الحديث الثاني:
عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنّ امرأةً قتلت ضرّتها بعمود فسطاط، فأتي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقضى على عاقلتها بالدّية، وكانت حاملاً، فقضى في الجنين بغرّة، فقال بعض عصبتها: أندي من لا طعم ولا شرب، ولا صاح فاستهلّ، ومثل ذلك يطلّ، قال: فقال: ((سجع كسجع الأعراب)).
رواه مسلم (ج١١ ص١٧٩). والنسائي (ج٨ ص٤٤).
فأنت ترى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنكر عليه معارضته لحديثه برأيه وقال: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان)). من أجل سجعه.
الحديث الثالث:
عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا، أبوبكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبوبكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله سبحانه: يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الآية. قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه -يعني- أبا بكر.
أخرجه البخاري (ج١٠ ص٢١٢،٢١٤) وفيه رواية ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير (ج١٧ ص٣٩). وأخرجه الترمذي (ج٤ ص١٨٥) وعنده تصريح عبد الله بن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير حدثه به، وأحمد (ج٤ ص٦)، والطبري (ج٢٦ ص١١٩) وفيه قول نافع: حدثني ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، فعلم اتصال الحديث كما أشار إليه الحافظ في "الفتح"
стр. 72
(ج١٠ ص٢١٢).
الحديث الرابع:
عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في مرضه: ((مروا أبابكْر فيصلّ بالنّاس)) قالت عائشة: فقلت: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ. فقال: ((مروا أبابكر فلْيصلّ بالنّاس)) قالت عائشة: فقلت لحفْصة: قولي: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف، مروا أبابكر فليصلّ بالنّاس)) قالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا.
رواه البخاري (ج١٧ ص٣٩). ومسلم (ج٥ ص١٤٠،١٤١).
الحديث الخامس:
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إنّ الله لا ينْزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلّون ويضلّون)).
رواه البخاري (ج١٧ ص٤٥) ومسلم واللفظ للبخاري.
الحديث السادس:
قال مسلم ﵀ (ج٣ ص١٥٩٩): حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع أنّ أباه حدّثه أنّ رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشماله، فقال: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع. قال: ((لا استطعت))، ما منعه إلا الكبر، قال: فما
стр. 73
رفعها إلى فيه.
الحديث السابع:
قال البخاري ﵀ (ج١٠ ص١٢١): حدثنا إسحاق حدثنا خالد ابن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على رجل يعوده، فقال: ((لا بأس طهور إن شاء الله)) فقال: كلا بل هي حمّى تفور، على شيخ كبير، حتى تزيره القبور. قال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فنعم إذًا)).
آثار عن السلف
وأما الاثار عن السلف ﵏، فأكثر من أن تحصر، ولكن أشير إلى بعضها:
الأثر الأول:
عن علي ﵁ أنه قال: لو كان الدّين بالرّأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح على ظاهر خفّيه.
رواه أبوداود (ج١ ص٦٣) ورجاله رجال الصحيح، إلا عبدخير، وهو ثقة كما في "التقريب".
وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": إنّ سنده حسن، وقال في "التلخيص": رواه أبوداود وإسناده صحيح.
الأثر الثاني:
الحديث عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا
стр. 74
تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم)) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنّ، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبّه سبًّا سيّئًا ما سمعته سبّه مثله، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول: والله لنمنعهنّ.
رواه مسلم (ج٤ ص١٦١). وفي "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص١٣٩) للحافظ ابن عبد البر أنه قال له: لعنك الله، لعنك الله. أقول: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن لا يمنعن، وقام مغضبًا.
الأثر الثالث:
عن عبد الله بن المغفل أنّه رأى رجلاً يخذف فقال له: لا تخذف، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال: ((إنّه لا يصاد به صيد، ولا ينكى به عدوّ، ولكنّها قد تكسر السّنّ وتفقأ العين))، ثمّ رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه ينهى عن الخذف، وأنت تخذف، لا أكلّمك كذا وكذا.
رواه البخاري (ج١٢ ص٢٦). ومسلم (ج١٣ ص١٠٥،١٠٦) وفيه: لا أكلمك أبدًا.
الأثر الرابع:
عن أبي قتادة تميم بن نذير العدوي أنّه قال: كنّا عند عمران بن حصين في رهط، وفينا بشير بن كعب فحدّث عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الحياء خير كلّه)) فقال بشير بن كعب: إنّا لنجد في بعض الكتب: أنّ منه سكينةً ووقارًا ومنه ضعف. فغضب عمران حتّى احمرّت عيناه، وقال: ألا أراني أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعارض فيه، قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بشير، فغضب عمران، قال: فما زلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد، إنّه لا بأس به.
رواه مسلم (ج٢ ص٧) وأحمد (ج٤ ص٤٢٧،٤٣٦،٤٤٠، ٤٤٢،٤٤٥)، والطيالسي
стр. 75
(ج٢ ص٤١).
الأثر الخامس:
عن ابن أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أضللت الناس، قال: وما ذاك يا عريّة؟ قال: تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر وليستْ فيهنّ عمرة فقال: أولا تسأل أمّك عن ذلك؟ فقال عروة: فإنّ أبابكر وعمر لم يفعلا ذلك، فقال ابن عبّاس: هذا الّذي أهلككم والله ما أرى إلاّ سيعذّبكم، إنّي أحدّثكم عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتجيئوني بأبي بكر وعمر ...
رواه أحمد (ج١ ص٣٣٧). وإسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (ج١ ص٣٦٠) وفيه: نجيئكم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتجيئوني بأبي بكر وعمر؟.
والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص ١٤٥)، والسياق له، وابن حزم في "حجة الوداع" ص (٢٦٨، ٢٦٩) من طرق إلى ابن عباس. وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص٢٣٩،٢٤٠).
الأثر السادس:
قال الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص١٥٠): أنا محمد بن أحمد بن رزق أنا عثمان بن أحمد الدقاق أنا محمد بن إسماعيل الرقي أنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشّافعي وسأله رجل عن مسألة فقال: يروى فيها كذا وكذا عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له السّائل: يا أبا عبد الله ما تقول فيه؟ فرأيت الشّافعي أرعد وانتفض، فقال: ما هذا، أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تظلني؟ إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا فلم أقلْ به، نعم على السّمع والبصر، نعم على السّمع والبصر.
وقال: أنا الربيع قال: سمعت الشّافعي وقد روى حديثًا وقال له بعض من حضر: تأخذ بهذا؟ فقال: إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا صحيحًا
стр. 76
فلم آخذْ به، فأنا أشهدكم أنّ عقلي قد ذهب، ومدّ يديه.
وأخرج الأثرين: الحافظ البيهقي في "مناقب الشافعي" (ج١ ص٤٧٤،٤٧٥)، وأبونعيم في "الحلية" (ج٩ ص١٠٦).
الأثر السابع:
قال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة ﵀ في "التوحيد" ص (١١٣): حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني وعلي بن الحسين ويحيى بن حكيم قالوا ثنا معاذ بن معاذ العنبري قال ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا قال بأصبعه هكذا: وأشار بالخنصر من الظفر يمسكه بالإبهام، قال: فقال حميد لثابت: يا أبا محمد دع هذا، ما تريد؟ قال: فضرب ثابت منكب حميد وقال: ومن أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ حدثني به أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول أنت: دع هذا.
هذا لفظه.
حدثنا يحيى بن حكيم والزعفراني وعلي بن الحسين عن معاذ (١) بن معاذ عن حماد بن سلمة.
قال علي ثنا ثابت البناني عن أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وقال الزعفراني: عن ثابت البناني عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكًّا قال: هكذا، ووصف معاذ أنه أخرج
стр. 77
أول المفصل من خنصره فقال له حميد: يا أبا محمد ما تريد إلى هذا؟ فضرب صدره ضربةً شديدةً وقال: فمن أنت؟ ما تريد إلى هذا؟.
غير أن الزعفراني قال هكذا: ووضع إبْهامه اليسرى على طرف خنصره الأيسر على العقد الأول.
حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال ثنا أبي ثنا حماد بن سلمة قال ثنا ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لمّا تجلّى ربّه للجبل)) رفع خنصره وقبض على مفصل منها ((فانساخ الجبل)) فقال له حميد: أتحدث بهذا؟ فقال: حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقول: لا تحدث به.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
الأثر الثامن:
قال الترمذي ﵀ (ج٣ ص٦٤٨): حدثنا أبوكريب أخبرنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلّد نعلين وأشعر الهدي في الشّقّ الأيمن بذي الحليفة، وأماط عنه الدّم.
قال: وفي الباب عن المسور بن مخرمة، قال أبوعيسى: حديث ابن عبّاس حديث حسن صحيح، وأبوحسّان الأعرج اسمه مسلم، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وغيرهم يرون الإشعار، وهو قول الثّوريّ والشّافعيّ وأحمد وإسحق.
قال: سمعت يوسف بن عيسى يقول: سمعت وكيعًا يقول حين روى هذا الحديث قال: لا تنظروا إلى قول أهل الرّأي في هذا، فإنّ الإشعار سنّة وقولهم بدعة، قال: وسمعت أبا السّائب يقول: كنّا عند وكيع فقال لرجل
стр. 78
عنده ممّن ينظر في الرّأي: أشعر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقول أبوحنيفة: هو مثلة. قال الرّجل فإنّه قد روي عن إبراهيم النّخعيّ أنّه قال: الإشعار مثلة. قال: فرأيت وكيعًا غضب غضبًا شديدًا، وقال: أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقول: قال إبراهيم: ما أحقّك بأن تحبس ثمّ لا تخرج حتّى تنْزع عن قولك هذا.
الأثر التاسع:
قال الدارمي ﵀ (ج١ ص١١٨): أخبرنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أنّه حدّث يومًا بحديث عن النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال رجل: في كتاب الله ما يخالف هذا، قال: ألا أراني أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعرّض فيه بكتاب الله، كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلم بكتاب الله منك.
هذا الأثر صحيح.
الأثر العاشر:
قال الإمام الآجري ﵀ في "الشريعة" ص (٥٦): حدثنا أيضًا الفريابي حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس ﵁ يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له: أبوالحورية كان يتّهم بالإرجاء، فقال: ياعبد الله اسمع منّي شيئًا أكلمك به وأحاجك به وأخبرك برأي، قال: فإنْ غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعتني. قال: فإن جاء رجل آخر فكلّمنا فغلبنا؟ قال: نتّبعه. فقال مالك ﵀: يا عبد الله بعث الله محمّدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا
стр. 79
للخصومات أكثر التّنقل.
أثر مالك صحيح، وما ذكره عن عمر بن عبد العزيز، منقطع، لكن الآجري ﵀ قد رواه قبل هذا الأثر بالسند الصحيح، فقال: وحدثنا الفريابي قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: إن عمر بن عبد العزيز قال: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وقال الإمام أبوبكر الخطيب ﵀ في "شرف أصحاب الحديث" ص (٥): أخبرنا أبوسعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي بنيسابور، قال حدثنا أبوالعباس محمد بن يعقوب الأصم قال حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال سمعت مالك بن أنس يعيب الجدال في الدين، ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أرادنا أن نردّ ما جاء به جبريل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
هذا الأثر صحيح.
وقال الإمام أبوعمر بن عبد البر ﵀ في "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص١٧٦): وذكر الطبري في كتاب "تهذيب الآثار" له حدثنا الحسن ابن الصباح البزار قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك: قبض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد تمّ هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتّبع آثار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يتبع الرأي، فإنه متى اتّبع الرأي جاء رجل آخر أقوى في الرأي منك، فاتبعته فأنت كلما جاء رجل عليك اتبعته، أرى هذا لا يتم.
الأثر ضعيف جدًا بهذا السند، إسحاق بن إبراهيم الحنيني الجرح فيه مفسّر، قال
стр. 80
النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: فيه نظر، لكن الأثر ثابت بالطريقين المتقدمين، والله أعلم.
الأثر الحادي عشر:
قال عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة" ص (٣٨): حدثني إسحاق بن بهلول الأنباري سمعت وكيعًا يقول: من رد حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الرؤية فاحسبوه من الجهميّة.
وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" معلقًا ص (١٨): وفيه: فهو جهمي فاحذروه. وإسحاق بن بهلول شيخ عبد الله بن أحمد ترجمه الخطيب في "التاريخ" (ج٦ ص٣٦٦) وقال: كان ثقةً، ونقل عن ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عنه فقال: صدوق.
الأثر الثاني عشر:
قال الإمام الآجري ﵀ في "الشريعة" ص (٢٢٧): وأخبرنا الفريابي قال سمعت أبا حفص عمرو بن علي قال سمعت معاذ بن معاذ وذكر قصة عمرو بن عبيد إن كانت تبّت يدا أبي لهب في اللوح المحفوظ فما على أبي لهب من لوم.
قال أبوحفص: فذكرته لوكيع بن الجراح، فقال: من قال بهذا، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
هذا الأثر صحيح.
الأثر الثالث عشر:
قال الآجري ﵀ في "الشريعة": حدثنا الفريابي قال حدثنا العباس ابن الوليد بن مزيد قال أخبرني أبي قال سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرّجال، وإن تزخرفوا لك
стр. 81
بالقول.
هذا الأثر صحيح.
الأثر الرابع عشر:
إنكار ابن أبي شيبة على أبي حنيفة في رده بعض الأحاديث بالرأي، فقد عقد في "مصنفه" (ج١٤ ص١٤٨) كتابًا فقال ﵀: "كتاب الرد على أبي حنيفة":
هذا ما خالف به أبوحنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ذكر إلى ص (٢٨٢)، تشتمل على نحو خمسة وثمانين وأربعمائة بين حديث وأثر، فجزى الله سلفنا الصالح الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم.
الأثر الخامس عشر:
قال ابن حزم في كتابه "إحكام الأحكام" (ج١ ص٨٩): وقد ذكر محمد ابن نصر المروزي أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خبر يقرّ بصحّته ثم ردّه بغير تقيّة، فهو كافر.
الأثر السادس عشر:
قال الدارمي ﵀ (ج١ ص٦٠): أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا مالك هو ابن مغول قال: قال لي الشعبي: ما حدّثوك هؤلاء عن رسول الله فخذْ به، وما قالوه برأيهم فألقه في الحشّ.
هذا الأثر صحيح.
الأثر السابع عشر:
ونقل القاضي أبوالحسين محمد بن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" في
стр. 82
ترجمة إبراهيم بن أحمد بن شاقلا (ج٢ ص١٣٥) أنه قال: ومن خالف الأخبار التى نقلها العدل عن العدل موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها وتجرأ على ردّها فقد تهجّم على رد الإسلام، لأن الإسلام منقول إلينا بمثل ما ذكرت.
وقال ص (١٣٨) لخصمه: أنت تتكلم على المسلمين فتحشوا أسماعهم بمثل كلام الكلبي الكذاب، فيما يخبر عن مراد الله تعالى من الأمم الخالية التي لم يشاهدها، فلا يكون عندك هذيان ثم تجيء إلى مثل إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله -حديث الخبر (١) - فتقول: هذا هذيان، وهذا قول من تقلده خرج عندي من الدين وسلك سبيل غير المسلمين. اهـ
الأثر الثامن عشر:
قال الحسن بن علي البربهاري (٢) في "شرح كتاب السنة" له ص (١١٣): وإذا سمعت الرجل يطعن على الأثر أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار فاتّهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع.
وقال أيضًا ص (١١٩): وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن، فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة فقمْ من عنده وودّعه.
стр. 83
وقال أيضًا ص (١٢٨): ولا يحل لرجل أن يقول: فلان صاحب سنة، حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة، فلا يقال: صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها. اهـ
الأثر التاسع عشر:
وقال الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص١٥٢): ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي ومجانبته خلافًا بعيدًا، فما يرى المسلمون بدًا من اتّباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي ودلهم على عوره وغوره أنه يأتي الحق على خلافه في وجوه متعددة، من ذلك:
أن قطع أصابع اليد، مثل قطع اليد من المنكب، أي ذلك أصيب ففيه ستة الآف.
ومن ذلك: أن قطع الرجل في قلة ضررها مثل قطع الرجل من الورك، أي ذلك أصيب ففيه ستة الآف.
ومن ذلك: أن في العينين إذا فقئتا مثل مافي قطع أشراف الأذنين في قلة ضررها، أي ذلك أصيب ففيه اثنا عشرألفًا.
ومن ذلك: أن في شجتين موضحتين صغيرتين مائتي دينار، وما بينهما صحيح، فإن جرح ما بينهما حتى تقام إحداهما إلى الأخرى، كان أعظم للجرح بكثير، ولم يكن فيها حينئذ إلا خمسون دينارًا.
ومن ذلك: أنّ المرأة الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة.
ومن ذلك: رجلان: قطعت أذنا أحدهما جميعًا، يكون له اثنا عشر ألفًا، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه وذهبت نفسه، ليس ذلك
стр. 84
إلا اثنا عشر ألفًا، مثل ذلك الذي لم يصب إلا شراف أذنيه.
في أشباه هذا غير واحد فهل وجد المسلمون بداً من لزوم هذا؟ وأي هذه الوجوه يستقيم على الرأي أو يخرج في التفكير؟ إلى آخر كلامه ﵀.
وفي كتاب أبي محمد بن حزم ﵀ "الإحكام في أصول الأحكام" من هذا الكثير الطيب فأنصح مريد الحق بقراءته.
стр. 85
حديث السحر
قال البخاري ﵀ (ج١٠ ص٢٢١): حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتّى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخيّل إليه أنّه كان يفعل الشّيء وما فعله، حتّى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنّه دعا ودعا، ثمّ قال: ((يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)) فأتاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: ((يا عائشة كأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، أو كأنّ رءوس نخلها رءوس الشّياطين)) قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: ((قد عافاني الله، فكرهت أن أثوّر على النّاس فيه شرًّا)) فأمر بها فدفنت.
تابعه أبوأسامة وأبوضمرة وابن أبي الزّناد، عن هشام، وقال اللّيث وابن عيينة عن هشام: ((في مشط ومشاطة))، يقال: المشاطة ما يخرج من الشّعر إذا مشط، والمشاطة من مشاطة الكتّان.
стр. 86
وقال البخاري ﵀ (ج١٠ ص٢٣٢): وحدثني عبد الله بن محمد قال سمعت ابن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج يقول: حدثني آل عروة فسألت هشامًا عنه فحدثنا عن أبيه: عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر حتّى كان يرى أنّه يأتي النّساء ولا يأتيهنّ. قال سفيان: وهذا أشدّ ما يكون من السّحر إذا كان كذا، فقال: ((يا عائشة أعلمت أنّ الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال الّذي عند رأسي للآخر: ما بال الرّجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود، كان منافقًا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وأين؟ قال: في جفّ طلعة ذكر، تحت راعوفة في بئر ذروان)) قالت: فأتى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم البئر حتّى استخرجه، فقال: ((هذه البئر الّتي أريتها، وكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، وكأنّ نخلها رءوس الشّياطين)) قال: فاستخرج، قالت: فقلت: أفلا -أي تنشّرت-؟ فقال: ((أمّا والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من النّاس شرًّا)).
وقال البخاري ﵀ (ج١٠ ص٢٣٥): حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبوأسامة عن هشام عن أبيه: عن عائشة قالت: سحر النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتّى إنّه ليخيّل إليه أنّه يفعل الشّيء وما فعله، حتّى إذا كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثمّ قال: ((أشعرت يا عائشة أنّ الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه)): قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، ثمّ قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهوديّ، من
стр. 87
بني زريق، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان)) قال: فذهب النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أناس من أصحابه إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل ثمّ رجع إلى عائشة فقال: ((والله لكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، ولكأنّ نخلها رءوس الشّياطين))، قلت: يا رسول الله أفأخرجته؟ قال: ((لا، أمّا أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثوّر على النّاس منه شرًّا)) وأمر بها فدفنت.
وقال الإمام مسلم (ج١٤ ص١٧٤): حدثنا أبوكريب حدثنا ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسلّم يهوديّ من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، قالت: حتّى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخيّل إليه أنّه يفعل الشّيء وما يفعله، حتّى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة، دعا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ دعا ثمّ دعا، ثمّ قال: ((يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال الّذي عند رأسي للّذي عند رجليّ، أو الّذي عند رجليّ للّذي عند رأسي: ما وجع الرّجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، قال: وجفّ طلعة ذكر، قال: فأين هو، قال: في بئر ذي أروان)) قالت: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أناس من أصحابه، ثمّ قال: ((يا عائشة والله لكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، ولكأنّ نخلها رءوس الشّياطين)) قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: لا، أمّا أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على النّاس شرًّا)) فأمرت بها فدفنت.
حدثنا أبوكريب حدثنا أبوأسامة حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت:
стр. 88
سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وساق أبوكريب الحديث بقصّته نحو حديث ابن نمير وقال فيه: فذهب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى البئر فنظر إليها وعليها نخل، وقالت: قلت: يا رسول الله فأخرجه؟ ولم يقل: أفلا أحرقته، ولم يذكر فأمرْت بها فدفنت.
وقال الإمام أحمد ﵀ (ج٦ ص٦٣): ثنا إبراهيم بن خالد عن رباح عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لبث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ستّة أشهر يرى أنّه يأتي، ولا يأتي، فأتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب. قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: فيم؟ قال: في مشط ومشاطة في جفّ طلعة ذكر في بئر ذروان تحت راعوفة، فاستيقظ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نومه فقال: ((أي عائشة ألم ترين أنّ الله أفتاني فيم استفتيته، فأتى البئر فأمر به فأخرج، فقال: هذه البئر الّتي أريتها والله كأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، وكأنّ رءوس نخلها رءوس الشّياطين، فقالت عائشة: لو أنّك -كأنّها تعني أن ينتشر-، قال: ((أما والله قد عافاني الله، وأنا أكره أن أثير على النّاس منه شرًّا)).
الرواة لحديث السحر عن هشام بن عروة
١ - يحيى بن سعيد القطان البصرى عند البخاري (ج٦ ص٢٧٦) وأحمد (ج٦ ص٥٠) وابن جرير (ج٢ ص٤٣٧) بتخريج أحمد شاكر.
٢ - عيسى وهو ابن يونس الكوفي عند البخاري (ج٦ ص٣٣٤)
стр. 89
و (ج١٠ص٢٢١) والنسائي في "الكبرى" (ج٤ ص٣٨٠) وإسحاق (ج٢ ص٦٨) وعند ابن حبان (ج٨ ص١٩٤) من "تقريب الإحسان". وقال البخاري (ج١٠ ص٢٢١): تابعه أبوأسامة وأبوضمرة وابن أبي الزناد عن هشام وقال الليث وابن عيينة: عن هشام.
٣ - ابن جريج المكي عند البخاري (ج١٠ ص٢٣٢).
٤ - أبوأسامة وهو حماد بن أسامة الكوفي عند البخاري (ج١٠ ص٢٣٥) وعند مسلم (ج١٤ ص١٧٨) وعند أحمد (ج٦ ص٦٣) وعند أبي يعلى (ج٨ ص٩٠).
٥ - سفيان بن عيينة الكوفي نزيل مكة عند البخاري (ج١٠ ص٤٧٩) وعند الحميدي (ج١ ص١٢٥) وابن حزم (ج١١ ص٤٠٠) وقال: هذا خبر صحيح، والشافعي كما في "المسند" (ج٢ ص١٩٦) بتحقيق أبي عمير حفظه الله.
٦ - أبوضمرة أنس بن عياض المدني عند البخاري (ج١١ ص١٩٢) والبيهقي في "دلائل النبوة" (ج٩ ص٢٤٧)، والبغوي في "شرح السنة" (ج٦ ص٢٧٩).
٧ - عبد الله بن نمير الكوفي عند مسلم (ج١٤ ص١٧٤) وابن ماجة (ج٢ ص١١٧٣) وعند أحمد (ج٦ ص٥٧) وعند ابن أبي شيبة (ج٨ ص٣٠) من القسم الأول من الجزء الثامن وابن جرير (ج٢ ص٤٣٧) وعند ابن حبان (ج٨ ص١٩٤) من "تقريب الإحسان".
стр. 90
٨ - معمر بن راشد البصري نزيل اليمن عند أحمد (ج٦ ص٦٣).
٩ - وهيب وهو ابن خالد بن خالد البصري عند أحمد (ج٦ ص ٩٦) وعند ابن سعد (مجلد٢ قسم٢ ص٤).
١٠ - عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني كما ذكره البخاري معلقًا (ج١٠ ص٢٢١) قال الحافظ في "الفتح" ولم أعرف من وصلها.
١١ - الليث بن سعد المصري عند البخاري (ج٧ ص١٤٥) طبعة حلبية مع "الفتح" معلقًا قال الحافظ في "الفتح" (ج٧ ص١٤٥) رويناه موصولاً في نسخة عيسى بن حماد رواية أبي بكر بن أبي داود. اهـ
١٢ - مرجي بن رجاء البصرى ذكره الحافظ في "تغليق التعليق" (ج٥ص٤٩). وعزاه في "الفتح" إلى الطبراني.
١٣ - حماد بن سلمة البصرى ذكره الحافظ في "تغليق التعليق" (ج٥ ص٤٩).
١٤ - علي بن مسهر في "مشكل الآثار" للطحاوي (ج١٥ ص١٧٩).
فأنت ترى أن الحديث قد رواه جماعة عن هشام بن عروة منهم البصري، ومنهم الكوفي، ومنهم المكي، ومنهم المدني، ومنهم المصري، وناهيك بحديث من رواته يحيى بن سعيد القطان، وهو في غاية من التحرّى، وهذا الحديث لم ينتقده محدث وهم الحجة لا أصحاب الأهواء فإنّهم أعداء السنن.
وهشام بن عروة تكلم بعضهم فيما حدث بالعراق، وأنه حدث عن أبيه
стр. 91
بما لم يسمع منه وهذا منفي هنا فإنه قد صرح بالتحديث عن أبيه، وقد قال أبوالحسن بن القطان: إن هشامًا اختلط فقال الحافظ: في "تهذيب التهذيب" ولم نر له في ذلك سلفًا. اهـ
وقال الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": هشام بن عروة أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه ولم يختلط أبدًا ولا عبرة بما قاله أبوالحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، نعم الرجل تغيّر قليلاً ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة فنسي بعض محفوظه أو وهم فكان ماذا أهو معصوم من النسيان.
ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في يغضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها ومثل هذا يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدع عنك الخبط وذر خلط الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين فهشام شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان، وكذا قول عبد الرحمن بن خراش: كان مالك لا يرضاه نقم عليه حديثه لأهل العراق، قدم الكوفة ثلاث مرات، قدمة كان يقول: حدثني أبي قال سمعت عائشة. والثانية: فكان يقول: أخبرني أبي عن عائشة وقدم الثالثة فكان يقول أبي عن عائشة يعني يرسل عن أبيه.
وروى محمد بن علي الباهلي عن شيخ من قريش: أهوى هشام بن عروة إلى يد المنصور يقبّلها فمنعه وقال -يا ابن عروة إنا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك. قيل بلغ سبعًا وثمانين سنة. اهـ.
وذكر الحافظ في "الفتح)) أنه جاء عن عمرة عن عائشة فإن ثبت حديث عمرة عن عائشة فيزداد الحديث قوة وإلا فالحديث صحيح والحمد لله. ثم
стр. 92
وجدته فى "دلائل النبوة" للبيهقي (ج٧ ص٩٢) وفي سنده سلمة بن حبان البصرى ترجمه ابن ماكولا وقال: روى عنه عبد الله بن أحمد بن حنبل ويوسف بن يعقوب القاضي. اهـ
وترجمه ابن أبي حاتم وقال: روى عنه علي بن الحسين بن الجنيد. ولم يذكر أنه وثقه معتبر فعلى هذا فهو مستور الحال يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات.
стр. 93
شاهد لحديث السحر
قال الإمام أحمد ﵀ (ج٤ ص٣٦٧): ثنا أبومعاوية ثنا الأعمش عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: سحر النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أيّامًا، قال: فجاءه جبريل ﵇ فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقدًا عقدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليًّا ﵁، فاستخرجها فجاء بها فحلّلها، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كأنّما نشط من عقال، فما ذكر لذلك اليهوديّ ولا رآه في وجهه قطّ حتّى مات.
هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه النسائي (ج٧ ص ١١٢) فقال: أخبرنا هنّاد بن السري عن أبي معاوية به.
وأخرجه ابن أبي شيبة (ج٨ ص١،٢٩،٣٠)، والطبراني (ج٥ ص٢٠٢).
وأخرجه ابن سعد (مجلد٢ ق٢ ص٦) فقال: أخبرنا موسى بن مسعود حدثنا سفيان الثورى عن الأعمش عن ثمامة المحلمي عن زيد بن أرقم قال: عقد رجل من الأنصار (يعني للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) عقداً، وكان يأمنه ورمى به في بئر كذا وكذا، فجاء الملكان يعودانه، فقال أحدهما لصاحبه: أتدري ما به؟ عقد له فلان الأنصاري، ورمى به في بئر كذا وكذا، ولو أخرجه لعوفي
стр. 94
فبعثوا إلى البئر فوجدوا الماء قد اخْضرّ فأخرجوه فرموا به، فعوفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فما حدث به ولا رؤي في وجهه.
هذا حديث صحيح، وقد اختلف على الأعمش فيه، فرواه أبومعاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان، كما عند الإمام أحمد، وأبومعاوية من أثبت الناس في الأعمش، وخالفه الثوري كما تقدم عند ابن سعد فرواه عن الأعمش عن ثمامة المحلمي عن زيد بن أرقم، وتابع الثوري شيبان بن عبد الرحمن عند يعقوب الفسوي في "المعرفة والتاريخ" (ج٣ ص٢٨٩) وعند الطبراني (ج٥ ص٢٠١) وتابعهما جرير وهو ابن عبد الحميد عند الطبراني في "الكبير"، فالظاهر أن أبا معاوية شذّ في هذا، لأنّ سفيان وشيبان وجرير أرجح منه والله أعلم.
وثمامة هو ابن عقبة المحلمي الكوفي وثّقة ابن معين والنسائي، كما في "تهذيب التهذيب"، ويزيد بن حيان وثّقه النسائي كما في "تهذيب التهذيب"، فالحديث صحيح سواء أقلنا: إنّ أبا معاوية شذّ فيه أم إن للأعمش شيخين، والله أعلم.
وقد قال الهيثمي في "المجمع" (ج٦ ص٢٨١): قلت: رواه النسائي باختصار، ورواه الطبراني بأسانيد ورجال أحدها رجال الصحيح. اهـ
وقد جاء في بعض طرقه كما ترى أنّ الذي سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من الأنصار، فتعقّب الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هذا في "البداية والنهاية" (ج٦ ص٣٩) فقال: قلت: والمشهور أنّ لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذى سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. اهـ المراد منه.
стр. 95
شرح الحديث
قال الحافظ ﵀ في "الفتح" (ج١٠ ص٢٢٧):
قوله: (حتى إذا كانت ذات يوم أو ذات ليلة) شك من الراوي، وأظنه من البخاري لأنه أخرجه في صفة إبليس من بدء الخلق، فقال: حتى كان ذات يوم. ولم يشك ثم ظهر لي أن الشك فيه من عيسى بن يونس، وأن إسحاق بن راهويه أخرجه في "مسنده" على الشك، ومن طريقه أخرجه أبونعيم فيحمل الجزم الماضي على أن إبراهيم بن موسى شيخ البخاري حدثه به تارةً بالجزم وتارةً بالشك ويؤيده ما سأذكره من الاختلاف عنه، وهذا من نوادر ما وقع في البخاري أن يخرج الحديث تامًا بإسناد واحد بلفظين، ووقع فى رواية أبي أسامة الآتية قريبًا: (ذات يوم) بغير شك، و (ذات) بالنصب ويجوز الرفع، ثم قيل: إنّها مقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء لنفسه على رأي من يجيزه.
قوله: (وهو عندي لكنه دعا ودعا) كذا وقع، وفي الرواية الماضية فى بدء الخلق (حتى كان ذات يوم دعا ودعا)، وكذا علقه المصنف لعيسى بن يونس في الدعوات، ومثله في رواية الليث، قال الكرماني: يحتمل أن يكون هذا الاستدراك من قولها (عندي) أي: لم يكن مشتغلاً بي بل اشتغل بالدعاء، ويحتمل أن يكون من التخيل أي: كان السحر أضره في بدنه لا
стр. 96
في عقله وفهمه بحيث أنه توجّه إلى الله ودعا على الوضع الصحيح، والقانون المستقيم، ووقع في رواية ابن نمير عند مسلم: (فدعا ثم دعا ثم دعا)، وهذا هو المعهود منه أنه كان يكرر الدعاء ثلاثًا، وفي رواية وهيب عند أحمد وابن سعد: (فرأيته يدعو)، قال النووي: فيه استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات وتكريره، والالتجاء إلى الله تعالى في دفع ذلك. قلت: سلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب، ففى أول الأمر فوض وسلّم لأمر ربه فاحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوي ثم إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية فى الكمال.
قوله: (أشعرت) أي: علمت، وهي رواية ابن عيينة كما في الباب الذي بعده.
قوله: (أفتاني فيما استفتيته) في رواية الحميدي (أفتاني في أمر استفتيه فيه)، أي أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدعاء استفتاءً، لأن الداعي طالب والمجيب مفت، أو المعنى: أجابني بما سألته عنه، لأن دعاءه كان أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه، لما اشتبه عليه من الأمر، ووقع في رواية عمرة عن عائشة (أن الله أنبأني بمرضي) أي أخبرني.
قوله: (أتاني رجلان) وقع في رواية أبي أسامة: (قلت: وما ذاك؟ قال: أتاني رجلان) ووقع في رواية معمر عند أحمد ومرجأ بن رجاء عند الطبراني كلاهما عن هشام: (أتاني ملكان)، وسماهما ابن سعد في رواية منقطعة جبريل وميكائيل، وكنت ذكرت فى المقدمة ذلك احتمالاً.
قوله: (فقعد أحدهما عند رأسي والاخر عند رجلي) لم يقع لي أيهما
стр. 97
قعد عند رأسه لكنني أظنه جبريل لخصوصيّته به ﵉، ثم وجدت في "السيرة" للدمياطي الجزم بأنه جبريل، قال: لأنه أفضل. ثم وجدت في حديث زيد بن أرقم عند النسائي وابن سعد وصححه الحاكم وعبد بن حميد (سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك عقد لك عقدًا كذا في بئر كذا) فدل مجموع الطرق على أن المسئول هو جبريل والسائل ميكائيل.
قوله: (فقال أحدهما لصاحبه) وفي رواية ابن عيينة الآتية بعد باب (فقال الذي عند رأسه للآخر)، وفي رواية الحميدي (فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي)، وكأنّها أصوب، وكذا هو في حديث ابن عباس (١) عند البيهقي، ووقع الشك في رواية ابن نمير عند مسلم.
قوله: (ما وجع الرجل) كذا للأكثر، وفي رواية ابن عيينة (ما بال الرجل) وفي حديث ابن عباس عند البيهقي (ما ترى)، وفيه إشارة إلى أن ذلك وقع في المنام إذ لو جاءا إليه في اليقظة لخاطباه وسألاه، ويحتمل أن يكون كان بصفة النائم وهو يقظان، فتخاطبا وهو يسمع، وأطلق في رواية عمرة عن عائشة أنه كان نائمًا، وكذا في رواية ابن عيينة عند الإسماعيلي
стр. 98
(فانتبه من نومه ذات يوم) وهو محمول على ما ذكرت، وعلى تقدير حمله على الحقيقة فرؤيا الأنبياء وحي، ووقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد بسند ضعيف جدًا (فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان).
قوله: (فقال: مطبوب) أي: مسحور يقال: طب الرجل -بالضم- إذا سحر، يقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلاً، كما قالوا للديغ: سليم، وقال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طب، والسحر من الداء ويقال له: طب.
وأخرج أبوعبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: احْتجم النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم على رأسه بقرْن حيْن طبّ. قال أبوعبيد: يعني سحر.
قال ابن القيم بنى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمر أولاً على أنه مرض وأنه عن مادة مالت إلى الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فغيرت مزاجه، فرأى استعمال الحجامة لذلك مناسبًا فلما أوحي إليه أنه سحر عدل إلى العلاج المناسب له وهو استخراجه، قال: ويحتمل أن مادة السحر انتهت إلى إحدى قوى الرأس حتى صار يخيّل إليه ما ذكر، فإن السحر يكون من تأثير الأرواح الخبيثة، وقد يكون من انفعال الطبيعة وهو أشد السحر، واستعمال الحجم لهذا الثاني نافع، لأنه إذا هيّج الأخلاط وظهر أثره فى عضو كان استفراغ المادة الخبيثة نافعًا في ذلك، وقال القرطبي: إنما قيل للسحر طب لأن أصل الطب الحذق بالشيء والتفطن له فلما كان كل من علاج المرض والسحر إنما يتأتى عن فطنة وحذق أطلق على كل منهما هذا الاسم.
قوله: (في مشط ومشاطة) أما المشط بضم الميم، ويجوز كسرها أثبته أبوعبيد وأنكره أبوزيد، وبالسكون فيهما، وقد يضم ثانيه مع ضم أوله
стр. 99
فقط، وهو الآلة المعروفة التى يسّرح بها شعر الرأس واللحية وهذا هو المشهور، ويطلق المشط بالإشتراك على أشياء أخرى منها العظم العريض في الكتف وسلاميات ظهر القدم، ونبت صغير يقال له: مشط الذنب قال القرطبي: يحتمل أن يكون الذى سحر فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحد هذه الأربع قلت: وفاته آلة لها أسنان وفيها هراوة يقبض عليها ويغطى بها الإناة.
قال ابن سيده فى "المحكم": أنّها تسمى المشط، والمشط أيضًا سمة من سمات البعير تكون في العين والفخذ، ومع ذلك فالمراد بالمشط هنا هو الأول فقد وقع في رواية عمرة عن عائشة فإذا فيها مشط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن مراطة رأسه، وفي حديث ابن عباس: من شعر رأسه ومن أسنان مشطه وفي مرسل عمر بن الحكم فعمد إلى مشط، وما مشط من الرأس من شعر، فعقد بذلك عقدًا.
قوله: (ومشاطة) سيأتي بيان الاختلاف هل هي بالطاء أو القاف في آخر الكلام على هذا الحديث حيث بيّنه المصنف.
قوله: (وجف طلع نخلة ذكر) قال عياض: وقع للجرجاني يعني في البخاري والعذري -يعني في مسلم- بالفاء ولغيرهما بالموحدة، قلت: أما رواية عيسى بن يونس هنا فوقع للكشميهني بالفاء ولغيره بالموحدة، أما روايته في بدء الخلق فالجميع بالفاء، وكذا في رواية ابن عيينة للجميع وللمستملي في رواية أبي أسامة بالموحدة، وللكشميهني بالفاء، وللجميع في رواية أبي ضمرة في الدعوات بالفاء، قال القرطبي: روايتنا -يعني في مسلم- بالفاء.
وقال النووي: في أكثر نسخ بلادنا بالباء، يعني في مسلم وفي بعضها
стр. 100
بالفاء، وهما بمعنى واحد: الغشاء الذي يكون على الطّلع ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيّده بالذكر في قوله: (طلعة ذكر) وهو بالإضافة. انتهى.
ووقع في روايتنا هنا بالتنوين فيهما على أن لفظ (ذكر) صفة الجف، وذكر القرطبي أن الذي بالفاء هو وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون عليه، وبالموحدة داخل الطلعة إذا خرج منها الكفري قاله شمر، قال: ويقال أيضًا لداخل الركية من أسفلها إلى أعلاها (جف)، وقيل: هو من القطع ماقطع من قشورها، وقال أبوعمرو الشيباني: الجف بالفاء شيء ينقر من جذوع النخل.
قوله: (وأين هو؟ قال: هو في بئر ذروان) زاد ابن عيينة وغيره (تحت راعوفة)، وسيأتي شرحها بعد الباب، وذروان بفتح المعجمة وسكون الراء وحكى ابن التين فتحها، وأنه قرأه كذلك ولكنه بالسكون أشبه، وفي رواية ابن نمير عند مسلم (في بئر ذي أروان)، ويأتي في رواية أبي ضمرة في الدعوات مثله وفي نسخة الصغاني لكنه بغير لفظ (بئر) ولغيره (في ذروان)، و (ذروان) بئر في بني زريق، فعلى هذا فقوله: (بئر ذروان) من إضافة الشيء لنفسه، ويجمع بينهما وبين رواية ابن نمير بأن الأصل (ذي أروان)، ثم لكثرة الاستعمال سهلت الهمزة فصارت (ذروان)، ويؤيده أن أبا عبيدة البكري صوّب أن اسم البئر (أروان) بالهمز، وأن من قال (ذروان) أخطأ، وقد ظهر أنه ليس بخطأ على ما وجهته، ووقع في رواية أحمد عن وهيب وكذا في روايته عن ابن نمير: (بئر أروان) كا قال البكري فكأن رواية الأصيلي كانت مثلها فسقطت منها الراء.
ووقع عند الأصيلي في ما حكاه عياض (في بئر ذي أوان) بغير راء، قال
стр. 101
عياض: وهو وهم، فإن هذا موضع آخر على ساعة من المدينة، وهو الذي بني فيه مسجد الضرار.
قوله: (فأتاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ناس من أصحابه). وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد (فبعث إلى علي وعمار فأمرهما أن يأتيا البئر)، وعنده في مرسل عمر بن الحكم: (فدعا جبير بن إياس الزرقي وهو ممن شهد بدرًا فدلّه على موضعه في بئر ذروان، فاستخرجه)، قال: ويقال: الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي، ويجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك وباشره بنفسه فنسب إليه، وعند ابن سعد أيضًا (أن الحارث بن قيس قال: يا رسول الله ألا يهور البئر؟) فيمكن تفسير من أبْهم بهؤلاء أو بعضهم، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجههم أولاً ثم توجه فشاهدها بنفسه.
قوله: (فجاء فقال: يا عائشة) وفي رواية وهيب (فلما رجع فقال: يا عائشة) ونحوه في رواية أبي أسامة ولفظه: (فذهب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى البئر فنظر إليها ثم رجع إلى عائشة فقال)، وفي رواية عمرة عن عائشة (فنزل رجل فاستخرجه)، وفيه من الزيادة: (أنه وجد في الطلعة تمثالاً من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا فيه إبر مغروزة، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة فنزل جبريل بالمعوذتين فكلما قرأ اية انحلت عقدة، وكلما نزع إبرة وجد لها ألمًا، ثم يجد بعدها راحة)، وفي حديث ابن عباس نحوه كما تقدم التنبيه عليه.
وفى حديث زيد بن أرقم الذى أشرت إليه عند عبد بن حميد وغيره (فأتاه جبريل فنزل عليه بالمعوذتين وفيه: فأمر أن يحل العقد ويقرأ آية، فجعل يقرأ ويحل حتى قام كأنما نشط من عقال)، وعند ابن سعد من طريق
стр. 102
عمر مولى غفرة معضلة (فاستخرج السحر من الجف من تحت البئر ثم نزعه فحله فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
قوله: (كأن ماءها) في رواية ابن نمير: (والله لكأن ماءها)، أي: البئر (نقاعة الحناء) بضم النون وتخفيف القاف، والحناء معروف وهو بالمد، أي أن لون ماء البئر لون الماء الذى ينقع فيه الحناء، قال ابن التين: يعني أحمر، وقال الداودي: المراد الماء الذى يكون من غسالة الإناء الذى تعجن فيه الحناء.
قلت: ووقع في حديث زيد بن أرقم عند ابن سعد وصححه الحاكم (فوجد الماء وقد اخضرّ)، وهذا يقول قول الداودي.
قال القرطبي: كأن ماء البئر قد تغير إما لرداءته بطول إقامته، وإما لما خالطه من الأشياء التى ألقيت فى البئر، قلت: ويرد الأول أن عند ابن سعد فى مرسل عبد الرحمن بن كعب أن الحارث بن قيس هوّر البئر المذكورة، وكان يستعذب منها، وحفر بئرًا أخرى، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حفرها.
قوله: (وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين) كذا هنا، وفي الرواية التي في بدء الخلق: (نخلها كأنه رءوس الشياطين)، وفي رواية ابن عيينة وأكثر الرواة عن هشام: (كأن نخلها) بغير ذكر (رءوس) أولاً، والتشبيه إنما وقع على رءوس النخل فلذلك أفصح به في رواية الباب وهو مقدر في غيرها ووقع في رواية عمرة عن عائشة (فإذا نخلها الذى يشرب من ماءها قد التوى سعفه كأنه رءوس الشياطين)، وقد وقع تشبيه طلع شجرة الزقوم في القرآن برءوس الشياطين.
стр. 103
قال الفراء وغيره: يحتمل أن يكون شبّه طلعها في قبحه برءوس الشياطين لأنّها موصوفة بالقبح وقد تقرر في اللسان أن من قال: فلان شيطان، أراد أنه خبيث أو قبيح، وإذا قبحوا مذكرًا قالوا: شيطان أو مؤنثًا قالوا: غول ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين الحيّات، والعرب تسمي بعض الحيّات شيطانًا وهو ثعبان قبيح الوجه، ويحتمل أن يكون المراد نبات قبيح قيل إنه يوجد باليمن.
وقوله: (قلت يا رسول الله أفلا استخرجته) في رواية أبي أسامة (فقال: لا)، ووقع في رواية ابن عيينه أنه استخرجه وأن سؤال عائشة إنما وقع عن النشرة فأجابها بلا، وسيأتي بسط القول فيه بعد باب.
قوله: (فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا) في رواية الكشميهني: (سوءًا) ووقع في رواية أبي أسامة: (أن أثوّر)، بفتح المثلثة وتشديد الواو، وهما بمعنى، والمراد بالناس التعميم في الموجودين، قال النووي: خشي من إخراجه وإشاعته ضررًا على المسلمين من تذكر السحر وتعلمه ونحو ذلك، وهو من باب ترك المصلحة خوف المفسدة، ووقع في رواية ابن نمير: (على أمتي) وهو قابل أيضًا للتعميم، لأن الأمة تطلق على أمة الإجابة وأمة الدعوة، وعلى ما هو أعم وهو يرد على من زعم أن المراد بالناس هنا لبيد ابن الأعصم لأنه كان منافقًا فأراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن لا يثير عليه شرًا لأنه كان يؤثر الإغضاء عمن يظهر الإسلام، ولو صدر منه ما صدر، وقد وقع أيضًا في رواية ابن عيينة: (وكرهت أن أثير على أحد من الناس شرًا)، نعم وقع في حديث عمرة عن عائشة (فقيل: يارسول الله لو قتلته؟ قال: ((ما وراءه من عذاب الله أشد))).
стр. 104
وفي رواية عمرة: (فأخذه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاعترف فعفا عنه)، وفي حديث زيد بن أرقم: (فما ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لذلك اليهودي شيئًا مما صنع به، ولا رآه في وجهه)، وفي مرسل عمر بن الحكم: (فقال له: ما حملك على هذا؟ قال: حب الدنانير)، وقد تقدم في كتاب الجزية قول ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقتله، وأخرج ابن سعد من مرسل عكرمة أيضًا أنه لم يقتله، ونقل عن الواقدي أن ذلك أصح من رواية من قال إنه قتله، ومن ثم حكى عياض في "الشفاء" قولين: هل قتل أم لم يقتل؟ وقال القرطبي: لا حجة على مالك من هذه القصة، لأن ترك قتل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنة، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام وهو من جنس ما راعاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منع قتل المنافقين حيث قال: ((لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدًا يقتل أصحابه)).
قوله: (فأمر بها) أي: بالبئر (فدفنت) وهكذا وقع في رواية ابن نمير وغيره عن هشام وأورده مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام عقب رواية ابن نمير وقال: لم يقل أبوأسامة في روايته (فأمر بها فدفنت)، قلت: وكأن شيخه لم يذكرها حين حدثه، وإلا فقد أورده البخاري عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة كما في الباب بعده، وقال في آخره: (فأمر بها فدفنت)، وقد تقدم أن في مرسل عبد الرحمن بن كعب أن الحارث بن قيس هورها.
قوله: (تابعه أبوأسامة) هو حماد بن أسامة، وتأتي روايته موصولة بعد بابين.
قوله: (وأبوضمرة) هو أنس بن عياض ستأتي روايته موصولة في كتاب
стр. 105
الدعوات.
قوله: (وابن أبي الزناد) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، ولم أعرف من وصلها بعد.
قوله: (وقال الليث وابن عيينة عن هشام فى مشط ومشاطة) كذا لأبي ذر ولغيره، و (مشاقة) وهو الصواب وإلا لاتحدت الروايات، ورواية الليث تقدم ذكرها في بدء الخلق، ورواية ابن عيينة تأتي موصولة بعد باب وذكر المزي في الأطراف تبعًا لخلف أن البخاري أخرجه في الطب عن الحميدي، وعن عبد الله بن محمد كلاهما عن ابن عيينة وطريق الحميدي ما هي في الطب في شيء من النسخ التى وقفت عليها، وقد أخرجه أبونعيم في "المستخرج" من طريق الحميدي، وقال بعده: أخرجه البخاري عن عبيد الله ابن محمد لم يزد على ذلك، وكذا لم يذكر أبومسعود في "أطرافه" الحميدي، والله أعلم.
قوله: (ويقال المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط) هذا لا اختلاف فيه بين أهل اللغة، قال ابن قتيبة: المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سرح بالمشط وكذا من اللحية.
قوله: (والمشاطة من مشاطة الكتان) كذا لأبي ذر، كأن المراد أن اللفظ مشترك بين الشعر إذا مشط وبين الكتان إذا سرح، ووقع في رواية غير أبي ذر (والمشاقة) وهو أشبه، وقيل: المشاقة هي المشاطة بعينها، والقاف تبدل من الطاء لقرب المخرج والله أعلم. اهـ
стр. 106
وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (ج٣ ص٩٥): فصل:
(في السحر وعلاجه وحديث سحر لبيد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم)
стр. 107
في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: سحر النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهوديّ من يهود بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتّى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخيّل إليه أنّه كان يفعل الشّيء وما يفعله، حتّى كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ثمّ قال: ((يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلع ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان)) فأتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أناس من أصحابه، ثمّ قال: ((يا عائشة والله لكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، ولكأنّ رءوس نخلها رءوس الشّياطين)) فقلت: يا رسول الله أفلا أخرجته؟ -وفي مسلم: أحرقته- قال: ((لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على النّاس شرًّا فأمرت بها فدفنت)).
وفي لفظ للبخاري: (يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتي)، وفيه أيضًا: (حتى كان يرى أنه إن كان يأتي أهله ولا يأتي)، وفيه أيضًا: (حتى كان يرى أنه إن كان يأتي النساء ولا يأتيهن)، قال سفيان: وذلك أشد مايكون من السحر.
وفيه: (قال من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم من بني زريق، حليف اليهود كان منافقًا).
أنكر بعض الناس هذا، لأنه نقص وعيب، أو أنه يمنع الثقة بالشرع وهذا باطل فإنه من جنس الأوجاع والأمراض والسم، والدلائل القطعية ناطقة بصدقه وعصمته والإجماع أيضًا. فأمّا بعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولم يفضل من أجلها فلا مانع منه.
الطّب: بكسر الطاء، في اللغة يقال على معان:
أحدها: السحر والمطبوب المسحور. يقال: طب الرجل إذا سحر، فكنّوا بالطب عن السحركما كنوا بالسليم عن اللديغ، قال أبوعبيد: تفاؤلاً بالسلامة، وكما كنوا بالمفازة عن الفلاة المهلكة التي لا ماء فيها فقالوا: مفازة تفاؤلاً بالفوز من الهلاك.
والثاني: الإصلاح، يقال: طببته إذا أصلحته، ويقال له طب بالأمور، أي: لطف وسياسة. قال الشاعر:
وإذا تغير من تميم أمرها ... كنت الطبيب لها بامر ثاقب.
قال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طب، وللسحر طب.
والثالث: الحذق، قال الجوهري: كل حاذق طبيب عند العرب، قال أبوعبيد: أصل الطب الحذق بالأشياء والمهارة بها. يقال للرجل: طب وطبيب، إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المريض، وقال غيره: رجل طبيب، أي حاذق، سمي طبيبًا لحذقه وفطنته. قال علقمة:
فإن تسالوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودهنّ نصيب
وقال غيره:
стр. 108
إن تغدقي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم
وذكره بعضهم بكسر الطاء وبعضهم بفتحها. أغدقت المرأة قناعها، أي أرسلته على وجهها، وأغدق الليل، أي أرخى سدوله، وأغدق الصيّاد الشبكة على الصيد. والمستثلم الذي قد لبس لأمة حربه.
الرابع: يقال: الطب لنفس الدواء كقوله:
ألا من مبلغ حسان عني ... أسحركان طبك أم جنون
الخامس: العادة، يقال ليس ذلك بطبي، أي: عادتي، قال فروة بن مسيك:
فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا
وقال أحمد بن الحسين:
وما التيه طبي فيهمو غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتغافل
وقول الحماسي:
فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا
وإن كنت مسحورًا فلا برئ السحر
أراد بالمطبوب: المسحور، وبالمسحور: العليل المريض. قال الجوهري: ويقال للعليل مسحور، وأنشد هذا البيت، ومعناه: يعني إن كان هذا الذي قد عراني منك ومن حبك أسأل الله دوامه، ولا أريد زواله، سواءً كان سحرًا أو مرضًا، والطب بفتح الطاء: العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له طب طب أيضًا، وبضم الطاء اسم موضع وأنشد بعضهم:
فقلت هل انْهلتم بطب ركابكم ... بجائزة الماء التي طاب طيبها
стр. 109
أما علاج المسحور فإما باستخراجه وتبطيله كما في الخبر فهو كإزالة المادة الخبيثة بالإستفراغ، وأما بالإستفراغ في المحل الذي يصل إليه أذى السحر فإن للسحر تأثيرًا عند جمهور العلماء لا مجرد خيال باطل لا حقيقة له، وللمسألة وأحكام السحر والساحر مسائل مشهورة ليس هذا محلها.
وقد روى أبوعبيد في "الغريب" بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إحتجم على رأسه بقرن حين طب، قال أبوعبيد: معنى طب سحر.
قال بعضهم: إنتهت مادة هذا السحر إلى رأسه إلى إحدى قواه التي فيه، بحيث أنه كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله.
والسحر مركب من تأثيرات الأرواح الخببثة، وانفعال القوى الطبيعية عنه، وهو سحر النمريجات، وهو أشد ما يكون من السحر، فاستعمال الحجامة على المكان الذي تضرر بالسحر على ما ينبغي من أنفع المعالجة.
قال أبقراط: الأشياء التي ينبغي أن تستفرغ يجب أن تستفرغ من المواضع التي هي إليها أمثل بالأشياء التي تصلح لاستفراغها، وقال بعضهم: لما وقع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا إنه عن مادة دموية أو غيرها مالت إلى جهة الدماغ وغلبت عن البطن المقدم منه فغيرت مزاجه عن طبيعته، وكان استعمال الحجامة حينئذ من أنفع المعالجة، وكان ذلك قبل الوحي، فلما جاءه الوحي أنه سحر عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر وإبطاله فدعا الله فأعلمه به فاستخرجه وكان غاية هذا السحر إنما هو في جسده وظاهر جوارحه لا على عقله وقلبه، وما ورد من التخيّل فهو بالبصر لا تخيل يطرق إلى العقل، ولذلك لم يكن يعتقد صحة ما يميل اليه من إتيانه النساء، بل
стр. 110
يعلم أنه خيال، وقد يحدث مثل هذا عن بعض الأمراض. ومن أعظم ما يتحصن به من السحر ومن أنفع علاج له بعد وقوعه التوجه إلى الله وتوكل القلب والإعتماد عليه والتعوذ والدعاء، وهذا وهذا هو السبب الذي الذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه استعمل شيئًا قبله، بل قد يقال: لم يصح أنه استعمل شيئًا غيره، وهو الغاية القصوى، والنهاية العظمى ولهذا في الخبر أنه لم يخرجه وإنما دفنه لئلا يفضي ذلك إلى مفسدة وانتشارها، لا لتوقف الشفاء والعافية عليه وهذا واضح إن شاء الله.
وعند السحرة أن سحرهم إنما يتم في قلب ضعيف منفعل ونفس شهوانية كجاهل وصبي وامرأة، لا في قلب متيقظ عارف بالله له معاملة وتوجه لأن القلب الضعيف فيه ميل وتعلق فيتسلط عليه بذلك، فالأرواح الخبيثة. فالأرواح الخبيثة تسلط عليه بميله إلى مايناسبها وفراغه عما يعرضها ويقاومها. والله أعلم.
قال بعض الأطباء إذا سنع من قضبان الآراك خلخالاً للعضد منع السحر.