← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9680

أم القرى

الكواكبي

Полный текст (243 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مُقَدّمَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا مُحَمَّد أفضل المخلوقين، وعَلى آله وَأَصْحَابه أنصار دينه الْأَوَّلين، وعَلى أتباعهم فِي مسالكهم إِلَى يَوْم الدّين. أما بعد فَأَقُول، وَأَنا هُوَ الرحالة المتكنى بالسيد الفراتي: إِنَّه لما كَانَ عهدنا هَذَا، وَهُوَ أَوَائِل الْقرن الرَّابِع عشر، عهدا عَم فِيهِ الْخلَل والضعف كَافَّة الْمُسلمين، وَكَانَ من سنة الله فِي خلقه أَن جعل لكل شَيْء سَببا، فَلَا بُد لهَذَا الْخلَل الطَّارِئ، والضعف النَّازِل، من أَسبَاب ظاهرية غير سر الْقدر الْخَفي عَن الْبشر؛ فدعَتْ الحمية بعض أفاضل الْعلمَاء والسراة وَالْكتاب السياسيين للبحث عَن أَسبَاب ذَلِك، والتنقيب عَن أفضل الْوَسَائِل للنهضة الإسلامية، فَأخذُوا ينشرون آراءهم فِي ذَلِك فِي بعض الجرائد الإسلامية الْهِنْدِيَّة

стр. 2

والمصرية والسورية والتاتارية، وَقد اطَّلَعت على كثير من مقالاتهم الغراء فِي هَذَا الْمَوْضُوع الْجَلِيل، وَاتَّبَعت أَثَرهم بنشر مَا لَاحَ لي فِي حل هَذَا الْمُشكل الْعَظِيم. ثمَّ بدا لي أَن أسعى فِي توسيع هَذَا الْمَسْعَى بِعقد جمعية من سراة الْإِسْلَام فِي مهد الْهِدَايَة أَعنِي " مَكَّة المكرمة ". فَقَعَدت الْعَزِيمَة متوكلاً على الله تَعَالَى على إِجْرَاء سياحة مباركة بزيارة أُمَّهَات الْبِلَاد الْعَرَبيَّة، لاستطلاع الأفكار وتهيئة الِاجْتِمَاع فِي موسم أَدَاء فَرِيضَة الْحَج، فَخرجت من وطني، أحد مدن الْفُرَات، فِي أَوَائِل محرم سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة وَألف وكلي السن تنشد: (دراك فَمن يدنف لعمرك يدْفن ... وَمَا نَافِع نوح مَتى قيل قد فني) (دراك فَإِن الدّين قد زَالَ عزه ... وَكَانَ عَزِيزًا قبل ذَا غير هَين) (فَكَانَ لَهُ أهل يُوفونَ حَقه ... بهدى وتلقين وَحسن تلقن) (إلام وَأهل الْعلم أحلاس بَيتهمْ ... أما صَار فرضا رأب هَذَا التوهن) (هلموا إِلَى بذل التعاون إِنَّه ... بإهماله إِثْم على كل مُؤمن) (هلموا إِلَى (أم الْقرى) وَتَآمَرُوا ... وَلَا تقنطوا من روع رب مهيمن) (فَإِن الَّذِي شادته أسياف قبلكُمْ ... هُوَ الْيَوْم لَا يحْتَاج إِلَّا لألسن)

стр. 3

فَأتيت بَلْدَة لَا اسميها، وَمَا أطلت الْمقَام فِيهَا حَيْثُ وَجدتهَا كَمَا وصف أُخْتهَا أَبُو الطّيب بقوله: (وَلم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عِنْد مثلهمو مقَام) (بِأَرْض مَا اشْتهيت رَأَيْت فِيهَا ... فَلَيْسَ بفوتها الْإِكْرَام) فَخرجت مِنْهَا سالكا الطَّرِيق البحري من إسكندرون معرجاً على بيروت فدمشق ثمَّ يافا فالقدس، ثمَّ جِئْت إسكندرية فمصر، ثمَّ من السويس يممت الحديدة فصنعاء فعدن، وَمِنْهَا قصدت عمان فالكويت، وَمِنْهَا رجعت إِلَى الْبَصْرَة وَمِنْهَا إِلَى حَائِل إِلَى الْمَدِينَة على منورها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام، على مَكَّة المكرمة فوصلتها فِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة؛ فَوجدت أَكثر الَّذين أجابوا الدعْوَة مِمَّن كنت اجْتمعت بهم من أفاضل الْبِلَاد الْكَبِيرَة الْمَذْكُورَة وسراتها قد سبقوني بموافاتها، وَمَا انتصف الشَّهْر وَهُوَ موعد التلاقي إِلَّا وَقدم الْبَاقُونَ مَا عدا الأديب الْبَيْرُوتِي الَّذِي حرمنا الْقدر ملاقاته لسَبَب أَنبأَنَا عَنهُ فعذرناه. وَفِي أثْنَاء انتظارنا منتصف الشَّهْر، سعيت مَعَ بعض الإخوان الوافدين فِي تحري وتخير اثنى عشر عضوا أَيْضا لأجل إضافتهم

стр. 4

للجمعية، وهم من مراكش وتونس والقسطنطينية وبغجة سراي وتفليس وتبريز وكابل وكشغر وقازان وبكين ودلهي وكلكته وليفربول. وَإِذ كنت الْمُبَاشر لهَذِهِ الدعْوَة بادرت واتخذت لي دَارا فِي حَيّ متطرف فِي مَكَّة، مُنَاسبَة لعقد الاجتماعات بِصُورَة خُفْيَة، وَمَعَ ذَلِك استأجرتها باسم بواب داغستاني روسي لتَكون مصونة من التَّعَرُّض رِعَايَة للِاحْتِيَاط. وَقد انْعَقَد من منتصف الشَّهْر إِلَى سلخه اثْنَا عشر اجتماعاً غير اجْتِمَاع الْوَدَاع، جرت فِيهَا مذاكرات مهمة، صَار ضَبطهَا وتسجيلها بِكَمَال الدقة كَمَا سَيعْلَمُ من مطالعة هَذَا السّجل المتضمن كَيْفيَّة الاجتماعات مَعَ جَمِيع المفاوضات والمقررات، غير مَا آثرت الجمعية كتمه كَمَا سيشار إِلَيْهِ.

стр. 5

الِاجْتِمَاع الأول يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر ذِي الْعقْدَة سنة ١٣١٦ فِي الْيَوْم الْمَذْكُور انتظمت الجمعية للمرة الأولى وأعضاؤها اثْنَان وَعِشْرُونَ فَاضلا، كلهم يحسنون الْعَرَبيَّة، فَبعد أَن عرفت كلا مِنْهُم لباقي إخوانه، وتعارفوا بالوجوه، بادرتهم بتوزيع اثْنَيْنِ وَعشْرين قَائِمَة مهيئات قبلا، مطبوعات بمطبعة الجلاتين الَّتِي استعرتها من تَاجر هندي فِي مَكَّة لأجل طبع هَذِه الْقَائِمَة وأمثالها من أوراق الجمعية، محرراً فِي نسخ الْقَائِمَة مُخْتَصرا تراجم إخْوَان الجمعية جَمِيعهم، بِبَيَان الِاسْم وَالنِّسْبَة وَالْمذهب والمزية الخصوصية، وموضحاً فِيهَا أَيْضا مِفْتَاح الرموز الَّتِي يحْتَاج الإخوان لاستعمالها. وأعضاء الجمعية هم: " ٤٤٣١٣٨١٥١٢٧٩٨١٢١٧٦٦٣٥٥٨٤٥٢٢ ٨٤١٣٢٥٩٣٦٥٧٢٧٨٣٥٢٦٤٣٣٢٣٢٧٤٠٤٩١٩٨٦٧٥٦٢٣٢١ " واعني بذلك: " السَّيِّد الفراتي: والفاضل الشَّامي، البليغ الْقُدسِي، الْكَامِل

стр. 6

الإسكندري، الْعَلامَة الْمصْرِيّ، الْمُحدث اليمني، الْحَافِظ الْبَصْرِيّ الْعَالم النجدي، الْمُحَقق الْمدنِي، الْأُسْتَاذ الْمَكِّيّ، الْحَكِيم التّونسِيّ، المرشد الفاسي، السعيد الإنكليزي، الْمولى الرُّومِي، الرياضي الْكرْدِي، الْمُجْتَهد التبريزي، الْعَارِف التاتاري، الْخَطِيب القازاني، المدقق التركي، الْفَقِيه الأفغاني، الصاحب الْهِنْدِيّ، الشَّيْخ السندي، الإِمَام الصيني. ثمَّ بادرت الإخوان جاهراً بِكَلِمَة شعار الْأُخوة الَّتِي يعرفونها مني من قبل وَهِي (لَا نعْبد إِلَّا الله) مسترعياً سمعهم، وخاطبتهم بِقَوْلِي: " من كَانَ مِنْكُم يعاهد الله تَعَالَى على الْجِهَاد فِي إعلاء كلمة الله وَالْأَمَانَة لإخوان التَّوْحِيد أَعْضَاء هَذِه الجمعية الْمُبَارَكَة فليجهر بقوله: على عهد الله بِالْجِهَادِ وَالْأَمَانَة، وَمن كَانَ لَا يُطيق الْعَهْد فليعنزلنا "؛ وَمَا جال نَظَرِي فيهم إِلَّا وسارع الَّذِي عَن يَمِيني إِلَى عقد الْعَهْد ثمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثمَّ وَثمّ إِلَى آخِرهم. ثمَّ التمست مِنْهُم أَن ينتخبوا أحدهم رَئِيسا يُدِير الجمعية ومذاكراتها، وَآخر كَاتبا يضْبط المفاوضات ويسجل المقررات؛ فَأَجَابَنِي الْعَلامَة الْمصْرِيّ: " إِن معرفَة الإخوان بَعضهم بَعْضًا جَدِيدَة الْعَهْد، وَإنَّك

стр. 7

أشملهم معرفَة بهم، فَأَنا أترك الانتخاب لَك "؛ وَمَا أتم رَأْيه هَذَا إِلَّا وَأجْمع الْكل على ذَلِك، فَحِينَئِذٍ أعلنت لَهُم أَنِّي أتخير للرئاسة الْأُسْتَاذ الْمَكِّيّ، وأتخير نَفسِي لخدمة الْكِتَابَة، تفادياً عَن أتعاب غَيْرِي فِي الْخدمَة الَّتِي يمكنني الْقيام بهَا، واستأذنت الأفاضل الأعجام مِنْهُم بِنَوْع من التَّصَرُّف فِي تَحْرِير بعض ألفاظهم، فأظهر الْجَمِيع الرضاء والتصويب، وَصرح الْأُسْتَاذ بِالْقبُولِ مَعَ الامتنان من حسن ظنهم بِهِ، وَاسْتولى على الجمعية السُّكُوت ترقباً لما يَقُول الرئيس. أما الْأُسْتَاذ الرئيس فقطب جَبينه مستجمعاً فكره، ثمَّ اسْتهلّ فَقَالَ: الْحَمد لله عَالم السِّرّ والنجوى، الَّذِي جَمعنَا على توحيده وَدينه وأمرنا بالتعاون على الْبر وَالتَّقوى، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على نَبينَا مُحَمَّد الْقَائِل (الْمُسلم للْمُسلمِ كالبنيان يشد بعضه بَعْضًا) ، وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين جاهدوا فِي الله انتصاراً لدينِهِ، لم يشغلهم عَن إعزاز الدّين شاغل، وَكَانَ أَمرهم شُورَى بَينهم يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم اللَّهُمَّ إياك نعْبد لَا نخضع لغيرك، وَإِيَّاك نستعين لَا نَنْتَظِر نفعا من سواك وَلَا نخشى ضراً، اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الَّذِي لَا خفيات وَلَا ثنيات

стр. 8

فِيهِ صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم بِنِعْمَة الْهِدَايَة إِلَى التَّوْحِيد، غير المغضوب عَلَيْهِم بِمَا أشركوا وَلَا الضَّالّين بعد مَا اهتدوا، سُبْحَانَكَ رَبنَا آتنا من لَدُنْك رَحْمَة وهيء لنا من امرنا رشدا. وَبعد فيا أَيهَا السادات الْكِرَام، كل منا يعلم سَبَب اجتماعنا هَذَا من سَابق مفاوضات أخينا السَّيِّد الفراتي، الَّذِي أجبنا دَعوته لهَذِهِ الجمعية شاكرين سَعْيه. وَلذَلِك لَا أرى لُزُوما للبحث عَن السَّبَب، كَمَا لَا أجد حَاجَة لتنشيط همتكم وتأجيج حميتكم لأننا كلنا فِي هَذَا العناء سَوَاء، وَلَكِن أذكركم بخلاصة تَارِيخ هَذِه الْمَسْأَلَة فَأَقُول: إِن مَسْأَلَة تقهقر الْإِسْلَام بنت ألف عَام أَو أَكثر، وَمَا حفظ عز هَذَا الدّين الْمُبين كل هَذِه الْقُرُون المتوالية إِلَّا متانة الأساس، مَعَ انحطاط الْأُمَم السائرة عَن الْمُسلمين فِي كل الشؤون، إِلَى أَن فاقتنا بعض الْأُمَم فِي الْعُلُوم والفنون المنورة للمدارك، فربت قوتها، فنشرت نفوذها على أَكثر الْبِلَاد والعباد من مُسلمين وَغَيرهم؛ وَلم يزل الْمُسلمُونَ فِي سباتهم إِلَى أَن استولى الشلل على كل أَطْرَاف جسم المملكة الإسلامية؛ وَقرب الْخطر من الْقلب، اعني (جَزِيرَة

стр. 9

الْعَرَب) ، فتنبهت أفكار من رزقهم الله بَصِيرَة بالعواقب ووفقهم لنيل أجر الْمُجَاهدين، فهبوا ينشرون المواعظ والتذكرة والمباحث المنذرة، فَكثر المتنبهون، وتحركت الخواطر، لَكِنَّهَا حَرَكَة متحيرة الْوَجْه، ضائعة الْقُوَّة، فَعَسَى الله أَن يرشد جمعيتنا للتوصل لتوحيد هَذِه الوجهة وَجمع هَذِه الْقُوَّة. وبتدقيق النشريات والمقالات الَّتِي جَادَتْ بهَا أَقْلَام الْفُضَلَاء فِي هَذَا الْمَوْضُوع ترى كلهَا دَائِرَة على أَرْبَعَة مَقَاصِد ابتدائية فَقَط: الأول مِنْهَا: بَيَان الْحَالة الْحَاضِرَة، وَوصف إعراضها بِوَجْه عَام وَصفا بديعاً يُفِيد التأثر وَيَدْعُو إِلَى التدبر، على أَن ذَلِك لَا يلبث إِلَّا عَشِيَّة أَو ضحاها. وَالثَّانِي: بَيَان أَن سَبَب الْخلَل النَّازِل هُوَ الْجَهْل الشَّامِل بَيَان إِجْمَال وتلميح، مَعَ أَن الْمقَام يَقْتَضِي عدم الاحتشام من التَّفْصِيل والتشريح. وَالثَّالِث: إنذار الْأمة بِسوء الْعَاقِبَة المحدقة بهَا إنذاراً هائلاً تطير مِنْهُ النُّفُوس، مَعَ أَن الْحَال الْوَاقِع لَا تغني فِيهِ النّذر. وَالرَّابِع: تَوْجِيه اللوم والتبعة على الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء والكافة لتقاعدهم عَن اسْتِعْمَال قُوَّة الِاتِّفَاق على النهضة، مَعَ أَن الِاتِّفَاق وهم

стр. 10

متشاكسون مُتَعَذر لَا متعسر فَهَذِهِ الْمَقَاصِد القولية قد استوفت حَقّهَا من أَنْوَاع بَدَائِع الأساليب، وآن أَوَان استثمارها، وَذَلِكَ لَا يتم إِذا لم يشخص الْمَرَض أَو الْأَمْرَاض الْمُشْتَركَة، تشخيصاً مدققاً سياسياً، بالبحث أَولا عَن مراكز الْمَرَض، ثمَّ عَن جراثيمه، ليتعين بعد ذَلِك الدَّوَاء الشافي الأسهل وجودا والأضمن نتيجة، وبالتنقيب ثَانِيًا عَن تَدْبِير إِدْخَاله فِي جسم الْأمة بحكمة تصرع العناد وَالوهم، وتتغلب على مقاومة أَعْضَاء الذَّوْق والشم. ثمَّ أظنكم أَيهَا السَّادة تستحسنون الاكتتام الَّذِي اخْتَارَهُ أَكثر هَؤُلَاءِ الْكتاب الأفاضل، لِأَن لذَلِك محسنات بل مُوجبَات شَتَّى يَنْبَغِي أَن تستعملها جمعيتنا أَيْضا؛ فلنحرص كلنا على الاكتتام لِأَن من موجباته الْتِزَام كل منا المشرب الْعمريّ، أَعنِي القَوْل الصَّرِيح فِي النَّصِيحَة للدّين بِدُونِ رِيَاء وَلَا استحياء وَلَا مُرَاعَاة ذوق عَامَّة أَو عتاة، لِأَن حَيَاء الْمَرِيض مهلكة، وكتم الْأَمر المستفيض سخافة، وَالدّين النَّصِيحَة، وَلَا حَيَاء فِي الدّين. وَمن مُوجبَات الاكتتام أَيْضا أَن كل مَا يخالج الْفِكر فِي مَوْضُوع مَسْأَلَتنَا مَعْرُوف عِنْد الْأَكْثَرين، وَلَكِن بِصُورَة مشتتة،

стр. 11

وَالنَّاس فِيهِ على أَقسَام، فصنف الْعلمَاء أما جبناء يهابون الْخَوْض فِيهِ، وَإِمَّا مراؤن مداجون يأبون أَن تخَالف أَقْوَالهم أَحْوَالهم. وَبَاقِي النَّاس يأنفون أَن يذعنوا لنصح نَاصح صادع غير مَعْصُوم، وَلذَلِك كَانَ القَوْل من غير معرفَة الْقَائِل أرعى للسمع وَأقرب للقبول والقناعة وأدعى للْإِجْمَاع. ثمَّ يَا أَيهَا الإخوان: أظنكم كَذَلِك تستصوبون أَن نَتْرُك جانباً اخْتِلَاف الْمذَاهب الَّتِي نَحن متبعوها تقليداً، فَلَا نَعْرِف مآخذ كثير من أَحْكَامهَا، وَأَن نعتمد مَا نعلم من صَرِيح الْكتاب وصحيح السّنة وثابت الْإِجْمَاع، وَذَلِكَ لكيلا نتفرق فِي الآراء وليكون مَا نقرره مَقْبُولًا عِنْد جَمِيع أهل الْقبْلَة، إِذْ أَن مَذْهَب السّلف هُوَ الأَصْل الَّذِي لَا يرد وَلَا تستنكف الْأمة أَن ترجع إِلَيْهِ وتجتمع عَلَيْهِ فِي بعض أُمَّهَات الْمسَائِل، لِأَن فِي ذَلِك التَّسَاوِي بَين الْمذَاهب، فَلَا يثقل على أحد نبذ تَقْلِيد أحد الْأَئِمَّة فِي مَسْأَلَة تخَالف الْمُتَبَادر من نَص الْكتاب الْعَزِيز أَو تبَاين صَرِيح السّنة الثَّابِتَة فِي مدونات الصَّدْر الأول. وَلَا يكبر هَذَا الرَّأْي على الْبَعْض مِنْكُم؛ فَمَا هُوَ بِرَأْي حَادث بَين الْمُسلمين، بل جَمِيع أهل جَزِيرَة الْعَرَب مَا عدا أخلاط الْحَرَمَيْنِ

стр. 12

على هَذَا الرَّأْي، وَلَا يخفى عَلَيْكُم أَن أهل الجزيرة وهم من سَبْعَة ملايين إِلَى ثَمَانِيَة كلهم من الْمُسلمين السلفيين عقيدة، وغالبهم الْحَنَابِلَة أَو الزيدية مذهبا، وَقد نَشأ الدّين فيهم وبلغتهم فهم أَهله وَحَمَلته وحافظوه وحماته، وقلما خالطوا الأغيار، أَو وجدت فيهم دواعي الأغراب والتفنن فِي الدّين لأجل الفخار، وَلَا يعظمن على الْبَعْض مِنْكُم أَيْضا انه كَيفَ يسوغ لِأَحَدِنَا أَن يَثِق بفهمه وتحقيقه مَعَ بعد الْعَهْد، وَيتْرك تَقْلِيد من يعرف انه أفضل مِنْهُ وَأجْمع علما وَأكْثر إحاطة واحتياطاً. وَلَا أَظن أَن فِينَا من لَيْسَ فِي نَفسه أشكال عَظِيم فِي تحري من هُوَ الأعلم من بَين الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء والأحرى بالاعتماد على تَحْقِيقه، لوُجُود اختلافات واضطرابات مهمة بَينهم مَا بَين نفي وَإِثْبَات، حَتَّى فِي كثير من الْأُمُور التعبدية الفعلية الَّتِي مأخذها الْمُشَاهدَة المتكررة أُلُوف مَرَّات، مثل: هَل كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] ثمَّ جُمْهُور أَصْحَابه عَلَيْهِم الرضْوَان يصلونَ وتر الْعشَاء بِتَسْلِيمِهِ أم بتسليمتين؟ وَهل كَانُوا يقنتون فِي الْوتر أم فِي الصُّبْح؟ وَهل كَانَ المؤتمون يقرؤون أم ينصتون. وَهل كَانُوا يرفعون الْأَيْدِي

стр. 13

عِنْد تَكْبِيرَات الِانْتِقَال أم لَا يرفعون؟ وَهل يعقدون الْأَيْدِي أم يرسلونها. فَإِذا كَانَ الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء الأقدمون هَذَا شَأْنهمْ من التباين والتخالف فِي تَحْقِيق كَيْفيَّة عبَادَة فعلية هِيَ عماد الدّين، أَعنِي الصَّلَاة الَّتِي هِيَ من المشهودات المتكررات وَتُؤَدِّي بالجموع والجماهير، فَكيف يكون شَأْنهمْ فِي الْأَحْكَام الَّتِي تستند إِلَى قَول أَو فعل أَو سكُوت صدر عَن النَّبِي [ ﷺ ] مرّة أَو مَرَّات فَقَط، وَرَوَاهَا فَرد أَو أَفْرَاد. فعلى هَذَا، لَا أرى من مَانع أَن نَتْرُك النقول المتخالفة خُصُوصا مِنْهَا الْمُتَعَلّق بِالْبَعْضِ الْقَلِيل من الْأُصُول، ونجتمع على الرُّجُوع إِلَى مَا نفهمه من النُّصُوص، أَو مَا يتَحَقَّق عندنَا حسب طاقتنا أَنه جرى عَلَيْهِ السّلف، وَبِذَلِك تتحد وجهتنا ويتسنى لنا الِاتِّفَاق على تَقْرِير مَا نقرره، وَيُقَوِّي الأمل فِي قبُول الْأمة منا مَا ندعوها إِلَيْهِ. وَإِنِّي أسلفكم أَيهَا السادات انه يَنْبَغِي أَن لَا يهولنا مَا ينبسط فِي جمعيتنا من تفاقم أَسبَاب الضعْف والفتور كَيْلا نيأس

стр. 14

من روح الله، وان لَا نتوهم الْإِصَابَة فِي قَول من قَالَ: أننا أمة ميتَة فَلَا ترجى حياتنا، كَمَا لَا إِصَابَة فِي قَول من قَالَ: " إِذا نزل الضعْف فِي دولة أَو أمة لَا يرْتَفع؛ فَهَذِهِ الرومان واليونان والأمريكان والطليان واليابان وَغَيرهَا كلهَا أُمَم أمثالنا استرجعت نشأتها بعد تَمام الضعْف وفقد كل اللوازم الأدبية للحياة السياسية، بل لَيْسَ بَيْننَا وَلَا سِيمَا عرب الجزيرة منا وَبَين أعظم الْأُمَم الْحَيَّة المعاصرة فرق سوى فِي الْعلم والأخلاق الْعَالِيَة، على أَن مُدَّة حضَانَة الْعلم عشرُون عَاما فَقَط وَمُدَّة حضَانَة الْأَخْلَاق أَرْبَعُونَ سنة. فعلينا أَن نثق بعناية الله الَّذِي لَا يعبد سواهُ؛ وَبِهَذَا الدّين الْمُبين الَّذِي نشر لِوَاء عزه على الْعَالمين، وَلم يزل بِالنّظرِ لوضعه الإلهي دينا حَنِيفا متيناً محكماً مكيناً لَا يفضله وَلَا يُقَارِبه دين من الْأَدْيَان فِي الْحِكْمَة والنظام ورسوخ الْبُنيان. ثمَّ أيقنوا أَيهَا الإخوان أَن الْأَمر ميسور، وان ظواهر الْأَسْبَاب وَدَلَائِل الأقدار مبشرة أَن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ، وَنَشَأ فِي الْإِسْلَام إنجاب أَحْرَار وحكماء أبرار يعد وأحدهم بِأَلف وجمعهم بِأَلف ألف. فقوة جمعية منظمة من هَؤُلَاءِ النبلاء كَافِيَة لِأَن تخرق

стр. 15

طبل حزب الشَّيْطَان، وتسترعي سمع الْأمة مهما كَانَت فِي رقاد عميق، وتقودها إِلَى النشاط وَإِن كَانَت فِي فتور مستحكم عَتيق، على أَن مَحْض انْعِقَاد جمعيتنا هَذِه لمن أعظم تِلْكَ الْمُبَشِّرَات، خُصُوصا إِذا وفقها الله تَعَالَى بعنايته لتأسيس جمعية قانونية منتظمة، لِأَن الجمعيات المنتظمة يتسنى لَهَا الثَّبَات على مشروعها عمرا طَويلا يَفِي بِمَا لَا يَفِي بِهِ عمر الْوَاحِد الْفَرد، وَتَأْتِي بأعمالها كلهَا بعزائم صَادِقَة لَا يُفْسِدهَا التَّرَدُّد؛ وَهَذَا هُوَ سر مَا ورد فِي الْأَثر من أَن يَد الله مَعَ الْجَمَاعَة، وَهَذَا هُوَ سر كَون الجمعيات تقوم بالعظائم وَتَأْتِي بالعجائب، وَهَذَا هُوَ سر نشأة الْأُمَم الغربية، وَهَذَا هُوَ سر النجاح فِي كل الْأَعْمَال المهمة، لِأَن سنة الله فِي خلقه أَن كل أَمر كليا كَانَ أَو جزئياً لَا يحصل إِلَّا بِقُوَّة وزمان متناسبين مَعَ أهميته، وان كل أَمر يحصل بِقُوَّة قَليلَة فِي زمَان طَوِيل يكون احكم وارسخ وأطول عمرا مِمَّا إِذا حصل بمزيد قُوَّة فِي زمَان قصير. وكلنَا يعلم أَن مَسْأَلَتنَا اعظم من أَن يَفِي بهَا عمر إِنْسَان يَنْقَطِع، أَو مَسْلَك سُلْطَان لَا يطرد، أَو قُوَّة عصبية حضرية حمقاء تَفُور سَرِيعا وتغور سَرِيعا. وَإِذا تفكرنا أَن مبدأ أعظم الْأَعْدَاد اثْنَان فَذَلِك مبدأ الجمعيات شخصان ثمَّ تتزايد حَتَّى تكمل، وتتقلب أشكالاً حَتَّى ترسخ؛ فعلى

стр. 16

هَذَا لَا يبعد أَن يتم لنا انْعِقَاد جمعية منتظمة تَنْعَقِد الآمال بناصيتها. وَلَا يَنْبَغِي الاسترسال مَعَ الْوَهم إِلَى أَن الجمعيات معرضة فِي شرقنا لتيار السياسة فَلَا تعيش طَويلا، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت فقيرة وَلم تكن كغالب الأكاديميات أَي لمجامع العلمية، تَحت حماية رسمية؛ بل الْأَلْيَق بالحكمة والحزم الْإِقْدَام والثبات وتوقع الْخَيْر إِلَى أَن يتم الْمَطْلُوب. هَذَا وَإِن شرقنا مشرق العظائم وَالزَّمَان أَبُو الْعَجَائِب، وَمَا على لله بعزيز أَن يتم لنا انتظام جمعية يكون لَهَا صَوت جَهورِي، إِذا نَادَى مؤذنها حَيّ على الْفَلاح فِي رَأس لرجاء يبلغ أقْصَى الصين صداه. وَمن المأمول أَن تكون الحكومات الإسلامية راضية بِهَذِهِ الجمعية حامية لَهَا وَلَو بعد حِين، لِأَن وظيفتها الأساسية أَن تنهض بالأمة من وهدة الْجَهَالَة وترقي بهَا فِي معارج المعارف، متباعدة عَن كل صبغة سياسية، وسنعود لبحث الجمعية فِيمَا بعد. ولنبدأ الْآن بتشخيص دَاء الفتور المستولي على الْأمة تشخيصاً سياسياً مدققاً، فأرجوكم أَيهَا السَّادة أَن يعْمل كل مِنْكُم فكره الثاقب فِيمَا هُوَ سَبَب الفتور، ليبين رَأْيه وَمَا يفتح الله بِهِ عَلَيْهِ فِي اجتماعاتنا الَّتِي نواليها كل يَوْم، مَا عدا يومي الثُّلَاثَاء وَالْجُمُعَة، من بعد طُلُوع

стр. 17

الشَّمْس بساعة إِلَى قبيل الظّهْر أَعنِي إِلَى مَا بعد مثل هَذَا الْوَقْت بساعة، فنفتتح كل اجْتِمَاع بِقِرَاءَة ضبط المذاكرات الَّتِي جرت فِي الِاجْتِمَاع السَّابِق ثمَّ نشرع بالمفاوضات. " وَإِنِّي أختم اجتماعنا الْيَوْم ببرنامج الْمسَائِل الأساسية الَّتِي تَدور عَلَيْهَا مذاكرات جمعيتنا، وَيَنْبَغِي لكل منا أَن يفتكر فِيهَا ويدرسها وَهِي عشر مسَائِل: ١ - مَوضِع الدَّاء. ٢ - إِعْرَاض الدَّاء. ٣ - جراثيم الدَّاء. ٤ - مَا هُوَ الدَّاء. ٥ - مَا هِيَ وَسَائِل اسْتِعْمَال الدَّوَاء. ٦ - مَا هِيَ الإسلامية. ٧ - كَيفَ يكون التدين بالإسلامية. ٨ - مَا هُوَ الشّرك الْخَفي. ٩ - كَيفَ تقاوم الْبدع. ١٠ - تَحْرِير قانون لتأسيس جمعية تعليمية. وَلما انْتهى خطاب الْأُسْتَاذ الرئيس، وانتهت الجلسة، قَالَ السَّيِّد

стр. 18

الفراتي: إِنِّي أرى أَن يُقيد كل منا هَذِه الْمسَائِل الْعشْر فِي جَانب من ورقة التراجم ليَكُون الْقَيْد تذكرة لَهُ، فخف أَرْبَعَة مِنْهُم نَحْو المكتبة وَأخذ كل قَلما وَقيد فهرست الْمسَائِل، ثمَّ توالي الْبَاقُونَ على ذَلِك؛ وعندما فرغوا من التَّحْرِير خاطبهم السَّيِّد الفراتي بقوله: إِنِّي أغتنم تشريفكم الأول لمحلي وَسِيلَة لضيافتكم، وَقد أَعدَدْت مَا يتسهل إعداده لغريب مثلي فِي مثل هَذِه الْبَلدة الْمُبَارَكَة، ثمَّ خرج بهم إِلَى مَحل الْمَائِدَة، وَكَانَ حَدِيثهمْ على الطَّعَام استقصاء أَخْبَار مهتدي ليفربول من السعيد الإنكليزي، وَبعد أَن طعموا عرض عَلَيْهِم الشاي والقهوة وَالشرَاب المثلوج، فَكل اخْتَار مَا ألف واحب، ثمَّ انصرفوا أَزْوَاجًا وفرادى مجيبين دَعْوَة خير الدعاة، إِذْ كَانَ قد دنا وَقت الصَّلَاة.

стр. 19

الِاجْتِمَاع الثَّانِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦ فِي صباح الْيَوْم الْمَذْكُور انْعَقَد الِاجْتِمَاع، وَبعد قِرَاءَة ضبط الجلسة الأولى افْتتح الْكَلَام الْأُسْتَاذ الرئيس فَقَالَ: أَنا نجد الباحثين فِي الْحَالة النَّازِلَة بِالْمُسْلِمين يشبهونها بِالْمرضِ فيطلقون عَلَيْهَا اسْم الدَّاء مُجَردا، أَو مَعَ وَصفه بالدفين أَو المزمن أَو العضال، وَلَعَلَّ مَأْخَذ ذَلِك مَا ورد فِي الْأَثر وألفته الإسماع من تَشْبِيه الْمُسلمين بالجسد إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تداعى لَهُ سائره بالسهر والحمى. ويلوح لي أَن إِطْلَاق الفتور الْعَام أليق بِأَن يكون عنواناً لهَذَا الْبَحْث لتَعلق الْحَالة النَّازِلَة بالأدبيات أَكثر مِنْهَا بالماديات، وَلِأَن آخر مَا فِيهَا ضعف الْحس فيناسبه التَّعْبِير عَنهُ بالفتور. كَمَا أَن هَذَا الفتور فِي الْحَقِيقَة شَامِل لكافة أَعْضَاء الْجِسْم الإسلامي، فيناسب أَن يُوصف بِالْعَام، وَرُبمَا يتَوَقَّف الْفِكر فِي الوهلة الأولى عِنْد الحكم بَان الفتور عَام يَشْمَل كَافَّة الْمُسلمين، وَلَكِن

стр. 20

بعد التدقيق والاستقراء نجده شَامِلًا للْجَمِيع فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا لَا يسلم مِنْهُ إِلَّا أَفْرَاد شَاذَّة. فيا أَيهَا السَّادة: مَا هُوَ سَبَب مُلَازمَة هَذَا الفتور مُنْذُ قُرُون للْمُسلمين، من أَي قوم كَانُوا وأينما وجدوا، وكيفما كَانَت شؤونهم الدِّينِيَّة أَو السياسية أَو الإفرادية أَو المعاشية؛ حَتَّى أننا لَا نكاد نجد إقليمين متجاورين أَو ناحيتين فِي إقليم أَو قريتين فِي نَاحيَة أَو بَيْتَيْنِ فِي قَرْيَة، أهل أَحدهمَا مُسلمُونَ وَالْآخر غير مُسلمين، إِلَّا ونجد الْمُسلمين أقل من جيرانهم نشاطا وانتظاما فِي جَمِيع شؤونهم الحيوية الذاتية والعمومية؛ وَكَذَلِكَ نجدهم أقل اتقاناً من نظرائهم فِي كل فن وصنعة، مَعَ أننا نرى أَكثر الْمُسلمين فِي الحواضر، وجميعهم فِي الْبَوَادِي، محافظين على تميزهم عَن غَيرهم من جيرانهم ومخالطيهم فِي أُمَّهَات المزايا الأخلاقية مثل الْأَمَانَة والشجاعة والسخاء. فَمَا هُوَ وَالْحَالة هَذِه سَبَب تعمم هَذَا الفتور، وملازمته لجامعة هَذَا الدّين كملازمة الْعلَّة للمعلول، بِحَيْثُ أَيْنَمَا وجدت الإسلامية وجد هَذَا الدَّاء، حَتَّى توهم كثير من الْحُكَمَاء أَن الْإِسْلَام والنظام لَا يَجْتَمِعَانِ؛ هَذَا هُوَ الْمُشكل الْعَظِيم الَّذِي يجب على جمعيتنا الْبَحْث فِيهِ أَولا بحث

стр. 21

تدقيق واستقراء، عَسى أَن نهتدي إِلَى جرثومة الدَّاء عَن يَقِين، فنسعى فِي مقاومتها، حَتَّى إِذا ارْتَفَعت الْعلَّة بَرِيء العليل أَن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الْفَاضِل الشَّامي: أَنِّي أوافق الْأُسْتَاذ الرئيس على تَعْرِيفه وتوصيفه الْحَالة النَّازِلَة بالفتور، كَمَا أَنِّي لَا أعلم مَا يُعَارض كَون هَذَا الفتور عَاما محيطاً بِجَمِيعِ الْمُسلمين. قَالَ الصاحب الْهِنْدِيّ: أَنِّي وَأَن كنت أقل الإخوان فَضِيلَة ولكنني جوال، وَقد خبرت الْبِلَاد وأحوال الْعباد، وَلَا شكّ عِنْدِي فِي أَن هَذَا الفتور عَام وَإِن كَانَ لَا يظْهر فِي بعض الْمَوَاضِع الَّتِي لَيْسَ فِيهَا غير الْمُسلمين، كأواسط جَزِيرَة الْعَرَب وَبَعض جِهَات إفريقيا، وَلَا يظْهر أَيْضا فِي بعض مواقع أُخْرَى مجاورو الْمُسلمين فِيهَا ومخالطوهم من أهل النَّحْل الوثنية الغريبة الْوَضع، المتناهية فِي الشدَّة، كبقايا الصابئة حول دجلة الَّذين يضيعون كثيرا من أوقاتهم منغمسين فِي المَاء تعبداً، وكالكونغو من الزنوج، وكالبوذية من الهنود المعتقدين أَن كل مصائبهم حَتَّى الْمَوْت الطبيعي من تأثيرات أَعمال السَّحَرَة عِنْدهم، فَإِن أَمْثَال هَؤُلَاءِ اكثر فتوراً من الْمُسلمين، على أَن ذَلِك لَا يرفع صفة الفتور وعموميته عَن الْمُسلمين.

стр. 22

فَقَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: أَن الصاحب الْهِنْدِيّ مُصِيب فِي تَفْصِيله وتحريره، وَلذَلِك رجعت عَن قولي بِأَن الْمُسلمين أحط من غَيرهم مُطلقًا إِلَى الحكم بِأَنَّهُم أحط من غَيرهم، مَا عدا أهل النَّحْل المتشددة فِي التدين. قَالَ الْحَافِظ الْبَصْرِيّ: يلوح لي أَنه - يلْزم اسْتثِْنَاء الدهريين والطبيعيين وأمثالهم مِمَّن لَا دين لَهُم، لأَنهم لَا بُد أَن يَكُونُوا على غير نظام وَلَا ناموس فِي أَخْلَاقهم، معذبين منغصين فِي حياتهم منحطين عَن أهل الْأَدْيَان، كَمَا يعْتَرف بذلك الطبيعيون فَيَقُولُونَ عَن أنفسهم أَنهم أَشْقَى النَّاس فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا. فَأَجَابَهُ الصاحب الْهِنْدِيّ: أَنِّي كنت أَيْضا أَظن أَنه يُوجد فِي الْبشر أَفْرَاد مِمَّن لَا دين لَهُم، وان من كَانُوا كَذَلِك لَا خلاق لَهُم؛ ثمَّ أَن خبرتي الطَّوِيلَة قد برهنت لي أَن الدّين بِمَعْنَاهُ الْعَام وَهُوَ إِدْرَاك النَّفس وجود قُوَّة غالبة تتصرف فِي الكائنات، والخضوع لهَذِهِ الْقُوَّة على وَجه يقوم فِي الْفِكر، هُوَ أَمر فطري فِي الْبشر؛ وَإِن قَوْلهم فلَان دهري أَو طبيعي هُوَ صفة لمن يتَوَهَّم أَن تِلْكَ الْقُوَّة هِيَ الدَّهْر أَو الطبيعة فيدين لما يتَوَهَّم. بِنَاء على ذَلِك ثَبت عِنْدِي مَا يقرره الأخلاقيون: من أَنه

стр. 23

لَا يَصح وصف صنف من النَّاس بِلَا دين لَهُم مُطلقًا بل كل إِنْسَان يدين بدين، أما صَحِيح. أَو فَاسد عَن أصل صَحِيح، وَإِمَّا بَاطِل أَو فَاسد عَن اصل بَاطِل، والفاسدان يكون فسادهما أما بِنُقْصَان أَو بِزِيَادَة أَو بتخليط وَهَذِه أَقسَام ثَمَانِيَة. فالدين الصَّحِيح كافل للنظام والنجاح فِي الْحَال، والسعادة والفلاح فِي الْمَآل. وَالْبَاطِل والفاسدان بِنُقْصَان قد يكون أَصْحَابهَا على نظام ونجاح فِي الْحَيَاة على مَرَاتِب مُخْتَلفَة؛ وَأما الفاسدان بِزِيَادَة أَو بتخليط فمهلكة مَحْضَة. ثمَّ أَقُول رُبمَا كَانَ تقريري هَذَا غَرِيبا فِي بَابه فالتمس أَن لَا يقبل وَلَا يرد إِلَّا بعد التدقيق والتطبيق، لِأَنَّهُ أصل مُهِمّ لمسألة الفتور الْعَام المستولي على الْمُسلمين. قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: إِنِّي أجلكم أَيهَا السَّادة الأفاضل عَن لُزُوم تعريفكم آدَاب الْبَحْث والمناظرة، غير أَنِّي أنبه فكركم لأمر لَا بُد هُوَ قَائِم فِي نفوسكم جَمِيعًا، أَو تحبون أَن يُصَرح بِهِ، أَلا وَهُوَ عدم الْإِصْرَار على الرَّأْي الذاتي وَعدم الِانْتِصَار لَهُ، وَاعْتِبَار أَن مَا يَقُوله ويبديه كل منا إِن هُوَ إِلَّا خاطر سنح لَهُ، فَرُبمَا كَانَ صَوَابا أَو خطأ، وَرُبمَا كَانَ مغايراً لما هُوَ نَفسه عَلَيْهِ اعتقاداً أَو عملا، وَهُوَ إِنَّمَا يُورِدهُ فِي الظَّاهِر مُعْتَمدًا عَلَيْهِ، وَفِي الْحَقِيقَة مستشكلاً أَو مستثبتاً

стр. 24

أَو مستطلعاً رَأْي الْغَيْر. بِنَاء على ذَلِك فَمَا أحد منا مُلْزم بِرَأْي يبديه وَلَا هُوَ بملوم عَلَيْهِ، وَله أَن يعدل أَو يرجع عَنهُ إِلَى ضِدّه؛ لأننا إِنَّمَا نَحن باحثون لَا متناظرون، فَإِذا أعجبنا رَأْي الْمُتَكَلّم منا أثْنَاء خطابه إعجابا قَوِيا فَلَا بَأْس أَن نجهر بِلَفْظ (مرحى) ، تأييداً لإصابة حِكْمَة وأشعاراً باستحسانه، وعَلى هَذَا النسق فلنمض فِي بحثنا فِيمَا هِيَ أَسبَاب الفتور الْعَام. قَالَ الْفَاضِل الشَّامي: إِنِّي أرى أَن منشأ هَذَا الفتور هُوَ بعض الْقَوَاعِد الإعتقادية والأخلاقية: مثل العقيدة الجبرية، الَّتِي من بعد كل تَعْدِيل فِيهَا جعلت الْأمة جبرية بَاطِنا قدرية ظَاهرا (مرحى) . وَمثل الْحَث على الزّهْد فِي الدُّنْيَا والقناعة باليسير والكفاف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية: كحب الْمجد والرياسة، والتباعد عَن الزِّينَة والمفاخر، والأقدام على عظائم الْأُمُور، وكالترغيب فِي أَن يعِيش الْمُسلم كميت قبل أَن يَمُوت. وَكفى بِهَذِهِ الْأُصُول مفترات، مخدرات، مثبطات، معطلات، لَا يرتضيها عقل وَلم يَأْتِ بهَا شرع، ولمثلها نفى عمر بن الْخطاب ﵁ أَبَا ذَر الْغِفَارِيّ الربذَة.

стр. 25

فَأَجَابَهُ البليغ الْقُدسِي: أَن هَذِه الْأُصُول الجبرية والتزهيدية الممتزجة بعقائد الْأمة، وَمَا هُوَ اشد مِنْهَا تعطيلا للأخذ بالأسباب ولنشأة الْحَيَاة، مَوْجُودَة فِي كَافَّة الديانَات لتعدل من جِهَة شَره الطبيعة البشرية فِي طلب الغايات وتدفعها إِلَى التَّوَسُّط فِي الْأُمُور، ولتكون من جِهَة أُخْرَى تَسْلِيَة للعاجزين وتنفيساً عَن المقهورين البائسين، وتوسلاً لحُصُول التَّسَاوِي بَين الْأَغْنِيَاء والفقراء فِي مظَاهر النَّعيم. أَلا يرى إِجْمَاع كل الْأَدْيَان على اعْتِقَاد الْقدر خَيره وشره من الله تَعَالَى، أَو خَيره مِنْهُ وشره من النَّفس أَو من الشَّيْطَان؛ وَمَعَ ذَلِك لَيْسَ فِي الْبشر من ينْسب أمرا إِلَى الْقدر إِلَّا عِنْد الْجَهْل بِسَبَبِهِ سترا لجهله، أَو عِنْد الْعَجز عَن نيل الْخَيْر أَو دفع الشَّرّ سترا لعَجزه، وَحَيْثُ غلب أخيراً على الْمُسلمين جهل أَسبَاب المسببات الكونية وَالْعجز عَن كل عمل، إلتجأوا إِلَى الْقدر والزهد تمويها لَا تدينا. وَهَذَا التبتل وَالْخُرُوج عَن المَال من اعظم القربات فِي النَّصْرَانِيَّة، فَهَل كَانَ قصد شَارِع الرهبانية أَن ينقرض النَّاس كَافَّة بعد جيل وَاحِد؟ أم كَانَ قَصده أَن يشرعها على أَن لَا يتلبس بهَا إِلَّا الْبَعْض النزر؟ كلا، لَا يعقل فِي هَذَا الْمقَام إِلَّا التَّعْمِيم، وينتج من ذَلِك أَنه

стр. 26

لَا يَصح اعْتِبَار هَذِه الْأُصُول الجبرية والتزهيدية سَببا للفتور؛ بل هِيَ سَبَب لاعتدال النشاط وسيرة سير انتظام ورسوخ. وَفِي النّظر إِلَى المشاق والعظائم الَّتِي اقتحمها الصَّحَابَة وَالْخُلَفَاء الراشدون ﵃ لنيل الْغنى والرياسة والفخار فضلا عَن الثَّوَاب كِفَايَة برهَان، مَعَ أَن الْأمة إِذْ ذَاك كَانَت زاهدة فعلا، لَا كالزهد الَّذِي ندعيه الْآن كذبا ورياء. (مرحى) . إِذا تتبعنا كل مَا ورد فِي الإسلامية حاثاً على الزّهْد، نجده موجها إِلَى التَّرْغِيب بالأثرة الْعَامَّة، أَي بتحويل الْمُسلم ثَمَرَة سَعْيه للمنفعة العمومية دون خُصُوص نَفسه، حَتَّى أَن كل مَا ورد فِي الْحَث على الْجِهَاد فِي سَبِيل الله مُرَاد وَبِه سعي الْمُؤمن بِكُل الْوَسَائِل، حَتَّى ببذل حَيَاته، لإعزاز كلمة الله وَإِقَامَة دينه، لَا فِي خُصُوصِيَّة محاربة الْكفَّار كَمَا تتوهم الْعَامَّة؛ كَمَا أَن المُرَاد من محاربة الْكفَّار هِيَ من جِهَة إعزاز الجامعة الإسلامية، وَمن أُخْرَى خدمَة الجامعة الإنسانية من حَيْثُ إلجاء الْكفَّار إِلَى مُشَاركَة الْمُسلمين فِي سَعَادَة الدَّاريْنِ؛ لِأَن للأمم المترقية علما ولَايَة طبيعية على الْأُمَم المنحطة، فَيجب عَلَيْهَا إنسانية أَن تهديها إِلَى الْخَيْر وَلَو كرها باسم الدّين أَو السياسة.

стр. 27

ثمَّ قَالَ: أما عِنْدِي فيخيل إِلَيّ أَن سَبَب الفتور هُوَ تحول نوع السياسة الإسلامية، حَيْثُ كَانَت نيابية اشتراكية أَي (ديمقراطية) تَمامًا، فَصَارَت بعد الرَّاشِدين بِسَبَب تمادي المحاربات الداخلية ملكية مُقَيّدَة بقواعد الشَّرْع الأساسية، ثمَّ صَارَت أشبه بالمطلقة. وَقد نَشأ هَذَا التَّحَوُّل من أَن قَوَاعِد الشَّرْع كَانَت فِي الأول غير مدونة وَلَا محررة، بِسَبَب اشْتِغَال الصَّحَابَة المؤسسين ﵃ بالفتوحات، وتفرقهم فِي الْبِلَاد، فَظهر فِي أَمر ضَبطهَا خلافات ومباينات بَين الْعلمَاء، وتحكمت فِيهَا آراء الدخلاء، فرجحوا الْأَخْذ بِمَا يلائم بقايا نزعاتهم الوثنية فَاتخذ الْعمَّال السياسيون وَلَا سِيمَا المتطرفون مِنْهُم هَذَا التخالف فِي الْأَحْكَام وَسَائِل للانقسام والاستقلال السياسي، فَنَشَأَ عَن ذَلِك أَن تَفَرَّقت المملكة الإسلامية إِلَى طوائف متباينة مذهبا متعادية سياسة، متكافحة على الدَّوَام. وَهَكَذَا خرج الدّين من حضَانَة أَهله وَتَفَرَّقَتْ كلمة الْأمة، فطمع بهَا أعداؤها وَصَارَت معرضة للمحاربات الداخلية والخارجية مَعًا، لَا تصادف سوى فترات قَليلَة تترقى فِيهَا فِي الْعُلُوم والحضارة على

стр. 28

حسبها، وَقد أثر اسْتِمْرَار الْأمة فِي هَذِه الحروب أَن صَارَت بِاعْتِبَار الأكثرية أمة جندية صَنْعَة وأخلاقا، بعيدَة عَن الْفُنُون والصنائع وَالْكَسْب بالوجوه الطبيعية. ثمَّ بِسَبَب فقدان القواد والمعدات لم يبْق مجَال للحروب الرابحة، فاقتصرت الْأمة على المدافعات، خُصُوصا مُنْذُ قرنين إِلَى الْآن، أَي مُنْذُ صَارَت الجندية عِنْد غَيرهم صَنْعَة علمية مفقودة عندنَا، فصرنا نستعمل بأسنا بَيْننَا فنعيش بالتغالب والتحايل لَا بالتعاون والتبادل؛ وَهَذَا شَأْن يُمِيت الانتباه والنشاط ويولد الخمول والفتور (مرحى) . ابتدر الحكم التّونسِيّ وَإجَابَة: أَن غَيرنَا من الأقوام، جرمانياً مثلا، وجدوا فِي حكومات مُطلقَة كليا وَفِي اختلافات مذهبية وَفِي انقسامات إِلَى طوائف سياسية وَفِي حروب مستمرة، وَلم يشملهم الفتور بِوَجْه عَام؛ فَلَا بُد للفتور فِي الْمُسلمين من سَبَب آخر. ثمَّ قَالَ: وَفِيمَا أتصور أَن بلاءنا من تأصل الْجَهْل فِي غَالب أمرائنا المترفين، الأخسرين أعمالاً، الَّذين ضلوا وأضلونا سَوَاء السَّبِيل وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا، حَتَّى بلغ جهل هَؤُلَاءِ منزلَة أحط من جهل العجماوات الَّتِي لَهَا طبائع ونواميس؛ فَمِنْهَا الَّتِي تَحْمِي وزمارها، وتمنع عَن حُدُودهَا، وتدفع عَمَّا إستحفظت عَلَيْهِ؛ وَهَؤُلَاء لَيْسَ لَهُم

стр. 29

طبائع ونواميس، يخربون بُيُوتهم بِأَيْدِيهِم وهم لَا يَشْعُرُونَ. وَمِنْهُم الْبَعْض ضالون على علم، وهم الَّذين يَشكونَ ويبكون حَتَّى يظنّ انهم مغلوبون على أَمرهم، ويتشدقون بالإصلاح السياسي مَعَ انهم وأيم الْحق يَقُولُونَ بأفواههم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم؛ يظهرون الرَّغْبَة فِي الْإِصْلَاح، ويبطنون الْإِصْرَار والعناد على مَا هم عَلَيْهِ من إِفْسَاد دينهم ودنياهم، وَهدم مباني مجدهم وإذلال أنفسهم وَالْمُسْلِمين، وَهَذَا دَاء عياء لَا يُرْجَى مِنْهُ الشِّفَاء لِأَنَّهُ دَاء الْغرُور، وَلَا يقر صَاحبه لفاضل بفضيلة وَلَا يجاري حازما فِي مضمار، وَقد سرى من الْأُمَرَاء، إِلَى الْعلمَاء، إِلَى الكافة. أجَاب الْمولى الرُّومِي: أَن تحميل التبعة على الْأُمَرَاء فَقَط غير سديد، خُصُوصا لِأَن أمراءنا إِن هم إِلَّا لفيف منا، فهم أمثالنا من كل وَجه؛ وَقد قيل " كَمَا تَكُونُوا يُولى عَلَيْكُم " فَلَو لم نَكُنْ نَحن مرضى لم يكن أمراؤنا مدنفين. وَعِنْدِي أَن البلية فَقدنَا الْحُرِّيَّة، وَمَا أدرانا مَا الْحُرِّيَّة؛ هِيَ مَا حرمنا مَعْنَاهُ حَتَّى نسيناه، وَحرم علينا لَفظه حَتَّى

стр. 30

استوحشناه، وَقد عرف الْحُرِّيَّة من عرفهَا: " بَان يكون الْإِنْسَان مُخْتَارًا فِي قَوْله وَفعله لَا يَعْتَرِضهُ مَانع ظَالِم ". وَمن فروع الْحُرِّيَّة تَسَاوِي الْحُقُوق ومحاسبة الْحُكَّام بِاعْتِبَار انهم وكلاء، وَعدم الرهبة فِي الْمُطَالبَة وبذل النَّصِيحَة. وَمِنْهَا: حريَّة التَّعْلِيم، وحرية الخطابة والمطبوعات، وحرية المباحثات العلمية؛ وَمِنْهَا الْعَدَالَة بأسرها حَتَّى لَا يخْشَى إِنْسَان من ظَالِم أَو غَاصِب أَو غدار مغتال؛ وَمِنْهَا الْأَمْن على الدّين والأرواح، والأمن على الشّرف والأعراض، والأمن على الْعلم واستثماره. فالحرية هِيَ روح الدّين وينسب إِلَى حسان بن ثَابت الشَّاعِر الصَّحَابِيّ ﵁ قَوْله: (وَمَا الدّين إِلَّا أَن تُقَام شرائع ... وتؤمن سبل بَيْننَا وهضاب) فلننظر كَيفَ حصر هَذَا الصَّحَابِيّ الدّين فِي إِقَامَة الشَّرْع والأمن. هَذَا وَلَا شكّ أَن الْحُرِّيَّة اعز شَيْء على الْإِنْسَان بعد حَيَاته،

стр. 31

وَأَن بفقدانها تفقد الآمال، وَتبطل الْأَعْمَال، وَتَمُوت النُّفُوس، وتتعطل الشَّرَائِع، وتختل القوانين. وَقد كَانَ فِينَا راعي الخرفان حرا لَا يعرف للْملك شنئانا، يُخَاطب أَمِير الْمُؤمنِينَ بيا عمر وَيَا عُثْمَان، فصرنا رُبمَا نقْتل الطِّفْل فِي حجر أمه ونلزمها السُّكُوت فتسكت، وَلَا تجسر أَن تزعج سمعنَا ببكائها عَلَيْهِ. وَكَانَ الجندي الْفَرد يُؤمن جَيش الْعَدو فَلَا يخفر لَهُ عهد، فصرنا نمْنَع الْجَيْش الْعَظِيم صَلَاة الْجُمُعَة وَالْعِيدَيْنِ، ونستهين دينه لَا لحَاجَة غير الفخفخة الْبَاطِلَة (مرحى) . فلمثل هَذَا الْحَال لَا غرو أَن تسأم الْأمة حَيَاتهَا فيستولي عَلَيْهَا الفتور، وَقد كرت الْقُرُون وتوالت الْبُطُون وَنحن على ذَلِك عاكفون، فتأصل فِينَا فقد الآمال وَترك الْأَعْمَال والبعد عَن الْجد والارتياح إِلَى الكسل والهزل، والانغماس فِي اللَّهْو تسكيناً لآلام أسر النَّفس، والإخلاد إِلَى الخمول والتسفل طلبا لراحة الْفِكر المضغوط عَلَيْهِ من كل جَانب. إِلَى أَن صرنا ننفر من كل الماديات والجدّيات حَتَّى لَا نطيق مطالعة الْكتب النافعة وَلَا الإصغاء إِلَى النَّصِيحَة الْوَاضِحَة، لِأَن ذَلِك يذكرنَا بمفقودنا الْعَزِيز، فتتألم أَرْوَاحنَا وتكاد تزهق إِذا لم نلجأ إِلَى التناسي بالملهيات والخرافات المروحات

стр. 32

وَهَكَذَا ضعف إحساسنا وَمَاتَتْ غيرتنا، وصرنا نغضب ونحقد على من يذكرنَا بالواجبات الَّتِي تقتضيها الْحَيَاة الطّيبَة، لعجزنا عَن الْقيام بهَا عَجزا واقعياً لَا طبيعياً. هَذَا ونعترف أَن فِينَا بعض أَقوام قد ألفوا أُلُوف سِنِين الاستعباد والاستبداد، والذل والهوان، فَصَارَ الانحطاط طبعا لَهُم تؤلمهم مُفَارقَته؛ وَهَذَا هُوَ سَبَب أَن السوَاد الْأَعْظَم من الهنود والمصريين والتونسيين لَا سِيمَا بعد أَن نالوا رغم أنوفهم الْأَمْن على الْأَنْفس وَالْأَمْوَال، وَالْحريَّة فِي الآراء والأعمال، وَلَا يَرِثُونَ وَلَا يتوجعون لحالة الْمُسلمين فِي غير بِلَادهمْ، بل ينظرُونَ للناقمين على أمرائهم الْمُسلمين شذرا، وَرُبمَا يعتبرون طالبي الْإِصْلَاح من المارقين من الدّين، كَأَن مُجَرّد كَون الْأَمِير مُسلما يُغني عَن كل شَيْء حَتَّى عَن الْعدْل، وَكَأن طَاعَته وَاجِبَة على الْمُسلمين، وَإِن كَانَ يخرب بِلَادهمْ وَيقتل أَوْلَادهم ويقودهم ليسلمهم لحكومات أَجْنَبِيَّة، كَمَا جرى ذَلِك قبلا مَعَهم، وَالْحَاصِل أَن فَقدنَا الْحُرِّيَّة هُوَ سَبَب الفتور والتقاعس عَن كل صَعب وميسور. أجَاب الْمُجْتَهد التبريزي: أَن هَذَا الْحَال لَيْسَ بعام، مَعَ أَن الفتور لم يزدْ إزدياداً عَاما، بل هُوَ فِي ازدياد واستحكام فَلَا بُد لذَلِك من

стр. 33

سَبَب آخر. ثمَّ قَالَ: ويلوح لي أَن انحطاطنا من أَنْفُسنَا، إِذْ أننا كُنَّا خير أمة أخرجت للنَّاس نعْبد الله وَحده، أَي نخضع ونتذلل لَهُ فَقَط، ونطيع من أطاعه مَا دَامَ مُطيعًا لَهُ، نأمر بِالْمَعْرُوفِ وننهى عَن الْمُنكر، امرنا شُورَى بَيْننَا، نتعاون على الْبر وَالتَّقوى وَلَا نتعاون على الْإِثْم والعدوان، فتركنا ذَلِك كُله مَا صَعب مِنْهُ وَمَا هان. وَقد يظنّ أَن أصعب هَذِه الْأُمُور النَّهْي عَن الْمُنكر، مَعَ أَن إِزَالَة الْمُنكر فِي شرعنا تكون بِالْفِعْلِ، فَإِن لم يكن فبالقول، فَإِن لم يكن فبالقلب، وَهَذِه الدرجَة الثَّالِثَة هِيَ الْأَعْرَاض عَن الخائن وَالْفَاسِق والنفور مِنْهُ وإيطال بغضه فِي الله؛ وَمن علائم ذَلِك تجنب مجاملته ومعاملته، وَلَا شكّ أَن ايفاء هَذَا الْوَاجِب الديني كَاف للردع، وَلَا يتَصَوَّر الْعَجز عَنهُ قطّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ ؛ فَهَذَا هُوَ سَبَب استرسال الْأمة لعبادة الْأُمَرَاء والأهواء والأوهام، وَلَا طَاعَة العصاة اخْتِيَارا، ولترك التناصح، وللركون إِلَى الفسّاق والأذعان للاستبداد وللتخاذل فِي الْخَيْر وَالشَّر، قَالَ: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَعنهُ [ ﷺ ]

стр. 34

: (لتأمرون بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر أَو ليستعملن الله عَلَيْكُم شِرَاركُمْ فيسومونكم سوء الْعَذَاب) . إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات الْبَينَات وَالْأَحَادِيث المنذرات القاضيات بالخذلان على تاركي الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فَهَذَا هُوَ السَّبَب الناشيء عَنهُ الفتور. أَجَابَهُ المرشد الفاسي: أننا كُنَّا على عهد السّلف الصَّالح شريعتنا سمحاء وَاضِحَة المسالك، مَعْرُوفَة الْوَاجِبَات والمناهي، فَكَانَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَظِيفَة لكل مُسلم ومسلمة، وَكُنَّا فِي بساطة من الْعَيْش، متفرغين لذَلِك، ثمَّ شغلنا شَأْن التَّوَسُّع فخصصنا لذَلِك محتسبين، ثمَّ دخل فِي ديننَا أَقوام ذَوُو بَأْس ونفاق أَقَامُوا الِاكْتِسَاب مَكَان الاحتساب، وحصروا اهتمامهم فِي الجباية وآلتها الَّتِي هِيَ الجندية فَقَط، فَبَطل الاحتساب وَبَطل الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر طبعا، فَهَذَا يصلح أَن يكون سَببا من جملَة الْأَسْبَاب، وَلكنه لَا يَكْفِي وَحده لَا يراث مَا نَحن فِيهِ من الفتور. على أَن انحصار همة الْأُمَرَاء الدخلاء فِي الجباية والجندية أدّى بهم لإهمال الدّين كلياً، وَلَوْلَا أَن فِي الْقُرْآن آيَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ لهجروه ظهرياً، إِحْدَاهمَا قَوْله تَعَالَى: (وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي

стр. 35

الْأَمر مِنْكُم﴾ مَعَ الْغَفْلَة عَن المُرَاد بأولي الْأَمر، وَمَا تَقْتَضِيه صِيغَة الْجمع، وَمَا يَقْتَضِيهِ قيد (مِنْكُم) ، وَالثَّانيَِة قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله﴾ مَعَ إغفال: هَل الْجِهَاد الْمَأْمُور بِهِ مَا يستحصل بِهِ إعزاز كلمة الله، أم مَا نؤيد بِهِ سلطة الْأُمَرَاء العاملين على الْإِطْلَاق؛ فإهمال الاهتمام بِالدّينِ قد جر الْمُسلمين إِلَى مَا هم عَلَيْهِ حَتَّى خلت قُلُوبهم من الدّين بِالْكُلِّيَّةِ، وَلم يبْق لَهُ عِنْدهم أثر إِلَّا على رُؤُوس الألسن، لَا سِيمَا عِنْد بعض الْأُمَرَاء الْأَعَاجِم، الَّذين ظواهر أَحْوَالهم وبواطنها تحكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم لَا يتراؤون بِالدّينِ إِلَّا بِقصد تَمْكِين سلطتهم على البسطاء من الْأمة، كَمَا أَن ظواهر عقائدهم وبواطنها تحكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم مشركون وَلَو شركا خفِيا من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ. فَإِذا أضيف إِلَى شركهم هَذَا مَا هم عَلَيْهِ من الظُّلم والجور، يحكم عَلَيْهِم الشَّرْع وَالْعقل بَان مُلُوك الْأَجَانِب أفضل مِنْهُم وَأولى بِحكم الْمُسلمين، لأَنهم أقرب للعدل ولإقامة الْمصَالح الْعَامَّة، وأقدر على إعمار الْبِلَاد وترقية الْعباد، وَهَذِه هِيَ حِكْمَة الله فِي نزع الْملك من أَكْثَرهم، كَمَا يَقْتَضِيهِ مَفْهُوم: لَا يهْلك الله الْقرى وَأَهْلهَا مصلحون. وَقد افتخر النَّبِي ﵇ بِأَنَّهُ ولد فِي زمن كسْرَى

стр. 36

أنوشروان عَابِد الْكَوَاكِب فَقَالَ: (ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل) . وَحكى ابْن طَبَاطَبَا فِي الْآدَاب السُّلْطَانِيَّة والدول الإسلامية أَنه لما فتح السُّلْطَان هلاكو (وَهُوَ مَجُوسِيّ) بَغْدَاد سنة ٦٥٦، أَمر أَن يستفتي علماؤها أَيهمَا أفضل السُّلْطَان الْكَافِر الْعَادِل أم السُّلْطَان الْمُسلم الجائر، فَاجْتمع الْعلمَاء فِي المستنصرية لذَلِك، فَلَمَّا وقفُوا على الْفتيا احجموا عَن الْجَواب، حَيْثُ كَانَ رَضِي الدّين عَليّ بن طَاوُوس حَاضرا، وَكَانَ مقدما مُحْتَرما، فَتَنَاول الْفتيا وَوضع خطه فِيهَا بتفضيل الْعَادِل الْكَافِر على الْمُسلم الجائر، فَوضع الْعلمَاء خطوطهم بعده. ثمَّ قَالَ: إِنِّي أَظن أَن السَّبَب الْأَعْظَم لمحنتنا هُوَ انحلال الرابطة الدِّينِيَّة، لِأَن مبْنى ديننَا على أَن الْوَلَاء فِيهِ لعامة الْمُسلمين؛ فَلَا يخْتَص بِحِفْظ الرابطة والسيطرة على الشئون العمومية رُؤَسَاء دين سوى الإِمَام أَن وجد؛ وَإِلَّا فَالْأَمْر يبْقى فوضى بَين الْجَمِيع، وَإِذا صَار الْأَمر فوضى بَين الْكل فبالطبع تختل الجامعة الدِّينِيَّة وتنحل الرابطة السياسية كَمَا هُوَ الْوَاقِع. وَمن أَيْن لنا حَكِيم (كبسمرك) أَو مُلْزم (كغاريبالدى)

стр. 37

يوفق بَين أمرائنا أَو يلْزمهُم وَيجمع كلمتنا. وَقد زَاد على ذَلِك فَقدنَا الرابطة الجنسية أَيْضا فَإِن الْمُسلمين فِي غير جَزِيرَة الْعَرَب لفيف إخلاط دخلاء، وبقايا أَقوام شَتَّى لَا تجمعهم جَامِعَة غير التَّوَجُّه إِلَى هَذِه الْكَعْبَة المعظمة. وَمن الْمُقَرّر الْمَعْرُوف انه لَوْلَا رُؤَسَاء الدّين فِي سَائِر الْملَل وروابطهم المنتظمة المطردة، أَو من يقوم مقَام الرؤساء من الدعاة أَو مديري أَو معلمي الْمدَارِس الجامعة المتحدة المبادئ، لضاعت الْأَدْيَان وتشعبت أَخْلَاق الْأُمَم، ونالهم مَا نالنا من أَن كل فَرد منا أصبح أمة فِي ذَاته. أَجَابَهُ الْمُحَقق الْمدنِي: أَن فقد الرابطة الدِّينِيَّة والوحدة الخلقية لَا يكفيان أَن يَكُونَا سَببا للفتور الْعَام، بل لَا بُد لذَلِك من سَبَب أَعم وأهم. ثمَّ قَالَ: أما أَنا، فَالَّذِي يجول فِي فكري، أَن الطامة من تشويش الدّين وَالدُّنْيَا على الْعَامَّة بِسَبَب الْعلمَاء المدلسين وغلاة المتصوفين الَّذين استولوا على الدّين فضيعوه، وضيعوا أَهله، وَذَلِكَ أَن الدّين إِنَّمَا يعرف بِالْعلمِ، وَالْعلم يعرف بالعلماء العاملين، وأعمال الْعلمَاء قيامهم فِي الْأمة مقَام الْأَنْبِيَاء فِي الْهِدَايَة إِلَى خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَلَا شكّ

стр. 38

أَن لمثل هَذَا الْمقَام فِي الْأمة شرفا باذخا يتعاظم عل نِسْبَة الهمم فِي تحمل عنائه وَالْقِيَام بأعبائه. فبعض ضعيفي الْعلم وفاقدي الْعَزْم تطلعوا إِلَى هَذِه الْمنزلَة الَّتِي هِيَ فَوق طاقتهم، وحسدوا أَهلهَا المتعالين عَنْهُم، فتحيلوا للمزاحمة والظهور مظهر الْعلمَاء العظماء بالأغراب فِي الدّين وسلوك مَسْلَك الزاهدين؛ وَمن الْعَادة أَن يلجأ ضَعِيف الْعلم إِلَى التصوف، كَمَا يلجأ فَاقِد الْمجد إِلَى الْكبر، وكما يلجأ قَلِيل المَال إِلَى زِينَة اللبَاس والأثاث (مرحى) . فَصَارَ هَؤُلَاءِ المتعالين يدلسون على الْمُسلمين بِتَأْوِيل الْقُرْآن بِمَا لَا يحْتَملهُ مُحكم النّظم الْكَرِيم، فيفسرون مثلا الْبَسْمَلَة أَو الْبَاء مِنْهَا بسفر كَبِير، تَفْسِيرا مملوءاً بِلَفْظ لَا معنى لَهُ، أَو بِحكم لَا برهَان عَلَيْهِ. ثمَّ جَاءُوا الْأمة بوراثة أسرار أدعوها، وعلوم لدنيات ابتدعوها، وتسنم مقامات اخترعوها، وَوضع أَحْكَام لفقوها وترتيب قربات زخرفوها، وبالإمعان نجدهم قد جَاءُوا مصداقا لما ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (لتتبعن سنَن من كَانَ قبلكُمْ شبْرًا بشبر وذراعا بِذِرَاع) ، وَفِي رِوَايَة (حَذْو القذة بالقذة، حَتَّى لَو دخلُوا جُحر ضَب تبعتموهم) ، (قُلْنَا يَا رَسُول الله الْيَهُود وَالنَّصَارَى، قَالَ هُوَ: فَمن) ؛ وَذَلِكَ أَن هَؤُلَاءِ المدلسين اقتبسوا مَا هُنَالك كُله أَو جله عَن أَصْحَاب التلمود

стр. 39

وتفاسيرهم، وَمن المجامع المسكونية ومقرراتها، وَمن البابوية ووراثة السِّرّ وَمن مضاهاة مقامات البطاركة والكردينالية وَالشُّهَدَاء واسقفية كل بلد، وَمظَاهر القديسين وعجائبهم، والدعاة المبشرين وصبرهم، والرهبنات ورؤسائها، وَحَالَة الأديرة وبادريتها، والرهبنة أَي التظاهر بالفقر ورسومها، وَالْحمية وتوقيتها، وَرِجَال الكهنوت ومراتبهم وتميزهم فِي ألبستهم وشعورهم، وَمن مراسم الْكَنَائِس وَزينتهَا، وَالْبيع واحتفالاتها، والترنحات ووزنها، والترنمات وأصولها، وَإِقَامَة الْكَنَائِس على الْقُبُور وَشد الرّحال لزيارتها والإسراج عَلَيْهَا، والخضوع لَدَيْهَا وَتَعْلِيق الآمال بسكانها. وَأخذُوا التَّبَرُّك بالآثار كالقدح وَالْحريَّة والدستار من احترام الذَّخِيرَة وقدسية العكاز. وَكَذَلِكَ إمرار الْيَد على الصَّدْر عِنْد ذكر بعض الصَّالِحين من امرارها على الصَّدْر لإشارة التصلب؛ وانتزعوا الْحَقِيقَة من السِّرّ، ووحدة الْوُجُود من الْحُلُول، والخلافة من الرَّسْم، والسقيا من تنَاول القربان، والمولد من الميلاد وحفلته من الأعياد؛ وَرفع الْأَعْلَام من حمل الصلبان، وَتَعْلِيق أَلْوَاح الْأَسْمَاء المصدرة بالنداء على الجدران من تَعْلِيق الصُّور والتماثيل؛ والاستفاضة والمراقبة من التَّوَجُّه بالقلوب انحناء أَمَام الْأَصْنَام، وَمنع الاستهداء من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة

стр. 40

من حظر الكهنة الكاثوليك قِرَاءَة الْإِنْجِيل على غَيرهم، وسد الْيَهُود بَاب الْأَخْذ من التَّوْرَاة وتمسكهم بالتلمود إِلَى غير ذَلِك مِمَّا جَاءَ بِهِ المدلسون تقليداً لهَؤُلَاء شبْرًا شبْرًا، واقتفاء لأثرهم حجرا حجرا، وَهَكَذَا إِذا تتبعنا الْبدع الطارئة نجد أَكْثَرهَا مقتبسا وقليلها مخترعا. وَقد فعل المدلسون ذَلِك سحرًا لعقول الجهلاء، واختلابا لقلوب الضُّعَفَاء: كالنساء وَذَوي الْأَهْوَاء والأمراض القلبية أَو العصبية من الْعَامَّة، والأمراء الليني القياد طبعا إِلَى الشّرك، لِأَن التَّعَبُّد رَغْبَة أَو رهبة لما بَين أَيْديهم وَتَحْت أنظارهم أقرب إِلَى مداركهم من عبَادَة آله لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَيْسَ كمثله شَيْء، وَلِأَن التَّعَبُّد باللهو واللعب أَهْون على النَّفس والطبع من الْقيام بتكليفات الشَّرْع، كَمَا وصف الله تَعَالَى عبَادَة مُشْركي الْعَرَب فَقَالَ: (وَمَا كَانَ صلَاتهم عِنْد الْبَيْت إِلَّا مكاء وتصدية) أَي صفيرا وتصفيقاً، وَهَؤُلَاء جعلُوا عبَادَة الله تصفيقاً وشهيقاً وخلاعة ونعيقاً (مرحى) . وَالْحَاصِل، أَن بذلك وَأَمْثَاله نجح المدلسون فِيمَا يقصدون، وَلَا سِيمَا بِدَعْوَى فِئَة مِنْهُم الْكَرَامَة على الله وَالتَّصَرُّف بالمقادير، وباستمالتهم الْعَامَّة بالزهد الْكَاذِب والورع الْبَاطِل والتقشف الشيطاني؛ وبتزينهم
следующие страницы →