← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 96785

ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر

مقبل بن هادي الوادعي

Полный текст (139 стр.). Показаны 106–139 · переход к 111.

стр. 106

وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (ج٣ ص٩٥): فصل: (في السحر وعلاجه وحديث سحر لبيد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم)

стр. 107

في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: سحر النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهوديّ من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتّى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخيّل إليه أنّه كان يفعل الشّيء وما يفعله، حتّى كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ثمّ قال: ((يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلع ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان)) فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أناس من أصحابه، ثمّ قال: ((يا عائشة والله لكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، ولكأنّ رءوس نخلها رءوس الشّياطين)) فقلت: يا رسول الله أفلا أخرجته؟ -وفي مسلم: أحرقته- قال: ((لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على النّاس شرًّا فأمرت بها فدفنت)). وفي لفظ للبخاري: (يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي)، وفيه أيضًا: (حتى كان يرى أنه إن كان يأتي أهله ولا يأتي)، وفيه أيضًا: (حتى كان يرى أنه إن كان يأتي النساء ولا يأتيهن)، قال سفيان: وذلك أشد مايكون من السحر. وفيه: (قال من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم من بني زريق، حليف اليهود كان منافقًا). أنكر بعض الناس هذا، لأنه نقص وعيب، أو أنه يمنع الثقة بالشرع وهذا باطل فإنه من جنس الأوجاع والأمراض والسم، والدلائل القطعية ناطقة بصدقه وعصمته والإجماع أيضًا. فأمّا بعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولم يفضل من أجلها فلا مانع منه. الطّب: بكسر الطاء، في اللغة يقال على معان: أحدها: السحر والمطبوب المسحور. يقال: طب الرجل إذا سحر، فكنّوا بالطب عن السحركما كنوا بالسليم عن اللديغ، قال أبوعبيد: تفاؤلاً بالسلامة، وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا: مفازة تفاؤلاً بالفوز من الهلاك. والثاني: الإصلاح، يقال: طببته إذا أصلحته، ويقال له طب بالأمور، أي: لطف وسياسة. قال الشاعر: وإذا تغير من تميم أمرها ... كنت الطبيب لها بامر ثاقب. قال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طب، وللسحر طب. والثالث: الحذق، قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب، قال أبوعبيد: أصل الطب الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل: طب وطبيب، إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض، وقال غيره: رجل طبيب، أي حاذق، سمي طبيبًا لحذقه وفطنته. قال علقمة: فإن تسالوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودهنّ نصيب وقال غيره:

стр. 108

إن تغدقي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم وذكره بعضهم بكسر الطاء وبعضهم بفتحها. أغدقت المرأة قناعها، أي أرسلته على وجهها، وأغدق الليل، أي أرخى سدوله، وأغدق الصيّاد الشبكة على الصيد. والمستثلم الذي قد لبس لأمة حربه. الرابع: يقال: الطب لنفس الدواء كقوله: ألا من مبلغ حسان عني ... أسحركان طبك أم جنون الخامس: العادة، يقال ليس ذلك بطبي، أي: عادتي، قال فروة بن مسيك: فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا وقال أحمد بن الحسين: وما التيه طبي فيهمو غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتغافل وقول الحماسي: فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برئ السحر أراد بالمطبوب: المسحور، وبالمسحور: العليل المريض. قال الجوهري: ويقال للعليل مسحور، وأنشد هذا البيت، ومعناه: يعني إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه، ولا أريد زواله، سواءً كان سحرًا أو مرضًا، والطب بفتح الطاء: العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له طب طب أيضًا، وبضم الطاء اسم موضع وأنشد بعضهم: فقلت هل انْهلتم بطب ركابكم ... بجائزة الماء التي طاب طيبها

стр. 109

أما علاج المسحور فإما باستخراجه وتبطيله كما في الخبر فهو كإزالة المادة الخبيثة بالإستفراغ، وأما بالإستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرًا عند جمهور العلماء لا مجرد خيال باطل لا حقيقة له، وللمسألة وأحكام السحر والساحر مسائل مشهورة ليس هذا محلها. وقد روى أبوعبيد في "الغريب" بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إحتجم على رأسه بقرن حين طب، قال أبوعبيد: معنى طب سحر. قال بعضهم: إنتهت مادة هذا السحر إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه، بحيث أنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله. والسحر مركب من تأثيرات الأرواح الخببثة، وانفعال القوى الطبيعية عنه، وهو سحر النمريجات، وهو أشد ما يكون من السحر، فاستعمال الحجامة على المكان الذي تضرر بالسحر على ما ينبغي من أنفع المعالجة. قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أمثل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها، وقال بعضهم: لما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا إنه عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت عن البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته، وكان استعمال الحجامة حينئذ من أنفع المعالجة، وكان ذلك قبل الوحي، فلما جاءه الوحي أنه سحر عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر وإبطاله فدعا الله فأعلمه به فاستخرجه وكان غاية هذا السحر إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه، وما ورد من التخيّل فهو بالبصر لا تخيل يطرق إلى العقل، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يميل اليه من إتيانه النساء، بل

стр. 110

يعلم أنه خيال، وقد يحدث مثل هذا عن بعض الأمراض. ومن أعظم ما يتحصن به من السحر ومن أنفع علاج له بعد وقوعه التوجه إلى الله وتوكل القلب والإعتماد عليه والتعوذ والدعاء، وهذا وهذا هو السبب الذي الذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه استعمل شيئًا قبله، بل قد يقال: لم يصح أنه استعمل شيئًا غيره، وهو الغاية القصوى، والنهاية العظمى ولهذا في الخبر أنه لم يخرجه وإنما دفنه لئلا يفضي ذلك إلى مفسدة وانتشارها، لا لتوقف الشفاء والعافية عليه وهذا واضح إن شاء الله. وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم في قلب ضعيف منفعل ونفس شهوانية كجاهل وصبي وامرأة، لا في قلب متيقظ عارف بالله له معاملة وتوجه لأن القلب الضعيف فيه ميل وتعلق فيتسلط عليه بذلك، فالأرواح الخبيثة. فالأرواح الخبيثة تسلط عليه بميله إلى مايناسبها وفراغه عما يعرضها ويقاومها. والله أعلم. قال بعض الأطباء إذا سنع من قضبان الآراك خلخالاً للعضد منع السحر.

стр. 111

رد أهل العلم على الطاعنين في الحديث ١ - قال ابن قتيبة ﵀ في "تأويل مختلف الحديث" (١٧٧): قالوا: حديث تكذبه حجة العقل والنظر. قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر وجعل سحره في بئر ذي أروان، وأنّ عليًا كرم الله وجهه استخرجه، وكلّما حل منه عقدة وجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خفة فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كأنما أنشط من عقال. وهذا لا يجوز على نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنّ السحر كفر، وعمل من أعمال الشيطان فيما يذكرون، فكيف يصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع حياطة الله تعالى له وتسديده إياه بملائكته وصونه الوحي عن الشيطان؟ والله تعالى يقول في القرآن: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (١)﴾. وأنتم تزعمون أنّ الباطل ههنا هو الشيطان. وقال: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلاّ من ارتضى من رسول فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدًا (٢)﴾ أي: يجعل بين يديه وخلفه رصدًا من الملائكه يحفظونه ويصونون الوحي عن أن يدخل فيه

стр. 112

الشيطان ما ليس منه. وذهبوا في السحر إلى أنه حيلة يصرف بها وجه المرء عن أخيه، ويفرق بها بين المرء وزوجه، كالتمائم والكذب، وقالوا: هذه رقى، ومنه السم يسقاه الرجل فيقطعه عن النساء ويغيّر خلقه وينثر شعره ولحيته. وإلى أنّ سحرة فرعون خيلوا لموسى ﵇ ما أروه. قالوا: ومثل ذلك أن نأخذ الزئبق فنفرغه في وعاء كالحيّة ثم نرسله في موضع حارّ فينساب انسياب الحيّة. قالوا: ومن الدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيّهم يخيّل إليه من سحرهم أنّها تسعى (١)﴾. إنما هو تخييل، وليس ثم شيء على حقيقته. وقالوا في قول الله تعالى: ﴿واتّبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت (٢)﴾. هو بمعنى النفي. أي: لم ينْزل ذلك. وقالوا: الملكين: بكسر اللام. وذكروا عن الحسن أنه كان يقرؤها كذلك، ويقول: علجان من أهل بابل. قال أبومحمد: ونحن نقول: إنّ الذي يذهب إلى هذا، مخالف للمسلمين واليهود والنصارى، وجميع أهل الكتب ومخالف للأمم كلها، الهند وهي

стр. 113

أشدها إيمانًا بالرقى، والروم والعرب في الجاهلية وفي الإسلام، ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل، لأنّ الله جل وعز قال لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قل أعوذ بربّ الفلق من شرّ ما خلق ومن شرّ غاسق إذا وقب ومن شرّ النّفّاثات في العقد﴾ فأعلمنا أن السواحر ينفثن في عقد يعقدنها كما يتفل الراقي والمعوّذ. وكانت قريش تسمي السحر: العضه. ولعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العاضهة والمستعضهة (١). يعني بالعاضهة: الساحرة. وبالمستعضهة: التى تسألها أن تسحر لها. وقال الشاعر: أعوذ بربي من النافثات ... في عقد العاضه المعضه يعني السواحر. وقد روى ابن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، وهذا طريق مرضي صحيح، أنّه قال: حين سحر: ((جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والأخر عند رجليّ. فقال أحدهما: ما وجع الّرجل؟ قال: مطبوب. فقال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أيّ شيء؟ قال في: مشط ومشاطة وجفّ طلعة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان)). وليس هذا مما يجتر الناس به إلى أنفسهم نفعًا ولا يصرفون عنها ضرًا ولا يكسبون به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثناءً ومدحًا، ولا حملة هذا الحديث كذابين

стр. 114

ولا متهمين ولا معادين لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما ينكر أن يكون لبيد بن الأعصم هذا اليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد قتلت اليهود قبله زكرياء بن آذن في جوف شجرة قطعته قطعًا بالمناشير. وذكر وهب بن منبه أو غيره أنه ﵇ لما وصل المنشار إلى أضلاعه أنّ، فأوحى الله تعالى إليه: إمّا أن تكف عن أنينك وإما أن أهلك الأرض ومن عليها. وقتلت بعده ابنه يحيى بقول بغيّ واحتيالها في ذلك (١). ولو لم يقل الله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم (٢)﴾ لم نعلم نحن أن ذلك شبهه، لأن اليهود أعداؤه، وهم يدّعون ذلك، والنصارى أولياؤه وهم يقرّون لهم به. وقتلت الأنبياء وطبختهم وعذّبتهم أنواع العذاب، ولو شاء الله جل وعز لعصمهم منهم. وقد سمّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في شاة مشوية سمته يهودية، فلم يزل السم يعاوده حتى مات. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((مازالتْ أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبْهري (٣)) فجعل الله تعالى لليهودية عليه السبيل حتى قتلته. ومن قبل ذلك ما جعل الله لهم السبيل على النبيّين. والسحر أيسر خطبًا من القتل والطبخ والتعذيب.

стр. 115

فإن كانوا إنما أنكروا ذلك لأن الله تعالى لا يجعل للشيطان على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبيلاً ولا على الأنبياء، فقد قرءوا في كتاب الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشّيطان في أمنيّته (١)﴾. يريد: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، يعزيه عما ألقاه الشيطان على لسانه حين قرأ في الصلاة: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى (٢). غير أنه لا يقدر أن يزيد فيه أو ينقص منه. أما تسمعه يقول: ﴿فينسخ الله ما يلقي الشّيطان ثمّ يحكم الله ءاياته﴾ أي: يبطل ما ألقاه الشيطان. ثم قال: ﴿ليجعل ما يلقي الشّيطان فتنةً للّذين في قلوبهم مرض﴾. وكذلك قوله في القرآن: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٣)﴾ أي: لا يقدر الشيطان أن يزيد فيه أولاً ولا آخرًا. قال أبومحمد: حدثني أبوالخطاب قال: نا بشر بن المفضل عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ جبريل ﵇ أتاني فقال: إنّ عفْريتًا من الجنّ يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فقل: ﴿الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم﴾ حتى تختم آية الكرسي (٤). وقد حكى الله تعالى عن أيوب ﷺ فقال: ﴿أنّي مسّني

стр. 116

الشّيطان بنصب وعذاب (١)﴾. قال أبومحمد: وأما قولهم في السحر الذي رآه موسى ﷺ : إنه تخييل إليه، وليس على حقيقته، فما ننكر هذا ولا ندفعه، وإنا لنعلم أن الخلائق كلها لو اجتمعوا على خلق بعوضة لما استطاعوا، غير أنا لا ندري أهو بالزئبق الذي ادعوا أنّهم جعلوه فى سلوخ الحيات حتى جرت أم بغيره. ولا يعلم حقيقة هذا إلا من كان ساحرًا، أو من سمع فيه شيئًا من السحرة. وأما قولهم في قول الله ﵎: ﴿واتّبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان﴾ ثم قال: ﴿يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين﴾. إن تأويله: ولم ينْزل على الملكين ببابل، فليس هذا بمنكر من تأويلاتهم المستحيلة المنكوسة. فإذا كان لم ينْزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، صار الكلام فضلاً لا معنى له، وإنما يجوز بأن يدّعي مدّع أن السحر أنزل على الملكين ويكون فيما تقدم ذكر ذلك أو دليل عليه فيقول الله تعالى: اتبعوا ذلك، ولم ينْزل على الملكين كما ذكروا. ومثال هذا أن يقول مبتدئًا علّمت هذا الرجل القرآن، وما أنزل على موسى ﵇، فلا يتوّهم سامع هذا أنك أردت أن القرآن لم ينْزل على موسى ﵇ لأنه لم يتقدمه قول أحد: إنه أنزل على موسى ﵇، وانما يتوّهم السامع أنك علّمته القرآن والتوراة، وتأويل هذا عندنا

стр. 117

مبيّن بمعرفة الخبر المروي فيه، وجملته -على ما ذكر ابن عباس- أن سليمان ﷺ لما عوقب وخلفه الشيطان في ملكه، دفنت الشياطين في خزانته وموضع مصلاه سحرًا وأخذًا ونيرنجات، فلما مات سليمان ﷺ ، جاءت الشياطين إلى الناس فقالوا: ألا ندلكم على الأمر الذي سخّرت به لسليمان الريح والجن، ودانت له به الإنس؟ قالوا: بلى، فأتوا مصلاه وموضع كرسيه فاستخرجوا ذلك منه. فقال العلماء من بني إسرائيل: ما هذا من دين الله، وما كان سليمان ساحرًا، وقال سفلة الناس: سليمان كان أعلم منا فسنعمل بهذا كما عمل، فقال الله تعالى: ﴿واتّبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان﴾. أي: اتبعت اليهود ما ترويه الشياطين. والتلاوة والرواية شيء واحد. ثم قال: ﴿وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين﴾ وهما ملكان أهبطا إلى الأرض حين عمل بنو آدم بالمعاصي ليقضيا بين الناس، وألقي في قلوبهما شهوة النساء وأمرا أن لا يزنيا، ولا يقتلا، ولا يشربا خمرًا، فجاءتْهما الزهرة تخاصم إليهما فأعجبتهما، فأراداها، فأبت عليهما حتى يعلماها الاسم الذى يصعدان به إلى السماء، فعلماها، ثم أراداها فأبت، حتى يشربا الخمر، فشرباها وقضيا حاجتهما، ثم خرجا فرأيا رجلاً فظنا أنه قد ظهر عليهما فقتلاه، وتكلّمت الزهرة بذلك الاسم فصعدت فخنست، وجعلها الله شهابًا، وغضب الله تعالى على الملكين فسماهما: هاروت وماروت، وخيّرهما بين عذاب الدنيا

стр. 118

وعذاب الاخرة، فاختارا عذاب الدنيا (١). فهما يعلمان الناس ما يفرّقون به بين المرء وزوجه، والذي أنزل الله على الملكين فيما يرى أهل النظر -والله أعلم- هو الاسم الأعظم الذي صعدت به الزهرة. وكانا -قبلها وقبل السخط عليهما- يصعدان إلى السماء، فعلّمته الشياطين فهي تعلمه أولياءها وتعلمهم السحر. وقد يقال: إنّ الساحر يتكلم بكلام فيطير بين السماء والأرض ويطفوا على الماء. قال أبومحمد: حدثني زيد بن أخزم الطائي قال نا عبد الصمد قال نا همام عن يحيى بن كثير (٢): أن عامل عمان كتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁: إنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: لسنا من الماء في شيء، إن قامت البينة وإلا فخلّ سبيلها. وحدثني زيد بن أخزم الطائي قال: نا عبد الصمد قال: نا زيد بن أبي ليلى (٣) قال: نا عميرة بن شكير (٤) قال: كنا مع سنان بن سلمة بالبحرين فأتي بساحرة فأمر بها فألقيت في الماء فطفت، فأمر بصلبها، فنحتنا جذعًا، فجاء زوجها كأنه سفود محترق، فقال: مرها فلتطلق عني. فقال لها: أطلقي

стр. 119

عنه. فقالت: نعم ائتوني بباب وغزل. فقعدت على الباب، وجعلت ترقى الغزل وتعقد، فارتفع الباب، فأخذا يمينًا وشمالاً فلم يقدر عليهما. وحدثنا أبوحاتم عن الأصمعي قال: أخبرني محمد بن سليم الطائي في حديث ذكره: إنّ الشياطين لا تستطيع أن تغيّر خلقها، ولكنها تسحره. وحدثني أبوحاتم قال: قال الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء: إنّ الغول ساحرة الجن. وحدثنا أبوالخطاب قال: نا المعتمر بن سليمان قال: سمعت منصورًا يذكر عن ربعي بن حراش عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لأنا أعلم بما مع الدّجّال، إنّ معه نارًا تحْرق، ونهْر ماء بارد، فمن أدركه منكم فلا يهْلكنّ به، وليغمض عينيه وليقعْ في الّتي يراها نارًا، فإنّها نهْر ماء بارد)) (١). وحدثني أبوحاتم عن الأصمعي عن أبي الزناد قال: جاءت امرأة تستفتي فوجدت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد توفّي: ولم تجد إلا امرأة من نسائه يقال: إنّها عائشة ﵂ فقالت لها: ياأم المؤمنين قالت لي امرأة: هل لك أن أعمل لك شيئًا يصرف وجه زوجك إليك؟ وأظنه قال: فأتت بكلبين، فركبت واحدًا وركبْت الآخر فسرنا ما شاء الله. ثم قالت: أتدرين أنك ببابل؟ ودخلت على رجل، أو قالت: رجلين فقالا لها بولي على ذلك الرماد، قالت: فذهبت فلم أبل، ورجعت إليهما، فقالا لي: ما رأيت؟ قالت: ما رأيت شيئًا، قالا: أنت على رأس أمرك. قالت: فرجعت، فتشددت، ثم

стр. 120

بلت، فخرج مني مثل الفارس المقنع، فصعد في السماء فرجعت إليهما، فقالا: ما رأيت؟ فأخبرتهما. فقالا: ذلك إيمانك قد فارقك. فخرجت إلى المرأة فقلت: والله ما علماني شيئا، ولا قالا لي كيف أصنع. قالت: فما رأيت؟ قلت: كذا، قالت: أنت أسحر العرب، عملي وتمني. قالت: فقطعت جداول وقالت: احقل، فإذا هو زرع يهتز. فقالت: أفرك فإذا هو قد يبس. قالت: فأخذته ففركتْه وأعطتْنيه، فقالت: جشّي هذا واجعليه سويقًا وأسقيه زوجك فلم أفعل شيئًا من ذلك، وانتهى الشأن إلى هذا، فهل لي من توبة؟. قالت: ورأيت رجلاً من خزاعة كان يسكن أمج فقالت: يا أم المؤمنين هذا أشبه الناس بهاروت وماروت (١). قال أبومحمد: وقد روى هذا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂. قال أبومحمد: وهذا شيء لم نؤمن به من جهة القياس ولا من جهة حجة العقل، وإنما آمنا به من جهة الكتب وأخبار الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وتواطؤ الأمم في كل زمان عليه خلا هذه العصابة التي لا تؤمن إلا بما أوجبه النظر، ودل عليه القياس فيما شاهدوا ورأوا. وأما قول الحسن: إنّهما علجان من أهل بابل وقراءته ((الملكين)) بالكسر فهذا شيء لم يوافقه أحد من القراء ولا المتأولين، فيما أعلم، وهو أشد استكراهًا وأبعد مخرجًا. وكيف يجوز أن ينْزل على علجين شيء يفرقان به

стр. 121

بين المرء وزوجه. اهـ (١) ٢ - قال القاضي عياض ﵀ في "الشفاء" (ج٢ ص١٦٠) (فصل): فإن قلت قد جاءت الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر كما حدثنا الشيخ أبومحمد العتابي بقراءتي عليه، قال نا حاتم بن محمد نا أبوالحسن علي بن خلف نا محمد بن أحمد نا محمد بن يوسف نا البخاري نا عبيد بن إسماعيل نا أبوأسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتّى أنّه ليخيّل إليه أنّه فعل الشّيء وما فعله. وفي رواية أخرى: حتى كأن يخيل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن الحديث. وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور، فكيف حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ذلك، وكيف جاز عليه وهو معصوم، فاعلم وفقنا الله وإياك أنّ هذا الحديث صحيح، متفق عليه، وقد طعنت فيه الملحدة وتذرّعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها، إلى التشكيك في الشرع، وقد نزّه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبسًا، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته. وأما ماورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل، والإجماع على عصمته من هذا، وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في

стр. 122

أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضّل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها مالا حقيقة له، ثم ينجلي عنه كما كان، وأيضًا فقد فسر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن، وقد قال سفيان: هذا أشدّ مايكون من السحر، ولم يأت فى خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ماكان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات، وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله، لكنه تخييل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على السداد، وأقواله على الصحة، هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحنا من معنى كلامهم وزدناه بيانًا من تلويحاتهم، وكل وجه منها مقنع لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعن ذوي الأضاليل، يستفاد من نفس الحديث، وهو أن عبد الرزاق (١) قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب وعروة بن الزبير وقال فيه عنهما: سحر يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فجعلوه في بئر حتّى كاد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينكر بصره ثمّ دلّه الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر. وروي نحوه عن الواقدي (٢) وعن عبد الرحمن بن كعب (٣) وعمر بن

стр. 123

الحكم (١) وذكر عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يعمر (٢): حبس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عائشة سنةً فبينا هو نائم أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ... الحديث. قال عبد الرزاق: حبس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عائشة خاصّةً سنةً حتّى أنكر بصره. (٣) وروى محمد بن سعد (٤) عن ابن عباس: مرض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فحبس عن النّساء والطّعام والشّراب فهبط عليه ملكان. وذكر القصة. فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله، وأنّه إنما أثّر في بصره وحبسه عن وطء نسائه وطعامه، وأضعف جسمه وأمرضه. ويكون معنى قوله: (يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن)، أي: يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أخذ واعترض، ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون من السحر، ويكون قول عائشة في

стр. 124

الرواية الأخرى: إنّه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، من باب ما اختل من بصره، كما ذكر في الحديث، فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلاً من غيره، ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في ميزه، وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسًا ولا يجد به الملحد المعترض أنسًا. اهكلامه ﵀. ٣ - وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (ج١٠ ص٢٢٦): قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء. قال المازري: وهذا كله مردود، لأن الدليل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. قال: وقد قال بعض الناس إن المراد بالحديث أنه كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثيًرا ما يقع تخيله للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة. قلت: وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة في الباب الذى يلي هذا

стр. 125

ولفظه: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي: (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم). قال الداودي: يرى بضم أوله، أي: يظن، وقال ابن التين: ضبطت يرى بفتح أوله. قلت: وهو من الرأي لا من الرؤية، فيرجع إلى معنى الظن، وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عائشة حتى أنكر بصره. وعنده في مرسل سعيد بن المسيب: حتّى كاد ينكر بصره. قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على تمييزه ومعتقده. قلت: ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد (١): فقالت أخت لبيد بن الأعصم: أن يكن نبيًا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله. قلت: فوقع الشق الأول، كما في هذا الحديث الصحيح، وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت فلا يبقى على هذا للملحد حجة. وقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى: حتى

стр. 126

كاد ينكر بصره، أي: صار كالذي أنكر بصره بحيث أنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمّله عرف حقيقته، ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به. وقال المهلب: صون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده فقد مضى في الصحيح: أنّ شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه. فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام أو عجز عن بعض الفعل أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين. واستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: ((أما أنا فقد شفاني الله)). وفي الاستدلال بذلك نظر، لكن يؤيد المدعى أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في "الدلائل" فكان يدور ولا يدري ما وجعه، وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد (١): مرض النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخذ عن النّساء والطّعام والشّراب فهبط عليه ملكان. الحديث. ٤ - قال عبد الرحمن المعلمي في "الأنوار الكاشفة" ص (٢٤٩): وذكر (يعني أبا رية) كلامًا للشيخ محمد عبده في حديث: أنّ يهوديًا سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أقول: النظر في هذا في مقامات: المقام الأول: ملخص الحديث أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فترة من عمره ناله مرض

стр. 127

خفيف، ذكرت عائشة أشد أعراضه بقولها: (حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) وفي رواية: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن). وفي أخرى: (يخيل إليه كان يفعل الشيء وما فعله). والرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات، فالأخريان محمولتان عليها. وفي "فتح الباري" (ج١٠ ص١٩٣): قال بعض العلماء: (لا يلزم من أنه يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، أن يجزم بفعله ذلك وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت). أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا، فإن فيه شعوره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه. فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم عالم أنه لم يجئها، ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته، فتأذّى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك، وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف. المقام الثاني: في الحديث عن عائشة: حتّى إذا كان ذات يوم وهو عندي، لكنّه دعا ودعا، ثمّ قال: ((يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان)). (أي: ملكان -كما في رواية أخرى- في صورة رجلين) ... فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)) فأتاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ناس من أصحابه، فجاء، قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: ((قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على النّاس شرًّا فأمرت بها فدفنت)).

стр. 128

ومحصل هذا أن لبيد أراد إلحاق ضرر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعمل عملاً في مشط ومشاطة، الخ. فهل من شأن ذلك أن يؤثر، قد يقال: لا ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر عقبه والأقرب أن يقال: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص. وبيانه أن الأفعال التى من شأنها أن تؤثر ضربان: الأول: ما أذن الله تعالى بتأثيره إذنًا مطلقًا ثم إذا شاء منعه، وذلك كالاتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنًا مطلقًا قلما أراد الله تعالى منعه، قال: ﴿يانار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم﴾. الضرب الثاني: ما هو ممنوع من التأثير منعًا مطلقًا، فإذا اقتضت الحكمة أن يمكّن من التأثير رفع المنع فيؤثر، وقوله تعالى في السحر: ﴿وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله﴾ يدل أنه من الضرب الثاني وأن المراد بالإذن، الإذن الخاص، والحكمة في مصلحة الناس تقتضى هذا، والواقع في شئونهم يشهد له، وإذا كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا. المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده وفيه ثلاث قضايا: القضية الأولى: قال: (فعلى صحته هو آحاد والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد). أقول: أما صحته فثابتة بإثبات أئمة الحديث لها فإن أراد الصحة فى نفس الأمر فهب أنا لا نقطع بها ولكنا نظنها ظنًا غالبًا، وعلى كلا الحالتين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظن فلا مفر من الظن وما يترتب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حق في كل دليل لا يفيد إلا الظن. القضية الثانية: أنّه مناف للعصمة في التبليغ، قال: فإنه قد خالط عقله

стр. 129

وإدراكه في زعمهم، فإنه إذا خولط في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئًا وهو لم يبلغه أو أنّ شيئًا ينْزل عليه وهو لم ينْزل عليه. أقول: أما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول، فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك: خولط في عقله. وإنما ذاك خاطر عابر ولو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا، لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلاً عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعًا وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع ص (١٨ - ١٩) وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذه برأسه لظنه أنه قصر، مع أنه لم يقصر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني: ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا (١)﴾ يتهمهم بتدبير مكيدة مع أنّهم كانوا حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بعض كلمات موسى للخضر. وانظر قوله تعالى في يونس: ﴿فظنّ أن لن نقدر عليه (٢)﴾. القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعده من افتراء المشركين عليه، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر لأنّهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵇، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي ينسب إلى لبيد ... وقد جاء بنفي السحر عنه ﵇، حيث نسب القول بإثبات حصول

стр. 130

السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبّخهم على زعمهم هذا، فإذًا هو ليس بمسحور قطعًا. أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتري -أي: يتعمّد- الكذب على الله فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني بزعم أنه له اتصال بالجن، وأن الجن يلقون إليه ما يلقون فيصدقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه، هذا مدار شبهتهم وهو مرادهم بقولهم: به جنّة. مجنون، كاهن، ساحر، مسحور، شاعر، كانوا يزعمون أنّ للشعراء قرناء من الجن تلقي إليهم الشعر، فزعموا أنه شاعر، أي: أنّ الجن تلقي إليه كما تلقي إلى الشعراء ولم يقصدوا أنه يقول الشعر، أو أنّ القرآن شعر. إذا عرف هذا فالمشركون أرادوا بقولهم: ﴿إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا﴾ أنّ أمر النبوة كله سحر، وأن ذلك ناشئ عن الشياطين استولوا عليه -بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه وينهونه، فيصدقهم في ذلك كله ظانًا أنه أنما يتلقى من الله وملائكته، ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له صلى الله عليه وعلى آله وسلم لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون ولا هي من قبيلها في شيء من الأوصاف المذكورة، إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث. فإن قيل: قد أطلق على تلك الحالة أنه سحر ففي الحديث عن عائشة سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل ... والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان: ﴿إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾. قلت: أما الذى أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الملك فإنما سماها طبًا كما مر في

стр. 131

الحديث، وقد أنشد ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" (ج٣ ص٤٠٨): فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا ... وإن كنت مسحورًا فلا برأ للسحر وأقل ما يدل عليه هذا أن الطب أخص من السحر، وأنّ من الأنواع التي يصاب بها الإنسان ويطلق عليها سحرًا ما يقال له: طب. وما لا يقال طب، وعلى كل حال فالذي ذكر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر نفس الساحر وفعله، وقد قدمت أن وقوع أثر ذلك نادر، فلا غرابة في خفاء تفسيره وهذا يغني عما تقدم. اهـ ٥ - ابن مفلح في "الآداب الشرعية" كما تقدم. ٦ - والخطابي كما تقدم وكما في "شرح السنة للبغوي" (ج٦ ص٢٧٩). * * * وللشيخ الفاضل أحمد شاكر ﵀ كلام حسن في توجعه من بعض معاصريه في تهجّمه على كتب السنة بالهوى، قال ﵀ في الكلام على حديث أبي هريرة: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم)) (ج١٢ ص١٢٤) من تحقيق المسند: وهذا الحديث مما لعب فيه بعض معاصرينا ممن علم وأخطأ وممن علم وعمد إلى عداء السنة وممن جهل وتجرّأ. فمنهم من حمل على أبي هريرة وطعن في روايته وحفظه، بل منهم من جرؤ على الطعن في صدقه فيما يروي حتى غلا بعضهم فزعم أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة، إن لم يزعم أنّها لا أصل لها، بما رأوا من شبهات في نقد بعض الأئمة لأسانيد قليلة فيهما، فلم يفهموا اعتراض

стр. 132

أولئك المتقدمين الذين أرادوا بنقدهم أنّ بعض أسانيدهما خارجة عن الدرجة العليا من الصحة التى التزمها الشيخان لم يريدوا أنّها أحاديث ضعيفة قط. ومن الغريب أن هذا الحديث بعينه -حديث الذباب- لم يكن مما إستدركه أحد من أئمة الحديث على البخاري، بل هو عندهم جميعًا مما جاء على شرطه في أعلى درجات الصحة. ومن الغريب أيضًا أنّ هؤلاء الذين حملوا على أبي هريرة على علم كثير منهم بالسنة وسعة اطلاعهم ﵏، غفلوا أو تغافلوا عن أنّ أبا هريرة رضى الله عنه لم ينفرد بروايته بل رواه أبوسعيد الخدري أيضًا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند أحمد في "المسند" (١١٢٠٧،١١٦٦٦) والنسائي (ج٢ ص١٩٣) وابن ماجة (ج٢ ص١٨٥) والبيهقي (ج١ ص٢٥٣) بأسانيد صحاح، ورواه أنس بن مالك أيضًا، كما ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٥ ص ٣٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني في "الأوسط" وذكره الحافظ في "الفتح" (ج١٠ ص٢١٣) وقال: أخرجه البزار ورجاله ثقات. فأبوهريرة لم ينفرد برواية هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكنه انفرد بالحمل عليه منهم بما غفلوا أنه رواه اثنان غيره من الصحابة. والحق أنه لم يعجبهم هذا الحديث لما وقر في نفوسهم من أنه ينافي المكتشفات الحديثة من المكروبات ونحوها، وعصمهم إيمانهم عن أن يجرؤا على المقام الأسمى فاستضعفوا أباهريرة. والحق أيضًا أنّهم آمنوا بهذه المكتشفات الحديثة أكثر من إيمانهم بالغيب

стр. 133

ولكنهم لا يصرحون ثم اختطوا لأنفسهم خطةً عجيبةً: أن يقدموها على كل شيء وأن يؤلوا القرآن بما يخرجه عن معنى الكلام العربي إذا ما خالف ما يسمونه (الحقائق العلمية) وأن يردوا من السنة الصحيحة ما يظنون أنه يخالف حقائقهم هذه، افتراءً على الله وحبًا في التجديد، بل إن منهم لمن يؤمن ببعض خرافات الأوربيين، وينكر حقائق الإسلام أو يتأولها، فمنهم من يؤمن بخرافات استحضار الأرواح، وينكر وجود الملائكة والجن بالتأول العصري الحديث، ومنهم من يؤمن بأساطير القدماء وما ينسب إلى القديسين والقديسات، ثم ينكر معجزات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلها، ويتأول ما ورد في الكتاب والسنة من معجزات الأنبياء السابقين يخرجونها عن معنى الإعجاز كله وهكذا وهكذا .. وفي عصرنا هذا صديق لنا كاتب قدير أديب جيد الأداء، واسع الأطلاع، كنا نعجب بقلمه وعلمه واطلاعه، ثم بدت منه هنات وهنات على صفحات الجرائد والمجلات في الطعن على السنة والازراء برواتها من الصحابة فمن بعدهم، يستمسك بكلمات للمتقدمين فى أسانيد معينة يجعلها -كما يصنع المستشرقون- قواعد عامة يوسع من مداها ويخرج بها عن حدها الذي أراده قائلوها، وكانت بيننا في ذلك مساجلات شفوية ومكاتبات خاصة، حرصًا مني على دينه وعلى عقيدته. ثم كتب في إحدى المجلات -منذ أكثر من عامين- كلمةً على طريقته التي ازداد فيها إمعانًا وغلوًا، فكتبت له كتابًا طويلاً في شهر جمادى الأولى سنة (١٣٧٠) كان مما قلت له فيه من غير أن أسميه هنا، أو أسمي المجلة التى كتب فيها قلت له: وقد قرأت لك منذ أسبوعين تقريبًا كلمة في مجلة ... لم

стр. 134

تدع فيها ما وقر في قلبك من الطعن في روايات الحديث الصحيحة، ولست أزعم أني أستطيع إقناعك أو أرضي إحراجك بالإقلاع عما أنت فيه. وليتك -يا أخي- درست علوم الحديث وطرق روايته، دراسةً وافيةً غير متأثر بسخافات (فلان) ﵀ وأمثاله، ممن قلدهم وممن قلدوه، فأنت تبحث وتنقّب على ضوء شيء استقر في قلبك من قبل، لا بحثًا حرًا خاليًا من الهوى، وثق أني لك ناصح أمين، لا يهمني ولا يغضبني أن تقول في السنة ما تشاء فقد قرأت من مثل كلامك أضعاف ما قرأت، ولكنك تضرب الكلام بعضه ببعض، وثق -يا أخي- أن المستشرقين فعلوا مثل ذلك في السنة، فقلت مثل قولهم وأعجبك رأيهم، إذ صادف منك هوىً، ولكنك نسيت أنّهم فعلوا مثل ذلك وأكثر منه في القرآن نفسه، فما ضار القرآن ولا السنة شيء مما فعلوا، وقبلهم قام المعتزلة وكثير من أهل الرأي والأهواء، ففعلوا بعض هذا أو كله، فما زادت السنة إلا ثبوتًا كثبوت الجبال، وأتعب هؤلاء رؤوسهم وحدها وأوهموها، بل لم نر فيمن تقدّمنا من أهل العلم من اجترأ على ادعاء أن في الصحيحين أحاديث موضوعة فضلاً عن الإيهام والتشنيع الذى يطويه كلامك، فيوهم الأغرار أن أكثر ما في السنة موضوع، هذا كلام المستشرقين، غاية ما تكلم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها لا بادّعاء وضعها والعياذ بالله، ولا بادّعاء ضعفها، إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنّها لا تبلغ في الصحة الذروة العليا التي التزمها كل منهما. وهذا مما أخطاء فيه كثير من الناس، ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا ﵀، على علمه بالسنة وفقهه، ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما

стр. 135

يرى، وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها، ولكنه كان متأثرًا أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده وهما لا يعرفان في الحديث شيئًا، بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدمًا وأثبت رأيًا، لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه، والله يغفر لنا وله. وما أفضت لك في هذا إلا خشيةً عليك من حساب الله، أما الناس في هذا العصر فلا حساب لهم، ولا يقدّمون في ذلك ولا يؤخرون، فإن التربية الإفرنجية الملعونة جعلتهم لا يرضون القرآن إلا على مضض، فمنهم من يصرح، ومنهمم من يتأول القرآن والسنة ليرضي عقله الملتوي، لا ليحفظهما من طعن الطاعنين فهم على الحقيقة لا يؤمنون ويخشون أن يصرحوا فيلتوون وهكذا هم، حتى يأتي الله بأمره، فاحذر لنفسك من حساب الله يوم القيامة، وقد نصحتك وما آلوت والحمد لله. وأما الجاهلون الأجرياء فإنّهم كثر في هذا العصر، ومن أعجب ما رأيت من سخافاتهم وجرأتهم أن يكتب طبيب في إحدى المجلات الطبية فلا يرى إلا أن هذا الحديث لم يعجبه، وأنه ينافي علمه، وأنه رواه مؤلف اسمه البخاري، فلا يجد مجالاً إلا الطعن في هذا البخاري ورميه بالافتراء والكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو لا يعرف عن البخاري هذا شيئًا، بل لا أظنه يعرف اسمه ولا عصره ولا كتابه، إلا أنه روى شيئًا يراه هو بعلمه الواسع غير صحيح فافترى عليه ما شاء، مما سيحاسب عليه بين يدي الله حسابًا عسيرًا. ولم يكن هؤلاء المعترضون المجترئون أول من تكلم في هذا، بل سبقهم من أمثالهم الأقدمون، ولكن أولئك كانوا أكثر أدبًا من هؤلاء. فقال

стр. 136

الخطابي في "معالم السنن" رقم (٣٦٩٥) من "تهذيب السنن": وقد تكلم في هذا الحديث بعض من لا خلاق له. وقال: كيف يكون هذا؟ وكيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة، وكيف تعلم ذلك من نفسها حتى تقدم جناح الداء وتؤخر جناح الشفاء وما أربها في ذلك. قلت: (القائل الخطابي): وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، وإن الذى يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيها بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى أن الله سبحانه قد ألّف بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان التى بها بقاؤها وصلاحها لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والشفاء في جزءين من حيوان واحد، وأن الذى ألهم النحلة أن تتخذ البيت العجيب الصنعة وأن تعسل فيه وألهم الذرة أن تكتسب قوتها وتدخره لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحًا وتؤخر جناحًا لما أراد الله من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد، والامتحان الذي هو مضمار التكليف، وفي كل شيء عبرة وحكمة وما يذّكر إلا أولوا الألباب. وأما المعنى الطبي فقال ابن القيم -في شأن الطب القديم- في "زاد المعاد" (ج٣ ص٢١٠ - ٢١١): واعلم أن في الذباب قوة سمية، يدل عليها الورم والحكة العارضة من لسعه، وهى بمنْزلة السلاح فإذا سقط فيما يؤذية اتقاه بسلاحه فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله في جناحه الآخر من الشفاء، فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السمية بالمادة النافعة، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدى إليه كبار الأطباء وأئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفق يخضع

стр. 137

لهذا إلعلاج ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية. وأقول -في شأن الطب الحديث- إن الناس كانوا ولا يزالون تقذر أنفسهم الذباب، وتنفر مما وقع فيه من طعام أو شراب، ولا يكادون يرضون قربانه، وفي هذا من الإسراف -إذا غلا الناس فيه- شيء كثير ولا يزال الذباب يلح على الناس في طعامهم وشرابهم، وفي نومهم ويقظتهم، وفي شأنهم كله، وقد كشف الأطباء والباحثون عن المكروبات الضارة والنافعة وغلو غلوًا شديدًا في بيان ما يحمل الذباب من مكروبات ضارة، حتى لقد كادوا يفسدون على الناس حياتهم لو أطاعوهم طاعة حرفيّة تامة، وإنا لنرى بالعيان أن أكثر الناس تأكل مما سقط عليه الذباب، وتشرب فلا يصيبهم شيء إلا في القليل النادر، ومن كابر في هذا فإنما يخدع الناس ويخدع نفسه، وإنا لنرى أيضًا أن ضرر الذباب شديد حين يقع الوباء العام لا يماري في ذلك أحد، فهناك إذن حالان ظاهرتان بينهما فروق كبيرة، أما حال الوباء فمما لاشك فيه أن الاحتياط فيها يدعو إلى التحرز من الذباب وأضرابه مما ينقل المكروب أشد التحرز، وأما إذا عدم الوباء وكانت الحياة تجري على سننها فلا معنى لهذا التحرز، والمشاهدة تنفي ما غلا فيه من إفساد كل طعام أو شراب وقع عليه الذباب، ومن كابر في هذا فانما يجادل بالقول لا بالعمل، ويطيع داعي الترف والتأنّق وما أظنه يطبّق ما يدعو إليه تطبيقًا دقيقًا، وكثير منهم يقولون ما لا يفعلون. اهـ

стр. 138

مسألة وتعلم السحر كفر قال الله تعالى: واتّبعوا ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكنّ الشّياطين كفروا يعلّمون النّاس السّحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلّمان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلّمون منهما ما يفرّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارّين به من أحد إلاّ بإذن الله ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. وقال البخاري ﵀ (ج٥ ص٣٩٣): حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد المدني عن أبي الغيث عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((اجتنبوا السّبْع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: ((الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحْف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)). والحديث ليس صريحًا في أنّ متعلّم السحر كافر، وتكفي الآية، ويستأنس بالحديث معها. والله أعلم.

стр. 139

الخاتمة قد عرضت عليك بعض ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر، وعرضت بعض آراء محمد رشيد رضا المنحرفة، وكشفت لك عن تلبيس تستّره بالسلفية، وما لم أذكره أكثر، فهو يشكّك في حديث رجوع الشمس من مغربها، وهو يقول: إن ذكر القرآن بعض الخوارق، هو الذي صد أحرار الإفرنج عن الإسلام. ذكر هذا صاحب "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" فواحدة مما ذكرت توجب ضلاله وانحرافه، نعوذ بالله من عمى البصيرة. وإن تشهيرنا بضلال محمد رشيد رضا المتستّر بالسلفيّة، ليدل على أن أهل السنة ليس لديهم محاباة، وهذا بخلاف جهلة الإخوإن المسلمين الذين يدندنون بقول من قال: نتعاون فيما اتفقنا عليه وليعذر بعضنا بعضًا فيما أختلفنا فيه. وقوله: وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، باطل، لأنّ من المختلف ما لا يجوز أن يعذر عليه صاحبه، كما هو معلوم من الشرع. وبخلاف أيضًا الحزب الشيوعي والبعثي، فإنّ من تظاهر بالكفر والإلحاد والطعن في الإسلام، رفعوا شأنه، وتحدثت عنه وسائل الإعلام، وإن كان لا يساوي بعرة، ولكن يأبى الله إلا أن يهين أعداءه ويذلهم ومن يهن الله فما له من مكرم. والحمد لله قد باء أعداء السنة بالفشل، وباء الملاحدة بالخزي والذل، وأصبحت السنة هي السائدة فى اليمن، والفضل في هذا لله وحده. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.