Полный текст (243 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
باسم القرائين، وهم الآخذون بِأَصْل التَّوْرَاة والمزامير النابذون للتلمود أَي لتفسيرات ومزيدات الْأَحْبَار والحاخامين الأقدمين.
أما الفئة الثَّانِيَة فهم الزَّنَادِقَة المارقون من النَّصْرَانِيَّة كليا لعدم ملاءمتها لِلْعَقْلِ، وَهَؤُلَاء فِي أوروبا وأمريكا كَذَلِك يزِيدُونَ على مائَة مليون من النُّفُوس، غالبهم مستعدون لقبُول ديانَة تكون معقولة حرَّة سمحاء تريحهم من نصب الْكفْر فِي الْحَيَاة الْحَاضِرَة فضلا عَن الْعَذَاب فِي الْآخِرَة.
وَمن غَرِيب نتائج التدقيق: إِن أَفْرَاد هَذِه الفئة كلما بعدوا عَن النَّصْرَانِيَّة نفوراً من شركها وخرافاتها وتشديداتها، يقربون طبعا من التَّوْحِيد والإسلامية وحكمتها وسماحتها.
فبناء على هَذِه الآمال ترى جمعية) ليفربول) أهمية عَظِيمَة لتحرير مَسْأَلَة الاستهداء من الْكتاب وَالسّنة، وتصوير حِكْمَة وسماحة الدّين الإسلامي للْعَالم المتمدن. فأرجو حَضْرَة الْأُسْتَاذ الرئيس أَن يسمح لي بتفهم مَسْأَلَة الاستهداء على أسلوب المحاورة والمساجلة مَعَ بعض الإخوان الأفاضل فِي هَذَا المحفل العلمي الْعَظِيم. فَأَجَابَهُ الْأُسْتَاذ الرئيس بقوله لَهُ: ساجل من شِئْت وخاطب من أردْت فالأخوان كلهم عُلَمَاء أفاضل حكماء.
стр. 107
فَقَالَ السعيد الإنكليزي مُخَاطبا الْعَالم النجدي. أَنَّك يَا مولَايَ قد صورت فِي مُقَدّمَة خطابك فِي التَّوْحِيد من هُوَ الْمُسلم وألزمته الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة، فأرجوك أَن تعرفنِي أَولا مَا هُوَ الْكتاب وَمَا هِيَ السّنة.
فَقَالَ الْعَالم النجدي: أما (الْكتاب) فَهُوَ هَذَا الْقُرْآن الَّذِي وصل إِلَيْنَا بطرِيق لَا تحْتَمل الشُّبْهَة فِيهِ لِاجْتِمَاع الْكَلِمَة واتفاق الْأمة عَلَيْهِ، وتناقلها إِيَّاه جيلاً عَن جيل، وحفظاً فِي الصُّدُور، وضبطاً فِي السطور مَعَ الْحِرْص الْعَظِيم على كَيْفيَّة أَدَائِهِ لفظا وعَلى هَيْئَة إمْلَائِهِ كِتَابَة، وَمَعَ الاعتناء الْكَامِل فِي تَحْقِيق أَسبَاب النُّزُول ومكانه وَوَقته، وَمَعَ حفظ اللُّغَة الْعَرَبيَّة المضرية القرشية الَّتِي نزل بهَا بِاتِّفَاق لَا مزِيد عَلَيْهِ. وَبَقَاء الْقُرْآن مَحْفُوظًا من التحريف والتغيير وموجبات الريب إِلَى الْآن هُوَ أحد وُجُوه إعجازه، حَيْثُ جَاءَ مُصدقا لقَوْله تَعَالَى فِيهِ: ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ .
أما (السّنة) فَهِيَ مَا قَالَه الرَّسُول [ ﷺ ] أَو فعله أَو أقره، وَلم يكن صدر مِنْهُ ذَلِك على سَبِيل الِاخْتِصَاص أَو الْحِكَايَة أَو الْعَادة؛ وَقد اعتنى الصَّحَابَة وَلَا سِيمَا التابعون وتابعوهم ﵃ بِحِفْظ السّنة حَدِيثهَا وآثارها وسيرها غَايَة الاعتناء؛ وتناقلوها
стр. 108
بالرواية والسند المتسلسل متحرين الوثوق مُنْتَهى مَرَاتِب التَّحَرِّي والتثبت؛ وَقد حازت بعض مدونات السّنة وثوقا تَاما وقبولا عَاما فِي الْأمة فوصلتنا بِكَمَال الضَّبْط خُصُوصا مِنْهَا الْكتب السِّتَّة.
قَالَ السعيد الإنكليزي لَا يشك أحد حَتَّى الْعَدو والمغاند فِي أَنه لم تبلغ وَلنْ تبلغ أمة من الْأُمَم شأو الْمُسلمين فِي اعتنائهم بِحِفْظ الْقُرْآن الْكَرِيم وضبطهم التَّارِيخ النَّبَوِيّ أَو السّنة، وَكَذَلِكَ يُقَال فِي اعتنائهم باللغة الْعَرَبيَّة الَّتِي هِيَ آلَة فهم الْخطاب.
وبالنظر إِلَى ذَلِك كَانَ يجب أَن نحرر الشَّرِيعَة الإسلامية أحسن تَحْرِير، فَلَا يُوجد فِيهَا مَا وجد فِي غَيرهَا بِسَبَب عدم ضبط أُصُولهَا من اختلافات ومباينات مهمة بَين الْعلمَاء الْأَئِمَّة، فأرجوك أَن تبين لي مَا هُوَ منشأ هَذَا التشتت الَّذِي نرَاهُ فِي الْأَحْكَام.
إِجَابَة الْعَالم النجدي: أَن الاختلافات الْمَوْجُودَة فِي الشَّرِيعَة لَيست كَمَا يظنّ شَامِلَة لِلْأُصُولِ، بل أصُول الدّين كلهَا وَالْبَعْض من الْفُرُوع مُتَّفق عَلَيْهَا لِأَن لَهَا فِي الْقُرْآن أَو السّنة أحكاماً صَرِيحَة قَطْعِيَّة الثُّبُوت، قَطْعِيَّة الدّلَالَة، أَو ثَابِتَة بِإِجْمَاع الْأمة الَّذِي لَا يجوز الْعقل فِيهِ أَن يكون عَن غير أصل فِي الشَّرْع.
أما الخلافات فَإِنَّمَا هِيَ فِي فروع تِلْكَ الْأُصُول وَفِي بعض الْأَحْكَام
стр. 109
الَّتِي لَيْسَ لَهَا فِي الْقُرْآن أَو السّنة نُصُوص صَرِيحَة، بل بعض عُلَمَاء الصَّحَابَة ﵃ وفقهاء التَّابِعين وَمن جَاءَ بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين اخذوا تِلْكَ الْأَحْكَام الَّتِي تخالفوا فِيهَا إِمَّا تلقياً من بعض الصَّحَابَة، فَكل قلد من صَادف؛ وَأما استنبطوها اجْتِهَادًا من نُصُوص الْكتاب أَو السّنة بالمدلول الْمُحْتَمل، أَو بِالْمَفْهُومِ أَو بالاقتضاء، أَو من قَرَائِن الْحَال أَو قَرَائِن الْمقَال، أَو بالتوفيق أَو بالتخريج أَو التَّفْرِيع أَو الْقيَاس، أَو باتحاد الْعلَّة أَو باتحاد النتيجة أَو بالتأويل أَو الِاسْتِحْسَان. وَهَذِه الْأَحْكَام الخلافية كلهَا ترجع إِلَى دَلَائِل أما قَطْعِيَّة الثُّبُوت ظنية الدّلَالَة، أَو ظنية الثُّبُوت ظنية الدّلَالَة. وَلكُل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أصُول فِي التطبيق وقوانين فِي الاستنباط يُخَالف فِيهَا الآخر، ومنشأ معظمها الخلافات النحوية والبيانية.
ثمَّ أَن أَكثر الخلافات هِيَ فِي مسَائِل الْمُعَامَلَات، وعَلى كل حَال جاحدها لَا يكفر بِاتِّفَاق الْأَئِمَّة، بل المتخالفون لَا يفسق بَعضهم بَعْضًا إِذا كَانَ التخالف عَن اجْتِهَاد لَا عَن هوى نفس أَو تَقْصِير فِي التتبع الْمُمكن للمقيم فِي دَار الْإِسْلَام (مرحى) .
قَالَ السعيد الإنكليزي: إِنِّي أشكرك على مَا أجملت وأوضحت، غير أَنَّك لم تذكر فِي جملَة أَسبَاب الِاخْتِلَاف فِي اعْتِبَار النَّاسِخ
стр. 110
والمنسوخ بَين آيَتَيْنِ أَو حديثين، أَو آيَة وَحَدِيث، وَإِنِّي أَظن أَن ذَلِك من اعظم أَسبَاب الِاخْتِلَاف فِي الْأَحْكَام.
الْإِجَابَة الْعَالم النجدي: أَن نواسخ الْأَحْكَام قَليلَة ومعلومة، وَالْخلاف فِيهَا أقل، لِأَن النّسخ فِي زمن التشريع لم يحصل إِلَّا عَن حِكْمَة ظَاهِرَة كالتدريج فِي منع السكر حَالَة الصَّلَاة ثمَّ تَعْمِيم مَنعه. وكتغيير الْمُقْتَضى للتوارث بالإخاء وَهُوَ القطيعة الَّتِي حصلت بَين الْمُهَاجِرين وَذَوي أرحامهم فِي بَدْء الْأَمر، ثمَّ لما تَلَاحَقُوا بعد فتح مَكَّة نسخ ذَلِك وَجعل التَّوَارُث بِالنّسَبِ. وكالدعوة فِي الأول للتوحيد وَالدّين بِمُجَرَّد الموعظة بِدُونِ جِدَال، ثمَّ بِهِ بِدُونِ صدع، ثمَّ بِهِ بِدُونِ قتال، ثمَّ بِهِ فِي أهل جَزِيرَة الْعَرَب فَقَط ثمَّ بتعميمه مَعَ قبُول الْجِزْيَة وَالْخَرَاج من غَيرهم (مرحى) .
قَالَ السعيد الإنكليزي: أَن مَا وصفت من أصُول الِاجْتِهَاد وقوانين استنباط الْأَحْكَام قد أنتج خلاف مَا يَأْمر الله بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أقِيمُوا الدّين وَلَا تفَرقُوا فِيهِ﴾ ، وَخلاف مَا تَقْتَضِيه الْحِكْمَة فَهَل من وَسِيلَة سهلة لرفع هَذَا التَّفَرُّق.
стр. 111
إِجَابَة الْعَالم النجدي: إِنِّي لَا أهتدي لذَلِك سَبِيلا، وَلَعَلَّ فِي الإخوان من يتَصَوَّر وَسِيلَة لهَذَا الْأَمر المهم.
فابتدر الْعَلامَة الْمصْرِيّ مُخَاطبا السعيد الإنكليزي وَقَالَ: أَن رفع الْخلاف غير مُمكن مُطلقًا وَلَكِن يُمكن تَخْفيف تأثيراته. وَذَلِكَ انه لما كَانَ مُعظم الِاخْتِلَاف كَمَا قَرَّرَهُ أخونا الْعَالم النجدي فِي الْفُرُوع دون الْأُصُول، وَفِي السّنَن والمندوبات والصغائر والمكروهات دون الشعائر والواجبات والكبائر والمنكرات؛ وَكَانَ أَكثر الْأمة هم الْعَامَّة الَّذين لَا يقدرُونَ أَن يميزوا بَين الْوَاجِب وَالسّنة وَالْمَنْدُوب، وَبَين النَّفْل والمباح؛ أَو يفرقُوا بَين الْكفْر وَالْحرَام، وَبَين الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة وَالْمَكْرُوه تَنْزِيها وَالتَّقوى؛ بل تَنْقَسِم الْأَحْكَام كلهَا فِي نظرهم إِلَى نَوْعَيْنِ أصليين فَقَط: مَطْلُوب ومحظور، وبتعبير آخر إِلَى حَلَال وَحرَام، وَكَانَت أَحْكَام الشَّرِيعَة كَثِيرَة جدا، فالعامة يَجدونَ أنفسهم مكلفين بِمَا لَا يُطِيقُونَ الْإِحَاطَة بمعرفته فضلا عَن الْقيام بِهِ،
стр. 112
ويرون أَن لَا مناص لَهُم من التهاون فِي أَكْثَره أَو بعضه، فَيقوم أحدهم بِالْبَعْضِ دون الْبَعْض، فَيَأْتِي بالنفل ويتهاون بِالْوَاجِبِ وَيَتَّقِي الْمَكْرُوه وَيقدم على الْحَرَام، وَذَلِكَ كَمَا قُلْنَا لاستكثاره الْأَحْكَام وجهله بمراتبها فِي التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير.
بِنَاء على ذَلِك أرى لَو أَن فُقَهَاء الْأمة كَمَا فرقوا مَرَاتِب الْأَحْكَام على الْمسَائِل، يفرقون الْمسَائِل أَيْضا على مَرَاتِب فِي متون مَخْصُوصَة؛
فيعقدون لكل مَذْهَب من الْمذَاهب كتابا فِي الْعِبَادَات يَنْقَسِم إِلَى أَبْوَاب وفصول تذكر فِي كل مِنْهَا الْفَرَائِض والواجبات فَقَط، وتنطوي ضمنهَا الشَّرَائِط والأركان بِحَيْثُ يُقَال أَن هَذِه الْأَحْكَام فِي هَذِه الْمذَاهب هِيَ أقل مَا تجوز بِهِ الْعِبَادَات.
ويعقدون كتابا آخر يَنْقَسِم إِلَى عين تِلْكَ الْأَبْوَاب والفصول، تذكر فِيهَا السّنَن بِحَيْثُ يُقَال أَن هَذِه الْأَحْكَام يَنْبَغِي رعايتها فِي أَكثر الْأَوْقَات.
ثمَّ كتابا ثَالِثا مثل الْأَوَّلين تذكر فِيهِ سنَن الزَّوَائِد، بِحَيْثُ يُقَال إِن هَذِه الْأَحْكَام رعايتها أولى من تَركهَا.
стр. 113
وعَلى هَذَا النسق يوضع كتاب للمنهيات، يقسم إِلَى أَبْوَاب وفصول تعد فِيهَا المكفرات والكبائر، وَكَذَا الصَّغَائِر والمكروهات، وَمثل ذَلِك تقسم كتب الْمُعَامَلَات على طَبَقَات من الْأَحْكَام الإجماعية أَو الاجتهادية أَو الاستحسانية.
فبمثل هَذَا التَّرْتِيب يسهل على كل من الْعَامَّة أَن يعرف مَا هُوَ مُكَلّف بِهِ فِي دينه، فَيعْمل بِهِ على حسب مراتبة وإمكانه، وبهذه الصُّورَة تظهر سماحة الدّين الحنيف، وَيصير الْمُسلم مطمئن الْقلب، مثله كَمثل تَاجر لَهُ دفاتر وقيود وحسابات وموازنات منتظمة فيعيش مطمئن الْفِكر. وَكم بَين هَذَا التَّاجِر وَبَين تَاجر آخر حساباته فِي أوراق منتثرة ومعاملاته مشتتة متزاحمة فِي فكره، لَا يعرف مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، فيعيش عمره مرتبك البال مُضْطَرب الْحَال (مرحى) .
قَالَ الْمُحدث اليمني: أننا معاشر أهل الْيمن وَمن يلينا من أهل الجزيرة، كَمَا أننا لم نزل بعيدين عَن الصَّنَائِع والفنون فَكَذَلِك لم نزل على مَذْهَب السّلف فِي الدّين، بعيدين عَن التفنن فِيهِ. ومسلكنا مَسْلَك أهل الحَدِيث وأكثرنا يخرج الْأَحْكَام على أصُول اجْتِهَاد الإِمَام زيد ابْن عَليّ بن زين العابدين، أَو أصُول الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل. وَأَنِّي أذكر للإخوان حالتنا الاستهدائية عَسى أَن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ؛
стр. 114
وَعَسَى أَن يعلم الْمُسلمُونَ وَلَا سِيمَا الأتراك وَمن يحكمون أننا من أهل السّنة، لَا كَمَا يوهمون أَو يتوهمون، فَأَقُول أَن الْمُسلمين عندنَا على ثَلَاث مَرَاتِب: الْعلمَاء والقراء والعامة.
فالطبقة الأولى: الْعلمَاء، وهم كل من كَانَ متصفا بِخمْس صِفَات:
١ - أَن يكون عَارِفًا باللغة الْعَرَبيَّة المضرية القرشية بالتعلم والمزاولة معرفَة كَافِيَة لفهم الْخطاب، لَا معرفَة إحاطة بالمفردات ومجازاتها، وبقواعد الصّرْف وشواذه، والنحو وتفصيلاته وَالْبَيَان وخلافاته، والبديع وتكلفاته، مِمَّا لَا يَتَيَسَّر إتقانه إِلَّا لمن يفني ثُلثي عمره فِيهِ، مَعَ أَنه لَا طائل تَحْتَهُ وَلَا لُزُوم لأكثره إِلَّا لمن أَرَادَ الْأَدَب.
٢ - أَن يكون قَارِئًا كتاب الله تَعَالَى قِرَاءَة فهم للمتبادر من مَعَاني مفرداته وتراكيبه، مَعَ الِاطِّلَاع على أَسبَاب النُّزُول ومواقع الْكَلَام من كتبهَا الْمُدَوَّنَة الْمَأْخُوذَة من السّنة والْآثَار وتفاسير الرَّسُول ﵇، أَو تفاسير أَصْحَابه عَلَيْهِم الرضْوَان، وَمن الْمَعْلُوم أَن آيَات الْأَحْكَام لَا تجَاوز الْمِائَة وَالْخمسين آيَة عدا.
стр. 115
٣ - أَن يكون متضلعا فِي السّنة النَّبَوِيَّة الْمُدَوَّنَة على عهد التَّابِعين وتابعيهم، أَو تَابِعِيّ تابعيهم فَقَط، بِدُونِ قيد بِمِائَة ألف أَو مِائَتي ألف حَدِيث، بل يَكْفِيهِ مَا كفى مَا لكافي موطئِهِ واحمداً فِي مُسْنده. وَمن الْمَعْلُوم أَن أَحَادِيث الْأَحْكَام لَا تجَاوز الْألف وَخَمْسمِائة حَدِيث أبدا.
٤ - أَن يكون وَاسع الِاطِّلَاع على سيرة النَّبِي [ ﷺ ] وَأَصْحَابه وأحوالهم من كتب السّير الْقَدِيمَة والتواريخ الْمُعْتَبرَة لأهل الحَدِيث كالحافظ الذَّهَبِيّ وَابْن كثير وَمن قبلهم، وكابن جرير وَابْن قُتَيْبَة وَمن قبلهم كمالك وَالزهْرِيّ وإضرابهم.
٥ - أَن يكون صَاحب عقل سليم فطري لم يفْسد ذهنه بالْمَنْطق والجدل التعليميين والفلسفة اليونانية والإلهيات الفيثاغورسية، وبأبحاث الْكَلَام وعقائد الْحُكَمَاء ونزعات الْمُعْتَزلَة، وإغرابات
стр. 116
الصُّوفِيَّة، وتشديدات الْخَوَارِج، وتخريجات الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين، وحشويات الموسوسين، وتزويقات المرائين وتحريفات المدلسين (مرحى) .
فَأهل هَذِه الطَّبَقَة يستهدون بِأَنْفسِهِم وَلَا يقلدون إِلَّا بعد الْوُقُوف على دَلِيل من يقلدون، فَإِذا وجدوا فِي الْمَسْأَلَة قُرْآنًا ناطقاً لَا يتحولون عَنهُ لغيره مُطلقًا، وَإِذا كَانَ الْقُرْآن مُحْتملا لوجوه، فَالسنة قاضية عَلَيْهِ مفسرة لَهُ ثمَّ مَا لم يجدوه فِي كتاب الله أَخَذُوهُ من صَحِيح سنة رَسُول [ ﷺ ] سَوَاء كَانَ الحَدِيث مستفيضاً أم غير مستفيض، عمل بِهِ اكثر من وَاحِد من الصَّحَابَة الْمُجْتَهدين أم لم يعْمل بِهِ إِلَّا وَاحِد فَقَط، وَمَتى كَانَ فِي الْمَسْأَلَة حَدِيث صَحِيح لَا يعدلُونَ عَنهُ إِلَى اجْتِهَاد. ثمَّ إِذا لم يَجدوا فِي الْمَسْأَلَة حَدِيثا يَأْخُذُونَ بِإِجْمَاع عُلَمَاء الصَّحَابَة، ثمَّ بقول جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَلَا يتقيدون بِقوم دون قوم. فَإِن وجدوا مَسْأَلَة يَسْتَوِي فِيهَا قَولَانِ رجحوا أَحدهمَا بمرجح يقوم فِي الْفِكر، لَا يتبعُون فِيهِ أصولاً مَوْضُوعَة غير مَشْرُوعَة، أَو طرقاً مقررة غير مَرْفُوعَة. وَأهل هَذِه الطَّبَقَة عندنَا، ينورون أذهانهم بأصول استدلالات الإِمَام زيد ﵁ أَو غَيره من الْأَئِمَّة تخريجهم الْأَحْكَام واستنباطها من النُّصُوص بِدُونِ تقيد
стр. 117
بتقليد أحدهم خَاصَّة دون غَيره، لأَنهم لَا يجوزون اتِّبَاع إِمَام إِذا رَأَوْا مَا ذهب إِلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة بَعيدا عَن الصَّوَاب، فَلَا يقلدون أحدا تقليداً مُطلقًا كَأَنَّهُ نَبِي مُرْسل.
والطبقة الثَّانِيَة هم: الْقُرَّاء، وهم الَّذين يقرأون كتاب الله تَعَالَى قِرَاءَة فهم بالإجمال مَعَ إطلاع على جملَة صَالِحَة من سنة رَسُول [ ﷺ ] ، فَهَؤُلَاءِ يستهدون فِي أصُول الدّين بِأَنْفسِهِم لِأَنَّهَا مَبْنِيَّة غَالِبا على قُرْآن نَاطِق أَو سنة صَرِيحَة، أَو إِجْمَاع عَام مُفَسّر لغير النَّاطِق والصريح.
وَأما فِي الْفُرُوع فيتبعون أحد الْعلمَاء الموثوق بهم عِنْد المستهدي من الأقدمين أَو المعاصرين، بِدُونِ ارتباط بمجتهد مَخْصُوص أَو عَالم دون آخر، مَعَ سَماع الدَّلِيل والميل إِلَى قبُوله كَمَا كَانَ عَلَيْهِ جُمْهُور الْمُسلمين قبل وجود التعصب للمذاهب.
والطبقة الثَّالِثَة هم: الْعَامَّة، وَهَؤُلَاء يهْدِيهم الْعلمَاء مَعَ بَيَان الدَّلِيل بِقصد الْإِقْنَاع، فَالْعُلَمَاء عندنَا لَا يجسرون على أَن يفتوا فِي مَسْأَلَة مُطلقًا مَا لم يذكرُوا مَعهَا دليلها من الْكتاب وَالسّنة أَو الْإِجْمَاع، حَتَّى وَلَو كَانَ المستفتي أعجميا أُمِّيا لَا يفهم مَا الدَّلِيل، وطريقتهم هَذِه هِيَ طَريقَة الصَّحَابَة كَافَّة وَالتَّابِعِينَ عَامَّة وَالْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين وَالْفُقَهَاء
стр. 118
الْأَوَّلين من أهل الْقُرُون الْأَرْبَعَة أَجْمَعِينَ (مرحى) .
والتزام عُلَمَائِنَا هَذِه الطَّرِيقَة مَبْنِيّ على مَقَاصِد مهمة أعظمها تضييق دَائِرَة الجراءة على الْإِفْتَاء بِدُونِ علم، وَفِي هَذَا التَّضْيِيق على الْعلمَاء توسعة على الْمُسلمين وسدا لباب التَّشْدِيد فِي الدّين والتشويش على القاصرين، ولهذه الْحِكْمَة الْبَالِغَة بَالغ الله وَرَسُوله فِي النكير على المتجاسرين على التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم والمستسلمين لمحض التَّقْلِيد.
فالعالم عندنَا لَا يَسْتَطِيع أَن يُجيب إِلَّا عَن بعض مَا يسْأَل وَلَا يأنف أَن يقف عِنْد " لَا أَدْرِي "، بل يحذر وَيخَاف من غش السَّائِل وتغريره إِذا إِجَابَة بِأَن فلَانا الْمُجْتَهد يَقُول أَن الله أحل كَذَا وَحرم كَذَا، لِأَن السَّائِل لَا يعلم مَا يعلم هُوَ من أَن هَذَا الْمُجْتَهد الَّذِي لَيْسَ بمعصوم كثيرا مَا يُخَالف فِي قَوْله من هُوَ أفضل مِنْهُ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَمن أَنه يتَرَدَّد فِي رَأْيه وَحكمه كم إجتهد وَكم رَجَعَ، وَمن أَن أَكثر دلائله أما ظنية الثُّبُوت أَو ظنية الدّلَالَة أَو ظنيتهما، وَمن أَنه لم يدون مَا قَالَه وَلَكِن نَقله عَنهُ الناقلون، وَكم اخْتلفُوا فِي الرِّوَايَة عَنهُ بَين سلب وَإِيجَاب وَنفي وَإِثْبَات. وَكم زيف أَصْحَابه اجْتِهَاده وَرَأَوا غير مَا رَآهُ، وَمن أَنه أَي الْمُجْتَهد إِنَّمَا اجْتهد لنَفسِهِ وَبلغ عذره عِنْد ربه، وَصرح بِعَدَمِ جَوَاز أَن يتبعهُ أحد فِيمَا أجتهد وتبرأ من تبعه الْخَطَأ.
стр. 119
فَهَذَا (الإِمَام مَالك) ﵁ يَقُول: مَا من أحد إِلَّا وَهُوَ مَأْخُوذ من كَلَامه مَرْدُود عَلَيْهِ إِلَّا رَسُول الله [ ﷺ ] وَنقل المؤرخون أَن الْمَنْصُور لما حج وَاجْتمعَ بِمَالك إِرَادَة على الذّهاب مَعَه ليحمل النَّاس على الْمُوَطَّأ كَمَا حمل عُثْمَان النَّاس على الْمُصحف، فَقَالَ مَالك لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك لِأَن الصَّحَابَة افْتَرَقُوا بعد وَفَاة النَّبِي [ ﷺ ] فِي الْأَمْصَار، يُرِيد أَن السّنة لَيست بمجموعة فِي موطئِهِ الَّذِي جمع فِيهِ مرويات أهل الْمَدِينَة.
وَحكي فِي اليواقيت والجواهر أَن (أَبَا حنيفَة) ﵁ كَانَ يَقُول: " لَا يَنْبَغِي لمن لَا يعرف دليلي أَن يَأْخُذ بكلامي ". وَكَانَ إِذا أفتى يَقُول: هَذَا رَأْي النُّعْمَان بن ثَابت، يَعْنِي نَفسه، وَهُوَ أحسن مَا قَدرنَا عَلَيْهِ، فَمن جَاءَ بِأَحْسَن مِنْهُ فَهُوَ أولى بِالصَّوَابِ.
وروى الْحَاكِم الْبَيْهَقِيّ أَن الشَّافِعِي) ﵁ كَانَ يَقُول: إِذا صَحَّ الحَدِيث فَهُوَ مذهبي، وَفِي رِوَايَة إِذا رَأَيْتُمْ كَلَامي يُخَالف الحَدِيث فاعملوا بِالْحَدِيثِ واضربوا بكلامي الْحَائِط. وَأَنه قَالَ يَوْمًا للمزني: يَا إِبْرَاهِيم لَا تقلدني فِيمَا أَقُول وَانْظُر فِي ذَلِك لنَفسك فَإِنَّهُ دين. وَكَانَ يَقُول: لَا حجَّة فِي قَول أحد دون رَسُول الله [ ﷺ ] .
стр. 120
ويروى عَن (أَحْمد بن حَنْبَل) ﵁ أَنه رأى بَعضهم يكْتب كَلَامه فَأنْكر عَلَيْهِ وَقَالَ: تكْتب رَأيا لعَلي ارْجع عَنهُ. وَكَانَ يَقُول لَيْسَ لأحد مَعَ الله وَرَسُوله كَلَام. وَقَالَ لرجل: لَا تقلدني وَلَا تقلدن مَالِكًا وَلَا الْأَوْزَاعِيّ وَلَا الْحَنَفِيّ، وَلَا غَيرهم، وخذوا الْأَحْكَام من حَيْثُ أخذُوا من الْكتاب وَالسّنة وَأسسَ مذْهبه على ترك التَّأْوِيل والترقيع بِالرَّأْيِ وَاتِّبَاع الْغَيْر فِيمَا فِيهِ طَرِيق الْعقل وَاحِد.
وَنقل الثقاة أَن سُفْيَان الثَّوْريّ ﵁ لما مرض مرض الْمَوْت دَعَا بكتبه فغرقها جَمِيعهَا.
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَزفر رحمهمَا الله تَعَالَى انهما كَانَا يَقُولَانِ لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن قُلْنَا. وَقيل لبَعض أَصْحَاب أبي حنيفَة: انك تكْثر الِاخْتِلَاف إِلَى أبي حنيفَة، فَقَالَ: لِأَنَّهُ أُوتِيَ من الْفَهم مَا لم نُؤْت، فَأدْرك مَا لم ندرك، وَلَا يسعنا أَن نفتي بقوله مَا لم نفهم دَلِيله ونقنع (مرحى) .
ثمَّ قَالَ: أَيهَا الإخوان الْكِرَام قد أطلت الْمقَال فاعذروني، فَإِنِّي من قوم ألفوا ذكر الدَّلِيل وَإِن كَانَ مَعْرُوفا مَشْهُورا، وَقد ذكرت طَريقَة عُلَمَاء الْعَرَب فِي الجزيرة منوها بفضلها لَا بفضلهم على غَيرهم، كلا بل غَالب عُلَمَاء سَائِر الْجِهَات أحد ذهنا وأدق نظرا وأعزر مَادَّة
стр. 121
وأوسع علما، وَلذَلِك لم نزل نَحن فِي تعجب وحيرة من نظر أُولَئِكَ الْعلمَاء المتبحرين فِي أنفسهم الْعَجز عَن الاستهداء وَقَوْلهمْ بسد بَاب الِاجْتِهَاد.
نعم لم يبْق فِي الْإِمْكَان أَن يَأْتِي الزَّمَان بأمثال ابْن عَمْرو ابْن الْعَبَّاس، أَو النَّخعِيّ وَدَاوُد، أَو سُفْيَان وَمَالك، أَو زيد وجعفر، أَو النُّعْمَان وَالشَّافِعِيّ، أَو احْمَد وَالْبُخَارِيّ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَلَكِن مَتى كلف الله تَعَالَى عبَادَة بدين لَا يفقهه إِلَّا أَمْثَال هَؤُلَاءِ النوابغ الْعِظَام؟ أَلَيْسَ أساس ديننَا الْقُرْآن وَقد قَالَ تَعَالَى عَنهُ فِيهِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ . وَقَالَ تَعَالَى ﴿كتاب فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدَّ كرّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أنزلنَا إِلَيْك آيَات بَيِّنَات﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ فَمَا معنى دَعْوَى الْعَجز والتمثل بِمن قَالُوا: ﴿قُلُوبنَا غلف﴾ ، حمانا الله تَعَالَى (مرحى) .
أما السّنة النَّبَوِيَّة أفلم تصل إِلَيْنَا مَجْمُوعَة مدونة بهمة أَئِمَّة الحَدِيث جزاهم الله خيرا، الَّذين جابوا الأقطار والبلاد الَّتِي تفرق إِلَيْهَا الصَّحَابَة ﵃ بِسَبَب الفتوحات والفتن فَجمعُوا متفرقاتها ودونوها، وسهلوا الْإِحَاطَة بهَا بِمَا لم يتسهل الْوُقُوف عَلَيْهِ لغير إِفْرَاد من عُلَمَاء
стр. 122
الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا ملازمين النَّبِي ﵇.
وَكَذَا يُقَال فِي حق أَسبَاب النُّزُول ومواقع الْخطاب ومعاني الْغَرِيب فِي الْقُرْآن وَالسّنة، فَإِن عُلَمَاء التَّابِعين وتابعيهم والناسجين على منوالهم ﵏ لم يألوا جهداً فِي ضَبطهَا وبيانها.
وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّة المجتهدون وَالْفُقَهَاء الْأَولونَ علمونا طرائق الاستهداء وَالِاجْتِهَاد، والاستنباط والتخريج والتفريع، وَقِيَاس النظير على النظير، فهم أرشدونا إِلَى الاستهداء وَمَا أحد مِنْهُم دَعَانَا إِلَى الِاقْتِدَاء بِهِ مُطلقًا (مرحى) .
ثمَّ أننا إِذا أردنَا أَن ندقق النّظر فِي مرتبَة علم أُولَئِكَ الْمُجْتَهدين الْعِظَام لَا نجد فيهم علما وهبياً أَو كسبياً خارقا للْعَادَة، فَهَذَا الإِمَام الشَّافِعِي ﵀، وَهُوَ اغزرهم مَادَّة وَأول وَأعظم من وضع صولا لفقهه، نجده قد أسس مذْهبه على اللُّغَة فَقَط من حَيْثُ: الْمُشْتَرك والمتباين والمترادف، والحقيقة وَالْمجَاز والاستعارة وَالْكِنَايَة وَالشّرط وَالْجَزَاء، وَالِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل والمنفصل والمنقطع، والعطف الْمُرَتّب وَغير الْمُرَتّب، والفور والتراخي، والحروف ومعانيها، إِلَى قَوَاعِد أُخْرَى لَا تخرج عَن علم اللُّغَة. وَاتبع أَبَا حنيفَة فِي إِدْخَاله فِي أصُول مذْهبه بعض قَوَاعِد منطقية مثل: دلَالَة الْمُطَابقَة، والتضمن والالتزام،
стр. 123
وَمَعْرِفَة الْجِنْس وَالنَّوْع والفصل والخاصة وَالْعرض، والمقدمتين والنتيجة وَالْقِيَاس المنتج. وَاتبعهُ أَيْضا فِي قِيَاس مَا لم يرد فِيهِ قُرْآن أَو حَدِيث على مَا ورد فِيهِ؛ وَهَكَذَا فتح كل من أُولَئِكَ الْأَئِمَّة الْعِظَام لمن بعده ميداناً وَاسِعًا، فجَاء أتباعهم ومدوا الْأَطْنَاب وَأَكْثرُوا من الْأَبْوَاب، وتفننوا فِي الأشكال وتنويع الْأَحْكَام، وأحدثوا علمي الْأُصُول وَالْكَلَام. وَهَذَا التوسيع كُله لَيْسَ من ضروريات الدّين بل ضَرَره اكثر من نَفعه، وَمَا أشبه الْأُمُور الدِّينِيَّة بالأمور المعاشية: كلما زَاد التأنق فِيهَا بِقصد استكمال أَسبَاب الرَّاحَة سلبت الرَّاحَة.
وَالْقَوْل الَّذِي فِيهِ فصل الْخطاب: أَن الله سُبْحَانَهُ وَله الحكم لم يرض منا أَن نتبع الأعلم الْأَفْضَل، بل كلفنا بِأَن نستهدي من كِتَابه وَسنة رَسُوله على حسب إمكاننا وطاقتنا وَهُوَ يرضى منا بجهدنا حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ ، فنسأل الله التَّوْفِيق لسواء السَّبِيل.
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: إِنِّي أَحْمد الله على توفيقه إيانا إِلَى هَذَا الِاجْتِمَاع الْمُبَارك، الَّذِي استفدنا مِنْهُ مَا لم نَكُنْ نعلمهُ من قبل عَن حَالَة إِخْوَاننَا وَأهل ديننَا فِي الْبِلَاد المتباعدة. وَلم يكن يسمع بَعْضنَا عَن بعض شَيْئا إِلَّا من السواح الغرباء الجهلاء الَّذين لَا يعْرفُونَ
стр. 124
مَا يصفونَ؛ أَو من أهل السياسة وَالْعُلَمَاء المتشيعين لَهُم، الَّذين رُبمَا يموهون الْحق بِالْبَاطِلِ بِقصد تَفْرِيق الْكَلِمَة وَمنع الائتلاف (مرحى) .
ثمَّ قَالَ: هَذَا وَالْيَوْم قد انسحب ذيل الظل وَقرب الزَّوَال وَأذن لنا الْوَقْت بالانصراف.
стр. 125
الِاجْتِمَاع السَّادِس
يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦
فِي الضُّحَى الأول من الْيَوْم الْمَذْكُور تألفت الجمعية حسب معتادها، وَقُرِئَ الضَّبْط السَّابِق، واستعدت الأذهان لتلقي مَا يفيضه الله على أَلْسِنَة أهل الْإِيمَان من الإخوان.
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس مُخَاطبا " الشَّيْخ السندي ": إِنَّك يَا مَوْلَانَا لم تشاركنا فِي الْبَحْث إِلَى الْآن، فنرجوك أَن تتكرم على إخوانك بنبذة من عرفانك تنور بهَا أفكارنا. ونرجوك أَن لَا تحتشم من التلعثم فِي بعض التعبيرات اللُّغَوِيَّة لغَلَبَة العجمة عَلَيْك، فَإِن لَك أُسْوَة بالفيروز أبادي والسعد وَالْفَخْر وَغَيرهم.
فَقَالَ الشَّيْخ السندي: أَنكُمْ أَيهَا السَّادة الإخوان، سراة أفاضل الزَّمَان، وسباق فرسَان كل ميدان، قد أفدتم وأجدتم، وَلم تتركوا لقَائِل من مجَال، وَلَا لمثلي غير الإصغاء والامتثال. وَإِنِّي احب أَن
стр. 126
أذكر لكم حالتي وفكرتي قبل هَذِه الاجتماعات، وَمَا أثرته فِي هَذِه المفاوضات، فَأَقُول:
أنني من خلفاء الطَّرِيقَة النقشبندية. إِذْ كَانَ وَالِدي المرحوم هُوَ ناقل هَذِه الطَّرِيقَة للأقاليم الشرقية والجنوبية فِي الْهِنْد، وَقد صرت بعد وَالِدي مرجعا لعامة خلفائها، ثمَّ جرت لي سياحات مكررة فِي تِلْكَ الأرجاء وَفِي أيالات كاشغر وقازان حَتَّى سيبيريا وَتلك الإنحاء، وبسبب حرصنا على تَعْمِيم طريقتنا، صَار لَهَا شيوع مُهِمّ وانتشار عَظِيم بَين مُسْلِمِي هاتيك الديار.
وَمن الْمَعْلُوم أَن طريقتنا من أقرب الطرائق للإخلاص وأقلها انحرافا عَن ظَاهر الشَّرْع؛ وَهِي مؤسسة على الذّكر القلبي وَقِرَاءَة ورد خواجكان، ومراقبة المرشد والاستمداد من الروحانيات، وَإِنِّي لم اكن أفكر قطّ فِي أَن الذّكر وَقِرَاءَة الْورْد على وَجه راتب فِيهِ مَظَنَّة الْبِدْعَة أَو الزِّيَادَة فِي الدّين، وَلَا أَن المراقبة والاستفاضة والاستمداد من أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ فِيهَا مَظَنَّة الشّرك، إِلَى أَن حضرت هَذِه الاجتماعات الْمُبَارَكَة فَسمِعت وقنعت وأقلعت وَالْحَمْد لله.
على أَنِّي عزمت أَيْضا على أَن أتلطف فِي الْأَمر بِالنَّصِيحَةِ وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة، عَسى أَن أوفق لهداية جَمَاهِير النقشبندية فِي تِلْكَ
стр. 127
الْبِلَاد، وَإِلَى تَصْحِيح وجهتهم بِأَن يذكرُوا الله قلباً وَلِسَانًا بِدُونِ عدد مَخْصُوص معِين، قيَاما وقعوداً وعَلى جنُوبهم بِدُونِ هَيْئَة أَو كَيْفيَّة مُعينَة، مَتى شاؤا وَأَرَادُوا بِدُونِ وَقت مُرَتّب، فُرَادَى ومجتمعين بِدُونِ تداع. وَأَن يتْركُوا المراقبة ويستعيضوا عَنْهَا بِالدُّعَاءِ بالغفران وَالرَّحْمَة لكل من الشَّيْخ بهاء لدين النقشي مرشدهم الْأَعْلَى ولخليفته مرشدهم الْأَدْنَى الَّذِي هم مبايعوه.
وَقد فتح الله عَليّ ببركة جمعيتنا هَذِه فهم أَسبَاب ميل الْمُسلمين فِي هاتيك الْبِلَاد، صَالحهمْ وفاسقهم، للانتساب إِلَى إِحْدَى الطرائق الصُّوفِيَّة، وَكنت قبلا أحمل ذَلِك على مُجَرّد إخلاص المرشدين، والآن اتَّضَح لي أَن السَّبَب هُوَ: أَن السَّادة الْفُقَهَاء عندنَا من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة قد ضيقوا على الْمُسلمين الْعِبَادَات تضييقاً لَا يعلم أَن الله تَعَالَى يَطْلُبهُ من عباده، وكثروا الْأَحْكَام فِي الْمُعَامَلَات تكثيراً ضيع النَّاس وشوش الْإِفْتَاء وَالْقَضَاء، حَتَّى صَار الْمُسلم لَا يكَاد يُمكنهُ أَن يصحح عِبَادَته أَو مُعَامَلَته مَا لم يكن فَقِيها.
فتوسيع الْفُقَهَاء دَائِرَة الْأَحْكَام انتج تضييق الدّين على الْمُسلمين تضييقاً أوقع الْأمة فِي ارتباك عَظِيم، ارتباكا جعل الْمُسلم لَا يكَاد يُمكنهُ أَن يعْتَبر نَفسه مُسلما ناجياً لتعذر تطبيق جَمِيع عباداته ومعاملاته
стр. 128
على مَا يتطلبه مِنْهُ الْفُقَهَاء المتشددون الأخذون بالعزائم، فبذلك أصبح الْجُمْهُور الْأَكْبَر من الْمُسلمين يَعْتَقِدُونَ فِي أنفسهم التهاون أضراراً، فيهون عَلَيْهِم التهاون اخْتِيَارا كالغريق لَا يحذر البلل.
لِأَنَّهُ كَيفَ يطمئن الْحَنَفِيّ الْعَاميّ حق الاطمئنان فِي الإستبراء لنصح طَهَارَته، وَكَيف يحسن مخارج الْحُرُوف كلهَا وَقد أفسدت العجمة لِسَانه لتصح صلَاته؟ وَكَذَلِكَ كَيفَ يصحح الشَّافِعِي الْعَاميّ نِيَّته على مَذْهَب أَمَامه فِي الصَّلَاة، أَو يعرف شدات الْفَاتِحَة الثَّلَاث عشرَة وينتبه لإظهارها كلهَا ليَكُون أدّى فريضته.
بل أَي عَامي يعرف وصف الْكَلَام، وَمعنى الاسْتوَاء، وَتَأْويل الْوَجْه وَالْيَد وَالْيَدَيْنِ، وَتَعْيِين الْجُزْء الِاخْتِيَارِيّ، وَإِضَافَة الْأَعْمَال لَهُ أَو لله، إِلَى غير ذَلِك، ليَكُون عِنْد الْحَنَفِيَّة الماتريدية وَالشَّافِعِيَّة إِلَّا شاعرة مُسلما مُقَلدًا يُرْجَى لَهُ قبُول الْإِيمَان. وَمن من الْعَامَّة يُحِيط علما بِكُل مَا ثَبت بِالنَّصِّ الْقَاطِع حَتَّى صفرَة بقرة بني إِسْرَائِيل مثلا، لكيلا يعْتَقد خِلَافه فيكفر فيحبط عمله وَمن جملَته انْفِسَاخ نِكَاحه.
وَكم من مُسلم يحكم عَلَيْهِ الْفَقِيه الشَّافِعِي بِأَنَّهُ نسل سفاح ومقيم
стр. 129
على السفاح وراض لمحارمه بالسفاح، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يُنَافِي سماحة الدّين ومزية التدين بِهِ فِي الدُّنْيَا قبل الْآخِرَة.
فَبِهَذَا التَّضْيِيق صَار الْمُسلم لَا يرى لنَفسِهِ فرجا إِلَّا بالالتجاء إِلَى صوفية الزَّمَان، الَّذين يهونون عَلَيْهِ الدّين كل التهوين. (مرحى) .
وهم الْقَائِلُونَ: أَن الْعلم حجاب، وبلمحة تقع الصلحة، وبنظرة من المرشد الْكَامِل يصير الشقي وليا، وبنفخة فِي وَجه المريد أَو تفلة فِي فَمه تُطِيعهُ الأفعى وتحترمه الْعَقْرَب الَّتِي لدغت صَاحب الْغَار عَلَيْهِ الرضْوَان، وَتدْخل تَحت أمره قوانين الطبيعة، وهم المقررون: بَان الْولَايَة لَا ينافيها ارْتِكَاب الْكَبَائِر كلهَا إِلَّا الْكَذِب، وَإِن الِاعْتِقَاد أولى من الانتقاد، وَإِن الِاعْتِرَاض يُوجب الحرمان، أَي أَن تَحْسِين الظَّن بالفساق والفجار أولى من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. إِلَى غير ذَلِك من الْأَقْوَال المهونة للدّين والأعمال الَّتِي تَجْعَلهُ نوعا من اللَّهْو الَّذِي تستأنس بِهِ نفوس الْجَاهِلين.
على أَن النَّاس لَو وجدوا الصُّوفِيَّة الحقيقيين؛ وَأَيْنَ هم؟ لفروا مِنْهُم فرارهم من الْأسد، لِأَن لَيْسَ عِنْد هَؤُلَاءِ إِلَّا التوسل بالأسباب العادية الشاقة لتطهير النُّفُوس من أمراض إفراط الشَّهَوَات،
стр. 130
وتصفية الْقُلُوب من شوائب الشره فِي حب الدُّنْيَا، وَحمل الطبائع بوسائل الْقَهْر والتمرين على الِاسْتِئْنَاس بِاللَّه وبعبادته عوضا عَن الملاهي الْمضرَّة، وَذَلِكَ طِبًّا للراحة الفكرية والعيشة الهنية فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا والسعادة الأبدية فِي الْآخِرَة، وَأَيْنَ التهوين السالف الْبَيَان لصوفية الزَّمَان من هَذِه المطالب التهذيبية الشاقة؟ وَمن حقائق الْعرْفَان المعنوية الَّتِي لَا يعرفهَا ويتلبس بهَا إِلَّا من وَفقه الله وكشف عَن بصيرته. وَذَلِكَ نَحْو الْعرْفَان عَن يَقِين وإيمان: أَن من اعز كلمة الله أعزه الله، وَمن نصر الله نَصره الله، وَمن توقع الْخَيْر أَو الشَّرّ جَازِمًا نَالَ مَا توقع. وَمن تصفو نَفسه يلهم رشده، وَمن اتكل على الله حَقًا كَفاهُ الله مَا أهمه، وَمن دَعَا الله مُضْطَرّا أجَاب دعاءه. إِلَى غير ذَلِك من الْحَقَائِق المقتبسة من الْقُرْآن وأسرار حِكْمَة سيد ولد عدنان [ ﷺ ] . (مرحى) .
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: قد أحسن أخونا الشَّيْخ السندي توصيفه المتفقهة المتشددة والمتصوفة المخففة، وَإِنِّي مُلْحق تَقْرِيره بِمَا يُنَاسب أَن يكون مُقَدّمَة تاريخية لبحث التصوف فَأَقُول:
قد كَانَ التنسك فِي الْمُسلمين شِيمَة لأكْثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، ثمَّ أَن التَّوَسُّع فِي الدُّنْيَا قلل عدد المتنسكين، فَصَارَ لأَهله حرمه
стр. 131
مَخْصُوصَة بَين النَّاس. وَصَارَ بعض المتفرغين يقصدون نيل هَذِه الْحُرْمَة بالتلبس بالتنسك وإلزام النَّفس بالتمرن عَلَيْهِ؛ وَحَيْثُ كَانَ من لَوَازِم استحصال تِلْكَ الْحُرْمَة إِظْهَار التقشف اتَّخذُوا الصُّوف دثاراً وإسم الْفقر شعاراً، فغلب عَلَيْهِم اسْم الصُّوفِيَّة وَاسم الْفُقَرَاء. ثمَّ أَن بعض الْعلمَاء من هَؤُلَاءِ المعتزين بالتنسك، أحبو التميز بالرياسة أَيْضا، فصاروا يدعونَ النَّاس إِلَى التنسك ويرشدونهم إِلَى طرائق النمرن عَلَيْهِ، وَمن هُنَا جَاءَ اسْم الْإِرْشَاد وَاسم الطَّرِيق.
وَحَيْثُ كَانَت إِرَادَة الاعتزاز بِالدّينِ إِرَادَة حَسَنَة لِأَن فِيهَا إعزازاً لكلمة الله، فَلَا يُؤْخَذ شَيْء على المرشدين الْأَوَّلين، وَلَا على الْبَعْض النَّادِر من الْمُتَأَخِّرين وَلَو من أهل عهدنا هَذَا كالسادات السنوسية فِي صحراء إفريقيا. أما دُخُول الْفساد على التصوف وإضراره بِالدّينِ وبالمسلمين مِمَّا ذكره أخونا الشَّيْخ السندي وَغَيره من الإخوان الْكِرَام، فقد نَشأ من أَن بعض المرشدين من أهل الْقرن الرَّابِع، لما رَأَوْا توسع الْفُقَهَاء فِي الشَّرْع وتفنن الْمُتَكَلِّمين فِي العقائد، فهم كَذَلِك اقتبسوا من فلسفة فيثاغورس وتلامذته فِي الألهيات قَوَاعِد، وانتزعوا من لاهوتيات الكتابيين والوثنيين جملا، وألبسوها لباسا
стр. 132
إسلاميا فجعلوه علما مَخْصُوصًا ميزوه باسم علم التصوف، أَو الْحَقِيقَة، أَو الْبَاطِن.
وَهَكَذَا بعد أَن كَانَ التصوف عملا تعبدياً مَحْضا جَعَلُوهُ فَنًّا نظريا اعتقاديا بحتا.
ثمَّ جَاءَ مِنْهُم فِي الْقرن الْخَامِس وَمَا بعده بعض غلاة دهاة، رَأَوْا مجالاً فِي جهل أَكثر الْأمة لِأَن يحوزوا بَينهم مقَاما، كمقام النُّبُوَّة بل الألوهية، باسم لولاية والقطبانية أَو الغوثية؛ وَذَلِكَ بِمَا يدعونَ من الْقُوَّة القدسية وَالتَّصَرُّف فِي الملكوت، فوسعوا فلسفة التصوف بِأَحْكَام تشبه الحكم، بنوها على زخرف التأويلات والكشف والتحكمات والمثال والخيال والأحلام والأوهام، وألفوا فِي ذَلِك الْكتب الْكَثِيرَة والمجلدات الْكَبِيرَة، محشوة بحكايات مكذوبة، وتقريرات مخترعة، وقضايا وتركيبات لَا مَفْهُوم لَهَا الْبَتَّةَ حَتَّى وَلَا فِي مخيلة قائليها، كَمَا أَن قارئيها أَو سامعيها لَا يتصورون لَهَا معنى مُطلقًا وَإِن كَانَ بَعضهم يتظاهر بِحَالَة الْفَهم، ويتلمظ بِأَن للْقَوْم اصْطِلَاحَات لَا تدْرك إِلَّا بالذوق الَّذِي لَا يعرفهُ إِلَّا من شرب مشربهم.
وَبَعض هَؤُلَاءِ الغلاة قتلوا كفرا وَمَعَ ذَلِك شاعت كتبهمْ ومقالاتهم، وحازوا الْمقَام الَّذِي ادعوهُ بعد مماتهم، لِأَن فِي تَعْظِيم
стр. 133
شَأْنهمْ ترويج مَقَاصِد المقتفين لآثارهم كالإباحيين. وَبَعْضهمْ لم يكن من الغلاة، وَلَكِن إخلافه إعظاماً لأَنْفُسِهِمْ فِي نظر حمقاء الْأمة نسبوا إِلَيْهِ الغلو، وعزوا إِلَيْهِ كتبا ومقالات لَا يعرفهَا، وَمِنْهُم الأفاعيون يَفْعَلُونَ ذَلِك حَتَّى فِي عهدنا هَذَا وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه.
ثمَّ قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس للخطيب القازاني: إِن الأخوان يترقبون مِنْهُ أَيْضا أَن يفيدهم بِمَا يلهمه الله مِمَّا يُنَاسب مَوْضُوع مبَاحث الجمعية.
فَقَالَ الْخَطِيب القازاني: إِن الإخوان الأفاضل لم يتْركُوا قولا لقَائِل، وَلذَلِك لَا أجد مَا أَتكَلّم فِيهِ، وَإِنَّمَا أقص عَلَيْهِم مساجلة جرت فِي الاستهداء بَين مفتي قازان وإفرنجي روسي من الْعلمَاء المستشرقين العارفين باللغة الْعَرَبيَّة، المولعين باكتشاف وتتبع الْعُلُوم الشرقية وَلَا سِيمَا الإسلامية، وَقد هداه الله إِلَى الدّين الْمُبين، فَاجْتمع بمفتي قازان وَقَالَ لَهُ: أَنه قد أسلم جَدِيدا، وَهُوَ بَالغ من معرفَة لُغَة الْقُرْآن وَالسّنة مبلغا كَافِيا، وعالم بموارد ومواقع الْخَطَأ علما وافياً، فيريد أَن
стр. 134
يتتبع الْقُرْآن وَمَا يُمكنهُ أَن يتَحَقَّق وُرُوده عَن رَسُول الله، فَيعْمل بِمَا يفهمهُ ويمكنه تَحْقِيقه على حسب طاقته، لِأَنَّهُ لَا يرى وَجها معقولاً للوثوق بزيد أَو عَمْرو أَو بكر أَصْحَاب الْأَقْوَال المتضاربة المتناقضة، لِأَن حكم الْعقل فِي الدَّلِيلَيْنِ المتعارضين التساقط، وَفِي البرهانين المتباينين التهاتر، فَهَل من مَانع فِي الإسلامية يمنعهُ من ذَلِك.
فَأَجَابَهُ " الْمُفْتِي ": إِن أكثرية الْأمة مطبقة مُنْذُ قُرُون كَثِيرَة على لُزُوم اعْتِمَاد مَا حَرَّره أحد الْمُجْتَهدين الْأَرْبَعَة المنقولة مذاهبهم، فاطباق الأكثرية دَلِيل على الصِّحَّة فَلَا يجوز الشذوذ.
فَقَالَ " المستشرق ": لَو كَانَ الصَّوَاب قَائِما بِالْكَثْرَةِ والقدم، وَإِن خَالف الْمَعْقُول، لاقتضى ذَلِك صوابية الوثنية ورجحان النَّصْرَانِيَّة، ولاقتضى كَذَلِك عكس حكم مَا صَحَّ وُرُوده عَن النَّبِي [ ﷺ ] : من أَن أمته تفترق إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة، هِيَ الَّتِي كَانَ هُوَ وَأَصْحَابه عَلَيْهَا. وَقد وَقع مَا اخبر بِهِ، وكل فرقة تَدعِي أَنَّهَا هِيَ تِلْكَ الْوَاحِدَة النَّاجِية، وَلَا شكّ أَن الاثنتين وَسبعين فرقة أَكثر من أَي وَاحِدَة كَانَت مِنْهَا، فَأَيْنَ يبْقى حكم الأكثرية؟
فَأَجَابَهُ " الْمُفْتِي " أَنه قد سبقنَا من أهل التَّحْقِيق والتدقيق الَّذين
стр. 135
تشهد آثَارهم بمزيد علمهمْ أُلُوف من الْفُضَلَاء، وَكلهمْ اعتمدوا لُزُوم اتِّبَاع أحد تِلْكَ الْمذَاهب الْقَدِيمَة، حَتَّى بِدُونِ مُطَالبَة أَهلهَا بدلائلهم، لِأَن مداركنا قَاصِرَة عَن أَن توازن الدَّلَائِل وتميز الصَّحِيح وَالرَّاجِح، ومثلنا فِي ذَلِك كالطبيب لَا يلْزمه أَن يجرب طبائع الْمُفْردَات كلهَا ليعتمد عَلَيْهَا، بل يَأْخُذ علمه بطبائعها عَمَّا دونه أَئِمَّة الطِّبّ.
فَقَالَ " المستشرق ": نعم أَن الطَّبِيب يعْتَمد على مَا حَقَّقَهُ الْأَولونَ وَلَكِن فِيمَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ، وَأما مَا اخْتلفُوا فِيهِ على طرفِي نقيض بَين نَافِع أَو سَام فَلَا يعْتَمد فِيهِ أحد الْقَوْلَيْنِ، بل يهملهما ويجدد التجربة بمزيد الدقة وَالتَّحْقِيق، لِأَن اعْتِمَاده على أَحدهمَا يكون تَرْجِيحا بِلَا مُرَجّح. هَذَا وأننا لنرى ببادئ النّظر أَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الأقدمين لَا يقدرُونَ أَن يطلعوا على مَا لَا يقدر الْمُتَأَخّرُونَ أَن يطلعوا عَلَيْهِ، وَيَكْفِينَا برهانا على ذَلِك:
(أَولا) تخالفهم فِي كل الْأَحْكَام، إِلَّا فِيمَا قل وندر، تخالفا مهما مَا بَين مُوجب وسالب ومحلل ومحرم، حَتَّى لم يُمكنهُم الِاتِّفَاق فِي نَحْو مسَائِل الطَّهَارَة وَستر الْعَوْرَة وَمَا يحل أكله وَمَا لَا يحل.
(ثَانِيًا) : ترددهم فِي الْأَحْكَام وتقلبهم فِي الآراء، وَذَلِكَ كَحكم أحدهم فِي الْمَسْأَلَة ثمَّ عدوله عَنهُ إِلَى غَيره؛ كَمَا يَقُول أَصْحَاب الشَّافِعِي
стр. 136
أَنه كَانَ لَهُ مذهبان، رَجَعَ بِالثَّانِي مِنْهُمَا عَن الأول.
(ثَالِثا) : اخْتِلَاف أتباعهم فِي الرِّوَايَة عَنْهُم كأصحاب أبي حنيفَة الَّذين قَلما يتفقون على رِوَايَة عَنهُ، ويؤول ذَلِك لَهُم بعض الْمُتَأَخِّرين بِتَعَدُّد مذاهبه فِي الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة.
وَالْحَاصِل أَن الْإِنْسَان الَّذِي يتَقَيَّد بتقليد أحد أُولَئِكَ الْأَئِمَّة، وَلَا سِيمَا الإِمَام الْأَعْظَم مِنْهُم، لَا يتَخَلَّص من قلق الضَّمِير، أَو يكون كحاطب ليل: بِنَاء على ذَلِك لَا بُد للمتحري فِي دينه من أَن يَهْتَدِي بِنَفسِهِ لنَفسِهِ، أَو يَأْخُذ عَمَّن يَثِق بِعِلْمِهِ وَدينه وصواب رَأْيه وَلَو من معاصريه، لِأَن الدّين أَمر عَظِيم لَا يجوز الْعقل وَالنَّقْل فِيهِ المماشاة وَاتِّبَاع التَّقْلِيد.
أَجَابَهُ " الْمُفْتِي ": نَحن لَا نحتم بَان الصَّوَاب مَقْطُوع فِيهِ فِي جَانب أحد تِلْكَ الْمذَاهب، بل الْمُقَلّد منا أما أَن يَقُول بِإِصَابَة الْكل أَو يرجح الْخَطَأ فِي جَانب من ترك مَعَ احْتِمَال الصَّوَاب.
فَقَالَ " المستشرق ": هَذَا القَوْل يسْتَلْزم تعدد الْحق عِنْد الله. أَو القَوْل بالترجيح بِلَا مُرَجّح، لأنكم تتحامون المفاضلة بَين الْأَئِمَّة. واعترافكم بِاحْتِمَال الْجَمِيع للخطأ يَقْتَضِي جَوَاز تَركهَا كلهَا مَعَ أَنكُمْ توجبون اتِّبَاع أَحدهَا. أفليست هَذِه قضايا لَا تتطابق وَلَا تعقل،
стр. 137
فلماذا لَا تجوزون وانتم على هَذَا الارتباك أَن يستهدي المبتلي لنَفسِهِ، فَإِن تحقق عِنْده شَيْء عَن يَقِين أَو غَلَبَة ظن اتبعهُ وَلَا كَانَ مُخْتَارًا وَهل يُكَلف الله نَفسهَا إِلَّا وسعهَا؟
أَجَابَهُ " الْمُفْتِي " أننا لبعد الْعَهْد لم يبْق فِي إمكاننا التَّحْقِيق، فَمَا لنا من سَبِيل غير اتِّبَاع أحد الْمُتَقَدِّمين وَلَو كَانَ تَحْقِيقه يحْتَمل الْخَطَأ.
قَالَ " المستشرق ": مَا الْمُوجب لتكليف النَّفس مَا لم يكلفها بِهِ الله؟ أَلَيْسَ من الْحِكْمَة أَن يحفظ الْإِنْسَان حُرِّيَّته واختياره، فيستهدي بِنَفسِهِ لنَفسِهِ حسب وَسعه، فَإِن أصَاب كَانَ مأجورا وان أَخطَأ كَانَ مَعْذُورًا، وَيكون ذَلِك أولى من أَن يأسر نَفسه للخطأ الْمُحْتَمل من غَيره.
أَجَابَهُ " الْمُفْتِي ": أَن هَذَا الْغَيْر أعرف منا بِالصَّوَابِ وَأَقل منا خطأ، فتقليده أقرب للحق.
قَالَ " المستشرق " هَذَا مُسلم فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ الأقدمون، أما فِي الخلافات فالعقل يقف عِنْد التَّرْجِيح بِلَا مُرَجّح، وَلَا سِيمَا إِذا كُنْتُم لَا تجوزون أَيْضا الْبَحْث عَن الدَّلِيل ليحكم المبتلي عقله فِي التَّرْجِيح، بل تَقولُونَ نَحن إسراء النَّقْل وَأَن خَالف
стр. 138
ظَاهر النَّص.
أَجَابَهُ " الْمُفْتِي " أننا إِذا أردنَا أَن لَا نعد من شرعنا إِلَّا مَا نتحقق بِأَنْفُسِنَا دَلِيله من الْكتاب أَو السّنة أَو الْإِجْمَاع تضيق حِينَئِذٍ علينا أَحْكَام الشَّرْع، فَلَا تفي بِحل إشكالاتنا فِي الْعِبَادَات وَلَا لتعيين أَحْكَام حاجاتنا فِي الْمُعَامَلَات، فَيحْتَاج كل منا أَن يعْمل بِرَأْيهِ فِي غَالب دقائق الْعِبَادَات والمعاملات، وَيصير الْقَضَاء غير مُقَيّد بإيجابات شَرْعِيَّة. وَهل من شكّ فِي أَن اطراد الآراء وانتظام الْمُعَامَلَات أليق بالحكمة من لَا اطراد وَلَا نظام.
قَالَ " المستشرق ": لَا شكّ فِي ذَلِك، وَلَكِن أَيْن الاطراد والانتظام مِنْكُم، وَلَا يكَاد يُوجد عنْدكُمْ مَسْأَلَة فِي الْعِبَادَات أَو الْمُعَامَلَات غير خلافية، أَن لم تكن فِي الْمَذْهَب الْوَاحِد فَبين مذهبين أَو ثَلَاث. هَذَا وَرُبمَا يُقَال أَن توفيق الْعَمَل على قَول من اثْنَيْنِ أَو أَكثر، أقرب للاطراد من الفوضى الْمَحْضَة فِي تَفْوِيض الْأَمر لرأي المبتلي، أَو تَفْوِيض الحكم لحرية القَاضِي. فيجاب على ذَلِك أَن الْأَمر أَمر ديني لَيْسَ لنا أَن نتصرف فِيهِ برأينا ونعزوه إِلَى الله وَرَسُوله كذبا وافتراءً وإفساداً لدين الله على عباده، وَلَو أَن الْأَمر نظام وضعي لما كَانَ أَيْضا من الْحِكْمَة أَن يلْتَزم أهل زَمَاننَا آراء من سلفوا من عشرَة
стр. 139
قُرُون، وَلَا أَن يلْتَزم أهل الغرب بقانون أهل الشرق. وَعِنْدِي أَن هَذَا التَّضْيِيق قد استلزم مَا هُوَ مشَاهد عنْدكُمْ من ضعف حُرْمَة الشَّرْع الْمُقَدّس.
ثمَّ قَالَ " المستشرق " وأعيد قولي أَنكُمْ تحبون أَن تكلفوا أَنفسكُم بِمَا لم يكلفكم بِهِ الله، وَلَو أَن فِي الزِّيَادَات خيرا لاختارها الله لكم وَلم يمنعكم مِنْهَا بقوله تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ أَي مِمَّا يتَعَلَّق بِالدّينِ، وَقَوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تعتدوها وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ . وَلَكِن، علم الله، الْخَيْر فِي الْقدر الَّذِي هدَاكُمْ إِلَيْهِ، وَترك لكم الْخِيَار على وَجه الْإِبَاحَة فِي بَاقِي شئونكم لتوفقوها على مقتضيات الزَّمَان أبي الْغَيْر وموجبات الْأَحْوَال الَّتِي لَا تَسْتَقِر، فبناء عَلَيْهِ، إِذا أتيتم أَكثر أَعمالكُم الحيوية باطمئنان قلب بإباحتها، يكون خيرا من أَن تأتوها وَأَنْتُم حيارى لَا تَدْرُونَ هَل أصبْتُم فِيهَا أم خالفتم أَمر الله، فتعيشون وأفئدتكم هَوَاء، تحاذرون فِي الدّين شُؤْم الْمُخَالفَة وَفِي الْآخِرَة عذَابا
стр. 140
عَظِيما. وَلَيْسَ هَذَا من مُخَالفَة الله الَّتِي هِيَ رَأس الْحِكْمَة، وَلَا من مراقبة الْوَازِع الَّتِي هِيَ مزية الدّين، بل هَذَا من الارتباك فِي الرَّأْي وَالِاضْطِرَاب فِي الحكم ونتيجة ذَلِك فقد الحزم والعزم فِي الْأُمُور.
ثمَّ قَالَ: أعلم أَيهَا الْمُفْتِي الْمُحْتَرَم، أَن هَذِه الْحَالة الَّتِي أَنْتُم عَلَيْهَا من التَّشْدِيد والتشويش فِي أَمر الدّين، هِيَ اكبر أَسبَاب انحطاط الْمُسلمين بعد الْقُرُون الأولى فِي شؤون الْحَيَاة، كَمَا انحط قبلهم الإسرائيليون بِمَا شدده وشوشه عَلَيْهِم أهل التلمود، وكما انحطت الْأُمَم النَّصْرَانِيَّة لما كَانَت (أرثوذكسية) مُغَلّظَة أَو (كاثوليكية) متشددة، يتحكم فِيهَا البطارقة والقسيسون بِمَا يشاؤن تَحت اسْم الدّين، فَكَانُوا يكلفون النَّاس أَن يتبعوا مَا يلقنونهم من الْأَحْكَام بِدُونِ نظر وَلَا تدقيق؛ حَتَّى كَانُوا يحظرون عَلَيْهِم أَن يقرأوا الْإِنْجِيل أَو يستفهموا معنى التَّثْلِيث الَّذِي هُوَ أساس النَّصْرَانِيَّة كَمَا أَن التَّوْحِيد أساس الإسلامية. وَبَقِي ذَلِك كَذَلِك إِلَى أَن ظَهرت (البروتستان) ، أَي الطَّائِفَة الإنجيلية الَّتِي رجعت بالنصرانية إِلَى بساطتها الْأَصْلِيَّة، وأبطلت المزيدات والتشديدات الَّتِي لَا صَرَاحَة فِيهَا فِي الأناجيل، وَإِلَى أَن اتَّسع من جِهَة أُخْرَى عِنْد الْأُمَم النَّصْرَانِيَّة نطاق الْعُلُوم
стр. 141
والفنون رغماً عَن مُعَارضَة رجال الكهنوت لَهَا، فتلطفت أَيْضا الكاثوليكية والأرثوذكسية عِنْد الْعَوام واضمحلتا بِالْكُلِّيَّةِ عِنْد الْخَواص. لِأَن الْعلم والنصرانية لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا، كَمَا أَن الإسلامية المشوبة بحشو المتفننين تضلل الْعُقُول وتشوش الأفكار.
أما الإسلامية السمحاء، الْخَالِصَة من شوائب الزَّوَائِد وَالتَّشْدِيد، فَإِن صَاحبهَا يزْدَاد إِيمَانًا كلما ازْدَادَ علما ودق نظرا، لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار كَون الإسلامية هِيَ أَحْكَام الْقُرْآن وَمَا ثَبت من السّنة وَمَا اجْتمعت عَلَيْهِ الْأمة فِي الصَّدْر الأول، لَا يُوجد فِيهَا مَا يأباه عقل أَو يناقضه تَحْقِيق علمي.
وَكفى شرفا لِلْقُرْآنِ الْعَزِيز أَنه على اخْتِلَاف مواضيعه من تَوْحِيد وَتَعْلِيم وإنذار وتبشير وأوامر ونواه وقصص وآيات آلَاء، قد مضى عَلَيْهِ ثَلَاثَة عشر قرنا تمخضه أفكار الناقدين المعادين وَلم يظفروا فِيهِ وَلَو بتناقض وَاحِد، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ . بل الْأَمر كَمَا تنبه إِلَيْهِ المدققون الْمُتَأَخّرُونَ انه كلما اكتشف الْعلم حَقِيقَة وجدهَا الباحثون مسبوقة التلميح أَو التَّصْرِيح فِي الْقُرْآن. أودع الله ذَلِك فِيهِ ليتجدد إعجازه ويتقوى الْإِيمَان بِهِ أَنه من عِنْد الله، لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْن مَخْلُوق
стр. 142
أَن يقطع بِرَأْي لَا يُبطلهُ الزَّمَان.
فَهَذِهِ القضايا الَّتِي قررها حكماء اليونان وَغَيرهم على أَنَّهَا حقائق، وَلم تَتَرَدَّد فِيهَا عقول عَامَّة الْبشر ألوفاً من السنين، أَصبَحت مَحْكُومًا على أَكْثَرهَا بِأَنَّهَا خرافات. وَكَذَا يُقَال: كفى السّنة النَّبَوِيَّة شرفاً، انه لم يُوجد فِي أعاظم الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، من يَرْبُو عدد مَا يعزى إِلَيْهِ من الحكم الَّتِي قررها غير مَسْبُوق بهَا على عدد الْأَصَابِع، مَعَ أَن فِي السّنة المحمدية على صَاحبهَا أفضل التَّحِيَّة من الحكم والحقائق الأخلاقية والتشريعية والسياسية والعلمية ألوفا من المقررات المبتكرة، ويتجلى عظم قدرهَا مَعَ تجدّد الزَّمَان وترقي الْعلم والعرفان.
وَكفى بذلك ملزماً لأهل الْإِنْصَاف بِالْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَاف لصَاحِبهَا ﵇ بِالنُّبُوَّةِ والأفضلية على الْعَالمين عقلا، وعلماً، وَحِكْمَة وحزماً، وأخلاقاً، وزهداً، واقتداراً، وعزماً، وَكفى أَيْضا بِهَذِهِ المزايا الْعُظْمَى ملزماً بتصديقه فِي كل مَا جَاءَ بِهِ واتباعه فِي كل مَا أَمر أَو نهي، لِأَن الدَّهْر لم يَأْتِ بمرشد للبشر أكمل وَأفضل مِنْهُ (مرحى) .
ثمَّ قَالَ " المستشرق " للمفتي: وَهَذَا مَا دَعَاني لِلْإِسْلَامِ فلبيت وَالْحَمْد لله،
стр. 143
وَعِنْدِي أَن لَو قَامَ فِي الْإِسْلَام سراة حكماء دعاة مقدمون لما بَقِي على وَجه الأَرْض عَاقل يكفر بِاللَّه.
ثمَّ قَالَ: وَإِنِّي أرى انه لَا يمْضِي قرن إِلَّا وَيكثر المهتدون من المستشرقين ويرسخون فِي الدّين، فيتولون تَحْرِير شَرِيعَة الْإِسْلَام، ويفيضون بهَا على الْأَنَام، حَتَّى على أهل الرُّكْن وَالْمقَام. وَلَا يبعد أَن تَأتي الْأَيَّام بالبرنس مُحَمَّد الْمُهْتَدي الروسي أَو الإنكليزي مثلا، قَائِما مقَام الإِمَام، معيداً عز الْإِسْلَام بأكمل نظام.
أجَاب " الْمُفْتِي ": لَا مَانع مِمَّا ذكرت، ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَدين الله دين عَام لَا يخْتَص بِقوم من الأقوام.
ثمَّ قَالَ " المستشرق ": أَيهَا الْمُفْتِي الْمُحْتَرَم، لَا يطاوعني لساني أَن أَدعِي الْغيرَة على الْملَّة الْبَيْضَاء الأحمدية أَكثر مِنْك، إِنَّمَا أناشدك بِاللَّه وبحبك لدينك أَن تتْرك هَذِه الأوهام التقليدية الْقَائِمَة فِي فكرك، وتعينني على تأليف كتاب يصور حِكْمَة دين الْإِسْلَام وسماحته، ليَكُون سعينا هَذَا ذخْرا عَظِيما ننال بِهِ فَخر وثواب هِدَايَة عشرات الملايين بل مئات الملايين من النَّاس لهَذَا الدّين الْمُبين. وَلَا يكبرن مَا أَقُول على فكرك، فَإِن أهل هَذَا الزَّمَان المتنورين الْأَحْرَار لَا يقاسون بِأَهْل الْأَزْمِنَة الْمظْلمَة الغابرة. نعم، وننال أَيْضا ثَوَاب حفظ الملايين الْكَثِيرَة من أَبنَاء
стр. 144
الْمُسلمين العريقين، تلامذة الْمدَارِس المصرية، من هجر الإسلامية على صورتهَا الْحَاضِرَة المشوهة باختلاط الحكم بالخرافات، المعطلة بثقل التشديدات المبتدعة، فالبدار البدار لِأَن نفوز بِهَذِهِ الْخدمَة الَّتِي يكَاد يعادل أجرهَا أجر نَبِي مُرْسل وَالله الْمعِين الْمُوفق.
أَجَابَهُ " الْمُفْتِي ": أُصِيبَت فِيمَا افتكرت ولنعم مَا أَشرت بِهِ، وَلَكِن هَذَا عمل مُهِمّ، يحْتَاج الْقيام بِهِ لعناية جمعية يتكون من تضلع أعضائها فِي فروع الْعُلُوم الدِّينِيَّة علم كَاف للإحاطة وَحُصُول الثِّقَة ولسوء الْحَظ لَا يُوجد من فيهم الْكَفَاءَة فِي هَذِه الْبِلَاد، وَلذَلِك يتحتم علينا أَن نَتْرُك هَذِه الفكرة آسفين، وندعو الله تَعَالَى أَن يلهم عُلَمَاء مَكَّة أَو صنعاء أَو مصر أَو الشَّام الْقيام بإيفاء هَذَا الْوَاجِب.
وَلما انْتهى الْخَطِيب القازابي إِلَى هُنَا قَالَ: هَذِه هِيَ المساجلة، وَقد سَمِعت الْمُفْتِي يَقُول أَنه اجْتمع بِكَثِير من المستشرقين، فَوَجَدَهُمْ كلهم يحسنون الْعَرَبيَّة أَكثر من عُلَمَاء الْإِسْلَام غير الْعَرَب، مَعَ أَنهم يشتغلون فِي عُلُوم اللُّغَة عمرهم كُله، وَمَا ذَلِك إِلَّا من ظفر مدارس اللُّغَات الشرقية الإفرنجية بأصول لتعليم الْعَرَبيَّة اسهل من الْأُصُول الْمَعْرُوفَة عندنَا.
قَالَ الْمُجْتَهد التبريزي: إِنِّي أرى أَن الْإِسْلَام أَصَابَهُ فتنتان عظيمتان،
стр. 145
وَلَوْلَا قُوَّة أساسه الْبَالِغَة فَوق مَا يتصوره الْعقل لما ثَبت الدّين إِلَى الْآن.
أما الْفِتْنَة الأولى: فقد قدرهَا الله مَضَت على وَجههَا، وَهِي حِين تشاجروا فِي الْخلَافَة وَالْملك، وانقسموا على أنفسهم بأسهم بَينهم، يقتل بَعضهم بَعْضًا، وَتَفَرَّقُوا فِي الدّين لتفرقهم فِي السياسة.
وَأما الْفِتْنَة الثَّانِيَة فَلم تزل مستمرة، وَهِي أَن الْخُلَفَاء العباسيين مالوا إِلَى تعميق النّظر فِي العقائد فخدمهم من خدمهم من عُلَمَاء الإعجام تقرباً إِلَيْهِم فِي علم الْكَلَام، وَأَكْثرُوا من القيل والقال. ثمَّ سرت الْعَدْوى إِلَى المناظرة فِي الْفِقْه وَبَيَان الأولى من الْمذَاهب، فاقبلوا على التدقيق والجدل فِي الخلافات بَين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وأثاروا بَينهمَا فتْنَة عمياء وحربا صماء، وَتركُوا بَقِيَّة الْمذَاهب فاندرست، وَلم يبْق مِنْهَا سوى مَذْهَب زيد وَاحْمَدْ فِي جَزِيرَة الْعَرَب، وَمذهب مَالك فِي الغرب وَمذهب جَعْفَر فِي بِلَاد الخزر وَفَارِس. فاكثروا التَّأْلِيف والتصنيف فِي هَذِه الْمذَاهب، كل مؤلف يحب أَن يُبْدِي مَا عِنْده ليشتهر فَضله وينال حَظه من دُنْيَاهُ، زاعما أَن غَرَضه استنباط دقائق الشَّرْع وَتَقْرِير علل الْمذَاهب. فتزاحموا وتجادلوا وناقض بَعضهم بَعْضًا، وَكَانَ من الْعلمَاء بعض الصلحاء المغفلين شاركوهم فِي الْفِتْنَة وهم
следующие страницы →