Полный текст (67 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
الْحَمد لله مانح الْمُلُوك رياسة الْبِلَاد، وموليهم سياسة الْعباد ومؤيدهم بالنصر على الأضداد، من أهل الشقاق والعناد، وواعدهم على المعدلة حسن الْعَاقِبَة فِي الْمعَاد: ﴿إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ [آل عمرَان: ٩] ، أَحْمَده على مَا أنعم وَأفَاد وأشكره شكرا لَيْسَ لَهُ نفاد، وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ، شَهَادَة أخْلص لَهُ فِيهَا اللِّسَان والفؤاد، وَأشْهد أَن محمداُ عَبده وَرَسُوله النَّاسِخ الضَّلَالَة بالرشاد، صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الأمجاد وَأَصْحَابه الزهاد، صَلَاة لَا ينْحَصر لَهَا تعداد.
أما بعد: فَإِن من وصف الرياسة الْعدْل فِي السياسة، لتعمر الْبِلَاد ويأمن الْعباد، ويصخ الْفساد، وتجري الْأُمُور على وفْق السداد، وتنتعش الرّعية، وتقوى على أَدَاء الْفَرَائِض الشَّرْعِيَّة، وَتلك رَحْمَة من الله أودعها قُلُوب الْوُلَاة والملوك، لينصفوا بَين الْمَالِك والمملوك والغني والصعلوك.
والسياسة سياستان: سياسة الدّين، وسياسة الدُّنْيَا.
فسياسة الدّين، مَا أدّى إِلَى قَضَاء الْغَرَض.
стр. 2
وسياسة الدُّنْيَا، مَا أدّى إِلَى عمَارَة الأَرْض، وَكِلَاهُمَا يرجعان إِلَى الْعدْل الَّذِي بِهِ سَلامَة السُّلْطَان وَعمارَة الْبلدَانِ، لِأَن من ترك الْفَرْض ظلم نَفسه، وَمن خرب الأَرْض ظلم غَيره. قَالَ أفلاطون الْحَكِيم: بِالْعَدْلِ ثبات الْأَشْيَاء وبالجور زَوَالهَا.
وَلما كَانَ الْعدْل هُوَ ميزَان الله فِي أرضه، وَبِه يتَوَصَّل إِلَى أَدَاء فَرْضه، بادرت إِلَى جمع لمْعَة فِيمَا ورد من محَاسِن الْعدْل والسياسة لِذَوي النفاسة، وأرباب الرياسة وجعلتها كتابا ووسمته " بالجوهر النفيس فِي سياسة الرئيس "، وَكَانَ الَّذِي حداني على ذَلِك: مَا انْتَشَر فِي الْبِلَاد واشتهر بَين الْعباد، من حسن سيرة الْمولى الْأَمِير الْكَبِير الأسعد الأمجد، الْعَالم، الْعَادِل، الْكَامِل، الزَّاهِد، العابد، الْمُجَاهِد، أخص الْخَواص الْعَامِل بالإخلاص، كَهْف الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، ملك الْأُمَرَاء والمقدمين، خَالِصَة أَمِير الْمُؤمنِينَ، سعد الدُّنْيَا وَالدّين ولي الدولة البدرية وصفي المملكة الرحيمية، خلد الله سلطانها وَأَعْلَى فِي الدَّاريْنِ مَكَانهَا وإمكانها، أحسن الله عاقبته وأبد ولَايَته فِي الْبِلَاد، وَجَمِيل سيرته ومعدلته بَين الْعباد، وَالْعَمَل بِالْعَدْلِ والإفضال وَالْفضل، وَحب الصَّدقَات وَفعل الْخيرَات والتنفيس عَن المكروبين، وَالْإِحْسَان إِلَى جَمِيع الْمُسلمين المقيمين بمقره والنازحين، وإغاثة الملهوف وتحبيس الْوُقُوف، وَإِعْطَاء الجزيل وإسداء الْجَمِيل، وتتبع فعل
стр. 3
الْخيرَات بِمَا لَا يُحْصى من جَمِيع الْجِهَات على دوَام الْأَوْقَات راجياً مَا عِنْد الله يَوْم الْفَصْل والميقات ثَوابًا موفوراً: ﴿يَوْم تَجِد كل نفس مَا عملت من خير محضرا﴾ [آل عمرَان: ٣٠] .
بلغه الله الآمال فِي الدُّنْيَا والمآل، وأدام دولته، وَحفظ مهجته، وأعز أنصاره، وضاعف اقتداره وَأحسن إِلَيْهِ بإحسانه إِلَيْنَا، وأنعم عَلَيْهِ بإنعامه علينا بِمُحَمد وَآله الطاهرين، وَأَصْحَابه المنتجبين. وَلما تمّ هَذَا الْكتاب كالدر والعقيان فِي نحور الحسان، حَملته خدمَة مني لمحروس خزانته العامرة وَنعمته الغامرة، لِيَزْدَادَ من حسن سيرته، وَجَمِيل معدلته، وَتلك نعْمَة أنعمها الله عَلَيْهِ، ليؤدي شكرها إِلَيْهِ.
ثَبت الله قَوَاعِد سُلْطَانه وأيده بتأييد أعوانه، وتولاه فِيمَا ولاه بِمُحَمد وَمن اصطفاه.
وبنيت أصُول هَذَا الْكتاب على عشرَة أَبْوَاب: الْبَاب الأول فِي فضل الْعدْل من ذَوي الْفضل
стр. 4
الْبَاب الثَّانِي فِي فضل السياسة من أَرْبَاب الرياسة الْبَاب الثَّالِث فِي فضل الْحلم والأناة من الْمُلُوك والولاة الْبَاب الرَّابِع فِي فضل الْعَفو المشوب بالصفو الْبَاب الْخَامِس فِي اصطناع الْمَعْرُوف إِلَى الْمَجْهُول وَالْمَعْرُوف الْبَاب السَّادِس فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق من متوفري الخلاق الْبَاب السَّابِع فِي السؤدد والمروة من ذَوي الْفضل والفتوة الْبَاب الثَّامِن فِي حسن الْخلق من الْخلق الْبَاب التَّاسِع فِي فضل المشورة من ذَوي الآراء الْبَاب الْعَاشِر فِي فضل السخاء والجود الْمفضل فِي الْوُجُود وَالله تَعَالَى الْمَسْئُول فِي بُلُوغ المأمول، إِنَّه ولي الْإِجَابَة وَمَوْضِع الطّلبَة مِنْهُ، وَطوله وقوته وَحَوله.
стр. 5
(الْبَاب الأول)
(فِي فضل الْعدْل من ذَوي الْفضل)
رُوِيَ فِي " الْخَبَر الْجَلِيّ " عَن الْجَانِب الْمُقَدّس النَّبَوِيّ أَنه قَالَ [ ﷺ ] : " الْعدْل ميزَان الله فِي الأَرْض فَمن أَخذ بِهِ قَادَهُ إِلَى الْجنَّة، وَمن تَركه قَادَهُ إِلَى النَّار ".
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " يَوْم من أَيَّام إِمَام عَادل أفضل من عبَادَة سِتِّينَ سنة ". قلت: وناهيك مِنْهَا حَالَة على كل الْأَحْوَال فاخرة، تزين دنيا وَتثبت آخِرَة، أوفت عبَادَة العابدين مقَاما، إِذا نَالَتْ محاولها أَفْخَر مَآلًا وأشرف مقَاما، وَذَلِكَ أَن الْعدْل صفة من صِفَات الْخَالِق، وَرَحْمَة مَوْجُودَة فِي الْخَلَائق، يقمع سَيْفه كل باغٍ وَعَاد، ويكنف ظله كل ملهوف وصادٍ، وَهُوَ غرس جناه أعذب خير، لِأَن خير الْأَعْمَال مَا تعدى نَفعه إِلَى الْغَيْر وَأَقُول: // (الْكَامِل) //:
стр. 6
(وَالله مَا حلي الإِمَام بحليةٍ ... أبهى من الْإِحْسَان والإنصاف)
(فلسوف يلقى فِي الْقِيَامَة فعله ... مَا كَانَ من كدرٍ أَتَاهُ وصافي)
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " زين الله السَّمَاء بالشمس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب، وزين الأَرْض بالعلماء والمطر وَالسُّلْطَان الْعَادِل ".
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " إِن أفضل مَا يمن الله على عباده الْملك الْخَيْر الْفَاضِل ". وَعَن عبد الله بن عمر _ ﵄ _ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " المقسطين عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة على مَنَابِر من نور على يَمِين الرَّحْمَن وكلتا يَدَيْهِ يَمِين، الَّذين يعدلُونَ فِي حكمهم وأهاليهم وَمَا ولوا ". وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء: " بالراعي تصلح الرّعية، وبالعدل تملك الْبَريَّة وَمن عدل فِي سُلْطَانه اسْتغنى عَن أعوانه، وَالظُّلم مسْلبَةٌ النعم، ومجلبة
стр. 7
النقم، وَأقرب الْأَشْيَاء سرعَة الظلوم وأنفذ السِّهَام دَعْوَة الْمَظْلُوم، وَمن سل سيف الْعدوان سلب من السُّلْطَان ". وَقَالَ أرسطاطاليس: " الْحَكِيم الْعَالم بستانٌ، سياجه الدولة، الدولة ولَايَة تحرسها الشَّرِيعَة، الشَّرِيعَة سنة يستنها الْملك الْملك راعٍ يعضده الْجَيْش، الْجَيْش أعوان يكفيهم الرزق، الرزق مَال تجمعه الرّعية، الرّعية عبيد يستعبدهم الْعدْل، الْعدْل مألوف وَهُوَ قوام الْعَالم "، وَكَانَ مَكْتُوبًا على خَاتم كسْرَى أنو شرْوَان: " عدل السُّلْطَان أَنْفَع من خصب الزَّمَان ".
قَالَ الفضيل بن عِيَاض ﵀: " إِن الله تَعَالَى لَا يهْلك الرّعية، وَإِن
стр. 8
كَانَت ظالمة إِذا كَانَت الْأَئِمَّة هادية مهديةٌ: وَيهْلك الرّعية وَإِن كَانَت هادية مهدية إِذا كَانَت الْأَئِمَّة ظالمة، لِأَن أَعمال الْأَئِمَّة تعلو أَعمال الرّعية ". وروى جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق _ ﵉ _ يرفعهُ إِلَى النَّبِي _[ ﷺ ]_ أَنه قَالَ: " مَا من ملك يصل رَحمَه، وَذَا قرَابَته، ويعدل فِي رَعيته، إِلَّا شدّ الله ملكه، وأجزل ثَوَابه، وَأكْرم مآبه وخفف حسابه ".
стр. 9
(الْبَاب الثَّانِي)
(فِي فضل السياسة من أَرْبَاب الرياسة)
رُوِيَ عَن النَّبِي _[ ﷺ ]_ أَنه قَالَ: " أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة رجلٌ أشركه الله فِي سُلْطَانه فجار فِي حكمه ".
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " من استرعاه الله رعية فَلم يحطهَا بنصيحة لم يرح رَائِحَة الْجنَّة، وَإِن رِيحهَا لتوجد من مسيرَة خَمْسمِائَة عَام ".
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " كلكُمْ راعٍ وكلكم مسئول عَن رَعيته "، قَالَ رجل للرشيد _ ﵀ _ فِي بعض غَزَوَاته، وَقد ألح
стр. 10
عَلَيْهِم الثَّلج: " أما ترى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا نَحن فِيهِ والرعية وَادعَة؟ فَقَالَ: اسْكُتْ على الرّعية الْمَنَام وعلينا الْقيام، وَلَا بُد لِلرَّاعِي من حراسة رَعيته ".
فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي ذَلِك: // (الْكَامِل) //:
(غضِبت لغضبتك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصرة الْإِسْلَام)
(نَامُوا إِلَى كنفٍ بعد لَك وَاسع ... وسهرت تحرس غَفلَة النوام)
وَقَالَ بَعضهم: " طلب الرياسة صَبر على مضض السياسة " وَقَالَ زِيَاد: " جمال الْولَايَة شدَّة فِي غير إفراط ولين فِي غير إهمال ".
وَقَالَ زِيَاد لحاجبه عجلَان: " قد وليتك بَابي وعزلتك عَن أَربع: طَارق ليل شَرّ مَا جَاءَ بِهِ أم خير، وَرَسُول صَاحب الثغر فَإِنَّهُ إِن تَأَخّر سَاعَة بَطل عمل
стр. 11
سنة، وَهَذَا الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ وَصَاحب الطَّعَام إِذا أدْرك، فَإِن الطَّعَام إِذا أُعِيد عَلَيْهِ التسخين فسد ".
قَالَ أَبُو الْحسن: " لما ولي زِيَاد الْكُوفَة صعد الْمِنْبَر بعد صَلَاة الظّهْر، فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَيهَا النَّاس إِنِّي قد رَأَيْت إعظام ذَوي الشّرف، وإجلال أهل الْعلم، وتوقير ذَوي الْأَسْنَان، وَإِنِّي أعَاهد الله لَا يأتيني شرِيف بوضيع لم يعرف لَهُ شرفه على ضعته إِلَّا عاقبته، وَلَا يأتني كهلٌ بحدثٍ لم يعرف لَهُ فضل سنة إِلَّا عاقبته، وَلَا يأتيني عَالم بجاهل لاحاه فِي علمه ليهجنه عَلَيْهِ إِلَّا عاقبته، فَإِنَّمَا النَّاس بأشرافهم وعلمائهم وَذَوي أسنانهم، ثمَّ تمثل بقول الأفوه الأودي: // (الْبَسِيط) //:
(تهدى الْأُمُور بِأَهْل الرَّأْي مَا صلحت ... وَإِن تولت فبالأشرار تنقاد)
стр. 12
(لَا يصلح النَّاس فوضى لَا سراة لَهُم ... وَلَا سراة إِذا جهالهم سادوا)
قَالَ أَعْرَابِي: " إِذا كَانَ الرَّأْي عِنْد من لَا يقبله، وَالسِّلَاح عِنْد من لَا يَسْتَعْمِلهُ، وَالْمَال عِنْد من لَا يُنْفِقهُ ضَاعَت الْأُمُور "، وَبلغ بعض الْمُلُوك حسن سياسة ملكٍ، فَكتب إِلَيْهِ: " أفدني بِمَا بلغت هَذَا فَكتب إِلَيْهِ: لم أهزل فِي أمرٍ وَلَا نهيٍ وَلَا وعدٍ وَلَا وعيدٍ، واستكفيت على الْكِفَايَة، وَأثبت على العناء، لَا على الْهوى، وأودعت الْقُلُوب هَيْبَة لم يشبها مقت، ووداً لم يشبه كدرٌ، وعممت بالقوت، ومنعت الفضول ".
стр. 13
وَلما أَرَادَ الاسكندر الْخُرُوج إِلَى أقاصي الأَرْض قَالَ لأرسطاطاليس: " أخرج معي قَالَ: قد كل بدني، وضعفت عَن الْحَرَكَة، فَلَا تزعجني، قَالَ: فأوصني فِي عمالي خَاصَّة قَالَ: انْظُر من كَانَ لَهُ مِنْهُم عبيدٌ فَأحْسن سياستهم فوله الْجند، وَمن كَانَت لَهُ ضَيْعَة، فَأحْسن تدبيرها فوله الْخراج ".
وَقَالَ زِيَادٌ: " مَا غلبني مُعَاوِيَة فِي شَيْء من أَمر السياسة إِلَّا فِي شَيْء وَاحِد، وَذَاكَ أَنِّي اسْتعْملت رجلا على " دستميسان " فَكسر الْخراج وَلحق بِمُعَاوِيَة، فَكتبت إِلَيْهِ أسأله أَن يبْعَث بِهِ إِلَيّ فَكتب: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، أما بعد: فَإِنَّهُ لَيْسَ يَنْبَغِي لمثلي وَمثلك أَن نسوس النَّاس جَمِيعًا بسياسة وَاحِدَة،
стр. 14
وَأَن نشتد جَمِيعًا فنخرهم، أَو نلين جَمِيعًا فنمرجهم وَلَكِن تكون أَنْت إِلَى الفظاظة والغلظة وأكون أَنا أَلِي الرأفة وَالرَّحْمَة، فَإِذا هرب هارب من بَاب وَاحِد وجد بَابا يدْخل فِيهِ، وَالسَّلَام.
سَأَلَ ملك من مُلُوك الْفرس موبذان: " مَا شَيْء وَاحِد يعز بِهِ السُّلْطَان؟ قَالَ: الطَّاعَة، قَالَ: فَمَا سَبَب الطَّاعَة؟ قَالَ: تقريب الْخَاصَّة، وَالْعدْل على الْعَامَّة، قَالَ: فَمَا صَلَاح الْملك؟ قَالَ: الرِّفْق بالرعية، وَأخذ الْحق مِنْهُم، وأداؤه إِلَيْهِم عِنْد أَوَانه، وسد الْفروج، وَأمن السبل، وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم، وَأَن يحرص الْقوي على الضَّعِيف، قَالَ فَمَا صَلَاح الْملك؟ قَالَ: وزراؤه وأعوانه فَإِنَّهُم إِن صلحوا صلح، وَإِن فسدوا فسد.
стр. 15
قَالَ: فأية خصْلَة تكون فِي الْملك أَنْفَع؟ قَالَ: صدق النِّيَّة " وَقَالَ الإِمَام عَليّ بن أبي طَالب ﵇: " يَنْبَغِي للْملك أَن يعْمل بخصال ثَلَاث: تَأْخِير الْعقُوبَة فِي سُلْطَان الْغَضَب، وتعجيل الْمُكَافَأَة للمحسن، وَالْعَمَل بالأناة فِيمَا يحدث فَإِن لَهُ فِي تَأْخِير الْعقُوبَة إِمْكَان الْعَفو، وَفِي تَعْجِيل الْمُكَافَأَة بِالْإِحْسَانِ المسارعة فِي الطَّاعَة من الرّعية، وَفِي الأناة انفساح الرَّأْي، واتضاح الصَّوَاب ".
وَقَالَ أنو شرْوَان: النَّاس ثَلَاث طَبَقَات، تسوسهم ثَلَاث سياسات: طبقَة من خَاصَّة الْأَبْرَار، نسوسهم بالْعَطْف واللين وَالْإِحْسَان.
وطبقة من خَاصَّة الأشرار نسوسهم بالغلظة، والشدة.
وطبقة بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء، نسوسهم بالغلظة مرّة وباللين مرّة، لِئَلَّا تخرجهم الغلظة وَلَا يبطرهم اللين.
رفع إِلَى المعتضد _ ﵀ _ أَن قوما يَجْتَمعُونَ ويرجفون ويخوضون فِي الفضول، وَقد تفاقم فسادهم، فَرمى بالرقعة إِلَى وزيره عبيد الله بن سُلَيْمَان، فَقَالَ: " الرَّأْي قتل بَعضهم وإحراق بَعضهم، فَقَالَ المعتضد: وَالله لقد بردت لهيب غَضَبي بقسوتك هَذِه، ونقلتني إِلَى اللين من حَيْثُ أَشرت بِالْقَتْلِ والحرق، وَمَا علمت أَنَّك تستجيز هَذَا فِي دينك، أما علمت أَن الرّعية وَدِيعَة الله
стр. 16
عِنْد سلطانها وَأَن الله تَعَالَى سائله عَنْهَا، أما تَدْرِي أَن أحدا من الرّعية لَا يَقُول إِلَّا لظلم لحقه أَو داهية نالته، أَو نَالَتْ صاحباً لَهُ، ثمَّ قَالَ: سل عَن الْقَوْم فَمن كَانَ سيئ الْحَال فَصله، وَمن كَانَ يُخرجهُ إِلَى هَذَا البطر خَوفه " فَفعل فصلحت الْحَال، قَالَ بعض الْحُكَمَاء: " من تغدى بسيئ السِّيرَة تعشى بِزَوَال الْقُدْرَة ".
وَقَالَ آخر: " من ساءت سيرته لم يَأْمَن أبدا، وَمن حسنت سيرته لم يخف أحدا ".
وَقَالَ آخر: " من أحسن فبنفسه بدا، وَمن أَسَاءَ فعلى نَفسه جنى، وَمن طَال تعديه كثر أعاديه ".
وَقَالَ آخر: " أفضل الْمُلُوك من أحسن فِي فعله وَنِيَّته، وَعدل فِي جنده ورعيته ".
قيل للإسكندر: " لَو استكثرت من النِّسَاء ليكْثر ولدك، فيدوم بهم ذكرك، فَقَالَ: دوَام الذّكر تَحْسِين السِّيرَة وَالسّنَن، وَلَا يحسن بِمن غلب الرِّجَال أَن يغلبه النِّسَاء ".
وَقَالَ بعض الْعلمَاء: " مَا أعلم شَيْئا بعد الْإِخْلَاص بِاللَّه أفضل من نصيحه الْوَالِي لرعيته ".
стр. 17
(الْبَاب الثَّالِث)
(فِي فضل الْحلم والأناة من الْمُلُوك والولاة)
قَالَ الْهِلَالِي: بَلغنِي أَن جِبْرِيل _ ﵇ _ نزل على النَّبِي _[ ﷺ ]_ فَقَالَ: " يَا مُحَمَّد إِنِّي أَتَيْتُك بمكارم الْأَخْلَاق كلهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ [الْأَعْرَاف: ١٩٩] ، وَهُوَ يَا مُحَمَّد أَن تصل من قَطعك وَتَعْفُو عَمَّن ظلمك وَتُعْطِي من حَرمك ".
قَالَ الشّعبِيّ: " قلت لِابْنِ هُبَيْرَة: عَلَيْك بالتؤدة، فَإنَّك على فعل مَا لم تفعل أقدر مِنْك على رد مَا قد فعلت ".
قَالَ يزِيد بن مُعَاوِيَة لِأَبِيهِ: " يَا أبه هَل ذممت عَاقِبَة حلمٍ قطّ؟ أم
стр. 18
حمدت عَاقِبَة إقدام قطّ؟ قَالَ: مَا حلمت عَن لئيم، وَإِن كَانَ وليا إِلَّا أعقبني ندماً وَلَا أقدمت على كريم وَإِن كَانَ عدوا إِلَّا أعقبني أسفا ".
قَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش: " اجْتمع أَرْبَعَة مُلُوك: ملك " الْهِنْد "، وَملك " الصين "، و " كسْرَى "، و " قَيْصر "، فَقَالَ أحدهم: أَنا أندم على مَا قلت، وَلَا أندم على مَا لم أقل، وَقَالَ الآخر: إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَلم أملكهَا، وَإِذا لم أَتكَلّم بهَا ملكتها وَلم تملكني، وَقَالَ الثَّالِث: عجبت للمتكلم إِن رجعت الْكَلِمَة عَلَيْهِ ضرته، وَإِن لم ترجع ضرته، وَقَالَ الرَّابِع: أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت ".
سَأَلَ عَليّ _ ﵇ _ كَبِيرا من كبراء " فَارس ": " أَي ملوككم كَانَ أَحْمد سيرة؟ قَالَ: أنو شرْوَان قَالَ: فَأَي أخلاقه كَانَ أغلب عَلَيْهِ؟ قَالَ: الْحلم والأناة، فَقَالَ عَليّ ﵇: هما توءمان ينتجهما علو الهمة ".
أُتِي الْحجَّاج بِرَجُل من الْخَوَارِج فَأمر بِضَرْب عُنُقه، فاستنظره يَوْمًا قَالَ: وَمَا تُرِيدُ بذلك؟ قَالَ: أؤصل عَفْو الْأَمِير مَعَ مَا تجْرِي بِهِ الْمَقَادِير، فَاسْتحْسن قَوْله وخلاه.
стр. 19
أُتِي بعض الْمُلُوك بِرَجُل قد أجرم فَأمر بِضَرْب عُنُقه، فَقَالَ لَهُ الرجل: يَا مولَايَ تأن عَليّ فَإِن التأني نصف الْعقُوبَة، فَعَفَا عَنهُ، أَخذ مُصعب بن الزبير رجلا من أَصْحَاب الْمُخْتَار بن أبي عبيد فَأمر بِضَرْب عُنُقه، فَقَالَ: أَيهَا الْأَمِير مَا أقبح بك أَن أقوم يَوْم الْقِيَامَة إِلَى صُورَتك هَذِه الْحَسَنَة ووجهك هَذَا الَّذِي يستضاء بِهِ، فأتعلق بأطرافك وَأَقُول: يَا رب سل مصعباً فيمَ قتلني؟ فَقَالَ: مُصعب: أَطْلقُوهُ قَالَ: اجْعَل مَا وهبت من حَياتِي فِي خفض قَالَ: أَعْطوهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم، قَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، أشهد الله أَن لِابْنِ قيس الرقيات خَمْسَة آلَاف، قَالَ: وَلم؟ قَالَ: لقَوْله: // (الْخَفِيف) //
(إِنَّمَا مُصعب شهَاب من الله ... تجلت عَن وَجهه الظلماء)
(يَتَّقِي الله فِي الْأُمُور وَقد أَفْلح ... من كَانَ همه الاتقاء)
стр. 20
فَضَحِك مُصعب وَقَالَ: فِيك مَوضِع للصنيعة، وَأمره بملازمته وَأحسن إِلَيْهِ وَلم يزل مَعَه حَتَّى قتل مُصعب.
قَالَ الْمَدَائِنِي: " ثَلَاثَة لَا ينتصفون من ثَلَاثَة: حَلِيم من أَحمَق، وبر من فَاجر وشريف من دني ".
وَكَانَ يُقَال: " لَيْسَ الْحَلِيم من ظلم فحلم حَتَّى إِذا قدر انتقم، وَلَكِن الْحَلِيم من ظلم فحلم حَتَّى إِذا قدر عَفا ".
قَالَ خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي: " شهِدت عَمْرو بن عبيد، وَرجل يشتمه فَمَا ترك شَيْئا إِلَّا وأوسعه إِيَّاه، فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ عَمْرو: آجرك الله على مَا ذكرت من صَوَاب، وَغفر لَك مَا ذكرت من أخطاء، فَمَا حسدت أحدا حسدي على هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ ".
стр. 21
وَكَانَ يُقَال: " إِن أفضل رِدَاء ارتدي بِهِ الْحلم، فَإِن لم يكن حَلِيمًا فيتحلم، فَإِنَّهُ قل لمن تشبه بِقوم إِلَّا أوشك أَن يكون مِنْهُم ".
وَكَانَ يُقَال: " احضر النَّاس جَوَابا من لم يغْضب ".
دخل جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث على الرشيد، وَقد استخفه الْغَضَب على رجل، فَقَالَ لَهُ: " يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّك إِنَّمَا تغْضب لله، فَلَا تغْضب لَهُ أَكثر مِمَّا غضب لنَفسِهِ ".
كَانَ أَسمَاء بن خَارِجَة الْفَزارِيّ يَقُول: " النَّاس إِمَّا لئيم، فوَاللَّه لَا أجعَل عرضي لعرضه خطراً وَلَا أجعله لي ندا، وَإِمَّا كريم كَانَت مِنْهُ هفوة، فوَاللَّه لَا أؤدبه، لِأَنِّي أَحَق من غفرها، وَقَالَ: // (الطَّوِيل) //
(وأغفر عوراء الْكَرِيم ادخاره ... وَأعْرض عَن شتم اللَّئِيم تكرما)
قَالَ بعض الْعلمَاء: مَكْتُوب فِي الْإِنْجِيل: " لَا يَنْبَغِي أَن يكون الْعَالم
стр. 22
سَفِيها، وَمن عِنْده يقتبس الْحلم، وَلَا يَنْبَغِي أَن يكون الإِمَام جائراً، وَمن عِنْده يلْتَمس الْعدْل.
(الْبَاب الرَّابِع فِي فضل الْعَفو المشوب بالصفو)
قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " عَفْو الْمُلُوك بَقَاء للْملك "، وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " إِن الْعَفو لَا يزِيد العَبْد إِلَّا عزا فاعفوا يعزكم الله، وَإِن التَّوَاضُع لَا يزِيد العَبْد إِلَّا رفْعَة، فتواضعوا يرفعكم الله، وَإِن الصَّدَقَة لَا تزيد المَال إِلَّا نَمَاء فتصدقوا يزدكم الله ".
لما أُتِي عبد الْملك بن مَرْوَان بأسرى بني الْأَشْعَث قَالَ لرجاء بن حَيْوَة: مَا ترى؟ قَالَ: " إِن الله أَعْطَاك مَا تحب من الظفر فأعطه مَا يحب من الْعَفو
стр. 23
فَعَفَا عَنْهُم ".
وَلما ظفر الْمَأْمُون بِعَمِّهِ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي قَالَ لِأَحْمَد بن أبي خَالِد الْكَاتِب: يَا أَحْمد مَا تَقول فِي هَذَا الرجل؟ فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن تقتله فقد وجدت مثلك قتل مثله، وَإِن تعف لم تَجِد مثلك عَفا عَن مثله، فَقَالَ الْمَأْمُون: لَا رَأْي لنا فِي الشّركَة، وَأمر بِإِطْلَاقِهِ وَعَفا عَنهُ.
كَانَ مُعَاوِيَة يَقُول: إِن أولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم على الْعقُوبَة، وَإِن أنقص النَّاس عقلا من ظلم من هُوَ دونه ".
قَالَ عِكْرِمَة: إِن الله تَعَالَى قَالَ ليوسف ﵇: " بِعَفْو عَن إخْوَتك، رفعت ذكرك فِي الذَّاكِرِينَ ".
وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد: " لِأَن أندم على الْعَفو أحب إِلَيّ من أَن أندم على الْعقُوبَة ".
كتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنَّك أعز مَا تكون أحْوج مَا
стр. 24
تكون إِلَى الله ، وَإِذا عززت بِاللَّه فاعفو لله، فَإنَّك بِهِ تعز وَإِلَيْهِ ترجع
غضب سُلَيْمَان بن عبد الْملك على خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، وَإنَّك تجل عَن الْعقُوبَة، فَإِن تعف فَأهل ذَلِك أَنْت، وَإِن تعاقب فبمَا كَانَ منا.
كَانَ الْمَأْمُون يَقُول: لَيْسَ على الْحلم مؤونة ولوددت أَن أهل الجرائم علمُوا رَأْيِي فِي الْعَفو فَيذْهب عَنْهُم الْخَوْف، فيخلص إِلَى قُلُوبهم وَأنْشد الْحسن بن رَجَاء فِي الْمَأْمُون يَقُول: // (الطَّوِيل) //
стр. 25
(صفوح عَن الإجرام حَتَّى كَأَنَّهُ ... من الْعَفو لم يعرف من النَّاس مجرما)
(وَلَيْسَ يُبَالِي أَن يكون بِهِ الْأَذَى ... إِذا مَا الْأَذَى لم يغش بالكره مُسلما)
قَالَ: الْمَدَائِنِي: لما ظفر الْحجَّاج بأصحاب ابْن الْأَشْعَث فغدا يضْرب أَعْنَاقهم عَامَّة النَّهَار، فَأتي بِرَجُل فِي آخِرهم من بني تَمِيم
فَقَالَ: يَا حجاج لَئِن كُنَّا أسأنا فِي الذَّنب مَا أَحْسَنت أَنْت فِي الْعقُوبَة.
فَقَالَ الْحجَّاج: أُفٍّ لهَذِهِ الْجِيَف، مَا كَانَ فيهم رجل يحسن مثل هَذَا وَعَفا عَنهُ.
قَالَ الشَّاعِر: // (الطَّوِيل) //
(إِذا مَا امْرُؤ من ذَنبه جَاءَ تَائِبًا ... إِلَيْك فَلم تغْفر لَهُ فلك الذَّنب)
قيل للأحنف بن قيس: مِمَّن تعلمت الْعَفو وَحسن الْخلق، قَالَ: من قيس بن عَاصِم الْمنْقري، فَقيل لَهُ: وَكَيف ذَلِك؟ وَمَا بلغ من حلمه؟ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ جَالس فِي دَاره، إِذْ جَاءَت خَادِم لَهُ بسفود عَلَيْهِ شواء فَسقط من يَديهَا فَوَقع على ابْن لَهُ فَمَاتَ، فدهشت الْجَارِيَة، فَقَالَ: لَا روع عَلَيْك أَنْت
стр. 26
حرَّة لوجه الله تَعَالَى.
أُتِي الْمَنْصُور بِرَجُل ليعاقبه فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الانتقام عدل، والتجاوز فضل، وَنحن نعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يرضى لنَفسِهِ بأوكس النَّصِيبَيْنِ، دون أَن يبلغ أرفع الدرجتين، فَعَفَا عَنهُ.
كَانَت جَارِيَة لعَلي بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵈ تسكب المَاء على يَده، فنعست فَسقط الإبريق من يَدهَا فَشَجَّهُ فَرفع رَأسه، فَقَالَت: إِن الله يَقُول: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمرَان: ١٣٤] ، قَالَ: كظمت غيظي، قَالَت: ﴿وَالْعَافِينَ عَن النَّاس﴾ [آل عمرَان: ١٣٤] ، قَالَ:
стр. 27
عَفا الله عَنْك، قَالَت: ﴿وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمرَان: ١٣٤] ، قَالَ: فاذهبي فَأَنت حرَّة لوجه الله تَعَالَى.
قَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي هَذَا الْمَعْنى: // (الْبَسِيط) //
(تَمُوت أضغانه أَيَّام قدرته ... ومكنة الْحر تنسي فَاحش الخطل)
(إِذا الجرائم هاجته تغمدها ... بالصفح مِنْهُ حَلِيمًا غير ذِي فشل)
جنى عبد أسود على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ فِي عنفوان حداثته جِنَايَة، فشده ليضربه، فَقَالَ لَهُ: يَا مولَايَ لم تضربني؟ قَالَ: لِأَنَّك جنيت كَذَا، وَكَذَا، فَقَالَ العَبْد: هَل جنيت أَنْت جِنَايَة قطّ، فَغَضب عَلَيْك مَوْلَاك؟ قَالَ: نعم، قَالَ: فَهَل عجل عَلَيْك؟ فَقَالَ لَهُ: قُم فَأَنت حر لوجه الله تَعَالَى، فَكَانَ ذَلِك سَبَب تَوْبَته لأبي مُحَمَّد الْقَاسِم الحريري يَقُول: // (الْبَسِيط) //
(أَحْمد بِحِلْمِك مَا أذكاه ذُو سفه ... من غيظك، وَاصْفَحْ إِن جنى جاني)
(فالحلم أفضل مَا ازدان اللبيب بِهِ ... وَالْأَخْذ بِالْعَفو أحلى مَا جنى جاني)
стр. 28
قَالَ: بعض الْمَشَايِخ: جرى بَين شهرام الْمروزِي وَبَين أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي كَلَام شَدِيد فَمَا زَالَ أَبُو مُسلم يقاوله إِلَى أَن قَالَ: لَهُ شهرام بالغيظ: كذبت، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِك صمت أَبُو مُسلم وَنَدم شهرام، وَأَقْبل عَلَيْهِ معتذراً، وخاضعاً متذللاً، فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبُو مُسلم قَالَ: لِسَان سبق، وَوهم أَخطَأ، وَإِنَّمَا الْغَضَب شَيْطَان وَأَنا جرأتك بطول احتمالي إياك، وَإِن كنت مُتَعَمدا فقد شاركتك فِيهِ، وَإِن كنت مَغْلُوبًا فالعذر يسعك، وَقد عَفَوْنَا عَنْك على كل حَال، فَقَالَ شهرام: أَيهَا الْأَمِير إِن عفوك لَا يكون غدراً، قَالَ: أجل قَالَ: فَإِن عظم ذَنبي لَا يدع قلبِي يسكن، ولج فِي الِاعْتِذَار فَقَالَ أَبُو مُسلم: يَا عجبي كنت تسيء وَأَنا أحسن، فَإِذا أَحْسَنت أُسِيء.
قَالَ هِشَام بن مُحَمَّد: أُتِي النُّعْمَان بن الْمُنْذر برجلَيْن: أَحدهمَا قد أذْنب ذَنبا عَظِيما فَعَفَا عَنهُ، وَالْآخر قد أذْنب ذَنبا صَغِيرا فعاقبه وَقَالَ // (مجزوء الْكَامِل) //
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْعَظِيم ... من الذُّنُوب لفضلها)
стр. 29
(وَلَقَد تعاقب فِي الْيَسِير ... وَلَيْسَ ذَلِك لجهلها)
(إِلَّا ليعرف حلمها ... وَيخَاف شدَّة نكلها)
وَلأبي الفراس بن حمدَان يَقُول // (الوافر) //:
(وأروع جَيْشه جَيش بهيم ... وغرته عَمُود من صباح)
(صفوح عِنْد قدرته حَلِيم ... قَلِيل الصفح مَا بَين الصفاح)
(وَكَانَ ثباته للقلب قلباً ... وهيبته جنَاحا للجناح)
стр. 30
(الْبَاب الْخَامِس فِي اصطناع الْمَعْرُوف إِلَى الْمَجْهُول وَالْمَعْرُوف)
رُوِيَ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " صَدَقَة السِّرّ تُطْفِئ غضب الرب، وصنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء، وصلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمر ".
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " خصلتان لَيْسَ فَوْقهمَا شَيْء من الشَّرّ: الشّرك بِاللَّه والضر لعباد الله، وخصلتان لَيْسَ فَوْقهمَا شَيْء من الْخَيْر: الْإِيمَان بِاللَّه والنفع لعباد الله ".
وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵉: " إِن لله - تَعَالَى - وُجُوهًا من خلقه خلقهمْ لقَضَاء حوائج عباده يرَوْنَ الْجُود مجداً، والإفضال مغنماً، وَالله يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق ".
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " من عظمت نعْمَة الله عِنْده عظمت مؤونة النَّاس عَلَيْهِ، فَمن لم يحْتَمل تِلْكَ المؤونة عرض تِلْكَ النِّعْمَة للزوال ".
стр. 31
سُئِلَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر: أَي الْأَعْمَال أحب إِلَى الله؟
فَقَالَ: إِدْخَال السرُور على قُلُوب الْمُؤمنِينَ، قيل لَهُ: فَمَا بَقِي مِمَّا يستلذ؟ قَالَ: الإفضال على الإخوان.
قَالَ الْأَصْمَعِي عَن خَليفَة الغنوي: أَنه قدم " الْبَصْرَة "، فَأَتَاهُ نَاس من أهل الْأَدَب يسمعُونَ كَلَامه فَقَالَ لَهُم: يَا بني أخي اتَّقوا الله بِطَاعَتِهِ، وَاتَّقوا السُّلْطَان بِحقِّهِ، وَاتَّقوا النَّاس بِالْمَعْرُوفِ إِلَيْهِم، فَقَالَ رجل مِنْهُم لما خَرجُوا: وَالله مَا سمعنَا كَبِيرا، فَقَالَ شيخ مِنْهُم: وَالله مَا بَقِي من مصلحَة الدّين وَالدُّنْيَا إِلَّا وَقد أَمر بِهِ.
قَالَ الشَّاعِر: [مجزوء الْخَفِيف]
(إصنع الْعرف مَا استطع ... ت يَد الْعرف عاليه ... وَيَد الْعرف كَيفَ كَا ... نت على الدَّهْر بَاقِيه ... صن سؤالاً رجاك أَن ... يتقاضاك ثَانِيه)
.
стр. 32
وَقد قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " رَأس الْعقل بعد الْإِيمَان التودد إِلَى النَّاس، واصطناع الْمَعْرُوف إِلَى كل بار وَفَاجِر ".
قَالَ الْمهْدي ﵀: " مَا توسل إِلَى أحد بوسيلة، وَلَا تذرع بذريعة هِيَ أقرب إِلَى مَا أحب من أَن يذكرنِي يدا سلفت مني إِلَيْهِ أتبعهَا أُخْتهَا وَأحسن ريها لِأَن منع الْأَوَاخِر يقطع شكر الْأَوَائِل ".
قَالَ الشَّاعِر: // (المتقارب) //:
(وَإِنَّا إِذا تركنَا السُّؤَال ... وَلم نبغه فِيهِ يبتدينا)
(وَإِن نَحن لم نبغ معروفه ... فمعروفه أبدا يبتغينا)
قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى ﵈: " خير من الْخَيْر فَاعله وأجمل من الْجَمِيل قَائِله، وأرجح من الْعلم حامله، وَشر من الشَّرّ جالبه، وأهول من الهول رَاكِبه ".
стр. 33
وَقَالَ عبد الله بن عَبَّاس ﵁: مَا رَأَيْت رجلا لي عِنْده مَعْرُوف إِلَّا أَضَاء مَا بيني وَبَينه، وَلَا رَأَيْت رجلا لي إِلَيْهِ إساءة إِلَّا أظلم مَا بيني وَبَينه ".
وَقَالَ عِيسَى ﵇: استكثروا من شَيْء لَا تَأْكُله النَّار.
قيل: مَا هُوَ يَا نَبِي الله؟ قَالَ: الْمَعْرُوف.
وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد لِسُفْيَان الثَّوْريّ إحفظ عني ثَلَاثًا: إِذا صنعت مَعْرُوفا فعجله فَإِن تَعْجِيله تهيئته، وَإِن رَأَيْت أَنه كَبِيرا فصغره، فَإِن تصغيرك إِيَّاه أعظم لَهُ، وَإِذا فعلته فاستره، فَإِنَّهُ إِذا ظهر من غَيْرك كَانَ أَكثر لقدره وَأحسن فِي النَّاس.
وَقيل لجَعْفَر بن مُحَمَّد ﵉: لم حرم الله الرِّبَا؟ قَالَ: لِئَلَّا
стр. 34
يتبايع النَّاس بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور: " لَيْسَ بِإِنْسَان من أسدي إِلَيْهِ مَعْرُوف فنسيه دون الْمَوْت ".
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ عَن عَليّ ﵇ أَنه قَالَ: " لَا يزهدنك فِي الْمَعْرُوف قلَّة شكر من تسديه إِلَيْهِ، فقد شكرك عَلَيْهِ من لم يسْتَمْتع مِنْهُ بِشَيْء، وَقد يدْرك من شكر الشاكر أَكثر مِمَّا أضاع الْكَافِر ".
كتب أرسطا طاليس إِلَى الاسكندر: " إملك الرّعية بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا تظفر بالمحبة مِنْهَا، فَإِن ملكك عَلَيْهَا بإحسانك هُوَ أدوم بَقَاء مِنْهُ باعتسافك وَأعلم أَنَّك إِنَّمَا تملك الْأَبدَان فتحطها إِلَى الْقُلُوب بِالْمَعْرُوفِ، وَاعْلَم أَن الرّعية إِذا قدرت أَن تَقول قدرت أَن تفعل فاجتهد أَلا تَقول تسلم من أَن تفعل ".
قيل للأحنف بن قيس: " من أحسن النَّاس عَيْشًا؟ فَقَالَ من حسن عَيْش غَيره فِي عيشه، قيل: فَمن أَسْوَأ النَّاس عَيْشًا؟ قَالَ: من لَا يعِيش مَعَه أحد ".
قَالَ عبد الْأَعْلَى النَّرْسِي: قدمت على المتَوَكل ﵀ " سامراء " فَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَا يحيى قد كُنَّا هممنا لَك بِأَمْر فتدافعت الْأَيَّام بِهِ،
стр. 35
فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ سَمِعت مُسلم بن خَالِد الزنْجِي يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن جَعْفَر يَقُول: " من لم يشْكر النِّعْمَة ... . . " ثمَّ أنْشد: // (الْبَسِيط) //:
(لأشكرنك مَعْرُوفا هَمَمْت بِهِ ... إِن اهتمامك بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوف)
(وَلَا ألومك إِذا لم يمضه قدر ... فالشيء بِالْقدرِ المحتوم مَصْرُوف)
فجذب الدواة وكتبها ثمَّ قَالَ: ينْحَر لأبي يحيى مَا كُنَّا هممنا بِهِ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، ويضعف لخبره.
قَالَ رجل ليزِيد بن الْمُهلب: إِن فلَانا لم يعرف مَا أتيت إِلَيْهِ.
قَالَ: لَكِن الله يعرفهُ، ثمَّ أنْشد: // (الْبَسِيط) //:
(من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم جوازيه ... لَا يذهب الْعرف بَين الله وَالنَّاس)
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء:
(وَلَا تَمُدَّن يدا فِي غير مَا كرم ... تسديه أَو بذل مَعْرُوف وإنصاف)
(فَسَوف تلقى غَدا مَا أَنْت صانعه ... فِي النَّاس إِن كدراً تولي وَإِن صافي)
وَقَالَ ابْن أبي النَّجْم الشَّاعِر: // (الْخَفِيف) //:
(إصنع الْخَيْر مَا اسْتَطَعْت على الْفَوْر ... وَإِن كنت لَا تحيط بكله)
(فَمَتَى تصنع الْكثير من الْخَيْر ... إِذا كنت تَارِكًا لأقله)
стр. 36
وَقَالَ مُحَمَّد بن طَاهِر الرقي: // (الْخَفِيف) //:
(لَيْسَ فِي كل حالةٍ وَأَوَان ... تتهيأ صنائع الْإِحْسَان)
٥ - (فَإِذا أمكنت فبادر إِلَيْهَا ... حذرا من تعذر الْإِمْكَان)
(الْبَاب السَّادِس فِي مَكَارِم الْأَخْلَاق من متوفري الخلاق)
قَالَت: عَائِشَة ﵂: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : مَا جبل ولي الله إِلَّا على السخاء وَحسن الْخلق.
وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " لَا يفخرن أحد على أحد، فَإِنَّكُم عبيد والرب وَاحِد ".
وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِهِ يزِيد: إِن كنت بعدِي، فَكُن قائداً بِالْخَيرِ فَإِنَّهُ يعفي على الشَّرّ، وَمَا صنعت من شَيْء فَلْيَكُن بَيْنك وَبَين الله سر ترجوه لَهُ، وتأمله بِهِ، وَإِيَّاك وَالْقَتْل، فَإِن الله قَاتل القاتلين.
стр. 37
قَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة لِبَنِيهِ: يَا بني إِذا أتيتم قوما فأتوهم وعقولكم مَعكُمْ قَالُوا: فَكيف ذَلِك؟ قَالَ: أصيبوا من الطَّعَام شَيْئا، فَإِن الرجل مِنْكُم إِذا لم يفعل ذَلِك، ثمَّ أَتَى أَخَاهُ فَرَآهُ يسْأَل غُلَامه ظن أَنه من أجل الطَّعَام، فيظل مُتَعَلق الْقلب حَتَّى يطعم.
وَدخل على الْحجَّاج صَاحب شرطته وَهُوَ يتغدى فَقَالَ لَهُ: هَلُمَّ.
قَالَ: قد فعلت، قَالَ: إِنَّك لتباكر الْغَدَاء قَالَ: لخلال فِيهِ - أصلح الله الْأَمِير وَقَالَ: وَمَا هن؟ قَالَ: " أولهنَّ: إِن أَنا نَاجَيْت أحدا لم يجد مني خلوفاً.
الثَّانِيَة: إِن شربت مَاء شربته على ثمل.
وَالثَّالِثَة: إِن حضرت قوما، وهم على غدائهم حَضرتهمْ وَمَعِي بَقِيَّة فَلَا
стр. 38
تشرئب نفس إِلَيْهِ، قَالَ: لله دَرك " وَقَالَ سُلَيْمَان لِابْنِهِ: " لَا تكْثر الْغيرَة على أهلك من غير رِيبَة، فترمى بِالشَّرِّ مِنْك وَهِي بريئة ".
وَكَانَ يُقَال: " إِن أنكاك لعدوك أَلا تريه أَنَّك تتخذه عدوا ".
وَكَانَ يُقَال: " لَا يَنْبَغِي للوالي أَن يحْسد إِلَّا الْوُلَاة على حسن التَّدْبِير ".
وَقَالَ عَليّ ﵇: " الفرص تمر مر السَّحَاب، فَإِذا مرت بكم فانتهزوها ".
وَقَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: " الرِّجَال أَرْبَعَة: عَالم فتعلم مِنْهُ، وجاهل فَعلمه تؤجر فِيهِ، وَرجل كَانَ عَالما فَتلف علمه، فذاكره يَنْفَعهُ وتنتفع بِهِ، وجاهل يُرِيك أَنه عَالم فَلَا تناظره ".
وَكَانَ يُقَال: " إِذا دخلت على قوم فاجلس حَيْثُ أجلسوك، فَكل قوم أعرف بعورتهم ".
وَقَالَ عبد الله بن الْحسن بن الْحسن لِابْنِهِ: " يَا بني إحذر مشورة الْجَاهِل وَإِن كَانَ ناصحاً، كَمَا تحذر مكر الْعَاقِل وَإِن كَانَ عدوا، فيوشك أَن يورطك
стр. 39
الْجَاهِل بمشورته فِي إغراره فَيَسْبق إِلَيْك مكر الْعَاقِل، وَإِيَّاك ومعاداة الرِّجَال، فَإِنَّهَا لن تعدمك مكر حَلِيم ومفاجأة جَاهِل ".
قَالَ بعض الْحُكَمَاء: لَيست الفتوة الْفسق، والفجور، إِن الفتوة طَعَام مَأْكُول ونائل مبذول، وَبشر مَقْبُول، وعفاف مَعْرُوف وأذى مكفوف ".
كَانَت هِنْد بنت الْمُهلب تَقول: " إِذا رَأَيْت النعم مستدرة، فبادرها بتعجيل الشُّكْر قبل حُلُول الزَّوَال ".
وَكَانَ يُقَال: " خَمْسَة تقبح من خَمْسَة: ضيق ذرع الْمُلُوك وَسُرْعَة غضب الْعلمَاء، وفحش النِّسَاء، وَمرض الْأَطِبَّاء، وَكذب الْقُضَاة ".
وَكَانَ يُقَال: " شَرّ خِصَال الْمُلُوك الْجُبْن على الْأَعْدَاء، وَالْقَسْوَة على الضُّعَفَاء وَالْبخل عِنْد الْإِعْطَاء ".
وَكَانَ يُقَال: " من ستر على مُؤمن فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهُ ".
وَيُقَال: " السّتْر لما عَايَنت، أحسن من إذاعة مَا ظَنَنْت ".
قَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ لمعاوية: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تكونن بِشَيْء من أُمُور رعيتك أَشد تفقداً مِنْك لخلة الْكَرِيم أَن تعْمل فِي سدها والطغيان: اللَّئِيم أَن تعْمل فِي قلعه، واستوحش من الْكَرِيم الجائع واللئيم الشبعان، فَإِن الْكَرِيم يصول إِذا جَاع واللئيم إِذا شبع ".
قَالَ الْمَدَائِنِي: قارف الزُّهْرِيّ ذَنبا فصاح، فاستوحش من أَهله، فَلَقِيَهُ
стр. 40
عَليّ بن الْحُسَيْن فَقَالَ لَهُ: يَا زهري لقنوطك من رَحْمَة رَبك الَّتِي وسعت كل شَيْء أعظم عَلَيْك من إكبارك ذَنْبك، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٤] .
قَالَ بعض الأكابر لِبَنِيهِ: لَا يمنعنكم من الدَّوَابّ خوف مؤونتها، فَإِن الله لم يخلق دَابَّة إِلَّا خلق لَهَا رزقها، فَإِن جعلهَا لكم رزقها عنْدكُمْ.
وَكَانَ يُقَال: أَربع يسود بهَا العَبْد: الْعلم، وَالْأَدب، وَالْفِقْه، وَالْأَمَانَة.
وَكَانَ يُقَال: " جَالس الكبراء، وناطق الْحُكَمَاء، وَسَائِل الْعلمَاء، فَإِن مؤاخذتهم كَرِيمَة، ومجالستهم غنيمَة، ومحبتهم سليمَة ".
وَكَانَ يُقَال: " أَربع لَا يَنْبَغِي لشريف إِن يأنف مِنْهُنَّ، وَإِن كَانَ أَمِيرا: " قِيَامه عَن مَجْلِسه لِأَبِيهِ، وخدمته للضيف، وقيامه على فرسه، وَإِن كَانَ لَهُ مائَة عبد، وخدمته للْعَالم ليَأْخُذ من
следующие страницы →