ص٢٦٧ - ٢٧٥).
١٣ - يشكك في رفع عيسى بروحه وجسده حيًا حياة دنيوية بهما ... وليس في القرآن نص صريح بأنه ينزل من السماء، وإنما هذه عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهور الإسلام إلى الآن بثها في المسلمين. اهـ بالمعنى من "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" (ص٧١٢) وعزاه إلى مجلة "المنار" (الجزء العاشر من المجلد٢٨ ص٧٥٦)، وهذا يخالف ظاهر القرآن بدون برهان، ثم إن نزول عيسى من أمارات الساعة، والأحاديث في ذلك متواترة، ولو لم تكن متواترة وورد حديث واحد صحيح السند سالم من العلة والشذوذ لوجب قبوله.
١٤ - قال البخاري ﵀ (ج٨ ص٢٩٦): حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا عمارة حدثنا أبوزرعة حدثنا أبوهريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا رآها النّاس آمن من عليها، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل)).
ثم قال البخاري ﵀: حدثني إسحاق أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها النّاس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها)) ثم قرأ الآية.
ورواه البخاري (ج١ ص٣٥٢) من حديث الأعرج عن أبي هريرة به.
стр. 37
وأخرجه مسلم (ج٢ ص٣٧١) من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة به.
هذا الحديث من الأحاديث التي طعن فيها محمد رشيد رضا، "المنار" (ج٨ ص٢١٠،٢١١).
١٥ - قال الإمام البخاري ﵀ (ج٦ ص٢٩٧): حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: ((أتدري أين تذهب))؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنّها تذهب حتّى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: ﴿والشّمس تجري لمستقرّ لها ذلك تقدير العزيز العليم))﴾.
وأخرجه مسلم (ج٢ ص٣٧٢) رقم (٣٩٧).
هذا الحديث يطعن فيه كما في "المنار" (ج٨ ص٢١١) ويقول: إن الإمام أحمد قال: إن إبراهيم بن يزيد لم يسمع من أبي ذر، وقد ذكره هو عن إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر، فسبحان من أعمى بصيرته، أعني أن الحديث مرويّ عن يزيد والد إبراهيم عن أبي ذر، لا عن إبراهيم عن أبي ذر.
وبعد فإن الحديث مرويّ عن جماعة من الصحابة كما في "تفسير ابن كثير" (ج٢ ص١٩٤) منهم: حذيفة بن أسيد، رواه مسلم (ج١٨ ص٢٣٥) برقم (٧٢١٥) ومنهم: صفوان بن عسال، رواه الترمذي (ج٥
стр. 38
ص٥٤٥) والنسائي في "الكبرى" وابن ماجة (ج٢ ص١٣٥٣)، ومنهم: عبد الله بن عمرو، رواه مسلم (ج١٨ ص٢٨٠) برقم (٧٣٥٩).
ولا أعلم عالمًا من علماء المسلمين طعن فيه.
١٦ - قدحه في كعب الأحبار ووهب بن منبه، "المنار" (ج٩ ص٤٨٠) وهو لم يسبق إلى هذا، اللهم إلا قول معاوية ﵁ في كعب الأحبار: إنه يكذب، ولكنه مؤول على أنه بمعنى الخطأ، كما في "الفتح" (ج١٣ ص٣٤٦) طبعة الريان.
ووهب وثقه أبوزرعة والنسائي، وقال عمرو بن علي: كان ضعيفًا كما في "تهذيب التهذيب"، ووهب من رجال الشيخين، وكعب الأحبار روى له البخاري تعليقًا، ومسلم موصولاً، كما ذكره الحافظ في "تهذيب التهذيب".
١٧ - ثناؤه على جمال الدين الأفغاني:
وقد أنكر عليه بعض معاصريه فقال أبوالهدى الصيادي لمحمد رشيد رضا: (إني أرى جريدتك طافحة بشقاشق المتأفغن جمال الدين الملفقة، وقد تدرجت به الحسينية التي يزعمها زورًا، وقد ثبت في دوائر الدولة رسميًا أنه مازندراني من أحلاف الشيعة). اهـ من "منهج المدرسة العقلية في التفسير" ص (٧٦).
وإذا أردت أن تعرف شيئًا عن ضلال جمال الدين قرأت "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" للأخ فهد بن عبد الرحمن الرومي، وكتاب "دعوة جمال الدين الأفغاني في الميزان الإسلامي" للأخ: مصطفى فوزي بن عبد اللطيف غزال.
стр. 39
١٨ - ثناؤه على محمد عبده وفتنته به:
فتن محمد رشيد رضا بمحمد عبده، حتى أنكر عليه يوسف النبهاني فقال:
فذاكرته في شيخه وهو عبده ... تملكه الشيطان عن قومه قسرًا
فقلت له لو كابن سيناء زعمتم ... وعالم فاراب وأرفعهم قدرًا
لقلنا لكم: حقًا وإن كان باطلاً ... ولم نر من هذا على ديننا ضرًا
ولكنكم مع تركه الحج مرة ... وحج لباريز وللندن عشرًا
ومع تركه فرض الصلاة ولم يكن ... يسر بذا بل كان يتركها جهرًا
ومع كونه شيخ المسون مجاهرًا ... بذلك لا يخفي إخوتهم سرًا
ومع غير هذا من ضلالاته التي تقولون: أستاذ إمام لديننا ... بها سار مثل السهم للجهة الأخرى
ونحن نراه عندنا شر فاسق ... فما أكذب الدعوى وما أقبح الأمرا
فيقتل فسقًا بالشريعة أو كفرًا
قال أبوعبد الرحمن: ابن سيناء والفارابي ملحدان، ويوسف النبهاني مخرّف، ولا مانع من قبول الحق ممن كان.
وأما كون شخص هداه الله للسنة على يدي محمد رشيد رضا، فهو يرى أنه لزامًا عليه أن يدافع عنه، فهذا أمر عجيب، فما أكثر الناس الذين هداهم الله على أيدي جماعة التبليغ ثم تحولوا إلى السنة، ثم أصبحوا بحمد الله يحذّرون من بدع جماعة التبليغ.
ومن الناس من يهديه الله للإسلام على أيدي الصوفية، ثم يرى هزة الرءوس عند الذكر، ويلتمس طريقة أهل السنة التي هي الطريق القويم، ومن الناس من يكون قد هداه الله على أيدي بعض الإخوان المسلمين، فتدعوه
стр. 40
إلى السنة فيقول: أنا يا أخي كنت ضائعًا فهداني الله على أيدي الإخوان المسلمين، فتقول له: أنت انتقلت من ضياع سهل إلى ضياع مستصعب، وأنا أدعوك إلى الطريق القويم، إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى تعلّمها ثم العمل بها ثم الدعوة إليها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فكونك قد هداك الله للسنة على يدي محمد رشيد رضا، لا يدل أنه على الصراط المستقيم، وإذا أردنا أن نثْبت للشخص السلفية فلابد أن نعرض أعماله على أعمال السلف الذين لا يرفعون رأسًا إلا لقول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أصبحت السلفيّة ستارًا يندرج تحته حالق اللحية المتشبه بأعداء الإسلام، مهلاً مهلاً أيها المسلمون اتقوا الله، ودعوا هذه الإدّعاءات، فقد أصبح عوام المسلمين وطلبة العلم المبتدئين أضحيتهما، ياأيّها الّذين ءامنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصّادقين (١).
ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ولا يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا ومن يعمل من الصّالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنّة ولا يظلمون نقيرًا ومن أحسن دينًا ممّن أسلم وجهه لله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفًا واتّخذ الله إبراهيم خليلاً (٢).
فليست السلفية بالإدعاءات، ولكنها استسلام لله وقبول ما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 41
وبعض الصحابة رضوان الله عليهم عند أن أنزل الله : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (١) شق عليهم ذلك فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهْل الكتابين من قبْلكم: سمعْنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعْنا، فلما أذعن القوم أنزل الله في إثرها: آمن الرّسول بما أنزل إليه من ربّه والمؤمنون إلى قوله: لا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسْعها. إلى آخر السورة. رواه بهذا المعنى مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس.
لسنا نقبل أن يتحمس الشخص للدين من جوانب، ويهدمه من جانب، فأصحاب المدرسة العقلية الحديثة لا يرون حجيّة حديث الآحاد، والدين أغلبه من طريق الآحاد، ويقدمون العقل على النقل فهل هذه طريقة السلف؟. وليس عندي من كتب محمد رشيد رضا إلا "المنار" ورسالة في الربا، ولو أردت استقصاء ما ردّ من الأحاديث أو شكك فيه، لكان مجلدًا، أفكان سلفنا كذلك.
ائتوني بسلفي حرّف ما تقدم من الآيات، ورد ما تقدم من الأحاديث، وأضعاف أضعافها، والرجل لم يؤت من جهل فقد بهرتني كثرة استدلالاته، وسعة اطلاعه، ولكنه صاحب هوى، فتن بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.
أما آثار المدرسة العقلية على الدين فإفساد الأزهر، والتبرج والسفور، ومهاجمة السنة، وما ذكرت شيئًا بالنسبة لكتاب "منهج المدرسة العقلية
стр. 42
الحديثة في التفسير" وكتاب "دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام".
وكون محمد رشيد خالف أستاذه بعد وفاة أستاذه كما ذكره في "المنار" ص (١٦) فهل أقصر عن رد الأحاديث التي لا توافق هواه؟ الجواب: لا، فقد انتهى شيخه محمد عبده عند تفسير: وكان الله بكلّ شيء محيطًا آية (١٢٥) من سورة النساء كما في "المنار" ثم مشى على تضعيف ما لم يوافق هواه، وهل تراجع عن الأحاديث التي وافق شيخه على تضعيفها، وكان الواجب عليه أن ينبّه في أثناء التفسير وعند مناسبات المواضيع من الأحاديث.
ولما كان فعل أصحاب المدرسة العقلية الحديثة يهدم الإسلام وكثير من الناس لا يعلمون أن الطعن في حديث الآحاد طعن في الدين كله، وقد اهتم العلماء ﵏ برد هذه الفكرة الخطيرة على الدين فرد عليهم الإمام الشافعي ﵀ في "الرسالة"، والإمام البخاري في "صحيحه" عقد كتابًا للرد عليهم وأبومحمد ابن حزم في كتاب "إحكام الأحكام" وابن القيم ﵀ في كتاب "الصواعق المرسلة"، وردّهم لما يخالف أهواءهم من السنة أمر قد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الإمام أبوداود ﵀ (ج١٢ ص٣٥٤): حدثنا عبد الوهاب بن نجدة أخبرنا أبوعمرو بن كثير بن دينار عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن ابن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهليّ، ولا كلّ ذي ناب
стр. 43
من السّبع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه)).
عبد الرحمن بن أبي عوف مستور الحال يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات.
والحديث له شواهد، منها الذي بعده على أنه قد تابعه الحسن بن جابر اللخمي، كما عند الترمذي، وهو مستور الحال، فالحديث حسن لغيره.
قال أبوداود ﵀ (ج١٢ ص٣٥٦): حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي قالا أخبرنا سفيان.
حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي وابن كثير قالوا حدثنا سفيان عن أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا ألفينّ أحدكم متّكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري ممّا أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه)).
فإن رأينا من يجادل أو يدافع عن بعد محمد رشيد رضا عن السلفية، فإننا إن شاء الله سنكلف بعض إخواننا بجمع ما ردّه أو شك فيه أو شكّك من السنن، ولكننا يعلم الله (نستثقل) هذا أو نراه تحصيل حاصل، فأحاديث الدجال قد جمعت وحكم العلماء بتواترها، وأحاديث المهدي قد جمعت وحكم العلماء بتواترها، وكان قدح ابن خلدون فيها نقيصة فيه، ودليل على قصوره في علم الحديث، وهكذا حديث انشقاق القمر وغيرها من دلائل النبوة، قد جمعت الصحيح منها في "الصحيح المسند من دلائل النبوة" والذي أعتقده وأدين الله به أن دعوة جمال الدين الأفغاني ومن سلك مسلكه، نكبة على الإسلام، وجناية على العلم، وفتح باب للشر بجميع
стр. 44
أنواعه، وفتح باب لأعداء الإسلام، وللفسقة من المسلمين، للطعن فيما لا يوافقهم من السنن.
على أنني أحمد الله فقد استيقظ الشباب المصري، وعلموا أن هذه دعوة هدّامة للدين فجزاهم الله خيرًا، وإذا كنا لا نرضى بتقليد أئمة الهدى، مثل: مالك والشافعي وأحمد، فنحن بحمد الله عن تقليد هؤلاء أبعد. وهذا من فضل الله علينا والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 45
شبهة وجوابها
قال الله : هو الّذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الّذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم يقولون ءامنّا به كلّ من عند ربّنا وما يذّكّر إلاّ أولو الألباب (١).
وقال البخاري ﵀ (ج٨ ص٢٠٩): حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية: هو الّذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب وأخر متشابهات فأمّا الّذين في قلوبهم زيغ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا وما يذّكّر إلا أولو الألباب قالت: قال رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه، فأولئك الّذين سمّى الله فاحذروهم)).
هذه الشبهة أن بعض المعاصرين ممن جمع بين بدعة الخوارج وبدعة
стр. 46
المعتزلة، سمعته يستدل على دفع حديث السحر بقول الله : إذ يقول الظّالمون إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا (١).
وقوله تعالى: وقال الظّالمون إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا (٢).
قال: فلو قلنا بصحة الحديث لوافقنا المشركين في هذه الدعوى.
قال أبوعبد الرحمن: وليست هذه بأول انْهزامية للمعاصرين أمام أهل الباطل، وما أكثر المعجزات التي أنكروها، لأن عقول أعداء الإسلام لا تتقبّلها، وما أكثر الأحكام التي حرّفوها أو ردوها، لأنّها لا تتمشى مع ما عليه المجتمع، وما أوتي هذا القائل المسكين إلا من قبل نفسه، إذ قد نبذ المسكين كلام الصحابة، وكلام أهل التفسير، وكلام الفقهاء، وكلام المحدثين، وزعم أنه يعتمد على نفسه وهو جاهل باللغة العربية وبغيرها من الوسائل، ولسنا ندعوه إلى تقليد هؤلاء الأئمة ﵏، ولكن إلى الاستفادة من فهمهم، وإلا فالتقليد في الدين محرم، وقد ذكرت جملة من الأدلة في كتابي المخرج من الفتنة وأنا ذاكر لك كلام بعض المفسرين حول هذه الآية:
قال الحافظ ابن كثير ﵀ (ج٣ ص٣١٠) في الكلام على قول الله : وقال الظّالمون إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا قال الله تعالى: انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا أي: جاءوا بما يقذفونك به، ويكذبون به عليك من قولهم: ساحر، مسحور، مجنون، كذّاب، شاعر،
стр. 47
وكلها أقوال باطلة كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك. اهـ المراد منه.
والحافظ ابن كثير هو الذي ذكر حديث السحر في تفسير سورة الفلق محتجًا به ﵀.
وقال الشوكاني ﵀ (ج٤ ص٦٣): أي ما تتبعون إلا رجلاً مغلوبًا على عقله بالسحر، وقيل: ذا سحر، وهي الرئة، أي بشر له رئة لا ملك. اهـ
والشوكاني هو الذي ذكر حديث السحر في تفسير سورة الفلق، لعلم هذين المفسريْن رحمهما الله بأنه لا تعارض بين الحديث وبين الآيتين، لأن الحديث يحمل على ما وجّهه الإمام القاضي عياض والحافظ ابن حجر وغيرهما من علماء الإسلام، والحديث قد تلقّاه علماء الإسلام بالقبول، فقد اتفق على إخراجه البخاري ومسلم، وما اتفقا عليه فهو أعلى مرتبة في الصحة كما في كتب المصطلح، ثم لم ينتقده الدارقطني ولا أبومسعود الدمشقي، ولا أبوعلي الجياني، ولا أبومحمد بن حزم، ممن تصدى لنقد بعض الأحاديث المعلة التي في الصحيحين، ولسنا نتوقع من علماء الكلام وغيرهم من ذوي الزيغ أن يعظموا سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل دأبهم التنفير عنها وتلقيب حملتها بالألقاب المنفّرة، وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث" الشيء الكثير من سخريّتهم بأهل السنة، ولكن أبى الله إلاّ أن ينصر أهل السنة، ويذلّ أهل البدعة والحمد لله.
وهذا الحديث الصحيح يهدم على المبتدعة عقيدتهم أن السحر ليس بحقيقة ولكنه تخيّل، فلذلك هم يحاولون التشكيك فيه وفي غيره من السنن التي تخالف أهواءهم فباءوا بالخزي، وتمت كلمة ربك هي العليا، وصدق
стр. 48
الله إذ يقول: إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون (١).
واحتج بعضهم بقوله: والله يعصمك من النّاس (٢).
وهذا شأن من لا يرجع إلى كتب التفسير، ولا يدري المتقدم من المتأخر فهذه الآية من آخر ما أنزل، كما ذكره الحافظ ابن كثير فقد سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكسرت رباعيته وشج رأسه قبل نزولها، ثم إن المراد: يعصمك من القتل والأسر والتلف، وإلا فهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأبي وأمي بشر يجري عليه ما يجري على البشر، قال الله : قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنّما إلهكم إله واحد (٣).
قال البخاري ﵀ (ج١٢ ص٣٣٩): حدثنا محمد بن كثير عن سفيان عن هشام عن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إنّما أنا بشر، وإنّكم تختصمون إليّ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنّما أقطع له قطعةً من النّار)).
وقال البخاري ﵀ (ج١ ص٥٠٣): حدثنا عثمان قال حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: قال عبد الله: صلّى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلمّا سلّم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصّلاة شيء؟ قال: ((وما ذاك)) قالوا: صلّيت كذا وكذا، فثنى رجليه
стр. 49
واستقبل القبلة وسجد سجدتين، ثمّ سلّم فلمّا أقبل علينا بوجهه قال: ((إنّه لو حدث في الصّلاة شيء لنبّأتكم به، ولكن إنّما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني، وإذا شكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصّواب فليتمّ عليه، ثمّ ليسلّم ثمّ يسجد سجدتين)).
فنبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر، يجري عليه ما يجري على البشر، كسرت رباعيته وشج رأسه.
قال الإمام البخاري ﵀ (ج٧ ص٣٧٢): حدثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام سمع أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((اشتدّ غضب الله على قوم فعلوا بنبيّه -يشير إلى رباعيته- اشتدّ غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله)).
حدثني مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: ((اشتدّ غضب الله على من قتله النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سبيل الله، اشتدّ غضب الله على قوم دمّوا وجه نبيّ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)).
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أما والله إنّي لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة ﵍ بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تغسله، وعليّ يسكب الماء بالمجنّ، فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدّم إلا كثرةً أخذت قطعةً من حصير فأحرقتها وألصقتها، فاستمسك الدّم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه.
стр. 50
حدثني عمرو بن علي حدثنا أبوعاصم حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: اشتدّ غضب الله على من قتله نبيّ اشتدّ غضب الله على من دمّى وجه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الإمام النووي ﵀ في "شرح صحيح مسلم" (ج١٢ ص١٤٨): وفى هذا وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لينالوا جزيل الأجر، ولتعرف أممهم وغيرهم ماأصابهم ويتأسوا بهم، قال القاضي: وليعلم أنّهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على أجسام البشر، ليتيقّنوا أنّهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات وتلبيس الشيطان من أمرهم، ما لبّسه على النصارى. اهـ.
وردّهم السنة التي لا يدل عليها القرآن في فهمهم السقيم، علم من أعلام النبوة، فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ألا وإنّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه)).
رواه أبوداود من حديث المقدام بن معدي كرب، وفيه عبد الرحمن بن أبي عوف، وهو مستور الحال يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات، وقد تابعه الحسن بن جابر، كما عند الترمذي، وهو مستور الحال، فالحديث حسن لغيره، وله شاهد من حديث أبي رافع عند أبي داود، وقد ذكرتهما بسنديهما في "الصحيح المسند من دلائل النبوة".
стр. 51
الطاعنون في الحديث
قدح الجصاص في حديث السحر:
قال (ج١ ص٤٩) (١): وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع، وذلك أنّهم زعموا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال فيه: ((إنّه يتخيّل لي أني أقول الشّيء وأفعله، ولم أقلْه ولم أفعلْه)) وإن امرأةً يهوديةً سحرته في جف طلعة ومشط ومشاقة، حتى أتاه جبريل ﵇ فأخبره أنّها سحرته في جف طلعة، وهو تحت راعوفة البئر فاستخرج، وزال عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذلك العارض، وقد قال الله تعالى وهو مكذبًا للكفار فيما ادعوه من ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال جل من قائل: وقال الظّالمون إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبًا بالحشو الطغام واستجرارًا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء ﵈ والقدح فيها، وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأن جميعه من نوع واحد، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈، وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى: ولا يفلح السّاحر حيث أتى فصدّق هؤلاء من كذّبه
стр. 52
الله، وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله، وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك، ظنًا منها بأن ذلك يعمل في الأجساد وقصدت به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأطلع الله نبيه على موضع سرها، وأظهر جهلها فيما ارتكبت وظنت، ليكون ذلك من دلائل نبوته، لا أن ذلك ضرّه وخلط عليه أمره، ولم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له. اهـ
طعن محمد عبده ومحمد رشيد رضا:
قال الأخ فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي في كتابه "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير" ص (٣٤٦ - ٣٥١):
ومن هذا ما ورد في "صحيح البخاري" و"مسلم" عن عائشة رضى الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتّى كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخيّل إليه أنّه يفعل الشّيء وما فعله، حتّى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنّه دعا ودعا، ثمّ قال: ((يا عائشة أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان)) فأتاها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ناس من أصحابه، فجاء فقال: ((يا عائشة كأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، أو كأنّ رءوس نخلها رءوس الشّياطين)) قلت: يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال: ((قد عافاني الله، فكرهت أن أثوّر على النّاس فيه شرًّا)) فأمر بها فدفنت. رواه البخاري ومسلم، واللفظ
стр. 53
للبخاري.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذا الحديث: (ثابت عند أهل العلم بالحديث، لا يختلفون في صحته، وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيحه، ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة، والقصة مشهورة عند أهل التفسير، والسنن، والحديث، والتاريخ، والفقهاء، وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين).
وقال الأستاذ عبد القادر الأرنؤوط: ورواه أيضًا أحمد والنسائي وابن سعد والحاكم وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في "دلائل النبوة" وغيرهم.
وقال ابن القيم في "بدائع الفوائد": وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم متلقّى عندهم بالقبول.
تلكم درجة ذلك الحديث، ولنسجل هنا في مقابلة هذا ما ذهب إليه الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره لقوله تعالى: ومن شرّ النّفّاثات في العقد حيث يقول:
(وقد رووا هنا أحاديث في أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحره لبيد بن الأعصم، وأثّر سحره فيه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك وأخرجت مواد السحر من بئر وعوفي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.
ولا يخفى أن ثأثير السحر في نفسه ﵇ حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل
стр. 54
هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدّق قول المشركين فيه: إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورًا.
وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيّل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيّل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه.
وقد كان كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة وما يجب لها أن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح، فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر.
فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح في نظر المقلّد بدعة، نعوذ بالله، يحتج على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعدّه من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك، مع أن الذي قصده المشركون ظاهر لأنّهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵇، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم.
والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته، وعدم الاعتقاد بما ينفيه، وقد جاء بنفي السحر عنه ﵇، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبّخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور قطعًا.
وأما الحديث على فرض صحته، فهو آحاد والآحاد لا يؤخذ بها في
стр. 55
باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون.
على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد، إنما يحصل الظن عند من صح عنده، أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجة، وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث، ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل).
ثم قال: (على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعًا، لأن الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله: آمن الرّسول وفي غيرها من الآيات ووردت الأوامر بما يجب على المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلمًا، ولم يأت في شيء من ذلك ذكر السحر، على أنه مما يجب الإيمان بثبوته، أو وقوعه على الوجه الذي يعتقد به الوثنيون في كل ملة، بل الذي ورد في الصحيح هو أن تعلّم السحر كفر، فقد طلب منا أن لا ننظر بالمرة فيما يعرف عند الناس بالسحر ويسمى باسمه).
وماذا نقول بعد هذا في موقف الأستاذ الإمام، هل يكفي وصف تلميذه لسيد رشيد رضا له: (بأنه كان مقصّرًا في علوم الحديث من حيث الرواية والحفظ والجرح والتعديل؟) لا، لا يكفي ذلك، بل قد تجاوزه الإمام محمد عبده فحتى المقصرين في علوم الحديث يدركون أنه ليس من حقهم الخوض في الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، حتى يدركوا أصول ذلك، فكيف برد ما رواه البخاري ومسلم.
ثم لنستمع إلى رأي الشيخ رشيد رضا في هذا مدافعًا عن أستاذه وملتمسًا مخرجًا آخر له ولرجال المدرسة كافة، حيث قال بعد سياقه
стр. 56
للحديث السابق: (فهذا الحديث صريح في أن المراد من السحر فيه خاص بمسألة مباشرة النساء، ولكن فهم أكثر العلماء أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم سحر سحرًا أثّر في عقله كما أثر في جسده، فأنكره بعضهم، وبالغوا في إنكاره وعدوه مطعنًا في النبوة ومنافيًا للعصمة، لقول عائشة: حتى إنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله. فعظمت هذه الرواية على علماء المعقول وعدوها مخالفة للقطعي في النقل، وهو ما حكاه الله تعالى عن المشركين من طعنهم فيه كعادة أمثالهم في رسلهم بقولهم: إن تتّبعون إلاّ رجلاً مسْحورًا وتفنيده تعالى لهم بقوله: انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلاً ومخالفة للقطعي في العقل من عصمة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كل ما ينافي النبوة والثقة بها، إذ يدخل فى ذلك التخييل ما هو من التشريع، ومخالفة لعلم النفس الذي يعلم منه أن الأنفس السافلة الخبيثة لا تؤثر في الأنفس العالية الطاهرة، فأنكر صحة الرواية بعض العلماء وأقدم من عرفنا ذلك عنهم من المفسرين الفقهاء أبوبكر الجصاص في كتابه ... "أحكام القرآن" وآخرهم شيخنا الأستاذ الإمام في "تفسير جزء عم"، وقد أطال شيخنا في هذا وبالغ فيه). ثم قال بعد هذا: (وقد محصت هذه المسألة مرارًا آخرها في الرد على مجلة الأزهر "نور الإسلام" في زعمها المفتري أنني كذبت حديث البخاري في سحر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فبيّنت أن الحديث الصحيح في المسألة عن عائشة رضى الله عنها توهم عبارة بعض رواياته ما هو أعم من المعنى الخاص الذي أرادته منها، وهو مباشرة الزوجية بينه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبينها فقولها: كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله، كناية عن هذا الشيء الخاص لا عام في كل شيء ...
وبينت أيضًا أن الرواية في أصح أسانيدها
стр. 57
عند الشيخين عن هشام عن أبيه عن عائشة فيها علة من علل الحديث الخفية التي يشترط في صحة الحديث السلامة منها، وهى: أن بعض منكري الحديث أعلّوه بهشام هذا، وألّف بعضهم كتابًا خاصًا فيه محتجًا بقول بعض علماء الجرح والتعديل أنه كان في العراق يرسل عن أبيه عروة بن الزبير ما سمعه من غيره، وعروة هو راوية عائشة الثقة، وهى خالته وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، يعنى: هشامًا، وقد نقم منه حديثه لأهل العراق، وقال ابن القطان: تغيّر قبل موته، ولاشك أن تعديل الجماعة له ومنهم الشيخان، خاص بما رواه قبل تغيره، فهذا عذر من طعن في روايته لهذا الحديث الذي أنكروا متنه بما علمت، والأمر فيه أهون مما قالوا، فالتحقيق أنه خاص بمسألة الزوجية كما جاء في التصريح به في الرواية الثانية كما تقدم، ولا يعقد بغير هذا). اهـ
стр. 58
من يقبل منه الجرح والتعديل
قال الله : ياأيّها الّذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (١).
وقال : وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم (٢).
وقال : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثمّ يحرّفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (٣).
وقال : ياأيّها الّذين ءامنوا إنّ كثيرًا من الأحبار والرّهبان ليأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله (٤).
وقال : فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله
стр. 59
يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلاّ الحقّ ودرسوا ما فيه والدّار الآخرة خير للّذين يتّقون أفلا تعقلون (١).
وقال تعالى: واتل عليهم نبأ الّذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشّيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الّذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون (٢).
وقال تعالى: مثل الّذين حمّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا بئس مثل القوم الّذين كذّبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظّالمين (٣).
وفى "مسند الإمام أحمد" برقم (١٤٣) بتحقيق أحمد شاكر من حديث عمر، والبزاركما في "كشف الأستار" (ج١ ص٩٧) من حديث عمران بن حصين ﵄ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ أخْوف ما أخاف على أمّتي كلّ منافق عليم اللّسان))، أو بهذا المعنى.
وقال اللكنوى ﵀ فى "الرفع والتكميل" ص (٥٢): إيقاظ: في شرط الجارح والمعدل.
يشترط في الجارح والمعدل: العلم والتقوى والورع والصدق والتجنب عن التعصب ومعرفة أسباب الجرح والتزكية، ومن ليس كذلك لا يقبل منه
стр. 60
الجرح ولا التزكية.
قال التاج السبكي: من لا يكون عالمًا بأسبابهما -أي الجرح والتعديل- لا يقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد. انتهى.
وقال البدر بن جماعة: من لا يكون عالمًا بالأسباب، لا يقبل منه جرح ولا تعديل لا بإطلاق ولا بالتقييد. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر فى "شرح نخبته": إن صدر الجرح من غير عارف بأسبابه لم يعتبر به. وقال أيضًا: تقبل التزكية من عارف بأسبابها لا من غير عارف، وينبغى أن لا يقبل الجرح إلا من عدل متيّقظ. انتهى.
وقال الذهبى فى ترجمة (أبي بكر الصديق) من كتابه "تذكرة الحفاظ": حق على المحدث أن يتورع فيما يؤديه وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته، ولا سبيل الى أن يصير العارف الذى يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذًا إلا بإدمان الطلب والفحص عن هذا الشأن وكثرة المذاكرة والسهر والتيقظ والفهم مع التقوى والدين المتين والإنصاف والتردد إلى العلماء والإتقان وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها ... ولوسودت وجهك بالمداد
فإن آنست من نفسك فهمًا وصدقًا ودينًا وورعًا، وإلا فلا تفعل، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب، فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مخلّط مخبّط مهمل لحدود الله فأرحنا منك. انتهى.
وقال الحافظ الذهبي فى ترجمة علي بن عبد الله بن المديني (ج٣ ص١٤٠) ردًا على العقيلي حيث ذكر ابن المديني فى "الضعفاء" وقد بدت منه هفوة (يعني القول بخلق القرآن) ثم قال الإمام الذهبي: وهذا أبوعبد الله
стр. 61
البخاري وناهيك به، وقد شحن "صحيحه" بحديث علي بن المديني، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا بين يدي علي بن المديني، ولو تركت (١)
حديث علي وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبى شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز ابن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبد الحميد، لغلقنا الباب وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال، أفما لك عقل ياعقيلي، أتدرى فيمن تتكلم وإنما تبعناك فى ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيّف ما قيل فيهم: كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم فى كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذى ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه فى الشيء، فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلمالكبار والصغار ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون كل واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرض هذا، فإن هذا مقرر على ما ينبغي فى علم الحديث، وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحًا غريبًا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا، وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظًا أو إسنادًا يصيّره متروك الحديث، ثم كل أحد فيه بدعة أو له هفوة أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من
стр. 62
شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكْرنا كثيرًا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة، أو لهم أوهام يسيرة فى سعة علمهم، أن يعرف أن غيرهم أرجح منهم وأوثق إذا عارضهم أو خالفهم، فزن الأشياء بالعدل والورع.
وأما علي بن المدينى فإليه المنتهى فى معرفة علل الحديث النبوي مع كمال المعرفة بنقد الرجال وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه. وقد أدرك حماد بن زيد وصنف التصانيف وهو تلميذ يحيى ابن سعيد القطان، ويقال: لابن المديني نحو مائتي مصنف. اهـ
وقال الإمام الذهبي ﵀ فى ترجمة موسى بن إسماعيل أبوسلمة التبوذكي المنقري: قلت: لم أذكر أبا سلمة للين فيه، ولكن لقول ابن خراش فيه: صدوق وتكلّم الناس فيه. قلت: نعم تكلموا فيه بأنه ثقة ثبت يارافضي. اهـ
وقال الحافظ الذهبي أيضًا فى ترجمة أبان بن إسحاق المدني: قال ابن معين وغيره: ليس به بأس، وقال أبوالفتح الأزدي: متروك. قلت: لا يترك فقد وثقه أحمد والعجلي، وأبوالفتح يسرف فى الجرح وله مصنف كبير إلى الغاية فى المجروحين جمع فأوعى، وجرح خلقًا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلّم فيهم، وهو المتكلم فيه وسأذكره في المحمدين. اهـ
وهكذا التصحيح والتضعيف لا يقبلان إلا ممن توفّرت فيه هذه الشروط التي ذكرها الإمام الذهبي واللكنوي، وزيادة معرفة المصطلح، ومن أهمه معرفة المعل والشاذ، وهكذا أيضًا علم الرجال، ويبنغى أن يعلم المصحح والمضعف أنه إذا لم يتحرّ فهو بتصحيح الموضوع وما لا أصل له يدخل في
стр. 63
شرع الله ما ليس منه، وبتضعيفه الصحيح بالهوى يبطل شرع الله، وكلا الأمرين من أكبر الكبائر، قال الله فى كتابه الكريم: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفْتروا على الله الكذب (١).
وقال : قل إنّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحقّ وأن تشركوا بالله ما لم ينزّل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (٢).
وقال : فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قضيت ويسلّموا تسليمًا (٣).
ومن علامة أصحاب الأهواء وأصحاب البدع، أنّهم يصحّحون الحديث إذا كان موافقًا لأهوائهم، ويضعفونه إذا كان مخالفًا لأهوائهم، وقد قرأت كثيرًا في كتب الشيعة وفي "كشاف" الزمخشري فوجدت هذا بخلاف أهل السنة، فإنّهم يحكمون على الحديث بما تقتضيه الصناعة الحديثية، فرب حديث يكون مندرجًا تحت أصل ولا يمنعهم هذا من أن من أن يحكموا على الحديث بأنه ضعيف أو موضوع، وربّ راو يكون رأسًا في السنة فلا يمنعهم هذا من القول بتضعيفه إذا كان ضعيفًا، فرحمهم الله وجزاهم الله خيرًا على نصحهم وإنصافهم واتباعهم الحق أينما وجدوه.
стр. 64
بعض أدلة الجرح والتعديل
الناس يستغربون في هذا الزمن إذا رأوا في كتبنا انتقاد بعض أهل العلم، ذلك لأنّهم جهلوا فنًا عظيمًا ألا وهو علم الجرح والتعديل الذي قام به علماؤنا الأقدمون ﵏، المتبعون لكتاب ربّهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والجرح هو الذي يستغربون، وأما التعديل عندهم فليس له حد، يطلقون تلك الألقاب الضخمة التي ما كان سلفنا ﵏ يطلقونها, وأنا ذاكر لك بعض أدلة الجرح لأنه المستنكر عندهم كما قال تعالى: بل كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه (١)، وقال تعالى: وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم (٢).
وأنا أسألك أيها المعترض، أعلي الطنطاوي خير أم أبوحاتم الرازي؟ والجواب معروف، أن أباحاتم الرازي إمام متفق على جلالته، إمام من أئمة الجرح والتعديل، وعلي الطنطاوي لا يساوي كلامه فلسًا، بل لا يساوي هو بعرةً، عرفته بالحرم المكي، وهو فاسق حالق اللحية لا يتقيّد بدليل، لا أكثر الله في علماء المسلمين من أمثاله.
стр. 65
وهكذا لابد لأهل السنة من أن يتميّزوا من هذا المجتمع الجاهلي، ولست أعني أنه كافر، ولكن لابد لهم من بيان أحوال الفسقة الذين يلبسون الحق بالباطل، ويفتن بهم المجتمع فيظن أنّهم من أهل العلم، وهم مفتونون فاتنون، وإليك بعض الأدلة على جواز جرح من يستحق الجرح:
١ - عن أنس رضى الله عنه عن النبيصلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إنّ الله حجب التّوبة عن كلّ صاحب بدعة حتّى يدع بدعته)). رواه ابن أبي عاصم.
في هذا الحديث جرح أصحاب البدع.
٢ - عن سلمة بن عمرو بن الأكوع ﵁ أن رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشماله فقال: ((كلْ بيمينك)) قال: لا أسْتطيع. قال: ((لا استطعت ما منعه إلاّ الكبر)) قال: فما رفعها إلى فيه. رواه مسلم.
٣ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلت ولدها الّذي في بطنها، فاختصموا إلى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقضى أنّ دية ما في بطنها غرّة عبد أو أمة، فقال وليّ المرأة الّتي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، فمثل ذلك يطلّ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان)). متفق عليه. زاد مسلم: من أجْل سجعه الّذى سجع.
٤ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنّ امرأةً قتلت ضرّتها بعمود فسطاط، فأتي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقضى على عاقلتها بالدّية وكانت حاملاً، فقضى في الجنين بغرّة، فقال بعض عصبتها: أندي من لا طعم ولا شرب ولا صاح فاستهلّ، ومثل ذلك يطلّ، قال: فقال: سجع كسجع
стр. 66
الأعراب)). رواه مسلم.
٥ - عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في مرضه: ((مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس))، قالت عائشة: فقلت: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، فقال: ((مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس))، فقالت عائشة: فقلت لحفصة: قولي له إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّكنّ لانتنّ صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس)) فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. متفق عليه.
٦ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسألون عن عبادة النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أمّا أنا فأصلّي اللّيل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدّهر ولا أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدًا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ((أنتم الّذين قلتم كذا وكذا، أما والله إنّي لاخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي)). متفق عليه.
٧ - عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((هلك المتنطّعون)). قالها ثلاثًا. رواه مسلم.
في "النهاية" في مادة (نطع): هم المتعمّقون المغالون في الكلام المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل
стр. 67
في كل تعمق قولاً وفعلاً. اهـ
في هذه الأحاديث جرح لمن ترك السنن وأقبل على البدع والأهواء.
٨ - عن المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذرّ بالرّبذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلّة، فسألته عن ذلك فقال: إنّي ساببت رجلاً فعيّرته بأمّه، فقال لي النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يا أبا ذرّ أعيّرته بأمّه، إنّك امرؤ فيك جاهليّة، إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم)). متفق عليه.
٩ - عن جابر بن عبد الله ﵁ أن معاذ بن جبل ﵁ كان يصلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثمّ يأتي قومه فيصلّي بهم الصّلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوّز رجل فصلّى صلاةً خفيفةً، فبلغ ذلك معاذًا، فقال: إنّه منافق، فبلغ ذلك الرّجل، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله إنّا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي نواضحنا، وإنّ معاذًا صلّى بنا البارحة فقرأ الْبقرة، فتجوّزت، فزعم أنّي منافق، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يا معاذ أفتّان أنت؟ ثلاثًا، اقرأ: والشّمْس وضحاها وسبّح اسم ربّك الأعلى، ونحوها)). متفق عليه.
وهذا فى حق هذين الصحابيّين الجليلين ومن شابههما المراد به الأدب لا التجريح، وإنما ذكرنا هذا ليدل على جواز إطلاق مثل هذا على من يحتاج إلى تأديب.
١٠ - وعن عدي بن حاتم ﵁ أنّ رجلاً خطب عند النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال
стр. 68
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله)). رواه مسلم.
١١ - وعن بريدة ﵁ أنّ رجلاً نشد في المسجد فقال: ((من دعا إلى الجمل الأحمر فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا وجدْت، إنّما بنيت المساجد لما بنيتْ له)). رواه مسلم.
١٢ - وعن جابر رضى الله عنه أنّ عبْدًا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يشْكو حاطبًا، فقال: يارسول الله ليدخلنّ حاطب النّار، فقال رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((كذبت لا يدخلها، فإنّه شهد بدْرًا والحديبية)). رواه مسلم.
١٣ - عن أنس ﵁ قال: مرّوا بجنازة فأثْنوا عليها خيرًا، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((وجبتْ)) ثمّ مرّوا بأخرى فأثْنوا عليها شرًّا، فقال: ((وجبتْ)) فقال عمر بن الخطّاب ﵁: ما وجبتْ؟ قال: ((هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض)). متفق عليه.
١٤ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: إنّي قد بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: ((لا)) فقلت: فالشّطر يا رسول الله؟ فقال: ((لا)) قلت: فالثلث يا رسول الله؟ قال: ((الثّلث، والثّلث كثير أو كبير، إنّك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالةً يتكفّفون النّاس، وإنّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتّى ما تجعل في في امرأتك)) فقلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي؟ قال: ((إنّك لن تخلّف فتعمل عملاً تبتغي
стр. 69
به وجه الله إلا ازددت به درجةً ورفعةً، ولعلّك أن تخلّف حتّى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون، اللهمّ أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم لكن البائس سعد بن خولة)) يرثي له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن مات بمكّة. متفق عليه.
١٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال له في شأن الشّيطان: ((أما إنّه قد صدقك وهو كذوب)). رواه البخاري.
١٦ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا تقوم السّاعة حتّى يبعث دجّالون كذّابون قريب من ثلاثين كلّهم يزعم أنّه رسول الله)). متفق عليه واللفظ لمسلم.
١٧ - وعن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إنّ بيْن يدي السّاعة كذّابين)). رواه مسلم.
ففي هذه الأدلة دليل على الجرح، وأما أدلة التعديل فأكثر من أن تحصى ولم ينازع فيها العصريون فلم نوردها، وإن كان إيرادها يقوى أدلة الجرح ويثبتها على أن أدلة الجرح كافية. والحمد لله.
وقد ذكرت جملة من أدلة الجرح والتعديل في "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين"، وفي "نشر الصحيفة في كلام أئمة الجرح والتعديل في أبي حنيفة".
стр. 70
الإنكار على من رد السّنن بالرأي والاستحسان
قال الله سبحانه: فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنّما يتّبعون أهواءهم (١) وقد ذكرت في "شرعية الصلاة بالنعال" جملة من هذا، فأنا أنقلها هنا لمناسبتها أيضًا هنا وأزيد مايسر الله.
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الّذي في بطنها، فاختصموا إلى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقضى أنّ دية ما في بطنها غرّة، عبد أو أمة، فقال وليّ المرأة الّتي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، فمثل ذلك يطلّ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان)).
رواه البخاري: (ج١٢ ص٣٢٨). ومسلم: (ج١١ ص١٧٧)، وفيه زيادة قوله: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان من أجل سجعه الّذي سجع)).
وأخرجه أبوداود: (ج٤ ص٣١٨). والنسائي: (ج٨ ص٤٣). وابن ماجة: (ج٢ ص٨٨٢).
стр. 71
الحديث الثاني:
عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنّ امرأةً قتلت ضرّتها بعمود فسطاط، فأتي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقضى على عاقلتها بالدّية، وكانت حاملاً، فقضى في الجنين بغرّة، فقال بعض عصبتها: أندي من لا طعم ولا شرب، ولا صاح فاستهلّ، ومثل ذلك يطلّ، قال: فقال: ((سجع كسجع الأعراب)).
رواه مسلم (ج١١ ص١٧٩). والنسائي (ج٨ ص٤٤).
فأنت ترى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنكر عليه معارضته لحديثه برأيه وقال: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان)). من أجل سجعه.
الحديث الثالث:
عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا، أبوبكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبوبكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله سبحانه: يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الآية. قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه -يعني- أبا بكر.
أخرجه البخاري (ج١٠ ص٢١٢،٢١٤) وفيه رواية ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير (ج١٧ ص٣٩). وأخرجه الترمذي (ج٤ ص١٨٥) وعنده تصريح عبد الله بن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير حدثه به، وأحمد (ج٤ ص٦)، والطبري (ج٢٦ ص١١٩) وفيه قول نافع: حدثني ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، فعلم اتصال الحديث كما أشار إليه الحافظ في "الفتح"
стр. 72
(ج١٠ ص٢١٢).
الحديث الرابع:
عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في مرضه: ((مروا أبابكْر فيصلّ بالنّاس)) قالت عائشة: فقلت: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ. فقال: ((مروا أبابكر فلْيصلّ بالنّاس)) قالت عائشة: فقلت لحفْصة: قولي: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف، مروا أبابكر فليصلّ بالنّاس)) قالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا.
رواه البخاري (ج١٧ ص٣٩). ومسلم (ج٥ ص١٤٠،١٤١).
الحديث الخامس:
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إنّ الله لا ينْزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلّون ويضلّون)).
رواه البخاري (ج١٧ ص٤٥) ومسلم واللفظ للبخاري.
الحديث السادس:
قال مسلم ﵀ (ج٣ ص١٥٩٩): حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع أنّ أباه حدّثه أنّ رجلاً أكل عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشماله، فقال: ((كل بيمينك)) قال: لا أستطيع. قال: ((لا استطعت))، ما منعه إلا الكبر، قال: فما
стр. 73
رفعها إلى فيه.
الحديث السابع:
قال البخاري ﵀ (ج١٠ ص١٢١): حدثنا إسحاق حدثنا خالد ابن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على رجل يعوده، فقال: ((لا بأس طهور إن شاء الله)) فقال: كلا بل هي حمّى تفور، على شيخ كبير، حتى تزيره القبور. قال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فنعم إذًا)).
آثار عن السلف
وأما الاثار عن السلف ﵏، فأكثر من أن تحصر، ولكن أشير إلى بعضها:
الأثر الأول:
عن علي ﵁ أنه قال: لو كان الدّين بالرّأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح على ظاهر خفّيه.
رواه أبوداود (ج١ ص٦٣) ورجاله رجال الصحيح، إلا عبدخير، وهو ثقة كما في "التقريب".
وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": إنّ سنده حسن، وقال في "التلخيص": رواه أبوداود وإسناده صحيح.
الأثر الثاني:
الحديث عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا
стр. 74
تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم)) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنّ، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبّه سبًّا سيّئًا ما سمعته سبّه مثله، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول: والله لنمنعهنّ.
رواه مسلم (ج٤ ص١٦١). وفي "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص١٣٩) للحافظ ابن عبد البر أنه قال له: لعنك الله، لعنك الله. أقول: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن لا يمنعن، وقام مغضبًا.
الأثر الثالث:
عن عبد الله بن المغفل أنّه رأى رجلاً يخذف فقال له: لا تخذف، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال: ((إنّه لا يصاد به صيد، ولا ينكى به عدوّ، ولكنّها قد تكسر السّنّ وتفقأ العين))، ثمّ رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه ينهى عن الخذف، وأنت تخذف، لا أكلّمك كذا وكذا.
رواه البخاري (ج١٢ ص٢٦). ومسلم (ج١٣ ص١٠٥،١٠٦) وفيه: لا أكلمك أبدًا.
الأثر الرابع:
عن أبي قتادة تميم بن نذير العدوي أنّه قال: كنّا عند عمران بن حصين في رهط، وفينا بشير بن كعب فحدّث عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الحياء خير كلّه)) فقال بشير بن كعب: إنّا لنجد في بعض الكتب: أنّ منه سكينةً ووقارًا ومنه ضعف. فغضب عمران حتّى احمرّت عيناه، وقال: ألا أراني أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعارض فيه، قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بشير، فغضب عمران، قال: فما زلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد، إنّه لا بأس به.
رواه مسلم (ج٢ ص٧) وأحمد (ج٤ ص٤٢٧،٤٣٦،٤٤٠، ٤٤٢،٤٤٥)، والطيالسي
стр. 75
(ج٢ ص٤١).
الأثر الخامس:
عن ابن أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أضللت الناس، قال: وما ذاك يا عريّة؟ قال: تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر وليستْ فيهنّ عمرة فقال: أولا تسأل أمّك عن ذلك؟ فقال عروة: فإنّ أبابكر وعمر لم يفعلا ذلك، فقال ابن عبّاس: هذا الّذي أهلككم والله ما أرى إلاّ سيعذّبكم، إنّي أحدّثكم عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتجيئوني بأبي بكر وعمر ...
رواه أحمد (ج١ ص٣٣٧). وإسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (ج١ ص٣٦٠) وفيه: نجيئكم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتجيئوني بأبي بكر وعمر؟.
والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص ١٤٥)، والسياق له، وابن حزم في "حجة الوداع" ص (٢٦٨، ٢٦٩) من طرق إلى ابن عباس. وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص٢٣٩،٢٤٠).
الأثر السادس:
قال الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص١٥٠): أنا محمد بن أحمد بن رزق أنا عثمان بن أحمد الدقاق أنا محمد بن إسماعيل الرقي أنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشّافعي وسأله رجل عن مسألة فقال: يروى فيها كذا وكذا عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له السّائل: يا أبا عبد الله ما تقول فيه؟ فرأيت الشّافعي أرعد وانتفض، فقال: ما هذا، أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تظلني؟ إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا فلم أقلْ به، نعم على السّمع والبصر، نعم على السّمع والبصر.
وقال: أنا الربيع قال: سمعت الشّافعي وقد روى حديثًا وقال له بعض من حضر: تأخذ بهذا؟ فقال: إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا صحيحًا