← Фикх общий

Фикх общий · id 96787

مجموعة رسائل علمية

مقبل بن هادي الوادعي

Полный текст (270 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فهذه بعض الأحاديث الواردة في الخضاب نقلتها ليتضح خطأ من يخضب بالسواد لما فيه من الغش، ولا أنقل إلا ما كان من حديث رسول الله، إذ لا حجة إلا في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الامام البخاري ﵀ في "صحيحه" (ج١٢ ص٤٧٦) مع "الفتح": حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ اليهود والنّصارى لا يصبغون فخالفوهم)). ورراه مسلم (ج٢ ص٤٤) من طريق سفيان بن عيينة به. هذا الحديث مطلق يتناول أي صباغ، لكنه قيّد بما رواه الإمام مسلم ﵀ (ج٢ ص٤٤) قال ﵀: حدثني أبوالطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثّغامة بياضًا فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروا هذا بشيء، واجتنبوا السّواد)). ولم يصب من زعم أن قوله: ((واجتنبوا السّواد)). مدرجة إذ الأصل عدم الإدراج، وأما ما رواه الإمام أحمد من أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير لما

стр. 37

حدثه بهذا الحديث قال: قلت لأبي الزبير: قال: ((جنّبوه السّواد))؟ قال: لا. فمبنيّ على أن أبا الزبير قد نسي وكم من محدث قد نسي حديثه بعد ما حدث به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلميقول: ((رحم الله فلانًا لقد ذكّرني آية كذا كنت أنسيتها))، وقد صرح الحافظ في "النخبة" أنّ الصحيح أنه لا يرد الحديث لنسيان الشيخ، إلا أن يقول: كذب عليّ، لم أحدثه بهذا، ثم إنه قد تابع ابن جريج ليث كما عند ابن ماجة والإمام أحمد، وهو ليث بن أبي سليم مختلط، لكنه يصلح في الشواهد والمتابعات. وللحديث شاهد صحيح، قال الإمام أحمد ﵀ (ج٣ ص١٦٠): ثنا محمد بن سلمة الحراني عن هشام (١) عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس ابن مالك عن خضاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن شاب إلاّ يسيرًا، ولكنّ أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحنّاء والكتم، قال: وجاء أبوبكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم فتح مكّة يحمله، حتّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بكر: ((لو أقررت الشّيخ في بيته لأتيناه)) تكرمةً لأبي بكر، فأسلم ولحيته ورأسه كالثّغامة بياضًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروهما، وجنّبوه السّواد (٢)). قال الهيثمي في "المجمع" بعد ذكره هذا الحديث (ج٥ ص١٦٠): رواه أحمد وأبويعلى، والبزار باختصار، وفي الصحيح طرف منه، ورجال أحمد رجال الصحيح.

стр. 38

وآخر حسن: [قال ابن سعد في "طبقاته" (ج٥ ص٣٣٣ - ٣٣٤): أخبرنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء قالت: لمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مكّة واطمأّنّ وجلس في المسجد أتاه أبوبكر بأبي قحافة فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((يا أبا بكر ألا تركت الشّيخ حتّى أكون أنا الّذي أمشي إليه؟)) قال: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك، من أن تمشي إليه. فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين يديه، ثمّ قال: ((يا أبا قحافة أسلم تسلم)) قال: فأسلم وشهد شهادة الحقّ، قال: وأدخل عليه رأسه ولحيته كأنّهما ثغامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروا هذا الشّيب وجنّبوه السّواد)). أخرجه أيضًا الإمام أحمد (ج٦ ص٣٤٩) مطولاً، وابن حبان (١٧٠٠) "موارد"، والحاكم (ج٣ ص٤٦).] اهـ رازحي. هذا وقد جاء الوعيد الشديد لمن يخضب بالسواد، روى الإمام أحمد في "مسنده" عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((يكون قوم في آخر الزّمان يخضبون بالسّواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنّة)). قال صاحب "الفتح الرباني" في تعليقه على "ترتيب المسند" (ج١٧ ص٣١٩): سنده صحيح، ومن الغريب أن ابن الجوزي أورده في "الموضوعات" وهو من الأحاديث التي ذبّ عنها الحافظ ابن حجر في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد". قال ﵀ بعد ذكر سنده ومتنه: أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق أبي القاسم البغوي عن هاشم بن الحارث عن عبيد الله بن عمرو به. وقال: حديث لايصح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. المتّهم به عبد الكريم بن أبي المخارق أبوأمية البصري، ثم نقل تجريحه

стр. 39

عن جماعة، قال الحافظ: وأخطأ في ذلك، فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرّج له في "الصحيح"، وقد أخرج الحديث من هذا الوجه أبوداود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" وغيرهم. قال أبوداود في كتاب (الترجل): حدثنا أبوتوبة حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يكون قوم يخضبون في آخر الزّمان بالسّواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنّة)). وأخرجه النسائي في الزينة وابن حبان والحاكم في "صحيحيهما" من هذا الوجه، وقال أبويعلى في "مسنده": حدثنا زهير حدثنا عبيد الله بن جعفر، هو الرقي به، وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في "المختارة مما ليس في الصحيحين" من هذا الوجه أيضًا. اهـ كلام الحافظ. قال المعلق على "ترتيب المسند": قلت: وبهذا تعرف أن الحديث صحيح لا مطعن فيه. اهـ قلت: ومما يزيدنا وضوحًا أنّ الذي في سند هذا الحديث عبد الكريم الجزري وليس بابن أبي المخارق أن الحديث في "سنن أبي داود" وعبد الكريم ابن أبي المخارق ليس من رجال أبي داود كما في "تهذيب التهذيب" و"الميزان" وغيرهما من كتب الرجال، نعم روى له أبوداود خارج "السنن" كما في "تهذيب الكمال" فإنه رمز "لمسائل أحمد" وأما في "السنن" فلا. هذا وإنني ذاكر ما وجدته من الشواهد للأحاديث المتقدمة، قال الامام أحمد رحمه الله تعالى "ترتيب المسند" (ج١٧ ص٣١٩): حدثنا قتيبة أنا ابن

стр. 40

لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروا الشّيب ولا تقرّبوه السّواد)). ابن لهيعة فيه ضعف، ولا يمنع من الاستشهاد بحديثه. وقال البيهقي ﵀ في "السنن الكبرى" (ج٧ ص٣١١): أخبرنا أبوالحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ نا الحسن بن هارون ثنا مكي بن إبراهيم نا عبد العزيز بن أبي رواد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((غيّروا الشّيب، ولاتشبّهوا باليهود، واجتنبوا السّواد)) اهـ وعبد العزيز بن أبي روّاد فيه كلام، والحسن بن هارون: قال أبوحاتم: لا أعرفه. كما في "لسان الميزان". وفي "مجمع الزوائد" (ج٥ ص١٦٠): وعن أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: ((يا معشر الأنصار حمّروا أو صفّروا، وخالفوا أهل الكتاب)) فذكر الحديث. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وفي "الصحيح" طرف منه، ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم وهو ثقة وفيه كلام لا يضر. قال أبوعبد الرحمن: القاسم هو ابن عبد الرحمن أبوعبد الرحمن الأموي، مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب، ولا يمنع من الاستشهاد بحديثه. ثم قال الهيثمي: وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((غيّروا الشّيب وإنّ أحسن ما غيّرتم به الشّيب: الحنّاء والكتم)). رواه البزار وفيه سعيد بن بشير وهو ثقة وفيه ضعف، وعن أنس بن

стр. 41

مالك قال: كنّا يومًا عند النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدخلت عليه اليهود فرآهم بيض الّلحى، فقال: ((ما لكم لا تغيّرون))؟ فقيل: إنّهم يكرهون، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لكنّكم غيّروا وإيّاي والسّواد)). رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه: ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات وهو حديث حسن. وعن ابن عباس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلمقال: ((يكون في آخر الزّمان قوم يسوّدون أشعارهم، لا ينظر الله إليهم)). قلت: رواه أبوداود، خلا قوله: ((لا ينظر الله إليهم)). رواه الطبراني في "الأوسط" وإسناده جيد. اهـ المراد من "مجمع الزوائد". وقال الإمام الترمذي ﵀ في "جامعه" (ج٣ ص٥٥) مع "تحفة الأحوذي" طبعة هندية: حدثنا سويد بن نصر ثنا ابن المبارك عن الأجلح عن عبد الله بن بريدة عن أبي الأسود عن أبي ذر ﵁ عن النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إنّ أحسن ما غيّر به الشّيب الحنّاء والكتم)). هذا حديث حسن صحيح. الحديث عزاه المجد في "المنتقى" للخمسة يعني أصحاب "السنن" وأحمد. وقال النسائي ﵀ (ج٨ ص١٣٩): حدثنا محمد بن مسلم حدثنا يحيى بن يعلى حدثنا به أبي عن غيلان عن أبي إسحاق عن ابن أبي ليلى عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((أفضل ما غيّرتم به الشّمط: الحنّاء والكتم)). قلت: رجاله رجال مسلم غير محمد بن مسلم بن عثمان أبوعبد الله بن واره، قال الحافظ فيه: ثقة حافظ. وأبوإسحاق هو السبيعي، ثقة مدلس وقد

стр. 42

عنعن، فهو لابأس به في الشواهد. وله شاهد من حديث ابن عباس عند أبي يعلى (ج٣ ص٢٧)، والطبراني (ج١١ ص ٢٥٨)، قال أبويعلى ﵀: حدثنا بشر بن سيحان حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((أحسن ما غيّرْتم به الشّيب، الحنّاء والكتم)). الحديث رجاله رجال الشيخين، خلا بشر بن سيحان، قال فيه أبوحاتم: ما به بأس كان من العباد. وقال أبوزرعة: شيخ بصري صالح. اهـ "الجرح والتعديل" (ج٢ ص ٣٥٨). هذا ولهم شبه لا بأس ببيانها، لكي تنقطع حجتهم: منها: حديث ابن ماجة، قال ﵀ (ج٢ ص١١٩٧): حدثنا أبوهريرة الصيرفي محمد بن فراس حدثنا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي حدثنا دفّاع بن دغفل السدوسي عن عبد الحميد بن صيفي عن أبيه عن جده صهيب الخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ أحسن ما اختضبتم به لهذا السّواد أرغب لنسائكم فيكم وأهيب لكم في صدور عدوّكم)). إني لأعجب ممن يعارض الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه"، والحديث الصحيح الذي رواه أحمد في "مسنده" والحديث الصحيح الذي رواه الترمذي في "جامعه"، وقال: حديث حسن صحيح؛ بمثل هذا الحديث الذي اجتمع فيه النكارة والضعف والإنقطاع، أما نكارته فظاهرة، وهو مخالفته لما اشتهر عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نهيه عن السواد، وأما ضعفه فقد قال الإمام الذهبي في "الميزان" في ترجمة دفّاع بن دغفل: ضعفه أبوحاتم

стр. 43

ووثقه ابن حبان. اهـ، وليس له في الأمهات إلا هذا الحديث رواه ابن ماجة، وقد قال المزي ﵀: أن الغالب فيما تفرد به ابن ماجة الضعف. ذكره المناوي في "فيض القدير" (ج١ ص٢٥) وذكره صاحب "تحفة الأحوذي" في المقدمة ص (٦٦) طبعة هندية. وأما توثيق ابن حبان له فهو معروف بالتساهل، وقد كثر توثيقه للمجهولين، كما بينه الشيخ الألباني في تعليقه على "التنكيل" (ج١ ص٤٣٨) وذكره الحافظ في "مقدمة لسان الميزان". وقد يذكر الرجل في كتاب "الثقات" وفي كتاب "الضعفاء" كما ذكره المعلمي ﵀ (ج١ ص٤٣٦) من "التنكيل". وأما انقطاع الحديث فقد قال الذهبي ﵀ في "الميزان": عبد الحميد ابن زياد بن صيفي بن صهيب قال البخاري: لا يعرف سماع بعضهم من بعض. اهـ وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قال أبوحاتم: شيخ روى له ابن ماجة حديثًا واحدًا. ثم قال الحافظ: قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات".اهـ هذا وقد تقدم الكلام على ما انفرد به ابن ماجة، وأنه لا يعبأ بتوثيق ابن حبان إذا انفرد. ولهم حديث آخر يمكن أن يموهوا به على من لا معرفة له بعلم الحديث، وهو حديث: ((إذا خطب أحدكم المرأة وهو يخضب بالسّواد فليعلمها أنّه يخضب)). قال السيوطي في "الجامع الصغير": رواه الديلمي في "مسند الفردوس"

стр. 44

عن عائشة، ورمز لضعفه، وقال المناوي في "فيض القدير": رواه عنها أيضًا البيهقي وزاد بعد قوله: ((فليعلمها ولا يغرّها))، وفيه عيسى بن ميمون قال البيهقي: ضعيف، وقال الذهبي: متروك. اهـ هذا ولهم شبهة أخرى، وهو فعل بعض السلف ﵏، وما كنت أظن أن يتجاسر مؤمن يؤمن بالله وبقوله تعالى: ﴿لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله (١)﴾. وقوله: ﴿فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٢)﴾. ما كنت أظن أن يتجاسر من يعرف هاتين الآيتين أن يعارض قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقول فلان وفعل فلان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. انتهى،،،،،،،

стр. 45

الرسالة الثالثة: الجمع بين الصلاتين في السفر:

стр. 46

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن شيخنا محمد الأمين المصرى ﵀ قد طلب منا ونحن في الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية أن نكتب في حديث قتيبة بن سعيد الآتي إن شاء الله، ذلك لأنه اختلف أهل العلم ﵏ في صحته وضعفه، بل حكم عليه الحاكم ﵀ بالوضع. فرأيت أن أضمّ إلى المسألة الحديثية مسائل فقهيةً، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاوية ﵁، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدّين)). والفقه فى الدين هو فهم الكتاب والسنة على ما أراده الله بحسب الطاقة البشرية. فجمعت ما تيسر لي في هذا الموضوع. وبما أن حكم بعض المسائل الفقهية يخفى على كثير من الناس، بل ربما يحصل خصام بين سائق السيارة وبعض الركاب من أجل النزول للصلاة في أول الوقت، وأكثرهم لا يدري

стр. 47

أن الجمع جائز في السفر، بل هو السنة إذا جدّ به السير على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله. بما أن الأمر كذلك؛ رأيت أنْ أضمّ إلى هذه الفائدة الحديثية بعض الفوائد الفقهية وأنشرها بين الناس. أسأل الله أن ينفع بها الإسلام والمسلمين، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم إنه جواد كريم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 48

الجمع بين الصلاتين في السفر ١ - قال الإمام البخاري ﵀ (ج٣ص٢٣٦) مع "الفتح": حدثنا إسحاق قال أخبرنا عبد الصمد قال حدثنا حرب قال حدثنا يحيى قال حدثني حفص بن عبد الله بن أنس أن أنسًا ﵁ حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كان يجمع بين الصّلاتين في السّفر يعني المغرب والعشاء. تخريج الحديث: أخرجه عبد الرزاق (ج٢ ص٥٤٥)، وأحمد (ج٣ ص١٣٨، ١٥١) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (ج١ ص١٦٢). ٢ - قال البخاري رحمه الله تعالى (ج٣ ص٢٣٣): حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان قال سمعت الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السّير. تخريج الحديث: أخرجه مسلم (ج٥ ص٢١٤) مع النووي، ومالك في "الموطأ" من حديث نافع عن ابن عمر به (ج١ ص١٦١) مع "تنوير الحوالك"، وابن الجارود ص (٨٧)، وابن خزيمة (ج٢ ص٨١)، والدارمي (ج١ ص٣٣٥)، وأحمد (ج٢ ص٧) من حديث نافع عن ابن عمر به، وص (٨، ٦٣، ١٠٢، ١٠٦، ١٤٨)، والنسائي (ج١ ص١٣٣) وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق (ج٢ ص٥٤٤)، والطحاوي في "معاني الآثار" (ج١ ص١٦١)، والبيهقي (ج٣ ص١٥٩)، وأبونعيم في "الحلية" (ج٩ ص١٦١)، والخطيب (ج٧ ص٢٧).

стр. 49

هذا وللحافظ العراقي ﵀ كلام نفيس في شرح حديثي ابن عمر وأنس فدونكه، قال ﵀ في كتابه "طرح التثريب في شرح التقريب" (ج٣ ص١٢١): باب الجمع في السفر عن سالم، عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدّ به السّير. وعن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا عجل به السّير جمع بين المغرب والعشاء. فيه فوائد: الأولى: أخرجه من الطريق الأولى الشيخان والنسائي من طريق سفيان ابن عيينة بهذا اللفظ، والبخاري أيضًا من طريق شعيب بن أبي حمزة، ومسلم من طريق يونس بن يزيد بلفظ: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أعجله السّير في السّفر يؤخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء)، ثلاثتهم عن الزهري، عن سالم. وأخرجه الزهري (١) من طريق كثير بن قاووند، عن سالم، عن أبيه في جمعه بين الظّهر والعصر، حين كان بين الصّلاتين بين المغرب والعشاء، حين اشتبكت النجوم. وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إذا حضر أحدكم الأمر الّذي يخاف فوته، فليصلّ هذه الصّلاة)).

стр. 50

وأخرجه من الطريق الثانية مسلم، والنسائيّ من طريق مالك، عن نافع. وأخرجه مسلم أيضًا من طريق يحيى القطان، والترمذي من طريق عبدة ابن سليمان، كلاهما عن عبيد الله عن نافع: أنّ ابن عمر كان إذا جدّ به السّير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشّفق. ويقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا جدّ به السّير جمع بين المغرب والعشاء. لفظ مسلم. ولفظ الترمذي: إنّه استغيث على بعض أهله فجدّ به السّير، وأخّر المغرب حتّى غاب الشّفق، ثمّ نزل فجمع بينهما، ثمّ أخبرهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يفعل ذلك إذا جدّ به السّير. وقال: حسن صحيح. ورواه أبوداود من طريق أيوب، عن نافع: أنّ ابن عمر استصرخ على صفيّة وهو بمكّة، فسار حتّى غربت الشّمس وبدت النّجوم، فقال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا عجل به أمر في سفر، جمع بين هاتين الصّلاتين فسار حتّى غاب الشّفق، فنزل فجمع بينهما. رواه النسائي من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا جدّ به السّير، أو حزبه أمر، جمع بين المغرب والعشاء. ومن طريق ابن جابر، عن نافع، عن ابن عمر في خروجه معه إلى صفية بنت أبي عبيد، وفيه: حتّى إذا كان في آخر الشّفق نزل فصلّى المغرب، ثمّ أقام العشاء وقد توارى الشّفق فصلّى بنا، ثمّ أقبل علينا فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا عجل به السّير صنع هكذا. ومن طريق إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ من قريش، عن ابن عمر في

стр. 51

جمعه بين المغرب والعشاء حين ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل. وأخرجه البخاري في (الحج والجهاد) في "صحيحه"، من طريق زيد بن أسلم عن أبيه، قال: كنت مع ابن عمر ﵄ بطريق مكّة، فبلغه عن صفيّة بنت أبي عبيد شدّة وجع، فأسرع السّير، حتّى كان بعد غروب الشّفق نزل فصلّى المغرب والعتمة، جمع بينهما، ثمّ قال: إنّي رأيت النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا جدّ به السّير أخّر المغرب وجمع بينهما. الثانية: قوله في الرواية الأولى: (جدّ به السّير)، أي: اشتدّ به السير. قال في "المحكم": جدّ به الأمر، أي: اشتد. وقال القاضي عياض في "المشارق": جدّ به السّير، أي أسرع وعجل في الأمر الذى يريده. انتهى. وما ذكرته أولى لأنّ الذي في الحديث نسبة الجدّ إلى السير، وفي كلام القاضي نسبة الجد إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاللفظ الواقع في الحديث إمّا أن يراد به الاشتداد كما نقلته عن صاحب "المحكم"، وإمّا أن ينسب الجد إلى السير على سبيل التوسع، والإسراع في الحقيقة إنما هو من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويكون هذا على حد قولهم: (نهاره صائم، وليله قائم)، فينسب الصيام إلى النهار، والقيام إلى الليل لوقوعه فيهما، وفي الحقيقة إنما هو من الفاعل. فمعنى قوله: (جدّ به السير) جدّ في السير. ويوافق هذا قوله في رواية أخرى: إذا جدّ في السير. قال في "الصحاح": الجدّ: الاجتهاد في الأمور، تقول منه: جدّ في الأمر

стр. 52

يجدّ ويجدّ، أي: بكسر الجيم وضمها، وأجدّ في الأمر مثله. قال الأصمعي: يقال: إنّ فلانًا لجادّ مجدّ باللغتين جميعًا. وقال في "المحكم": جدّ في أمره يجدّ ويجدّ جدًّا وأجدّ حقق. وقال في "المشارق": الجدّ المبالغة في الشيء. انتهى. ويأتي هذان الاحتمالان في قوله في الرواية الثانية: (عجل به السير). إمّا أن يضمّن (عجل) معنى اشتد، وإمّا أن تكون نسبة العجل الى إلسير مجازًا وتوسعًا. والأصل: (عجل في السير). الثالثة: فيه جواز الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في هذه الحالة، وهي الجدّ في السفر والاستعجال فيه. وتقدم من "سنن النسائي": الجمع بين الظهر والعصر أيضًا، وفي "الصحيحين" عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس أخّر الظّهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلّى الظّهر ثمّ ركب. وفي رواية للبخاري: كان النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السّفر. وفى رواية لمسلم: كان النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصّلاتين في السّفر، أخّر الظّهر حتّى يدخل أوّل وقت العصر، ثمّ يجمع بينهما. وفي رواية له: إذا عجل عليه السّير، يؤخّر الظّهر إلى أوّل وقت العصر، فيجمع بينهما ويؤخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشّفق. وفي "صحيح البخاري" تعليقًا، و"صحيح مسلم" موصولاً عن ابن عباس:

стр. 53

كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجمع بين صلاة الظّهر والعصر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء. لفظ البخاري. ولم يقل مسلم: إذا كان على ظهر سير، وزاد: (قال سعيد بن جبير: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمّته). فزاد في حديثي أنس وابن عباس: الجمع بين الظهر والعصر، وأما اقتصار ابن عمر ﵄ في الرواية المشهورة عنه على ذكر الجمع بين المغرب والعشاء فسببه أنه ذكر ذلك جوابًا لقضية وقعتْ له، فإنه استصرخ على زوجته فذهب مسرعًا، وجمع بين المغرب والعشاء، فذكر ذلك بيانًا لأنه فعله على وفق السنة. فلا دلالة فيه لعدم الجمع بين الظهر والعصر. فقد رواه أنس وابن عباس ومعاذ وغيرهم من الصحابة ﵃. وفي "صحيح مسلم" وغيره عن معاذ بن جبل ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك، فكان يصلّي الظّهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا. وفي لفظ له: جمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك بين الظّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. زاد في "الموطأ" و"سنن أبي داود" و"النسائي" و"صحيح ابن حبان": فأخّر الصّلاة يومًا، ثمّ خرج فصلّى الظّهر والعصر جميعًا، ثمّ دخل، ثمّ خرج فصلّى المغرب والعشاء جميعًا. قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الإسناد. وفي "سنن أبي داود" و"الترمذي" و"صحيح ابن حبان" وغيرها، عن معاذ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشّمس، أخّر الظّهر

стр. 54

إلى العصر فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشّمس عجّل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء، فصلاها مع المغرب. قال الترمذي: حديث حسن. وقال البيهقي: هو محفوظ صحيح. انتهى. ففي حديث معاذ الجمع بين الظهر والعصر أيضًا، ولم يقيد ذلك بأن يعجل به السفر بل صرّح في رواية "الموطأ" وأبي داود وغيرهما بالجمع وهو غير سائر، بل نازل ماكث في خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعًا، ثم ينصرف إلى خبائه. قال الشافعي ﵀ في "الأم" بعد ذكره هذه الرواية: هذا وهو نازل غير سائر لأن قوله: (دخل ثم خرج)، لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلاً ومسافرًا. انتهى. وفي رواية أبي داود والترمذي وغيرهما التصريح بجمع التقديم والتأخير فى الظهر والعصر، وفي المغرب والعشاء، وقد كانت غزوة تبوك في أواخر الأمر سنة تسع من الهجرة. وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة على أقوال: أحدها: جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بعذر السفر، جمع تقديم في وقت الأولى منهما، وجمع تأخير في وقت الثانية منهما. وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، والجمهور، إلا أن المشهور من مذهب مالك اختصاص الجمع بحالة الجد فى السير، لخوف

стр. 55

فوات الأمر أو لإدراك مهمّ، وبه قال أشهب. وقال ابن الماجشون وابن حبيب وأصبغ: إنّ الجدّ لمجرد قطع السفر مبيح للجمع. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" الجمع بين الصلاتين في السفر عن سعد ابن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبي موسى الأشعري، وأسامة بن زيد، وغيرهم. وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس، وابن عمر، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وأبي ثور، وإسحاق، قال: وبه أقول. وقال البيهقي: الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، مع الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم عن أصحابه، ثم ما أجمع عليه المسلمون من جميع الناس بعرفة ثم بالمزدلفة، وروى في ذلك عن عمر، وعثمان، ثم روى عن زيد بن أسلم، وربيعة، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد أنّهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر، إذا زالت الشمس. وحكاه ابن عبد البر عن عطاء بن أبي رباح، وسالم بن عبد الله، وجمهور علماء المدينة. وحكاه ابن بطال عن جمهور العلماء. وحكاه ابن قدامة في "المغني" عن أكثر أهل العلم. وحكاه أبوالعباس القرطبي عن جماعة السلف وفقهاء المحدثين. القول الثاني: اختصاص ذلك بحالة الجد في السفر لخوف فوات أمر أو لإدراك مهم، وهو المشهور عن مالك، كما تقدم. وتمسك هؤلاء بظاهر حديث ابن عمر هذا، وجوابه أن في حديث غيره زيادة يجب الأخذ بها

стр. 56

وهي الجمع من غير جدّ في السفر. قال ابن عبد البر بعد ذكر حديث معاذ الذي سبق ذكره من "الموطأ" وغيره: في هذا أوضح الدلائل، وأقوى الحجج في الرد على من قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا إذا جدّ به السير. وهو قاطع للإلتباس، قال: وليس فيما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء ما يعارضه لأنه إذا كان له الجمع نازلاً غير سائر، فالذي يجد به السير أحرى بذلك، وإنما يتعارضان لو كان في أحدهما أنه قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا أن يجد به السير. وفي الآخر: أنه جمع نازلاً غير سائر، فإما أن يجمع وقد جدّ به السير، ويجمع وهو نازل لم يجد به السير. فليس هذا بمتعارض عند أحد له فهم. قال: وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة، فكل ما اختلفت فيه من مثله فمردود إليه. وروى مالك عن ابن شهاب أنه قال: سألت سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك. ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة. فهذا سالم قد نزع بما ذكرنا وهو أصل صحيح لمن ألهم رشده، ولم تمل به العصبية إلى المعاندة. انتهى. وحكى أبوالعباس القرطبي عدم اشتراط الجد في السفر عن جمهور السلف، وعلماء الحجاز، وفقهاء المحدثين، وأهل الظاهر. القول الثالث: كالذي قبله في الاختصاص بحالة الجدّ في السفر لكن لا يختص ذلك بأن يكون سبب الجد خوف فوات أمر أو إدراك مهم، بل لو كان الجد لمجرد قطع المسافة كان الحكم كذلك، وهذا قول جماعة من

стр. 57

المالكية، كما تقدم. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن أسامة بن زيد أنّه كان إذا عجل به السّير جمع بين الصّلاتين. وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنّه سئل عن الجمع بين الصّلاتين في السّفر فقال: لا، إلاّ أن تعجلني سير. وحكى ابن عبد البر عن الليث بن سعد أنه لا يجمع إلا من جدّ به السير. وقال أبوبكر بن العربي: إن قول ابن حبيب هذا هو قول الشافعي لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق. انتهى. وفيما قاله نظر فإنّ الماكث في المنْزلة ليس قاطعًا للطريق، وكذلك من هو سائر إلا أنه لا استعجال به، بل هو يسير على هينته، فهو أن يجوّز الشافعي لهما الجمع ولا يجوّزه لهما ابن حبيب ومن قال بقوله، ولعل صاحب هذا القول أسعد بحديث ابن عمر من القول الذي قبله، فإن الذي في حديث ابن عمر اعتبار الجد في السفر من غير سبب مخصوص لذلك، ولا يقال: إنما يكون الجد لخوف فوات أمر أو إدراك مهم، فقد يكون الجد لمجرد قطع المسافة والاستراحة من متاعب السفر. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره فليعجّل إلى أهله))، لكن زاد حديث معاذ على ذلك ببيان الجمع في زمن الإقامة التي لا تقطع اسم السفر فوجب الأخذ به كما تقدم. والله أعلم. القول الرابع: أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا من عذر، رواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز. وحكاه ابن عبد البر عن الأوزاعي وقال: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا جدّ به

стр. 58

السير جمع. قال: وعن الثوري نحو هذا، وعنه أيضًا ما يدل على الجواز، وإن لم يجد السير. انتهى. وفي "مصنف ابن أبي شيبة" عن جابر بن زيد: ما أرى أنْ يجمع بين الصّلاتين إلاّ من أمر. فجعل صاحب هذا القول الجد في السير مثالاً للعذر، والاعتبار بالعذر بأيّ وجه كان، ويقول الجمهور: السفر نفسه عذر ومظنة للرخصة فنيط الحكم بمجرده. والله أعلم. القول الخامس: منع الجمع بعذر السفر مطلقًا وإنما يجوز للنسك بعرفة ومزدلفة، وهذا قول الحنفية، بل زاد أبوحنيفة على صاحبيه وقال: لا يجمع للنسك إلا إذا صلى في الجماعة، فإن صلى منفردًا صلى كل صلاة في وقتها. وقال أبويوسف ومحمد: المنفرد في ذلك كالمصلي جماعة. وحكى ابن قدامة في "المغني" هذا عن رواية ابن القاسم عن مالك واختياره. وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن إبراهيم النخعي قال: كان الأسود وأصحابه ينْزلون عند وقت كل صلاة في السفر، فيصلون المغرب لوقتها، ثم يتعشون، ثم يمكثون ساعة، ثم يصلون العشاء. وعن الحسن وابن سيرين أنّهما قالا: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع. وعن عمر وأبي موسى أنّهما قالا: الجمع بين الصلاتين بغير عذر من الكبائر. وروي هذا مرفوعًا من حديث ابن عباس، رواه الترمذي، وهو ضعيف. وأجاب هؤلاء عن أحاديث الجمع بأن المراد بها أن يصلي الأولى في

стр. 59

آخر وقتها، والأخرى في أول وقتها وهذا مردود بوجهين: أحدهما: أنه وردت الروايات مصرّحةً بالجمع في وقت إحداهما. فمنها ما تقدم من "صحيح مسلم" من حديث ابن عمر: جمع بيْن المغْرب والعشاء بعْد أن يغيب الشّفق. ومنها قوله في حديث أنس: أخّر الظّهر حتّى يدخل أوّل وقت العصر، ثمّ يجمع بينهما. وحديث معاذ صريح في جمعي التقديم والتأخير في الظهر والعصر، وفي المغرب والعشاء. وهذه الأحاديث لا يمكن معها التأويل الذي ذكروه. الثاني: أن الجمع رخصة فلو كان على ما ذكروه، لكان أشد ضيقًا وأعظم حرجًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأنّ الإتيان بكل صلاة في وقتها أوسع من مراعاه طرفي الوقتين، بحيث لا يبقى من وقت الأولى إلا قدر فعلها، ومن تدبر هذا وجده واضحًا كما وصفنا، ثم لو كان الجمع هكذا لجاز الجمع بين العصر والمغرب، والعشاء والصبح. ولا خلاف بين الأمة في تحريم ذلك، والعمل بالأحاديث على الوجه السابق إلى الفهم منها أولى من هذا التكلف الذى لا حاجة إليه. واحتج هؤلاء بما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁، قال: ما صلّى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قطّ صلاةً لغير وقتها إلا ّالمغرب والصّبح بالمزدلفة، فإنّه أخّر المغرب حتّى جمعها مع العشاء، وصلّى الصّبح قبل الفجر. وقالوا: إن مواقيت الصلاة تثبت بالتواتر فلا يجوز تركها بخبر واحد، والجواب عن حديث ابن مسعود أنه متروك الظاهر بالإجماع من وجهين: أحدهما: أنه قد جمع بين الظهر والعصر بعرفة بلا شك، وقد ورد

стр. 60

التصريح بذلك في بعض طرق حديث ابن مسعود فلم يصح هذا الحصر. وثانيهما: أنه لم يقل أحد بظاهره في إيقاع الصبح قبل الفجر، والمراد أنه بالغ في التعجيل، حتى قارب ذلك ما قبل الفجر، ثم إنّ غير ابن مسعود حفظ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الجمع بين الصلاتين في السفر بغير عرفة ومزدلفة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ولم يشهد. وقد روى أبويعلى الموصلي في "مسنده" بإسناد جيد (١) عن ابن مسعود ﵁ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجمع بين الصّلاتين في السّفر. والجواب عن قولهم: لا يترك المتواتر بالآحاد، بأنّا لم نتركها وإنما خصصناها، وتخصيص المتواتر بالآحاد جائز بالإجماع وقد جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد إجماعًا، فتخصيص السنة بالسنة أولى بالجواز، والله أعلم. وذكر الشافعي قول عمر: جمع الصلاتين من غير عذر من الكبائر. وقال: العذر يكون بالسفر والمطر. وليس هذا ثابتًا عن عمر وهو مرسل. القول السادس: جواز التأخير ومنع جمع التقديم. وهو رواية عن أحمد. قال ابن قدامة: وروي نحوه عن سعد، وابن عمر، وعكرمة. قال ابن بطال: وهو قول مالك في "المدونة"، وبهذا قال ابن حزم الظاهري، بشرط الجد في السفر، واعتماد هؤلاء على أن جمع التقديم لم يذكر في حديثي ابن عمر وأنس وإنما ذكر فيهما جمع التأخير، وتأكد ذلك بقوله في حديث أنس:

стр. 61

فإن زاغت قبل أن يرتحل صلّى الظّهر، ثمّ ركب. ولم يذكر صلاة العصر. وجوابه: أنه لا يلزم من عدم ذكرها أن لا يكون صلاها مع الظهر. وقد ورد التصريح بجمع التقديم في حديث معاذ وغيره، فوجب المصير إليه، وحمل بعضهم حديث أنس على أنّ معناه صلى الظهر والعصر، قال: لأنه ﵇ إنما كان يؤخر الظهر إلى العصر إذا لم تزغ الشمس، فكذلك يقدم العصر إلى الظهر إن زاغت الشمس، ذكره ابن بطال. وقد ورد التصريح بذلك من حديث أنس بسند لا بأس به في "معجم الطبراني الأوسط"، ولفظه: إذا كان في سفر فزاغت الشّمس جمع بينهما في أوّل وقت العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء. وحكى ابن العربي أن اللؤلؤي حكى عن أبي داود أنه قال: ليس في تقديم الوقت حديث قائم. . وليس ذلك في روايتنا "لسنن أبي داود" من طريق اللؤلؤي، وضعف ابن حزم حديث معاذ في جمع التقديم، وقد بسطت الرد عليه في ذلك في كراسة كتبتها قديمًا سميتها "الدليل القويم على صحة جمع التقديم". الرابعة: غاية ما دلّ عليه هذا الحديث جواز الجمع، فأما رجحانه وكونه أفضل (١) من إيقاع كل صلاة في وقتها، فلا دلالة فيه عليه، فلعله ﵊ بيّن بذلك الجواز أو فعله على سبيل الترخيص والتوسع، وإن كان الأفضل خلافه. وقد صرح أصحابنا الشافعية بذلك، وقالوا: إنّ ترك الجمع أفضل. وقال الغزالي: إنه لا خلاف في المذهب فيه.

стр. 62

وعللوه بالخروج من الخلاف فإن أباحنيفة وجماعة من التابعين لا يجوزونه، وعن أحمد بن حنبل في ذلك روايتان، وزاد مالك ﵀ على ما قاله أصحابنا من أنّ الأفضل ترك الجمع فقال: إن الجمع مكروه. رواه المصريون عنه، كما قاله ابن العربي، واحتجّ له بتعارض الأدلة وقال ابن شاس في "الجواهر": وقع في "العتبية": (قال مالك: أكره جمع الصلاتين في السفر)، فحمله بعض المتأخرين على إيثار الفضل لئلا يتسهل فيه من لا يشق عليه. وقال ابن الحاجب في "مختصره": لا كراهة على المشهور. وحكى أبوالعباس القرطبي عن مالك رواية أخرى أنه كره الجمع للرجال دون النساء. وقال الخطابي: كان الحسن ومكحول يكرهان الجمع في السفر بين الصلاتين. انتهى. فإن أراد بالكراهة التحريم، فهو القول الخاص المحكي في الفائدة الثالثة. وإن أراد التنْزيه فهو موافق لهذا المحكي عن مالك. الخامسة: لم يبيّن في حديث ابن عمر ولا في غيره من الأحاديث هل كان يفعل ذلك في كل سفر، أو كان يخص به السفر الطويل، وهو سفر القصر، لكن قد يقال: إن الظاهر من الجدّ في السفر أنه إنما يكون فى الطويل، والحقّ أن هذه واقعة عين محتملة، فلا يجوز الجمع في السفر القصير، مع الشك في ذلك. ومذهب مالك أنه لا يختص ذلك بالطويل، ومذهب أحمد بن حنبل اختصاصه به، وللشافعي في ذلك قولان أصحهما اختصاصه بالطويل والله أعلم. كلامه ﵀. ولنرجع إلى سرد الأدلة بأسانيدها إن شاء الله:

стр. 63

٣ - مسلم (ج٥ ص٢١٥ و٢١٦): حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد -يعني ابن الحارث- حدثنا قرة حدثنا أبوالزبير حدثنا سعيد بن جبير حدثنا ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين الصّلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظّهر والعصر، والمغْرب والعشاء، قال سعيد: فقلْت لابن عبّاس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحْرج أمّته. تخريج الحديث: ذكره ابن خزيمة (ج٢ ص٨٢) عقب حديث فيه الجمع، ثم قال بمثل ذلك. وأبوداود (ج١ ص٢٧٦)، وأحمد (ج١ ص٢١٧و٣٥١)، والبخاري تعليقًا (ج٣ ص٢٣٤) قال: وقال إبراهيم بن طهمان عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس به. وقد وصله البيهقي (ج٣ ص١٦٤). ٤ - مالك في "الموطأ" (ج١ ص١٦٠): عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يجْمع بين الظّهر والعصر في سفره إلى تبوك. تخريج الحديث: أخرجه عبد الرزاق (ج٢ ص٥٤٥). والحديث رجاله رجال الصحيح إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، كما في "تنوير الحوالك". وقد قال ابن عبد البر في "التمهيد" (ج٢ ص٣٣٧): حديث رابع لداود مرسل من وجه، متصل من وجه صحيح، ثم ذكره مرسلاً ومتصلاً. فهو ﵀ في الترجمة يحكم له بالصحة. ٥ - مسلم (ج٥ ص٢١٦): حدثني يحيى بن حبيب حدثنا خالد -يعني ابن الحارث- حدثنا قرة بن خالد حدثنا أبوالزبير حدثنا عامر بن واثلة أبوالطفيل حدثنا معاذ بن جبل، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزْوة تبوك بيْن الظّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قال: فقلْت: ما حمله

стр. 64

على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحْرج أمّته. تخريج الحديث: أخرجه ابن خزيمة (ج٢ ص٨١)، وابن حبان (ج٣ ص٨٩)، وعبد الرزاق (ج٢ ص٥٤٥)، والطيالسي (ج١ ص١٢٦) من "ترتيب المسند"، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤٥٦)، وابن ماجة (ج١ ص٣٤٠)، وأحمد (ج٥ ص٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣٦)، والبيهقي (ج٣ ص ١٦٢)، والطحاوي في "معاني الآثار" (ج١ ص١٦٠). ٦ - قال الإمام أبوبكر بن أبي شيبة في "المصنف" (ج٢ ص٤٥٨): حدثنا بكر بن عبد الرحمن قال ثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن أبي قيس، عن هزيل، عن عبد الله بن مسعود، أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع بين الصّلاتين في السّفر. هذا حديث ضعيف، في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي وقد ضعّف من أجل سوء حفظه. تخريج الحديث: أخرجه أبويعلى في "المسند" (ج٩ ص٢٨٤) وسقط من سنده هزيل الراوي عن ابن مسعود، جزمنا بأنه سقط، لأن الحديث مرويّ من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة. وأخرجه البزار كما في "كشف الأستار" (ج١ ص٣٣٠). وأخرجه أبوداود الطيالسي ص (٤٩)، قال: حدثنا شعبة، عن أبي قيس قال: سمعت الهزيل، قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فأخّر الظّهر، وعجّل العصر، وجمع بينهما، وأخّر المغرب، وعجّل العشاء، وجمع بينهما. لم يقل شعبة فيه: (عن عبد الله). قال: وروى عن ابن أبي ليلى أنه وصله إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال أبوعبد الرحمن: فإرسال شعبة للحديث يزيد حديث ابن أبي ليلى

стр. 65

الموصول ضعفًا، إذ وصْله يعتبر منكرًا، وأما قول الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص١٥٩): (إنّ رجال أبي يعلى رجال الصحيح) فوهم واضح، لأنّ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ليس من رجال الصحيح كما في "تهديب التهذيب" و"الميزان"، وما رمزا له إلا "بالسنن".

стр. 66

جواز الجمع بين الصلاتين وإن لم يجد به السير تقدمت الأحاديث الدالة على جواز الجمع، وسيأتي مزيد لها إن شاء الله، وقد ورد في السنة المطهرة مايدل على جواز الجمع وإن كان نازلاً. قال الإمام مسلم ﵀ (ج١٥ ص٤٠): حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي حدثنا أبوعلي الحنفي حدثنا مالك وهو ابن أنس عن أبي الزبير المكي أنّ أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره أن معاذ بن جبل أخبره قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصّلاة، فصلّى الظّهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، حتّى إذا كان يومًا أخّر الصّلاة، ثمّ خرج فصلّى الظّهر والعصر جميعًا، ثمّ دخل، ثمّ خرج بعد ذلك فصلّى المغرب والعشاء جميعًا، ثمّ قال: ((إنّكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنّكم لن تأتوها حتّى يضحي النّهار، فمن جاءها منكم فلا يمسّ من مائها شيئًا حتّى آتي))، فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشّراك تبضّ (١) بشيء من ماء، قال: فسألهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((هل مسستما من مائها شيئًا))؟ قالا: نعم، فسبّهما النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال لهما ما شاء الله أن يقول، قال: ثمّ غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً، حتّى اجتمع في شيء، قال: وغسل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه يديه ووجهه، ثمّ أعاده فيها،

стр. 67

فجرت العين بماء منهمر، أو قال: غزير -شكّ أبوعليّ أيّهما قال- حتّى استقى النّاس، ثمّ قال: ((يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا)). تخريج الحديث: الحديث أخرجه ابن خزيمة (ج٢ ص٨٢)، وابن حبان (ج٣ ص٩٢)، والنسائي (ج١ ص٢٢٩)، ومالك (ج١ ص١٦٠)، والدارمي (ج١ ص٣٥٦)، والشافعي في "الأم" (ج١ ص٦٦)، وعبد الرزاق (ج٢ ص٥٤٥)، وأحمد (ج٥ ص٢٣٧)، والبيهقي (ج٣ ص١٦٢). بعض هؤلاء اقتصر على حكم الجمع بين الصلاتين وهو نازل، وبعضهم ذكر الحديث بتمامه. ونقل الحافظ العراقي ﵀ في "شرح التقريب" (ج٣ ص١٢٤و ١٢٥) كلامًا حسنًا، وقد تقدم، والحمد لله.

стр. 68

جمع التأخير ١ - قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى (ج٣ ص٢٢٦): حدثنا أبواليمان قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سالم عن عبد الله ابن عمر ﵄ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أعجله السّير في السّفر يؤخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء. تخريج الحديث: أخرجه مسلم (ج٥ ص٢١٤)، وابن خزيمة من حديث نافع بمعناه، والنسائي (ج١ ص٢٢٩)، والترمذي من حديث نافع به، والشافعي في "الأم" (ج١ ص٦٧) من حديث إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذئب الأسدي عن ابن عمر به، وعبد الرزاق (ج٢ ص٥٤٦، ٥٤٧) من طرق عن نافع به، وأحمد (ج٢ ص٤، ١٢، ٥١، ٥٤، ٧٧، ٨٥، ١٥٠)، والطحاوي (ج١ ص١٦٢)، والدارقطني (ج١ ص٣١٩)، والبيهقي (ج٣ ص١٥٩ و١٦٠). وجملة الذين رووه عن عبد الله بن عمر فيما اطلعت عليه: (١) سالم (٢) نافع (٣) إسماعيل بن عبد الرحمن (٤) أسلم مولى عمر (٥) عبد الله بن دينار والمعنى واحد. ٢ - قال البخاري ﵀ (ج١ ص٢٣٦): حدثنا حسان الواسطي قال حدثنا الفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس أخّر الظّهر إلى

стр. 69

وقت العصر، ثمّ يجمع بينهما، وإذا زاغت صلّى الظّهر ثمّ ركب. تخريج الحديث: أخرجه مسلم (ج٥ ص٢١٤)، وابن خزيمة (ج٢ ص٨٣)، وابن حبان (ج٣ ص٩٠) وعنده: (وإذا زاغتْ قبل أن يرتحل صلّى ثم رحل)، وأبوداود (ج١ ص٢٧٨)، والنسائي (ج١ ص٢٢٩)، وأحمد (ج٣ ص٢٤٧و٢٦٥)، وأبونعيم في "الحلية" (ج٨ ص٣٢١)، والدارقطني (ج١ ص٣٩٠)، والبيهقي (ج٣ ص١٦١). ٣ - قال البخاري ﵀ (ج٤ ص٢٧٠): حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما أنه يقول: دفع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عرفة، فنزل الشّعب، فبال ثمّ توضّأ، ولم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصّلاة؟ فقال: ((الصّلاة أمامك)) فجاء المزدلفة نزل فتوضّأ فأسبغ، ثمّ أقيمت الصّلاة، فصلّى المغرب، ثمّ أناخ كلّ إنسان بعيره في منْزله، ثمّ أقيمت الصّلاة فصلّى، ولم يصلّ بينهما. تخريج الحديث: أخرجه مسلم (ج٩ ص٣) وأبوداود (ج١ ص٤٤٧) والنسائي (ج٥ ص٢٠٩). هذا والأحاديث في جمعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمزدلفة عن جماعة من الصحابة منهم: أبوأيوب وابن عمر كما في "الصحيح" فشهرتها تغني عن تخريجها.

стр. 70

جمع التقديم ٤ - قال الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه" (ج٤ ص٢٦٠): باب الجمع بين الصّلاتين بعرفة، وكان ابن عمر ﵄ إذا فاتته الصّلاة مع الإمام جمع بينهما. وقال الليث (١): حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم أنّ الحجّاج بن يوسف عام نزل بابن الزّبير ﵄، سأل عبد الله ﵁ كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السّنّة فهجّر بالصّلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر: صدق، إنّهم كانوا يجمعون بين الظّهر والعصر في السّنّة. فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ فقال سالم: وهل تتّبعون في ذلك إلا سنّته؟. ٥ - أبوداود (ج١ ص٤٤٥): حدثنا أحمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني نافع، عن ابن عمر قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منًى حين صلّى الصّبح صبيحة يوم عرفة، حتّى أتى عرفة فنزل بنمرة، وهي منْزل الإمام الّذي ينْزل به بعرفة، حتّى إذا كان عند صلاة الظّهر راح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مهجّرًا، فجمع بين الظّهر والعصر، ثمّ

стр. 71

خطب النّاس، ثمّ راح فوقف على الموقف من عرفة. هذا حديث حسن لتصريح ابن إسحاق بالتحديث. ٦ - قال الإمام مسلم في "صحيحه" (ج٨ ص١٧٠): حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم قال أبوبكر حدثنا حاتم ابن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله. وذكر الحديث وفيه صفة حجة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وفيه: حتّى أتى عرفة فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشّمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطْن الوادي فخطب النّاس -وذكر الخطبة، وبعدها:- فأذّن ثمّ أقام فصلّى الظّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصلّ بينهما شيئًا. وذكر الحديث. فلو لم يكن في الباب إلا هذه الأحاديث لكانت كافية في جمع التقديم، كيف وقد تقدم عمومات في الفصل الأول. وستأتي أحاديث صريحة إن شاء الله في ذلك. ٧ - قال الإمام أحمد بن الحسين البيهقي ﵀ في "سننه" (ج٣ ص١٦٢): حدثنا أبوعمرو الأديب حدثنا أبوبكر الإسماعيلي أنبأ جعفر الفريابي حدثنا إسحاق بن راهويه أنبأ شبابة بن سوار عن ليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كان في سفر فزالت الشّمس صلّى الظّهر والعصر جميعًا ثمّ ارتحل. قال الحافظ في "التلخيص" (ج٢ ص٤٩): وإسناده صحيح قاله النووي.

стр. 72

وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق. وعزاه في "بلوغ المرام" إلى أبي نعيم في "المستخرج" ثم قال في "التلخيص" بعد قوله (في ذهني أنّ أبا داود أنكره على إسحاق): ولكن له متابع رواه الحاكم في "الأربعين" عن أبي العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق الصغاني عن حسان بن عبد الله، عن المفضل بن فضالة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس أخّر الظّهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل فجمع بينهما فإن زاغت الشّمس قبل أن يرتحل صلّى الظّهر والعصر، ثمّ ركب. وهو في "الصحيحين" من هذا الوجه بغير هذا السياق وليس فيهما: (والعصر)، وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه لم يورده في "المستدرك". وقال في "بلوغ المرام": وللحاكم في "الأربعين" بإسناد صحيح، فذكره، وهذا يدل على جزمه بصحة ما في "الأربعين" للحاكم. وأما في "الفتح" (ج٣ ص٢٣٧) فقد تردد في ثبوتها، فلعله اطلع على سندها بعد ذلك بدليل جزمه في "بلوغ المرام" وفي "التلخيص". ثم قال في "التلخيص": وله طريق رواه الطبراني في "الأوسط". حدثنا محمد بن إبراهيم بن نصر بن شبيب الأصبهاني حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا محمد بن سعد ثنا ابن عجلان عن عبد الله بن الفضل، عن أنس بن مالك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا

стр. 73

كان في سفر فزاغت الشّمس قبل أن يرتحل صلّى الظّهر والعصر جميعًا، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشّمس جمع بينهما في أوّل العصر، وكان يفعل ذلك في المغرب والعشاء. وقال: تفرد به يعقوب بن محمد (١). ٨ - قال الإمام الترمذي ﵀ (ج١ ص٣٨٦): حدثنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشّمس، أخّر الظّهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشّمس، عجّل العصر إلى الظّهر، وصلّى الظّهر والعصر جميعًا، ثمّ سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى يصلّيها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب. قال: وفي الباب عن عليّ، وابن عمر، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وعائشة، وابن عبّاس، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله. قال أبوعيسى: وروى عليّ بن المديني عن أحمد بن حنبل عن قتيبة هذا الحديث، وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة عن الليث، ولا نعرف أحدًا رواه عنه غيره، وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي

стр. 74

الطفيل عن معاذ حديث غريب. والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع في غزوة تبوك بين الظّهر والعصر وبين المغرب والعشاء. رواه قرة بن خالد، وسفيان الثوري، ومالك، وغير واحد عن أبي الزبير المكي. تخريج الحديث: أخرجه أبوداود (ج١ ص٢٧٨)، وقال: لم يرو هذا إلا قتيبة وحده. وابن حبان (ج٣ ص٩١)، وقال عقبه: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: عليه علامة الحفاظ، كتبوا عني هذا الحديث أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والحميدي، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوخيثمة، حتى عدّ سبعة (١). وأخرجه أحمد (ج٥ ص٢٤١)، والدارقطني (ج١ ص٣٩٢)، والبيهقي (ج٣ ص١٦٣) وذكر عقبه ما سنذكره إن شاء الله من كلام البخاري ﵀، والطبراني في "الصغير" (ج ص٢٣٤) وقال: لا يروى هذا الحديث عن معاذ إلا بهذا الإسناد تفرد به قتيبة. فائدة: قال المباركفوري ﵀ في حديث عبد الله بن عمرو: فلينظر من أخرجه؟ فوجدته في مسند أحمد (ج٢ ص١٨١) وص (٢٠٤)، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" (ج٢ ص٤٥٨) من طريق حجاج أيضًا. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص١٠٨): فيه الحجاج بن أرطأة وفيه كلام.

стр. 75

الطاعنون في حديث قتيبة ١ - تقدم قول الترمذي رحمه الله تعالى: والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير إلى آخر كلامه ﵀. ٢ - ذكر الحافظ في "التلخيص" (ج٢ ص٤٩) أن أبا داود قال: إنه حديث منكر وليس في جمع التقديم حديث قائم. وأقول: ينظر في صحة هذا عن أبي داود فإن الأحاديث الثابتة في جمعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم عرفة في الصحيحين وغيرهما. ٣ - قال الحافظ في "التلخيص": وقال أبوسعيد بن يونس: لم يحدثْ بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه، فغير بعض الأسماء وإن موضع يزيد بن حبيب، أبوالزبير. ٤ - الحاكم أبوعبد الله جعله مثالاً للشاذ، فقال ﵀ بعد ذكره بالسند المتقدم: هذا حديث رواية أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها، ولو كان الحديث عند الليث عن أبي الزبير عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عند يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا به، فلما لم نجد له العلتين خرج عن أن يكون معلولاً، ثم نظرنا فلم نجدْ ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل روايةً، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عند أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عند
следующие страницы →