← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9681

الجوهر النفيس في سياسة الرئيس

ابن الحداد الموصلي

Полный текст (67 стр.). Показаны 36–67 · переход к 41.

стр. 36

وَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الرقي: // (الْخَفِيف) //: (لَيْسَ فِي كل حالةٍ وَأَوَان ... تتهيأ صنائع الْإِحْسَان) ٥ - (فَإِذا أمكنت فبادر إِلَيْهَا ... حذرا من تعذر الْإِمْكَان) (الْبَاب السَّادِس فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق من متوفري الخلاق) قَالَت: عَائِشَة ﵂: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : مَا جبل ولي الله إِلَّا على السخاء وَحسن الْخلق. وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا يفخرن أحد على أحد، فَإِنَّكُم عبيد والرب وَاحِد ". وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِهِ يزِيد: إِن كنت بعدِي، فَكُن قائداً بِالْخَيرِ فَإِنَّهُ يعفي على الشَّرّ، وَمَا صنعت من شَيْء فَلْيَكُن بَيْنك وَبَين الله سر ترجوه لَهُ، وتأمله بِهِ، وَإِيَّاك وَالْقَتْل، فَإِن الله قَاتل القاتلين.

стр. 37

قَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة لِبَنِيهِ: يَا بني إِذا أتيتم قوما فأتوهم وعقولكم مَعكُمْ قَالُوا: فَكيف ذَلِك؟ قَالَ: أصيبوا من الطَّعَام شَيْئا، فَإِن الرجل مِنْكُم إِذا لم يفعل ذَلِك، ثمَّ أَتَى أَخَاهُ فَرَآهُ يسْأَل غُلَامه ظن أَنه من أجل الطَّعَام، فيظل مُتَعَلق الْقلب حَتَّى يطعم. وَدخل على الْحجَّاج صَاحب شرطته وَهُوَ يتغدى فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ. قَالَ: قد فعلت، قَالَ: إِنَّك لتباكر الْغَدَاء قَالَ: لخلال فِيهِ - أصلح الله الْأَمِير وَقَالَ: وَمَا هن؟ قَالَ: " أولهنَّ: إِن أَنا نَاجَيْت أحدا لم يجد مني خلوفاً. الثَّانِيَة: إِن شربت مَاء شربته على ثمل. وَالثَّالِثَة: إِن حضرت قوما، وهم على غدائهم حَضرتهمْ وَمَعِي بَقِيَّة فَلَا

стр. 38

تشرئب نفس إِلَيْهِ، قَالَ: لله دَرك " وَقَالَ سُلَيْمَان لِابْنِهِ: " لَا تكْثر الْغيرَة على أهلك من غير رِيبَة، فترمى بِالشَّرِّ مِنْك وَهِي بريئة ". وَكَانَ يُقَال: " إِن أنكاك لعدوك أَلا تريه أَنَّك تتخذه عدوا ". وَكَانَ يُقَال: " لَا يَنْبَغِي للوالي أَن يحْسد إِلَّا الْوُلَاة على حسن التَّدْبِير ". وَقَالَ عَليّ ﵇: " الفرص تمر مر السَّحَاب، فَإِذا مرت بكم فانتهزوها ". وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: " الرِّجَال أَرْبَعَة: عَالم فتعلم مِنْهُ، وجاهل فَعلمه تؤجر فِيهِ، وَرجل كَانَ عَالما فَتلف علمه، فذاكره يَنْفَعهُ وتنتفع بِهِ، وجاهل يُرِيك أَنه عَالم فَلَا تناظره ". وَكَانَ يُقَال: " إِذا دخلت على قوم فاجلس حَيْثُ أجلسوك، فَكل قوم أعرف بعورتهم ". وَقَالَ عبد الله بن الْحسن بن الْحسن لِابْنِهِ: " يَا بني إحذر مشورة الْجَاهِل وَإِن كَانَ ناصحاً، كَمَا تحذر مكر الْعَاقِل وَإِن كَانَ عدوا، فيوشك أَن يورطك

стр. 39

الْجَاهِل بمشورته فِي إغراره فَيَسْبق إِلَيْك مكر الْعَاقِل، وَإِيَّاك ومعاداة الرِّجَال، فَإِنَّهَا لن تعدمك مكر حَلِيم ومفاجأة جَاهِل ". قَالَ بعض الْحُكَمَاء: لَيست الفتوة الْفسق، والفجور، إِن الفتوة طَعَام مَأْكُول ونائل مبذول، وَبشر مَقْبُول، وعفاف مَعْرُوف وأذى مكفوف ". كَانَت هِنْد بنت الْمُهلب تَقول: " إِذا رَأَيْت النعم مستدرة، فبادرها بتعجيل الشُّكْر قبل حُلُول الزَّوَال ". وَكَانَ يُقَال: " خَمْسَة تقبح من خَمْسَة: ضيق ذرع الْمُلُوك وَسُرْعَة غضب الْعلمَاء، وفحش النِّسَاء، وَمرض الْأَطِبَّاء، وَكذب الْقُضَاة ". وَكَانَ يُقَال: " شَرّ خِصَال الْمُلُوك الْجُبْن على الْأَعْدَاء، وَالْقَسْوَة على الضُّعَفَاء وَالْبخل عِنْد الْإِعْطَاء ". وَكَانَ يُقَال: " من ستر على مُؤمن فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهُ ". وَيُقَال: " السّتْر لما عَايَنت، أحسن من إذاعة مَا ظَنَنْت ". قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تكونن بِشَيْء من أُمُور رعيتك أَشد تفقداً مِنْك لخلة الْكَرِيم أَن تعْمل فِي سدها والطغيان: اللَّئِيم أَن تعْمل فِي قلعه، واستوحش من الْكَرِيم الجائع واللئيم الشبعان، فَإِن الْكَرِيم يصول إِذا جَاع واللئيم إِذا شبع ". قَالَ الْمَدَائِنِي: قارف الزُّهْرِيّ ذَنبا فصاح، فاستوحش من أَهله، فَلَقِيَهُ

стр. 40

عَليّ بن الْحُسَيْن فَقَالَ لَهُ: يَا زهري لقنوطك من رَحْمَة رَبك الَّتِي وسعت كل شَيْء أعظم عَلَيْك من إكبارك ذَنْبك، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٤] . قَالَ بعض الأكابر لِبَنِيهِ: لَا يمنعنكم من الدَّوَابّ خوف مؤونتها، فَإِن الله لم يخلق دَابَّة إِلَّا خلق لَهَا رزقها، فَإِن جعلهَا لكم رزقها عنْدكُمْ. وَكَانَ يُقَال: أَربع يسود بهَا العَبْد: الْعلم، وَالْأَدب، وَالْفِقْه، وَالْأَمَانَة. وَكَانَ يُقَال: " جَالس الكبراء، وناطق الْحُكَمَاء، وَسَائِل الْعلمَاء، فَإِن مؤاخذتهم كَرِيمَة، ومجالستهم غنيمَة، ومحبتهم سليمَة ". وَكَانَ يُقَال: " أَربع لَا يَنْبَغِي لشريف إِن يأنف مِنْهُنَّ، وَإِن كَانَ أَمِيرا: " قِيَامه عَن مَجْلِسه لِأَبِيهِ، وخدمته للضيف، وقيامه على فرسه، وَإِن كَانَ لَهُ مائَة عبد، وخدمته للْعَالم ليَأْخُذ من

стр. 41

علمه ". أقبل كَعْب الْأَحْبَار إِلَى عمر بن الْخطاب ﵁ فأدناه إِلَى جَانِبه، فَتنحّى قَلِيلا، فَقَالَ لَهُ عمر: مَا مَنعك من الْجُلُوس إِلَى جَانِبي؟ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لِأَنِّي وجدت فِي حِكْمَة لُقْمَان فِيمَا وصّى ابْنه أَن قَالَ: " يَا بني إِذا قعدت إِلَى ذِي سُلْطَان، فَلْيَكُن بَيْنك وَبَينه مقْعد رجل، فَلَعَلَّهُ أَن يَأْتِيهِ من هُوَ آثر عِنْده مِنْك، فَيحْتَاج أَن تنتحي لَهُ عَن مجلسك، فَيكون ذَلِك نقصا عَلَيْك وشيناً. وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار: مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة: " ليكن وَجهك بسطاً تكن أحب إِلَى النَّاس مِمَّن يعطيهم الذَّهَب وَالْفِضَّة، واشكر لمن أنعم عَلَيْك، وأنعم على من شكر لَك، فَإِنَّهُ لَا زَوَال للنعم إِذا شكرت، وَلَا إِقَامَة لَهَا إِذا كفرت، وَالشُّكْر زِيَادَة فِي النعم، وأمان من الْغَيْر ". قَالَ بعض حكماء الْفرس لِابْنِهِ: " يَا بني خير مَا تكون أَن تكون مَعَ من هُوَ خير مِنْك، وَإِن غنما حسنا أَن يكون عشيرك وخليطك أفضل مِنْك فِي الْعلم، فتقتبس من علمه، وَأفضل مِنْك فِي المَال فيفيدك من مَاله، وَأفضل مِنْك فِي الدّين، فتزاد صلاحاً بصلاحه ".

стр. 42

قَالَ مَكْحُول: التقى يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ بِعِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ فَضَحِك عِيسَى فِي وَجه يحيى وَصَافحهُ وَعَبس يحيى، فَقَالَ يحيى يَا ابْن خَالَتِي مَا لي أَرَاك ضَاحِكا كَأَنَّك قد أمنت؟ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: يَا بن خَالَتِي مَا لي أَرَاك عَابِسا كَأَنَّك قد يئست؟ فَأوحى الله إِلَيْهِمَا: " أحبكما إِلَيّ أبشكما لصَاحبه ". قَالَ أَعْرَابِي: " من اسْتَطَاعَ أَن يمْنَع نَفسه فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فَهُوَ خليق أَلا ينزل بِهِ من الْمَكْرُوه مَا نزل بِغَيْرِهِ: العجلة، واللجاجة، وَالْعجب، والتواني. فثمرة اللجاجة الْحيرَة، وَثَمَرَة العجلة الندامة، وَثَمَرَة الْعجب البغضة، وَثَمَرَة التواني الذلة ". (الْبَاب السَّابِع فِي السؤدد والمروءة من ذَوي الْفضل والفتوة) قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " تجافوا عَن عُقُوبَة ذِي الْمُرُوءَة مَا لم يَقع حد، فَإِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه ".

стр. 43

وَكَانَت الْعَرَب تسود على أَشْيَاء. أما مُضر فَكَانَت تسود ذَا رأيها. وَأما ربيعَة فَكَانَت تسود من أطْعم الطَّعَام وَأما الْيمن: فَكَانَ تسود ذَا النّسَب وَكَانَت الْجَاهِلِيَّة لَا تسود إِلَّا من تكاملت فِيهِ سِتّ خِصَال: " السخاء، والنجدة، وَالصَّبْر والحلم، وَالْبَيَان، والموضع، وَصَارَت فِي الْإِسْلَام سبعا بالعفاف ". قيل لقيس بن عَاصِم الْمنْقري: بِمَ سدت قَوْمك؟ قَالَ: " ببذل الندى وكف الْأَذَى، وَنصر الْمولى ". قَالَ مُحَمَّد بن عمر التَّيْمِيّ: " مَا شَيْء أَشد من حمل الْمُرُوءَة، قيل: أَي شَيْء الْمُرُوءَة؟ قَالَ: لَا تقل شَيْئا فِي السِّرّ تَسْتَحي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَة ". قَالَ هِشَام بن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ: كَانَ سلم بن نَوْفَل الديلِي سيد بني كنَانَة، فجرح رجل ابْنه، فَأتي بِهِ فَقَالَ لَهُ: مَا أمنك من انتقامي؟ قَالَ: فَمَا سودناك إِلَّا لتكظم الغيظ، وَتَعْفُو عَن الْجَانِي، وتحلم عَن الْجَاهِل، وتحتمل الْمَكْرُوه، فخلى سَبيله " وَفِيه يَقُول الشَّاعِر: // (الطَّوِيل) //:

стр. 44

(يسود أَقوام، وَلَيْسوا بسادة ... بل السَّيِّد الْمَعْرُوف سلم بن نَوْفَل) قَالَ الْأَصْمَعِي: " جلس قوم فتذاكروا السؤدد بَينهم، فَقَالَ عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان: أما أَنا فمخبركم عَن نَفسِي من غير تَزْكِيَة لَهَا: إِذا الرجل أمكنني من نَفسه حَتَّى أَضَع معروفي عِنْده، فيده عِنْدِي مثل يَدي عِنْده، وَإِذا الرجل جَاءَنِي من خوف فَلم أبذل دمي دون دَمه فقد قصرت بحسبي، وَلَو أَن أهل الْبُخْل لم يدْخل عَلَيْهِم من بخلهم إِلَّا سوء ظنهم برَبهمْ فِي الْخلف لَكَانَ عَظِيما ". قَالَ عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄: " إِنَّا نعد الْجُود والحلم السؤدد، ونعد العفاف وَإِصْلَاح المَال الْمُرُوءَة ". سَأَلَ مُعَاوِيَة الْحسن بن عَليّ ﵉ عَن الْكَرم والمروءة والنجدة، قَالَ: أما الْكَرم: فالتبرع بِالْمَعْرُوفِ، والإعطاء قبل السُّؤَال وَالْإِطْعَام فِي الْمحل. وَأما النجدة: فالذب عَن الْجَار فِي المواطن، والإقدام فِي الكريهة.

стр. 45

وَأما الْمُرُوءَة: فحفظ الرجل دينه، وإحرازه نَفسه من الدنس، وقيامه لضيفه، وَأَدَاء الْحُقُوق، وإنشاء السَّلَام ". وَكَانَ يُقَال: " يسود الرجل بأَرْبعَة أَشْيَاء: الْعقل، والعفة، وَالْأَدب، وَالْعلم ". وَكَانَ عمر بن هُبَيْرَة يَقُول: " عَلَيْكُم بمباكرة الْغَدَاء فَإِن فِيهَا ثَلَاث خِصَال: تطيب النكهة، وتطفى الْمرة، وَتعين على المرؤة، فَقيل لَهُ: كَيفَ تعين على الْمُرُوءَة؟ قَالَ: لَا تتوق نَفسه إِلَى طَعَام غَيره ". وَقَالَ الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب ﵇: " سِتّ من الْمُرُوءَة: ثَلَاثَة فِي الْحَضَر، وَثَلَاثَة فِي السّفر: فَأَما الَّتِي فِي الْحَضَر: فتلاوة كتاب الله، وَعمارَة مَسَاجِد الله، واتخاذ الإخوان فِي الله. وَأما الَّتِي فِي السّفر: الزَّاد، وَحسن الْخلق، والمزاح فِي غير معاصي الله ".

стр. 46

(الْبَاب الثَّامِن فِي حسن الْخلق من الْخلق) قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " لن تسعوا النَّاس بأموالكم، فسعوهم ببسط الْوَجْه، والخلق الْحسن ". وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " خَيركُمْ أحسنكم أَخْلَاقًا، الَّذين يألفون ويؤلفون ". وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله مَا أفضل الْأَعْمَال؟ فَقَالَ: " حسن الْخلق ".

стр. 47

وَيُقَال: " فِي سَعَة الْأَخْلَاق كنوز الأرزاق " وَحسن الْخلق اكْتِسَاب محمدةٍ، وَدفع ضغينة ". قَالَ خلف الْأَحْمَر وصف لي رجل أَخا لَهُ فَقَالَ: " كنت لَا ترَاهُ الدَّهْر إِلَّا وَكَأَنَّهُ لَا غناء بِهِ عَنْك، وَأَنت إِلَيْهِ أحْوج، وَإِذا أذنبت غفر وَكَأَنَّهُ المذنب، وَإِن أَسَأْت إِلَيْهِ أحسن، وَكَأَنَّهُ الْمُسِيء ". قَالَ الْمَدَائِنِي: كَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك يَقُول: " أكلنَا الطّيب ولبسنا اللين وركبنا الْغَارة، وَلم يبْق لي لَذَّة إِلَّا صديق أطرح مَعَه فِيمَا بيني وَبَينه مؤونة التحفظ ". وَقد قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " حسن الْخلق يمن، وَسُوء الْخلق شُؤْم، وَطَاعَة الْمَرْأَة ندامة، وَالصَّدَََقَة تدفع ميتَة السوء ".

стр. 48

شكا بعض الْأَنْبِيَاء إِلَى ربه سوء خلق امْرَأَته فَأوحى إِلَيْهِ: " إِنِّي قد جعلت ذَلِك حظك من الْأَذَى ". وَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁: " ثَلَاث من لم تكن فِيهِ لم يَنْفَعهُ الْإِيمَان: حلم يرد بِهِ جهل الْجَاهِل، وورع يحجزه عَن الْمَحَارِم، وَخلق يُدَارِي بِهِ النَّاس ". وَسُئِلَ عمر بن الْخطاب ﵁ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من السَّيِّد؟ قَالَ: " الْجواد حِين يسْأَل، الْحَلِيم حِين يستجهل، الْكَرِيم المجالسة لمن جالسه، الْحسن الْخلق لمن جاوره ".

стр. 49

(الْبَاب التَّاسِع فِي فضل المشورة والرأي من ذَوي الآراء) قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " المستشار بِالْخِيَارِ، إِن شَاءَ قَالَ: وَإِن شَاءَ سكت فلينصح ". وَقَالَ عَليّ ﵇: " من استبد بِرَأْيهِ هلك، وَمن شاور الرِّجَال شاركها فِي عقولها ". وَكَانَ الْأَحْنَف بن قيس يَقُول: " لَا يشاور الجائع حَتَّى يشْبع، وَلَا العطشان حَتَّى يرْوى، وَلَا الْأَسير حَتَّى يُطلق، وَلَا المضل حَتَّى يجد، وَلَا الرَّاغِب حَتَّى ينجح ". قَالَ زِيَاد لحاجبه عجلَان: " أَدخل عَليّ رجلا عَاقِلا حَتَّى أشاوره فِي أَمْرِي، فَقَالَ: لَا أعرف من تَعْنِي، فَقَالَ: إِن الْعَاقِل لَا يخفى فِي شكله وَكَلَامه وهيئته قَالَ: فَخرج فلقي رجلا بهياً، حسن الْوَجْه، مديد الْقَامَة، فَقَالَ لَهُ: ادخل فَدخل

стр. 50

فَقَالَ لَهُ زِيَاد: إِنِّي أُرِيد مشاورتك فِي أَمر، فَقَالَ: إِنِّي جَائِع، وَلَا رَأْي لجائع، فَقَالَ: أحضروه الطَّعَام فَلَمَّا قضى حَاجته مِنْهُ، قَالَ لَهُ: هَات، فَقَالَ: إِنِّي حاقن، وَلَا رَأْي لحاقن فَقَالَ: " يَا عجلَان أدخلهُ المتوضأ، فَلَمَّا خرج سَأَلَهُ عَن أمره، فَمَا قَالَ لَهُ شَيْئا إِلَّا وَأحسن الْجَواب عَنهُ ". وَكَانَ يُقَال: " لَا تدخل فِي مشورتك بَخِيلًا فيقصر بفعلك، وَلَا جَبَانًا فيخوفك مَا لَا تخَاف، وَلَا حَرِيصًا فيعدك مَا لَا يُرْجَى، فَإِن الْبُخْل والجبن والحرص طبيعة وَاحِدَة، يجمعها سوء الظَّن ". وَكَانَ يُقَال: " مَا استنبط الصَّوَاب بِمثل المشورة وَلَا حصنت النعم بِمثل الْمُوَاسَاة، وَلَا اكْتسبت البغضة بِمثل الْكبر ". اسْتَشَارَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور سلم بن قُتَيْبَة فَقَالَ لَهُ: مَا تَقول فِي أبي مُسلم؟ فَقَالَ: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ . [الْأَنْبِيَاء: ٢٢] قَالَ: حَسبك.

стр. 51

وَقَالَ الشَّاعِر مادحاً لبَعْضهِم: // (الْبَسِيط) // (يُصِيب بِالرَّأْيِ مَا يعيا العيان لَهُ ... فِي الْقرب والمنتأى والريث والعجل) (تَمُوت أضغانه أَيَّام قدرته ... ومكنة الْحر تنسي فَاحش الخطل) وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: " نعم وَزِير الْعلم الرَّأْي الْحسن ". وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: " لِأَن أخطئ وَقد استشرت أحب إِلَيّ من ان أُصِيب وَقد استبددت بِرَأْي، فأمضيه عَن غير مشورة؛ لِأَن الْمُقدم على رَأْيه يزري بِهِ أَمْرَانِ: تَصْدِيقه رَأْيه الْوَاجِب عَلَيْهِ تكذبيه، وَتَركه من المشورة مَا يزْدَاد فِي أمره بَصِيرَة " وَقد قَالَ الشَّاعِر: // (المتقارب) // (إِذا الْأَمر أشكل إِنْفَاذه ... وَلم ترمنه سَبِيلا فسيحا) (فَشَاور بِأَمْرك فِي سره ... أَخَاك أَخَاك اللبيب النصيحا) (فيا رُبمَا فَرح الناصحون ... وأبدوا من الرَّأْي رَأيا صَحِيحا) (وَلَا يلبث المستشير الرِّجَال ... إِذا هُوَ شاور أَن يستريحا)

стр. 52

(الْبَاب الْعَاشِر) (فِي فَضْلِ السَّخَاء والجُودِ المُفَضَّلِ فِي الوُجُودِ) رُوِيَ عَن النَّبِي _[ ﷺ ]_ أَنه قَالَ: " أَشد الْأَشْيَاء ثَلَاثَة: إنصاف النَّاس من نَفسك، ومواساة الْأَخ من مَالك، وَذكر الله _ ﵎ _ على كل حَال ". أوحى الله _ تَعَالَى _ إِلَى مُوسَى ﵇: " لَا تقتل السامري فَإِنَّهُ سخي ". وَقَالَ عَلِيُّ ﵇: " إِنَّمَا أمْهل فِرْعَوْن من دَعْوَاهُ لسُهُولَة إِذْنه وبذل طَعَامه ". وَقيل لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ ﵀: " من الْجواد؟ قَالَ: الَّذِي لَو كَانَت الدُّنْيَا لَهُ، فأنفقها لرَأى بعد ذَلِك عَلَيْهِ حقوقاً ". قَالَ الشَّاعِر: // (الوافر) // (يرى حَقًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ حقٌ ... وَمهما قَالَ فالحسن الْجَمِيل) (وَقد كَانَ الرَّسُول يرى حقوقاً ... عَلَيْهِ لأَهْلهَا وَهُوَ الرَّسُول)

стр. 53

وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " مَا من صباح إِلَّا وملكان يناديان: وَاحِد بالمشرق، وَآخر بالمغرب: الله أعْط منفق مَاله خلفا وممسك مَاله تلفاً ". قَالَ المَدَائِنِيُّ: " تحمل الْهُذيْل بن زفر بن الْحَارِث دياتٍ، فَأتى يزِيد بن الْمُهلب، فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّه قد عظم شَأْنك عَن أَن يستعان عَلَيْك وَلست تصنع شَيْئا من الْمَعْرُوف إِلَّا وَأَنت أعظم مِنْهُ، وَلَيْسَ الْعجب أَن تفعل، وَإِنَّمَا الْعجب أَلا تفعل، قَالَ: حَاجَتك فَسَأَلَهُ أَن يُعينهُ فِي الدِّيات الَّتِي تحملهَا، فتحملها عَنهُ كلهَا، وَأمر لَهُ بِمِائَة ألف دِرْهَم، فَقبل الدِّيات، وَلم يقبل الْمِائَة ألف، وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا موضعهَا ". وَكَانَ يُقَال: " اعتذار من منع أحسن من وعدٍ ممطول ". وَقَالَ حُذَيفة بْنُ اليَمانِ: رب رجل فَاجر فِي دينه، أخرق فِي معيشته، دخل الْجنَّة بسماحته ".

стр. 54

دَعَا الْحسن الْبَصْرِيّ _ ﵀ _ حجاماً بِالدَّار يُسَوِّي شَاربه، فَأعْطَاهُ دِرْهَمَيْنِ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: لَا تدنقوا، فيدنق عَلَيْكُم ". قَالَ الأصْمَعِيُّ: " كتب الْحسن إِلَى الْحُسَيْن _ ﵉ _ يعيب عَلَيْهِ إِعْطَاء الشُّعَرَاء، فَكتب إِلَيْهِ: خير المَال مَا وقِي بِهِ الْعرض ". اسْتعْمل الْوَلِيد بن عبد الْملك عُثْمَان بن حَيَّان الْمُزنِيّ على غزَاة الْبَحْر وَأمره بِالنَّفَقَةِ، فَلَمَّا ولي أَخُوهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك عَزله، وأغرمه من ذَلِك المَال ألف ألف دِرْهَم، قَالَ: فاجتمعت رجال من قيسٍ لذَلِك الْغرم، فَقَالُوا: إِلَى أَيْن تذهبون؟ وبمن تستعينون؟ ، قَالَ: فَقَالَ لَهُم قَائِل: هَل لكم فِي يزِيد بن الْمُهلب قَالَ: وَيزِيد يومئذٍ على شرطة سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَمَا وَرَاء بَابه، قَالَ: فَخَرجُوا حَتَّى دخلُوا عَلَيْهِ، فَتقدم عُثْمَان بن حَيَّان الْمُزنِيّ صَاحب الْغرم فَقَالَ: زَاد الله فِي توفيقك، وسرورك إِن الْوَلِيد _ ﵁ _ استعملني على غزَاة الْبَحْر، وَأَمرَنِي بِالنَّفَقَةِ فأنفقت، وَإِن سُلَيْمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ _ مد الله فِي بَقَائِهِ _ أغرمني من ذَلِك المَال ألف ألف دِرْهَم، وَالله مَا يَسعهَا مَالِي، وَلَا يبلغهَا أملي، وَقلت: يزِيد بن الْمُهلب سيد أهل " الْعرَاق " وَصَاحب الْمشرق، ووزير الْخَلِيفَة، وَأَتَيْتُك لتحمل عني من ذَلِك مَا سهل عَلَيْك، وَمَا يبْقى وَالله عَليّ ثقيل، قَالَ: ثمَّ سكت وَتقدم

стр. 55

فلَان الْقَيْسِي خَال الْوَلِيد بن عبد الْملك فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّه مَا خص هَذَا عمنَا، وَقد أَتَيْنَاك فِي أَمر لم نجد أحدا ينْفَرد بِهِ، وَلَا يساعد من يعين عَلَيْهِ، فَإِن تكف فَلَيْسَ بِأَكْثَرَ مَا فِيك، وَإِن تدفعني فَمَاله سواك، قَالَ: ثمَّ سكت وَتقدم عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّا وَالله لَو وجدنَا أحدا دُونك لاخترناه، أَو خَلفك لتخطينا إِلَيْهِ، وَالله مَا الدُّخان بأدل على أَنه من النَّار، وَلَا العجاج أَنه من الرِّيَاح من ظَاهر أَمرك على بَاطِنه، وَقد أَتَيْنَاك شُفَعَاء لِابْنِ حَيَّان فِي هَذَا المَال، فَإِن تستكثره فقد يطلع مَا هُوَ دونه، وَإِن تستقله فقد ترجى لما هُوَ أَكثر مِنْهُ، قَالَ: ثمَّ سكت وَتقدم زفر الْكلابِي، فَقَالَ: أصلحك الله إِنَّا وَالله لم نزنك بِأحد من الْمُلُوك إِلَّا رجحت بِهِ، وَلم نقسك بِأحد مِنْهُم إِلَّا ارْتَفَعت عَلَيْهِ، وَلَا غَايَة يبلغهَا أحد إِلَّا وَقد بلغتهَا، أَنْت فِيهَا مقدم وحقك فِيهَا مُعظم، وَقد أَتَيْنَاك شُفَعَاء لِابْنِ حَيَّان فِي هَذَا المَال، وَالله مَا الْعجب من أَن تفعل، وَلَكِن الْعجب من أَلا تفعل، وَأَنت أَنْت: قَالَ: فَقَالَ أَبُو خَالِد: مرْحَبًا بكم وَأهلا إِن خير المَال مَا وقِي بِهِ الْعرض، وَإِنَّمَا لي من مَالِي مَا فضل عَن النوائب، وَلَو علمت أحدا أملأ بحاجتكم مني لأرشدتكم إِلَيْهِ فاحتكموا قَالُوا: نصف المَال، قَالَ: يَا غُلَام ادْفَعْ إِلَيْهِم خَمْسمِائَة ألف دِرْهَم قَالَ: فَأخذُوا وَخَرجُوا، فَلَمَّا كَانُوا على بَاب السرادق قَالَ لَهُم قَائِل: إِلَى أَيْن تذهبون، وبمن تستعينون، وَالله مَا يُبَالِي يزِيد أنصفاً حمل أم المَال، فَارْجِعُوا فَرَجَعُوا، فَقَالَ: مَه، قَالُوا: قُلْنَا _ أصلحك الله _ قَالَ: قد

стр. 56

أقلتكم، قَالَ: المَال كُله، قَالَ المَال كُله، قَالَ: فَبعث إِلَيْهِ ابْن الرّقاع العاملي بِأَبْيَات فِيهَا: // (الطَّوِيل) // (فَلم ترعيناي كَمثل حمالَة ... تحملهَا كَبْش الْعرَاق يزِيد) (وَقَالُوا: أقل يَا بن الْمُهلب زلَّة ... فَقَالَ: أقلتم إِن ذَاك العتيد) (تحمل عَنْهُم ألف ألف برسله ... وَلَو أَنهم سالوا الْمَزِيد لزيدوا) (رأى عمر أَن لَيْسَ يحمل ثقلهَا ... سواهُ وَمَا عَن قَول تِلْكَ يحيد) روى أَبُو هُرَيْرَة _ ﵁ _ عَن النَّبِي _[ ﷺ ]_ أَنه قَالَ: " مَا من رجل إِلَّا وَله صيت فِي السَّمَاء، فَإِذا كَانَ صيته فِي السَّمَاء حسنا وضع فِي الأَرْض، وَإِذا كَانَ صيته سَيِّئًا وضع فِي الأَرْض ". كَانَ عبد الله بن جَعْفَر يَقُول: " لَيْسَ الْجواد الَّذِي يُعْطي بعد الْمَسْأَلَة وَلَكِن

стр. 57

الْجواد الَّذِي يبتدى؛ لِأَن فِي بذل الْوَجْه أَكثر مِمَّا يصل إِلَيْهِ ". وَخرج رجل من بني جَعْفَر بن كلاب مُتَوَجها إِلَى عبد الله بن عَامر بن كريز، فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ، قَالَ لَهُ الْحَاجِب: إِن الْأَمِير نَائِم، فأقم بموضعك حَتَّى ينتبه قَالَ: فَأَنْشَأَ الْجَعْفَرِي يَقُول: // (الْبَسِيط) // (لَا يحجب الْجُود عَن كف الْجواد وَلَا ... ترمى البوازي على أم الشواهين) (إِن الْجواد إِذا مَا جَاءَ سائله ... لم ينظر الْبَذْل أَفْوَاه الموازين) (لم ينفض المَال نفض الطل ينْقضه ... طير السَّمَاء بأعواد الْبَسَاتِين)

стр. 58

فَقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَامرٍ لخازنه: كم ورد عَلَيْك الْيَوْم من المَال؟ قَالَ: مائَة ألف من جندي " سَابُور "، قَالَ: ادفعها إِلَى الْجَعْفَرِي بِلَا ميزَان كَمَا قَالَ: فقبضها وَأَنْشَأَ يَقُول: // (الْكَامِل) // (لله عبد الله من رجلٍ ... ضخم الدسيعة طَاهِر الأثواب) (يهب المئين من الألوف وَلَا ... يرى لي العداة ودسعة الْحجاب) (بل بَابه أَعلَى الْبِقَاع مبرزاً ... للمرملين وَسَائِر الْخطاب) عوتب عبد الله بن جَعْفَر على كَثْرَة إفضاله فَقَالَ: " إِن الله عودني أَن يفضل عَليّ، وعودته أَن أفضل على عباده، فأكره أَن أقطع الْعَادة عَنْهُم، فتقطع الْعَادة عني ". قدم رجل من أهل الْمَدِينَة على عمر بن عبيد الله بن معمر التَّيْمِيّ " بِفَارِس "، فَأَقَامَ بِبَابِهِ لَا يُؤذن لَهُ، فارتحل وَهُوَ يَقُول: // (الطَّوِيل) //

стр. 59

(رَأَيْت أَبَا حَفْص تجهم مقدمي ... ولط بقول عذره ومواربا) (فَلَا تحسبني أَن تجهمت مقدمي ... أرى ذَاك عاراً أَو أرى ذَاك ذَاهِبًا) (ومثلي إِذا مَا بَلْدَة لم تواسه ... تيَمّم أُخْرَى واستدام العواقبا) فبلغت أبياته ابْن معمر، فَأرْسل فِي طلبه حَتَّى رد، فَأدْخل عَلَيْهِ، فَقَالَ: حَدثنِي عَنْك أتضربني برحمٍ ٍ بيني وَبَيْنك؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَل من يَد تَعْتَد بهَا عِنْدِي؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنِّي كنت إِذا دخلت مَسْجِد رَسُول الله _[ ﷺ ]_ تركت النَّاس يمنة وشأمةً، وجئتك حَتَّى أَجْلِس إِلَيْك، قَالَ: وَأَبِيك إِنَّهَا ليد، كم أَقمت ببابي؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ: أعْطه أَرْبَعِينَ ألفا لكل يَوْم ألف دِرْهَم. كتب مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ إِلَى الْمَأْمُون _ ﵀ _ يشكو غَلَبَة الدّين وضيق الْيَد، فَوَقع على كِتَابه: فِيك خلَّتَانِ: الْحيَاء والسخاء. فَأَما الْحيَاء فَهُوَ الَّذِي مَنعك عَن أَن ترفع إِلَيْنَا خبرك. وَأما السخاء فَهُوَ الَّذِي أنفذ مَا بِيَدِك، وَأَنت كنت حَدَّثتنِي وَأَنت على قَضَاء الرشيد ﵀: أَن النَّبِي _[ ﷺ ]_ قَالَ للزبير: " يَا

стр. 60

زبير إِن بَاب الرزق بِإِزَاءِ الْعَرْش ينزل الله على عباده على قدر نفقاتهم، فَمن كثر لَهُ، وَمن قلل قلل عَلَيْهِ ". وَقد أمرنَا لَك بِمِائَة ألف دِرْهَم، فاتسع فِي ذَات يدك، فَقَالَ الْوَاقِدِيّ: وَالله لمذاكرته إيَّايَ الحَدِيث، وَقد نَسِيته أحب إِلَيّ من جائزته. مدح ابْن حيوس الشَّاعِر نصر بن مَحْمُود بن نصر صَاحب " حلب " بقصيدة فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِيهَا: // (الطَّوِيل) // (ثَمَانِيَة لم تفترق مذ جمعتها ... وَلَا افْتَرَقت مَا فر عَن نَاظر شفر) (ضميرك وَالتَّقوى وجودك والغنى ... ولفظك وَالْمعْنَى وعزمك والنصر)

стр. 61

(وَكَانَ لمحمود بن نصر سجية ... وغالب ظَنِّي أَن سيخلفها نصر) فَقَالَ: وَالله لَو قَالَ: سيضعفها نصر لأضعفتها لَهُ، وَأمر لَهُ بِمَا أَمر لَهُ أَبوهُ، وَهُوَ ألف دِينَار فِي طبق فضَّة، وَكَانَ على بَابه جمَاعَة من الشُّعَرَاء فَقَالَ أحدهم: // (الطَّوِيل) // (على بابك الْمَعْمُور منا عصابةٌ ... مفاليس فَانْظُر فِي أُمُور المفاليس) (وَقد قنعت مِنْك الْعِصَابَة كلهَا ... بِعشر الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس) (وَمَا بَيْننَا هَذَا التَّفَاوُت كُله ... وَلَكِن سعيدٌ لَا يُقَاس بمنحوس) فَقَالَ: وَالله لَو قَالَ: بِمثل الَّذِي أَعْطيته لِابْنِ حيوس لأعطيتهم ذَلِك، وَأمر لَهُم بِنصفِهِ. قَالَ مُحَمِّدُ بْنُ أيُّوْبَ البَجَلِيُّ: اجْتمع النَّاس بِبَاب أبان بن الْوَلِيد البَجلِيّ، وَفِيهِمْ أَن بيض، فتذاكروا الْجُود وأجواد الْعَرَب، فَقَالَ بَعضهم: حَاتِم، وَقَالَ

стр. 62

بَعضهم: كَعْب بن مامة، وَقَالَ: فَقَالَ بَعضهم: طَلْحَة الطلحات أَجود أهل الْإِسْلَام، وَأَبَان مشرف عَلَيْهِم يسمع كَلَامهم، فَهَيَّأَ ابْن بيض أبياتاً، ثمَّ أذن لَهُم أبان فَدَخَلُوا فَقَالَ: فيمَ كُنْتُم تتحدثون؟ فقالم ابْن بيض فَقَالَ: // (الْخَفِيف) // (زعم النَّضر والمغيرة مِنْهُم ... وَكَذَا البخْترِي وَابْن عِيَاض) (أَن جود الْعرَاق بَاب فولى ... يَوْم بانوا بطلحة الْفَيَّاض) فَقَالَ لَهُ إبان: فَمَاذَا قلت؟ (كذبُوا وَالَّذِي يحجّ لَهُ الرك ... ب سرَاعًا منفضاتٍ عراض) (لَا يَمُوت الندى وَلَا مَادًّا ... م أبان مناخ ذِي الإنفاض)

стр. 63

(فَإِذا مَا المليك نَادَى أَبَانَا ... أذن الْجُود والندى بانقباض) فَقَالَ لَهُ إِبَانُ: احتكم، فحسده رجل فَقَالَ: أصلحك الله لَا تفْسد على الْأَمِير عطيته، يَعْنِي خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي، فَإِنَّهُ أعْطى رجلا على بَيْتَيْنِ عشْرين ألف دِرْهَم، فَقَالَ: لَوْلَا مَا قلت لأعطيته عشْرين وَعشْرين فَأعْطَاهُ عشْرين ألف دِرْهَم. كَانَ يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ سخياً، وَكَانَ بِخِلَاف أَبِيه، وَكَانَ أَبوهُ بَخِيلًا فَحَضَرَ مهرجان، فَجَلَسَ يزِيد فِي قصر الْحجَّاج، وَأمر بِطَعَام يتَّخذ لَهُ يطعمهُ أَصْحَابه ثمَّ جلس على سَرِير فِي وسط الدَّار فِي صحن دَار الْحجَّاج، وَأذن لأَصْحَابه فَدخل فِيمَن دخل خلف بن خَليفَة الأقطع، فَجَلَسَ حِيَال وَجهه يذكر بِنَفسِهِ، وَجَاء الدهاقون بوظائف المهرجان من المَال وآنية الذَّهَب وَالْفِضَّة واللباس والفرش فملئوا بهَا الدَّار، فَأقبل ابْن هُبَيْرَة يَقُول لأَصْحَابه: يَا فلَان خُذ يَا فلَان، ويومئ إِلَى الْأَشْيَاء ويعطيهم المَال، وَيفْعل ذَلِك بِمن إِلَى جنب خلفٍ، وَيَتَعَدَّى خلفا، فَأقبل خلف يرفع رَأسه إِلَيْهِ يرِيه أَنه يسبح، فَلَمَّا كثر ذَلِك عَلَيْهِ، وَنظر إِلَى مَا فِي الدَّار ينفذ ويولى قَامَ فَقَالَ: // (المتقارب) // (ظللنا نُسَبِّح فِي المهرجان ... فِي الدَّار من حسن جاماتها) (فسبحت ألفا فَلَمَّا انْقَضتْ ... عجبت لنَفْسي وإخباتها) (وشرعت رَأْسِي فَوق الرُّءُوس ... لأرفعه فَوق هاماتها) (لأكسب صَاحِبَتي صَحْفَة ... تغيظ بهَا بعض جاراتها) (وأبدلها بصحاف الْأَمِير ... قَوَارِير كَانَت لجداتها) قَالَ: فَضَحِك ابْن هُبَيْرَة، وَقَالَ: خُذ ذَاك الْجَام فَأعْطَاهُ جَام ذهبٍ كثير

стр. 64

الْوَزْن، فَأَخذه فِي يَده ثمَّ قَامَ وَقَالَ: // (الرمل) // (أَصبَحت صَحْفَة بَيْتِي من ذهب ... وصحاف النَّاس حَولي من خشب) (شفني الْجَام فَلَمَّا نلته ... زين الشَّيْطَان لي مَا فِي الجرب) (إِن مَا أنفقت باقٍ كُله ... يذهب الْبَاقِي وَيبقى مَا ذهب) قَالَ: فَضَحِك ابْن هُبَيْرَة وَقَالَ: خُذ خُذ فَأعْطَاهُ حَتَّى أرضاه. قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " اطْلُبُوا الرزق إِلَى الرُّحَمَاء من أمتِي تعيشوا فِي أَكْنَافهم، وَلَا تَطْلُبُوا إِلَى القاسية قُلُوبهم، فَإِن عَلَيْهِم تنزل اللَّعْنَة ". نزل بأعرابي ضيف فتذمرت امْرَأَته وضجرت، فَقَالَ لَهَا: اسكتي وَيلك، ثمَّ قَالَ: // (الْبَسِيط) // (من شَرّ أيامك اللَّاتِي خلقت لَهَا ... إِذا فقدت ندا صوتي وزواري) فَأَنْشد الْأَعرَابِي يَقُول: // (الْبَسِيط) // (إِذا تكرهت أَن تُعْطِي الْقَلِيل وَلم ... تقدر على سعةٍ لم يظْهر الْجُود) (أَوْرَق بِخَير ترجى للنوال فَمَا ... ترجى الثِّمَار إِذا لم يورق الْعود) (بَث النوال وَلَا يمنعك قلته ... فَكلما سد فقرا فَهُوَ مَحْمُود)

стр. 65

(إِن الْكَرِيم ليخفي عَنْك عسرته ... حَتَّى ترَاهُ غَنِيا وَهُوَ مجهود) كَانَ لبيد بن ربيعَة لَا يمر يَوْم إِلَّا هرق فِيهِ دَمًا، فَكَانَ يفعل ذَلِك إِذا هبت الرِّيَاح، قَالَ: وَرُبمَا ذبح الشَّاة إِذا ضَاقَ، فَبعث إِلَيْهِ الْوَلِيد بن عقبَة بِمِائَة نَاقَة، فَلَمَّا جَاءَتْهُ، قَالَ لابنته: أُجِيبهُ عني، وَكَانَ لبيد قد ترك نظم الشّعْر، وَكَانَ الْوَلِيد كتب إِلَيْهِ بأبياتٍ من الشّعْر يمدحه بهَا، ويحثه على فعل الْخَيْر. // (الوافر) // (أرى الْحداد يشحذ شفرتيه ... إِذا هبت ريَاح أبي عقيل) (أغر الْوَجْه أَبيض عامري ... طَوِيل الباع كالسيف الصَّقِيل)

стр. 66

(وفى ابْن الْجَعْفَرِي بحلفتيه ... على العلات وَالْمَال الْقَلِيل) فَقَالَت الصبية مجيبة لَهُ: // (الوافر) // (إِذا هبت ريَاح أبي عقيل ... دَعونَا عِنْد هبتها الوليدا) (طَوِيل الباع أَبيض عبشمياً ... أعَان على مروءته لبيدا) (بأمثال الهضاب كَأَن ركباً ... عَلَيْهَا من بني حامٍ قعُودا) (أَبَا وهبٍ جَزَاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا الثريدا) (فعد إِن الْكَرِيم لَهُ معاد ... وظني بِابْن أروى أَن يعودا) فَقَالَ: أَحْسَنت لَوْلَا أَنَّك سَأَلت، فَقَالَت: إِن الْمُلُوك لَا يستحيا من مسألتهم، فَقَالَ: وَأَنت فِي هَذَا أشعر. قَالَ بعض الْعلمَاء: " أقوى النَّاس أعودهم بقوته على الضُّعَفَاء، وأبلغهم أنطقهم عَن أهل الغي، وأحقهم بِالنعْمَةِ أشكرهم لَهَا، وأجودهم أصوبهم بعطيته موضعا. وَقَالَ عَلِيُّ ﵇: " حسب الْبَخِيل من بخله سوء ظَنّه بربه، وَمن

стр. 67

أَيقَن بالخلف جاد بِالْعَطِيَّةِ ". وَكَانَ المَأمُونُ يَقُول: " سادة النَّاس فِي الدُّنْيَا الأسخياء، وَفِي الْآخِرَة الأتقياء، وَأَن الرزق الْوَاسِع لمن لَا يسْتَمْتع بِهِ بِمَنْزِلَة طَعَام مَوْضُوع على قبر، أُفٍّ للبخل، لَو كَانَ طَرِيقا مَا سلكته، وَلَو كَانَ قَمِيصًا مَا لبسته ". قَالَ أبُو مَعْيوفٍ الحِمْصِيُّ: " حَدثنِي أبي أَنه حضر الحكم بن الْمطلب حِين مَاتَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ هون عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ وَكَانَ، قَالَ: فَذكرت محاسنه، فأفاق فَقَالَ من الْمُتَكَلّم؟ فَقلت لَهُ: أَنا، فَقَالَ: إِن ملك الْمَوْت يَقُول: إِنِّي بِكُل سخي رَفِيق، ثمَّ كَأَنَّهُ كَانَ فَتِيلَة انطفأت ". آخر الْكتاب وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَوَافَقَ الْفَرَاغ مِنْهُ على يَد جَامعه الْفَقِير إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى مُحَمَّد ابْن مَنْصُور بن جَيش الْوَاعِظ الْمَعْرُوف بِابْن الْحداد عَفا الله عَنهُ، وَذَلِكَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث عشر من جُمَادَى الآخر من سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة حامداً الله تَعَالَى، ومصلياً على نبيه مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم تَسْلِيمًا.