Полный текст (243 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
يرتب أُمُوره الدِّينِيَّة ولذاته الفكرية وشهواته الجسمية ترتيباً حسنا، لَا يحمل نَفسه مِنْهَا مَا لَا تطِيق الِاسْتِمْرَار عَلَيْهِ.
خَامِسًا - يرتب ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعداده الْحَقِيقِيّ. فَلَا يتْرك نَفسه تتطاول إِلَى مقامات لَيْسَ من شَأْن قوته المادية أَن يبلغهَا إِلَّا بمحض الْحَظ أَي الصدف.
وخلاصة الْبَحْث أَن الغرارة من أقوى أَسبَاب الفتور، وَقد أطلت فِي وصفهَا وإيضاحها ليتأكد عِنْد السَّادة الإخوان أَن إِزَالَة أَسبَاب الفتور الشخصي لَيْسَ من عقيمات الْأُمُور.
ثمَّ قَالَ: أَن لانحلال أَخْلَاقنَا سَببا مهما آخر أَيْضا يتَعَلَّق بِالنسَاء، وَهُوَ تركهن جاهلات على خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ أسلافنا، حَيْثُ كَانَ يُوجد فِي نسائنا كَأُمّ الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ﵂ الَّتِي أَخذنَا عَنْهَا نصف عُلُوم ديننَا؛ وكمئات من الصحابيات والتابعيات راويات الحَدِيث والمتفقهات، فضلا عَن أُلُوف من العالمات والشاعرات اللَّاتِي فِي وجودهن فِي الْعَهْد الأول بِدُونِ إِنْكَار، حجَّة دامغة ترغم أنف غيرَة الَّذين يَزْعمُونَ أَن جهل النِّسَاء أحفظ لعفتهن؛ فضلا عَن أَنه لَا يقوم لَهُم برهَان على مَا يتوهمون، حَتَّى يَصح الحكم
стр. 177
بِأَن الْعلم يَدْعُو للفجور وان الْجَهْل يَدْعُو للعفة؛ نعم رُبمَا كَانَت العالمة أقدر على الْفُجُور من الجاهلة، وَلَكِن الجاهلة أجسر عَلَيْهِ من العالمة.
ثمَّ أَن ضَرَر جهل النِّسَاء وَسُوء تَأْثِيره فِي أَخْلَاق الْبَنِينَ وَالْبَنَات أَمر وَاضح غَنِي عَن الْبَيَان، إِنَّمَا سوء تَأْثِيره على أَخْلَاق الْأزْوَاج فِيهِ بعض خَفَاء يسْتَلْزم الْبَحْث، فَأَقُول:
أَن الرِّجَال ميالون بالطبع إِلَى زوجاتهم، وَالْمَرْأَة أقدر مُطلقًا من الرجل فِي ميدان التجاذب للأخلاق، وَلَا يتَوَهَّم عكس ذَلِك إِلَّا من استحكم فِيهِ تغرير زَوجته لَهُ بِأَنَّهَا ضَعِيفَة مسكينة مسخرة لإرادته.
حَال كَون حَقِيقَة الْأَمر أَنَّهَا قابضة على زمامه تسوقه كَيفَ شَاءَت، وبتعبير آخر يغره أَنه أمامها وَهِي تتبعه، فيظن أَنه قَائِد لَهَا، والحقيقة الَّتِي يَرَاهَا كل النَّاس من حولهما دونه أَنَّهَا إِنَّمَا تمشي وَرَاءه بِصفة سائق لَا تَابع.
وَمَا قدر قدر دهاء النِّسَاء مثل الشَّرِيعَة الإسلامية، حَيْثُ أمرت بالحجب وَالْحجر الشرعيين حصراً لسلطتهن وتفرغهن لتدبير الْمنزل، فَأمرت باحتجابهن احتجاباً محدوداً بِعَدَمِ إبداء الزِّينَة للرِّجَال الْأَجَانِب، وَعدم الِاجْتِمَاع بهم فِي خلْوَة أَو لغير لُزُوم. وَأمرت
стр. 178
باستقرارهن فِي الْبيُوت إِلَّا لحَاجَة. وَلَا شكّ أَنه مَا وَرَاء هَذِه الْحُدُود إِلَّا فتح بَاب الْفُجُور، وَمَا هَذَا التَّحْدِيد إِلَّا مرحمة بِالرِّجَالِ وتوزيعاً لوظائف الْحَيَاة.
والصينيون، وهم أقدم الْبشر مَدَنِيَّة، التزموا تَصْغِير أرجل الْبَنَات بالضغط عَلَيْهَا لأجل أَن يعسر عَلَيْهِنَّ الْمَشْي وَالسَّعْي فِي إِفْسَاد الْحَيَاة الشَّرِيفَة. ذَاك الشّرف الَّذِي هُوَ من أهم مَقَاصِد الشرقيين، بِخِلَاف الغربيين الَّذين لَا يهمهم غير التَّوَسُّع فِي الماديات والملذات.
وَقد أمرت الشَّرِيعَة برعاية الْكَفَاءَة فِي الزَّوْج، وَذَلِكَ أَيْضا مرحمة بِالرِّجَالِ، وَأكْثر الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين أغفلوا لُزُوم تحري الْكَفَاءَة فِي جَانب الْمَرْأَة للرجل، وأوجبوا أَن يكون هُوَ فَقَط كُفؤًا لَهَا كي لَا تهلكه بفخارها وتحكمها. على أَن لرعاية الْكَفَاءَة فِي الْمَرْأَة للرجل أَيْضا مُوجبَات عائلية مهمة مِنْهَا: التخير للاستسلام والتخير لتربية النَّسْل، وللتساهل فِي ذَلِك دخل عَظِيم فِي انحلال الْأَخْلَاق فِي المدن. لِأَن التَّزَوُّج بمجهولات الْأُصُول أَو الْأَخْلَاق، أَو بسافلات الطباع والعادات، أَو بالغريبات جِنْسا أَو الرقيقات، مفاسد شَتَّى. لِأَن الرجل ينجر طَوْعًا أَو كرها لأخلاق زَوجته، فَإِن كَانَت سافلة يتسفل لامحالة، وَإِن كَانَت غَرِيبَة بغضته فِي أَهله وَقَومه، وجرته
стр. 179
إِلَى مُوالَاة قَومهَا والتخلق بأخلاقهم. وَلَا شكّ أَن هَذِه الْمفْسدَة تستحكم فِي الْأَوْلَاد أَكثر من الْأزْوَاج.
وَرُبمَا كَانَ أكبر مسبب لانحلال أَخْلَاق الْأُمَرَاء من الْمُسلمين أَتَاهُم من جِهَة الْأُمَّهَات والزوجات السافلات، إِذْ كَيفَ يُرْجَى من امْرَأَة نشأت سافلة رقيقَة ذليلة أَن تتْرك بَعْلهَا، وَهُوَ فِي الْغَالِب أطوع لَهَا من خلْخَالهَا، أَن يُجيب دَاعِي شهامة أَو مُرُوءَة. أَو أَن تغرس فِي رُؤُوس صبيتها أميالاً سامية، أَو تحمسهم على أَعمال خطرة، كلا لَا تفعل ذَلِك أبدا. إِنَّمَا تَفْعَلهُ الشريفات اللَّاتِي تجدن فِي أَنْفسهنَّ عزة وشهامة وَهَذَا هُوَ سر أَن أعاظم الرِّجَال لَا يوجدون غَالِبا إِلَّا من أَبنَاء وبعول نسْوَة شريفات أَو بيُوت قروية. وَهَذَا هُوَ سَبَب حرص أُمَرَاء الْعَرَب والإفرنج على شرف الزَّوْجَات.
ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي أَيْضا: وَإِنِّي أرى أَن هَذَا الفتور بَالغ فِي غَالب أهل الطَّبَقَة الْعليا من الْأمة وَلَا سِيمَا فِي الشُّيُوخ مرتبَة (الخور
стр. 180
فِي الطبيعة) لأننا نجدهم: ينتقصون أنفسهم فِي كل شَيْء، ويتقاصرون عَن كل عمل، ويحجمون عَن كل أَقْدَام، ويتوقعون الخيبة فِي كل أمل.
وَمن اقبح آثَار هَذَا الخور نظرهم الْكَمَال فِي الْأَجَانِب كَمَا ينظر الصّبيان الْكَمَال فِي آبَائِهِم ومعلميهم، فيندفعون لتقليد الْأَجَانِب واتباعهم فِيمَا يَظُنُّونَهُ رقة وظرافة وتمدناً. وينخدعون لَهُم فِيمَا يغشونهم بِهِ: كاستحسان ترك التصلب فِي الدّين والافتخار بِهِ، فمنهن من يستحي من الصَّلَاة فِي غير الخلوات. وكإهمال التَّمَسُّك بالعادات القومية، فَمنهمْ من يستحي من عمَامَته. وكالبعد عَن الاعتزاز بالعشيرة كَانَ قَومهمْ من سقط الْبشر. وكنبذ التحزب للرأي كَأَنَّهُمْ خلقُوا قاصرين. وكالغفلة عَن إِيثَار الْأَقْرَبين فِي الْمَنَافِع. وكالقعود عَن التناصر والتزاحم بَينهم كي لَا يشم من ذَلِك رَائِحَة التعصب الديني وَإِن كَانَ على الْحق. إِلَى نَحْو ذَلِك من الْخِصَال الذميمة فِي أهل الخور من الْمُسلمين، الحميدة فِي الْأَجَانِب، لِأَن الْأَجَانِب يموهون عَلَيْهِم بِأَنَّهُم يحسنون التحلي بهَا دونهم.
وَهَؤُلَاء الواهنة يحِق لَهُم أَن تشق عَلَيْهِم مُفَارقَة حالات ألفوها عمرهم، كَمَا قد يألف الْجِسْم السقم فَلَا تلذ لَهُ الْعَافِيَة، فَإِنَّهُم مُنْذُ
стр. 181
نعومة أظفارهم تعلمُوا الْأَدَب مَعَ الْكَبِير، يقبلُونَ يَده أَو ذيله أَو رجله، وألفوا الاحترام فَلَا يدوسون الْكَبِير وَلَو داس رقابهم. وألفوا الثَّبَات ثبات الْأَوْتَاد تَحت المطارق. وألفوا الانقياد وَلَو إِلَى المهالك. وألفوا أَن تكون وظيفتهم فِي الْحَيَاة دون النَّبَات، ذَاك يَتَطَاوَل وهم يتقاصرون، ذَاك يطْلب السَّمَاء وهم يطْلبُونَ الأَرْض كَأَنَّهُمْ للْمَوْت مشتاقون.
وَهَكَذَا طول الألفة على هَذِه الْخِصَال قلب فِي فكرهم الْحَقَائِق، وَجعل عِنْدهم لمخازي مفاخر؛ فصاروا يسمون التصاغر أدباً، والتذلل لطفاً، والتملق فصاحة، واللكنة رزانة، وَترك الْحُقُوق سماحة، وَقبُول الإهانة تواضعاً، والرضاء بالظلم طَاعَة. كَمَا يسمون دَعْوَى الِاسْتِحْقَاق غرُورًا، وَالْخُرُوج عَن الشَّأْن الذاتي فضولاً، وَمد النّظر إِلَى الْغَد أملاً، والإقدام تهوراً، وَالْحمية حَمَاقَة، والشهامة شراسة، وحرية القَوْل وقاحة، وَحب الوطن جنونا.
ثمَّ قَالَ: وليعلم أَن الناشئة الَّذين تعقد الْأمة آمالها بأحلامهم عَسى يصدق مِنْهَا شَيْء، وتتعلق الأوطان بحبال همتهم عساهم يأْتونَ فعلا مَذْكُورا، هم أُولَئِكَ الشَّبَاب وَمن فِي حكمهم المحمديون المهذبون، الَّذين يُقَال فيهم أَن شباب رَأْي الْقَوْم عِنْد شبابهم الَّذين يفتخرون
стр. 182
بدينهم فيحرصون على الْقيام بمبانيه الأساسية نَحْو الصَّلَاة وَالصَّوْم، ويتجنبون مناهيه الْأَصْلِيَّة نَحْو الميسر والمسكرات. الَّذين لَا يقصرون بِنَاء قُصُور الْفَخر على عِظَام نخرها الدَّهْر، وَلَا يرضون أَن يَكُونُوا حَلقَة سَاقِطَة بَين الأسلاف والإخلاف، الَّذين يعلمُونَ انهم خلقُوا أحراراً فيأبون الذل والأسار. الَّذين يودون أَن يموتوا كراماً وَلَا يحيون لِئَامًا، الَّذين يجهدون أَن ينالوا حَيَاة رضية، حَيَاة قوم كل فَرد مِنْهُم سُلْطَان مُسْتَقل فِي شؤونه لَا يحكمه غير الدّين، وَشريك أَمِين لِقَوْمِهِ يقاسمهم ويقاسمونه الشَّقَاء والهناء، وَولد بار بوطنه لَا يبخل عَلَيْهِ بِجُزْء طفيف من فكره وَوَقته وَمَاله. الَّذين يحبونَ وطنهم حب من يعلم أَنه خلق من ترابه. الَّذين يعشقون الإنسانية ويعلمون أَن البشرية هِيَ الْعلم والبهيمية هِيَ الْجَهَالَة. الَّذين يعتبرون أَن خير النَّاس أنفعهم للنَّاس. الَّذين يعْرفُونَ أَن الْقنُوط وباء الآمال والتردد وباء الْأَعْمَال. الَّذين يفقهُونَ أَن الْقَضَاء وَالْقدر هما السَّعْي وَالْعَمَل. الَّذين يوقنون أَن كل مَا على الأَرْض من أثر هُوَ من عمل أمثالهم الْبشر، فَلَا يتخيلون إِلَّا الْمقدرَة وَلَا يتوقعون من الأقدار إِلَّا خيرا.
وَأما الناشئة المتفرنجة فَلَا خير فيهم لأَنْفُسِهِمْ فضلا عَن أَن
стр. 183
ينفعوا أقوامهم وأوطانهم شَيْئا وَذَلِكَ لأَنهم لَا خلاق لَهُم، تتجاذبهم الْأَهْوَاء كَيفَ شَاءَت، لَا يتبعُون مسلكاً وَلَا يَسِيرُونَ على ناموس مطرد، لأَنهم يحكمون الْحِكْمَة فيفتخرون بدينهم وَلَكِن لَا يعْملُونَ بِهِ تهاونا وكسلاً. ويرون غَيرهم من الْأُمَم يتباهون بأقوامهم ويستحسنون عاداتهم ومميزاتهم فيميلون لمناظرتهم، وَلَكِن لَا يقوون على ترك التفرنج كَأَنَّهُمْ خلقُوا اتبَاعا. ويجدون النَّاس يعشقون أوطانهم فيندفعون للتشبه بهم فِي التشبيب والإحساس فَقَط، دون التشبث بِالْأَعْمَالِ الَّتِي يستوجبها الْحبّ الصَّادِق.
وَالْحَاصِل أَن شؤون الناشئة المتفرنجة أَيْضا لَا تخرج عَن تذبذب وتلون ونفاق، يجمعها وصف: " لَا خلاق لَهُم ". والواهنة خير مِنْهُم، متمسكون بِالدّينِ وَلَو رِيَاء. وبالطاعة وَلَو عمياء، على انه يُوجد
стр. 184
فِي المتفرنجة أَفْرَاد غيورون كالراسخين من أَحْرَار الأتراك، الملتهبين غَيره تَقْتَضِي احترام مزيتهم.
ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي: أَن الخور المبحوث فِيهِ عِلّة معدية تسري من الشُّيُوخ إِلَى الشَّبَاب وَمن الطَّبَقَة الْعليا إِلَى الْعَامَّة. وليت الشُّيُوخ والكبراء يرضون بِمَا كتبه الله عَلَيْهِم من الذلة والمسكنة، والخمول وَسُقُوط الهمة، والدناءة والاستسلام، فَيتْركُوا أهل النشأة الجديدة وشأنهم، لَا يستهزؤن وَلَا يعطلون، وَلَا يسفهون وَلَا شبطون. وَمَا أظنهم بفاعلين ذَلِك أبدا إِلَّا أَن تتصدى لَهُم جرائد مَخْصُوصَة تقابلهم باللوم والتبكيت، وتسلط عَلَيْهِم أَقْلَام الأدباء وَالسّنة الشُّعَرَاء، بِوَضْع أهاجي وأناشيد بعبائر بسيطة محلاة بنكت مضحكة لكَي تَنْتَشِر حَتَّى على السّنة الْعَامَّة. وبمثل هَذَا التَّدْبِير تثور حَرْب أدبية بَين الناشئة والواهنة، لَا تلبث أَن تَنْتَهِي بانكسار الفئة الثَّانِيَة: أُولَئِكَ البائسين الفاشلين، المتواكلين، المتقاعسين، المتخاذلين، المتشاكسين، العاجزين عَن كل شَيْء إِلَّا التعطيل.
وَمن رَاجع تواريخ الْأُمَم الَّتِي استرجعت نشأتها والدول الَّتِي جددت عصبيتها، يجد من حكمائها ونجبائها مثل حسان قُرَيْش وكميت العباسيين، ولوثر الألمانيين وفولتر الفرنساويين، قد تغلبُوا على
стр. 185
الْفِكر الواهن وأنصاره من الْأَشْرَاف والشيوخ وَأهل العناد وَالْفساد، بِحمْل لِوَاء الناشئة وإثارة حَرْب أدبية حماسية بَين الفئتين. على أننا نَحن تكفينا الضوضاء وَلَا يحْتَاج قطّ للفوضى، لِأَن واهنتنا أَضْعَف من أَن تحوجنا أَن نَنْتَظِر أم حسان تَلد حسانا، وَرب حِيلَة أَنْفَع من قَبيلَة. (١٩٢٣٤١٧٤١٦٨٢٤٢١٣١١٢٤١١١٨٤٩٩٨٤٧٧٤٢٤٠٤٣٣٣٢١ ٤١٧٧٦٦٨٧٥٣٩٣٤٢٣٣٤٣٥٤٢٩٣٤٨٤٧٢٢٦٤٢٥٥٤٤٢٤٢٤٨٢٢١٣٠٧ ٥٥٨٧٥٣٢٢٨٨٩٣٥٧٤٥١٩٠٥٠٥٣٣٤٧٧٦٦٢٤٥٥٢٤٣٨٩٢٤٢٤٤٢٢٩ ٢٥٩٤٤١٠٢٦١١١٨١٠١٤٩٧٧٥) وَهَذَا أنجع دَوَاء وَالله ولي النيات.
ثمَّ ختم السَّيِّد الفراتي كَلَامه بقوله: هَذَا مَا سنح لي فِي هَذَا المرام وَقَامَ وتبادل مَعَ الْفَاضِل الشَّامي والبليغ الإسكندري الْمقَام.
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: إِن مبَاحث الجمعية قد استوفت حَقّهَا، وكفانا السَّيِّد الفراتي تَلْخِيص أَسبَاب الفتور مِنْهَا، وَلَا أرى لُزُوما لتلخيص بَقِيَّة المباحث الدِّينِيَّة.
وَقد أَعْطَانِي أخونا المدقق التركي رَئِيس لجنة القانون (السانحة) الَّتِي وَضَعتهَا اللجنة، مطبوعة فِي نسخ على عدد الإخوان لتوزع عَلَيْهِم، فيطالعها كل مِنْهُم ويدققها قبل وَضعهَا فِي اجتماعنا غَدا فِي موقع المذاكرات، حَيْثُ يبْحَث فِيهَا قَضِيَّة قَضِيَّة بِدُونِ جزاف،
стр. 186
وَأما الْيَوْم فقد حل أَوَان الِانْصِرَاف.
بَادر السَّيِّد الفراتي، وَفرق على كل وَاحِد من أَعْضَاء الجمعية نُسْخَة من سانحة القانون فَأَخَذُوهَا وَتَفَرَّقُوا.
стр. 187
الِاجْتِمَاع التَّاسِع
ويتبعه الِاجْتِمَاع الْعَاشِر وَالْحَادِي عشر
يَوْم السبت السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦
فِي صباح الْيَوْم الْمَذْكُور انْعَقَدت الجمعية وَقَرَأَ كاتبها السَّيِّد الفراتي ضبط مفاوضات الْيَوْم السَّابِق حسب الْأُصُول المرعية.
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: أننا نَقْرَأ الْيَوْم قانون الجمعية، وَقد علم الإخوان من مطالعة السانحة الَّتِي وَضَعتهَا اللجنة، إِن هَذَا القانون هُوَ الْآن فِي حكم قانون مُؤَقّت، إِلَى أَن تتشكل الجمعية الدائمة إِن شَاءَ الله وتزاول وظائفها. فَهِيَ تعيد النّظر فِيهِ وتعتني بتطبيقه على الموجبات والتجربات، ثمَّ تعرضه على الجمعية الْعَامَّة الَّتِي سَيَأْتِي ذكرهَا فِيهِ، فَإِذا أمضته صَار حِينَئِذٍ قانونا راسخاً.
فلنقرأ الْآن قضايا القانون فقرة فقرة، حَتَّى إِذا كَانَ لأحد الإخوان مُلَاحظَة على بعض الفقرات مِنْهُ فليبدها عِنْد قرَاءَتهَا، وَبعد المناقشة أما تقبل أَو ترد أَو تعدل بالأكثرية. وعَلى كل حَال
стр. 188
تضبط المناقشة فِي سجل مَخْصُوص يكون كشرح للقضايا يرجع إِلَيْهِ عِنْد اللُّزُوم.
ثمَّ أَمر الْأُسْتَاذ الرئيس بِقِرَاءَة سانحة القانون فقرئت، وَجَرت على بعض القضايا وَبَعض الفقرات مِنْهَا مناقشات، وَتَوَلَّى المدقق التركي رَئِيس اللجنة إِعْطَاء الإيضاحات اللَّازِمَة عَن الْمَقَاصِد الَّتِي لاحظتها اللجنة فِيهِ، فَقبل أَكثر قضاياه وَعدل بَعْضهَا، وضبطت المناقشات على حِدة.
وَقد استغرقت مبَاحث القانون جلْسَة ذَلِك الْيَوْم، وَكَذَلِكَ جلْسَة الِاجْتِمَاع الْعَاشِر المنعقد يَوْم الْأَحَد الثَّامِن وَالْعِشْرين من الشَّهْر، وجلسة الِاجْتِمَاع الْحَادِي عشر المنعقد مسَاء الْأَحَد أَي لَيْلَة الِاثْنَيْنِ.
стр. 189
الِاجْتِمَاع الثَّانِي عشر
يَوْم الِاثْنَيْنِ التَّاسِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة سنة ١٣١٦
فِي صباح الْيَوْم الْمَذْكُور انتظمت الجمعية حسب معتادها.
أَمر الْأُسْتَاذ الرئيس بِقِرَاءَة القانون الَّذِي تقرر فِي الاجتماعات الثَّلَاثَة السَّابِقَة متْنا مُجَردا فقرئ وَهَذِه صورته:
قانون جمعية تَعْلِيم الْمُوَحِّدين
الْمُقدمَة
قد تقرر فِي الجمعية المنعقدة فِي مَكَّة المكرمة فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ عشرَة وثلاثمأة وَألف، الْمُسَمَّاة (جمعية أم الْقرى) ، النتائج الْآتِيَة:
١ - الْمُسلمُونَ فِي حَالَة فتور مستحكم عَام.
٢ - يجب تدارك هَذَا الفتور سَرِيعا، وَإِلَّا فتنحل عصبيتهم كلياً.
٣ - سَبَب الفتور تهاون الْحُكَّام، ثمَّ الْعلمَاء، ثمَّ الْأُمَرَاء.
стр. 190
٤ - جرثومة الدَّاء الْجَهْل الْمُطلق.
٥ - أضرّ فروع الْجَهْل: الْجَهْل فِي الدّين.
٦ - الدَّوَاء هُوَ: أَولا تنوير الأفكار بالتعليم، ثَانِيًا إِيجَاد شوق للترقي فِي رُؤُوس الناشئة.
٧ - وَسِيلَة المداواة عقد الجمعيات التعليمية القانونية.
٨ - المكلفون بِالتَّدْبِيرِ هم حكماء ونجباء الْأمة من السراة وَالْعُلَمَاء.
٩ - الْكَفَاءَة لإِزَالَة الفتور بالتدريج مَوْجُودَة فِي الْعَرَب خَاصَّة
١٠ - يلْزم تشكيل جمعية ذَات مَكَانَهُ ونفوذ فِي دَائِرَة القانون الْآتِي الْبَيَان باسم: (جمعية تَعْلِيم الْمُوَحِّدين) .
стр. 191
الْفَصْل الأول
فِي تشكيل الجمعية
قَضِيَّة " ١ "
تتشكل الجمعية من مائَة عُضْو. مِنْهُم عشرَة عاملون وَعشرَة مستشارون وَثَمَانُونَ فخريون، ويرتبط بالجمعية أَعْضَاء محتسبون لَا يتَعَيَّن عَددهمْ.
قَضِيَّة " ٢ "
يجب أَن يكون الْأَعْضَاء كلهم متصفين بست صِفَات عَامَّة وَهِي:
١ - سَلامَة الْحَواس، وَكَون السن بَين الثَّلَاثِينَ وَالسِّتِّينَ ابْتِدَاء.
٢ - الإسلامية، من أَي مَذْهَب كَانَ من مَذَاهِب أهل الْقبْلَة.
٣ - الْعَدَالَة، بِحَيْثُ يكون غير متجاهر بِمَعْصِيَة شَرْعِيَّة إجماعية، وَلَا متلبس أَو مَعْرُوف بخلة مُنَافِيَة للمروءة.
٤ - المزية بِعلم أَو جاه أَو ثروة.
٥ - الْكِتَابَة بإتقان، فِي لُغَة مَا وَلَو عامية.
стр. 192
٦ - النشاط، بِأَن يكون ذَا همة ونجدة وحمية.
قَضِيَّة " ٣ "
يشْتَرط فِي الْأَعْضَاء العاملين والمستشارين زِيَادَة أَربع صِفَات على مَا سبق وَهِي:
١ - الْقُدْرَة على التَّكَلُّم وَالْكِتَابَة بِالْعَرَبِيَّةِ.
٢ - إِمْكَان الْإِقَامَة ثَمَانِيَة أشهر فِي مَرْكَز الجمعية وَهِي مَا عدا ذَا الْحجَّة ومحرماً وصفراً أَو شهر ربيع الأول.
٣ - تفرغ العاملين للحضور فِي نَادِي الجمعية أَربع سَاعَات فِي كل يَوْم مَا عدا الْجُمُعَة والأعياد.
٤ - تفرغ المستشارين لحضور جلْسَة يَوْم وَاحِد فِي كل أُسْبُوع.
قَضِيَّة " ٤ "
يشْتَرط فِي الْأَعْضَاء الفخريين زِيَادَة ثَلَاث صِفَات وَهِي:
١ - الْقُدْرَة على الْكِتَابَة فِي إِحْدَى اللُّغَات الْأَرْبَع وَهِي الْعَرَبيَّة والتركية والفارسية والأوردية.
٢ - الاستعداد لمراسلة الجمعية بِإِحْدَى هَذِه اللُّغَات الْأَرْبَع فِي كل شهر مرّة بمقالة أَو رِسَالَة أَو فصل من تأليف يقترح مَوْضُوعه من قبل الجمعية أَو هُوَ يتخيره، والجمعية تستصوبه وتقرره.
стр. 193
٣ - الأذعان لانتقادات وتنقيحات الجمعية وتصحيحها.
قَضِيَّة " ٥ "
تتشكل جمعية عَامَّة فِي كل سنة مرّة فِي أَوَائِل ذِي الْقعدَة يدعى إِلَيْهَا جَمِيع الْأَعْضَاء حَتَّى المحتسبون، فيحضرها الْأَعْضَاء الْعَامِلُونَ مُطلقًا وَمن شَاءَ من البَاقِينَ.
قَضِيَّة " ٦ "
الجمعية الْعَامَّة، بالمذاكرة والانتخاب الْخَفي والأكثرية الْمُطلقَة، تميز أَولا المترشحين للهيئة العاملة، ثمَّ المترشحين للهيئة المستشارة.
قَضِيَّة " ٧ "
الهيئتان العاملة والمستشارة تجتمعان، وبالمذاكرة وأكثرية الثُّلثَيْنِ تميزان أَولا المترشحين مِنْهَا للرياسة، ولنيابة الرياسة، وللكتابة الأولى، وللكتابة الثَّانِيَة، ولأمانة المَال، ثمَّ تنتخبان من المترشحين رَئِيسا لأجل سنة، ونائب رَئِيس لأجل سنتَيْن، وكاتباً أَولا لأجل ثَلَاث سِنِين، وكاتباً ثَانِيًا، وَأمين مَال لأجل أَربع سِنِين.
стр. 194
قَضِيَّة " ٨ "
الهيئتان العاملة والمستشارة يدققون صِفَات الَّذين يُرَاد أَن يَكُونُوا من الْأَعْضَاء الفخريين أَو المحتسبين، ثمَّ بالانتخاب الْخَفي والأكثرية الْمُطلقَة يقبلُونَ أَو يردون.
قَضِيَّة " ٩ "
للهيئتين العاملة والمستشارة أَن يرفعوا صفة العضوية عَمَّن يعلم وُقُوع حَالَة مِنْهُ تستوجب ذَلِك، وتتحقق خفِيا، وَتصدق بأكثرية الثُّلثَيْنِ.
قَضِيَّة ١٠ "
الجمعية الْعَامَّة تقوم بِأَرْبَع وظائف وَهِي:
١ - تدقيق إجمالي فِي جَمِيع الْأَعْمَال الَّتِي أجرتهَا الجمعية فِي السّنة الْمَاضِيَة.
٢ - تدقيق حساباتها الْمَاضِيَة.
٣ - تَقْرِير مَا يلْزم التشبث بِهِ من الْأَعْمَال الْكَبِيرَة فِي السّنة الْمُسْتَقْبلَة.
٤ - تَقْرِير نفقات السّنة الْقَابِلَة.
قَضِيَّة " ١١ "
المركز الرسمي للجمعية مَكَّة المكرمة، وَلها شعبات فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة ومصر وعدن وَحَائِل وَالشَّام وتفليس وطهران وخيوه وكابل وكلكته ودهلي وسنكابور وتونس ومراكش وَغَيرهَا من المواقع الْمُنَاسبَة.
стр. 195
قَضِيَّة " ١٢ "
يكون تشكيل الشعبات على نمط تشكيل الجمعية المركزية مُصَغرًا. وَتَكون مرتبطة تَمامًا بالجمعية فِيمَا عدا ماليتها وجزئيات أمورها، فَإِن لَهَا الْخِيَار أَن تكون مُسْتَقلَّة الْمَالِيَّة والإدارة.
قَضِيَّة " ١٣ "
تتشكل الشعبات على التَّرَاخِي، وَيُعْطى للْبَعْض الْمُنَاسب الْموقع مِنْهَا هَيْئَة تصلح مَعهَا لِأَن تتَّخذ عِنْد مَسِيس الْحَاجة هِيَ المركز الْأَصْلِيّ.
стр. 196
فارغ
стр. 197
الْفَصْل الثَّانِي
فِي مباني الجمعية
قَضِيَّة " ١٤ "
الجمعية لَا تتداخل فِي الشؤون السياسية مُطلقًا فِيمَا عدا إرشادات وإخطارات بمسائل أصُول التَّعْلِيم وتعميمه.
قَضِيَّة " ١٥ "
لَيْسَ من شان الجمعية أَن تكون تَابِعَة أَو مرتبطة بحكومة مَخْصُوصَة، على أَنَّهَا تقبل المعاونة أَو المعاضدة من قبل السلاطين الْعِظَام والأمراء الفخام المستقلين وَالتَّابِعِينَ بِصفة حماة فخريين
قَضِيَّة ١٦ "
لَا تنتسب الجمعية إِلَى مَذْهَب أَو شيعَة مَخْصُوصَة من مَذَاهِب وشيع الْإِسْلَام مُطلقًا.
قَضِيَّة " ١٧ "
توفق الجمعية مسلكها الديني على المشرب السلَفِي المعتدل، وعَلى نبذ كل
стр. 198
زِيَادَة وبدعة فِي الدّين، وعَلى عدم الْجِدَال فِيهِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن.
قَضِيَّة " ١٨ "
يكون شعار الجمعية القولي: (لَا نعْبد إِلَّا الله) . وشعارها الْفعْلِيّ الْتِزَام (المصافحة) على وَجه السّنة. ووجهتها: (الْغيرَة على الدّين قبل الشَّفَقَة على الْمُسلمين) . وأهم أَعمالهَا (تَعْلِيم الْأَحْدَاث وتهذيبهم) تراجع قَضِيَّة ٤٦ و ٤٧ و ٤٨
قَضِيَّة " ١٩ "
أَعْضَاء الجمعية لَا يتكلفون التناصر والتعاون فِيمَا هُوَ لَيْسَ من مَقَاصِد الجمعية، أَي التعاون بِالْمَالِ أَو الجاه فِيمَا بَينهم إِلَّا لمن يصاب ويتضرر بِسَبَب الجمعية.
قَضِيَّة " ٢٠ "
تتكفل الجمعية بإعاشة عدد مَخْصُوص من أَصْحَاب المزايا العلمية الْخَاصَّة، أَو العزائم الخارقة الْعَادة، بِشَرْط أَن يَكُونُوا مجردين لَا عِيَال لَهُم أَو شبيهين بالمجردين.
стр. 199
الْفَصْل الثَّالِث
فِي مَالِيَّة الجمعية
قَضِيَّة " ٢١ "
نفقات الجمعية تبنى على غابة البساطة والاقتصاد وَهِي تِسْعَة أَنْوَاع:
١ - إِكْمَال كِفَايَة الْهَيْئَة العاملة بِمَا لَا يزِيد على سِتِّينَ ذَهَبا انكليزياً لكل وَاحِد فِي السّنة.
٢ - رواتب الْكتاب والمترجمين والخدم.
٣ - أجره محلات المركز والشعب غير المستقلة مالياً.
٤ - مصاريف الْبعُوث المتجولة.
٥ - مصاريف المطبوعات.
٦ - مصاريف التَّحْرِير والتأليف.
٧ - مصاريف الْبَرِيد والمخابرات.
٨ - كِفَايَة الْمَكْفُول أعاشتهم الْمَذْكُورين فِي الْقَضِيَّة (٢٠) .
٩ - المصاريف المتفرقة.
قَضِيَّة " ٢٢ "
تعتمد الجمعية فِي الْحُصُول على نفقاتها على جِهَتَيْنِ فَقَط: النّصْف من ربح
стр. 200
مطبوعات الجمعية، أَي طبع المؤلفات الْآتِي ذكرهَا فِي الْفَصْل التَّالِي من نَحْو طبع الْمُصحف الشريف بِصُورَة متقنة للغاية تستوجب الِاخْتِصَاص بطبعه، وَالنّصف الآخر من إعانات أَصْحَاب الحمية والنجدة من أُمَرَاء وأغنياء الْأمة وَبَعض الْأَعْضَاء المحتسبين.
قَضِيَّة " ٢٣ "
أَمِين المَال يكون من أَغْنِيَاء التُّجَّار الْمَشَاهِير المقيمين فِي مَرْكَز الجمعية وَيكون من جملَة الْأَعْضَاء المستشارين، وَيقوم بِهَذِهِ الْخدمَة حسبَة لرَبه وَدينه، وَيكون المَال فِي يَده بِوَجْه مَضْمُون.
قَضِيَّة " ٢٤ "
أَمِين المَال يُعْطي وصولات بمقبوضاته تكون مطبوعة مرقوما عَلَيْهَا عدد متسلسل، ومرقما فِي جَانب مِنْهَا مَجْمُوع الْوَارِد ومجموع المصروف فِي تِلْكَ السّنة بِاعْتِبَار غَايَة الشَّهْر الْعَرَبِيّ المنصرم.
قَضِيَّة " ٢٥ "
أَمِين المَال لَا يصرف شَيْئا إِلَّا بِوَرَقَة صرف مطبوعة مرقما عَلَيْهَا عدد متسلسل وموقعا عَلَيْهَا من الْقَابِض وَكَاتب الجمعية ورئيسها.
стр. 201
الْفَصْل الرَّابِع
فِي وظائف الجمعية
قَضِيَّة " ٢٦ "
الهيئتان العاملة والمستشارة بالِاتِّفَاقِ أَو أكثرية الثُّلثَيْنِ تعيدان النّظر فِي قانون الجمعية مرّة ابْتِدَاء، ثمَّ كل ثَلَاث سِنِين مرّة، وتنظمان القوانين الَّتِي تلْزم؛ وَيجب مُطلقًا أَن يكون تَرْتِيب القوانين تَابعا لقواعد التروي والتدقيق والتأمين. وترتبط كل قَضِيَّة بشرح مفصل مسجل يرجع إِلَيْهِ.
وَلَا يصير القانون دستوراً للْعَمَل إِلَّا بعد قِرَاءَته فِي الجمعية الْعَامَّة السنوية وقبوله. وَيجوز للهيئتين عِنْد الضَّرُورَة تَقْرِير إِجْرَاء الْبَعْض من أَحْكَام تِلْكَ القوانين مؤقتاً، ثمَّ تعرض على الجمعية الْعَامَّة الْأَسْبَاب الْمُجبرَة على التَّعْجِيل.
قَضِيَّة " ٢٧ "
إيقاظ فكر عُلَمَاء الدّين إِلَى الْأُمُور الْخَمْسَة الْآتِيَة، وتنشيطهم للسعي فِي حُصُولهَا ومساعدتهم باراءة أسهل الْوَسَائِل وأقربها وَهِي:
١ - تَعْمِيم الْقِرَاءَة وَالْكِتَابَة مَعَ تسهيل تعليمها.
٢ - التَّرْغِيب فِي الْعُلُوم والفنون النافعة الَّتِي هِيَ من قبيل الصَّنَائِع مَعَ تسهيل تعليمها وتلقيها.
стр. 202
٣ - تَخْصِيص كل من الْمدَارِس والمدرسين لنَوْع وَاحِد أَو نَوْعَيْنِ من الْعُلُوم والفنون ليوجد فِي الْأمة أَفْرَاد نابغون متخصصون.
٤ - إصْلَاح أصُول تَعْلِيم اللُّغَة الْعَرَبيَّة والعلوم الدِّينِيَّة وتسهيل تَحْصِيلهَا، بِحَيْثُ يبْقى فِي عمر الطَّالِب بَقِيَّة يصرفهَا فِي تَحْصِيل الْفُنُون النافعة.
٥ - الْجد وَرَاء تَوْحِيد أصُول التَّعْلِيم وَكتب التدريس.
قَضِيَّة " ٢٨ "
السَّعْي فِي تأليف متون مختصرة بسيطة وَاضِحَة على ثَلَاث مَرَاتِب:
١ - لتعليم المبتدئين أَو المكتفين بالمبادئ.
٢ - لتعليم المنتهين الطالبين الإتقان.
٣ - لتعليم النابغين الراغبين فِي الِاخْتِصَاص.
قَضِيَّة " ٢٩ "
الاهتمام فِي جعل المتعلمين والمعلمين على أَربع مَرَاتِب:
١ - الْعَامَّة ومعلموهم أَئِمَّة الْمَسَاجِد والجوامع الصَّغِيرَة
٢ - المهذبون ومعلموهم مدرسو الْمدَارِس العمومية والجوامع الْكَبِيرَة.
٣ - الْعلمَاء ومعلموهم مدرسو الْمدَارِس المختصة بالعلوم الْعَالِيَة.
٤ - النابغون ومعلموهم الأفاضل المتخصصون.
قَضِيَّة " ٣٠ "
السَّعْي لَدَى أُمَرَاء الْأمة بمعاملة كَافَّة طَبَقَات الْعلمَاء مُعَاملَة الْأَطِبَّاء، أَي بِالْحجرِ رسماً على من يتصدر للتدريس والإفتاء والوعظ والإرشاد مَا لم يكن مجَازًا
стр. 203
من قبل هَيْئَة امتحانية رسمية موثوق بهَا تُقَام فِي العواصم.
قَضِيَّة " ٣١ "
التوسل لَدَى الْأُمَرَاء أَن يُعْطوا لأحد الْعلمَاء الغيورين فِي كل بَلْدَة صفة محتسب ديني على جمَاعَة الْمُسلمين فِي تِلْكَ الْبَلدة، ويجعلوا لَهُ مستشارين منتخبين من عقلاء الأهالي. وتكليف هَذِه الجمعية الاحتسابية بَان تقوم بِالنَّصِيحَةِ للْمُسلمين بِدُونِ عنف، وبتسهيل تَعْمِيم المعارف والمحافظة على الْأَخْلَاق الدِّينِيَّة.
قَضِيَّة " ٣٢ "
التوسل لنيل الْعلمَاء مَا يسْتَحقُّونَ من رزق وَحُرْمَة، ومنعهم عَن كل مَا يخل بصفتهم وشرفهم.
قَضِيَّة " ٣٣ "
التوسل لحمل أهل الطرائق على الرُّجُوع إِلَى الْأُصُول الملائمة للشَّرْع وَالْحكمَة فِي الْإِرْشَاد وتربية المريدين. وتكليف كل فرقة مِنْهُم بوظيفة مَخْصُوصَة يخدمون بهَا الْأمة الإسلامية من نَحْو اخْتِصَاص فرقة كالقادرية مثلا بإعاشة وَتَعْلِيم الْأَيْتَام، وَأُخْرَى بمواساة الْمَسَاكِين وَأَبْنَاء السَّبِيل، وَجَمَاعَة بتمريض الْفُقَرَاء والبائسين، وَفِئَة بالتشويق إِلَى الصَّلَاة، وَغَيرهَا بالتنفير عَن المسكرات. وَنَحْو ذَلِك من الْمَقَاصِد الْخَيْرِيَّة الشَّرْعِيَّة فَيكون عَمَلهم هَذَا عوضا عَن العطل والتعطيل.
стр. 204
قَضِيَّة " ٣٤ "
حمل الْعلمَاء والمرشدين وجمعيات الاحتساب على السَّعْي لإرشاد أَفْرَاد الْأمة، خُصُوصا إحداثها، إِلَى قَوَاعِد معاشية وأخلاقية متحدة الْأُصُول تلائم الإسلامية وَالْحريَّة الدِّينِيَّة، وتفيد تريض الْأَجْسَام وتقوية المدارك، وتثمر النشاط للسعي وَالْعَمَل، وتولد الحمية والأخلاق الشَّرِيفَة.
قَضِيَّة " ٣٥ "
تعتني الجمعية بِصُورَة مَخْصُوصَة بِوَضْع مؤلفات أخلاقية ملائمة للدّين وللزمان، وَتَكون على مَرَاتِب من بسيطة ومتوسطة وعالية بِحَيْثُ تقوم هَذِه المؤلفات مقَام مطولات الصُّوفِيَّة.
ونقوم بِوَضْع مؤلفات اللُّغَة، وسطى عَرَبِيَّة لَا مضرية وَلَا عامية، وَجعلهَا لُغَة لبَعض الجرائد ولمؤلفات الخلاق وَنَحْوهَا مِمَّا يهم نشره بَين الْعَوام فَقَط. قَضِيَّة " ٣٦ "
تعتني الجمعية فِي حمل الْعلمَاء وجمعيات الاحتساب على تَعْلِيم الْأمة مَا يجب عَلَيْهَا شرعا من المجاملة فِي الْمُعَامَلَة من غير الْمُسلمين، وَمَا تَقْتَضِيه الإنسانية والمزايا
стр. 205
الإسلامية من حسن معاشرتهم ومقابلة معروفهم بِخَير مِنْهُ، ورعاية الذِّمَّة والتأمين والمساواة فِي الْحُقُوق، وتجنب التعصب الديني أَو الجنسي بِغَيْر حق.
قَضِيَّة " ٣٧ "
تنشر الجمعية رِسَالَة دينية عَرَبِيَّة فِي كل شهر يكون حجمها نَحْو مائَة صفحة بِحَيْثُ يتألف مِنْهَا كتاب فِي كل عَام، وَتَكون مباحثها ثَمَانِيَة أَنْوَاع يخصص لكل بحث قسم مِنْهَا وَهِي:
١ - مقرارات الجمعية وأعمالها وخلاصة المهم من مخابراتها مَعَ شعباتها.
٢ - مبَاحث دينية فِي مَوْضُوع سماحة الدّين ومزاياه السامية، وَدفع مَا يرْمى بِهِ بِهِ من منافته للحكمة والمدنية
٣ - قَوَاعِد أخلاقية ونصائح معاشية.
٤ - فُصُول فِي الْعُلُوم والفنون النافعة وَالتَّرْغِيب فِيهَا وأراءة طرائق تقلينها وتلقيها
٥ - المقالات المفيدة الَّتِي يحررها الْأَعْضَاء الفخريون وَغَيرهم من فضلاء الْأمة.
٦ - الْأَخْبَار والإعلانات الْمُتَعَلّقَة بالنهضة العلمية الإسلامية.
٧ - الأسئلة والأجوبة المهمة.
٨ - مبَاحث وفوائد شَتَّى.
قَضِيَّة " ٣٨ "
تكون الأبحاث والمقالات الدِّينِيَّة فِي الرسَالَة الشهرية ملاحظاً فِيهَا إِجْمَاع السّلف أَو الْمُوَافقَة لمذهبين فَأكْثر من الْمذَاهب الْمُدَوَّنَة المتبعة. وَيتَعَيَّن فِي الْمسَائِل المهمة الخلافية أَن يقرها بعض مشاهير عُلَمَاء الْهِدَايَة من الْمذَاهب الْمُخْتَلفَة.
стр. 206
قَضِيَّة " ٣٩ "
تكون قيمَة الرسَالَة معتدلة قريبَة من مَصْرُوف تحريرها وطبعها فَقَط، وَترسل لكافة الْمدَارِس ومشاهير الْعلمَاء بِدُونِ عوض على حِسَاب الْأُمَرَاء والمحتسبين.
قَضِيَّة " ٤٠ "
تعتني الجمعية غَايَة الاعتناء فِي إِيصَال الرسَالَة إِلَى الْمُرْسلَة إِلَيْهِم بِصُورَة منتظمة، وَفِي إدخالها لكافة الْبِلَاد المأهولة بِالْمُسْلِمين رغماً عَن كل مَانع، فترسل وَلَو برا مَعَ رواد على نَجَائِب تخترق آسيا وإفريقيا إِلَى أقاصيهما، وَلَا تعدم الجمعية وَسَائِل كَثِيرَة للإيصال.
قَضِيَّة " ٤١ "
تخصص الجمعية لمنشوراتها وإعلاناتها أَربع جرائد من أشهر الجرائد الإسلامية السياسية. (١) عَرَبِيَّة فِي مصر (٢) تركية فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة (٣) فارسية فِي طهران (٤) أوردية فِي كلكته.
قَضِيَّة " ٤٢ "
تسْعَى الجمعية فِي تأسيس مدرسة جغرافية تاريخية دينية فِي مَرْكَز الجمعية لأجل تثقيف تلامذتها وتأهيلهم للسياحة والبعوث.
قَضِيَّة " ٤٣ "
ترسل الجمعية بعوثا جغرافية وعلمية تتجول فِي الْبِلَاد الإسلامية الْقَرِيبَة
стр. 207
والبعيدة للإطلاع على أَحْوَال الْبِلَاد وَأَهْلهَا من حَيْثُ الدّين والمعارف، ولإرشادهم إِلَى لما يلْزم إرشادهم إِلَيْهِ فِي ذَلِك حَسْبَمَا تَقْتَضِيه الْأُخوة الدِّينِيَّة بِدُونِ تعرض للأحوال السياسية قَطْعِيا.
قَضِيَّة " ٤٤ "
تسْعَى الجمعية بعد مُضِيّ ثَلَاث سِنِين من انْعِقَادهَا فِي إقناع مُلُوك الْمُسلمين وأمرائهم لعقد مؤتمر رسمي فِي مَكَّة المكرمة، يحضرهُ وُفُود من قبلهم، ويترأسهم مَنْدُوب أَصْغَر أُولَئِكَ الْأُمَرَاء، وَيكون مَوْضُوع المذاكرات فِي المؤتمر: السياسة الدِّينِيَّة.
قَضِيَّة " ٤٥ "
إِذا صادفت الجمعية مُعَارضَة فِي بعض أَعمالهَا من حُكُومَة بعض الْبِلَاد، وَلَا سِيمَا الْبِلَاد الَّتِي هِيَ تَحت اسْتِيلَاء الْأَجَانِب، فالجمعية تتذرع أَولا بالوسائل اللَّازِمَة لمراجعة تِلْكَ الْحُكُومَة وإقناعها بِحسن نِيَّة الجمعية، فَإِذا وفقت لرفع التعنت فِيهَا، وَإِلَّا فلتلجأ الجمعية إِلَى الله الْقَادِر الَّذِي لَا يعجزه شَيْء
стр. 208
خَاتِمَة
قَضِيَّة " ٤٦ "
سياسة الجمعية: جلب قُلُوب من تتخير جلبهم ببذل الْمَعْرُوف مُحَابَاة فتتحرى مواساة الْإِنْسَان عِنْد مصابه وتنقب عَن أهم حاجاته أَو غاياته فتعينه عَلَيْهَا.
قَضِيَّة " ٤٧ "
مظهر الجمعية: الْعَجز والمسكنة، فَلَا تقاوم وَلَا تقَابل إِلَّا بأساليب النَّصِيحَة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة، وتلاطف وتحامل جهدها من يعادي مقاصدها، وَلَا تلجأ إِلَى الإلجاء إِلَّا فِي الضروريات.
قَضِيَّة " ٤٨ "
قُوَّة الجمعية: الْإِخْلَاص فِي النِّيَّة، وعمدتها الثَّبَات على الْعَمَل. ومسلكها تذليل العقبات وَاحِدَة فَوَاحِدَة. وحصنها الدّين الحنيف، وسلاحها الْعلم والتعليم. وجيشها الْأَحْدَاث والضعفاء. وقوادها حكماء الْعلمَاء والأمراء. ورايتها الْقدْوَة الْحَسَنَة، وغنيمتها بَث الْحَيَاة فِي الْمُوَحِّدين. وغايتها خدمَة المدنية والإنسانية. وَثَمَرَة أعضائها وأنصارها لَذَّة الْفِكر وَالْفَخْر ونيل الْأجر من الله - تمّ القانون.
قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: هَا نَحن أولاء قد اسْتَوْفَيْنَا قِرَاءَة القانون للمرة الثَّانِيَة أَيْضا وَلم يسْتَدرك عَلَيْهِ أحد من الإخوان شَيْئا، فَهَل أَنْتُم
стр. 209
مقروه؟ فَأجَاب جَمِيع الْأَعْضَاء: نعم نقره.
قَالَ الْعَلامَة الْمصْرِيّ: إِنِّي بالنيابة عَن هَيْئَة الجمعية أشكر لحضرة الْأُسْتَاذ الْمَكِّيّ براعته فِي حسن إدارة الجمعية، كَمَا أنني أقدر للمدقق التركي ورفقائه وأضعي سانحة القانون قدر فَضلهمْ وَحسن أحاطتهم.
وَإِنِّي لأرى فِي هَذَا القانون أشعة نور بَين القضايا والسطور، نور يشرق على المنارات فيغشى ببدره الْأَهِلّة ويبهر النسور. نور مَعْقُود اللِّوَاء لنشأة جَدِيدَة وحياة حميدة وعاقبة سعيدة. نور يمزق ديجور الفتور وَيحيى ميت الشُّعُور وَمَا ذَلِك على الله بعزيز.
قَالَ الْمُحَقق الْمدنِي: بمناسبة إِنِّي جَار للنَّبِي [ ﷺ ] أرى كَأَن رَسُول الله مسرور بكم أَيهَا الإخوان الْكِرَام، يتَضَرَّع إِلَى ربه أَن يوفقكم فِي مشروعكم خدمَة لدينِهِ وَأمته خدمَة تلحقكم بالمجاهدين الصديقين الْأَوَّلين.
قَالَ الاستاذ الرئيس: حَيْثُ تقرر أَن يكون تأسيس الجمعية الدائمة ابْتِدَاء فِي بور سعيد أَو الكويت بِصُورَة غير علنية فِي الأول، فَأرى أَن نفوض تعَاطِي أَسبَاب هَذِه المهمة للعلامة الْمصْرِيّ وَالسَّيِّد الفراتي، فهما بعد سِتَّة اشهر يَجْتَمِعَانِ فِي مصر، وَبعد تهيئة
стр. 210
الْأَسْبَاب وترتيب مَا يلْزم ترتيبه يسعيان أَولا بطبع هَذِه المذاكرات مَعَ القانون، ثمَّ يهتمان بترجمة ذَلِك إِلَى بَقِيَّة أُمَّهَات اللُّغَات الإسلامية التركية والفارسية والأوردية فيطبعانها وينشرانها ذكرى وبشرى للْمُؤْمِنين.
ثمَّ بعد استطلاعهما مَا يلْزم استطلاعه من آراء ذَوي الهمم السامية، يباشران تعَاطِي أَسبَاب تشكيل الجمعية مَعَ التروي والتأني اللازمين حِكْمَة. وَرُبمَا لَا يساعدهما الزَّمَان فيحتاجان لترقب الفرصة وَلَو تَأَخّر الْأَمر إِلَى اجتماعنا الثَّانِي. وأخونا السَّيِّد الفراتي يعدنا بِأَنَّهُ لَا يقطع عَنَّا رسائله وإعلامنا بسير الْمَسْأَلَة. والأمل بعنايته تَعَالَى أَن نجد فِي اجتماعنا الثَّانِي بعد ثَلَاث سِنِين الجمعية الدائمة متشكلة على أحسن نظام.
ثمَّ قَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: وَإِنِّي على أمل أَن الجمعية الدائمة ستلحقنا بأعضائها الفخريين، فنخدم مقاصدها الجليلة الْمُتَعَلّقَة بإعزاز ديننَا وإخواننا وأنفسنا، فننال بذلك اجْرِ الْمُحْسِنِينَ وشرفاً عَظِيما نفتخر بِهِ نَحن وأحقابنا من بَعدنَا إِلَى يَوْم الدّين.
ثمَّ قَالَ: وَإِن جمعيتنا هَذِه إِذا اخْتَارَتْ أَن تجْعَل مركزها الموقت فِي مصر دَار الْعلم وَالْحريَّة، فلهَا أمل قوي فِي أَن حَضْرَة
стр. 211
الْعَزِيز (عَبَّاس الثَّانِي) يكون عضداً للقائمين بإعزاز الدّين وحاميا فخريا للجمعية، وَلَا بدع فَإِنَّهُ خير أَمِير شَاب نَشأ على الْغيرَة الدِّينِيَّة وَالْحمية الْعَرَبيَّة. خُصُوصا جنابه السَّامِي من آل بَيت حازوا بَين سَائِر مُلُوك الْإِسْلَام وأمرائها قصب السَّبق فِي الإطلاع على أَحْوَال الدُّنْيَا، فاجتهدوا فِي الترقيات السياسية والعمرانية والعلمية والتنظيمية والمدنية.
حَتَّى أَن النهضة العثمانية بِكُل فروعها مسبوقة فِي مصر ومقتبسة عَنْهَا. بل كَمَا يعلم العارفون إِنَّمَا تقدّمت الدولة الْعلية العثمانية بعض خطوَات فِي ميدان المدنية والعمران مدفوعة بأيدي المرحومين مُحَمَّد عَليّ وَإِبْرَاهِيم وفاضل وكامل وَغَيرهم من الْأُمَرَاء حَتَّى والأميرات المصريات، فَمَا كَانَ رشيد وعالي وفؤاد وَكَمَال ومدحت وعوني وَبَقِيَّة أَحْرَار الأتراك إِلَّا وَأَكْثَرهم آلَات أوجدها ومدها بِالْقُوَّةِ هَؤُلَاءِ الْعِظَام. وَلَا غرو فقد يحمل الابْن أَبَاهُ على الرشد وان أَبَاهُ.
وَلَوْلَا تهاون سعيد وتطاول إِسْمَاعِيل، وَسُقُوط نُفُوذ الفرنسيس بِحَرب السّبْعين، وانفراد الإنكليز ويأسهم من قبُول الْمَرِيض التمريض، وتهاتر قوات الدول بتوازنها، لبقيت تِلْكَ الْحَرَكَة مستمرة وَلما رَجَعَ الشَّيْخ إِلَى دور الانحلال وَلَا وَقع الابْن فِي دور
стр. 212
الاحتلال.
وَلِهَذَا لَا تفرط الجمعية إِذا عقدت الأمل فِي مؤازره هَذَا الْأَمر السهل الخطير بِذَاكَ الْعَزِيز الشَّاب الْكَبِير، إِجَابَة لداعي الحمية وسمو الْفِكر واغتناما للثَّواب وفخر الذّكر، وَالله الملهم الْمُوفق ونسأله حسن الختام.
ثمَّ خَاطب السَّيِّد الفراتي هَيْئَة الجمعية فَقَالَ: أَيهَا السَّادة، لَا غرو أَن أكون أَكثر الإخوان سُرُورًا بإنتاج سعيي وسياحتي، هَذِه الخطوة الْكَبِيرَة فِي هَذَا السَّبِيل. وَإِنِّي مُسْتَبْشِرٍ من تسهيل الْمولى تَعَالَى الْبِدَايَة أَن يسهل السّير إِلَى النِّهَايَة، وَلَا يعز على الله شَيْء، والعزائم لَا شكّ تذلل العظائم.
وَإِنِّي أَيهَا السَّادة سأراسلكم إِن شَاءَ الله بمهمات مَا يحصل وَيتم، وَلَا اسْتغنى أَن تردفوني بآرائكم وَلَو عَن بعد وتسعفوني بأدعيتكم بالتوفيق. هَذَا وَلَيْسَ الْيَوْم آخر عهد جمعيتنا، بل يلْزم أَن تَجْتَمِع أَيْضا فِي هَذَا المحفل رَابِع أَيَّام التَّشْرِيق فَتكون تِلْكَ جمعية الْوَدَاع، وفيهَا يكاشفكم حَضْرَة الْأُسْتَاذ الرئيس عَن بعض تدابير وبشائر يجب إسرارها فتوقر فِي الصُّدُور لَا تسجل وَلَا تذاع. وَإِلَى ذَاك الْيَوْم يتم بتسهيل الله طبع سجل مذاكرات جمعيتنا إِلَى هَذِه السَّاعَة (بمطبعة
стр. 213
الجلاتين. فيوزع عَلَيْكُم نسخ مِنْهَا كَمَا يعْطى لكم نسخ من ضبط المناقشات على القانون، وَنسخ جَدِيدَة من مِفْتَاح الْكِتَابَة الرمزية تبديلاً للمفتاح الْمُخْتَصر الأول، مذيلا بتراجم الإخوان بِصُورَة أَكثر تَفْصِيلًا من الأولى وعَلى الله التَّيْسِير.
ثمَّ قَالَ السَّيِّد الفراتي: أخْبركُم أَيهَا السَّادة بِأَنِّي أخذت بالْأَمْس رِسَالَة من أخينا الأديب الْبَيْرُوتِي الَّذِي لم يُمكنهُ الْقدر من موافاة الجمعية كَمَا بيّنت ذَلِك قبلا، فَهُوَ يقرئكم السَّلَام وَيَدْعُو للجمعية بالتوفيق، وَيطْلب أَن أتلو عَلَيْكُم قصيدة لَهُ يُخَاطب بهَا الْمُسلمين.
فَقَالَ الْأُسْتَاذ الرئيس: وَعَلِيهِ السَّلَام وَأمر بِقِرَاءَة القصيدة، فقرئت وَأثبت مِنْهَا بِإِشَارَة الْأُسْتَاذ الرئيس بعض أَبْيَات وَهِي:
(غيرتمو يَا حيارى مَا بِأَنْفُسِكُمْ ... فَغير الله عَنْكُم سابغ النعم)
(الله لَا يهْلك الْقرى إِذا كفرت ... وَأَهْلهَا مصلحون فِي شؤونهم)
(ترك التآمر بِالْمَعْرُوفِ أورثكم ... مَا حاق من نذر يَا زلَّة الْقدَم)
إِلَى أَن يَقُول:
(يَا قَومنَا صححوا تَوْحِيد بارئكم ... بِدُونِ إشراك أَحيَاء وَلَا رمم)
(ونقحوا الشَّرْع من حَشْو ومخترع ... رجعى إِلَى دين إسلاف ذَوي ذمم)
стр. 214
(خُذُوا بمحكم آيَات منزلَة ... وَسنة جَاءَنَا بأفصح الْكَلم)
(دعوا الْبَدَائِع فِي الدّين وَإِن حسنت ... وَلَا يغرَّنكم تَأْوِيل محتكم)
(سماحة الدّين فِي فكر وَفِي عمل ... خير من الأصرو والأغلال والسقم)
(سماحة الدّين من الله خالقكم ... بهَا عَلَيْكُم، دعوا الكفران بِالنعَم)
(وحافظوا مِلَّة بَيْضَاء ساطعة ... سمحاء جاءتكمو بِكُل مغتنم)
(راقت فضائلها فِي كل فلسفة ... قوامها حِكْمَة تُفْضِي إِلَى شمم)
حَتَّى يَقُول:
(هذي وسيلتكم لَا غَيرهَا أبدا ... فَاسْعَوْا لنهضتكم يَا خيرة الْأُمَم)
(فِي غير جَامِعَة التَّوْحِيد لن تَجدوا ... من جَامع لكمولستم ذَوي رحم)
(سياسة الدّين أولى مَا تساس بِهِ ... شَتَّى الْخَلَائق من عرب وَمن عجم)
(فِيهَا الْحَيَاة وفيهَا حفظ رايتكم ... خضراء سَوْدَاء حول الرُّكْن وَالْحرم)
ذيل
قررت الجمعية فِي اجْتِمَاع الْوَدَاع المنعقد فِي رَابِع أَيَّام الْعِيد بعض
стр. 215
أُمُور يَنْبَغِي أَن تسر وَلَا تذاع. غير أَنَّهَا رَأَتْ أَن يلْحق مِنْهَا بِهَذَا السّجل مَا يَأْتِي فَقَط:
قَرَار عدد (٦)
أَن الجمعية، بعد الْبَحْث الدَّقِيق وَالنَّظَر العميق فِي أَحْوَال وخصال جَمِيع الأقوام الْمُسلمين الْمَوْجُودين، وخصائص مواقعهم، والظروف المحيطة بهم، واستعدادتهم، وجدت أَن لجزيرة الْعَرَب ولأهلها بِالنّظرِ إِلَى السياسة الدِّينِيَّة مَجْمُوعَة خَصَائِص وخصال لم تتوفر فِي غَيرهم. بِنَاء عَلَيْهِ رَأَتْ الجمعية أَن حفظ الْحَيَاة الدِّينِيَّة متعينة عَلَيْهِم لَا يقوم فِيهَا مقامهم غَيرهم مُطلقًا، وَأَن انْتِظَار ذَلِك من غَيرهم عَبث مَحْض.
على أَن لبَقيَّة الأقوام أَيْضا خَصَائِص ومزايا تجْعَل لكل مِنْهُم مقَاما مهما فِي بعض وظائف الجامعة الإسلامية، مثل: أَن معاناة حفظ الْحَيَاة السياسية وَلَا سِيمَا الخارجية متعينة على التّرْك العثمانيين. ومراقبة حفظ الْحَيَاة المدنية التنظيمية يَلِيق أَن تناط بالمصريين، وَالْقِيَام بمهام الْحَيَاة الجندية يُنَاسب أَن يتكفل بهَا الأفغان وتركستان والخزر
следующие страницы →