الألباني، فهناك كتب ما وضعت للتصحيح والتضعيف، وضعت لبيان أحوال الرجال مثل: "الكامل" لابن عدي و"الضعفاء" للعقيلي، وهم وإن تعرضوا للتضعيف، فهي موضوعة لبيان أحوال الرجال، وليست بكتب علل، فنحن الذي تطمئن إليه نفوسنا أننا نأخذ بكلام المتقدمين، لأن الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى ما بلغ في الحديث مبلغ الإمام أحمد بن حنبل، ولا مبلغ البخاري، ومن جرى مجراهما. ونحن ما نظن أن المتأخرين يعثرون على مالم يعثر عليه المتقدمون اللهم إلا في النادر، فالقصد أن هذا الحديث إذا ضعفه العلماء المتقدمون الذين هم حفاظ، ويعرفون كم لكل حديث من طريق، فأحسن واحد في هذا الزمن هو الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى، فهو يعتبر باحثًا، ولا يعتبر حافظًا، وقد أعطاه الله من البصيرة في هذا الزمن ما لم يعط غيره، حسبه أن يكون الوحيد في هذا المجال، لكن ما بلغ مبلغ المتقدمين.
السؤال٢١ الشيخ الألباني-جزاه الله خيرًا- قد يأتي بحديث في نفس هذه المسألة، فإن بحثت في كتب الفقه المتقدمة وجدت الحديث ضعيفًا، ووجدت العمل ليس عليه عند الفقهاء المتقدمين، والشيخ ناصر يصحح الحديث، فيحتج بعض طلبة العلم ويقولون: لماذا تضعّفون هذا والحديث في "صحيح الجامع" للألباني، فيحرج الإنسان، فما تقولون في ذلك؟
стр. 37
الجواب: سؤال حسن أيضًا، الشيخ ناصر الدين الألباني- حفظه الله تعالى- هو عندنا ثقة، فالباحث الذي يستطيع أن يبحث لنفسه فما راء كمن سمع، وليس الخبر كالمعاينة، والذي لا يستطيع أن يبحث وأخذ بقول الشيخ الألباني في التصحيح والتضعيف، فهذا لا شيء عليه إن شاء الله، لأن الله يقول في كتابه الكريم: ﴿ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (١)﴾ فالشيخ ناصر هو عندنا ثقة، والذي يأخذ بتصحيحه وتضعيفه لا ننكر عليه بحال من الأحوال وإن خالفنا، لكن يبحث وهو الأحوط والأولى، وهو الذي يرجى أن ينفع الله به الإسلام والمسلمين.
أما إذا قال لك قائل: هذا صححه الشيخ ووجدته ليس أهلاً للبحث فاترك صاحبك هذا، ولا تختلف أنت وهو، اتركه وابحث الحديث واعمل بما تراه حقًا، ولست بأول شخص أنت وصاحبك ممن اختلف في تصحيح الحديث وتضعيفه، أو في توثيق الرجل وتضعيفه، ولا ينبغي أن يكون هذا سببًا لفرقة ولا اختلاف ولا تنافر.
ونحن لا نطالب الناس بأن يكونوا كلهم محدثين، فمن أخذ بما صححه الشيخ أو ضعفه، لا نستطيع أن ننكر عليه، ولا نقول شيئًا، حتى وإن خالف ما نرى، سواء
أكان الشيخ أم غيره، كالأخ محمد ابن عبد الوهاب عندنا، وكذلك الأخ أبي الحسن أو غيرهما، القصد أن
стр. 38
العلماء الأولين اختلفوا في التصحيح والتضعيف، واختلفوا أيضًا في التوثيق والتجريح، فالأمر سهل إن شاء الله في هذا.
السؤال٢٢ بعض الإخوة المصريين الذين يبحثون في علم الحديث يحكم على أحاديث الشيخ الألباني عامةً التي يحسّنها وهي من قبل مضعفة، يقول: الشيخ متساهل في التحسين فماذا تقول؟
الجواب: على العموم نحن لا نستطيع أن نحكم على الشيخ أنه متساهل في التحسين، ولا أنه متساهل في التصحيح، طالب العلم ينبغي أن يبحث، نحن مع الشيخ في هذا الأمر، وفي مواضع لا نأخذ بقول الشيخ، وفي مواضع نرجع بعد سنة أو سنتين إلى قول الشيخ، إذا لم يكن الشخص صاحب هوى من إخوانك المصريين، فلا بأس، وإن قال: إن الشيخ متساهل. لا ينكر عليه، لكن لا نستطيع أن نقول: إن الشيخ حفظه الله متساهل على العموم، لكن كما قلنا هذه مسألة اجتهادية، والباحث متعبّد بما أدى إليه اجتهاده، فالذي يبحث ويأخذ بما أدى إليه اجتهاده، فهذا هو الأحوط لدينه، والذي يأخذ بتحسين الشيخ أو تضعيفه فقد أخذ إن شاء الله بما ينجيه عند الله .
السؤال٢٣ قولهم في الرجل: (مجروح)، هل هذه فيها تهمة بالكذب وما وثّق؟
الجواب: نتوقف في أمره، أقل حاله أن يكون ضعيفًا.
стр. 39
السؤال٢٤ لأن هذه تجرني إلى كلمة أخرى، الدارقطني رحمه الله تعالى قال: تجنب تدليس ابن جريج، فإنه لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح؟
الجواب: معنى كلامه: أن ابن جريج إذا عنعن توقفت فيه، ولفظة (مجروح) الجرح يتفاوت، فهى محتملة لأن يكون ضعيفًا، أو شيخًا أو يكون أكذب الناس، كل هؤلاء مجروحون، فهي عبارة محتملة، نتوقف فيما عنعن فيه ابن جريج رحمه الله تعالى.
السؤال٢٥ الذي قيل فيه: (مجروح) ولا ندري أهو مجروح من كذب أم من سوء حفظ، وما ذكر فيه إلا هذه العبارة هل يستشهد به؟
الجواب: الظاهر أنه يستشهد به، لو كان كذابًا لقالوا: إنه كذاب.
السؤال٢٦ ذكروا أن: من قيل فيه: (لا بأس به)، فهو من مراتب الاحتجاج في الحديث الحسن وأن من قيل: (صالح الحديث) يستشهد به، فكيف لو جمع عالم من العلماء قال فلان: (صالح لا بأس به)، هل لا بأس به في دينه وصالح في حديثه، بمعنى أن يستشهد به أم ماذا؟
الجواب: الذي يظهر لي أنّهم يحسّنون لمن قيل فيه: (صالح لا بأس به).
السؤال٢٧ ذكر الذهبي تعقيبًا على كلام ابن القطان، أن مجهول الحال الذي لم يوثقه معاصر، أو ينقل توثيقه عن معاصر، وأنا أسأل: هل هناك طريقة أخرى في توثيق الرجل غير قول المعاصر فيه، مثل سبر أحاديثه والنظر هل وافق الثقات أم خالفهم، ولم
стр. 40
يتكلم فيه أحد ممن عاصره، هل عند العلماء أنّهم يجمعون حديثه وينظرون، هل وافق الثقات أم خالفهم، وبهذا يجعلون له حكمًا وإن لم يوثقه معاصر؟
الجواب: نعم هذه هي الطريقة: إن كان معاصرًا نظروا في حديثه وفي أمره، وإذا كان غير معاصر نظروا في حديثه فإذا لم يخالف الثقات علموا أنه حافظ، وقد أتقن حديثه، وقد ذكر هذا مسلم في مقدمة "صحيحه" وذكره غير مسلم رحمه الله تعالى، وذكر المعلمي في "التنكيل عما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" أن يحيى بن معين ربما يوثّق الشخص الذي لم يوثّق، ويستحق أن يكون مجهولاً لأن يحيى ينظر في حديثه فلا يجده مخالفًا للثقات فيوثقه، فهاتان طريقتان في هذا الأمر.
السؤال٢٨ السند الذي فيه انقطاع ظاهر ليس بالإرسال الخفي ولا بالانقطاع الخفي، وجاء من طريق أخرى فيها أيضًا انقطاع، فهل ينجبر الحديث؟
الجواب: الذي يظهر أنه لا ينجبر، لأنه يحتمل أن يكون المحذوف ثقة، وأن يكون كذابًا، وهكذا أيضًا كذاب عن كذاب لا ينجبر، لكن لو تعددت الأحاديث المنقطعات ربما ترتقي إلى الحسن والله أعلم.
السؤال٢٩ أنظر إلى قولهم: هو (مظلم الأمر)، فأجدها غالبًا ما تقال في المجهول وليس بالمشهور، لكن جاء عند ابن عدي في ترجمة سعيد بن ميسرة البصري أبي عمران، قال: هو منكر، وعنده
стр. 41
مناكير، وساق له أحاديث، وقال: هو مظلم الأمر. هل مظلم هنا بمعنى النكارة؟
الجواب: الظاهر أنه بمعنى النكارة، ويحتمل أن المراد لم يتضح لي أمره.
السؤال٣٠ إذا أتى في السند أكثر من مجهول (أي مجهول حال) فهل يصلح في الشواهد والمتابعات؟
الجواب: يصلح في الشواهد والمتابعات، ولو وجد فيه أكثر من مجهول.
السؤال٣١ الذهبي ﵀ أحيانًا يذكر في ترجمة الرجل أقوال المتقدمين بالتعديل، ثم يعقّب ذلك بقوله: (لا يعرف) كما في شبيب بن عبد الملك التميمي، قال أبوزرعة: صدوق، وقال أبوحاتم: شيخ بصري ليس به بأس لا أعلم أحدًا حدث عنه غير معتمر بن سليمان -وهو أكبر منه- قال الذهبي: قلت: لا يعرف. فما وجه قول الذهبي وقد وثقه غيره؟
الجواب: نحن نأخذ بأقوال العلماء المتقدمين، وقول الإمام الذهبي في هذا إذا كان لا يعرفه هو فقد عرفه غيره، وكثيرًا ما يتعقب عليه الحافظ ابن حجر.
وقد مرت بي في أيام قريبة قال في ترجمة راو: (لا يعرف) فتعقبه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" فقال: عجبًا، إنه لعجب، قد عرفه يحيى بن معين فكيف يقال فيه: (لا يعرف). فنأخذ بأقوال العلماء المتقدمين.
стр. 42
السؤال٣٢ وفي المقابل أيضًا الحافظ ابن حجر ذكر ترجمة رجل وقال: وقرأت بخط الذهبي أنه صدوق، وترجم له في "التقريب" قال: (مجهول)؟
الجواب: لا بد أن ينظر ماذا قال العلماء المتقدمون وترجع إلى "تهذيب التهذيب" فإذا قال حافظ من الحفاظ المتقدمين الذين هم من معاصري يحيى بن معين: إنه صدوق فيكون صدوقًا، وأما إذا لم يوثّق، ثم يأتي الحافظ الذهبي ويقول: إنه ثقة، أو صدوق فنحن نتوقف في كلام الحافظ الذهبي، وكثيرًا ما يذكر في كتابه "الكاشف" ويقول: فلان وثّق، فنرجع فإذا هو قد اعتمد على توثيق ابن حبان، أو توثيق العجلي، أو توثيقهما، فالمعتبر في هذا هو الرجوع إلى كلام المتقدمين ﵏، أما الإمام الذهبي ففي قوله: (صدوق) أو كذا، فبينه وبين ذلك الرجل مراحل.
السؤال٣٣ بالنسبة لتوثيق العجلي، ذكر الشيخ الألباني حفظه الله تعالى أن العجلي والحاكم متساهلان في التوثيق، ومع ذلك أجد الحافظ ابن حجر إذا لم يكن في ترجمة الرجل إلا قول العجلى: (كوفي ثقة) أو (مدنيّ تابعيّ ثقة) يقول في "التقريب": ثقة، فما وجه تساهل العجلي؟
الجواب: قد عرف بالاستقراء، من تفرده -مع ابن حبان- بتوثيق بعض الرواة الذين لم يوثقهم غيرهما، فهذا عرف بالاستقراء، وإلا فلا أعلم أحدًا من الحفاظ نص على هذا، والذى لا يوثقه إلا العجلي،
стр. 43
والذي يوثقه أحدهما أو كلاهما فقد لا يكون بمنْزلة صدوق، ويصلح في الشواهد والمتابعات، وإن كان العجلي يعتبر أرفع في هذا الشأن فهما متقاربان و"التقريب" محتاج إلى إعادة نظر، فربما يقول فيه: مقبول، وتجد ابن معين قد وثّقه أو على العكس يقول: ثقة، ولا تجد إلا العجلي أو ابن حبان، وقد أعطانا الشيخ محمد الأمين المصري رحمه الله تعالى عشرة عشرة، كل واحد عشرة ممن قيل فيه: (مقبول) فالذي تحصل لي أن "التقريب" يحتاج إلى نظر، ونحن لا نرجع إلى "التقريب" إلا إذا رأينا للعلماء المتقدمين عبارات مختلفة لا نستطيع التوفيق بين عباراتهم، فنرجع إلى "التقريب" ونأخذ عبارة صاحب "التقريب".
السؤال٣٤ ذكروا في مراتب الاستشهاد قولهم: (واه) يقال في الرجل: (واه). قالوا إن هذا يستشهد به، وقالوا: (واهي الحديث) في مراتب الرد، وكثيرًا ما يقول الحافظ الذهبي وغيره: هذا الرجل وهّاه فلان فقال: كذاب. وأحيانًا يقول الحافظ الذهبي أيضًا: فلان واه. ويسوق الترجمة بالترك وبالكذب، فالقول الأخير في قولهم في الرجل (واه) هل هذا يستشهد به؟
الجواب: الذي أعرفه أن من قيل فيه: (واه) لا يصلح في الشواهد والمتابعات.
السؤال٣٥ ابن حبان معروف أنه يوثق المجاهيل، فإن كان الراوي غير
стр. 44
مجهول وقد روى عنه أكثر من واحد، وقال ابن حبان: هذا مستقيم الحديث، أو قال: هذا ثقة، هل نتوقف في توثيقه أم نعتبره؟
الجواب: من أهل العلم كما في "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" من قال فيه: إنه يقبل. وهو اختيار المعلمي، أما (ثقة) فالغالب أنه قد عرف هو نفسه بالتساهل، فيتوقف لأنه قد عرف هو بالتساهل في ثوثيق المجاهيل، فإذا وثّق غير مجهول يقبل منه، أما المجهولون فقد عرف منه التساهل في هذا.
السؤال٣٦ أحيانًا يذكر في كتابه "الثقات" يقول: روى عنه فلان وفلان وفلان وهو مستقيم الحديث، أو يقول: هو في حفظه كالأثبات أو يتقن حديثه، هو نفسه ينص على ثوثيقه، ولذا أجد الحافظ ابن حجر في مثل هذه المقالة يترجم له بالتوثيق أو على حسب مقالة ابن حبان وما وثقه إلا هو، وليس فيه إلا هذه العبارة!
الجواب: الذي يظهر أنه يتوقف في أمره، أما المعلمي في "التنكيل" فيقول: مثل هذا يقبل ويأخذ توثيقه عن ابن حبان.
السؤال٣٧ ابن معين سئل عمن يقول فيه (ضعيف) فقال: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. هل الأمر كذلك إذا قال في الرجل: (يضعفونه)؟
الجواب: الذي يقول فيه: (ضعيف) يكون غير ثقة، والذي يقول فيه:
стр. 45
(يضعفونه) لا يكون غير ثقة، بل يكون ضعيفًا، لأن الأول قوله، والثاني حكاية عن غيره.
السؤال٣٨ هل هناك فرق بين قولهم: فلان (منكر الحديث)، وفلان (يروي الأشياء المنكرة)؟
الجواب: (منكر الحديث) صيغة تقتضي الديمومة، وأما (يروي الأشياء المنكرة)، فهو يحتمل أنه يرويها كغيره من العلماء الذين يجمعون كما قيل: (إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش)، فيحتمل هذا. وينظر أهذا الحديث من مناكيره أم ليس من مناكيره.
السؤال٣٩ قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة علي بن المديني: إن الثقة إذا تفرد برواية فهي صحيحة غريبة، أما الصدوق فإذا انفرد فهي منكرة، هل هذا قول صحيح؟
الجواب: من أهل العلم من لا يقبل الصدوق، مثل أبي حاتم رحمه الله تعالى فلعله جرى على مثل ما جرى عليه أبوحاتم. أما ابن الصلاح وكثير من أهل العلم فيعتبرون الصدوق إذا انفرد حسن الحديث، ورب كلمة تنفق على المؤلف من غير أن ينظر فيها ويفحصها مثل: زيادة الثقة، وقد زلت قدم الخطيب في بعض كتبه، وفي "الكفاية" ثم تبعه على هذا ابن الصلاح، فالراجح في هذا أنه يحسّن حديثه.
السؤال٤٠ هل هناك فرق بين قولهم: فلان (سيء الحفظ)، وفلان (رديء الحفظ)، وفلان (يخطئ كثيرًا) أو (كثير الخطأ)، هل
стр. 46
هناك فرق بين هذه العبارات؟
الجواب: الذي يظهر أنّها مترادفة، والله أعلم.
السؤال٤١ هل قول البخاري في حديث من الأحاديث: (فيه نظر)، معناه: أن هذا الحديث لا يستشهد به، كقوله في الرجل: (فيه نظر)؟
الجواب: الذي يظهر هو هذا، أنه لا يستشهد به، كقوله في الرجل: (فيه نظر).
السؤال٤٢ سئل ابن المبارك عن نوح بن أبي مريم فقال: هو يقول: (لا إله إلا الله)، وسئل ابن معين عن رجل فقال: (هو مسلم)، ففي أي المراتب؟
الجواب: الذي يظهر أن هذا من باب الهروب عن الإجابة، وأمْر نوح بن أبي مريم معروف أنه كذاب، من رؤوس الكذابين، وكذلك قول عبد الله بن المبارك، فالذي يظهر أن الرجل مجروح شديد الجرح، وبعض الأوقات يقتضى المقام أن لا يصرحوا لأمر ما، إما أنه يخاف على نفسه، وإما لأن للمضعف عليه نعمة أو غير ذلك.
السؤال٤٣ الذهبي في ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "السيرة" قال: إنه (صالح الحديث)، وقال: (حسن الحديث)، وقال: (صالح الحال)، وقال: (صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة)، ثم ذكره مرةً أخرى في ترجمة هشام بن حسان فقال: والجمهور على
стр. 47
أنه لا يحتج به، فماذا تقولون في محمد بن إسحاق، آخر قول فيه؟
الجواب: ابن إسحاق إذا صرح بالتحديث ولم يكن حديثه منكرًا، فيقبل ويحسّن حديثه، وإذا تفرّد بحديث ظاهره النكارة مثل: إثبات صفة الأطيط للعرش، فهذا من طريق ابن إسحاق، والحافظ البيهقي والحافظ الذهبي كلاهما يقدح في الحديث ويقولون: إن ابن إسحاق ليس بعمدة في أحاديث الأحكام، فضلاً عن أحاديث الأسماء بالنكارة لأمر خارج، وإلا فيكون حديثًا مستقلاً ويقبل حديثه إذا صرح بالتحديث.
السؤال٤٤ في ترجمة يحيى بن نصر بن حاجب القرشي، عن عاصم الأحول، وهلال بن خباب، وثور بن يزيد، وعنه إبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن سيار وجماعة، قال أبوزرعة: (ليس بشيء)، وقال أحمد: (كان جهميًّا). وقال أبوحاتم: يلينه عندي قدم رجاله)، هل قول أبي حاتم يشير إلى أنه متهم، ويحدث عمن لم يلقه أم ماذا؟
الجواب: هو يعني هذا، أنه يحدث عن أناس لم يلقهم.
السؤال٤٥ قولهم في الرجل: (وثّقوه)، أليس دون قولهم في الرجل: (ثقة)؟ وكذلك (ضعّفوه) و (ضعيف)؟
الجواب: نعم هو كذلك.
стр. 48
السؤال٤٦ العالم إذا سئل عن حديث إما إسنادًا أو متنًا وصححه، هل يكون ذلك ثوثيقًا منه لرواة ذلك الحديث؟ أم أنه يحتمل أنه صححه لقرينة أخرى؟ وقد أردت أن أستقرئ فيها صنيع الحافظ الذهبي فوجدته أحيانًا يعتبر هذا، ويوثق الرجل، وأحيانًا لا يعتبره، وذكرت بعض الأسماء، ففي ترجمة إسماعيل بن سعيد ابن عبد الله بن جبير بن حية، لم يذكر من روى عنه إلا أن أبا حاتم تركه، والترمذي روى له حديثًا واحدًا فصححه، وذكره ابن حبان في "الثقات" فقال عنه ابن حجر في "التقريب": (صدوق)، هذه الحالة التي اعتبر فيها توثيق الترمذي، وخالف ذلك في جعفر بن أبي ثور، وقد صحح حديثه جماعة: مسلم، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن مندة، والبيهقي وغيرهم، روى عنه أربعة وذكره ابن حبان في "الثقات" ومع ذلك قال: مقبول؟
الجواب: لا بد من نظر في توثيق الراوي: أوثقه معتبر أم لم يوثقه معتبر؟ وبالنسبة للحديث فيحتمل أن يكون صححه لطريق أخرى وتصحيح الحديث لا يدل على أن رجاله ثقات.
السؤال٤٧ قول الحافظ في ترجمة: أحمد بن بكّار أبي ميمونة قال: (صدوق كان له حفظ)، فهل هذا يرفعه إلى درجة ثقة؟
الجواب: يبقى حسن الحديث، ولا يرتفع إلى درجة الثقة، لأن الصدوق له حفظ، ولو لم يكن له حفظ لكان من الضعفاء.
стр. 49
السؤال٤٨ الشافعي رحمه الله تعالى معلوم كلامه في المرسل إذا اعتضد بقرائن، لكن خص ذلك بمرسل كبار التابعين، الذي عليه العمل: هل هو مطلق التابعي، أم أنه كما قال الشافعي رحمه الله تعالى؟
الجواب: الذي يظهر أنه من مطلق المرسل، إلا الذين عرف بأن مراسيلهم شديدة الضعف مثل: قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، والحسن البصري، فمثل هؤلاء عرف أن مراسيلهم شديدة الضعف، لا تصلح في الشواهد ولا المتابعات، أما المرسل وإن كان من أوساط التابعين أو من صغارهم فينطبق عليه، وهذه مسألة اجتهادية، فإن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: مع هذا فليس في رتبة الحديث المتصل.
السؤال٤٩ هل قول البخاري في الرجل: (حديثه ليس بالمعروف) مثل قوله: (منكر الحديث) كما قالوا: إن المنكر عكسه المعروف؟
الجواب: الذي يظهر أنه ليس كقوله: (منكر الحديث)، أما (المعروف) فهو عندهم يقابل (المنكر)، كما أن (المحفوظ) يقابل (الشاذ)، لكن هذه العبارة لا يظهر منها أنّها مثل: (منكر الحديث)، وإلا فما يمنع البخاري رحمه الله تعالى من قول: (منكر الحديث)، وما أكثر ما يقول هذا. فالذي يظهر أنّها أحسن حالاً، والله أعلم.
السؤال٥٠ قالوا: إن الرافضة لا يكتب عنهم ولا كرامة، فكيف بجابر الجعفي، وكان يؤمن بالرجعة؟
الجواب: جابر بن يزيد الجعفي وثقه بعضهم، وهو يعتبر رافضيًّا، وقد
стр. 50
كذبه أبوحنيفة فقال: ما رأيت أكذب منه، وكذبه غير أبي حنيفة، فجابر بن يزيد الجعفي ومن جرى مجراه لا يحتاج إليه، وقد ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- في "الميزان" في ترجمة أبان بن تغلب ذكر: أن الشيعي إذا كان صدوق اللسان فإنه يؤخذ عنه، وأما الرافضة -الذين يسبون أبا بكر وعمر- قال: فلا يحتاج إليهم، قال: على أنني لا أعرف من هذا النوع أحدًا يحتاج إليه، بل الكذب شعارهم والتقية دثارهم، أو بهذا المعنى.
فالرافضة ليس هناك أحد منهم يحتاج إليه، حتى قال الأعمش رحمه الله تعالى: ما كنا نسميهم إلا الكذابين. وذكر نحو هذا شريك ابن عبد الله النخعي، فلعل من روى لجابر يقصد أنه يعتبر بحديثه، فعلى كل فروايته لا تصلح في الشواهد والمتابعات.
السؤال٥١ قول الحافظ في جهضم بن عبد الله بن أبي الطفيل: (صدوق يكثر عن المجاهيل)، ما حكم ذلك في مراتب الجرح والتعديل؟ ومتى تعد كثرة الرواية عن الضعفاء والمجاهيل قدحًا؟ ولماذا؟
الجواب: ينبغي أن ينظر في شيخه، فإن كان مجهولاً دخلت علينا الريبة من هذا، ثم إن كتاب الحافظ هو تقريب كاسمه، فينبغي أن يرجع إلى "تهذيب التهذيب" و"ميزان الإعتدال" وغيرهما من الكتب التي تتكلم وتبسط الكلام على الراوي، وعلى كل فأنت ترجع إلى شيخه، فإذا وجدته مجهولاً دخلت الريبة علينا، وإذا لم تجده مجهولا فيقبل حديثه ويحسن، والله أعلم.
стр. 51
السؤال٥٢ لم يخصصون هذه المسألة: (يكثر عن المجاهيل)؟
الجواب: إكثاره عن المجاهيل جعل في القلب ريبةً من روايته لكن إذا لم يكن شيخه مجهولاً، وكان ممن يقبل حديثه قبل. والله أعلم.
السؤال٥٣ الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ترجمة حجاج بن أرطأة قال: (كان من الحفاظ)، قيل: فلم؟ أليس هو عند الناس بذاك؟ قال: لأن في حديثه زيادة على حديث الناس، لا يكاد له حديث إلا فيه زيادة. فكيف الجمع بين قوله: حافظ وقوله: في حديثه زيادة على حديث الناس، هل يعني أنه مكثر أو معه علم كثير أم أنه حافظ ضابط كما هو معلوم؟
الجواب: ضابط ويأتي بزيادات لا يعتمد عليها، ثم إن حجاج بن أرطأة أيضًا به جرح آخر وهو: أنه ذكر الحافظ في ترجمته في "ميزان الاعتدال" قال: إن فيه تيهًا، وذكر عنه أنه قال: إنّها لا تكمل مروءة الشخص حتى يترك الصلاة مع الجماعة. يقصد أنه بمخالطته للناس لا يهابونه، وهو أيضًا مدلس، فلا يمنع أن يكون حافظًا، وأن يكون مدلسًا، وأن تكون لديه زيادات، فالزيادات التي يزيدها على غيره، ينبغي أن تجتنب حتى ولو زادها على من يماثله، نستفيد هذا من التعبير الذي قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
السؤال٥٤ حسان بن عطية المحاربي كان الأوزاعي يثني عليه جدًا، قال خالد بن نزار: قلت للأوزاعي: حسان بن عطية عمن؟
стр. 52
فقال لي: حسان ما كنا نقول عمن؟ فما معنى كلمة الأوزاعي هنا؟
الجواب: حسان بن عطية هو شامي والأوزاعي شامي، والأوزاعي يعتبر من أعرف الناس بالشاميين، فمعناه أنه واثق برواية حسان بن عطية، ومعناه أيضًا أن حسان بن عطية مهاب، إذا حدثهم لا يستطيعون أن يستفسروا منه، لكن ينبغي أن يستفسر وينبغي أن يعرف مشايخه كغيره من العلماء. القصد أن قول الأوزاعي يفيد أحد أمرين أو الأمرين معًا: وثوقهم برواية حسان أو مهابتهم له، فإن بعض الرواة يكون مهابًا في نفوس الناس.
السؤال٥٥ في مسألة لما ذكروها في قولهم: (حدثني الثقة)، وقال: هذا تعديل للمبهم، تكلم الحافظ ابن حجر وغيره قالوا: إن مالكًا إذا قال: حدثني فلان، أو حدثني الثقة عن فلان فهو يعني به فلانًا، والشافعي إذا قال: حدثني الثقة عن فلان. فهو يعني به فلانًا، الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى قال: هذا كله تخمين، يعنى لايوجد جزم لأن هذه مسألة استقراء تصيب وتخطئ.
الجواب: مسألة (حدثني الثقة)، لا بد أن يبيّن شيخه، والإمام مالك رحمه الله تعالى قد روى عن ضعيفين: عن عبد الكريم بن أبي المخارق وعن عاصم بن عبيد الله، فلا بد كما ذكروا في المصطلح من أن يبين شيخه، ذكره صاحب "فتح المغيث"، الإمام أحمد أيضًا من الذين لا يحدثون إلا عن
стр. 53
ثقات، روى عن عامر بن صالح الزبيري حتى قال الإمام يحيى بن معين عند أن بلغه هذا: جنّ أحمد.
وشعبة من الذين اشتهروا أنّهم لا يحدثون إلا عن ثقات، وفي مرة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة ما حدثتكم إلا عن ثلاثين، وفي رواية: ما حدثتكم إلا عن ثلاثة، فالتوثيق لا بد أن ينظر، ويسمى رجاله.
وهكذا الحسن، فالعلماء سبروا مراسيله فوجدوها شديدة الضعف، لأن الحسن رحمه الله تعالى يأخذ عمن أقبل وأدبر، أو بهذا المعنى، ذكروا: أنه قد يكون ثقةً عنده، ويكون ضعيفًا عند غيره.
السؤال٥٦ الشافعي رحمه الله تعالى إذا قال: (حدثني الثقة)، جاء من بعده الربيع بن سليمان فقال: إذا قال الشافعي: حدثني الثقة فهو يعني يحيى بن حسان التنيسي وهو ثقة. فإذا قال الشافعي: (حدثني الثقة) هل نحملها على هذا مطلقًا؟
الجواب: لا نحمله على هذا، وهم قد اختلفوا، فليس هذا القول متفقًا عليه كما في "فتح المغيث" وفي غيره من المراجع، حتى ولو قال الشافعي ذلك فقد روى الشافعي رحمه الله تعالى عن إبراهيم بن أبي يحيى وقد قال الإمام أحمد فيه: إنه قدري معتزلي رافضي جهمي كل بلاء فيه. وأيضًا الإمام النسائي يقول: الكذابون أربعة: وذكر منهم إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة. فلا بد من التسمية.
السؤال٥٧ الحافظ رحمه الله تعالى في بعض التراجم في "التقريب" لا يذكر أنه
стр. 54
ثقة أو ضعيف، يقول: وثقة فلان، وثقه النسائي، وثقه الدارقطني، وثقه العجلي، أو ضعفه فلان، يعزو الأمر إلى غيره، كأنه في ذلك والله أعلم لا يريد أن يقطع في هذا الأمر بشيء، ماذا ترى في هذا؟
الجواب: ما أرى إلا ما رأيت.
السؤال٥٨ قولهم في الرجل: (ثقة له أوهام)، أو (ثقة يخطئ)، أو (له مناكير)، فإذا لم يتضح لي أي شيوخه يهم فيه أو أي أحاديثه وهم فيها، كنت أظن أنه يحتاج إلى متابع كما في مسألة: صدوق يخطئ، أو صدوق يهم، حتى وقفت على كلام لابن حبان في ترجمة أبي بكر بن عياش في كتابه "الثقات" قال: كان أبوبكر من الحفاظ المتقنين وكان يحيى القطان وابن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سنه ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا يخلو منهما البشر، فلو كثر الخطأ حتى صار غالبًا على صوابه لاستحق مجانبة روايته، فأما هذا فلا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه، والصواب في أمره، مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه والاحتجاج بما يروي سواءً وافق الثقات أم لا، لأنه دخل في جملة أهل العدالة ومن صحت عدالته لم يستحق الترك ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح، وهذا حكم كل محدث ثقة صحت
стр. 55
عدالته وتيقن خطؤه، ومثل هذا قاله أيضًا الحافظ الذهبي قال: إذا خالفه غيره فيكون أقوى منه، أما أنه يحتاج إلى متابع فلا، فماذا ترى؟
الجواب: هذا كلام طيب، وذكر الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى في مقدمة "صحيحه" نحو هذا الكلام على حماد بن سلمة، ويقول: ومن الذي لايغلط ومن الذي لا يهم؟ ولو رددنا هذا الضرب لرددنا أحاديث صحابة، حتى ذكر أبا بكر وعمر. وينظر أهذا الحديث من أوهامه التي وهم فيها أم لا، وإلا فيحكم على حديثه بالصحة.
السؤال٥٩ قولهم في الرجل: (ثقة إن شاء الله)، وليس في ترجمته إلا هذه العبارة هل هذا ينْزله إلى صدوق؟
الجواب: لاينْزله، لكن ليس مثل الإطلاق.
السؤال٦٠ قولهم في الرجل: فلان (قاصّ) أو (صاحب سمر)، كنت أظن أنه صاحب حكايات وروايات، أما ضبط الحديث فلا، أو أنه مثلاً قد يأكل بالحديث، حتى إني وجدتّهم قالوا: فلان (قاص)، في ترجمة سلمة بن دينار أبي حازم، وكذا في صالح بن بشير المعروف بالمري، وهو ضعيف الحفظ مشهور بالعبادة، فهل في قولهم: فلان (قاصّ). شيء من ناحية الحفظ؟ أو فيها شيء من ناحية العدالة؟
стр. 56
الجواب: فيها شيء من عدم التثبت، لأن الغالب على القصّاصين أنّهم لا يتثبتون، وإن كان عطاء بن يسار قد لقّب بأنه قاصّ، لكن هو من أثبت الناس، والغالب على القصاصين أنّهم لا يتثبتون، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ما أحوج الناس إلى قصّاص صدوق. فإذا أطلقوا هذه العبارة وحدها، ولم يزيدوا عليها شيئًا، فهذه توقع الريبة في القلب ولا يعتمد عليه، لأن الأصل في القصاصين عدم التثبت.
السؤال٦١ معلوم أن ابن حبان يوثّق المجاهيل، والمجاهيل عند العلماء لهم حدّ، فلا ترتفع جهالة العين إلا برواية عدلين، ولا ترتفع جهالة الحال إلا بنص أو شهرة بالطلب كما هو معلوم، غير أني أجد الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يقول: صدوق أو مقبول، في راو لم يرو عنه إلا واحد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهل يصلح أن يكون وجه ذلك عند الحافظ ابن حجر أن ابن حبان نصّ على قاعدته في التوثيق: أن الرجل إذا لم يجرح، وروى عنه واحد وكان حديثه ليس منكرًا فهذه قاعدته أو الأسس التي بني عليها توثيقه، فالرجل إذا لم يجرح وذكره ابن حبان في "الثقات" وليس حديثه منكرًا، هل القول فيه: إنه مقبول صحيح؟
الجواب: (مقبول) عند الحافظ، يعني بها أنه يحتاج إلى متابع، فإذا قال فيه: إنه مقبول فقول في موضعه، لكن تقدم لنا الكلام على
стр. 57
"التقريب" أنه محتاج إلى إعادة نظر في كثير من التراجم، ونحن لا نرجع إلى "التقريب" إلا عند العجز، وإذا اختلفت عبارات المحدثين ولم نستطع التوفيق بينها، رجعنا إلى "التقريب"، والله المستعان.
السؤال٦٢ الرجل إذا قيل فيه: (صدوق تغير بآخره، هل يحتاج إلى متابع؟ الشيخ الألباني قال في "السلسلة الصحيحة"، يحتج به ما لم يخالف؟ وهل هنا فرق بين قولهم: تغير، وبين قولهم: اختلط؟
الجواب: الذي يظهر هو قول الشيخ الألباني، لأن التغيّر ليس بمنْزلة الإختلاط، ذكر هذا الحافظ الذهبي في ترجمة هشام بن عروة عند أن قال ابن القطّان: إنه تغير أو هكذا اختلط بعد ما نزل إلى العراق. فأنكر عليه وقال: إنه ضعف حفظه -أي هشام- ولم يبلغ إلى حد الاختلاط، ثم قال: وهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطّان. فهذا الذي قاله الشيخ ناصر الدين الألباني حفظه الله تعالى هو الصواب إن شاء الله، ثم بعد ذلك لا ينبغي أن ننسى ما تقدم لنا: أن أهل العلم قد نخلوا السنة نخلاً خصوصًا ما يتعلق بالأحكام، فينبغي أن يرجع إلى شروح الحديث، وإلى كتب التخاريج مثل "التلخيص الحبير" وغيره، فربما ذكروا أن هذا الحديث مما حدث به بعد تغيره.
السؤال٦٣ قولهم في الراوي: إذا روى عنه ثقة، أو يقولون بعبارة أخرى: إذا كان فوقه ثقة، ودونه ثقة، فهو مستقيم، ومعلوم من
стр. 58
حال الثقات جميعًا أن الحديث يكون مستقيمًا إذا كان السند كله مستقيم الرجال، فما وجه هذا التخصيص؟
الجواب: الذي يظهر أنه نفسه لا يكون متحريًا، فربما ينفق عليه ما ليس بثابت إذا كان شيخه ضعيفًا أو كذابًا أو مجهولاً، وهكذا إذا روى يمكن أن أصوله صحيحة، لكن المحدث إذا حدث عنه وليس أهلا للرواية -الذي هو الراوي عنه- فربما يحصل تخليط من عدم تحريه هو نفسه، في الأخذ والتحديث.
السؤال٦٤ الرواي إذا قيل فيه: مجهول، راو من الرواة قال أحد علماء الجرح والتعديل فيه: مجهول، وقال آخر: ضعيف، هل نرجع بذلك إلى من روى عنه؟ وإذا كان روى عنه جماعة فالقول قول من قال: ضعيف، أم أنه إذا روى عنه أقل فالقول قول من قال فيه: مجهول، لأن (مجهول) لا يستشهد به، و (ضعيف) يستشهد به، فتعارض القولان، فالمرجع في ذلك إلى من روى عنه أم ماذا؟
الجواب: هذا الذي قال: إنه مجهول قال بحسب علمه، وذاك عرف عنه شيئًا زائدًا، فيصار إلى أنه ضعيف.
السؤال٦٥ من قيل فيه: (صدوق صحيح الكتاب)، وأنا لا أدري هل حدث من كتابه أم من حفظه؟ فهل يحمل على أنه صدوق؟ وإذا علمت أنه حدث من كتابه هل يرتقي إلى مرتبة ثقة؟
стр. 59
الجواب: يحكم على الحديث بأنه حسن في الحالتين، وإذا حدث من غير كتابه فربما ينْزل عن مرتبة الحسن، وهذا يحتاج إلى تنصيص أنه حدث هذا الحديث من غير كتابه، ومثل هذا ينبغي -كما قلنا- الرجوع إلى كتب العلل وشروح الحديث.
السؤال٦٦ في ترجمة سلم بن زرير قال فيه ابن عدي: أحاديثه قليلة، وليس في مقدارها أن يعتبر ضعفها، هل معنى ذلك أنه لقلة حديثه لا يحتمل الضعف الذي فيها كما يحتمل للثقات أصحاب الحديث، لأنه ما من ثقة إلا وتفرد وخالف، ويكون معنى ذلك أنه ليس بالقوي أم ماذا؟
الجواب: الذي يظهر أن معناه أنه ملتبس أمره على الحافظ ابن عدي، لأنه ما استطاع أن يحكم عليه بسبب قلة أحاديثه، والله أعلم، فنحن نتوقف في حديثه.
السؤال٦٧ قولهم في الرجل: (صدوق وسط)، هل معناه أنه من مراتب الاستشهاد؟
الجواب: من مراتب الحسن، و (صدوق) هو وسط بين الثقات والضعفاء، فكلمة (وسط) إن شاء الله من باب التأكيد.
السؤال٦٨ قول ابن المديني في كثير من الرواة أحيانًا في تراجم "التهذيب" يقول: وقال ابن المديني: إنه من الطبقة الثانية، أو الثالثة، من أصحاب نافع. هل أصحاب نافع لهم شرط خاص؟
стр. 60
الجواب: أصحاب نافع، وأصحاب الزهري، وأصحاب قتادة، وأصحاب الحفاظ المشاهير، كلهم طبقات، الطبقة الأولى هى أرفع طبقة، والطبقة الثانية، إلى الطبقة الخامسة والسادسة والسابعة، هكذا أصحاب الزهري، ومن أحسن المراجع الموجودة هى "شرح علل الترمذي" لابن رجب المجلد الثاني، فقد ذكر ابن رجب أصحاب نافع وطبقاتهم، وأصحاب الزهري وطبقاتهم، وأصحاب علقمة وطبقاتهم، حتى طبقات ابن مسعود.
السؤال٦٩ مسألة الطبقات: هل اتفق العلماء على اصطلاح واحد في الطبقات؟
الجواب: ليس متفقًا عليها، حتى في الصحابة أنفسهم منهم، من يجعل البدريين طبقة، والسابقين طبقة، وأهل بيعة الرضوان طبقة، وهكذا، فليس متفقًا عليها، لكن المؤلف يعرف اصطلاحه من مقدمة كتابه.
السؤال٧٠ هل ترتيب الطبقات على حسب العمر أم على حسب التوثيق؟
الجواب: أما طبقات أصحاب الزهري فعلى حسب التوثيق، وكذلك أصحاب نافع وأصحاب قتادة، وغيرهم، أما الطبقات التي سأل عنها أخونا عبد المحسن فعلى حسب العمر، فينبغي أن يعرف هذا. على أنّهم ليست لهم قاعدة مطردة في الطبقات، فمنهم من يجعل الصحابة طبقات،
стр. 61
ومنهم من يجعلهم طبقةً واحدة ولا مشاحة في الإصطلاح.
السؤال٧١ شعيب بن أيوب بن زريق (صدوق يدلس) كما في "التقريب"، قال فيه أبوداود: (إني لأخاف الله في الرواية عن شعيب)، وأنا أسأل لو أن هذه المقالة بمفردها على أي اتجاه أضعها؟
الجواب: هذه العبارة بمفردها معناها تضعيف الراوي (التي هي عبارة أبي داود) والظاهر أنّها بمنْزلة (متروك) عند أبي داود.
السؤال٧٢ قول أبي حاتم في بعض الرواة: من (عتّق الشيعة)، ماذا يقصد؟
الجواب: يقصد أنه من متشدديهم، كما يقولون: (شيعيّ جلد).
السؤال٧٣ إذا ذكر ابن حبان الرجل في كتابه "الثقات" وذكر من روى عنهم، ومن رووا عنه، وقال: (وهو مستقيم الحديث)، أو قال: (وهو في الحفظ كالأثبات)، هل هذه العبارات يعمل بها كتوثيق؟ وقد وجدت الحافظ في "التقريب" يعمل بها؟
الجواب: وهكذا عبد الرحمن المعلمي في كتابه "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، هو أيضًا يعمل بها، والذي يظهر أنه إذا تفرد ابن حبان، أنّ في النفس شيئًا، أما المعلمي فيقول: يكون في النفس شيء فقط إذا ذكر الرجل في كتابه "الثقات" يذكر الرجل فيقول: فلان بن فلان، فيقول العلماء: وذكره ابن حبان في "الثقات"، أما إذا
стр. 62
قال: (مستقيم الحديث)، أو قال: (ثقة)، أو كذا، فهذا يقول: يعض عليه بالنواجذ، ويقول: وهو ليس بدون غيره في هذا. لكن ينظر في هذا.
السؤال٧٤ ابن المديني رحمه الله تعالى قال في طلحة بن أبي سعيد الاسكندراني: (معروف)، فهل لذلك معنى فوق رفع الجهالة؟
الجواب: فيها معنى رفع الجهالة، ويحتمل أن يكون معروفًا ثقة، أو مخلطًا أو معروفًا كذابًا، فالعبارة فيها رفع الجهالة، ولا يرتفع إلى مرتبة الاحتجاج، ويعتبر به.
السؤال٧٥ في ترجمة عبد الله بن داود بن عامر الهمداني، قال ابن عيينة: (ذاك أحد الأحدين)، و (ذاك شيخنا القديم)، ففي أي المراتب قوله الأول؟ أفي معنى: ثقة ثبت، أم في معنى: ثقة؟
الجواب: الظاهر أنّها توثيق، لكن رتبتها الله أعلم.
السؤال٧٦ قولهم في الرجل: (ليس بثقة في حديثه)، هل هو مثل قولهم: (ليس بثقة)؟ وأن (ليس بثقة)، تعني في دينه، و (ليس بثقة في حديثه)، تعني في حفظه؟
الجواب: الذي يظهر أن: (ليس بثقة في حديثه) أنه يدخل عليه الخطأ، وهو لا يدري: كما تقدم لنا أن يحيى بن سعيد القطان يقول: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث.
السؤال٧٧ قولهم في الرجل: (حسن الحديث)، هذه المسألة كنت أردت
стр. 63
أن أستفسر فيها أكثر، فهم قد ذكروا في كتب المصطلح: أن قول العلماء في الرجل: (حسن الحديث)، و (صالح الحديث) أن هذا من مراتب الاستشهاد، وأنت في مقدمة الكلام قلت: إن هذا يحتج به، وأنا أجد كثيرًا من قول أبي حاتم وغيره: فلان (صالح)، قيل: يحتج به؟ قال: لا، يكتب عنه ولا يحتج به. وكذلك غير أبي حاتم؟
الجواب: الذي يظهر لي أن من قيل فيه: (حسن الحديث) يحسّن حديثه، وأما من قيل فيه (صالح)، فيصلح في الشواهد والمتابعات، كما في "تدريب الراوي" وقد تقدم أن أبا حاتم لا يرى الحسن حجة.
السؤال٧٨ عبد الله بن عثمان بن أبي مسلم الخراساني، روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (يعتبر حديثه إذا روى عن غير الضعفاء)، فلماذا يخصص هذا؟
الجواب: معناه: أنه لا يتحرى في الأخذ.
السؤال٧٩ قولهم في الرجل: (يستضعف)، هل هو في مرتبة (لين الحديث)؟
الجواب: الذي يظهر أنه في مرتبة (لين الحديث)، وكلمة: (يستضعف)، أحسن حالاً من كلمة: (ضعيف). والله أعلم.
السؤال٨٠ أبوداود يشترط أن يروي عن ثقة عنده، كما ذكره الآجري وغيره، هل ذلك في "السنن" خاصة أم في السنن كلها؟ فقد
стр. 64
كنت أظن أنه في "السنن" خاصة، حتى قال الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الله بن محمد بن يحيى الخشاب الرملي: (مقبول)، ولم يوثقه أحد، غير أن أبا داود وجماعة رووا عنه، وقال ابن القطان وغيره: (مجهول الحال)، والرجل روى له أبوداود في "المراسيل"؟
الجواب: أما من حيث الواقع فالذي وجد في "سنن أبي داود" أن فيها روايات عن مجاهيل وعن ضعفاء، بل روى أبوداود في "سننه" حديثًا من أحاديث جابر بن يزيد الجعفي-الظاهر أنه في سجود السهو (١) - وقال: ليس لجابر في كتابي غير هذا، فأبوداود إذا قال بهذا فهو لم يوف بشرطه، فقد قال أبوداود: وما سكتّ عنه فهو صالح. ووجدناه سكت عن أشياء، وجاء الحافظ المنذري وبيّن ضعفها، ثم جاء الحافظ ابن القيم وبيّن ما لم يبينه أبوداود ولا المنذري، ولا يزال المجال مفتوحًا للباحثين في "سنن أبي داود"، وكذلك رواية أبي داود مباشرة عن الشخص لا تكفي، فكم من محدث قيل عنه: إنه لا يروي إلا عن ثقة، ثم تجده قد روى عن ضعيف، وعن مجهول، كما في "الصارم المنكي في الرد على السبكي".
السؤال٨١ هل يعني أبوداود في كلمته (صالح) أنه صالح للاحتجاج، أم أنه صالح للشواهد والمتابعات؟
الجواب: الظاهر أنه عنى هذا وهذا، فمنه ما هو صالح للحجية ومنه
стр. 65
ما هو صالح للشواهد والمتابعات، وقد وجدناه سكت عن أحاديث في "الصحيحين"، وأحاديث تصلح في الشواهد والمتابعات، وأحاديث ضعيفة.
السؤال٨٢ أبوداود إذا وثق مشايخه هل يقبل منه؟
الجواب: أبوداود كغيره، الراوي إذا وثّق شيخه أيقبل منه أم لا يقبل؟ لا يقبل، لأنه يجوز أن يكون ثقةً عنده، وغير ثقة عند غيره، كما ذكر في "فتح المغيث" عن الأئمة رحمهم الله تعالى، ومنهم من قبل هذا. والصحيح أنه لا يقبل.
السؤال٨٣ الإمام العراقي عقد مقارنةً بين قول المحدث: (حدثني الثقة)، وبين قوله: (أنا أشترط أن أروي عن ثقة)، فالحافظ العراقي رجح أن الاشتراط، أرجح من قوله: حدثني الثقة، فتعقبه السخاوي رحمه الله تعالى وقال: أبدًا الصورة الثانية أولى، لسبب وهو احتمال أنه اشترط هذا الشرط مؤخرًا، ولم يتميز لنا مشايخه الأولون من المتأخرين، أو يذهل عن القاعدة، ومن هنا رجح أن من قيل فيه: (حدثني الثقة) أولى من الذي يشترط، والحافظ يترجم لمثل هذه المسائل -خاصة الثانية- بمقبول؟
الجواب: لا أعلم إلا هذا -أي-: أنه مقبول يصلح في الشواهد والمتابعات، ولا يكفي سواءً قال حدثني الثقة، أم قال: أنا لا أروي إلا
стр. 66
عن ثقة، فلا بد من البحث عما قال غيره، لأنه يجوز أن يكون ثقةً عنده، ضعيفًا عند غيره كما تقدم.
السؤال٨٤ إذا قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه في رجل: سألت أبي عنه فقال: (ثقة)، جاء أبوطالب فقال: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: (ضعيف)، هل أرجح رواية ابنه عنه على رواية الآخر لأن ابنه ملازم له، لوجوه الترجيح المعروفة؟ أم أجمع بينهما وأقول: صدوق؟ وأريد أن يكون السؤال أعم من هذا مع بقية العلماء، مثلاً في ابن معين، لو تعارض مثلاً إسحاق بن منصور مع غيره وفلان بن فلان، فإذا كان في هذه المسألة فائدة، فأفدنا بارك الله فيك؟
الجواب: هذه المسألة ذكرها صاحب "فتح المغيث" ويقول: إنّها تحتمل أمرين: إما أن يكون سئل عنه مقرونًا بحافظ كبير فقال: (ليس بشيء)، أي بالنظر إلى ذلك الحافظ الكبير، وإما أن يكون تغير اجتهاده في الشخص، يقول السخاوي: فينبغي أن ينظر في هذا، وذكر أمثلة لهذا، لرواة سئل عنهم يحيى بن معين مقرونين فضعفهم بالنسبة إلى الحافظ الكبير، وسئل عنهم بمفردهم فوثقهم، هذا، وفي غير النسبي، إما أن يكون تغير اجتهاده، وإما أن يكون بالنسبة إلى غيره، ولا بد أن نعرف حال الثاني، نحن الآن نعرف
стр. 67
عبد الله بن أحمد وملازمته لأبيه، فلا بد من معرفة حال الثاني، فقد يكون أوثق ولو لم يلازمه، فالأولى التوقف في هذا الراوي.
السؤال٨٥ ذكروا قاعدة ابن خزيمة وتلميذه ابن حبان في توثيق المجاهيل، وألحق السخاوي رحمه الله تعالى الدارقطني والبزار أنه يوثق الرجل إذا روى عنه اثنان، فهل الترجمة التي ليس فيها إلا توثيق البزار وتوثيق الدارقطني -وهذا أمر رأيته في "التقريب" ولكن لا أذكر صاحب الترجمة- الرجل وثقة الدارقطني، ومع ذلك الحافظ اعتبره وقال عنه: (مقبول)، فأنا كنت قد كتبت في الحاشية قلت: كيف وقد وثقه الدارقطني؟! ثم لما رجعت وقرأت كلام السخاوي جعل الدارقطني ممن يقول بمقالة ابن حبان وابن خزيمة، فماذا ترى؟
الجواب: أما البزار فقد عرف تساهله، وأما الدارقطني فيحتاج إلى دراسة والله أعلم. والحاكم متساهل في تصحيح أحاديث المجهولين فقد ذكر في "المستدرك" بعد حديث أبي هريرة: ((من لا يدعو الله يغضب عليه)) قال: هذا حديث صحيح الإسناد، فإنّ أبا صالح الخوزي، وأبا المليح الفارسي، لم يذكرا بالجرح، إنما هما في عداد المجهولين.
السؤال٨٦ قولهم في الراوي: (ثقة صحيح الكتاب إلا أن في حفظه لينًا)، ثم وقفت على حديث لم أدر أهو من حفظه أم من كتابه، هل يكون مثل: (ثقة له أوهام)، ويحتج به ما لم يخالف أم ماذا؟
стр. 68
الجواب: نتوقف إذا كنا لاندري أحدث به من حفظه، أم حدث به من كتابه، وبعض الرواة يذكرون أنه حدثه من كتابه، وإلا فنتوقف فيه، لكن إذا حدث وصححه غيره من المعتبرين ولم ينتقد فهذ يدل على أنه حدث بهذا الحديث من كتابه، والله أعلم.
السؤال٨٧ في ترجمة عبد الله بن يزيد المخزومي المقرئ، قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ثقة، فقيل له: حجة؟ قال: إذا روى عنه مالك، ويحيى بن أبي كثير، وأسامة فهو حجة، والرجل قد روى عنه غير من ذكر، والسؤال: هل رواية من سماهم أبوحاتم مقدمة عمن دونهم لأنّهم تحملوا عنه زمن الاستقامة؟ غير أنني لم أقف على قول لأحد بأن عبد الله بن يزيد قد اختلط، كونه لم يتكلم فيه أحد باختلاط، والحافظ أبوحاتم يقول: إذا روى عنه فلان وفلان وفلان أحاديثه مستقيمة، ما معنى ذلك؟
الجواب: معناه: أنّهم ينتقون من أحاديثه ما يظهر لهم ثبوته، والله أعلم.
السؤال٨٨ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أحيانًا إذا روى عن الرجل واحد ثقة أو أكثر، نقول مثلاً: ثلاث ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات" لم يزد، لم يقل: (مستقيم الحديث) أو نحوه، قال: وذكره ابن حبان في "الثقات"، أحيانًا يترجم لهذا الرجل بـ (مقبول) وأحيانًا يترجم له بـ (مستور) أما إذا روى عنه واحد
стр. 69
فأحيانًا يترجم لمن هذا حاله بـ (مجهول) وأحيانًا يقول: (مقبول)، فأنا من خلال استقرائي للكلام نظرت ووجدت أن الحافظ يقول للرجل الذي روى عنه واحد وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال عنه: (مقبول)، وجدت أن الرجل الذي روى عنه هذا الراوي أنه من المشاهير، ووجدت أن الذي يقول فيه: (مجهول)، أن الرجل عدل وليس من المشاهير -أي الذي روى عنه- ومثلها في الذي يقول في: (مستور) و (مقبول) فالذي يقول فيه: (مستور) الرواة عنه مشاهير؟
الجواب: الحافظ نفسه رحمه الله تعالى -كما تقدم- يحتاج في العبارات إلى تتبع في كتابه "تقريب التهذيب" وقد تتبعنا -كما تقدم- عشرة عشرة من بعض الحروف. ونحن قدر تسعة نفر أو عشرة نفر، وأمر كل واحد منا أن يتتبع عشرة ممن قال فيهم الحافظ: (مقبول) فوجدنا بعضهم يستحق رتبة (ثقة)، وبعضهم يستحق رتبة (صدوق) وبعضهم يستحق (مقبولاً) -على اصطلاح الحافظ- وبعضهم يستحق (مجهول الحال)، فلا بد من رجوع إلى "تهذيب التهذيب" و"ميزان الإعتدال" وغيرهما من كتب الرجال ويحكم عليه بما يستحقه.
السؤال٨٩ أليست رواية المشاهير ترفع من شأن الرجل عن رواية الآخرين، وإن كانوا عدولاً وليسوا بالمشاهير؟
الجواب: ترفع من شأنه، لكن الحافظ في "التقريب" يحتاج إلى تتبع،
стр. 70
فلا يرجع إليه إلا عند العجز.
السؤال٩٠ قولهم في الرجل: (ثقة)، وقولهم في الرجل: (يحتج به)، أرى أن قولهم (ثقة) أعلى من قولهم: يحتج به، لأنّها تخصيص درجة عليا؟
الجواب: تختلف عباراتهم، وقد سئل عبد الرحمن بن مهدي عن أبي خلدة وقد حدث عنه، فقيل له: أكان ثقةً؟ فقال: كان صدوقاً وكان مأمونًا، الثقة شعبة وسفيان. كما في مقدمة "الجرح والتعديل".
والذي يظهر أن الحجة أرفع من ثقة، وينظر في القائل: بعضهم يطلق الثقة على أنزل من حجة.
وأما (يحتج به) فالظاهر أن ما قلته صحيح، أن (الثقة) أرفع من قولهم: يحتج به لأنه قد يحتج بالثقة وقد يحتج بالصدوق.
السؤال٩١ عند تعارض كلام أهل الجرح والتعديل في رجل، فنرجع إلى الجمع والترجيح، فمثلاً من وجوه الترجيح أن أحد الأئمة يكون له المرجع في الكلام على أهل بلد ما، كابن يونس في أهل مصر والمغرب، كما قال الحافظ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، والمطلوب منكم -بارك الله فيكم- أن توضحوا لي من كان بهذا السبيل في بقية البلدان؟
الجواب: يقولون: إن بلدي الشخص أعرف به وبحاله، ويقدمونه على غيره، بل الغريب إذا أتى إلى بلد ربما يتزين له المحدث ويحدثه
стр. 71
بأحاديث صحاح، فيحكم عليه من ضمنها، كما ذكروا هذا في بعض من يوثقه يحيى بن معين ويضعفه أهل بلده، ويقولون أهل بلده أعرف به، ربما تزين ليحيى بأحاديث وحدثه بها فوثقه يحيى. ومما أذكره الآن دحيم في أهل الشام.
السؤال٩٢ قال الجريري في عبد الله بن واقد أبي قتادة الحراني قال: (غيره أوثق منه). قال الحافظ: وهذه العبارة يقولها الجريري في الذي يكون شديد الضعف، وأحيانًا أجد غير الجريري يقولها، كما قالها الحربي في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فهل له نفس الحكم أم أنه اصطلاح خاص بالجريري لتصريح الحافظ بذلك؟
الجواب: الذي يظهر أنه اصطلاح خاص بالجريري.
السؤال٩٣ هل هناك فرق بين قولهم: فلان (يعتبر حديثه)، وفلان (يعتبر بحديثه)؟
الجواب: فلان (يعتبر حديثه) أي: ينظر فيه، وفلان (يعتبر بحديثه) أي: يصلح في الشواهد والمتابعات.
السؤال٩٤ في كثير من التراجم أجد أن الحافظ ابن حجر لا يبني على ما يذكره ابن خلفون، وابن شاهين في "الثقات" كبير حكم. يقول: ذكره ابن شاهين في "الثقات"، أو ذكره ابن خلفون في "الثقات"، ومع ذلك إذا جاء يترجم له في "التقريب" مثلاً قال: مقبول، فهل هناك في توثيق هؤلاء شيء؟
стр. 72
الجواب: ابن شاهين أعرف أنه هو نفسه من المتساهلين. وأما ابن خلفون فلا أذكر شيئا، ولكن صنيع الحافظ الذى ذكرته دليل على أنه من المتساهلين.
السؤال٩٥ قولهم في الرجل: (كان طلابة)، كما قال عيسى بن يونس في عبد الرحمن بن مغرا، هل في منْزلة قولهم: (شيخ) أم بمنْزلة قولهم: (صدوق)؟
الجواب: الذى يظهر أنّها أرفع من قولهم: (شيخ)، ومعناها أنه كثير الطلب، ونرجع إلى ما تقدم قبل، أنه إذا اشتهر بالطلب وما جرح فإن حديثه يقبل.
السؤال٩٦ قول يعقوب بن شيبة في عبد العزيز بن رفيْع: (يقوم حديثه مقام الحجة)، الراجح أنه بمنْزلة صدوق فماذا ترون؟
الجواب: الذي يظهر أن هذه العبارة تدل على أن المترجم له ثقة، أو أرفع، وعبد العزيز بن رفيع هو ثقة أو أرفع من ثقة.
السؤال٩٧ عبد المتعال بن طالب الأنصاري وثقه ابن معين وغيره، وذكر ابن عدي في "الكامل" أن عثمان الدارمي سأل ابن معين عن حديث عبد المتعال هذا عن ابن وهب فقال: ليس هذا بشيء، فأجاب الحافظ في "التهذيب" بقوله: وهذا أمر محتمل لا يوجب تضعيف الرجل، وجْه سؤالي: ألا يوجب تضعيفه في هذا الحديث لمّا قال: ليس بشيء؟
стр. 73
الجواب: الذي يظهر أنه يؤخذ قوله كما هو إذا روى عن ابن وهب ضعّف، وإذا روى عن غيره قبل.
السؤال٩٨ ما الفرق بين قولهم: فلان (رحّال)، أو (جوّال)، وبين قولهم: (فلان معروف) هل لفظة (رحّال) أو (جوّال) دلالة على الشهرة بالطلب أما العدالة في الدين فمسكوت عنها، وقولهم: (معروف)، أي أنه معروف في دينه، أما في حديثه فلا يعرف، أم أن الجميع بمعنى؟
الجواب: (رحّال) يكون أشهر، وكذلك (جوال)، وهو يحتاج إلى معرفة العدالة والضبط، و (معروف)، تقدم أنه يصلح في الشواهد والمتابعات إذا لم يوثق. والله أعلم.
السؤال٩٩ الحافظ ابن حجر ذكر في مقدمة "لسان الميزان" أن الذهبي قال -هو عزاه إلى ترجمة أبان بن يزيد العطار، لكن النسخة التي عندنا ليس فيها هذه الكلمة-: (إذا وضعت علامة صح أمام الترجمة دلالة على أن العمل على توثيقه)، لكن يوجد بعض الناس أصلاً وقع فيهم كلام شديد من العلماء: هذا متروك، هذا يسرق الحديث، هذا كذا، فهل يعتمد على كلمة (صح) هذه أن العمل على توثيقه، أم تحتاج إلى بحث؟
الجواب: لا بد من نظر، لأن (صح) فيها اجتهاد الحافظ الذهبي ﵀، ثم إن هذه النسخ التي بين أيدينا يدخلها التحريف.
стр. 74
السؤال١٠٠ قولهم: فلان (غمزوه)، أو: فلان (مغموز)، هل فيها شيء من الاتّهام؟
الجواب: الذي يظهر أنه سقط حديثه عن الحجيّة، يستشهد به. مثل ما تقدم لنا: إن شهرًا نزكوه، إن شهرًا نزكوه، إن شهرًا نزكوه، أي: تكلموا فيه.
السؤال١٠١ قولهم في الرجل: فلان (محله محل الأعراب)، ما معناه؟
الجواب: معناه أنه ليس من أهل الحديث.
السؤال١٠٢ لكن في ترجمة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قالوا: (إسناد أعرابي) فماذا يعنون؟
الجواب: يعنون أن حديثهم ليس بالعمدة، على أنه قد اختلف في هذه السلسلة، فمنهم من يحسّنها. ومنهم من يراها أنزل من الحسن، على أن بهزًا قد توبع على أكثر أحاديثه كما في "المسند" وقد اخترت في "الصحيح المسند" و"الجامع الصحيح" طريقاً إلى هذه الصحيفة من غير طريق بهز.
السؤال١٠٣ قول يحيى بن سعيد في الحسن بن صالح بن صالح ابن حي الفقيه قال: (لم يكن بالسّكة)، كان يخرج على الولاة، وقوله أيضًا: (لم يكن بالسّكة مثله)، ما معنى كل منهما، وما الفرق بينهما؟
الجواب: السّكة كلمة تطلق على الطريق وتطلق على العملة، فالظاهر
стр. 75
أنه ما كان خالصًا، لأن به شيئًا من البدعة وهى: الخروج على الأمراء، وأيضًا ترك الجمعة. فمن وثّقه فلصدق لسانه، ومن جرحه فلبدعته. وقوله: (ليس في السكة مثله) أي: ليس يعتمد عليه، والصحيح أنه صدوق اللسان، صاحب بدعة فتقبل روايته التي لم تكن موافقةً لبدعته، وتجتنب بدعته وهو من رجال مسلم.
السؤال١٠٤ قولهم في الرجل: فلان (ليس بمحمود)، هل هو في مرتبة الشواهد والمتابعات أم في مرتبة الرد؟
الجواب: الذي يظهر من هذه العبارة أنه يصلح في الشواهد والمتابعات. على أنه قول مبهم، فيحتمل أنه مبتدع ويحتمل أنه سيء الحفظ. والله أعلم.
السؤال١٠٥ قول أبي داود في حماد بن يحيى الأبحّ: (يخطئ كما يخطئ الناس)، هل هو بمنْزلة صدوق، ويكون خطؤه محتملاً لروايته الأخرى أو لغير ذلك، ويكون قول أبي داود رافعًا له، أم أنه بمنْزلة (صدوق يخطئ)؟
الجواب: الذي يظهر أن حديثه ما ينْزل عن الحسن، إلا أن يكون الحديث من أخطائه مثل حديث: ((مثل أمّتى كمثل المطر لا يدرى أوّلها خير أم آخرها))، فهذا الحديث جاء من حديثه وهو من جملة أوهامه، لكن الحديث له طرق أخرى يرتقى بها إلى الحجية.
السؤال١٠٦ في حديث ذكره الحافظ الذهبي في "الميزان" وهو في