Полный текст (320 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين
الْحَمد لله الحسيب الرَّقِيب على نواله إِيمَانًا واحتسابا وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد الحسيب النسيب وَآله مَا لَا يُحْصى كتابا وَلَا حسابا وَبعد
فقد جمع عَبده الغريق فِي بَحر فَضله الطامي عمر بن مُحَمَّد بن عوض السنامي ألهمه الله تَعَالَى تقواه فِيمَا يكْتب وَيجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من
стр. 2
حَيْثُ لَا يحْتَسب فِي تصنيف هَذَا الْكتاب وَهُوَ نِصَاب الاحتساب مسَائِل اختصب بِالنِّسْبَةِ الى حسب منصب الْحِسْبَة من كتب مُعْتَبرَة بَين الْفُقَهَاء معول عَلَيْهَا عِنْد الْعلمَاء بَعْدَمَا تحمل فِي جمعه نصبا وكمل فِي قَيده نصبا وَصرف إِلَى تنقيحه وتصحيحه مُدَّة مديدة وتكلف فِي ترتيبه وتهذيبه شدَّة شَدِيدَة ليَكُون للمبتلي بِهِ آيَة يعرف بهَا فِيمَا يحْتَاج اليه غَايَة وَهِي مرتبَة على أَبْوَاب
стр. 3
الْبَاب الاول
فِي تَفْسِير اللَّفْظَيْنِ المتداولين فِي هَذَا الْكتاب أَحدهمَا الاحتساب وَالثَّانِي الْحِسْبَة
فالاحتساب لُغَة يُطلق لمعنيين أَحدهمَا من الْعدَد والحساب ذكر فِي الْمغرب احتسب بالشَّيْء اعْتد بِهِ وَجعله فِي الْحساب وَمِنْه احتسب عِنْد الله تَعَالَى خيرا إِذا قدمه وَمَعْنَاهُ اعتده فِيمَا يدّخر عِنْد الله تَعَالَى وَعَلِيهِ حَدِيث إبي بكر الصّديق ﵁ إِنِّي أحتسب خطاي هَذِه أَي اعتدها فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَقَوله ﵇ من صَامَ رَمَضَان إِيمَان واحتسابا غفر لَهُ
стр. 4
مَا تقدم من ذَنبه أَي صَامَ وَهُوَ يُؤمن بِاللَّه تَعَالَى وَرَسُوله ويعتد صَوْمه عِنْد الله تَعَالَى وَالثَّانِي الْإِنْكَار وَذكر فِي الصِّحَاح احتسب عَلَيْهِ كَذَا أَي أنكرته عَلَيْهِ قَالَ ابْن دُرَيْد والحسبة أَيْضا لمعنيين أَحدهمَا بِمَعْنى الْحساب مصدر كالقعدة والركعة وَالثَّانِي التَّدْبِير يُقَال فلَان حسن الْحِسْبَة فِي الْأَمر أَي حسن التَّدْبِير لَهُ وَفِي الشَّرْع هِيَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ إِذا ظهر تَركه وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِذا ظهر فعله ذكر فِي كتاب أَحْكَام السُّلْطَان وَوجه
стр. 5
الِاسْتِعَارَة
أما الاحتساب فَإِنَّهُ إِن كَانَ بِالْمَعْنَى الأول وَهُوَ يتَعَدَّى بِالْيَاءِ فَهُوَ يحْتَسب بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر عِنْد الله أجرا فَكَأَنَّهُ من قبيل تَخْصِيص الْعَام وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْإِنْكَار فَهُوَ من قبيل تَسْمِيَة الْمُسَبّب بِالسَّبَبِ لِأَن الْإِنْكَار على الْغَيْر سَبَب بإزالته وَهُوَ الإحتساب لِأَن الْمَعْرُوف إِذا ترك فَالْأَمْر بِإِزَالَة تَركه أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنكر إِذا فعل فَالْأَمْر بإزالته هُوَ النَّهْي عَن الْمُنكر
وَأما الْحِسْبَة فَإِنَّهَا إِن كَانَت بِمَعْنى الْحساب فَهُوَ نَظِير الأول من الاحتساب وَإِن كَانَ بِمَعْنى الثَّانِي فَهُوَ كَذَلِك وَإِن كَانَ بِمَعْنى الثَّانِي فَهُوَ كَذَلِك وَإِن كَانَ التَّدْبِير عَاما وَلكنه أُرِيد بِهِ تَدْبِير خَاص وَهُوَ تَدْبِير أقامة الشَّرْع فِيمَا بَين الْمُسلمين وَسمي بِهِ لِأَنَّهُ أحسن وُجُوه التَّدْبِير ثمَّ الْحِسْبَة فِي الشَّرِيعَة عَام تتَنَاوَل كل مَشْرُوع
стр. 6
يفعل لله تَعَالَى كالآذان وَالْإِقَامَة وآداء الشَّهَادَة مَعَ كَثْرَة تعدادها وَلِهَذَا قيل الْقَضَاء بَاب من أَبْوَاب الْحِسْبَة وَقيل الْقَضَاء جُزْء من أجراء الاحتساب وَفِي الْعرف مُخْتَصّ بِأُمُور
أَحدهَا إِرَاقَة الْخُمُور
وَالثَّانِي كسر المعازف
وَالثَّالِث إصْلَاح الشوارع بفصولها من وضع الْمِيزَاب واتخاذ الدكاك على الْبَاب
وَالرَّابِع منع جُلُوس الباعة عَلَيْهَا
وَالْخَامِس منع سوق الْحمير والبقور للخشابين والأجرين وَنَحْوهم
وَالسَّادِس منع ربط النَّاس دوابهم فِيهَا
وَالسَّابِع منع عمَارَة الحيكان فِي شَيْء من الشوارع
وَالثَّامِن منع شغل هَوَاء الشَّارِع بالجناح وَيُسمى بيرون داشت
стр. 7
التَّاسِع منع المبرز فِي الْجِدَار بِحَيْثُ يكون إِزَالَة النَّجَاسَة مِنْهُ بالوقوع فِي الشَّارِع
والعاشر منع الظلة
وَالْحَادِي عشر النّظر بَين الْجِيرَان فِي التَّصَرُّفَات الْمضرَّة كالنظر وسد الضَّوْء لَا فِيمَا يرجع إِلَى الْملك كغصب قِطْعَة من الأَرْض
وَالثَّانِي عشر تَقْوِيم الموازين
وَالثَّالِث عشر تفحص السنجات
وَالرَّابِع عشر تنقية دكان الطباخين والخبازين وَنَحْوهم
وَالْخَامِس عشر نفحص نظافة القفاع ودكانه
وَالسَّادِس عشر إسبال الْإِزَار على الْكَعْبَيْنِ
وَالسَّابِع عشر زجر النَّاس عَن الْغناء وَالنوح
стр. 8
وَالثَّامِن عشر منع الرِّجَال عَن التَّشَبُّه بِالنسَاء وَمنع النِّسَاء عَن التَّشَبُّه بِالرِّجَالِ
وَالتَّاسِع عشر أَمر التنبولين بِطَهَارَة مَائِهِمْ وثيابهم وتنقية نورتهم عَن الْحَصَاة
وَالْعشْرُونَ إحراق المعازف وَكسرهَا يَوْم الْأَضْحَى فِي الْمصلى وَغَيرهَا
وَالْحَادِي وَالْعشْرُونَ منع النَّاس عَن تطيير الحمامات
وَالثَّانِي وَالْعشْرُونَ منع البغايا وتعزيرهن وَمنع أوليائهن ومواليهن وأزواجهن
وَالثَّالِث وَالْعشْرُونَ أَمر أهل الذِّمَّة بتطهير الْأَوَانِي الَّتِي يبيعون فِيهَا المايعات من الدّهن وَاللَّبن
وَالرَّابِع وَالْعشْرُونَ أَمر الغسالين بِإِقَامَة السّنة وَاجْتنَاب الْبِدْعَة فِي غسل الْمَوْتَى وحفر الْقُبُور وَالْحمل وزجرهم عَن الغلاء فِي أَخذ
стр. 9
الْأجر وَنصب الصلحاء وَذَوي الْخِبْرَة بِهَذِهِ الْأُمُور فِي هَذِه الْمصلحَة
وَالْخَامِس وَالْعشْرُونَ تفحص الْجَامِع يَوْم الْجُمُعَة والمصلى يَوْم الْعِيدَيْنِ وإخلاؤهما عَن البيع وَالشِّرَاء وَمنع الْفُقَرَاء عَن التخطي وَمنع وَالْقصاص عَن الْقَصَص المفتريات وَمنع النِّسَاء السائلات عَن الدُّخُول فِيهِ وَمنع الصّبيان المجانين مِنْهُ
وَالسَّادِس وَالْعشْرُونَ وَدفع الْحَيَوَانَات الؤذية عَن العمرانات كَالْكَلْبِ الْعَقُور وَغَيره
وَالسَّابِع وَالْعشْرُونَ النَّهْي عَن النجش والتطفيف
وَالثَّامِن وَالْعشْرُونَ منع النَّاس عَن الْوُقُوف فِي مَوَاضِع التهم كتحدث الرِّجَال مَعَ النِّسَاء فِي الشوارع
وَالتَّاسِع وَالْعشْرُونَ منع النقاشين والصباغين والصواغين عَن اتِّخَاذ
стр. 10
التماثيل ذَوَات الرّوح وَكسر الصُّور
وَالثَّلَاثُونَ منع الْمُسلمين عَن الِاكْتِسَاب الْفَاجِر كاتخاذ الْأَصْنَام وَالْمَعَازِف الصنج وَبيع النَّبِيذ والبنج
وَالْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ منع الطباخين والخبازين فِي أول نَهَار رَمَضَان عَن بيع الطَّعَام على مِثَال غير رَمَضَان
وَالثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ منع النَّاس عَن اتخاد الْقُبُور الكاذبة وَخُرُوج النَّاس إِلَى زِيَادَة بعض المتبركين أَو بعض الْمَسَاجِد على مشابهة الْخُرُوج إِلَى الْحَج
وَالثَّالِث وَالثَّلَاثُونَ منع النِّسَاء عَن التبرج والتفرج بِالْخرُوجِ إِلَى النظارات وزيارة الْقُبُور
стр. 11
وَالرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ منع النَّاس عَن التَّصَرُّف فِي الْمَقَابِر بِلَا ملك
وَالْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ منع المطلسمة والسحار والكهان عَن منكراتهم
وَالسَّادِس وَالثَّلَاثُونَ نهي أصحب الْحمام عَن منكراتهم وَأمرهمْ بتطهير المياة وإخلاء الْحمام عَن الأمارد وَدخُول العراة فِيهِ وَنهي الْحجام عَن حلق الْعَانَة واللحية وَأمرهمْ باتخاذ الْحجاب بَين النِّسَاء وَالرِّجَال
وَالسَّابِع وَالثَّلَاثُونَ منع أهل الذِّمَّة عَن الرّكُوب كَهَيئَةِ الْمُسلمين ولباس الصَّالِحين واتخاذهم معابدهم فِي بِلَاد الْمُسلمين
وَالثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ منع الْمُسلمين عَن الدُّخُول فِي معابدهم للتبرك
стр. 12
والتماس الحوائح من نساكهم
وَالتَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ منع الْمُسلمين عَن الرَّسْم برسوم الْكفَّار فِي ولادتهم وصحبتهم وصحبة صبيانهم وعماراتهم وزراعاتهم وركوبهم فِي الْبَحْر
وَالْأَرْبَعُونَ منع الْمُسلمين عَن تعلم علم النُّجُوم بِمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الدّين وتصديق النَّاس الكهنة والمنجمين
وَالْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ منع أهل الذِّمَّة عَن إِظْهَار شَعَائِر كفرهم فِي مواسمهم فِي بِلَاد الْمُسلمين
وَالثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ منع اللاعبين بالنرد وَالشطْرَنْج وتفريق جمعهم وَأخذ
стр. 13
بساطهم وتماثيلهم
وَالثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ منع القوابل عَن إِسْقَاط جَنِين الْحَوَامِل
وَالرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ منع الجراحين عَن الْجب والخصاء فِي النَّاس
وَالْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ منع الحجامين عَن مس الأجنبيات إِلَّا لضَرُورَة لَا بُد مِنْهَا وَعَن حجامة الحبالى فِي أَوَان مضرتها بالحجامة
وَالسَّادِس وَالْأَرْبَعُونَ منع النَّاس عَن الْإِقَامَة فِي الْمَسَاجِد وَوضع الْأَمْتِعَة فِيهَا
وَالسَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ منع الَّذِي مَسّه الشَّيْطَان باللمم عَن التَّكَلُّم بِالْغَيْبِ
стр. 14
واجتماع النَّاس عِنْده زاعمين أَنه صَادِق فِي إخْبَاره بِالْغَيْبِ وَهُوَ كفر والمستحل لَهُ والمصدق لَهُ مُرْتَد
وَالثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ منع الخطاط ومعلم النَّحْو ومعلم الْقُرْآن بِأَجْر عَن الْجُلُوس فِي الْمَسَاجِد
وَالتَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ منع الْمعلم وَنَحْوه عَن أَخذ شَيْء باسم النيروز والمهرجان
وَالْخَمْسُونَ تعزيز الْآبِق ورده على مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ من بَاب الْحِسْبَة أَيْضا إِلَّا أَن الْأُجْرَة إِنَّمَا تجب برد الْآبِق وَإِن كَانَ من بَاب الأحتساب لإِجْمَاع الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ
стр. 15
الْبَاب الثَّانِي
الاحتساب على من يستخف بالحروف والكواغد وَنَحْوهَا
وَمن اسْتَأْجر للتعليم بساطا أَو مصلى كتب عَلَيْهِ فِي النسيج الْملك لله تَعَالَى يكره بَسطه والعقود عَلَيْهِ واستعماله وَلَو قطع حرف من حُرُوفه أَو خيط على بعض الْحُرُوف حَتَّى لَا تبقى الْكَلِمَة مُتَّصِلَة لَا تسْقط الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ بقيت الْحُرُوف وللحروف المفردة حُرْمَة لِأَن نظم الْقُرْآن وأخبار النَّبِي ﷺ بِوَاسِطَة هَذِه الْحُرُوف وَقد رُوِيَ أَن وَاحِدًا من الْأَئِمَّة رأى نَاسا يرْمونَ هدفا وعَلى الهدف مَكْتُوب أَبُو جهل لَعنه الله تَعَالَى فَمَنعهُمْ عَن ذَلِك وَمضى لوجهه ثمَّ
стр. 16
وجدهم قد محوا اسْم الله تَعَالَى وَكَانُوا يرْمونَ كَذَلِك فَقَالَ إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لأجل الْحُرُوف
وَقَالَ العَبْد أصلحه الله تَعَالَى هَذَا هُوَ الأَصْل فِي جمع الْمَوَاضِع وعَلى هَذَا الْقيَاس يمْنَعُونَ عَن كِتَابَة قَوْله الْعِزّ والإقبال وَنَحْوه وعَلى الْعَصَا والطشت والابريق والقدح وغلاف السُّرُوج وَنَحْوهَا لِأَنَّهَا كلهَا مستعملة مبتذلة فتصان الْحُرُوف عَن الأبتذال وَفِي الْمُلْتَقط الْحُرُوف المفردة لَو كتبت على شَيْء مِمَّا ذكرنَا يمْنَع عَن اسْتِعْمَالهَا صونا لَهَا عَن الأبتذال وَفِي الملتفظ الْحُرُوف المفردة تحترم لِأَنَّهَا من الْقُرْآن وَأما النَّهْي عَن اسْم أبي جهل فَهَذَا مِمَّا يبعد
وَيكرهُ اسْتِعْمَال الكواغد فِي وليمه ليمسح بهَا وَكَانَ بعض مَشَايِخنَا وَهُوَ الْحَاكِم الإِمَام يشدد فِيهِ ويزجر عَنهُ زجرا بليغا قَالَ العَبْد أصلحه الله تَعَالَى فعلى هَذَا الْقيَاس يمْنَعُونَ عَن اتخاد الطشت فِي الْوَلِيمَة من الكواغد واتخاذ
стр. 17
الصُّورَة من الكواغد فِي الْعِيد وَلَيْلَة النّصْف من شعْبَان لِأَنَّهُ استخفاف بِهِ قَالَ الشَّيْخ السَّيِّد الإِمَام نَاصِر الدّين فِي الْمُلْتَقط وَلم يرد الشَّيْخ بالكاغد الرَّدِيء الَّذِي لَا يصلح للكتابة وَهُوَ غير مُرَاد لِأَنَّهُ مَشْهُور بَين عُلَمَاء سَمَرْقَنْد من غير نَكِير وَلَعَلَّ الْكَرَاهَة فِي الْجيد الَّذِي يصلح للكتابة
وَفِي وَصَايَا الْمُلْتَقط كتب ورسائل يسْتَغْنى عَنْهَا وفيهَا اسْم الله تَعَالَى يمحى عَنْهَا ثمَّ يلقى فِي المَاء الْكثير الْجَارِي أَو يدقن فِي أَرض طيبَة أَو يفعل ذَلِك قبل المحو وَلَا يحرق بالنَّار كَذَا رُوِيَ عَن مُحَمَّد بن مقَاتل الرَّازِيّ فعلى هَذَا لَو غسلهَا بِالْمَاءِ الْكثير الْجَارِي وَاتخذ مِنْهُ قَرَاطِيس كَانَ أفضل
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَانِية كاغد مَكْتُوب فِيهِ اسْم الله تَعَالَى جعل فِيهِ شَيْء
стр. 18
قَالَ أَبُو بكر الاسكاف يكره سَوَاء كَانَت الْكِتَابَة فِي ظَاهره أَو بَاطِنه بِخِلَاف الْكيس إِذا كتب عَلَيْهِ اسْم تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا بَأْس بِهِ لِأَن الْكيس يعظم جدا والكاغد لَا وَذكر أَبُو اللَّيْث رَحْمَة الله تَعَالَى فِي بستانه وَلَا يبنغي أَن يضع الْكتاب على التُّرَاب وَفِي الْمُحِيط وَغَيره وَيكرهُ تَصْغِير الْمُصحف وَإِن يَكْتُبهُ بقلم رَقِيق لما رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ رأى مُصحفا صَغِيرا فِي يَد رجل فَقَالَ من كتبه فَقَالَ أَنا فَضَربهُ بالدره وَقَالَ عظموا الْقُرْآن ذكره الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث فِي بستانه فِي بَاب الْفَوَائِد
стр. 19
مَسْأَلَة
ذكر فِي الذَّخِيرَة وَلَا يجوز الِاسْتِئْجَار على تَعْلِيم الْقُرْآن لِأَنَّهُ من بَاب الْحِسْبَة وَلَا تجب الْأُجْرَة على فعل الاحتساب وَجَوَاز الْإِجَازَة لظُهُور التواني فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة وَلَا نقطاع وظائف المعلمين عَن بَيت المَال وَقلة الْمُرُوءَة فِي الْأَغْنِيَاء أما فِي ذَلِك الزَّمَان فَإِنَّمَا كره أَصْحَابنَا ذَلِك لقُوَّة حرصهم على الْحِسْبَة ووفور عطائهم فِي بَيت المَال وَكَثْرَة الْمُرُوءَة فِي التُّجَّار والأغنياء فَكَانُوا مستغنين عَن أَخذ الْأُجْرَة
стр. 20
الْبَاب الثَّالِث
فِي الاحتساب على المخنث
غزل الرجل إِذا كَانَ على مِثَال غزل الْمَرْأَة يكره لِأَنَّهُ تشبه بِهن وروى القَاضِي الإِمَام الشّعبِيّ فِي كتاب الِاسْتِحْسَان من كِفَايَته بِإِسْنَادِهِ عَن رَسُول الله لعن الله تَعَالَى المونثين من الرِّجَال والمذكرات من النِّسَاء وَذكر فِي شرح الْكَرْخِي وَغَيره أَنه كَانَ فِي بَيت أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا هيت المخنث فَلَمَّا حاصر رَسُول الله الطَّائِف قَالَ هيت لعمر بن أبي
стр. 21
سَلمَة إِذا فتح الله تَعَالَى علينا الطَّائِف دللتك على نَادِيَةَ بنت غيلَان فَإِنَّهَا تقبل بِأَرْبَع وتدبر بثمان فَقَالَ رَسُول الله هَذَا الْخَبيث يعرف هَذَا لَا يدْخل عَلَيْكُم قَالَ العَبْد أصلحه الله تَعَالَى ثَبت بِهَذَا الْخَبَر أَن دُخُول المخنث فِي الْبَيْت كَانَ جَائِزا فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام ثمَّ نسخ فَلَا يتْرك فِيمَا بَين النِّسَاء لِأَنَّهُ مَنْسُوخ فيحتسب على من يَدعُوهُ إِلَى بَيته للنوح بَين النِّسَاء لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا لنَفس دُخُوله بَين النِّسَاء الأجنبيات
وَالثَّانِي لنوجه ذكر فِي الْمغرب هيث بِالْبَاء بعد الْهَاء وَقيل هُوَ تَصْحِيح هنب بالنُّون وَالْبَاء قَوْله تقبل بِأَرْبَع عني بالأربع عُكَن الْبَطن وبالثماني فِي أطرافها لِأَن لكل عكنة طرفين إِلَى جنبيها
مَسْأَلَة
وَيخرج المخنث من الْبيُوت لما سنرويه فِي بَاب الاحتساب بِالْإِخْرَاجِ
стр. 22
الْبَاب الرَّابِع
فِي الْفرق بَين الْمُحْتَسب الْمَنْصُوب والمتطوع
وَذَلِكَ من وُجُوه
أَحدهَا إِذا عجز المتطوع عَن الاحتساب فَهُوَ مَعْذُور وَإِذا عجز الْمَنْصُوب فَهُوَ غير مَعْذُور لِأَنَّهُ يُمكنهُ أَن يَسْتَعِين بأعوانه فَإِن لم يكفه أعوانه فبأعوان السُّلْطَان وَأما المتطوع فيستعين بِأَهْل الصّلاح فَإِن لم يعنه أحد يعْذر فِي ذَلِك يَعْنِي لَا يكون آثِما بِتَرْكِهِ وَأما ثَوَاب الاحتساب فَلَا يَنَالهُ إِلَّا بِفِعْلِهِ لِأَن الْأجر جَزَاء الْعَمَل وَيَقُول بِقَلْبِه وَلسَانه إِن هَذَا مُنكر يسْتَحق الثَّوَاب عَلَيْهِ لقَوْل ابْن مَسْعُود رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ حسب امْرِئ مِنْكُم إِذا رأى مُنْكرا لَا يَسْتَطِيع لَهُ تغييرا أَن يعلم الله لَهُ من قلبه أَنه كَارِه وَعَن بعض الصَّحَابَة ﵁ أَنه قَالَ إِذا رأى أحد مِنْكُم مُنْكرا لَا يَسْتَطِيع النكير عَلَيْهِ
стр. 23
فَلْيقل ثَلَاث مَرَّات اللَّهُمَّ إِن هَذَا مُنكر فَإِذا قَالَ ذَلِك فَلهُ ثَوَاب من أَمر بِالْمَعْرُوفِ وَنهي عَن الْمُنكر
وَالثَّانِي أَن الْمُحْتَسب الْمَنْصُوب كِفَايَته فِي بَيت المَال من الْجِزْيَة وَالْخَرَاج وَنَحْوهمَا
لِأَنَّهُ عَامل للْمُسلمين مَحْبُوس لَهُم فَيكون كِفَايَته فِي مَالهم وَصَارَ كأرزاق الْوُلَاة والقضاة والغزاة والمفتين والمعلمين من الْمُلْتَقط بِخِلَاف المتطوع لِأَنَّهُ غير مَحْبُوس لذَلِك
وَالثَّالِث إِن الْحِسْبَة قد تجب على الْمَنْصُوب بِحَسب عقد آخر وعَلى غير الْمَنْصُوب لَا تجب إبتداء نطيرة إِذا رأى الْمُودع سَارِقا يسرق الْوَدِيعَة فَلم يمنعهُ وَهُوَ يقدر على مَنعه ضمنه لِأَنَّهُ بترك الْمَنْع ترك الْحِفْظ الْمُلْتَزم فَيضمن وَأما الْمَنْصُوب فَلَا يضمن فِيمَا قصر فِيهِ لِأَن التَّضْمِين لَا يلْحق الْحَاكِم وَنَحْوه وَإِلَّا لامتنع النَّاس عَن التَّقْلِيد فَيلْزم الضَّرَر الْعَام فَلَو امْتنع النَّاس عَن الاستيداع يلْزم الضَّرَر الْخَاص فَافْتَرقَا
وَالرَّابِع مَا ذكر فِي الْفَصْل الرَّابِع عشر من جنايات الذَّخِيرَة من حفر بِئْرا فِي الطَّرِيق الْعَام ليستقي مِنْهَا المَاء فَوَقع فِيهَا إِنْسَان ضمنه وَإِن كَانَ
стр. 24
مَا أَقَامَ حَسبه لِأَنَّهُ جِنَايَة من حَيْثُ إِنَّه أبطل حق الْمُرُور على النَّاس وأبطل الرَّأْي وَالتَّدْبِير على الإِمَام أَيْضا لِأَنَّهُ فعله بِغَيْر إِذْنه فَفعل ذَلِك مِنْهُ جِنَايَة وَالْإِمَام لَو فعله لَا يضمن لِأَنَّهُ صَاحب ولَايَة
стр. 25
الْبَاب الْخَامِس
فِي التَّعْزِير
الأَصْل أَن الْإِنْسَان يُعَزّر لجل التُّهْمَة وَعَلِيهِ مسَائِل
مِنْهَا إِذا رأى الإِمَام رجلا جَالِسا مَعَ الْفُسَّاق فِي مجْلِس الشّرْب عزره وَإِن كَانَ هُوَ لَا يشرب وَمِنْهَا إِذا رأى الإِمَام رجلا يمشي مَعَ السراق عزره وَمِنْهَا الْمُدعى عَلَيْهِ بِالسَّرقَةِ إِذا أنكر السّرقَة حُكيَ عَن الْفَقِيه ابي بكر الْأَعْمَش إِن الإِمَام يعْمل فِيهِ بأكبر راية فَإِن كَانَ أكبر رايه أَنه سَارِق وَأَن المَال عِنْده عزره ويجور لَهُ ذَلِك أَلا يرى أَن إِرَاقَة الدَّم بأكبر الرَّأْي جَائِز فَإِن من دخل على غَيره شاهرا سلاحه وَوَقع عِنْد ذَلِك فِي قلبه أَنه دخل ليَقْتُلهُ حل لَهُ قَتله وَعَامة الْمَشَايِخ أَن الإِمَام يعزره لِأَنَّهُ وجده فِي مَوضِع التُّهْمَة وَالْإِنْسَان يُعَزّر لأجل التُّهْمَة كُله من متفرقات سَرقَة الذَّخِيرَة
مَسْأَلَة
وَالْفرق بَين الْحَد وَالتَّعْزِير من وُجُوه
стр. 26
أَحدهَا أَن الْحَد مُقَدّر شرعا وَالتَّعْزِير مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام
وَالثَّانِي أَن الْحُدُود تندرئ بِالشُّبُهَاتِ وَالتَّعْزِير يجب مَعَ الشُّبُهَات
وَالثَّالِث أَن الْحَد لَا يشرع على الصَّبِي وَالتَّعْزِير يشرع عَلَيْهِ
وَالرَّابِع أَن الْحَد يُطلق على الذِّمِّيّ إِذا كَانَ مُقَدرا وَالتَّعْزِير لَا يُطلق عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُسمى عُقُوبَة لِأَن التَّعْزِير شرع للتطهير وَالْكَافِر لَيْسَ من أهل التَّطْهِير وَإِنَّمَا يُسمى فِي حق أهل الذِّمَّة إِذا كَانَ غير عُقُوبَة من مَبْسُوط شمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ فِي بَاب أَحْكَام أهل الذِّمَّة ولوجوب التَّعْزِير أَسبَاب
стр. 27
مِنْهَا رجل لَهُ غَرِيم جَاءَ إِنْسَان وانتزعه من يَده يُعَزّر وَلَكِن لَا ضَمَان عَلَيْهِ أما التَّعْزِير فَلِأَنَّهُ جنى وَأما عدم الضَّمَان فَلِأَنَّهُ لم يتْلف المَال وَفِي الْخَانِية لَو قَالَ أَنا لَا أعمل بفتوى الْفُقَهَاء أَو لَيْسَ كَمَا قَالَ الْعلمَاء فَإِنَّهُ يُعَزّر وَلَا يكفر وَالتَّعْزِير يثبت مَعَ الشُّبْهَة وَلِهَذَا يسْتَخْلف فِيمَا يُوجب التَّعْزِير وَيحكم فِيهِ بِالنّكُولِ من شرح أدب القَاضِي للخصاف وَذكر فِي الذَّخِيرَة قَالَ أَبُو حنيفَة رَحْمَة الله تَعَالَى لَا يبلغ بِهِ أَرْبَعِينَ سَوْطًا وَقَالَ أَبُو
стр. 28
يُوسُف لَا يبلغ بِهِ ثَمَانِينَ سَوْطًا وَاخْتلفت الرِّوَايَات عَن ابي يُوسُف بعد ذَلِك قَالَ فِي رِوَايَة بِضَرْب إِلَى تِسْعَة وَسبعين سَوْطًا وَقَالَ فِي رِوَايَة إِلَى خَمْسَة وَسبعين وَالْأول أصح وَقَول مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْكتب مُضْطَرب ذكر فِي بعض الْمَوَاضِع مَعَ أبي حنيفَة وَفِي بَعْضهَا مَعَ أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى
وَاعْلَم بِأَن التَّعْزِير قد يكون بِالْحَبْسِ وَقد يكون بالصفع وتفريك الْأذن وَقد يكون بالْكلَام العنيف وَقد يكون بِالضَّرْبِ وَعَن أبي يُوسُف أَن التَّعْزِير
стр. 29
من السُّلْطَان بِأخذ المَال جَائِز فِي غير حد وَلَا خلاف بَين الْعلمَاء أَنه لَا يبلغ بِهِ الْحَد قَالَ رَسُول الله ﷺ من بلغ حدا فِي غير حد فَهُوَ من الْمُعْتَدِينَ وَبعد هَذَا اعْتبر أَبُو حنيفَة حد العبيد وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ سَوْطًا فَقَالَ ينقص عَنهُ سَوط وَيضْرب تِسْعَة وَثَلَاثِينَ سَوْطًا وَأَبُو يُوسُف اعْتبر حد الْأَحْرَار وَذَلِكَ ثَمَانُون سَوْطًا وَقَالَ ينقص عَنهُ سَوط وَيضْرب تِسْعَة وَسبعين على أصح الرِّوَايَتَيْنِ وَهَذَا الِاخْتِلَاف فِي أقْصَى التَّعْزِير وَأما أدناه فَهُوَ مفوض إِلَى رَأْي الإِمَام يُقيم بِقدر مَا يرى الْمصلحَة فِيهِ قَالَ العَبْد ذكر فِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن أبي بردة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يجلد فَوق عشرَة أسواط إِلَّا فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى
стр. 30
فَهَذَا يدل على أَنه لَا يجوز الزِّيَادَة على الْعشْرَة وَلَكِن أَجمعُوا على أَنه يجوز فَكَانَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ أولى
وتسخيم الْوَجْه لَا يجوز لِأَنَّهُ مثله فَإِن قيل رُوِيَ أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ سخم وَجه شَاهد الزُّور فَنَقُول عساه رأى مِنْهُ مصلحَة خَاصَّة من شرح الْمَنْظُومَة فِي شرح مَسْأَلَة شُهُود الزُّور وَأما مَا اعتاده أهل الْحِسْبَة من إطافة السوقيين بعد تَحْقِيق جنايتهم وخيانتهم فأصله مَا ذكر فِي شرح أدب إطافة السوقين بعد تَحْقِيق جنايتهم وخيانتهم فأصله مَا ذكر فِي شرح أدب القَاضِي للخصاف أَن شَاهد الزُّور يُطَاف بِهِ ذكره فِي الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ مِنْهُ
مَسْأَلَة
إِذا مَاتَ من التَّعْزِير هَل يجل الضَّمَان على المعزر
الْجَواب
مَا ذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير الخاني أَرْبَعَة شهدُوا على رجل بِمَا يُوجب التَّعْزِير فعزره الإِمَام وَمَات مِنْهُ فَلَا ضَمَان قَالَ الشَّافِعِي يجب ضَمَانه فِي بَيت المَال وَلَو شهدُوا بِمَا يُوجب الْحَد فَضرب وَمَات فِيهِ لَا يجب الضَّمَان
стр. 31
بالاجماع وَالشَّافِعِيّ يحْتَج إِلَى الْفرق بَين الْحَد وَالتَّعْزِير فَقَالَ التَّعْزِير مَشْرُوع للتأديب فَيكون مُبَاحا كتأديب الْوَلَد وَالزَّوْجَة فيتقيد بِشَرْط السَّلامَة وَلنَا أَن التَّعْزِير وَاجِب كالحد لِأَنَّهُ جَزَاء فعل محضور فَيكون وَاجِبا بِخِلَاف التَّأْدِيب لِأَنَّهُ غير وَاجِب بل هُوَ مُبَاح
وَفِي الذَّخِيرَة عَن أبي يُوسُف رَحمَه الله تَعَالَى فِي وَال عزّر مائَة فَمَاتَ الرجل قَالَ لَا أضمنه لِأَنَّهُ قد جَاءَ أَن أَكثر مَا عزروا مائَة وَلم يموتوا
فَإِن زَاد على الْمِائَة فَنصف الدِّيَة على بَيت المَال لِأَنَّهُ خطأ من الْوَالِي فَإِن جَاءَ مِنْهُ مَا يعلم أَنه تَعَمّده فَلَيْسَ بخطأ وَهَذَا فِي التّلف بالتعزير وَأما إِذا تلف بالأعلاء فَهُوَ ضَامِن وعَلى عَاقِلَته الدِّيَة لِأَنَّهُ خطأ الاعلاء مُبَاح مُقَيّد بِشَرْط السَّلامَة من شرح أدب القَاضِي للخصاف وَذكر فِي الْجَامِع الصَّغِير الخاني فِي الشَّهَادَات وَلَا يسجى وَجهه أَي وَجه شَاهد الزُّور عِنْد التشهير لِأَنَّهُ يخل بالتشهير قَالَ العَبْد وَمن هَذَا أَخذ بكشف الرَّأْس وَالْوَجْه عِنْد
стр. 32
الإطافة فِي الْأَسْوَاق وَمن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للتعزير إِذا أَخذ رجل مَعَ أَجْنَبِيَّة وعاينوا مِنْهُ عَلَيْهَا شَيْئا من الدَّوَاعِي بِدُونِ الْجِمَاع فَإِنَّهُ يبلغ التَّعْزِير أقصاه من الذَّخِيرَة وَيضْرب فِي التَّعْزِير أَشد الضَّرْب وَيجمع فِي عُضْو وَاحِد إِذا كَانَ أقل التَّعْزِير وَإِن كَانَ أقصاه يفرق وَعَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ التَّعْزِير لَا يضْرب إِلَّا على الظّهْر والإلية قَالَ ويجرد الظّهْر عِنْد الضَّرْب
وَذكر فِي الْفَصْل الثَّامِن عشر من سير الذَّخِيرَة وَإِذا أَدخل الْمُسلم فِي مصر الْمُسلمين خمرًا أَو خنزيرا فَرَأى الإِمَام أَن يؤدبه بأسواط ويحبسه حَتَّى يظْهر تَوْبَته من ذَلِك الْفِعْل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ صَار مستوجبا للتعزير بارتكاب مَا لَا يحل وَهُوَ إِظْهَار الْخمر وَالْخِنْزِير فِي مصر الْمُسلمين فَإِن اقْتصر على أحدعما أما الضَّرْب أَو الْحَبْس فَلهُ ذَلِك لِأَن ذَلِك بطرِيق التَّعْزِير وَقد يكون التَّعْزِير بعقوبتين وَقد يكون بعقوبة واحده وَأما إِن فعله ذمِّي فَإِن كَانَ جَاهِلا بِحرْمَة هَذَا الْفِعْل يتْرك وَيعلم وَإِن كَانَ عَالما عزّر بِالْحَبْسِ وَالضَّرْب أَو بِأَحَدِهِمَا كَمَا قُلْنَا ويحتسب على الذِّمِّيّ أَن يتشبه بِالْمُسْلِمين فِي ثِيَابهمْ وركوبهم وسروجهم فَلَا يلبسُونَ ثوبا يخْتَص بِأَهْل الصّلاح وَالْعلم وَلَا يركبون الْخَيل إِلَّا إِذا كَانَ
стр. 33
فِيهِ ضَرُورَة بِأَن اسْتَعَانَ بهم الإِمَام للمحاربة
وَلَا يمْنَعُونَ من ركُوب الْحمار لِأَنَّهُ رُبمَا لَا يقدر على الْمَشْي وَلَا يمْنَعُونَ عَن ركُوب الْبَغْل أَيْضا لِأَنَّهُ من نسل الْحمار وَلَا تكون سروجهم مثل سروجنا بل يكون مثل الأكاف فَنَقُول يمْنَعُونَ عَن لبس الرِّدَاء والعمائم والدراعة الَّتِي يلبسهَا عُلَمَاء الدّين لِأَن فِيهِ شرفا وَكَذَلِكَ يمْنَعُونَ أَن يكون شرال نعلهم كشراك نعلنا وخفهم كخفنا دفعا للمشابهة بَيْننَا وَبينهمْ وَالْمعْنَى فِيهِ أَن الْكَافِر يهان وَالْمُسلم يكرم وَفِي المشابهة بَينهمَا ترك أحد الْأَمريْنِ وَلِأَنَّهُم لَو تشبهوا لنا لصار تشبهنا بهم أَيْضا فَإِن المشابهة تقوم بَين وَفِي تشبهنا بهم وَعِيد قَالَ ﵇ من تشبه بِقوم فَهُوَ مِنْهُم ثمَّ اخْتلفُوا أَن إِحْدَى العلامات الثَّلَاث تَكْفِي إِمَّا فِي الرَّأْس أَو الْبدن أَو الرجلَيْن يشْتَرط الْكل وَأفْتى الشَّيْخ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْفضل أَن الْوَاحِدَة فِي
стр. 34
النَّصْرَانِي والثنتين فِي الْيَهُودِيّ وَالثَّلَاث فِي الْمَجُوسِيّ قَالَ العَبْد وكفار دِيَارنَا شَرّ من الْمَجُوس فَيلْزم عَلَيْهِم الْأَخْذ بِثَلَاث عَلَامَات وَهل يَأْكُل مَعَ الْكَافِر فَإِن كَانَ مرّة أَو مرَّتَيْنِ لتأليف قلبه على الْإِسْلَام فَلَا بَأْس بِهِ فَإِن ﵇ أكل مَعَ كَافِر مرّة فحملناه على أَنه كَانَ لتأليف قلبه على الْإِسْلَام وَلَكِن تكره المداومة عَلَيْهِ لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵊ انه قَالَ من الْجفَاء أَن تؤاكل من غير أهل دينك وَحمل هَذَا الحَدِيث على المداومة أَو يحمل الحَدِيث الأول على أَن كَانَت نِيَّته تأليف قلبه على الْإِسْلَام تَوْفِيقًا بَين الْحَدِيثين كُله من الذَّخِيرَة فِي الْفَصْل الثَّامِن عشر من السّير
وَذكره فِي شرح أدب القَاضِي للخصاف فِي الْبَاب الثَّلَاثِينَ أَن التَّعْزِير قد يكون بعبوس الْوَجْه وَذكر فِي شرح الْكَرْخِي أَن عمر رأى قوما لبسوا الْحَرِير فَتغير وَجهه وَأعْرض عَنْهُم وَتَمَامه يعرف فِي بَاب الاحتساب فِي لبس الثِّيَاب وَمن مُوجبَات التَّعْزِير كِتَابَة الصكوك والخطوط بالتزوير وَتَمَامه يعرف فِي بَاب الاحتساب على الْقُضَاة وأعوانهم وَمن مُوجبَات التَّعْزِير سقِِي الابْن
стр. 35
الصَّغِير الْخمر وَيعرف فِي بَاب الاحتساب بِسَبَب الغلمان وَمِنْهَا الممازحة فِي أَحْكَام الشَّرِيعَة وَيعرف فِي بَاب الاحتساب على الْقُضَاة وَمِمَّا يُوجب التَّعْزِير مَا إِذا دفع إِنْسَان بكرا فَزَالَتْ عذرتها بِالدفع اتِّفَاقًا وَفِي وجوب الْمهْر على الدَّافِع اخْتِلَاف كُله من متفرقات حُدُود الذَّخِيرَة
وَمِمَّا يُوجب التَّعْزِير مَا ذكره ابْن رستم عَن مُحَمَّد فِيمَن قطع ذَنْب برذون أَو حلق شعر جَارِيَة وَذَلِكَ ينقصها قَالَ لَا شَيْء عَلَيْهِ إِلَّا أَنه يُؤَدب لِأَن الذَّنب يطول وَالشعر ينْبت يَعْنِي لَو قضينا بِالْأَرْشِ لَعَلَّه ينْبت الشّعْر وَيطول الذَّنب وَعَاد الى حَاله كَمَا كَانَ فَيجب رد الْأَرْش فَلَا يُفِيد الْقَضَاء من جنايات الذَّخِيرَة
وَمِنْهَا مَا لَو أكره السُّلْطَان رجلا على قتل مُسلم بِغَيْر حق أَو وعده بقوله إِن لم تقتله أَقْتلك فَقتله فالقصاص على السُّلْطَان وَالتَّعْزِير على الْقَاتِل
стр. 36
عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لِأَنَّهُ فعل فعلا مُنْكرا من الْكِفَايَة فِي الْإِكْرَاه
وَمِنْهَا أَنه إِذا أكره رجل غَيره على الزِّنَا فزنا يجب على الَّذِي أكرهه التَّعْزِير وعَلى هَذَا الزَّانِي الْحَد على قَول مُحَمَّد وَزفر رحمهمَا الله وَهُوَ قَول أبي حنيفَة أَولا ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ يجب الْحَد للشُّبْهَة وَلَكِن يُعَزّر وَيجب التَّعْزِير من الْكِفَايَة فِي الْإِكْرَاه
وَمِنْهَا أَنه إِذا رأى إنْسَانا جَالِسا مَعَ الْفُسَّاق فِي مجْلِس الْفسق يعزره وَإِن كَانَ هُوَ لَا يشرب الْخمر وَكَذَا لَو رَآهُ يمشي مَعَ السراق يعزره وَكَذَا لَو ادّعى إِنْسَان على آخر سَرقَة وَمَعَهُ مَتَاعه وَهُوَ مُنكر وَلَا شَاهد عَلَيْهِ قَالَ عَامَّة الْمَشَايِخ أَنه يعزره لِأَنَّهُ وجده فِي مَوضِع التُّهْمَة وَالْإِنْسَان يُعَزّر لأجل التُّهْمَة من سَرقَة الذَّخِيرَة
وَفِي سير الْمُحِيط إِذا جَاءَ أحد الْخَصْمَيْنِ إِلَى صَاحبه بفتوى الْأَئِمَّة فَقَالَ
стр. 37
صَاحبه لَيْسَ كَمَا أفتوا أَو قَالَ لَا أعمل بِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ التَّعْزِير لِأَنَّهُ بَاشر مُنْكرا
مَسْأَلَة
فِي الْفَصْل الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَهَادَات الذَّخِيرَة من الْفسق مَا لَا يُوجب التَّعْزِير كيمين الْغمُوس وَالْبيع الْفَاسِد وَالْإِجَارَة الْفَاسِدَة
وَالتَّعْزِير قد يكون بالقيد أَيْضا ذكره فِي كَرَاهِيَة الْجَامِع الصَّغِير الخاني وَيجوز تَقْيِيد الداعر وَالسَّفِيه
مَسْأَلَة
وَذكر فِي بَاب الْقَتْل من جنايات الْخَانِية وَلَو سقَاهُ سما حَتَّى مَاتَ فَهُوَ على وَجْهَيْن
إِن دفع إِلَيْهِ السم حَتَّى أكل وَلم يعلم بِهِ فمانت لَا قصاص فِيهِ وَلَا دِيَة وَيحبس وَيُعَزر وَلَو أوجر إيجارا تجب الدِّيَة على عَاقِلَته
وَإِن دفع إِلَيْهِ فِي شربه فَشرب وَمَات لَا تجب الدِّيَة لِأَنَّهُ شرب بِاخْتِيَارِهِ إِلَّا أَن الدَّافِع خدعه فَلَا يجب فِيهِ إِلَّا التَّعْزِير
стр. 38
مَسْأَلَة
وَمن مُوجبَات التَّعْزِير الزّهْد الْبَارِد وَفِي اليواقيت رُوِيَ أَن رجلا وجد تَمْرَة ملقاة فِي سوق الْمَدِينَة فِي زمن عمر بن الْخطاب فَأَخذهَا وَقَالَ من فقد هَذِه التمرة وَهُوَ يُكَرر كَلَامه ويعرفها وَيظْهر زهده وَمرَاده من هَذَا الْكَلَام إِظْهَار رزهده وورعه وديانته على النَّاس فَسمع عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَلَامه وَعرف مُرَاده فَقَالَ كل يَا بَارِد فَإِنَّهُ ورع بغضه الله تَعَالَى وضربه بِالدرةِ
مَسْأَلَة
وَمن مُوجبَات التَّعْزِير إباق الْمَمْلُوك ذكر فِي الذَّخِيرَة وَإِذا أَخذ الإِمَام الأبق حَبسه إِلَى أَن يَجِيء لَهُ طَالب وَيكون هَذَا الْحَبْس بطرِيق التَّعْزِير وَبِهَذَا الْمَعْنى يَقع الْفرق بَين الأبق والضال فَإِن القَاضِي لَا يحبس الضال لِأَنَّهُ لَا يسْتَحق التَّعْزِير
مَسْأَلَة
وَذكر الشَّيْخ أَبُو بكر الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بالحصاص فِي كتاب أَحْكَام
стр. 39
الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله فَأمر بقتالهم إِلَى أَن يرجِعوا إِلَى الْحق فَدلَّ على أَن التَّعْزِير يجب إِلَى أَن يعلم إقباله إِلَى تَوْبَته إِذا كَانَ التَّعْزِير للزجر والردع وَلَا مِقْدَار لذَلِك مَعْلُوم فِي الْعَادة كَمَا أَن قتال الْبُغَاة لما كَانَ للردع وَجب فعله إِلَى أَن يرتدعوا وينزجروا قَالَ أَبُو بكر إِنَّمَا اقْتصر من لم يبلغ بالتعزير الْحَد على ذَلِك لما رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من بلغ حدا فِي غير حد فَهُوَ من الْمُعْتَدِينَ
стр. 40
الْبَاب السَّادِس
فِي الاحتساب على الْفُقَرَاء
مَسْأَلَة
هَل يجوز أَن يبْنى لهَؤُلَاء المبتدعة مَوَاضِع يبتدعون فِيهَا
الْجَواب
ذكر فِي قتاوى أبي اللَّيْث رجل بنى رِبَاطًا للْمُسلمين على أَن يكون فِي يَده مَا دَامَ حَيا فَلَيْسَ لأحد أَن يُخرجهُ من يَده مَا لم يظْهر مِنْهُ أَمر يُوجب الْإِخْرَاج من يَده كشرب الْخمر فِيهِ أَو مَا يشبه ذَلِك من الْفسق الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رِضَاء الله تَعَالَى لِأَن شَرط الْوَاقِف يجب اعْتِبَارهَا وَلَا يجوز تَركهَا إِلَّا للضَّرُورَة
следующие страницы →