← Фикх общий

Фикх общий · id 96787

مجموعة رسائل علمية

مقبل بن هادي الوادعي

Полный текст (270 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرسالة الأولى: شرعية الصلاة بالنعال:

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيّها الّذين ءامنوا اتّقوا الله (١) الّذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا. يا أيّها الّذين ءامنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون يا أيّها الّذين ءامنوا اتّقوا الله وقولوا قولاً سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد: فإن كثيرًا من السنن قد جهلها كثير من الناس ثم هجروها، ثم أصبحوا ينقمون على من عمل بها ويريد إحياءها، ويرمونه بالضلال البعيد. ومن هذه السنن الصلاة في النعال، فقد تواتر أنّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى في نعليه، والله يقول: لقد كان لكم في رسول الله أسوة

стр. 3

حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر (١). وثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بالصلاة في النعال، والله يقول: وما ءاتاكم الرّسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (٢). ويقول: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبينًا (٣). ويقول تعالى: فليحذر الّذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٤). لذلك رأيت أن أجمع بعض ما وقفت عليه من الأحاديث في شرعية الصلاة في النعال. والله الموفق للصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 4

الأدلة على شرعية الصلاة في النعال الحديث الأول: قال الإمام البخاري ﵀ في "صحيحه" (ج١ ص٤٩٤): حدثنا آدم ابن أبي إياس، قال: ثنا شعبة، قال أخبرنا أبومسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال: سألت أنس بن مالك: أكان النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي في نعليه؟ قال: نعم. الحديث رواه مسلم (ج٥ ص٤٢) -مع "النووي"- والترمذي (ج١ ص٣١٠) -مع "تحفة الأحوذي"- وقال: حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم، والنسائي (ج٢ ص٥٨)، وابن الجارود ص (٦٨)، وأحمد (ج٣ ص١٠٠، ١٦٦، ١٨٩)، وأبوداود الطيالسي (ج١ ص٨٤)، والدارمي (ج١ ص٣٢٠)، وابن سعد (ج١ ص٥١١)، والبيهقي (ج٢ ص٤٣١). الحديث الثاني: قال الإمام مسلم في "صحيحه" (ج١ ص٣٩٠) رقم (٥٥٤): حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا كهمس عن يزيد بن عبد الله بن الشّخّير عن أبيه قال: صلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرأيته تنخّع فدلكها بنعله. وحدثني يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن الجريري عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشّخّير عن أبيه، أنّه صلّى مع النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: فتنخّع فدلكها بنعله اليسرى.

стр. 5

الحديث الثالث: قال عبد الرزاق في "المصنف" (ج١ ص٣٨٤): عن معمر عن سعيد الجريري عن أبي العلاء (١) بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي في نعليه. الحديث رجاله رجال الصحيح. الحديث الرابع: قال ابن ماجه (ج١ ص٣٣٠): حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة ثنا غندر عن شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أبي أوس قال: كان جدّي أوس أحيانًا يصلّي فيشير إليّ وهو في الصّلاة فأعطيه نعليه ويقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي في نعليه. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" ص (١٢٥): هذا إسناد صحيح. ورواه ابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٥)، والطحاوي (ج١ ص ٥١٢)، وأحمد (ج٤ ص ٨، ٩، ١٠). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص٥٥): رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات. الحديث الخامس: قال أحمد (ج٢ ص٤٢٢): حدثنا عفان قال: حدثنا أبوعوانة قال: ثنا عبد الملك بن عمير عن رجل من بني الحارث بن كعب قال: كنت جالسًا عند أبي هريرة، فأتاه رجل فسأله فقال: يا أبا هريرة أنت نهيت النّاس أن يصوموا يوم الجمعة؟ قال: لا لعمر الله، غير أنّي وربّ هذه الحرمة لقد

стр. 6

سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا يصومنّ أحدكم يوم الجمعة إلا في أيّام يصومه فيها)) فجاء آخر فقال: يا أبا هريرة أنت نهيت النّاس أن يصلّوا في نعالهم؟ قال: لا لعمر الله، غير أنّي وربّ هذه الحرمة لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي إلى هذا المقام وإنّ عليه نعليه، ثمّ انصرف وهما عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. الحديث أخرجه أيضًا في مواضع ص (٣٤٨، ٣٦٥، ٣٧٧، ٤٥٨ ٥٣٧)، وفي بعض الطرق التصريح بالمبهم أنه (أبوالأوبر زياد الحارثي)، وأخرجه عبد الرزاق (ج١ ص٣٨٥)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٥)، والطحاوي (ج١ ص٥١١). الحديث رجاله رجال الصحيح إلا زياد الحارثي أبا الأوبر، وقد وثقه ابن معين وابن حبان كما في "تعجيل المنفعة". وأما قول الحافظ الهيثمي ﵀ في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص٥٤): (رجاله ثقات، خلا زياد الأوبر الحارثي، فإني لم أجد من ترجمه بثقة ولا بضعف) فهو متعقّب بما ذكره الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" من توثيق ابن معين وابن حبان له. الحديث السادس: قال ابن ماجه (ج١ ص٣٣٠): حدثنا علي بن محمد ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن أبي إسحاق عن علقمة عن عبد الله قال: لقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي في النّعلين والخفّين. الحديث رواه أيضًا أبوداود الطيالسي (ج١ ص٨٤)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٦) وأحمد (ج١ ص٤٦١)، والطحاوي (ج١ ص ٥١١). وعند بعضهم التصريح أن أبا إسحاق لم يسمعه من علقمة. قال البوصيري في "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه" ص (١٢٥): هذا إسناد فيه أبوإسحاق السبيعي اختلط بآخره، وزهير هو ابن معاوية بن خديج، روى عنه في اختلاطه، قاله أبوزرعة.

стр. 7

فالحديث بهذا السند ضعيف، لكنه يصلح للاستشهاد به. الحديث السابع: قال أبوداود (ج١ ص٢٤٧، ٢٤٨): حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا علي ابن المبارك عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي حافيًا ومنتعلاً. الحديث أخرجه ابن ماجه (ج١ ص٣٣٠) وأحمد (ج٢ ص١٧٤، ١٧٨، ١٧٩، ١٩٠، ٢١٥)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٥)، وابن سعد (ج١ ق٢ ص١٦٨)، والطحاوي (ج١ ص٥١٢)، والبيهقي (ج١ ص٤٢١). والحديث حسن (١). الحديث الثامن: قال أحمد (ج٤ ص٣٠٧): حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن السدي عن من سمع عمرو بن حريث قال: صلّى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نعليه -وفي طريق أخرى- في نعلين مخصوفين. الحديث أخرجه الترمذي في "الشمائل" ص (٦٢)، وعبد الرزاق (ج١ ص٣٨٦)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٥)، وابن سعد (ج١ ق٢ ص١٦٧)، والطحاوي (ج١ ص٥١٢). والحديث في سنده مبهم. قال الشارح للشمائل: قال القسطلاني: ولم أر في رواية التصريح باسم من حدّث

стр. 8

السّدي (١)، وأظنه عطاء بن السائب، فإنه اختلط آخرًا، والسّدي ممن سمع منه بعد الاختلاط، فأبْهمه لئلا يفطن له. الحديث التاسع: قال البيهقي (ج٢ ص٤٢٠): أنبأ أبوبكر بن الحارث الفقيه أنبأ أبومحمد ابن حيان ثنا علي بن سعيد ثنا محمد بن سنان القزاز (٢) ثنا أبوغسان العنبري ثنا شعبة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي في نعلين مخصوفتين من جلود البقر. الحديث قال البيهقي: تفرّد به أبوغسان يحيى بن كثير العنبري كما أعلم. الحديث العاشر: قال أحمد (ج٣ ص٥٠٢): حدثنا يونس بن محمد قال: ثنا العطاف قال: حدثني مجمع بن يعقوب عن غلام من أهل قباء أنه أدركه شيخًا أنه قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقباء فجلس في فيء الأحمر، واجتمع إليه ناس، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسقي فشرب وأنا عن يمينه، وأنا أحدث القوم فناولني فشربت وحفظت أنّه صلّى بنا يومئذ الصّلاة وعليه نعلاه لم ينْزعهما. الحديث أخرجه أيضًا (ج٤ ص٢٢١، ٣٣٤)، وأخرجه الطحاوي (ج١ ص٥١٢) وذكر بين مجمع بن يعقوب والصحابيّ محمد بن إسماعيل، وسمى الصحابيّ عبد الله بن أبي حبيبة، وابن سعد (ج١ ق٢ ص١٦٧).

стр. 9

وقال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص٥٣): رواه أحمد، وسماه عبد الله بن أبي حبيبة في رواية أخرى، وكذلك رواه الطبراني في "الكبير"، ورجال أحمد موثقون. الحديث الحادي عشر: قال البيهقي (ج٢ ص٤٣١): أنبأ أبوالحسين بن بشران العدل ببغداد أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار ثنا سعدان بن نصر ثنا أبوبدر عن زياد بن خيثمة عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله بن عطاء عن عائشة ﵂ قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي حافيًا ومنتعلاً، ويشرب قائمًا وقاعدًا، وينصرف عن يمينه وعن شماله، ولا يبالي أيّ ذلك كان. الحديث قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص٥٥): رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات. إلا أن في "المجمع" بدل: (وينصرف عن يمينه) .. إلى آخره، (وينفتل). الحديث الثاني عشر: قال الطحاوي (ج١ ص٥١٢): حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبوربيعة قال: ثنا حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطأة عن عبد الملك عن سعيد بن فيروز عن أبيه، أنّ وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالوا: فرأيناه يصلّي، وعليه نعلان مقابلتان (١). الحديث في سنده الحجاج بن أرطاة وهو مدلس. لكن قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (ج٢ ص٥٥): رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات. فلينظر هل له طريق أخرى؟ أم صرح الحجاج بالتحديث؟ أم تساهل

стр. 10

الحافظ الهيثمي ﵀ (١). الحديث الثالث عشر: قال عبد الرزاق (ج١ ص٣٨٦): عن عبد الله بن عبد الرحمن (٢) بن يزيد قال: حدثني محمد بن عباد بن جعفر عن شيخ منهم قال: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي في نعليه، وأشار إلى المقام. الحديث الرابع عشر: قال أبوداود (ج١ ص٢٤٧): حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن هلال بن ميمون الرملي عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((خالفوا اليهود، فإنّهم لا يصلّون في نعالهم ولا خفافهم)). الحديث رواه ابن حبان كما في "موارد الظمآن" ص (١٠٧) وفيه زيادة: ((والنصارى))، والبيهقي (ج٢ ص٤٣٢)، والحاكم (ج١ ص٢٦) قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي. وقال الحافظ العراقي: إنّ سنده حسن. كما في "فيض القدير". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج٧ ص٣٤٨) بلفظ: ((صلّوا في نعالكم ولا تشبّهوا باليهود)). الحديث الخامس عشر: قال الحاكم (ج١ ص١٣٩): حدثنا محمد بن صالح وإبراهيم بن عصمة قالا: حدثنا السري بن خزيمة ثنا موسى بن إسماعيل. وأنبأ أبوالوليد الفقيه

стр. 11

ثنا الحسن بن سفيان ثنا إبراهيم بن الحجاج قالا: ثنا عبد الله بن المثنى الأنصاري عن ثمامة عن أنس أنّ النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يخلعْ نعليه في الصّلاة قطّ، إلاّ مرّةً واحدةً، خلع فخلع النّاس، فقال: ((ما لكم))؟ قالوا: خلعت فخلعنا. فقال: ((إنّ جبرئيل أخبرني أنّ فيهما قذرًا أو أذًى)). الحديث قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بعبد الله بن المثنى ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي. وقال الحافظ الهيثمى في "مجمع الزائد" (ج٢ ص٥٦): رواه الطبراني في "الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار باختصار. الحديث السادس عشر: قال الحاكم (ج١ ص١٨١): حدثنا أبوجعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي ثنا المقدام بن داود عن تليد الرعيني ثنا عبد الغفار بن داود الحراني ثنا حماد بن سلمة عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت عن أنس أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا توضّأ أحدكم ولبس خفّيه فليصلّ فيهما، وليمسحْ عليهما، ثمّ لا يخلعهما إن شاء إلاّ من جنابة)). هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وعبد الغفار بن داود ثقة، غير أنه ليس عند أهل البصرة عن حماد. اهـ الحديث أخرجه البيهقي (ج١ ص٢٧٩) وذكر لعبد الغفار متابعًا، وهو أسد بن موسى الذي يقال له: أسد السنة. والحديث شاذ. قال الحافظ البيهقي: قال ابن صاعد: وما علمت أحدًا جاء به إلا أسد بن موسى. قال البيهقي ﵀: وقد تابعه في الحديث المسند عبد الغفار بن داود الحراني، وليس عند أهل البصرة عن حماد، وليس بمشهور والله أعلم. اهـ

стр. 12

هذا وقد تركت جملةً من الأحاديث الدالة على شرعية الصلاة في النعال من "مجمع الزوائد" و"مصنف عبد الرزاق" وغيرهما لما فيهما من الكلام، على أن بعضها يصلح في الشواهد والمتابعات. ولا سيّما وقد صرح الطحاوي في "معاني الآثار" (ج١ ص٥١١) أنّ الأحاديث الدالة على شرعية الصلاة في النعال متواترة، فقال: فقد جاءت الآثار أن الأحاديث الدالة على شرعية الصلاة -أي في النعال- متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما ذكر عنه من صلاته فى نعليه، ومن خلعه إياهما في وقت ما خلعهما للنجاسة التي كانت فيهما، ومن إباحة الصلاة في النعال. اهـ والعلماء رحمهم الله تعالى لا يشترطون في المتواتر أن تكون كلّ طريق صحيحةً أو حسنةً، بل يذكرون ما ورد من صحيح وحسن وضعيف.

стр. 13

باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما ؟ الحديث الأول: قال أبوداود (ج٢ ص٢٤٨): حدثنا الحسن بن علي ثنا عثمان بن عمر ثنا صالح بن رستم أبوعامر عن عبد الرحمن بن قيس (١) عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا صلّى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره، فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه)). الحديث أخرجه ابن حبان كما في "موارد الظمآن" ص (١٠٧)، والحاكم (ج١ ص٢٥٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والبيهقي (ج٢ ص٤٣٢). الحديث الثاني: قال أبوداود (ج١ ص٢٤٦): حدثنا مسدد ثنا يحيى عن ابن جريج حدثني محمد بن عباد بن جعفر عن ابن سفيان (٢) عن عبد الله بن السائب قال: رأيت النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره.

стр. 14

الحديث رجاله رجال الصحيح. وأخرجه النسائي (ج٢ ص٥٨)، وابن ماجه (ج١ ص٤١٦)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٨)، والحاكم (ج١ ص٢٥٩)، والبيهقي (ج٢ ص٤٣٢). الحديث الثالث: قال أبوداود (ج١ ص٢٤٨): حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ثنا بقية وشعيب بن إسحاق عن الأوزاعي حدثني محمد بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا صلّى أحدكم فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحدًا، ليجعلهما بين رجليه أو ليصلّ فيهما)). الحديث أخرجه ابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٨)، والطبراني في "الصغير" (ج٢ ص٨)، والحاكم (ج١ ص٢٥٩)، والبيهقي (ج٢ ص٤٣٢). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي. الحديث الرابع: قال ابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٨): حدثنا عفان قال: ثنا حماد بن سلمة قال: ثنا أبونعامة السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي، فخلع نعليه فوضعهما عن يساره. الحديث على شرط مسلم.

стр. 15

باب طهارة الخف والنعل الحديث الأول: قال أبوداود (ج١ ص١٤٨): حدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني محمد بن كثير -يعني الصنعاني- عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا وطئ الأذى بخفّيه فطهورهما التّراب)). الحديث أخرجه ابن خزيمة (ج١ ص١٤٨)، وابن حبان كما في "موارد الظمآن" ص (٨٥)، والحاكم (ج١ ص١١) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم. والبيهقي (ج٢ ص٤٣٠)، وابن حزم في "المحلى" (ج١ ص٩٣) (١). الحديث الثاني: قال أبوداود (ج١ ص٢٤٧): حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد بن زيد عن أبي نعامة السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلّي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلمّا رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلمّا قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاته، قال: ((ما

стр. 16

حملكم على إلقائكم نعالكم))؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أنّ فيهما قذرًا أو قال: أذًى)) وقال: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلّ فيهما)). الحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (ج١ ص٣٨٤)، وابن حبان كما في "موارد الظمآن" ص (١٠٧)، وأحمد في "المسند" (ج٣ ص٢٠)، والحاكم (ج١ ص٢٦٠)، وعبد الرزاق (ج١ ص٣٨٨)، وابن أبي شيبة (ج٢ ص٤١٦)، وأبوداود الطيالسي (ج١ ص٨٤)، والدارمي (ج١ ص٣٢)، والطحاوي (ج١ ص٥١١)، والبيهقي (ج٢ ص٤٣١)، وابن حزم في "المحلى" (ج١ ص٩٣). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي (١).

стр. 17

أضرار ترك الصلاة في النعال أولاً: من أعظم أضرار ترك الصلاة في النعال، أن أكثر المسلمين أصبحوا جاهلين بهذه السنة، ويرون أن الذي يصلي في نعليه قد ارتكب جرمًا عظيمًا، ويستحلّون منه ما يستحلّون من ذوي الجرائم الكبرى. ولقد سمعت وأنا باليمن سادن (١) مسجد يقول: إن رجلاً كان في السعودية، ثم عاد إلى البلاد، فهو يريد أن يدخل المسجد، قال: فقلت: والله لو تدخل المسجد بنعليك لكسرت رجلك. وهو يدّعي أنه من أهل العلم، مع أنه جاهل بمذهبه. فقد قال الشوكاني ﵀ (٢) في الكلام على شرعية الصلاة فى النعال: وممن ذهب إلى الإستحباب: الهادوية، وإن أنكر ذلك عوامهم. قال الإمام المهدي في "البحر": مسألة: وتستحب في النعل الطاهر لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((صلّوا في نعالكم))، الخبر. اهـ ورأيت جماعةً في الحرم المكي قد اجتمعوا على رجل تحت المكبّرة ينكرون عليه صلاته في النعال، فقال أحدهم: هذا شيطان -يعني المصلي في نعليه-. وللأسف إن ذلك القائل من المحافظين على الجماعة في الحرم، ولا

стр. 18

شك أنه لو يعلم أنّها سنة لما تجرّأ على أخيه المسلم يقول له إنه شيطان. ورأيت وأنا ببيشة رجلاً عليه سيما الخير والصلاح ينكر على من يصلي في نعليه، فقيل له: إنّها سنة! فقال: أعوذ بالله من هذه السنة. وأعظم من هذا كله أن بعض الإخوان في الله أراد أن يعمل بهذه السنة في الحرم المدني، فأنكر الناس عليه إنكارًا شديدًا (١). وهذا كله بسبب عدم عمل أهل العلم بهذه السنة، ولو عمل أهل العلم بها لما احتجنا إلى جمع هذه الاحاديث، ونشرها بين الناس. وسببه أيضًا إعراض الناس عن كتب السنة، ولو رجعوا إليها لما خالطهم شك في شرعية الصلاة في النعال، وأنّها سنة مأمور بها. ثانيًا: ومن أضرار ترك الصلاة في النعال أن بعض المصلين يجمعونها في موضع، فربما كانت سببًا لتعويج الصفوف المأمور بتسويتها، والمتوعّد على اعوجاجها، وقد شاهدنا اعوجاج الصفوف في صحن الحرم المكي، من أجل تكويم النعال، لأنه لم يجد موضعًا في الصف لكثرة الناس. ثالثًا: ومنها: أن كثيرًا من المصلين يتركون النظر فيها عند أبواب المساجد، لأنّهم لا يريدون الصلاة فيها، فربما أدخل بعضهم الأذى في نعليه، فإذا وضعها في المسجد تساقط في المسجد، وكل هذا بسبب ترك السنة، وهو النظر فيها عند الباب، ومسحها بالتراب إن كان بها أذى. رابعًا: إنّ المصلي قد يخاف على نعليه أن تسرق، فيتشوش وهو في

стр. 19

صلاته تشويشًا يذهب الخشوع، والخشوع هو لبّ الصلاة، كما قال الله تعالى: قد أفلح المؤمنون الّذين هم في صلاتهم خاشعون (١). وقد وردت أحاديث في الحث على إزالة ما يشوش على المصلين: روى مسلم في "صحيحه" عن عائشة ﵂ أنّ النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان)). وأخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن أنس ﵁ أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((إذا قدّم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلّوا المغرب)). قال هذا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أجل المحافظة على الخشوع.

стр. 20

شبه المنكرين للصلاة في النعال للمنكرين للصلاة في النعال شبه لا بد من الكلام عليها حتى يتضح الحق إن شاء الله. على أني ما سمعت عالمًا قط يحتج بشبههم، والجهال ليسوا بحجة على الشرع المطهر. فأما شبههم فمنها: الشبهة الأولى: إن المساجد قد زيّنت وفرشت، وليست كالمساجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالجواب: أن الخير فيما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو بقيت المساجد على ما كانت عليه في عصر النبوة لكان خيرًا، وأما زخرفة المساجد وتزيينها فقد ورد النهي عنهما. فقد أخرج أبوداود (ج١ ص١٧١)، وابن ماجة (ج١ ص٢٤٤) والدارمي (ج١ ص٣٢٧)، وأحمد (ج٣ ص١٣٤، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣)، وابن حبان كما في "موارد الظمآن": عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((لا تقوم السّاعة حتّى يتباهى النّاس فى المساجد)).

стр. 21

وفي بعض الطرق: (نهى أن يتباهى النّاس بالمساجد) (١) وأخرج أبوداود (ج١ ص١٧٠): عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((ما أمرت بتشييد (٢) المساجد))، قال ابن عبّاس ﵄: لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنّصارى. رجاله رجال الصحيح إلا شيخ أبي داود محمد بن الصبّاح بن سفيان وهو صدوق. قال الصنعاني ﵀ (٣): قال المهدي في "البحر": إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حلّ وعقد، ولا سكوت رضا، أي: من العلماء، وانما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون من غير رضا. وهو كلام حسن. اهـ أقول: وأما فرش المسجد بالسجاد فلا شك أنه يشغل المصلي، ويلهيه عن الصلاة، فقد روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن عائشة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلّى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها فلمّا انصرف

стр. 22

قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانيّة أبي جهم فإنّها ألهتني آنفًا عن صلاتي)) وفي رواية: ((كنت أنظر إلى أعلامها وأنا في الصّلاة، فأخاف أن تفتنني)). هذا لفظ البخاري. وأخرج البخاري عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أميطي عنّي قرامك هذا فإنّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)). وأخرج أيضًا عن عقبة بن عامر قال: أهدي إلى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرّوج حرير، فلبسه، فصلّى فيه ثمّ انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره له، وقال: ((لا ينبغي هذا للمتّقين)). قال الصنعاني في "سبل السلام" في الكلام على حديث عائشة في قصة الخميصة: وفي الحديث دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش ونحوها مما يشغل القلب، وفيه مبادرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى صيانة الصلاة عما يلهي، وإزالة ما يشغل عن الإقبال عليها. قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور S والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، فضلاً عما دونها، وفيه كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد ونحوه. اهـ كلامه ﵀. الشبهة الثانية: وربما استدل بعضهم بقوله آمرًا لموسى ﵇:

стр. 23

فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوًى (١). وهذا استدلال في غاية من البعد، ورحم الله ابن مسعود ﵁ إذ يقول لأبي موسى الأشعري لمّا أمّهم فخلع نعليه: لم خلعت نعليك؟ أبالوادي المقدس أنت (٢)؟. قال أبومحمد بن حزم ﵀ في كتابه "الإحكام في أصول الأحكام": ومن شرائع موسى ﵇ قوله تعالى: فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوًى، ونحن لا نحلع نعالنا في الأرض المقدسة. اهـ يريد ﵀ أننا لسنا متعبّدين بشرع من قبلنا، هذا وإنني لا أعلم شبهة ينبغي أن تذكر، وأما هوس الجهال واستحساناتهم، فلا ينفع فيها إلا عمل أهل العلم بالسنة، وهم إذا رأوا أهل العلم يعملون بالسنة سيعملون بها.

стр. 24

الإنكار على من رد السنن بالرأي والاستحسان لما كان كثير من الناس يردون السنن بالرأي والإستحسان، ومن هذه السنن التي يردّونها شرعية الصلاة في النعال، رأيت أن أذكر من الأدلة ومن كلام أهل العلم ما يبين فساد هذه الطريقة، ويبين ضررها على الدين: الحديث الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الّذي في بطنها، فاختصموا إلى النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقضى أنّ دية ما في بطنها غرّة، عبد أو أمة، فقال وليّ المرأة الّتي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل؟ ولا نطق ولا استهلّ؟ فمثل ذلك يطلّ (١)، فقال النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان)). رواه البخاري: (ج١٢ ص٣٢٨). ومسلم: (ج١١ ص١٧٧)، وفيه زيادة بعد قوله: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان)) (من أجل سجعه الّذي سجع). وأخرجه أبوداود (ج٤ ص٣١٨)، والنسائي (ج٨ ص٤٣)، وابن ماجة (ج٢ ص٨٨٢).

стр. 25

الحديث الثاني: عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنّ امرأةً قتلت ضرّتها بعمود فسطاط، فأتي فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقضى على عاقلتها بالدّية، وكانت حاملاً، فقضى في الجنين بغرّة، فقال بعض عصبتها: أندي من لا طعم ولا شرب؟ ولا صاح فاستهلّ؟ ومثل ذلك يطلّ. قال: فقال: ((سجع كسجع الأعراب)). رواه مسلم (ج١١ ص١٧٩)، والنسائي (ج٨ ص٤٤). فأنت ترى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنكر عليه معارضته لحديثه برأيه وقال: ((إنّما هذا من إخوان الكهّان))، من أجل سجعه. الحديث الثالث: عن عبد الله بن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا، أبوبكر وعمر ﵄، رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر -قال نافع: لا أحفظ اسمه- فقال أبوبكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله سبحانه: يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم الآية. قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه -يعني- أبا بكر. أخرجه البخاري (ج١٠ ص٢١٢، ٢١٤) وفيه رواية ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير و (ج١٧ ص٣٩). وأخرجه الترمذي (ج٤ ص١٨٥) وعنده تصريح عبد الله بن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير حدثه به.

стр. 26

وأحمد (ج٤ ص٦). والطبري (ج٢٦ ص١١٩) وفيه قول نافع: حدثني ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، فعلم اتصال الحديث كما أشار إليه الحافظ في "الفتح" (ج١٠ ص٢١٢). الحديث الرابع: عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في مرضه: ((مروا أبابكْر فليصلّ بالنّاس)) قالت عائشة: فقلت: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ. فقال: ((مروا أبابكر فلْيصلّ بالنّاس)) قالت عائشة: فقلت لحفْصة: قولي: إنّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع النّاس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالنّاس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّكنّ لأنتنّ صواحب يوسف، مروا أبابكر فليصلّ بالنّاس)) قالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. رواه البخاري (ج١٧ ص٣٩)، ومسلم (ج٥ ص١٤٠، ١٤١). الحديث الخامس: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إنّ الله لا ينْزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينْزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهّال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلّون ويضلّون)). رواه البخاري (ج١٧ ص٤٥)، ومسلم، واللفظ للبخاري.

стр. 27

آثار عن السلف وأما الآثار عن السلف ﵏، فأكثر من أن تحصر، ولكن أشير إلى بعضها: الأثر الأول: عن عليّ ﵁ أنه قال: لو كان الدّين بالرّأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمسح على ظاهر خفّيه. رواه أبوداود (ج١ ص٦٣) ورجاله رجال الصحيح إلا عبدخير، وهو ثقة كما في "التقريب". وقال الحافظ ابن حجر في "بلوغ المرام": إنّ سنده حسن، وقال في "التلخيص": رواه أبوداود، وإسناده صحيح. الأثر الثاني: الحديث عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم)) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهنّ، قال (١): فأقبل عليه عبد الله فسبّه سبًّا سيّئًا ما سمعته سبّه مثله، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول: والله لنمنعهنّ.

стр. 28

رواه مسلم (ج٤ ص١٦١)، وفي "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص١٣٩) للحافظ ابن عبد البر أنه قال له: لعنك الله، لعنك الله، أقول: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أن لا يمنعن. وقام مغضبًا. الأثر الثالث: عن عبد الله بن المغفل أنّه رأى رجلاً يخذف فقال له: لا تخذف، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الخذف، أو كان يكره الخذف، وقال: ((إنّه لا يصاد به صيد، ولا ينكى به عدوّ، ولكنّها قد تكسر السّنّ وتفقأ العين))، ثمّ رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنّه ينهى عن الخذف، وأنت تخذف، لا أكلّمك كذا وكذا. رواه البخاري (ج١٢ ص٢٦)، ومسلم (ج١٣ ص١٠٥، ١٠٦) وفيه: لا أكلمك أبدًا. الأثر الرابع: عن أبي قتادة تميم بن نذير العدوي أنّه قال: كنّا عند عمران بن حصين في رهط، وفينا بشير بن كعب فحدّث عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((الحياء خير كلّه)) فقال بشير بن كعب: إنّا لنجد في بعض الكتب: أنّ منه سكينةً ووقارًا ومنه ضعف. فغضب عمران حتّى احمرّت عيناه، وقال: ألا أراني أحدّثك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعارض فيه، قال: فأعاد عمران الحديث، قال: فأعاد بشير، فغضب عمران، قال: فما زلنا نقول فيه: إنّه منّا يا أبا نجيد، إنّه لا بأس به. رواه مسلم (ج٢ ص٧)، وأحمد (ج٤ ص٤٢٧، ٤٣٦، ٤٤٠، ٤٤٢، ٤٤٥)، والطيالسي (ج٢ ص٤١).

стр. 29

الأثر الخامس: عن ابن أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أضللت الناس، قال: وما ذاك يا عريّة؟ قال: تأمر بالعمرة في هؤلاء العشر وليستْ فيهنّ عمرة! فقال: أولا تسأل أمّك عن ذلك؟ فقال عروة: فإنّ أبابكر وعمر لم يفعلا ذلك، فقال ابن عبّاس: هذا الّذي أهلككم، والله ما أرى إلاّ سيعذّبكم، إنّي أحدّثكم عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتجيئوني بأبي بكر وعمر ... رواه أحمد (ج١ ص٣٣٧). وإسحاق بن راهويه كما في "المطالب العالية" (ج١ ص٣٦٠) وفيه: نجيئكم برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتجيئوني بأبي بكر وعمر؟. والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص ١٤٥)، والسياق له، وابن حزم في "حجة الوداع" ص (٢٦٨، ٢٦٩) من طرق إلى ابن عباس. وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (ج٢ ص٢٣٩،٢٤٠). الأثر السادس: قال الخطيب في "الفقيه والمتفقه" (ج١ ص١٥٠): أنا محمد بن أحمد بن رزق أنا عثمان بن أحمد الدقاق نا محمد بن إسماعيل الرقي أنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشّافعي وسأله رجل عن مسألة فقال: يروى فيها كذا وكذا عن النّبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له السّائل: يا أبا عبد الله ما تقول فيه؟ فرأيت الشّافعي أرعد وانتفض، فقال: ما هذا؟ أيّ أرض تقلّني، وأيّ سماء تظلني، إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا فلم أقلْ به؟ نعم على السّمع والبصر، نعم على السّمع والبصر. وقال: أنا الربيع قال: سمعت الشّافعي وقد روى حديثًا وقال له بعض من حضر: تأخذ بهذا؟ فقال: إذا رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديثًا صحيحًا

стр. 30

فلم آخذْ به، فأنا أشهدكم أنّ عقلي قد ذهب، ومدّ يديه. وأخرج الأثرين: الحافظ البيهقي في "مناقب الشافعي" (ج١ ص٤٧٤، ٤٧٥)، وأبونعيم في "الحلية" (ج٩ ص١٠٦). وقد ذكر الحافظ الخطيب في كتابه "الفقيه والمتفقه" كلامًا حسنًا في الرد على أهل الرأي فقال ﵀ (ج١ ص١٥٢): ولعمري إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيرًا على خلاف الرأي ومجانبته خلافًا بعيدًا، فما يرى المسلمون بدًا من اتّباعها والانقياد لها، ولمثل ذلك ورع أهل العلم والدين فكفهم عن الرأي ودلهم على عوره وغوره أنه يأتي الحق على خلافه في وجوه متعددة، من ذلك: أن قطع أصابع اليد، مثل قطع اليد من المنكب، أي ذلك أصيب ففيه ستة الآف. ومن ذلك: أن قطع الرجل في قلة ضررها، مثل قطع الرجل من الورك، أي ذلك أصيب ففيه ستة الآف. ومن ذلك: أن في العينين إذا فقئتا مثل ما في قطع أشراف الأذنين في قلة ضررها، أي ذلك أصيب ففيه اثنا عشرألفًا. ومن ذلك: أن في شجتين موضحتين صغيرتين مائتي (١) دينار، وما بينهما صحيح، فإن جرح ما بينهما حتى تقام إحداهما إلى الأخرى، كان أعظم للجرح بكثير، ولم يكن فيها حينئذ إلا خمسون دينارًا. ومن ذلك: أنّ المرأة الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة.

стр. 31

ومن ذلك: رجلان: قطعت أذنا أحدهما جميعًا، يكون له اثنا عشر ألفًا، وقتل الآخر فذهبت أذناه وعيناه ويداه ورجلاه وذهبت نفسه، ليس ذلك له إلا اثنا عشر ألفًا، مثل ذلك الذي لم يصب إلا شراف أذنيه. في أشباه هذا غير واحد فهل وجد المسلمون بداً من لزوم هذا؟ وأي هذه الوجوه يستقيم على الرأي أو يخرج في التفكير؟ ... إلى آخر كلامه ﵀. وفي كتاب أبي محمد بن حزم ﵀ "الإحكام في أصول الأحكام" من هذا الكثير الطيب فأنصح مريد الحق بقراءته. وبهذا ينتهي ما أردناه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

стр. 32

الرسالة الثانية: تحريم الخضاب بالسواد:

стр. 33

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن الله يقول: ﴿ياأيّها الّذين ءامنوا ادخلوا في السّلم كافّةً (١)﴾، أي: خذوا الإسلام من جميع جوانبه. وقال تعالى: ﴿قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتّى تقيموا التّوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربّكم (٢)﴾. وقال الإمام البخاري ﵀ (ج١٤ ص١١٣) طبعة حلبية: باب مايتّقى من محقّرات الذّنوب: حدثنا أبوالوليد حدثنا مهدي عن غيلان عن أنس ﵁ قال: إنّكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، إن كنّا لنعدّها على عهد النّبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الموبقات.

стр. 34

قال أبوعبد الله: يعني بذلك: المهلكات. قال الحافظ ﵀: التعبير بالمحقرات، وقع في حديث سهل بن سعد رفعه: ((إيّاكم ومحقّرات الذّنوب، فإنّ مثل محقّرات الذّنوب، كمثل قوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتّى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإنّ محقّرات الذّنوب متى يؤخذ بها صاحبها أهلكتْه)). أخرجه أحمد بسند صحيح، ونحوه عند أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود، وعند النسائي وابن ماجه عن عائشة أنّ النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((ياعائشة، إيّاك ومحقّرات الذّنوب، فإنّ لها من الله طالبًا)). وصححه ابن حبان. اهـ ومن الذنوب التي يحتقرها كثير من الناس، ويجهل حكمها آخرون الخضاب بالسواد. وكنت وأنا بمكة قد رأيت بعض طلبة العلم يخضب بالسواد، فنصحته بترك ذلك فأبى، وقال: أنه ليس بمحرم، وكان من أصحابه رجل من العلماء، فقلت لذلك العالم ينصحه، فقال: إنه ليس بمحرم. بل قال: لا شيء فيه، فقلت له: حديث جابر في "صحيح مسلم" وفيه: ((وجنّبوه السّواد))، فقال: هي مدرجة. فقلت له: فحديث ابن عباس الذي رواه أبوداود، والإمام أحمد، وفيه وعيد شديد. فقال: إنه حديث لا يثبت. والرجل محدث ولكني لم أقتنع بكلامه ودفعني هذا إلى جمع هذه الرسالة. ومما دفعني أيضًا إلى جمع هذه الرسالة، أنّ بعض أهل العلم، وهكذا أيضًا بعض الزعماء والمسؤولين، وبعض مشايخ القبائل يخضبون بالسواد، هؤلاء

стр. 35

الذين لا يتجرأون على لحاهم بالحلق. أما الذين يتجرّأون ويحلقونها ويخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإعفائها وبتوفيرها، ورضوا بالتشبّه بأعداء الإسلام، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((من تشبّه بقوم فهو منهم)). رواه أحمد بسند جيد كما قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم". ونحن إذا التقينا بهم يكون هناك من الكبائر التي توجد في المجتمع أكبر من الخضاب بالسواد، من أجل ذلك رأيت أن تطبع هذه الرسالة حتى يطّلع على ما فيها من الأحاديث وكل امرئ حجيج نفسه. ولست أقول كما يقول بعض جهلة الإخوان المسلمين: إنّ هذا من القشور. ولكني أقول: إنه يجب على المسلم أن يلتزم بشرع الله، في حدود ما يستطيع، فإن الله يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿فاستقمْ كما أمرت﴾. ويقول لنا أيها المسلمون: ﴿فاسْتقيموا إليه﴾ ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لرجل وقد طلب منه أن يوصيه فقال له: ((قل آمنت بالله ثمّ اسْتقم)) رواه مسلم. وقد ذكرت جملة من هذا في "المخرج من الفتنة". وعلى كل فالمسلم لا ينبغى له أن يستهين بشيء من الذنوب، فربّ ذنب يكون سببًا لزيغ القلب. يقول الله : ﴿فلمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم (١)﴾. أعاذنا الله وإياكم من زيغ القلوب، وثبت قلوبنا على الحق. آمين.

стр. 36

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فهذه بعض الأحاديث الواردة في الخضاب نقلتها ليتضح خطأ من يخضب بالسواد لما فيه من الغش، ولا أنقل إلا ما كان من حديث رسول الله، إذ لا حجة إلا في كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الامام البخاري ﵀ في "صحيحه" (ج١٢ ص٤٧٦) مع "الفتح": حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا الزهري عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إنّ اليهود والنّصارى لا يصبغون فخالفوهم)). ورراه مسلم (ج٢ ص٤٤) من طريق سفيان بن عيينة به. هذا الحديث مطلق يتناول أي صباغ، لكنه قيّد بما رواه الإمام مسلم ﵀ (ج٢ ص٤٤) قال ﵀: حدثني أبوالطاهر أخبرنا عبد الله بن وهب عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: أتي بأبي قحافة يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثّغامة بياضًا فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروا هذا بشيء، واجتنبوا السّواد)). ولم يصب من زعم أن قوله: ((واجتنبوا السّواد)). مدرجة إذ الأصل عدم الإدراج، وأما ما رواه الإمام أحمد من أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير لما

стр. 37

حدثه بهذا الحديث قال: قلت لأبي الزبير: قال: ((جنّبوه السّواد))؟ قال: لا. فمبنيّ على أن أبا الزبير قد نسي وكم من محدث قد نسي حديثه بعد ما حدث به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلميقول: ((رحم الله فلانًا لقد ذكّرني آية كذا كنت أنسيتها))، وقد صرح الحافظ في "النخبة" أنّ الصحيح أنه لا يرد الحديث لنسيان الشيخ، إلا أن يقول: كذب عليّ، لم أحدثه بهذا، ثم إنه قد تابع ابن جريج ليث كما عند ابن ماجة والإمام أحمد، وهو ليث بن أبي سليم مختلط، لكنه يصلح في الشواهد والمتابعات. وللحديث شاهد صحيح، قال الإمام أحمد ﵀ (ج٣ ص١٦٠): ثنا محمد بن سلمة الحراني عن هشام (١) عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس ابن مالك عن خضاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن شاب إلاّ يسيرًا، ولكنّ أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحنّاء والكتم، قال: وجاء أبوبكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم فتح مكّة يحمله، حتّى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي بكر: ((لو أقررت الشّيخ في بيته لأتيناه)) تكرمةً لأبي بكر، فأسلم ولحيته ورأسه كالثّغامة بياضًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروهما، وجنّبوه السّواد (٢)). قال الهيثمي في "المجمع" بعد ذكره هذا الحديث (ج٥ ص١٦٠): رواه أحمد وأبويعلى، والبزار باختصار، وفي الصحيح طرف منه، ورجال أحمد رجال الصحيح.

стр. 38

وآخر حسن: [قال ابن سعد في "طبقاته" (ج٥ ص٣٣٣ - ٣٣٤): أخبرنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن محمد بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء قالت: لمّا دخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مكّة واطمأّنّ وجلس في المسجد أتاه أبوبكر بأبي قحافة فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((يا أبا بكر ألا تركت الشّيخ حتّى أكون أنا الّذي أمشي إليه؟)) قال: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك، من أن تمشي إليه. فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين يديه، ثمّ قال: ((يا أبا قحافة أسلم تسلم)) قال: فأسلم وشهد شهادة الحقّ، قال: وأدخل عليه رأسه ولحيته كأنّهما ثغامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروا هذا الشّيب وجنّبوه السّواد)). أخرجه أيضًا الإمام أحمد (ج٦ ص٣٤٩) مطولاً، وابن حبان (١٧٠٠) "موارد"، والحاكم (ج٣ ص٤٦).] اهـ رازحي. هذا وقد جاء الوعيد الشديد لمن يخضب بالسواد، روى الإمام أحمد في "مسنده" عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((يكون قوم في آخر الزّمان يخضبون بالسّواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنّة)). قال صاحب "الفتح الرباني" في تعليقه على "ترتيب المسند" (ج١٧ ص٣١٩): سنده صحيح، ومن الغريب أن ابن الجوزي أورده في "الموضوعات" وهو من الأحاديث التي ذبّ عنها الحافظ ابن حجر في كتابه "القول المسدد في الذب عن مسند أحمد". قال ﵀ بعد ذكر سنده ومتنه: أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق أبي القاسم البغوي عن هاشم بن الحارث عن عبيد الله بن عمرو به. وقال: حديث لايصح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. المتّهم به عبد الكريم بن أبي المخارق أبوأمية البصري، ثم نقل تجريحه

стр. 39

عن جماعة، قال الحافظ: وأخطأ في ذلك، فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرّج له في "الصحيح"، وقد أخرج الحديث من هذا الوجه أبوداود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" وغيرهم. قال أبوداود في كتاب (الترجل): حدثنا أبوتوبة حدثنا عبيد الله عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يكون قوم يخضبون في آخر الزّمان بالسّواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنّة)). وأخرجه النسائي في الزينة وابن حبان والحاكم في "صحيحيهما" من هذا الوجه، وقال أبويعلى في "مسنده": حدثنا زهير حدثنا عبيد الله بن جعفر، هو الرقي به، وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في "المختارة مما ليس في الصحيحين" من هذا الوجه أيضًا. اهـ كلام الحافظ. قال المعلق على "ترتيب المسند": قلت: وبهذا تعرف أن الحديث صحيح لا مطعن فيه. اهـ قلت: ومما يزيدنا وضوحًا أنّ الذي في سند هذا الحديث عبد الكريم الجزري وليس بابن أبي المخارق أن الحديث في "سنن أبي داود" وعبد الكريم ابن أبي المخارق ليس من رجال أبي داود كما في "تهذيب التهذيب" و"الميزان" وغيرهما من كتب الرجال، نعم روى له أبوداود خارج "السنن" كما في "تهذيب الكمال" فإنه رمز "لمسائل أحمد" وأما في "السنن" فلا. هذا وإنني ذاكر ما وجدته من الشواهد للأحاديث المتقدمة، قال الامام أحمد رحمه الله تعالى "ترتيب المسند" (ج١٧ ص٣١٩): حدثنا قتيبة أنا ابن

стр. 40

لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((غيّروا الشّيب ولا تقرّبوه السّواد)). ابن لهيعة فيه ضعف، ولا يمنع من الاستشهاد بحديثه. وقال البيهقي ﵀ في "السنن الكبرى" (ج٧ ص٣١١): أخبرنا أبوالحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ نا الحسن بن هارون ثنا مكي بن إبراهيم نا عبد العزيز بن أبي رواد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((غيّروا الشّيب، ولاتشبّهوا باليهود، واجتنبوا السّواد)) اهـ وعبد العزيز بن أبي روّاد فيه كلام، والحسن بن هارون: قال أبوحاتم: لا أعرفه. كما في "لسان الميزان". وفي "مجمع الزوائد" (ج٥ ص١٦٠): وعن أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: ((يا معشر الأنصار حمّروا أو صفّروا، وخالفوا أهل الكتاب)) فذكر الحديث. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وفي "الصحيح" طرف منه، ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم وهو ثقة وفيه كلام لا يضر. قال أبوعبد الرحمن: القاسم هو ابن عبد الرحمن أبوعبد الرحمن الأموي، مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب، ولا يمنع من الاستشهاد بحديثه. ثم قال الهيثمي: وعن أنس أنّ النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((غيّروا الشّيب وإنّ أحسن ما غيّرتم به الشّيب: الحنّاء والكتم)). رواه البزار وفيه سعيد بن بشير وهو ثقة وفيه ضعف، وعن أنس بن
следующие страницы →