو لم يكن عدلاً لما تتلمذ له،

стр. 21

لا أقول: إنه لو لم يكن عدلاً لما تتلمذ له مثل يحيى وغيره، فإنّهم قد تتلمذوا للعدل ولغيره، فقد قال بعضهم: إننا نسمع الحديث للفائدة ونسمعه للنظر في حال صاحبه، لكن أقول: لو كان مخلطًا أو كان ليس بثقة لصاح به مثل يحيى بن معين، ومثل يحيى بن سعيد القطان، وهكذا الإمام أحمد والبخاري، والله أعلم. السؤال٢ استطراد: بارك الله فيك، المسألة على طرف آخر، فإن ابن الصلاح وغيره من الأئمة الذين تكلموا في المصطلح ذكروا: أن العدالة تثبت إما بالشهرة مثل الذين ذكرتهم -يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل وغيرهم- وإما بالتنصيص على ذلك من واحد من العدول، لكن مسألتنا في جانب آخر: رجل لم يكن مشهورًا عند أئمة الجرح بالتوثيق، لأن مثل الإمام مالك رحمه الله تعالى أمره مستفيض وأمره مشهور بالعدالة، فشهرة هؤلاء أقوى من أن يعدلهم أحد الناس لكن مسألتنا مثل ما قالوا هنا في غير هؤلاء المشاهير، رجل قالوا: إنه (معروف). أو على سبيل المثال قالوا: إنه (حافظ) أو (ضابط). الجواب: هذا أمر آخر: قالوا (معروف) لا تكفي، (حافظ) أو (ضابط) أو كذا يقبل منهم لأنه مثل أئمة الجرح والتعديل إذا أطلقوا مثل هذه العبارات على المحدث، فلو كان به جرح لصاحوا به مثل: أبي حاتم الرازي، ومثل أبي زرعة، ومن تقدّم ذكرهم،

стр. 22

لو سمعوا عنه ووجدوه مجروحًا، لا يتركونه. فتتلمذهم له، وشهرته، ولا بد أن يكون مشهورًا بالطلب، وتتلمذ له أئمة من أئمة الجرح والتعديل، فلو كان ضعيفًا لصاحوا به. السؤال٣ هل الحديث الذي تلقاه الناس بالقبول يحكم بصحته وإن لم يصح سنده، كما ذكر صاحب "التدريب" عن البخاري رحمه الله تعالى بحديث ((هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته)) قال: لا أعلم له إسنادًا يصح غير أن الناس تلقوه بالقبول؟ الجواب: لا بد من النظر في أسانيده، وقد ذكر هذا الصنعاني في كتابه "توضيح الأفكار" وقد قال ابن عبد البر في بعض الأحاديث مثل حديث: ((لايمسّ القرآن إلاّ طاهر)) قال: إن الأمة تلقته بالقبول، وادعى بعضهم في حديث: ((اختلاف أمّتي رحمة)) أن الأمة تلقته بالقبول، وهذا ليس بصحيح، لا ذا ولا ذاك، وأما حديث: ((هو الطّهور ماؤه، الحلّ ميتته)) في ماء البحر فهو وإن لم يصح له سند بمفرده فهو بمجموع طرقه صالح للحجية، وإلا فلا بد من النظر في سنده، وما أكثر الأحاديث التي اشتهرت عند المحدثين، ومع هذا فهم ينظرون إلى أسانيدها، وما أكثر الأحاديث التي يسأل بعضهم بعضًا عن أسانيدها، فلا بد من النظر في السند والنظر في المتن، لا يكون المتن شاذًا ولا يكون معلاً، إلى غير ذلك، ذكر هذا الصنعاني في كتابه "توضيح الأفكار"

стр. 23

ثم رب حديث يكون قد تلقاه طائفة من الناس بالقبول مثل حديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال: ((بم تقضي فيهم)) قال: بكتاب الله تعالى. قال: ((فإن لم تجد))؟ قال: فبسنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: ((فإن لم تجد))؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. يقولون: إن الفقهاء تلقوه بالقبول، أبومحمد بن حزم ﵀ يقول: إنه نفق عليهم الحديث وتناقلوه من كتاب إلى كتاب، حتى ظنوه أنه متلقى بالقبول، مع أنه يدور على الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة، وهو مجهول العين. وقد قال البخاري: إن حديثه لايصح. وله طرق أخرى ذكرها الشيخ ناصر الدين الألباني حفطه الله تعالى، ذكره في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" وبيّن طرقه، وما فيها من الضعف. السؤال٤ في تعارض الجرح والتعديل ذكر الجمهور أن الجرح مقدم، لأن الجارح لا يكذب المعدلين، ولكن يوافقهم ويقول: اطلعت على ما لم تطلعوا عليه. والحافظ ابن حجر له في ذلك مذهب كما تعلمون: أن الرجل إذا ثبتت له مرتبة سنيّة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي. وأنا ليس سؤالي في الجرح أو التعديل ولكن سؤالي فيما إذا تعارضت مرتبة، كأن يقول في رجل: ثقة، وآخر يقول فيه: صالح الحديث، أو حسن الحديث، أو شيخ، وأحد العلماء يجعله في مرتبة الاحتجاج، وآخر يجعله في مرتبة الاستشهاد، واللذان تعارض كلامهما من أئمة الشأن ليس لأحد منهم فضل على الآخر حتى أرجّح كلامه على الآخر، فلا أدري: هل أبقيه

стр. 24

على مرتبة الثقة ولا أنزله إلى مرتبة الاستشهاد؟ أم ماذا؟ الجواب: مثل هذا الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" يأخذ مرتبة وسطى، ويجعله صدوقًا، وهذا حسن، والمسألة اجتهادية. السؤال٥ رجل وصف بأنه (عابد) أو (مقلّ)، ليس في وصفه إلا هكذا، فهل يعتبر بحديثه، ويستشهد به؟ الجواب: يستشهد به، ولا يحتج به، لأن العبادة تحتاج إلى حفظ، فما أكثر المحدثين العابدين الذين ضعّفوا مثل: أبان بن أبي عياش، وعبد الله بن عمر العمري، وجمع كثير من العباد الذين ضعّفوا، حتى قال يحيى بن سعيد رحمه الله تعالى: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. أو بهذا المعنى، يقول مسلم: بمعنى أن الكذب يجري على ألسنتهم ولا يتعمدونه. فهذه العبارة لفظة (عابد) أو ما يجري مجراها لا تدل على أنه يقبل الحديث، لأنه يشترط في الحديث أمر آخر وهو: الضبط. والله المستعان. السؤال٦ لو أن أحدنا مثلاً قال: إنه معروف من الصالحين أنّهم مغفلون في الحديث ويفحشون في الخطأ، وقال: إن الذي يوصف بعابد لا أستشهد بحديثه، فكم جرب على عابد أنه لا يحتج بحديثه ولا يستشهد به، ونزله منْزلة المردود، نعم هو عابد في دينه، أما من حيث حفظه فإنه ليس بشيء، لو أن أحد الناس قال: الذي يوصف بعابد لا يحتج به، ولا يستشهد به، بم نجيب عليه؟

стр. 25

الجواب: كم روى عنه؟ نرجع إلى القاعدة: إذا روى عنه اثنان فأكثر، ولم يوثقه معتبر ولم يجرح، يصلح في الشواهد والمتابعات. السؤال٧ ذكرتنا بكم الرواة عنه قالوا: إن الراوي عنه يكون عدلاً، لو أنّ -مثلاً- رجلاً شيخًا، في ترجمته أنه شيخ من مراتب الاستشهاد وليس من مراتب الاحتجاج، وكان من الرواة عنه أناس هم من مراتب الاستشهاد، هل يرفعون جهالته؟ الجواب: الظاهر أن جهالته ترتفع، إلا إذا كان الراوي عنه كذابًا، فربما أن الكذاب يروي عمن لم يوجد ولم يخلق. السؤال٨ وإذا قالوا في الرجل: (يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم)، هل هذا الكلام يفهم منه أنه كذاب أو أنه منكر الحديث؟ الجواب: ينبغي أن ينظر في قائل هذه الكلمة، فإن مثل هذه الكلمة يقولها ابن حبان في بعض الحفاظ الكبار، من رجال البخاري ومسلم، فإذا قالها الإمام أحمد، أو يحيى بن معين، أو من جرى مجراهما، فمثل هؤلاء ينظر فيما قاله غير القائل، ينظر أوثّقه غير القائل؟ أو قال: إنه صدوق غير القائل. أما إذا لم ترد إلا هذه العبارة فهي تعتبر جرحًا، وهي محتملة أنه يكذب، وأنه يهم. محتملة لهذا وهذا، فنحن نتوقف في أمره، لا نحكم عليه بأنه كذاب، ولا نحكم عليه بأنه صالح للشواهد والمتابعات، ولكن

стр. 26

إن وردت عبارات أخرى لبعض أهل العلم يحمل عليها هذا القول، بمعنى أنه يهم، وينظر أذلك الحديث من أوهامه، أم ليس من أوهامه؟ فإذا لم ترد إلا هذه العبارة توقفنا في أمره ولا نحتج به، لكن ربما يصلح للشواهد والمتابعات، وينظر فيمن روى عنه أهم من الثقات الأثبات أم ماذا؟ السؤال٩ قولهم في الرجل: (يروي المعضلات) هل المقصود بذلك العجائب والمشكلات، أو الأوابد -كما يقولون-، أم المعضلات بالمعنى الاصطلاحي؟ وإذا كان المقصود المعنى الاصطلاحي فما وجه القدح؟ الجواب: ذلك بمعنى الأوابد، وبمعنى الأمور التي لم تثبت عنهم، لكن هذه العبارة -كما تقدم- ينبغي أن ينظر في قائلها، فيخشى أن تكون من ابن حبان رحمه الله تعالى، فكثيرًا ما يقول: يروي المعضلات عن الأثبات فاستحق الترك. فابن حبان هو شديد التجريح، كما أنه متساهل في توثيق المجهولين، فهو يطلق هذه العبارة على بعض رجال الشيخين، فيتوقف في كلامه، وربما اعترض عليه الحافظ الذهبي وقال: إنه لا يدري ما يخرج من رأسه. السؤال١٠ بارك الله فيكم. ومثلها قولهم (يروي المرسلات والمنقطعات والمقطوعات)، ماوجه القدح فيها؟

стр. 27

الجواب: الظاهر أنّهم يعنون بهذا أنه يصل المرسلات، لعلهم يعنون هذا، يصل المرسل ويرفع الموقوف ... الخ، هذا بمعنى أنه يخالف الناس في هذا، فإذا كان ثقةً أو قيل فيه: صدوق، بقي علينا أن ننظر في كتاب "ميزان الاعتدال" وفي كتاب "الكامل" لابن عدي، وفي غير هذين الكتابين، أهذا الحديث مما تفرد هو برفعه والناس يروونه موقوفًا، أو تفرد بوصله والناس يروونه مرسلاً؟ فينبغي أن تراجع ترجمته، وإذا قد وثقه العلماء الأثبات -وبعضهم قال هذا-، بقي علينا أن ننظر في ترجمته، أهذا الحديث مما أخطأ فيه؟ فيترك خطؤه، وهكذا إذا قالوا: صدوق يهم، صدوق يخطيء، وهنا أمر أنصح به طلبة العلم وهو: أن يعرضوا ما كتبوه على كتب العلل، فربّ حديث نغترّ به ونقول: إن رجاله رجال الشيخين، ثم بعد هذا نجد أن الحديث معل، وقد حكم عليه بالوضع، وربّ حديث قد حدّثْنا به وهززْنا به رؤوسنا وفي النهاية فإذا الحديث معل، وقد قال أبوحاتم أو الدارقطني رحمهما الله تعالى: إن هذا معل، فالذي أنصح به إخواني في الله أن يعرضوا ما كتبوه على كتب العلل، والحمد لله كتب العلل تغربل الأحاديث غربلة، وقد قال علي بن المديني -وهو كما يقول الحافظ ابن حجر: أعلم أهل عصره بعلل الحديث- يقول: الحديث إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين خطؤه. والله المستعان.

стр. 28

السؤال١١ إذا قال أحد من أئمة الحديث: إن الحديث معلول. فهل لا بد من أن يبين السبب ويظهره لنا كطلبة علم، أو لا يقبل منه هذا القول، أو يقبل منه من غير بيان؟ الجواب: أنا وأنت في هذا الأمر ننظر إلى القائل، فإذا قاله أبوحاتم، أو أبوزرعة، أو البخاري، أو أحمد بن حنبل، أو علي بن المديني، ومن جرى مجراهم، نقبل منه هذا القول، وقد قال أبوزرعة كما في "علوم الحديث للحاكم" ص (١١٣) عند جاء إليه رجل وقال: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة -إذا أردت أن تعرف صدقنا من عدمه، أنحن نقول بتثبت أم نقول بمجرد الظن والتخمين؟ - أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة -يعني محمد بن مسلم بن وارة- وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلاف فاعلم أن كلاً منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم. ففعل الرجل فاتفقت كلمتهم عليه فقال أشهد أن هذا العلم إلهام. وقد قال عبد الرحمن بن مهدي كما في "العلل" لابن أبي حاتم (ج١ ص١٠): إن كلامنا في هذا الفن يعتبر كهانة عند الجهال. وإذا صدر من حافظ من المتأخرين، حتى من الحافظ ابن حجر ففي النفس شيء، لكننا لا نستطيع أن نخطّئه، وقد مرّ بي حديث في

стр. 29

"بلوغ المرام" قال الحافظ: إنه معلول. ونظرت في كلام المتقدمين، فما وجدت كلامًا في تصحيح الحديث ولا تضعيفه، ولا وجدت علةً، فتوقفت فيه. ففهمنا من هذا، أنه إذا قاله العلماء المتقدمون ولم يختلفوا، أخذنا به عن طيبة نفس واقتناع، وإذا قاله حافظ من معاصري الحافظ ابن حجر نتوقف فيه. السؤال١٢ ذكرتم في من قيل فيه: (صدوق يخطئ)، أو (صدوق يهم): أننا نرجع "للميزان" للذهبي أو "الكامل" لابن عدي للنظر، هل هذا الحديث من أوهامه وأخطائه، أم لا؟ وأحيانًا أرجع إلى ترجمة بعض الرواة الذين قيل فيهم هذه المقالة، فأجدهم يقولون: ومن أوهامه، لا يسوقون هذا مساق الحصر، ولكن مساق التمثيل، يمثّلون بأوهامه، ولم يذكروا الحديث الذي بين يدي، لكنهم ما قالوا: إن هذه كل أوهامه، وإنما ذكروها على سبيل المثال، فكيف بالحديث الذي بين يدي؟ الجواب: سؤال حسن، إن كان الحديث من أحاديث الأحكام، فأحاديث الأحكام قد نخلت نخلاً، لأن هناك فقهاء محدثين، مثل الإمام النووي، ومثل الإمام الحافظ ابن حجر، ومثل العراقي، ومثل الزيلعي في "نصب الراية"، ومثل من تقدمهم، كالبيهقي، ومثل الطحاوي، فمثل هذه الأحاديث يتكلمون عليها إذا استدل شافعيّ بالحديث،

стр. 30

والحنفي يعلم به علة، يبيّن أنه معلّ، وهكذا على العكس رجعت إلى كتب الأحكام مثل: "نيل الأوطار" وغيره من الكتب، ومن أحسن المراجع في هذا هو "التلخيص الحبير" للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، لكن إذا كان الحديث يتعلق بالتفسير، أو بالسير، فأنت تنظر أذكر في أوهامه أم انتقد عليه؟ وإلا حكمت عليه بما يقتضيه ظاهر السند، والله تعالى أعلم. السؤال١٣ الشيخ الألباني-حفظه الله تعالى- يحسّن حديث من هذا حاله، فهل يحمل تحسينه على ما ذكرت أنت من التفصيل؟ أم أن هذه قاعدة عنده أن (صدوق يخطئ) حديثه حسن، وذكره غير مرة في كتابه "السلسلة"؟ الجواب: الذي يظهر أن هذه قاعدة عنده، وقد سألناه بمدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال حفظه الله تعالى: إنّ من مارس أعمالهم في كتب الحديث يرى أنّهم يحسّنون لمحمد بن عمرو بن علقمة ومن جرى مجراه، فالظاهر أن هذه قاعدة عنده وهي قاعدة مقبولة لا غبار عليها، لكن من أحب أن يتثبّت وينظر في ترجمته وفي العلل فهو الأحوط لدينه. السؤال١٤ ذكر ابن الوزير رحمه الله تعالى أنّ مدلس تدليس التسوية لا بد أن يصرّح بالتحديث من أول السند إلى آخره، ولا ينفعه أن يصرح بالتحديث بينه وبين شيخه، فماذا تقولون؟ الجواب: هذا هو المعروف، لأن تدليس التسوية هو: إسقاط ضعيف

стр. 31

بين ثقتين، وزاد بعضهم: قد سمع أحدهما من الآخر، فهذا هو المعروف والمعتبر، وهذا هو الذي عليه العمل: أنه إذا وجد مدلس تدليس التسوية مثل: بقية بن الوليد، أو الوليد بن مسلم، فإنه لا بد أن يصرّح بالتحديث في السند كله (١)، لكن ينبغي أن يعلم أنه يحتاج إلى أن تجمع الطرق، فربما لا يصرّح في "صحيح البخاري" ويصرح في "مسند أحمد"، أو يصرّح في "معجم الطبراني". وقد قيل للوليد بن مسلم -وهو كثير الرواية عن الأوزاعي-: مالك تحذف شيوخ الأوزاعي الضعفاء؟ قال: أجلّه عن أن يروي عنهم، قيل له: إذا حذفت شيوخ الأوزاعي الضعفاء، ضعّف الأوزاعي، وأبى الوليد بن مسلم إلا أن يستمر على ما هو عليه. فلا بد من التصريح، فمثلاً الوليد بن مسلم يروي عن الأوزاعي، والأوزاعي يروي عن الزهري، والزهري يروي عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب يروي عن أبي هريرة، لا بد أن يكون فيه: حدثنا الأوزاعي، أو سمعت، أو ما يؤدي هذا، وهكذا الأوزاعي عن الزهري، حدثنا الزهري والزهري عن سعيد بن المسيب، حدثنا سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. السؤال١٥ الهيثم بن خارجة لما سأل الوليد بن مسلم في القصة التي

стр. 32

ذكرتها قال: أنت إذا فعلت ذلك وحذفت ما بين الأوزاعي والزهري، أو مابين الأوزاعي وغيره من المشايخ، ضعّف الأوزاعي، فلو أن الأوزاعي ثبت لقاؤه للشيخ هذا، ويقينًا تحمل عنه الأوزاعي، ومع ذلك عنعن، فما وجه ضعف الأوزاعي؟ هل وجه ضعفه أن الحديث منكر؟ الجواب: إذا عنعن والراوي عنه الوليد بن مسلم (نعم)، فقط خاف أن يضعّف، وإلا فالأوزاعي قد عرفت إمامته، وعرفت ثقته، فخاف أن الناس يظنون أن الأوزاعي هو الذي وضع هذا الحديث الضعيف، أو هذا الحديث المنكر، فخاف من هذا، والحمد لله لم يحصل -أي لم يضعف الأوزاعي- لأنه قد عرف أن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية؟ السؤال١٦ إذا كان الحديث في "الصحيحين" وقد عنعن المدلس فماذا؟ الجواب: من أهل العلم من يقول: إنه يحمل على السماع، قال ابن دقيق العيد -كما في "فتح المغيث"-: إن في النفس شيئًا. فهو محمول على السماع، لأن مثل الإمام البخاري لا يخفى عليه هذا، وهو الأحوط، حتى لا يتجرأ على تضعيف أحاديث في "الصحيحين"، ما ضعفها أحد من المتقدمين، والله أعلم. السؤال١٧ مثل كتب "المستخرجات"، ذكروا أن الذي يخرج كتابًا على كتاب، أنه يجب عليه أن يلتزم بشرط صاحب الكتاب الأول،

стр. 33

ومن هنا تكلّم الحافظ ابن حجر على فوائد "المستخرجات"، فقال: إنّ الرجال الجدد الذين يذكرهم صاحب "المستخرج" لهم حكم العدالة مالم يثبت فيهم جرح أو تعديل، لأن الرجل التزم بشرط الصحيح، فمن هنا قال: يستفاد من "المستخرجات": توثيق الرجال الجدد الذين لم يثبت فيهم جرح ولا تعديل، وحديثهم الذي في غير "المستخرج" محمول على العدالة، لأن صاحب "المستخرج" قد ذكرهم، لكنه قال بعد ذلك: إنه لا يحكم لهم بالعدالة، قال: والسبب في ذلك: أنّ الحافظ منهم، همّه العلو، فكيف الجمع بين الكلام الأول والأخير؟ الجواب: الأخير هو المعتبر، لا بد من نظر في رجال السند من المؤلف إلى أن يلتقي مع من استخرج عليه، فالمعتبر هو الأخير. السؤال١٨ قول ابن الصلاح: إن الأمة تلقت "الصحيحين" بالقبول، هل هذا عليه العمل؟ وإذا كان هذا عليه العمل، فهل لي أنا أو لغيري من طلبة العلم إذا اتضح له حديث فيه علة ولم يتكلم عليه الأئمة الأولون هل لي أن أتكلم فيه، لأني سمعت أن بعض الإخوة يضعف حديثًا في البخاري ما ذكره الدارقطني، ولا غيره من الأئمة، فهل هذا الأخ أو الذي يقول هذه المقالة يدفع بأن الأمة تلقت هذين "الصحيحين" بالقبول إلا الأحرف اليسيرة؟ أم يقول الأمر أمر اجتهاد، وأسير كما سار الدارقطني، وأنا صاحب

стр. 34

شوكة وصاحب أهلية ... الخ؟ الجواب: الذي يظهر أن "الصحيحين" قد تلقتهما الأمة بالقبول-كما يقول ابن الصلاح- إلا أحاديث يسيرة انتقدها الحفاظ كالدارقطني وغيره، وأنه لا ينبغي أن يفتح الباب لزعزعة الثقة بما في "الصحيحين"، وربّ حديث يكون قد تحقق للعلماء أنه صحيح مثل البخاري، أقصد أن مثل الإمام البخاري، وأحمد بن حنبل، وابن معين، وعلي بن المديني، ومن جرى مجراهم، يعرفون الراوي وما روى عن ذلك الشيخ، وإذا روى حديثًا ليس من حديثه يقولون: هذا ليس من حديث فلان، دليل على أنّهم يحفظون حديث كل محدث، وربما يروون له عن أناس مخصوصين، فهم قد اطلعوا على مالم نطلع عليه، ونحن ما بلغْنا منْزلتهم، والصحيح أنّ مثلنا مثل الذي يعشي-وأنا أتحدث عن نفسي أولاً- فالذي يعشي يمشي في الليل وعنده نور قليل فهو يتخبط، فنحن نفتش الورق ونقرأ ونبحث، فينبغي أن يعلم أنّهم حفاظ، ونحن لسنا بحفاظ، وربما نغترّ بظاهر السند هو كالشمس في نظرنا، وهو معلّ عندهم، وربما يكون في السند ابن لهيعة، وهم يعلمون أنّ هذا الحديث من صحيح حديث ابن لهيعة، فإذا صححه الحافظ الكبير ولم يقدح فيه حافظ معتبر مثله فهو مقبول لأنّهم قد نخلوا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نخلاً، ولو كان ضعيفًا لصاحوا به. السؤال١٩ بعض الرواة يكون ثقةً إذا روى عن أهل بلد وضعيفًا إذا

стр. 35

روى عن أهل بلد أخرى، مثل: إسماعيل بن عياش في روايته عن الشاميين والحجازيين، ومثل: بقية. والسؤال: إذا روى عن غير أهل هذين البلدين، مثلاً إسماعيل بن عيّاش يروي عن المصريين، ما حكم روايته؟ الجواب: يصلح في الشواهد والمتابعات. إذا روى عن الشاميين تقبل روايته، وإذا روى عن المصريين أو المدنيين يصلح في الشواهد والمتابعات. السؤال٢٠ إن كان الأئمة قد ضعفوا حديثًا بعينه، ثم جاء المتأخرون فصححوه، وقد ذكر الأئمة في السابق أن له طرقاً بعضها ضعيفة، وبعضها كذا، إلا أن الرجل المتأخر رد هذه العلة، مرةً يرد هذه العلة، ومرةً يقول: أنا بحثت عن الحديث فوجدت له سندًا لم يطلع عليه الحفاظ الأولون، فماذا تقول؟ الجواب: سؤال حسن ومهم جدًا -جزاكم الله خيرًا- العلماء المتقدمون مقدّمون في هذا، لأنّهم كما قلنا قد عرفوا هذه الطرق، ومن الأمثلة على هذا: ما جاء أن الحافظ ﵀ يقول في حديث المسح على الوجه بعد الدعاء: أنه بمجموع طرقه حسن، والإمام أحمد يقول: إنه حديث لا يثبت، وهكذا إذا حصل من الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى هذا؛ نحن نأخذ بقول المتقدمين ونتوقف في كلام الشيخ ناصر الدين

стр. 36

الألباني، فهناك كتب ما وضعت للتصحيح والتضعيف، وضعت لبيان أحوال الرجال مثل: "الكامل" لابن عدي و"الضعفاء" للعقيلي، وهم وإن تعرضوا للتضعيف، فهي موضوعة لبيان أحوال الرجال، وليست بكتب علل، فنحن الذي تطمئن إليه نفوسنا أننا نأخذ بكلام المتقدمين، لأن الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى ما بلغ في الحديث مبلغ الإمام أحمد بن حنبل، ولا مبلغ البخاري، ومن جرى مجراهما. ونحن ما نظن أن المتأخرين يعثرون على مالم يعثر عليه المتقدمون اللهم إلا في النادر، فالقصد أن هذا الحديث إذا ضعفه العلماء المتقدمون الذين هم حفاظ، ويعرفون كم لكل حديث من طريق، فأحسن واحد في هذا الزمن هو الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى، فهو يعتبر باحثًا، ولا يعتبر حافظًا، وقد أعطاه الله من البصيرة في هذا الزمن ما لم يعط غيره، حسبه أن يكون الوحيد في هذا المجال، لكن ما بلغ مبلغ المتقدمين. السؤال٢١ الشيخ الألباني-جزاه الله خيرًا- قد يأتي بحديث في نفس هذه المسألة، فإن بحثت في كتب الفقه المتقدمة وجدت الحديث ضعيفًا، ووجدت العمل ليس عليه عند الفقهاء المتقدمين، والشيخ ناصر يصحح الحديث، فيحتج بعض طلبة العلم ويقولون: لماذا تضعّفون هذا والحديث في "صحيح الجامع" للألباني، فيحرج الإنسان، فما تقولون في ذلك؟

стр. 37

الجواب: سؤال حسن أيضًا، الشيخ ناصر الدين الألباني- حفظه الله تعالى- هو عندنا ثقة، فالباحث الذي يستطيع أن يبحث لنفسه فما راء كمن سمع، وليس الخبر كالمعاينة، والذي لا يستطيع أن يبحث وأخذ بقول الشيخ الألباني في التصحيح والتضعيف، فهذا لا شيء عليه إن شاء الله، لأن الله يقول في كتابه الكريم: ﴿ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (١)﴾ فالشيخ ناصر هو عندنا ثقة، والذي يأخذ بتصحيحه وتضعيفه لا ننكر عليه بحال من الأحوال وإن خالفنا، لكن يبحث وهو الأحوط والأولى، وهو الذي يرجى أن ينفع الله به الإسلام والمسلمين. أما إذا قال لك قائل: هذا صححه الشيخ ووجدته ليس أهلاً للبحث فاترك صاحبك هذا، ولا تختلف أنت وهو، اتركه وابحث الحديث واعمل بما تراه حقًا، ولست بأول شخص أنت وصاحبك ممن اختلف في تصحيح الحديث وتضعيفه، أو في توثيق الرجل وتضعيفه، ولا ينبغي أن يكون هذا سببًا لفرقة ولا اختلاف ولا تنافر. ونحن لا نطالب الناس بأن يكونوا كلهم محدثين، فمن أخذ بما صححه الشيخ أو ضعفه، لا نستطيع أن ننكر عليه، ولا نقول شيئًا، حتى وإن خالف ما نرى، سواء أكان الشيخ أم غيره، كالأخ محمد ابن عبد الوهاب عندنا، وكذلك الأخ أبي الحسن أو غيرهما، القصد أن

стр. 38

العلماء الأولين اختلفوا في التصحيح والتضعيف، واختلفوا أيضًا في التوثيق والتجريح، فالأمر سهل إن شاء الله في هذا. السؤال٢٢ بعض الإخوة المصريين الذين يبحثون في علم الحديث يحكم على أحاديث الشيخ الألباني عامةً التي يحسّنها وهي من قبل مضعفة، يقول: الشيخ متساهل في التحسين فماذا تقول؟ الجواب: على العموم نحن لا نستطيع أن نحكم على الشيخ أنه متساهل في التحسين، ولا أنه متساهل في التصحيح، طالب العلم ينبغي أن يبحث، نحن مع الشيخ في هذا الأمر، وفي مواضع لا نأخذ بقول الشيخ، وفي مواضع نرجع بعد سنة أو سنتين إلى قول الشيخ، إذا لم يكن الشخص صاحب هوى من إخوانك المصريين، فلا بأس، وإن قال: إن الشيخ متساهل. لا ينكر عليه، لكن لا نستطيع أن نقول: إن الشيخ حفظه الله متساهل على العموم، لكن كما قلنا هذه مسألة اجتهادية، والباحث متعبّد بما أدى إليه اجتهاده، فالذي يبحث ويأخذ بما أدى إليه اجتهاده، فهذا هو الأحوط لدينه، والذي يأخذ بتحسين الشيخ أو تضعيفه فقد أخذ إن شاء الله بما ينجيه عند الله . السؤال٢٣ قولهم في الرجل: (مجروح)، هل هذه فيها تهمة بالكذب وما وثّق؟ الجواب: نتوقف في أمره، أقل حاله أن يكون ضعيفًا.

стр. 39

السؤال٢٤ لأن هذه تجرني إلى كلمة أخرى، الدارقطني رحمه الله تعالى قال: تجنب تدليس ابن جريج، فإنه لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح؟ الجواب: معنى كلامه: أن ابن جريج إذا عنعن توقفت فيه، ولفظة (مجروح) الجرح يتفاوت، فهى محتملة لأن يكون ضعيفًا، أو شيخًا أو يكون أكذب الناس، كل هؤلاء مجروحون، فهي عبارة محتملة، نتوقف فيما عنعن فيه ابن جريج رحمه الله تعالى. السؤال٢٥ الذي قيل فيه: (مجروح) ولا ندري أهو مجروح من كذب أم من سوء حفظ، وما ذكر فيه إلا هذه العبارة هل يستشهد به؟ الجواب: الظاهر أنه يستشهد به، لو كان كذابًا لقالوا: إنه كذاب. السؤال٢٦ ذكروا أن: من قيل فيه: (لا بأس به)، فهو من مراتب الاحتجاج في الحديث الحسن وأن من قيل: (صالح الحديث) يستشهد به، فكيف لو جمع عالم من العلماء قال فلان: (صالح لا بأس به)، هل لا بأس به في دينه وصالح في حديثه، بمعنى أن يستشهد به أم ماذا؟ الجواب: الذي يظهر لي أنّهم يحسّنون لمن قيل فيه: (صالح لا بأس به). السؤال٢٧ ذكر الذهبي تعقيبًا على كلام ابن القطان، أن مجهول الحال الذي لم يوثقه معاصر، أو ينقل توثيقه عن معاصر، وأنا أسأل: هل هناك طريقة أخرى في توثيق الرجل غير قول المعاصر فيه، مثل سبر أحاديثه والنظر هل وافق الثقات أم خالفهم، ولم

стр. 40

يتكلم فيه أحد ممن عاصره، هل عند العلماء أنّهم يجمعون حديثه وينظرون، هل وافق الثقات أم خالفهم، وبهذا يجعلون له حكمًا وإن لم يوثقه معاصر؟ الجواب: نعم هذه هي الطريقة: إن كان معاصرًا نظروا في حديثه وفي أمره، وإذا كان غير معاصر نظروا في حديثه فإذا لم يخالف الثقات علموا أنه حافظ، وقد أتقن حديثه، وقد ذكر هذا مسلم في مقدمة "صحيحه" وذكره غير مسلم رحمه الله تعالى، وذكر المعلمي في "التنكيل عما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" أن يحيى بن معين ربما يوثّق الشخص الذي لم يوثّق، ويستحق أن يكون مجهولاً لأن يحيى ينظر في حديثه فلا يجده مخالفًا للثقات فيوثقه، فهاتان طريقتان في هذا الأمر. السؤال٢٨ السند الذي فيه انقطاع ظاهر ليس بالإرسال الخفي ولا بالانقطاع الخفي، وجاء من طريق أخرى فيها أيضًا انقطاع، فهل ينجبر الحديث؟ الجواب: الذي يظهر أنه لا ينجبر، لأنه يحتمل أن يكون المحذوف ثقة، وأن يكون كذابًا، وهكذا أيضًا كذاب عن كذاب لا ينجبر، لكن لو تعددت الأحاديث المنقطعات ربما ترتقي إلى الحسن والله أعلم. السؤال٢٩ أنظر إلى قولهم: هو (مظلم الأمر)، فأجدها غالبًا ما تقال في المجهول وليس بالمشهور، لكن جاء عند ابن عدي في ترجمة سعيد بن ميسرة البصري أبي عمران، قال: هو منكر، وعنده
следующие страницы →