← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9680

أم القرى

الكواكبي

Полный текст (243 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والفنون رغماً عَن مُعَارضَة رجال الكهنوت لَهَا، فتلطفت أَيْضا الكاثوليكية والأرثوذكسية عِنْد الْعَوام واضمحلتا بِالْكُلِّيَّةِ عِنْد الْخَواص. لِأَن الْعلم والنصرانية لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا، كَمَا أَن الإسلامية المشوبة بحشو المتفننين تضلل الْعُقُول وتشوش الأفكار. أما الإسلامية السمحاء، الْخَالِصَة من شوائب الزَّوَائِد وَالتَّشْدِيد، فَإِن صَاحبهَا يزْدَاد إِيمَانًا كلما ازْدَادَ علما ودق نظرا، لِأَنَّهُ بِاعْتِبَار كَون الإسلامية هِيَ أَحْكَام الْقُرْآن وَمَا ثَبت من السّنة وَمَا اجْتمعت عَلَيْهِ الْأمة فِي الصَّدْر الأول، لَا يُوجد فِيهَا مَا يأباه عقل أَو يناقضه تَحْقِيق علمي. وَكفى شرفا لِلْقُرْآنِ الْعَزِيز أَنه على اخْتِلَاف مواضيعه من تَوْحِيد وَتَعْلِيم وإنذار وتبشير وأوامر ونواه وقصص وآيات آلَاء، قد مضى عَلَيْهِ ثَلَاثَة عشر قرنا تمخضه أفكار الناقدين المعادين وَلم يظفروا فِيهِ وَلَو بتناقض وَاحِد، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ . بل الْأَمر كَمَا تنبه إِلَيْهِ المدققون الْمُتَأَخّرُونَ انه كلما اكتشف الْعلم حَقِيقَة وجدهَا الباحثون مسبوقة التلميح أَو التَّصْرِيح فِي الْقُرْآن. أودع الله ذَلِك فِيهِ ليتجدد إعجازه ويتقوى الْإِيمَان بِهِ أَنه من عِنْد الله، لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَأْن مَخْلُوق

стр. 142

أَن يقطع بِرَأْي لَا يُبطلهُ الزَّمَان. فَهَذِهِ القضايا الَّتِي قررها حكماء اليونان وَغَيرهم على أَنَّهَا حقائق، وَلم تَتَرَدَّد فِيهَا عقول عَامَّة الْبشر ألوفاً من السنين، أَصبَحت مَحْكُومًا على أَكْثَرهَا بِأَنَّهَا خرافات. وَكَذَا يُقَال: كفى السّنة النَّبَوِيَّة شرفاً، انه لم يُوجد فِي أعاظم الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين، من يَرْبُو عدد مَا يعزى إِلَيْهِ من الحكم الَّتِي قررها غير مَسْبُوق بهَا على عدد الْأَصَابِع، مَعَ أَن فِي السّنة المحمدية على صَاحبهَا أفضل التَّحِيَّة من الحكم والحقائق الأخلاقية والتشريعية والسياسية والعلمية ألوفا من المقررات المبتكرة، ويتجلى عظم قدرهَا مَعَ تجدّد الزَّمَان وترقي الْعلم والعرفان. وَكفى بذلك ملزماً لأهل الْإِنْصَاف بِالْإِقْرَارِ وَالِاعْتِرَاف لصَاحِبهَا ﵇ بِالنُّبُوَّةِ والأفضلية على الْعَالمين عقلا، وعلماً، وَحِكْمَة وحزماً، وأخلاقاً، وزهداً، واقتداراً، وعزماً، وَكفى أَيْضا بِهَذِهِ المزايا الْعُظْمَى ملزماً بتصديقه فِي كل مَا جَاءَ بِهِ واتباعه فِي كل مَا أَمر أَو نهي، لِأَن الدَّهْر لم يَأْتِ بمرشد للبشر أكمل وَأفضل مِنْهُ (مرحى) . ثمَّ قَالَ " المستشرق " للمفتي: وَهَذَا مَا دَعَاني لِلْإِسْلَامِ فلبيت وَالْحَمْد لله،

стр. 143

وَعِنْدِي أَن لَو قَامَ فِي الْإِسْلَام سراة حكماء دعاة مقدمون لما بَقِي على وَجه الأَرْض عَاقل يكفر بِاللَّه. ثمَّ قَالَ: وَإِنِّي أرى انه لَا يمْضِي قرن إِلَّا وَيكثر المهتدون من المستشرقين ويرسخون فِي الدّين، فيتولون تَحْرِير شَرِيعَة الْإِسْلَام، ويفيضون بهَا على الْأَنَام، حَتَّى على أهل الرُّكْن وَالْمقَام. وَلَا يبعد أَن تَأتي الْأَيَّام بالبرنس مُحَمَّد الْمُهْتَدي الروسي أَو الإنكليزي مثلا، قَائِما مقَام الإِمَام، معيداً عز الْإِسْلَام بأكمل نظام. أجَاب " الْمُفْتِي ": لَا مَانع مِمَّا ذكرت، ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء، وَدين الله دين عَام لَا يخْتَص بِقوم من الأقوام. ثمَّ قَالَ " المستشرق ": أَيهَا الْمُفْتِي الْمُحْتَرَم، لَا يطاوعني لساني أَن أَدعِي الْغيرَة على الْملَّة الْبَيْضَاء الأحمدية أَكثر مِنْك، إِنَّمَا أناشدك بِاللَّه وبحبك لدينك أَن تتْرك هَذِه الأوهام التقليدية الْقَائِمَة فِي فكرك، وتعينني على تأليف كتاب يصور حِكْمَة دين الْإِسْلَام وسماحته، ليَكُون سعينا هَذَا ذخْرا عَظِيما ننال بِهِ فَخر وثواب هِدَايَة عشرات الملايين بل مئات الملايين من النَّاس لهَذَا الدّين الْمُبين. وَلَا يكبرن مَا أَقُول على فكرك، فَإِن أهل هَذَا الزَّمَان المتنورين الْأَحْرَار لَا يقاسون بِأَهْل الْأَزْمِنَة الْمظْلمَة الغابرة. نعم، وننال أَيْضا ثَوَاب حفظ الملايين الْكَثِيرَة من أَبنَاء

стр. 144

الْمُسلمين العريقين، تلامذة الْمدَارِس المصرية، من هجر الإسلامية على صورتهَا الْحَاضِرَة المشوهة باختلاط الحكم بالخرافات، المعطلة بثقل التشديدات المبتدعة، فالبدار البدار لِأَن نفوز بِهَذِهِ الْخدمَة الَّتِي يكَاد يعادل أجرهَا أجر نَبِي مُرْسل وَالله الْمعِين الْمُوفق. أَجَابَهُ " الْمُفْتِي ": أُصِيبَت فِيمَا افتكرت ولنعم مَا أَشرت بِهِ، وَلَكِن هَذَا عمل مُهِمّ، يحْتَاج الْقيام بِهِ لعناية جمعية يتكون من تضلع أعضائها فِي فروع الْعُلُوم الدِّينِيَّة علم كَاف للإحاطة وَحُصُول الثِّقَة ولسوء الْحَظ لَا يُوجد من فيهم الْكَفَاءَة فِي هَذِه الْبِلَاد، وَلذَلِك يتحتم علينا أَن نَتْرُك هَذِه الفكرة آسفين، وندعو الله تَعَالَى أَن يلهم عُلَمَاء مَكَّة أَو صنعاء أَو مصر أَو الشَّام الْقيام بإيفاء هَذَا الْوَاجِب. وَلما انْتهى الْخَطِيب القازابي إِلَى هُنَا قَالَ: هَذِه هِيَ المساجلة، وَقد سَمِعت الْمُفْتِي يَقُول أَنه اجْتمع بِكَثِير من المستشرقين، فَوَجَدَهُمْ كلهم يحسنون الْعَرَبيَّة أَكثر من عُلَمَاء الْإِسْلَام غير الْعَرَب، مَعَ أَنهم يشتغلون فِي عُلُوم اللُّغَة عمرهم كُله، وَمَا ذَلِك إِلَّا من ظفر مدارس اللُّغَات الشرقية الإفرنجية بأصول لتعليم الْعَرَبيَّة اسهل من الْأُصُول الْمَعْرُوفَة عندنَا. قَالَ الْمُجْتَهد التبريزي: إِنِّي أرى أَن الْإِسْلَام أَصَابَهُ فتنتان عظيمتان،

стр. 145

وَلَوْلَا قُوَّة أساسه الْبَالِغَة فَوق مَا يتصوره الْعقل لما ثَبت الدّين إِلَى الْآن. أما الْفِتْنَة الأولى: فقد قدرهَا الله مَضَت على وَجههَا، وَهِي حِين تشاجروا فِي الْخلَافَة وَالْملك، وانقسموا على أنفسهم بأسهم بَينهم، يقتل بَعضهم بَعْضًا، وَتَفَرَّقُوا فِي الدّين لتفرقهم فِي السياسة. وَأما الْفِتْنَة الثَّانِيَة فَلم تزل مستمرة، وَهِي أَن الْخُلَفَاء العباسيين مالوا إِلَى تعميق النّظر فِي العقائد فخدمهم من خدمهم من عُلَمَاء الإعجام تقرباً إِلَيْهِم فِي علم الْكَلَام، وَأَكْثرُوا من القيل والقال. ثمَّ سرت الْعَدْوى إِلَى المناظرة فِي الْفِقْه وَبَيَان الأولى من الْمذَاهب، فاقبلوا على التدقيق والجدل فِي الخلافات بَين أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ. وأثاروا بَينهمَا فتْنَة عمياء وحربا صماء، وَتركُوا بَقِيَّة الْمذَاهب فاندرست، وَلم يبْق مِنْهَا سوى مَذْهَب زيد وَاحْمَدْ فِي جَزِيرَة الْعَرَب، وَمذهب مَالك فِي الغرب وَمذهب جَعْفَر فِي بِلَاد الخزر وَفَارِس. فاكثروا التَّأْلِيف والتصنيف فِي هَذِه الْمذَاهب، كل مؤلف يحب أَن يُبْدِي مَا عِنْده ليشتهر فَضله وينال حَظه من دُنْيَاهُ، زاعما أَن غَرَضه استنباط دقائق الشَّرْع وَتَقْرِير علل الْمذَاهب. فتزاحموا وتجادلوا وناقض بَعضهم بَعْضًا، وَكَانَ من الْعلمَاء بعض الصلحاء المغفلين شاركوهم فِي الْفِتْنَة وهم

стр. 146

لَا يَشْعُرُونَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم لَا تفسدوا فِي الأَرْض قَالُوا إِنَّمَا نَحن مصلحون أَلا إِنَّهُم هم المفسدون وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ . وَهَكَذَا اتسعت دَائِرَة الْأَحْكَام فِي الشَّرْع، فَصَارَ الْخلف عاجزين عَن الْتِقَاط الْفُرُوع فضلا عَن الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول، فاطمأنت الْأمة للتقليد، وَاقْبَلْ الْعلمَاء على التعمقات فِي الدّين: يغرب الْمُفَسّر، ويتفنن وَلَو بحكايات قَاضِي الْجِنّ لِأَنَّهُ غير مطَالب بِدَلِيل. ويتفحص الْمُحدث عَن نَوَادِر الْأَخْبَار والْآثَار وَلَو مَوْضُوعَة لِأَنَّهُ غير مسئول عَن سَنَده. ويستنبط الْفَقِيه الحكم وَلَو بالشبه من وَجه للازم اللَّازِم لِلْعِلَّةِ لِأَن مجَال التحكم وَاسع. وَهَذِه الْفِتْنَة لم تزل مستمرة إِلَى أَن أوقفها قُصُور الهمم عِنْد الْأَكْثَرين. على أَن هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين اخلدوا إِلَى التَّقْلِيد الصّرْف حَتَّى فِي مَسْأَلَة التَّوْحِيد الَّتِي هِيَ أساس الدّين، ومبدأ الْإِيمَان وَالْيَقِين، والفارق بَين الْكفْر وَالْإِسْلَام. وَجعلُوا أنفسهم كالعميان لَا يميزون الظلمَة من النُّور وَلَا الْحق من الزُّور، وصاروا يحسنون الظَّن فِي كل مَا يجدونه مدونا بَين دفتي كتاب، لأَنهم رَأَوْا التَّسْلِيم أَهْون من التبصر،

стр. 147

والتقليد اسْتُرْ للْجَهْل. وَصَارَ أهل كل إقليم أَو بلد يتعصبون لمؤلفات شيوخهم الأقدمين، ويتخذون الخلافيات مدارا لتطبيق الْأَحْكَام على الْهوى، لَا يبالون بِحمْل أثقال النَّاس فِي الدّين على عواتقهم، يَزْعمُونَ أَن التَّسْلِيم أسلم، وَأَنَّهُمْ إسراء النَّقْل وان خَالف ظَاهر النَّص، ويتوهمون أَن اخْتِلَاف الْأَئِمَّة رَحْمَة للْأمة. نعم أَن اخْتِلَاف الْأَئِمَّة يكون رَحْمَة إِذا حسن اسْتِعْمَاله، وَيكون نقمة إِذا صَار سَببا للتفرقة الدِّينِيَّة والتباغض: كَمَا هُوَ الْوَاقِع بَين أهل الجزيرة السلفيين، وَبَين أهل مصر والغرب وَالشَّام وَالتّرْك وَغَيرهم من المستسلمين، وَبَين أهل عراق الْعَجم وَفَارِس، والصنف الممتاز من أهل الْهِنْد الشيعيين، وَبَين أهل زنجبار وَمن حَولهمْ من الأباضيين. فَهَذِهِ الْفرق الْكُبْرَى يعْتَقد كل مِنْهُم أَنهم وحدهم أهل السّنة وَالْجَمَاعَة، وان سواهُم مبتدعون أَو زائغون. فَهَل وَالْحَالة هَذِه يتَوَهَّم عَاقل أَن هَذَا التَّفَرُّق والانشقاق رَحْمَة لَا نقمة، وَسَببه، وَهُوَ التَّوَسُّع فِي الْأَحْكَام، سَبَب خير لَا سَبَب شَرّ؟ وَكَذَلِكَ اخْتِلَاف الْمُجْتَهدين فِي كل فرقة من تِلْكَ الْفرق، لَا يتَصَوَّر الْعقل أَن يكون رَحْمَة إِلَّا بِقَيْد حسن اسْتِعْمَاله، وَإِلَّا فَيكون نقمة حَيْثُ يُوجب تَفْرِقَة ثَانِيَة بَين مالكي وحنفي

стр. 148

وشافعي مثلا. وَالْمرَاد من حسن اسْتِعْمَال الْخلاف، هُوَ أَن كل قوم من الْمُسلمين قد اتبعُوا مذهبا من الْمذَاهب تَرْجِيحا أَو وراثة أَو تعصبا، وَلَا بُد أَن يكون فِي الْمَذْهَب الْآخِذ بِهِ كل قوم بعض الْأَحْكَام الاجتهادية، الَّتِي لَا تناسب أَخْلَاق أُولَئِكَ الْقَوْم أَو لَا تلائم أَحْوَالهم المعاشية وطبائع بِلَادهمْ، فيضطرون إِلَى الْإِقْدَام على أحد أَمريْن: أما التَّمَسُّك بِتِلْكَ الْأَحْكَام وَإِن أضرت بهم، أَو الجنوح إِلَى تَقْلِيد مَذْهَب اجتهادي آخر فِي تِلْكَ الْأَحْكَام فَقَط. وَقد كَانَ أَكثر عُلَمَاء وفقهاء الْمُسلمين إِلَى الْقرن الثَّامِن بل التَّاسِع يختارون الشق الثَّانِي، فيقلدون فِي هَذِه الْحَالة الْمذَاهب الْأُخْرَى، وَلَكِن بعد النّظر والتدقيق فِي الْأَدِلَّة كَمَا كَانَ شانهم فِي نفس مذاهبهم الْأَصْلِيَّة، لِئَلَّا يَكُونُوا مقلدين تقليداً أعمى لَا يجوزه الدّين أساسا إِلَّا للجاهل بِالْكُلِّيَّةِ. وَهَذِه الطَّرِيقَة هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة إِلَى الْيَوْم فِي بِلَاد فَارس، وَالْعُلَمَاء المتصدرون لذَلِك هم أَفْرَاد من نوابغ الْعلمَاء المتضلعين فِي عُلُوم مآخذ الدّين، أَكْثَرهم وَلَا سِيمَا الإيرانيون مِنْهُم متفقهون ومتخرجون على مَذْهَب الإِمَام " جَعْفَر الصَّادِق " رَضِي لله عَنهُ المدون عِنْدهم. وَيُطلق

стр. 149

أهل فَارس على هَؤُلَاءِ الْعلمَاء اسْم " مجتهدين " تجوزا واتباعا لعادة الأعجام فِي التغالي فِي التبجيل ونعوت الاحترام، وَمن ذَلِك يعلم أَن مَا يَظُنّهُ فيهم إخْوَانهمْ الْمُسلمُونَ البعيدون عَنْهُم غير الواقفين على أَحْوَالهم إِلَّا من تفوهات السياسيين غير صَحِيح، فَمَا هم كَمَا يَقُولُونَ عَنْهُم مجتهدون فِي أصُول الدّين، مجوزون الرَّأْي فِي الاجماعيات، مخرجون الْأَحْكَام أخذا من الدَّلَائِل الظنية وَلَو لم يقل بهَا أحد من عُلَمَاء الصَّحَابَة أَو التَّابِعين وأعاظم أَئِمَّة الْهِدَايَة الْأَوَّلين. فَمَا أَحْرَى أَن يُسمى مجتهدو فَارس بمرجحين أَو مخرجين أَو فُقَهَاء مدققين. ثمَّ أَن بَعضهم وصفوا الْمُقَلّد لأحد الْمذَاهب، إِذا أَخذ فِي بعض الْأَحْكَام بِمذهب آخر، مُلَفقًا وَأَخذه تلفيقاً، واستعملوا لَفظه تلفيق فِي مقَام التلاعب فِي الدّين أَو الترقيع الْقَبِيح. وَالْحَال، لَيْسَ مَا سموهُ بالتلفيق إِلَّا عين التَّقْلِيد من كل الْوُجُوه، وَلَا بُد لكل من أجَاز التَّقْلِيد أَن يُجِيزهُ، لِأَنَّهُ إِذا تَأمل فِي الْقَضِيَّة يجد الْقيَاس هَكَذَا: يجب على كل مُسلم عَاجز عَن الاستهداء فِي مَسْأَلَة دينية بِنَفسِهِ أَن يسْأَل عَنْهَا من أهل الذّكر، أَي يُقَلّد فِيهَا مُجْتَهد، وكل مقلد عَاجز طبعا عَن التَّرْجِيح بَين مَرَاتِب الْمُجْتَهدين، فبناءً عَلَيْهِ يجوز لَهُ أَن يُقَلّد فِي كل مَسْأَلَة دينية مُجْتَهدا مَا.

стр. 150

وَمَا الْمَانِع على هَذَا الِاعْتِبَار للْمُسلمِ الْمُقَلّد أَن يتَعَلَّم كل مَسْأَلَة من الطَّهَارَة وَالْغسْل وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة من مُجْتَهد أَو فَقِيه تَابع لمجتهد، فَإِذا اغْتسل بِمَاء دون قُلَّتَيْنِ لحقته قَطْرَة خمر واعتبره طَاهِرا كَمَا علمه عَالم مالكي، غسلا بِدُونِ دلك كَمَا علمه عَالم حَنَفِيّ؛ وَبعد حدث مُوجب تَوَضَّأ وَمسح شَعرَات من الرَّأْس كَمَا علمه عَالم شَافِعِيّ، وَصلى بعد خُرُوج دم قَلِيل مِنْهُ كَمَا علمه عَالم حنبلي، صَلَاة الصُّبْح بعد طُلُوع الشَّمْس كَمَا علمه عَالم زيدي، وَوصل الْفَرْض بِصَلَاة أُخْرَى بِدُونِ خُرُوج من الأولى كَمَا علمه عَالم جعفري. أَفلا يكون هَذَا الْمُقَلّد صلى صَلَاة تُجزئه عِنْد الله؟ بلَى ثمَّ بلَى، تجزئة بِالضَّرُورَةِ حَتَّى لَا يقوم دَلِيل على أَن ذَلِك خلاف الأولى، كَمَا يُقَال فِي حق الْخُرُوج من الخلافات لِأَنَّهُ لَا يعقل أَن يُكَلف هَذَا الْمُقَلّد بِأخذ دينه كُله من عَالم وَاحِد، لِأَن الصَّحَابَة ﵃ مَعَ اجتهادهم وتخالفهم فِي الْأَحْكَام كَانَ يُصَلِّي بَعضهم خلف بعض، مَعَ حكم الْمُؤْتَم مِنْهُم على حسب اجْتِهَاده بِعَدَمِ صِحَة صَلَاة إِمَامه، وإشتراطه صِحَة صَلَاة الْمَأْمُوم بِصِحَّة صَلَاة الإِمَام، وَهل يتَوَهَّم مُسلم أَن أَبَا حنيفَة كَانَ يمْتَنع أَن يأتم بِمَالك أَو يَأْبَى أَن يَأْكُل ذَبِيحَة جَعْفَر؟ كلا، بل كَانُوا أجل قدرا من أَن يخْطر لَهُم هَذَا التعصب على بَال،

стр. 151

وَمَا كَانَ تخالفهم إِلَّا من احْتِيَاط كل مِنْهُم لنَفسِهِ. وَيُوجد فِي كل مَذْهَب من الْمذَاهب جمَاعَة من تلاميذ الإِمَام أَو الْفُقَهَاء المعروفين بالمرجحين، كل مِنْهُم كَانَ مُجْتَهدا لم يتَقَيَّد بِمذهب إِمَامه تَمامًا، وَخَالفهُ فِي كثير أَو قَلِيل من الْأَحْكَام مُخَالفَة اجْتِهَاد، بِسَبَب إطلاعه على أَدِلَّة مُجْتَهد آخر، أَو الْفَتْح عَلَيْهِ بِمَا لم يفتح بِهِ على إِمَامه. وَلِأَن الدّين يلْزم الْمُسلم بَان يتبع فِي كل مَسْأَلَة مِنْهُ الشَّارِع لَا الإِمَام، وَإِن يعْمل فِي مواقع الِاجْتِهَاد بِاجْتِهَادِهِ، لَا بِاجْتِهَاد غَيره وَإِن كَانَ أفضل مِنْهُ. وَهَذَا أَبُو حنيفَة وَأَمْثَاله رَحِمهم الله تَعَالَى، كَانُوا أفضل من أَن يعتقدوا فِي أنفسهم الْأَفْضَلِيَّة على أبي بكر وَعمر ﵄، وَمَعَ ذَلِك خالفوهما فِي كثير من الْأَحْكَام الاجتهادية. وفقهاء كل مَذْهَب من الْمذَاهب، لم يزَالُوا إِلَى الْآن يجوزون الْأَخْذ تَارَة بقول الإِمَام وَتارَة بقول أحد أَصْحَابه مَعَ أَن ذَلِك هُوَ عين التلفيق. فلماذا لَا يجوز الْحَنَفِيَّة مثلا التلفيق بَين أَقْوَال أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ أَو غَيره، وَلَيْسَ فيهم من يَقُول أَن أَصْحَاب إمَامهمْ أفضل من الشَّافِعِي وَمَالك وَابْن عَبَّاس، فَمَا هَذَا إِلَّا تَفْرِيق بِلَا فَارق وَحكم بعكس

стр. 152

الدَّلِيل. وَقد نتج من التَّفْرِيق بَين الْمُسلمين وَالتَّشْدِيد عَلَيْهِم فِي دينهم ومصالحهم بِدُونِ مُوجب غير التعصب الْمُخَالفَة لأَمره تَعَالَى: ﴿أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ مرحى. ثمَّ ختم الْمُجْتَهد التبريزي مقاله بقوله: وَلَيْسَ مقامنا الْآن مقَام اسْتِيفَاء لهَذَا الْبَحْث، وَإِنَّمَا أوردت هَذَا الْمِقْدَار مِنْهُ بِقصد بَيَان جَوَاز التلفيق إِذا كَانَ عَن غَرَض صَحِيح كَمَا جوزه كثير من فُقَهَاء كل الْمذَاهب. وَلَا شكّ أَن ضَرُورَة التلفيق أهم من الضَّرُورَة الَّتِي لأَجلهَا جوز الْفُقَهَاء الْحِيَل الشَّرْعِيَّة مَعَ أَنَّهَا وصمة عَار على الشَّرْع. حَيْثُ لَا يعقل أَن يُقَال مثلا أَن الشُّفْعَة مَشْرُوعَة دفعا للضَّرَر عَن الشَّرِيك أَو الْجَار، وَلَكِن يجوز هَذَا الْإِضْرَار للمحتال. أَو أَن الرِّبَا حرَام وَلَكِن إِذا أضيف للقرض ثمن مَبِيع خسيس بنفيس جَازَ اسْتِبَاحَة مقصد الرِّبَا. أَو أَن إيتَاء الزَّكَاة فرض، وَلَكِن إِذا اخْرُج رب المَال مَاله قبل الْحول ثمَّ استعاده سَقَطت عَنهُ الزَّكَاة. إِلَى غير ذَلِك من إبِْطَال الشَّرْع وَجعل التَّكْلِيف تخييراً والتقيد إطلاقاً؛ وَلَا حجَّة لَهُم فِي هَذَا غير مَا رخص الله بِهِ لأيوب ﵇ من التَّوَصُّل للبر بِالْيَمِينِ فِي قَوْله

стр. 153

تَعَالَى: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ ، وَمَا أبعد الْقيَاس بَين الْحِنْث وَبَين إبِْطَال الشَّرْع، وَلَا شكّ أَن بذلك صَار الْمُسلمُونَ كَأَنَّهُمْ لَا شرع لَهُم. وَقد غضب الله على الْيَهُود لتحيلهم على صيد السبت فَقَط. وَنحن نجوز ألف حِيلَة مثلهَا بضرورة وَبلا ضَرُورَة. بِنَاء عَلَيْهِ، من الْحِكْمَة أَن نلتمس للضرورات أحكاما اجتهادية، فيأمر بهَا الإِمَام إِن وجد وَإِلَّا فالسلطان ليرتفع الْخلاف، فتعمل بهَا الْأمة مَا دَامَ الْمُقْتَضى بَاقِيا. فَإِذا ألجأ الزَّمَان إِلَى تبديلها بقول اجتهادي آخر فَكَذَلِك يَأْمر بِهِ الإِمَام أَو السُّلْطَان رفعا للْخلاف. وبمثل هَذَا التَّدْبِير الَّذِي لَا يأباه شرعنا وَلَا تنافيه الْحِكْمَة نستعوض تِلْكَ الْحِيَل المعطلة للشَّرْع، الْمسلمَة لترقيعات كل فَقِيه ومتفقه، بِأَحْكَام شَرْعِيَّة إيجابية لازيغ فِيهَا. وَبِنَحْوِ ذَلِك يسلم شرعنا من التلاعب والتضارب، ويتخلص الْقَضَاء والإفتاء من التَّوْفِيق على الْأَهْوَاء، وَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق أَن الْخلاف فِي الْفُرُوع رَحمَه. وَالْحَاصِل انه يَقْتَضِي على عُلَمَاء الْهِدَايَة أَن يقاوموا فكر التعصب لمَذْهَب دون آخر، فَيكون سَعْيهمْ هَذَا منتجاً للتأليف وَجمع الْكَلِمَة فِي الْأمة.

стр. 154

قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: أَنا نشكر أخانا الْمُجْتَهد التبريزي على بَيَانه لنا حَالَة إِخْوَاننَا أهل فَارس، وعَلى غيرته للدّين وقصده التَّأْلِيف بَين الْمُسلمين. أما تَقْرِيره بِخُصُوص أَن حكم الإِمَام إِن وجد وَإِلَّا فالسلطان يرفع الْخلاف، وبخصوص أَن التلفيق هُوَ عين التَّقْلِيد، فتقرير يحْتَاج إِلَى نظر وتدقيق، وستقوم بِمثل هَذِه التدقيقات فِي الْمسَائِل الدِّينِيَّة الَّتِي بحث فِيهَا الإخوان الْكِرَام الجمعية الدائمة الَّتِي ستتشكل إِن شَاءَ الله. وَالْيَوْم قد قرب وَقت الظّهْر وآن أَوَان الِانْصِرَاف.

стр. 155

الِاجْتِمَاع السَّابِع يَوْم الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦ فِي صباح الْيَوْم الْمَذْكُور انتظمت الجمعية وَقُرِئَ الضَّبْط السَّابِق حسب الْقَاعِدَة المرعية. قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس مُخَاطبا السَّيِّد الفراتي: إِن الجمعية لتنتظر مِنْك فَوق همتك فِي عقدهَا وقيامك بمهمتها التحريرية، إِن تفيدها أَيْضا رَأْيك الذاتي فِي سَبَب الفتور المبحوث فِيهِ، وَذَلِكَ بعد أَن تقرر لَهَا مُجمل الآراء الَّتِي أوردهَا الإخوان الْكِرَام، حَيْثُ أحطت، بهَا علما مكرراً بِالسَّمْعِ وَالْكِتَابَة وَالْقِرَاءَة والمراجعة فَأَنت أجمعنا لَهَا فكراً. هَذَا والجمعية ترجو الْفَاضِل الشَّامي والبليغ الإسكندري أَن، يشتركا فِي ضبط خطابك بَان يتعاقبا فِي تلقي الْجمل الكلامية وكتابتها، لِأَنَّهُمَا كباقي الأخوان لَا يعرفان طَريقَة الِاخْتِصَار

стр. 156

الخطي الْمُسْتَعْمل فِي مثل هَذَا الْمقَام. نظر الْفَاضِل الشَّامي إِلَى رَفِيقه واستلمح مِنْهُ القَوْل ثمَّ قَالَ: أننا مستعدان للتشرف بِهَذِهِ الْخدمَة. قَالَ السَّيِّد الفراتي: حبا وَطَاعَة وَإِن كنت قصير الطول، كليل القَوْل، قَلِيل البضاعة، ثمَّ انحرف عَن المكتبة فَقَامَ مقَامه عَلَيْهَا الْفَاضِل الشَّامي والبليغ الإسكندري، وَمَا لبث أَن شرع فِي كَلَامه، فَقَالَ: يُسْتَفَاد من مذاكرات جمعيتنا الْمُبَارَكَة أَن هَذَا الفتور المبحوث فِيهِ ناشيء عَن مَجْمُوع أَسبَاب كَثِيرَة مُشْتَركَة فِيهِ، لَا عَن سَبَب وَاحِد أَو أَسبَاب قَلَائِل تمكن مقاومتها بسهولة. وَهَذِه الْأَسْبَاب مِنْهَا أصُول، وَمِنْهَا فروع لَهَا حكم الْأُصُول. وَكلهَا ترجع إِلَى ثَلَاثَة أَنْوَاع: وَهِي أَسبَاب دينية، وَأَسْبَاب سياسية، وَأَسْبَاب أخلاقية. وَإِنِّي أَقرَأ عَلَيْكُم خلاصاتها من جدول الفهرست الَّذِي استخرجته من مبَاحث الجمعية رامزاً لِلْأُصُولِ مِنْهَا بِحرف (الْألف) وللفروع مِنْهَا بِحرف (الْفَاء) وَهِي: النَّوْع الأول: الْأَسْبَاب الدِّينِيَّة ١ - تَأْثِير عقيدة الْجَبْر فِي أفكار الْأمة (١) .

стр. 157

٢ - تَأْثِير المزهدات فِي السَّعْي وَالْعَمَل وزينة الْحَيَاة (ف) . ٣ - تَأْثِير فتن الجدل فِي العقائد الدِّينِيَّة (١) . ٤ - الاسترسال للتخالق والتفرق فِي الدّين (١) . ٥ - الذهول عَن سماحة الدّين وسهولة التدين بِهِ (١) . ٦ - تَشْدِيد الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين فِي الدّين خلافًا للسلف (١) . ٧ - تشويش أفكار الْأمة بِكَثْرَة تخَالف الآراء فِي فروع أَحْكَام الدّين (ف) . ٨ - فقد إِمْكَان مُطَابقَة القَوْل للْعَمَل فِي الدّين بِسَبَب التَّخْلِيط وَالتَّشْدِيد (ف) . ٩ - إِدْخَال الْعلمَاء المدلسين على الدّين مقتبسات كِتَابِيَّة وخرافات وبدعا مضرَّة (١) . ١٠ - تهوين غلاة الصُّوفِيَّة الدّين وجعلهم إِيَّاه لهواً وَلَعِبًا (ف) . ١١ - إِفْسَاد الدّين بتفنن المداجين بمزيدات ومتروكات وتأويلات (ف) . ١٢ - إِدْخَال المدلسين والمقابرية على الْعَامَّة كثيرا من الأوهام (١) . ١٣ - خلع المنجمين والرمالين والسحرة والمشعوذين قُلُوب الْمُسلمين بالمرهبات (ف) . ١٤ - إِيهَام الدجالين والمداجين أَن فِي الدّين أموراً سَرِيَّة وَإِن الْعلم حجاب (ف) . ١٥ - اعْتِقَاد مُنَافَاة الْعُلُوم الْحكمِيَّة والعقلية للدّين (١) . ١٦ - تطرق الشّرك الصَّرِيح أَو الْخَفي إِلَى عقائد الْعَامَّة (ف) . ١٧ - تهاون الْعلمَاء العاملين فِي تأييد التَّوْحِيد (ف) . ١٨ - الاستسلام للتقليد وَترك التبصر والاستهداء (ف) . ١٩ - التعصب للمذاهب ولآراء الْمُتَأَخِّرين وهجر النُّصُوص ومسلك السّلف (ف) . ٢٠ - الْغَفْلَة عَن حِكْمَة الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة وجمعية الْحَج (١) .

стр. 158

٢١ - العناد على نبذ الْحُرِّيَّة الدِّينِيَّة جهلا بمزيتها (ف) . ٢٢ - الْتِزَام مَا لَا يلْزم لأجل الاستهداء من الْكتاب وَالسّنة (ف) . ٢٣ - تَكْلِيف الْمُسلم نَفسه مَا لَا يكلفه بِهِ الله وتهاونه فِيمَا هُوَ مَأْمُور بِهِ (ف) . النَّوْع الثَّانِي: الْأَسْبَاب السياسية ٢٤ - السياسة الْمُطلقَة من السيطرة والمسئولية (١) . ٢٥ - تفرق الْأمة إِلَى عصبيات وأحزاب سياسية (ف) . ٢٦ - حرمَان الْأمة من حريَّة القَوْل وَالْعَمَل، وفقدانها الْأَمْن والأمل (ف) . ٢٧ - فقد الْعدْل والتساوي فِي الْحُقُوق بَين طَبَقَات الْأمة (ف) . ٢٨ - ميل الْأُمَرَاء طبعا للْعُلَمَاء المدلسين وجهلة المتصوفين (ف) . ٢٩ - حرمَان الْعلمَاء العاملين وطلاب الْعلم من الرزق والتكريم (١) . ٣٠ - اعْتِبَار الْعلم عَطِيَّة يحسن بهَا الْأُمَرَاء على الإخصاء، وتفويض خدمَة الدّين للجهلاء (١) . ٣١ - قلب مَوْضُوع أَخذ الْأَمْوَال من الْأَغْنِيَاء وإعطائها للْفُقَرَاء (١) . ٣٢ - تَكْلِيف الْأُمَرَاء الْقُضَاة والمفتين أموراً تهدم دينهم (ف) . ٣٣ - إبعاد الْأُمَرَاء النبلاء والأحرار وتقريبهم المتملقين والأشرار (١) . ٣٤ - مراغمة الْأُمَرَاء السراة والهداة والتنكيل بهم (ف) . ٣٥ - فقد قُوَّة الرَّأْي الْعَام بِالْحجرِ والتفريق (ف) . ٣٦ - حَمَاقَة أَكثر الْأُمَرَاء وتمسكهم بالسياسات الخرقاء (ف) . ٣٧ - إِصْرَار أَكثر الْأُمَرَاء على الاستبداد عناداً واستكباراً (ف) . ٣٨ - انغماس الْأُمَرَاء فِي الترف ودواعي الشَّهَوَات، وبعدهم عَن الْمُفَاخَرَة

стр. 159

بِغَيْر الفخفخة وَالْمَال (ف) . ٣٩ - حصر الاهتمام السياسي بالجباية والجندية فَقَط (١) . النَّوْع الثَّالِث: الْأَسْبَاب الأخلاقية ٤٠ - الِاسْتِغْرَاق فِي الْجَهْل والارتياح إِلَيْهِ (١) . ٤١ - اسْتِيلَاء الْيَأْس من اللحاق بالفائزين فِي الدّين وَالدُّنْيَا (ف) . ٤٢ - الإخلاد إِلَى الخمول ترويحاً للنَّفس (ف) . ٤٣ - فقد التناصح وَترك البغض فِي الله (١) . ٤٤ - انحلال الرابطة الدِّينِيَّة الاحتسابية (١) . ٤٥ - فَسَاد التَّعْلِيم والوعظ والخطابة والإرشاد (ف) . ٤٦ - فقد التربية الدِّينِيَّة والأخلاقية (١) . ٤٧ - فقد قُوَّة الجمعيات وَثَمَرَة دوَام قِيَامهَا (١) . ٤٨ - فقد الْقُوَّة الْمَالِيَّة الاشتراكية بِسَبَب التهاون فِي الزَّكَاة (١) . ٤٩ - ترك الْأَعْمَال بِسَبَب ضعف الآمال (ف) . ٥٠ - إهمال طلب الْحُقُوق الْعَامَّة جبنا وخوفا من التخاذل (ف) . ٥١ - غَلَبَة التخلق بالتملق تزلفاً وصغاراً. ٥٢ - تَفْضِيل الإرتزاق بالجندية والخدم الأميرية على الصَّنَائِع (ف) . ٥٣ - توهم أَن علم الدّين قَائِم فِي العمائم وَفِي كل مَا سطر فِي كتاب (ف) . ٥٤ - معاداة الْعُلُوم الْعَالِيَة ارتياحاً للْجَهَالَة والسفالة (١) . ٥٥ - التباعد عَن المكاشفات والمفاوضات فِي الشئون الْعَامَّة (١) . ٥٦ - الذهول عَن تطرق الشّرك وشآمته (١) .

стр. 160

ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي: هَذِه هِيَ خلاصات أَسبَاب الفتور الَّتِي أوردهَا إخْوَان الجمعية وَلَيْسَ فِيهَا مكررات كَمَا يظنّ. وَحَيْثُ كَانَ للخلل الْمَوْجُود فِي أصُول إدارة الحكومات الإسلامية دخل مُهِمّ فِي توليد الفتور الْعَام، فَإِنِّي أضيف إِلَى الْأَسْبَاب الَّتِي سبق الْبَحْث فِيهَا من قبل الإخوان الْكِرَام الْأَسْبَاب الْآتِيَة، أعددها من قبيل رُؤُوس مسَائِل فَقَط، حَيْثُ لَو أردْت تفصيلها وتشريحها لطال الْأَمر ولخرجنا عَن صدد محفلنا هَذَا. والأسباب الَّتِي سأذكرها هِيَ أصُول موارد الْخلَل فِي السياسة والإدارة الجاريتين فِي المملكة العثمانية، الَّتِي هِيَ أعظم دولة يهم شَأْنهَا عَامَّة الْمُسلمين. وَقد جاءها اكثر هَذَا الْخلَل فِي السِّتين سنة الْأَخِيرَة، أَي بعد أَن اندفعت لتنظيم أمورها، فعطلت أُصُولهَا الْقَدِيمَة وَلم تحسن التَّقْلِيد وَلَا الإبداع، فتشتت حَالهَا وَلَا سِيمَا فِي الْعشْرين سنة الْأَخِيرَة الَّتِي ضَاعَ فِيهَا ثلثا المملكة؛ وَخرب الثُّلُث الْبَاقِي وأشرف على الضّيَاع لفقد الرِّجَال وَصرف السُّلْطَان قُوَّة سلطنته كلهَا فِي سَبِيل حفظ ذَاته الشَّرِيفَة وسبيل الْإِصْرَار على سياسة الِانْفِرَاد. وَأما سَائِر الممالك والإمارات الإسلامية فَلَا تَخْلُو أَيْضا

стр. 161

من بعض هَذِه الْأُصُول، كَمَا أَن فِيهَا أحوالاً أُخْرَى أضرّ وَأمر يطول بَيَانهَا واستقصاؤها، والأسباب المُرَاد إلحاقها ملخصة هِيَ: الْأَسْبَاب السياسية والإدارية العثمانيتين: ٥٧ - تَوْحِيد قوانين الإدارة والعقوبات، مَعَ اخْتِلَاف طبائع أَطْرَاف المملكة وَاخْتِلَاف الأهالي فِي الْأَجْنَاس والعادات (١) . ٥٨ - تنويع القوانين الحقوقية، وتشويش الْقَضَاء فِي الْأَحْوَال المتماثلة (١) . ٥٩ - التَّمَسُّك بأصول الإدارة المركزية مَعَ بعد الْأَطْرَاف عَن العاصمة وَعدم وقُوف رُؤَسَاء الإدارة فِي المركز على أَحْوَال تِلْكَ الْأَطْرَاف المتباعدة وخصائص سكانها (ف) . ٦٠ - الْتِزَام أصُول عدم تَوْجِيه المسئولية على رُؤَسَاء الإدارة والولاة عَن أَعْمَالهم مُطلقًا (ف) .

стр. 162

٦١ - تشويش الإدارة بِعَدَمِ الِالْتِفَات لتوحيد الْأَخْلَاق والمسالك فِي الوزراء والولاة والقواد، مَعَ اضطرار الدولة لاتخاذهم من جَمِيع الْأَجْنَاس والأقوام الْمَوْجُودين فِي المملكة بِقصد استرضاء الْكل (ف) . ٦٢ - الْتِزَام الْمُخَالفَة الجنسية فِي اسْتِخْدَام الْعمَّال بِقصد تعسر التفاهم بَين الْعمَّال والأهالي، وَتعذر الامتزاج بَينهم لتأمن الإدارة غائلة الِاتِّفَاق عَلَيْهَا (ف) . ٦٣ - الْتِزَام تَفْوِيض الإمارات المختصة عَادَة بِبَعْض الْبيُوت، كإمارة مَكَّة وإمارات العشائر الضخمة فِي الْحجاز وَالْعراق والفرات لمن لَا يحسن إدارتها، لأجل أَن يكون الْأَمِير منفوراً مِمَّن ولي عَلَيْهِم مَكْرُوها عِنْدهم فَلَا يتفقون مَعَه ضد الدولة (١) . ٦٤ - الْتِزَام تَوْلِيَة بعض المناصب المختصة بِبَعْض الْأَصْنَاف كالمشيخة الإسلامية والسر عسكرية لمن يكون منفوراً فِي صنفه من الْعلمَاء أَو الْجند، لأجل أَن لَا يتَّفق الرئيس والمرؤس على أَمر مُهِمّ (ف) . ٦٥ - التَّمْيِيز الْفَاحِش بَين أَجنَاس الرّعية فِي الْغنم وَالْغُرْم.

стр. 163

٦٦ - التساهل فِي انتخاب الْعمَّال والمأمورين والإكثار مِنْهُم بِغَيْر لُزُوم، وَإِنَّمَا بِقصد إعاشة الْعَشِيرَة والمحاسيب والمتملقين الملحين. ٦٧ - التسامح فِي الْمُكَافَأَة والمجازاة تهاوناً بشؤون الإدارة حسنت أم ساءت، كَأَن لَيْسَ للْملك صَاحب. ٦٨ - عدم الِالْتِفَات لرعاية المقتضيات الدِّينِيَّة كوضع أنظمة مصادمة للشَّرْع بِدُونِ لُزُوم سياسي مُهِمّ، أَو مَعَ اللُّزُوم وَلَكِن بِدُونِ اعتناء بتفهيمه للْأمة والاعتذار لَهَا جلباً للقناعة وَالرِّضَا. ٦٩ - تَضْييع حُرْمَة الشَّرْع وَقُوَّة القوانين بِالْتِزَام عدم اتباعها وتنفيذها، والإصرار على أَن تكون الإدارة نظامية اسْما إرادية فعلا. ٧٠ - التهاون فِي مجاراة عادات الأهالي وأخلاقهم ومصالحهم استجلاباً لمحبتهم القلبية فَوق طاعتهم الظَّاهِرِيَّة. ٧١ - الْغَفْلَة أَو التغافل عَن مقتضيات الزَّمَان ومباراة الْجِيرَان وترقية السكان بِسَبَب عدم الاهتمام بالمستقبل. ٧٢ - الضغط على الأفكار المتنبهة بِقصد منع نموها وسموها وإطلاعها على مجاري الإدارة، محاسنها ومعايبها، وَإِن كَانَ الضغط على النمو الطبيعي عَبَثا مَحْضا، ويتأتى مِنْهُ الإغراء والتحفز وينتج عَنهُ الحقد على الإدارة.

стр. 164

٧٣ - تَمْيِيز الأسافل أصلا وأخلاقاً علما وتحكيمهم فِي الرّقاب الْحرَّة وتسليطهم على أَصْحَاب المزايا، وَهَذَا التهاون بشأن ذَوي الشؤون يسْتَلْزم تسفل الإدارة. ٧٤ - إدارة بَيت المَال إدارة إِطْلَاق بِدُونِ مراقبة، وجزاف بِدُونِ موازنة، وإسراف بِدُونِ كتاب، وَإِتْلَاف بِدُونِ حِسَاب، حَتَّى صَارَت المملكة مديونة للأجانب بديون ثَقيلَة توفى بلاداً ورقاباً وَدِمَاء وحقوقا. ٧٥ - إدارة الْمصَالح المهمة السياسية والملكية بِدُونِ استشارة الرّعية وَلَا قبُول مناقشة فِيهَا، وَإِن كَانَت إدارة مَشْهُودَة الْمضرَّة فِي كل حَرَكَة وَسُكُون. ٧٦ - إدارة الْملك إدارة مداراة وإسكات للمطلعين على معايبها حذرا من أَن ينفثوا مَا فِي الصُّدُور فتعلم الْعَامَّة حقائق الْأُمُور، والعامة من إِذا علمُوا قَالُوا وَإِذا قَالُوا فعلوا وَهُنَاكَ الطامة الْكُبْرَى. ٧٧ - إدارة السياسة الخارجية بالتزلف والإرضاء والمحاباة بالحقوق والرشوة بالامتيازات والنقود، تبذل الإدارة ذَلِك للجيران بِمُقَابلَة تعاميهم عَن الْمشَاهد المؤلمة التخريبية، وصبرهم على الروائح المنتنة الإدارية، وَلَوْلَا تِلْكَ الْمشَاهد والروائح لما وجد الْجِيرَان وَسِيلَة للضغط مَعَ مَا أَلْقَاهُ الله بَينهم من الْعَدَاوَة والبغضاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي: أَن بعض هَذِه الْأَسْبَاب الَّتِي ذكرتها، هِيَ أمراض قديمَة مُلَازمَة لإدارة الْحُكُومَة العثمانية مُنْذُ نشأتها أَو مُنْذُ قُرُون، وَبَعضهَا أَعْرَاض وقتية تَزُول بِزَوَال محدثها، وَرُبمَا

стр. 165

كَانَ يُمكن الصَّبْر عَلَيْهَا لَوْلَا أَن الْخطر قرب وَالْعِيَاذ بِاللَّه من الْقلب كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذ الرئيس فِي خطابه الأول. ثمَّ قَالَ: ويلتحق بِهَذِهِ الْأَسْبَاب بعض أَسبَاب شَتَّى أفصلها بعد تعدادها إِلْحَاقًا بالخلاصات. وَهِي: أَسبَاب شَتَّى: ٧٨ - عدم تطابق الْأَخْلَاق بَين الرّعية والرعاة. ٧٩ - الغرارة أَي الْغَفْلَة عَن تَرْتِيب شؤون الْحَيَاة. ٨٠ - الغرارة عَن لُزُوم توزيع الْأَعْمَال والأوقات. ٨١ - الغرارة عَن الإذعان للإتقان. ٨٢ - الغرارة عَن موازنة الْقُوَّة والاستعداد. ٨٣ - ترك الاعتناء بتعليم النِّسَاء. ٨٤ - عدم الِالْتِفَات للكفاءة فِي الزَّوْجَات. ٨٥ - الخور فِي الطبيعة، أَي سُقُوط الهمة. ٨٦ - الاعتزال فِي الْحَيَاة والتواكل.

стр. 166

أما عدم التطابق فِي الْأَخْلَاق بَين الرُّعَاة والرعية، فَلهُ شان عَظِيم كَمَا يظْهر للمتأمل المدقق فِي تواريخ الْأُمَم من أَن أعاظم الْمُلُوك الموفقين والقواد الفاتحين كالإسكندرين، وَعمر وَصَلَاح الدّين ﵄، وجنكيز والفاتح وشرلكان الألماني وبطرس الْكَبِير وبونابرت، لم يفوزوا فِي تِلْكَ العظائم إِلَّا بالعزائم الصادقة مَعَ مصادقة تطابقهم مَعَ رعاياهم وجيوشهم فِي الْأَخْلَاق والمشارب تطابقاً تَاما، بِحَيْثُ كَانُوا رؤوساً حَقًا لتِلْك الْأَجْسَام لَا كرأس جمل على جسم ثَوْر أَو بِالْعَكْسِ. وَهَذَا التطابق وَحده يَجْعَل الْأمة تعْتَبر رئيسها رَأسهَا، فتتفانى دون حفظه وَدون حكم نَفسهَا بِنَفسِهَا، حَيْثُ لَا يكون لَهَا فِي غير ذَلِك فلاح أبدا كَمَا قَالَ الْحَكِيم المتنبي: (إِنَّمَا النَّاس بالملوك وَهل ... يفلح عرب مُلُوكهَا عجم) وَمِمَّا لَا خلاف فِيهِ أَن من أهم حِكْمَة الحكومات أَن تتخلق بأخلاق الرّعية، وتتحد مَعهَا فِي عوائدها ومشاربها وَلَو فِي العوائد غير المستحسنة فِي ذَاتهَا. وَلَا أقل من أَن تجاري الْحُكُومَة الْأَجْنَبِيَّة أَخْلَاق الرّعية وَلَو تكلفاً وقتياً، إِلَى أَن توفق إجتذابهم إِلَى لغتها فأخلاقها فجنسيتها، كَمَا فعل الأمويون والعباسيون والموحدون، وكما تهتم بِهِ الدول المستعمرة الإفرنجية فِي هَذَا الْعَهْد، وكما فعل جَمِيع

стр. 167

الْأَعَاجِم الَّذين قَامَت لَهُم دوَل فِي الإسلامية كآل بويه والسلجوقيين والأيوبيين والغوريين والأمراء الجراكسة وَآل مُحَمَّد عَليّ، فَإِنَّهُم مَا لَبِثُوا أَن استعربوا وتخلقوا بأخلاق الْعَرَب، وامتزجوا بهم وصاروا جُزْءا مِنْهُم. وَكَذَلِكَ المغول التاتار صَارُوا فرسا وهنوداً، فَلم يشذ فِي هَذَا الْبَاب غير المغول الأتراك أَي العثمانيين، فَإِنَّهُم بِالْعَكْسِ يفتخرون بمحافظتهم على غيرية رعاياهم لَهُم، فَلم يسعوا باستتراكهم كَمَا أَنهم لم يقبلُوا أَن يستعربوا، والمتأخرون مِنْهُم قبلوا أَن يتفرنسوا أَو يتألمنوا. وَلَا يعقل لذَلِك سَبَب غير شَدِيد بغضهم للْعَرَب كَمَا يسْتَدلّ عَلَيْهِ من أَقْوَالهم الَّتِي تجْرِي على ألسنتهم مجْرى الْأَمْثَال فِي حق الْعَرَب: كإطلاقهم على عرب الْحجاز (ديلنجي عرب) أَي الْعَرَب الشحاذين. وإطلاقهم على المصريين (كور فلاح) بِمَعْنى الفلاحين الأجلاف. و (عرب جنكنه سي) أَي نور الْعَرَب. و (قبْطِي عرب) أَي النُّور المصريين. وَقَوْلهمْ عَن عرب سوريا: (نه شامك شكري ونه

стр. 168

عربك يوزي) أَي دع الشَّام وسكرياتها وَلَا تَرَ وُجُوه الْعَرَب. وتعبيرهم بِلَفْظِهِ (عرب) عَن الرَّقِيق وَعَن كل حَيَوَان اسود. وَقَوْلهمْ بِلَفْظِهِ (عرب) عَن الرَّقِيق وَعَن كل حَيَوَان أسود. وَقَوْلهمْ (بس عرب) أَي عَرَبِيّ قذر. و (عرب عَقْلِي) أَي عقل عَرَبِيّ أَي صَغِير. و (عرب طبيعتي) أَي ذوق عَرَبِيّ أَي فَاسد. و (عرب جكه سي) أَي حنك عَرَبِيّ أَي كثير الهزر. وَقَوْلهمْ (بوني يبارسه م عرب أَوله يم) أَي أَن فعلت هَذَا أكون من الْعَرَب. وَقَوْلهمْ (نرده عرب نرده طنبوره) أَي أَيْن الْعَرَب من الطنبور. هَذَا وَالْعرب لَا يقابلونهم على كل ذَلِك سوى بكلمتين الأولى هِيَ قَول الْعَرَب فيهم: (ثَلَاث خُلِقْنَ للجور وَالْفساد: الْقمل وَالتّرْك وَالْجَرَاد) . والكلمة الثَّانِيَة تسميتهم بالأراوم كِنَايَة عَن الرِّيبَة فِي إسلاميتهم، وَسبب الرِّيبَة أَن الأتراك لم يخدموا الإسلامية بِغَيْر إِقَامَة بعض جَوَامِع لَوْلَا حَظّ نفوس مُلُوكهمْ بِذكر أسمائهم على منابرها لم تقم

стр. 169

وَأَنَّهُمْ أَتَوا الْإِسْلَام بِالطَّاعَةِ العمياء للكبراء، وبخشية الْفلك أبي المصائب، وباحترام مواقد النيرَان (أوجاقات) فزادوا بذلك بلات فِي طين الخرافات. ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي: أَرْجُو المعذرة من الْمولى الرُّومِي لِأَنَّهُ يعلم أَنِّي مَا أفرطت، وَلَوْلَا الضَّرُورَة الدِّينِيَّة الَّتِي يعلمهَا لما صرحت، والناصح الغيور من يبكيك لَا من يضحكك. قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: أَن أخانا السَّيِّد الفراتي خطيب قَوَّال وَفَارِس جوال، والأبحاث الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا ذَات ذيول طوال مَعَ أَن الْيَوْم قد قرب وَقت الزَّوَال، فموعدنا غَد إِن شَاءَ الْمولى المتعال.

стр. 170

فارغ

стр. 171

الِاجْتِمَاع الثَّامِن يَوْم الْخَمِيس الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦ فِي صباح ذَلِك الْيَوْم انتظمت الجمعية، وَقَرَأَ البليغ الإسكندري ضبط الْيَوْم السَّابِق على الْعَادة المألوفة، وَأذن الْأُسْتَاذ الرئيس للسَّيِّد الفراتي بإتمام بَحثه. فَقَالَ السَّيِّد الفراتي: أَن من اعظم أَسبَاب الفتور فِي الْمُسلمين غرارتهم، أَي عدم معرفتهم كَيفَ يحصل انتظام الْمَعيشَة لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهم من يرشدهم إِلَى شَيْء من ذَلِك، بِخِلَاف الْأُمَم السائرة فَإِن من وظائف خدمَة الْأَدْيَان عِنْدهم رفع الغرارة، أَي الْإِرْشَاد إِلَى الْحِكْمَة فِي شؤون الْحَيَاة. وَأما الأقوام الَّذين لَيْسَ عِنْدهم خدمَة دين، اَوْ الشَّرّ أَذمّ الَّذين لَا ينتمون لخدمة دينهم، فمستغنون عَن ذَلِك بوسائل أُخْرَى من نَحْو: التربية المدرسية، وَالْأَخْذ من كتب الْأَخْلَاق، وَكتب تَدْبِير الْمنزل، ومفصلات فن الاقتصاد، والتواريخ المتقنة، والرومانات

стр. 172

الأخلاقية والتمثيلية، أَي كتب الحكايات الوضعية، وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ مَفْقُود بِالْكُلِّيَّةِ عِنْد غير بعض خَاصَّة الْمُسلمين. على أَن الْخَاصَّة السالمين من الغرارة علما، لَا يقوون غَالِبا على الْعَمَل بِمَا يعلمُونَ لأسباب شَتَّى، مِنْهَا بل أعظمها جَهَالَة النِّسَاء الْمفْسدَة للنشأة الأولى وَقت الطفولة والصبوة وَمِنْهَا عدم التمرن والألفة، وَمِنْهَا عدم مساعدة الظروف المحيطة بهم للاستمرار على نظام مَخْصُوص فِي معيشتهم. ثمَّ قَالَ: لَا أرى لُزُوما للاستدلال على اسْتِيلَاء الغرارة علينا لِأَنَّهَا مدركة مسلمة عِنْد الكافة، وَهِي مَا ينطوي تَحت أجوبتنا عِنْد التساؤل عَن هَذِه الْحَال بقولنَا: أَن الْمُسلم مصاب، وَأَن الله إِذا أحب عبدا ابتلاه، وَإِن أَكثر أهل الْجنَّة البله، وَإِن حسب آدم ابْن آدم لقيمات يقمن صلبه، وَإِن غَيرنَا مستدرجون، وَأَنَّهُمْ كلاب الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمْ أعْطوا ظَاهرا من الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَأَنَّهُمْ فِي غَفلَة من الْمَوْت، وغفلة عَن أَن الدُّنْيَا شاخت. ثمَّ قَالَ: فَمن الغرارة فِي طبقاتنا كَافَّة من الْمُلُوك إِلَى الصعاليك أننا لَا نرى ضَرُورَة للإتقان فِي الْأُمُور، وقاعدتنا أَن بعض الشَّيْء

стр. 173

يُغني عَن كُله. وَالْحق أَن الإتقان ضَرُورِيّ للنجاح فِي أَي أَمر كَانَ، بِحَيْثُ إِذا لم يكن مستطاعاً فِي أَمر، يلْزم ويتحتم ترك ذَلِك الْأَمر كليا والتحول عَنهُ إِلَى غَيره من المستطاع فِيهِ إِيفَاء حق الإتقان. وَمن (الغرارة) وهمنا أَن شؤون الْحَيَاة سهلة بسيطة، فنظن إِن الْعلم بالشَّيْء إِجْمَالا ونظرياً بِدُونِ تمرن عَلَيْهِ يَكْفِي للْعَمَل بِهِ، فَيقدم أَحَدنَا مثلا على الْإِمَارَة بِمُجَرَّد نظره فِي نَفسه أَنه عَاقل مُدبر قبل أَن يعرف مَا هِيَ الإدارة علما، ويتمرن عَلَيْهَا عملا، ويكتسب فِيهَا شهرة تعينه على الْقيام بهَا. وَيقدم الآخر منا على الاحتراف مثلا بِبيع المَاء للشُّرْب، بِمُجَرَّد ظَنّه أَن هَذِه الحرفة عبارَة عَن حَملَة قربَة وَقَدحًا وتعرضه للنَّاس فِي مجتمعاتهم، وَلَا يرى لُزُوما لتقلي وَسَائِل إتقان ذَلِك عَمَّن يرشده مثلا إِلَى ضَرُورَة النَّظَافَة لَهُ فِي قربته وقدحه وظواهر هَيئته ولباسه، وَكَيف يحفظ برودة مائَة وَكَيف يستبرقه ويوهم بصفائه ليشهى بِهِ، وَمَتى يغلب الْعَطش ليقصد المجتمعات، ويتحرى مِنْهَا الخالية لَهُ عَن المزاحمين، وَكَيف يتزلف للنَّاس ويوهم بِلِسَان حَالَة انه محترف بالاسقاء كفا لنَفسِهِ عَن السُّؤَال. إِلَى نَحْو هَذَا من دقائق إتقان

стр. 174

الصَّنْعَة المتوقف عَلَيْهَا نجاحه فِيهَا، وَإِن كَانَت صَنعته بسيطة حقيرة. وَمن (الغرارة) ظننا أَن الكياسة فِي " أَدْرِي وأقدر " جَوَابا للنَّفس فِي مَقَاصِد كَثِيرَة شَتَّى. والحقيقة أَن الكياسة لَا تتَحَقَّق فِي الْإِنْسَان إِلَّا فِي فن وَاحِد فَقَط يتولع فِيهِ فيتقنه حق الإتقان فِي كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جعل الله لرجل من قلبين فِي جَوْفه﴾ . فالعاقل من يتخصص بِعَمَل وَاحِد ثمَّ يُجَاوب نَفسه عَن كل شَيْء غَيره " لَا أَدْرِي وَلَا أقدر "، لِأَن الأول يتَكَلَّف أعمالاً لَا يحسنها فتفسد عَلَيْهِ كلهَا، وَالثَّانِي يتحَرَّى لكل عمل لَازم لَهُ من يُحسنهُ فتنتظم أُمُوره ويهنأ عيشة. فالملك مثلا وظيفته النظارة الْعَامَّة وانتخاب وَزِير يَثِق بأخلاقه، ويعتمد على خبرته فِي انتخاب بَقِيَّة الوزراء والسيطرة عَلَيْهِم فِي الكليات. فالملك مهما كَانَ عَاقِلا حكيماً لَا يقدر على إتقان أَكثر من وظيفته الْمَذْكُورَة. فالملك إِذا تغرر وتنزل للتداخل فِي أُمُور السياسة أَو الإدارة الملكية أَو الْأُمُور الحربية أَو الْقَضَاء، فَلَا شكّ انه يكون كرب بَيت يداخل طباخه فِي مهنته ويشارك بستانية فِي صَنعته، فَيفْسد

стр. 175

طَعَامه ويبور بستانه، فيشتكي وَلَا يدْرِي أَن آفته من نَفسه. وَمن " الغرارة " اللوث فِي الْأُمُور، أَي تَركهَا بِلَا تَرْتِيب؛ وَالْحكمَة قاضية على كل إِنْسَان وَلَو كَانَ زاهداً مُنْفَردا فِي كَهْف جبل، فضلا عَن سائس رعية أَو صَاحب عائلة، أَن يتَّخذ لَهُ ترتيباً فِي شؤونه وَذَلِكَ بِأَن يرتب: أَولا: أوقاته حسب أشغاله، ويرتب أشغاله حسب أوقاته. والشغل الَّذِي لَا يجد لَهُ وقتا كَافِيا يهمله بِالْكُلِّيَّةِ أَو يفوضه لمن يَفِي حق الْقيام بِهِ عَنهُ. ثَانِيًا - يرتب نفقاته على نِسْبَة الْمَضْمُون من كَسبه، فَإِن ضَاقَ دخله عَن المبرم من خرجه يُغير طراز معيشته، وَلَو بالتحول مثلا من بَلَده الغالية الأسعار أَو الَّتِي مظهره فِيهَا يمنعهُ من الاقتصاد إِلَى حَيْثُ يُمكنهُ ترتيبها على نِسْبَة كَسبه. ثَالِثا - يرتب تقليل غائلة عائلته عِنْد أول فرْصَة؛ ملاحظاً إراحة نَفسه من الكد فِي دور الْعَجز من حَيَاته، فيربي أَوْلَاده ذُكُورا وإناثاً على صُورَة أَن كلا مِنْهُم مَتى بلغ أشده يُمكنهُ أَن يَسْتَغْنِي عَنهُ بِنَفسِهِ، مُعْتَمدًا على كَسبه الذاتي وَلَو فِي غير وَطنه. رَابِعا - يرتب أُمُوره الأدبية على نِسْبَة حَالَته المادية، أَعنِي

стр. 176

يرتب أُمُوره الدِّينِيَّة ولذاته الفكرية وشهواته الجسمية ترتيباً حسنا، لَا يحمل نَفسه مِنْهَا مَا لَا تطِيق الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ. خَامِسًا - يرتب ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعداده الْحَقِيقِيّ. فَلَا يتْرك نَفسه تتطاول إِلَى مقامات لَيْسَ من شَأْن قوته المادية أَن يبلغهَا إِلَّا بمحض الْحَظ أَي الصدف. وخلاصة الْبَحْث أَن الغرارة من أقوى أَسبَاب الفتور، وَقد أطلت فِي وصفهَا وإيضاحها ليتأكد عِنْد السَّادة الإخوان أَن إِزَالَة أَسبَاب الفتور الشخصي لَيْسَ من عقيمات الْأُمُور. ثمَّ قَالَ: أَن لانحلال أَخْلَاقنَا سَببا مهما آخر أَيْضا يتَعَلَّق بِالنسَاء، وَهُوَ تركهن جاهلات على خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ أسلافنا، حَيْثُ كَانَ يُوجد فِي نسائنا كَأُمّ الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ الَّتِي أَخذنَا عَنْهَا نصف عُلُوم ديننَا؛ وكمئات من الصحابيات والتابعيات راويات الحَدِيث والمتفقهات، فضلا عَن أُلُوف من العالمات والشاعرات اللَّاتِي فِي وجودهن فِي الْعَهْد الأول بِدُونِ إِنْكَار، حجَّة دامغة ترغم أنف غيرَة الَّذين يَزْعمُونَ أَن جهل النِّسَاء أحفظ لعفتهن؛ فضلا عَن أَنه لَا يقوم لَهُم برهَان على مَا يتوهمون، حَتَّى يَصح الحكم

стр. 177

بِأَن الْعلم يَدْعُو للفجور وان الْجَهْل يَدْعُو للعفة؛ نعم رُبمَا كَانَت العالمة أقدر على الْفُجُور من الجاهلة، وَلَكِن الجاهلة أجسر عَلَيْهِ من العالمة. ثمَّ أَن ضَرَر جهل النِّسَاء وَسُوء تَأْثِيره فِي أَخْلَاق الْبَنِينَ وَالْبَنَات أَمر وَاضح غَنِي عَن الْبَيَان، إِنَّمَا سوء تَأْثِيره على أَخْلَاق الْأزْوَاج فِيهِ بعض خَفَاء يسْتَلْزم الْبَحْث، فَأَقُول: أَن الرِّجَال ميالون بالطبع إِلَى زوجاتهم، وَالْمَرْأَة أقدر مُطلقًا من الرجل فِي ميدان التجاذب للأخلاق، وَلَا يتَوَهَّم عكس ذَلِك إِلَّا من استحكم فِيهِ تغرير زَوجته لَهُ بِأَنَّهَا ضَعِيفَة مسكينة مسخرة لإرادته. حَال كَون حَقِيقَة الْأَمر أَنَّهَا قابضة على زمامه تسوقه كَيفَ شَاءَت، وبتعبير آخر يغره أَنه أمامها وَهِي تتبعه، فيظن أَنه قَائِد لَهَا، والحقيقة الَّتِي يَرَاهَا كل النَّاس من حولهما دونه أَنَّهَا إِنَّمَا تمشي وَرَاءه بِصفة سائق لَا تَابع. وَمَا قدر قدر دهاء النِّسَاء مثل الشَّرِيعَة الإسلامية، حَيْثُ أمرت بالحجب وَالْحجر الشرعيين حصراً لسلطتهن وتفرغهن لتدبير الْمنزل، فَأمرت باحتجابهن احتجاباً محدوداً بِعَدَمِ إبداء الزِّينَة للرِّجَال الْأَجَانِب، وَعدم الِاجْتِمَاع بهم فِي خلْوَة أَو لغير لُزُوم. وَأمرت

стр. 178

باستقرارهن فِي الْبيُوت إِلَّا لحَاجَة. وَلَا شكّ أَنه مَا وَرَاء هَذِه الْحُدُود إِلَّا فتح بَاب الْفُجُور، وَمَا هَذَا التَّحْدِيد إِلَّا مرحمة بِالرِّجَالِ وتوزيعاً لوظائف الْحَيَاة. والصينيون، وهم أقدم الْبشر مَدَنِيَّة، التزموا تَصْغِير أرجل الْبَنَات بالضغط عَلَيْهَا لأجل أَن يعسر عَلَيْهِنَّ الْمَشْي وَالسَّعْي فِي إِفْسَاد الْحَيَاة الشَّرِيفَة. ذَاك الشّرف الَّذِي هُوَ من أهم مَقَاصِد الشرقيين، بِخِلَاف الغربيين الَّذين لَا يهمهم غير التَّوَسُّع فِي الماديات والملذات. وَقد أمرت الشَّرِيعَة برعاية الْكَفَاءَة فِي الزَّوْج، وَذَلِكَ أَيْضا مرحمة بِالرِّجَالِ، وَأكْثر الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين أغفلوا لُزُوم تحري الْكَفَاءَة فِي جَانب الْمَرْأَة للرجل، وأوجبوا أَن يكون هُوَ فَقَط كُفؤًا لَهَا كي لَا تهلكه بفخارها وتحكمها. على أَن لرعاية الْكَفَاءَة فِي الْمَرْأَة للرجل أَيْضا مُوجبَات عائلية مهمة مِنْهَا: التخير للاستسلام والتخير لتربية النَّسْل، وللتساهل فِي ذَلِك دخل عَظِيم فِي انحلال الْأَخْلَاق فِي المدن. لِأَن التَّزَوُّج بمجهولات الْأُصُول أَو الْأَخْلَاق، أَو بسافلات الطباع والعادات، أَو بالغريبات جِنْسا أَو الرقيقات، مفاسد شَتَّى. لِأَن الرجل ينجر طَوْعًا أَو كرها لأخلاق زَوجته، فَإِن كَانَت سافلة يتسفل لامحالة، وَإِن كَانَت غَرِيبَة بغضته فِي أَهله وَقَومه، وجرته

стр. 179

إِلَى مُوالَاة قَومهَا والتخلق بأخلاقهم. وَلَا شكّ أَن هَذِه الْمفْسدَة تستحكم فِي الْأَوْلَاد أَكثر من الْأزْوَاج. وَرُبمَا كَانَ أكبر مسبب لانحلال أَخْلَاق الْأُمَرَاء من الْمُسلمين أَتَاهُم من جِهَة الْأُمَّهَات والزوجات السافلات، إِذْ كَيفَ يُرْجَى من امْرَأَة نشأت سافلة رقيقَة ذليلة أَن تتْرك بَعْلهَا، وَهُوَ فِي الْغَالِب أطوع لَهَا من خلْخَالهَا، أَن يُجيب دَاعِي شهامة أَو مُرُوءَة. أَو أَن تغرس فِي رُؤُوس صبيتها أميالاً سامية، أَو تحمسهم على أَعمال خطرة، كلا لَا تفعل ذَلِك أبدا. إِنَّمَا تَفْعَلهُ الشريفات اللَّاتِي تجدن فِي أَنْفسهنَّ عزة وشهامة وَهَذَا هُوَ سر أَن أعاظم الرِّجَال لَا يوجدون غَالِبا إِلَّا من أَبنَاء وبعول نسْوَة شريفات أَو بيُوت قروية. وَهَذَا هُوَ سَبَب حرص أُمَرَاء الْعَرَب والإفرنج على شرف الزَّوْجَات. ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي أَيْضا: وَإِنِّي أرى أَن هَذَا الفتور بَالغ فِي غَالب أهل الطَّبَقَة الْعليا من الْأمة وَلَا سِيمَا فِي الشُّيُوخ مرتبَة (الخور

стр. 180

فِي الطبيعة) لأننا نجدهم: ينتقصون أنفسهم فِي كل شَيْء، ويتقاصرون عَن كل عمل، ويحجمون عَن كل أَقْدَام، ويتوقعون الخيبة فِي كل أمل. وَمن اقبح آثَار هَذَا الخور نظرهم الْكَمَال فِي الْأَجَانِب كَمَا ينظر الصّبيان الْكَمَال فِي آبَائِهِم ومعلميهم، فيندفعون لتقليد الْأَجَانِب واتباعهم فِيمَا يَظُنُّونَهُ رقة وظرافة وتمدناً. وينخدعون لَهُم فِيمَا يغشونهم بِهِ: كاستحسان ترك التصلب فِي الدّين والافتخار بِهِ، فمنهن من يستحي من الصَّلَاة فِي غير الخلوات. وكإهمال التَّمَسُّك بالعادات القومية، فَمنهمْ من يستحي من عمَامَته. وكالبعد عَن الاعتزاز بالعشيرة كَانَ قَومهمْ من سقط الْبشر. وكنبذ التحزب للرأي كَأَنَّهُمْ خلقُوا قاصرين. وكالغفلة عَن إِيثَار الْأَقْرَبين فِي الْمَنَافِع. وكالقعود عَن التناصر والتزاحم بَينهم كي لَا يشم من ذَلِك رَائِحَة التعصب الديني وَإِن كَانَ على الْحق. إِلَى نَحْو ذَلِك من الْخِصَال الذميمة فِي أهل الخور من الْمُسلمين، الحميدة فِي الْأَجَانِب، لِأَن الْأَجَانِب يموهون عَلَيْهِم بِأَنَّهُم يحسنون التحلي بهَا دونهم. وَهَؤُلَاء الواهنة يحِق لَهُم أَن تشق عَلَيْهِم مُفَارقَة حالات ألفوها عمرهم، كَمَا قد يألف الْجِسْم السقم فَلَا تلذ لَهُ الْعَافِيَة، فَإِنَّهُم مُنْذُ
следующие страницы →