Полный текст (151 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
مِثَال هَذِه التَّوسعَة فِي أصُول الْمُعَامَلَات أَن الْقَاعِدَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء الْمَشْهُورين أَن الأَصْل فِي الْعُقُود الْبطلَان فَلَا يَصح مِنْهَا إِلَّا مَا دلّ الشَّرْع على صِحَّته، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الأَصْل فِيهَا الصِّحَّة إِلَّا مَا دلّ الْكتاب أَو السّنة على بُطْلَانه، لقَوْله تَعَالَى فِي أول سُورَة الْمَائِدَة وَهِي آخر مَا نزل من السُّور ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ والعقود مَا يتعاقد النَّاس عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمَذْهَب أقوى دَلِيلا، وأقوم قيلا، وَأهْدى سَبِيلا، بِمَا فِيهِ من التَّوسعَة على النَّاس وَهُوَ الَّذِي رَجحه الْمُحَقِّقُونَ من الْحَنَابِلَة. .
ألم تَرَ أَنه لما شَاءَت الحكومتان العثمانية والمصرية أَن تخرجا عَن مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي بعض أَحْكَام النِّكَاح وَالطَّلَاق وَفسخ النِّكَاح فِي بعض الْأَحْوَال، وتأخذا فِيهَا بِمَا تقرر فِي الْمذَاهب الْأُخْرَى لباهما شُيُوخ الْفِقْه وَوَضَعُوا لَهما قوانين فِي هَذِه الْأَبْوَاب مقتبساً بَعْضهَا من الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْأُخْرَى وَلَعَلَّهُمَا لَو شاءتا الْأَخْذ فِي بعض الْأَحْكَام بأقوال غير عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة العترة لما أَبَوا مواتاتهما، فَإِن الجمود على مَذْهَب معِين لم يكن إِلَّا تَحْقِيقا لرغبة الْأُمَرَاء والسلاطين، والاسترزاق من الْأَوْقَاف الَّتِي زمامها بِأَيْدِيهِم، فالذنب فِيهِ مُشْتَرك بَينهم وَبَين الْفُقَهَاء الَّذين رَأَوْا فِيهِ مَنْفَعَة لَهُم. . وَأما الَّذِي لَا يَجْرُؤ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ المتفقهة فَهُوَ الاستنباط من الْكتاب وَالسّنة، وقواعدهما الْعَامَّة ككون الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَكَون مَا حرم لسد الذريعة يُبَاح للْمصْلحَة الراجحة. . وَإِن نَص أئمتهم على هَذِه الْقَوَاعِد لِأَن هَذَا عِنْدهم من الِاجْتِهَاد الْمَمْنُوع. .
وَالْحق أَن الْعلم الاستقلالي (الِاجْتِهَاد) لم يَنْقَطِع وَلنْ يَنْقَطِع من هَذِه الْأمة المحمدية، وَإِلَّا لبطلت حجَّة الله على الْخلق بفقد حملتها والدعاة إِلَيْهَا والذابين عَنْهَا، وَلما صَحَّ من خبر الْمَعْصُوم من عدم اجتماعها على ضَلَالَة، وَمن أَنه لَا يزَال فِيهَا طَائِفَة ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله، وَلَكِن هَؤُلَاءِ الْعلمَاء المستقلين كَانُوا ينتسبون فِي كل عصر من أعصار غَلَبَة الْجَهْل إِلَى الْمذَاهب الَّتِي نشئوا عَلَيْهَا قبل الِاجْتِهَاد لسببين: (أَحدهمَا) أَنهم لم يَكُونُوا يَجدونَ رزقا يتمكنون بِهِ من الِانْقِطَاع للْعلم إِلَّا من الْأَوْقَاف المحبوسة على المشتغلين بِهَذِهِ الْمذَاهب فيضطرون إِلَى تدريس كتبهَا والتصنيف فِيهَا ليحل لَهُم الْأكل مِمَّا وقف على أَهلهَا (وَثَانِيهمَا) أَن الْمُلُوك والحكام وأعوانهم من المقلدين كَانُوا وَمَا زَالُوا حَربًا للْعلم الاجتهادي الَّذِي يفتضحون بِهِ،
стр. 107
وَيظْهر جهلهم وضلالهم بظهوره، فَإِذا وجدت حُكُومَة إسلامية جرئية كالحكومة التركية الْحَاضِرَة تحيي الْعلم الاجتهادي، فَإِنَّهَا تَجِد مُنْذُ الْآن سداداً من عوز لما تحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام وللتعليم فِي الْمدرسَة الاجتهادية الَّتِي اقترحنا إنشاءها فِي الْمَسْأَلَة (رقم ٢٦) على أَن مقلدة الْمذَاهب لَا تكَاد تطلب الْحُكُومَة مِنْهُم شَيْئا إِلَّا ونجد فيهم من يفتيها وَلَو بالتأويل وَالْخُرُوج عَن صَحِيح الْمَذْهَب.
إِذن لَا يُمكن خُرُوج الْأمة الإسلامية من جُحر الضَّب الَّذِي دخلت فِيهِ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَوُجُود الْمُجْتَهدين وَمَا يلْزمه من وجود الْإِجْمَاع الأصولي الَّذِي هُوَ إِحْدَى الْحجَج عِنْد الْجُمْهُور، وَإِن شِئْت قلت هُوَ ركن الاشتراع الركين الَّذِي لَا يُمكن أَن ترتقي أمة وَلَا يَنْتَظِم أَمر حُكُومَة بِدُونِهِ كَمَا قُلْنَا فِي صدر هَذِه الْمَسْأَلَة، بل وجود الْإِمَامَة الْحق يتَوَقَّف على هَذَا الِاجْتِهَاد كَمَا علم مماتقدم، وَإِن اجْتِمَاع الْمُجْتَهدين فِي هَذَا الْعَصْر ممهد السَّبِيل موطأ الأكناف لِإِمْكَان الْعلم بهم ودعوتهم إِلَى الِاجْتِمَاع فِي مَكَان وَاحِد أَو عرض الْمسَائِل عَلَيْهِم أَيْنَمَا وجدوا، وَهَذَا لم يكن مُمكنا فِي عصر أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمن بعدهمْ وَلذَلِك فَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: إِن الْعلم بِالْإِجْمَاع إِن وجد غير مُمكن.
تَأْثِير الْإِمَامَة فِي إصْلَاح الْعَالم الإسلامي:
الْعَالم الإسلامي فِي غمَّة من أَمر دينه وَأَحْكَام شَرِيعَته، تتنازعه أهواء حكامه المختلفي الْأَدْيَان والمآرب، وآراء علمائه ومرشديه المختلفي الْمذَاهب والمشارب، ومساورة أعدائه فِي دينه ودنياه، وَلَيْسَ لَهُ مصدر هِدَايَة عَامَّة مُتَّفق عَلَيْهِ فَيرجع إِلَيْهِ فِيمَا عمى عَلَيْهِ، وَكلما ظهر فِيهِ مصلح هَب أهل الْأَهْوَاء المفسدون يصدون عَنهُ، ويطعنون فِي دينه وَعلمه، وَلَا علاج لهَذِهِ الْمَفَاسِد والضلالات إِلَّا إحْيَاء منصب الْإِمَامَة، وَإِقَامَة الإِمَام الْحق المستجمع للشروط الشَّرْعِيَّة، الَّذِي يقوم مَعَ أهل الْحل وَالْعقد بأعباء الْخلَافَة النَّبَوِيَّة، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يذعن كل مُسلم لوُجُوب طَاعَته فِيمَا يصدر عَنهُ من أُمُور الْإِصْلَاح الْعَامَّة بِقدر الِاسْتِطَاعَة، ويرجح إرشاده على إرشاد غَيره فِي الْأُمُور الْخَاصَّة، إِذْ يكون أَجْدَر ببيانها بِالْحجَّةِ الْوَاضِحَة فَإِذا لم تكن الْإِمَامَة كَذَلِك كَانَ حكم الشَّرْع فِيهَا أَنَّهَا سلطة تغلب، وَلَا تجب طَاعَة المتغلب شرعا وَلَو
стр. 108
فِيمَا وَافق الشَّرْع إِلَّا على من هُوَ متغلب عَلَيْهِم، فقد كَانَ السُّلْطَان عبد الحميد يَدعِي الْخلَافَة، وَلما لم يكن مستجمعاً لشروطها وَلَا قَائِما بواجباتها لم يكن مسلمو الأفغان واليمن ونجد وَالْمغْرب الْأَقْصَى يُؤمنُونَ بِصِحَّة خِلَافَته، وَلَا يَعْتَقِدُونَ وجوب طَاعَته، فيجعلوا حكوماتهم تَابِعَة لدولته، بل لم يكن أهل مصر الَّذين كَانُوا تَحت سيادته السياسية معترفين بخلافته، يقبلُونَ أَن يكون لَهُ عَلَيْهِم أَمر وَلَا نهي، وَإِنَّمَا كَانَ اعترافهم أمرا صورياً معنوياً يتوكأون عَلَيْهِ فِي مقاومة السيطرة البريطانية عَلَيْهِم، كَمَا هُوَ شَأْنهمْ وشأن أمثالهم فِي الِاعْتِرَاف بالخلافة الاسمية الحديثة فِي الآستانة على مَا بَيناهُ فِي مَوْضِعه من هَذَا الْبَحْث، وَهَذِه الْخلَافَة الحديثة لَا تبلغ دَرَجَة التغلب، فَإِن الَّذين ابتدعوها لم يجعلوها ذَات أَمر وَلَا نهي فِي حكومتهم.
وَأما إِذا نفذ مَا اقترحناه وَبينا طَرِيقه من إِقَامَة الْإِمَامَة الْحق، وَلَو فِي بقْعَة صَغِيرَة من الأَرْض، فَإِن جَمِيع الْعَالم الإسلامي يذعن لَهَا إذعانا نفسياً منشأة العقيدة الدِّينِيَّة وَلَا تَجِد حُكُومَة من الحكومات الإسلامية مجالا لِلطَّعْنِ فِيهَا، وَلَا يكون لأحد من المصطنعين للأجانب سَبِيل لإنكارها، وَحِينَئِذٍ يسْعَى كل شعب إسلامي للاعتصام بهَا فالشعب الَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَن يتبع حُكُومَة الإِمَام الْحق لقهر دولة قَوِيَّة لَهُ يجْتَهد ويتحرى أَن يتبع جمَاعَة الْمُسلمين وإمامهم كَمَا أمره الله وَرَسُوله فِيمَا لَا سيطرة لحكومته عَلَيْهِ فِيهِ من نظام التربية الدِّينِيَّة والتعليم الإسلامي وَالْأَحْكَام الشخصية، بل قد تضطر كل حُكُومَة مسيطرة على شعب إسلامي أَو أَكثر أَن تستميله بِقدر مَا ترى فِيهِ من الْوحدَة والرأي الْعَام بموادة خَليفَة نبيه، والسماح لَهُ بِأَن يتلَقَّى الْإِرْشَاد الديني من قبله كَمَا هُوَ شَأْن الكاثوليك مَعَ البابا.
وَلَعَلَّ هَذَا بعض مَا يقْصد إِلَيْهِ التّرْك من إِيجَاد خَليفَة روحاني كالبابا والبطاركة عِنْد النَّصَارَى، وَلَكِن الْمَسْأَلَة دينية شَرْعِيَّة يجب فِيهَا الِاتِّبَاع، وَلَا يُمكن أَن تنجح بالمواضعة والابتداع، وَإِن كَانَ يود ذَلِك الكثيرون مِمَّن يقدمُونَ السياسة على الدّين، وَقد جهل هَذَا بعض الَّذين أظهرُوا اسْتِحْسَان عمل التّرْك وتجاهله بعض آخر أَو غفل عَنهُ، وَظن كل مِنْهُم أَن هَذَا كَاف فِي حُصُول مَا يرغبون فِيهِ من نكاية أَعدَاء الْإِسْلَام وغيظهم، وَشد أزر الشّعب التركي ومؤازرته عَلَيْهِم، وَذَلِكَ ظن الْجَاهِلين بشئون الْعَالم وسياسة الدول ودرجة اختبارها كَمَا نبينه فِي الْمَسْأَلَة التالية:
لَعَلَّنَا من أدرى النَّاس بِمَا يَتَرَتَّب على إِقَامَة الْإِمَامَة الْحق من الْإِصْلَاح
стр. 109
فِي الْعَالم الإسلامي بمالنا من الاختبار، وَكَثْرَة مَا يرد علينا من الرسائل والمسائل من الأقطار، وَمن أحدثها سُؤال ورد من قطر إسلامي عَن أقل مَا يكون بِهِ الْإِنْسَان الْجَاهِل الأعجمي مُسلما، لِأَن أَهله أَجْهَل وأضل من مُسْلِمِي (بنوك - سيام) الَّذين وصف لنا سوء حَالهم من سَأَلنَا عَن صِحَة إسْلَامهمْ ونشرناه فِي الْمنَار من قبل. وَقد بَقِي عِنْد كل مِنْهُمَا بَقِيَّة مِمَّن يَدعِي الْعلم يحفظون من مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ أحكاما اجتهادية يحتمون على النَّاس الْعَمَل بهَا فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَغَيرهَا فَأدى ذَلِك إِلَى ترك صَلَاة الْجُمُعَة فَترك صَلَاة الْجَمَاعَة من بَعضهم، بل إِلَى ترك الصَّلَاة مِمَّن يعسر عَلَيْهِم حفظ الْفَاتِحَة وتجويدها بِإِخْرَاج الْحُرُوف من مخارجها وَتَشْديد المشدد مِنْهَا وَلَا سِيمَا الْيَاء فِي ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فَإِن تَخْفيف المشدد فِيهَا مُبْطل للصَّلَاة عِنْد الشَّافِعِيَّة.
وَمن أحدثها سُؤال بعض أهل الْعلم فِي جاوه عَن حكم مَا جروا عَلَيْهِ بِأَمْر حكامهم الْمُسلمين من إِلْزَام كل من يتَزَوَّج بِأَن يُطلق الْمَرْأَة الَّتِي يعْقد عَلَيْهَا عقب العقد طَلَاقا مُعَلّقا على التَّقْصِير فِي النَّفَقَة عَلَيْهَا، أَو ضربهَا، أَو على الْغَيْبَة عَنْهَا، وَتركهَا بِغَيْر نَفَقَة بِالصّفةِ الَّتِي يرى الْقَارئ بَيَانهَا فِي بَاب الْفَتْوَى من الْمنَار.
إِن كثيرا من أهل الْعلم الساعين لإِصْلَاح حَال الْمُسلمين فِي الأقطار الْمُخْتَلفَة يعْملُونَ بِمَا ننشر فِي الْمنَار من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة بالأدلة التفصيلية، ويسألنا بَعضهم عَمَّا يعرض عَلَيْهِ ممالم ير حكمه فِيهِ، ويجد هَؤُلَاءِ وأمثالهم معارضين فِي بعض الْبِلَاد من مقلدة بعض الْمذَاهب لما يُخَالف مَذْهَبهم، وَلَكنهُمْ لَا يعنون بنشر مذاهبهم وَحمل النَّاس عَلَيْهَا، بل يتركونهم فوضى فِي أَمر دينهم لَا يبالون بتركهم للفرائض، وَلَا باقترافهم لكبائر الْمعاصِي وَإِنَّمَا يهتمون بمعارضة بعض الْمسَائِل الَّتِي تخَالف مَذْهَبهم كَصَلَاة الْجُمُعَة بِمَا دون أَرْبَعِينَ رجلا حرا بَالغا مُقيما فِي دَاخل سور الْبَلَد لَا يظعن عَنْهَا، وَإِن أدَّت هَذِه الْمُعَارضَة إِلَى ترك الْجُمُعَة الْبَتَّةَ، فَإِذا صَار للْمُسلمين إِمَام وَجَمَاعَة من أهل الْعلم الاجتهادي وَالْعَدَالَة يستمد مِنْهُمَا دعاة الْإِصْلَاح الْعلم والإرشاد، فَإِنَّهُ لَا يلبث أَن يعم ذَلِك مُسْلِمِي جَمِيع الْبِلَاد.
وَقد سبق لنا أَن اقترحنا فِي المجلد الأول من الْمنَار ضروبا من الْإِصْلَاح على مقَام الْخلَافَة الإسلامية الرسمي - وَإِن كَانَت خلَافَة تغلب - لِأَن بِلَادنَا كَانَت خاضعة
стр. 110
لحكمه، ونود أَن يقوم بِالْحَقِّ بِقدر طاقته، فَكَانَ جزاؤنا على مثل هَذَا الاقتراح منع الْمنَار أَن يدْخل الْبِلَاد العثمانية، وإيذاء أهلنا وأصدقائنا فِي الديار السورية.
وَلَا غرو فَذَلِك الْخَلِيفَة نَفسه كَانَ جَاهِلا بأصول الدّين وفروعه وَبِمَا يصلح بِهِ حَال الْمُسلمين وَيفْسد، وأعوانه جهلاء وَأَصْحَاب أهواء، فهم لَا يبلغونه أَمْثَال تِلْكَ الاقتراحات وَإِذا ذكروها لَهُ شوهوها، وَجعلُوا حَقّهَا بَاطِلا، وصلاحها فَسَادًا، وَهُوَ يُصدقهُمْ وَلَا يطمئن لخَبر غَيرهم، وفاقد الشئ لَا يُعْطِيهِ.
وَجُمْلَة القَوْل أَن الْجَهْل الْغَالِب على أَكثر الْمُسلمين والتعصب المذهبي المفرّق للكلمة بَين المتعلمين للدّين مِنْهُم لَا يُمكن تلافي ضررهما فِي زمن قصير إِلَّا بِإِقَامَة خلَافَة النُّبُوَّة على وَجههَا الَّذِي لَا يسهل على أحد أَن يُمَارِي فِيهِ مراء ظَاهرا، وَيَكْفِي أَن يعْتَقد صِحَّتهَا السوَاد الْأَعْظَم من الْمُسلمين لموافقتها لمذاهبهم وهم المنتمون إِلَى مَذَاهِب أهل السّنة والزيدية من الشِّيعَة والأباضية من بقايا الْخَوَارِج، وَهَؤُلَاء إِذا كَانُوا لَا يشترطون فِي الإِمَام مَا يَشْتَرِطه أهل السّنة والزيدية من النّسَب فهم لَا يشترطون عَدمه، وَمَا لنا لَا نتحرى فِيهِ الْمَذْهَب الَّذِي يسْتَلْزم غَيره كاستلزام مَذْهَب الزيدية لمذاهب السّنة والخوارج استلزام الْأَخَص للأعم والمقيد للمطلق؟
إِن هَذَا لَهو القَوْل الْحق الَّذِي تقوم بِهِ المصحلة الإسلامية الْعَامَّة وَمَا عداهُ مِمَّا يقبله أَتبَاع كل ناعق بباعث السياسة الْحَاضِرَة فَهُوَ غثاء، وسيذهب جفَاء، وَمِنْه يعلم أَن مَا قَرّرته حُكُومَة أنقرة بَاطِل فِي نَفسه، وَلَا يُفِيد الْعَالم الإسلامي أقل فَائِدَة، بل قد كَانَ سَببا مُنْذُ الْآن لشقاق فِي الشّعب التركي الَّذِي يرجح جمهوره الْهِدَايَة الإسلامية، على نظريات القوانين والتقاليد الإفرنجية، فَإِن فِي مجْلِس الجمعية الوطنية حزبا كَبِيرا يرى أَن الْمصلحَة تقضى بِوَضْع الْخَلِيفَة فِي الْموضع الَّذِي وَضعته فِيهِ الشَّرِيعَة، بِأَن يكون هُوَ رَئِيس الْحُكُومَة والمنفذ للْأَحْكَام، نعم إِن حزب الْغَازِي مصطفى كَمَال باشا الْمصر على رفض كل سلطة شخصية فِي الْحُكُومَة التركية الْعليا سَوَاء كَانَت باسم الْخلَافَة أَو غَيرهَا هُوَ صَاحب الغلب فِي الْمجْلس الْحَاضِر وَلَكِن سَبَب ذَلِك تَأْثِير هَذَا الرجل وَحزبه من قواد الْجَيْش فِي الْأَنْفس بِمَا لَهُم من الْمِنَّة فِي إنقاذ الدولة من الْخطر، لَا أَن هَذَا هُوَ رَأْي الْأمة التركية. وَلَو استفتيت الْأمة استفتاء حرا لخالفت هَذَا الحزب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. هَذَا هُوَ الْحق.
وَسَيعْلَمُ الْعَالم الإسلامي أننا قد قمنا بِهَذَا الْبَيَان بِمَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ من التواصي
стр. 111
بِالْحَقِّ والتواصي بِالصبرِ، وبالنصيحة لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم فَيرجع إِلَى رَأينَا من يُخَالِفهُ الْيَوْم كَمَا رجعُوا إِلَى رَأينَا فِي السُّلْطَان عبد الحميد ثمَّ فِي جميعة الِاتِّحَاد والترقي، وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين.
كَرَاهَة غير الْمُسلمين لحكومة الْخلَافَة:
قد يَقُول قَائِل: إِن غير الْمُسلمين فِي الْبِلَاد الَّتِي تُوصَف بالإسلامية (نِسْبَة إِلَى السوَاد الْأَعْظَم من أَهلهَا) يكْرهُونَ أَن تؤسس حُكُومَة الْخلَافَة فِيهَا، وَلَا سِيمَا النَّصَارَى الَّذين يرَوْنَ أَن ضعف النّفُوذ والتشريع والآداب والتقاليد الإسلامية فِي كل بلد إسلامي إِنَّمَا يكون بِقُوَّة نُفُوذ الإفرنج وتشريعهم وآدابهم وتقاليدهم - وَكَذَا لغاتهم - وَبِذَلِك تكون مقومات الْأمة ومشخصاتها أقرب إِلَى النَّصْرَانِيَّة مِنْهَا إِلَى الْإِسْلَام، وَمن لم يُؤمن بالعقيدة النَّصْرَانِيَّة والوصايا الإنجيلية بمحبة الْأَعْدَاء وَكَرَاهَة الْغنى وإدارة الخد الْأَيْسَر لمن يضْربهُ على خَدّه الْأَيْمن فَإِنَّهُ قد يكون أَشد استمساكا بالنصرانية الاجتماعية السياسية من أقوى الْمُؤمنِينَ بالإنجيل إِيمَانًا. فَتلك النَّصْرَانِيَّة المزورة لتي تنْسب إِلَيْهَا المدنية المادية الأوربية هِيَ مثار التعصب وَالْكَرَاهَة لكل مَا هُوَ إسلامي، لَا نَصْرَانِيَّة الْإِنْجِيل الزاهدة المتواضعة الخاشعة ذَات الإيثار الَّذِي يسمونه " إِنْكَار الذَّات ".
وَإِذا كَانَ أمثالهم من متفرنجة الْمُسلمين يكْرهُونَ الْحُكُومَة الدِّينِيَّة ويعارضون فِي إحْيَاء منصب الْخلَافَة أَفلا يكون متفرنجة النَّصَارَى أولى؟ وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَكيف نعود إِلَى تَجْدِيد حُكُومَة دينية يكرهها كثير من رعاياها وينفرون مِنْهَا؟
الْجَواب عَن هَذَا يحْتَاج إِلَى تَفْصِيل نكتفي بالضروري مِنْهُ فَنَقُول: إِذا صَحَّ مَا يعزي إِلَى من ذكر من أهل الوطن بِمُقْتَضى العاطفة وتأثير التربية، فَإِن من يمحص الْحَقِيقَة وَينظر إيها بِعَين الْمصلحَة سَوَاء كَانَ مِنْهُم أَو من غَيرهم فَإِنَّهُ يحكم فِيهَا حكما آخر.
стр. 112
إِن حُكُومَة الْخلَافَة إسلامية مَدَنِيَّة قَائِمَة على أساس الْعدْل والمساواة إِلَّا أَن لغير الْمُسلمين فِيهَا من الْحُرِّيَّة الشخصية مَا لَيْسَ للمرتد وَالْمُنَافِق من الْمُسلمين، فَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَن يكون الْإِسْلَام رابطة جنسية أدبية حرَّة بِحَيْثُ يكون لَهُم فِي حكومته جَمِيع حُقُوق الْمُسلمين الشَّرْعِيَّة والعرفية والقانونية، وَإِن صَرَّحُوا بِأَنَّهُم لَا يدينون الله بِالْإِيمَان بعقيدته، وَلَا بِإِقَامَة أَرْكَانه وشعائره، وهم يعلمُونَ أَن الْحُكُومَة الإسلامية لَا تعطيهم شَيْئا من ذَلِك، حَتَّى إِن الْمَرْأَة إذاعلمت من زَوجهَا أَنه ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَام حرم عَلَيْهَا أَن تقيم مَعَه وتستمر فِي عصمته، وَأَحْكَام الْمُرْتَدين مَعْرُوفَة فَأَمرهمْ أغْلظ من أَمر الوثنيين، دع الكتابيين الَّذين تحل ذَبَائِحهم والتزوج بالمحصنات من نِسَائِهِم، وَلَا تعاقب الْحُكُومَة الإسلامية غير الْمُسلمين على شَيْء يحل لَهُم فِي دينهم - وَإِن لم يكن حَلَالا فِي الْإِسْلَام - إِلَّا مَا فِيهِ إِيذَاء لغَيرهم، بل لَا تحاسبهم على أَعْمَالهم الشخصية الَّتِي لَا تضر الْمُسلمين وَلَا غَيرهم من رعيتها وَإِن خَالَفت دينهم، وَلكنهَا تحاسب الْمُسلمين وتعاقبهم على الْمعاصِي بالحدود وأنواع التَّعْزِير كالتوبيخ وَالْحَبْس وَذَلِكَ أَن من أصُول الْإِسْلَام حفظ الْآدَاب والفضائل وَمنع الْفَوَاحِش والمنكرات. وَقد وصف الله الْمُسلمين بقوله: ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهْوا على الْمُنكر﴾ وَقَالَ فيهم: ﴿كُنْتُم خَيرَ أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنْهون عَن الْمُنكر﴾ وَأَحْكَام الرِّدَّة والحسبة فِي الْإِسْلَام مَعْرُوفَة.
فَعلم بِهَذَا أَن ملاحدة الْمُسلمين وفساقهم المستهترين أَجْدَر أَن يَكُونُوا أَشد كَرَاهَة لإِقَامَة أَحْكَام الشَّرِيعَة من غير الْمُسلمين لِأَنَّهَا تكلفهم مَا لَا تكلّف غَيرهم وتواخذهم بِمَا لَا تؤاخذه بِهِ. وَقد اقترح بعض هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة على جمَاعَة المؤتمر السوري الْعَام الَّذِي عقد فِي دمشق أَن يقرروا جعل الْحُكُومَة السورية غير دينية، وَلَا أذكر أَن أحدا من الْأَعْضَاء النَّصَارَى وَافق على الاقتراح بل صرح بَعضهم برده كأكثر الْمُسلمين. واقترح فِي ذَلِك المؤتمر أَن تقيد مَادَّة الْحُرِّيَّة الشخصية من القانون الأساسي بِقَيْد عدم الْإِخْلَال بالآداب الْعَامَّة، فَرد هَذَا الاقتراح بعض هَؤُلَاءِ الموصوفين بِالْمُسْلِمين وَصرح بَعضهم بتعليل الرَّد بِأَنَّهُ يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَن يجوز للشرطة منع الرجل من الْجُلُوس مَعَ الْمَرْأَة فِي ملهى من الملاهي أَو مقهى من المقاهي الْعَامَّة لمعاقرة الْخمر (؟ ؟) وَقد كن رد هَذَا الاقتراح أقبح خزي صدر من ذَلِك المؤتمر،
стр. 113
وَإِن علل الرَّد بَعضهم بالاستغناء عَن قيد الْآدَاب الْعَامَّة بِقَيْد القوانين الَّتِي يُمكن أَن ينص فِيهَا على ذَلِك الْقَيْد، وخُدع بعض أهل الدّين وَالْأَدب بذلك وَمَا كَانَ ينغبي لَهُم أَن يُخدعوا، بل أَقُول إِن أَكثر النَّصَارَى من أَعْضَاء ذَلِك المؤتمر كَانُوا أقرب إِلَى الْمُسلمين المستمسكين بِأَحْكَام الْإِسْلَام مِنْهُم إِلَى المتفلتين من الدّين، وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ يَتَقَرَّبُون إِلَيْهِم وينتصرون لَهُم فِيمَا يُوَافق أهواءهم من مُخَالفَة هِدَايَة الدّين الْعَامَّة.
وَقد ثَبت بالتجارب أَن غير المتدينين إِذا اخْتلفُوا لأسباب سياسية أَو غَيرهَا فَإِنَّهُم يكونُونَ أَشد عَدَاوَة وقسوة لبَعْضهِم على بعض من المتدينين بِالْفِعْلِ من الْفَرِيقَيْنِ فالمتدين وَإِن شَذَّ يكون أقرب إِلَى الرَّحْمَة من المادي، وَاعْتبر ذَلِك بِمَا وَقع من الْقَسْوَة فِي الْحَرْب البلقانية، الْحَرْب الْعَامَّة بَين الأوربيين أنفسهم وَبَين من غلبت عَلَيْهِم تربيتهم من الأرمن وَالروم وَالتّرْك.
وأضرب مثلا آخر: الدكتور برتكالوس الرُّومِي قَالَ لجَماعَة من السوريين كَانُوا يظهرون الابتهاج وَالسُّرُور بالدستور العثماني عقب إعلانه: إِن حكم الشَّرِيعَة الإسلامية خير لنا معشر النَّصَارَى من حكم السدتور الَّذِي يسلبنا كثيرا مِمَّا أعطتنا الشَّرِيعَة من الأمتيازات ويحملنا مَا أعفتنا من التكليفات. وأيد كَلَامه اشتداد العداء بَين التّرْك وَبَين الرّوم والأرمن وَغَيرهمَا بعد الدستور الَّذِي ترَتّب عَلَيْهِ سلب هَؤُلَاءِ كثيرا مِمَّا بَقِي لَهُم مُنْذُ كَانَ الحكم بِالشَّرْعِ وَحده.
وإنني أعقب على هَذَا القَوْل بِأَن أَشد مَا يتبرم بِهِ متفرنجة التّرْك من أَحْكَام الشَّرِيعَة هُوَ مَا أَعطَتْهُ من الْحُرِّيَّة الواسعة لغير الْمُسلمين فِي بِلَاد الْإِسْلَام، ويرون أَنه لولاها لَصَارَتْ هَذِه الْبِلَاد مِلَّة وَاحِدَة كبلاد أوربة الَّتِي لم يكن فِيهَا شَيْء من هَذِه الْحُرِّيَّة ولاستراحت من العداوات والفتن الَّتِي أثارها عَلَيْهِم نَصَارَى الرومللي فالأناضول بدسائس أوربة حَتَّى كَانَت سَبَب انحلال السلطنة العثمانية، هَذَا رَأْيهمْ، وَمن الْغَرِيب أَن كثيرا من نَصَارَى بِلَادنَا المتفرنجين يوافقونهم على هَذِه النظرية وَيَقُولُونَ ياليت الْمُسلمين أكْرهُوا أجدادنا على الْإِسْلَام فِي أزمنة الْفَتْح وَالْقُوَّة، إِذن كُنَّا فِي أوطاننا أمة وَاحِدَة ذَات مِلَّة وَاحِدَة فنسلم من شقاء هَذَا الشقاق والفتن المخربة للبلاد.
стр. 114
لَا مجَال فِي هَذَا الْمقَام لتحرير القَوْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَلَيْسَ من الصعب بَيَان خطأ من يظنّ أَن مُعَاملَة نَصَارَى الدولة بِعدْل الشَّرِيعَة الإسلامية وحريتها هُوَ الَّذِي ألبّهم عَلَيْهَا، وَلَا إِثْبَات أَن الَّذِي ألّبهم ثمَّ أثارهم هُوَ جهل رجال الدولة وغفلتهم عَن دسائس أوربة فِي هَذِه الشعوب وَمَا بثوا فِي مدارسها وكنائسها! إِنَّمَا غرضنا من ذكرهَا أَن الشَّرِيعَة الإسلامية خير لِلنَّصَارَى فِي بِلَاد أَكثر أَهلهَا مُسلمُونَ من حُكُومَة مَدَنِيَّة لَا يتَقَيَّد أَهلهَا بأصول هَذِه الشَّرِيعَة - كَمَا كَانُوا فِي عهد الْخُلَفَاء من الْعَرَب وَكَذَا سلاطين العثمانيين - فَإِن الْفرق الْحَقِيقِيّ بَين الحكومتين هُوَ أَن الأكثرية الْمسلمَة لَا يحل لَهَا أَن تتبع هَواهَا فِي التشريع الديني، وَلَا فِي التَّنْفِيذ بِمَا يعد ظلما للأقلية غير الْمسلمَة لِأَن الله تَعَالَى حرم الظُّلم تَحْرِيمًا مُطلقًا لَا هوادة فِيهِ وَلَا عذر، وَأوجب الْعدْل إِيجَابا مُطلقًا عَاما لَا مُحَابَاة فِيهِ، وحذر تحذيرا خَاصّا من ترك الْعدْل فِي حَالَة الْكَرَاهَة والبغض من أَي فريق كَانَ بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنّكم شنآن قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى، واتقو الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أَي وَلَا يحملنكم بغض قوم لكم أَبُو بغضكم لَهُم، قَالَ بعض الْمُفَسّرين أَي الْكفَّار، وَالصَّوَاب أَنه أَعم، على أَلا تعدلوا فيهم بل اعدلوا فيهم كغيرهم وَحذف الْمَعْمُول دَلِيل الْعُمُوم، أَي أعدلوا عدلا مُطلقًا عَاما فِي الْمُؤمن وَالْكَافِر، وَالْبر والفاجر، وَالصديق والعدو، الخ وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿يأيها الَّذين آمنواكونوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهداء لله وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين، إِن يكن غَنِيا أَو فَقِيرا فَالله أولى بهما، فَلَا تتبعوا الْهوى أَن تعدلوا وَإِن تلووا أَو تعرضوا فَإِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ أَي كونُوا قَائِمين بِالْعَدْلِ فِي الْأَحْكَام وَغَيرهَا على أكمل وَجه، كَمَا تدل عَلَيْهِ صِيغَة الْمُبَالغَة شُهَدَاء لله فِي إِثْبَات الْحق، وَمَا كَانَ لله لَا يُمَيّز فِيهِ الْمُؤمن نَفسه وَلَا الدِّيَة أَو أقرب النَّاس إِلَيْهِ على غَيرهم، لِأَن هَذَا التَّمْيِيز إِيثَار لنَفسِهِ أَو لقريبه على ربه الَّذِي جعل الشَّهَادَة لَهُ سُبْحَانَهُ، وَلَا يفرق فِيهِ الْغنى وَالْفَقِير بِأَن يحابي الْغنى طَمَعا فِي نواله أَو الْفَقِير رَحْمَة بِهِ، وقفي على هَذَا بِالنَّهْي عَن ضِدّه وَهُوَ اتِّبَاع هوى النَّفس كَرَاهَة للعدل، وبحظر اللّى ّ والتحريف للشَّهَادَة أَو الْإِعْرَاض عَنْهَا أَو عَن الحكم بِالْحَقِّ، وتهدد فَاعل ذَلِك وتوعده بِأَنَّهُ خَبِير بأَمْره لَا يخفى عَلَيْهِ شئ، دع ماورد فِي الْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة من الْوَصِيَّة بِأَهْل الْعَهْد والذمة خَاصَّة، وَلَوْلَا ذَلِك لفَعَلت الحكومات الإسلامية القوية بالمخالفين لَهُم مَا فعل غَيرهم من إبادة بعض وإجلاء آخَرين عَن دِيَارهمْ أَو
стр. 115
إكراههم على دين الْإِسْلَام أَو سنّ قوانين استثنائية لقهرهم وإذلالهم، وَفِي التَّارِيخ العثماني أَن السُّلْطَان سُلَيْمَان استفتى شيخ الْإِسْلَام أَبَا السُّعُود الْعِمَادِيّ الدِّمَشْقِي الأَصْل فِي إِكْرَاه النَّصَارَى على الْإِسْلَام أَو الْجلاء فَأبى أَن يفتيه، وَبَين لَهُ أَن الشَّرِيعَة لَا تبيح ذَلِك فأذعن، وَكَانَ يُرِيد أَن يفعل بهم كَمَا فعلت الدولة الإسبانية بمسلمي الأندلس
وثمة فرق آخر بَين الشَّرْع الإسلامي والاشتراع البشري الَّذِي لَا تتقيد حكومته بِالدّينِ، هُوَ فِي مصلحَة غير الْمُسلمين أَيْضا، وَهُوَ أَن كل مُسلم يعْتَقد أَن الحكم الشَّرْعِيّ حكم إلهي وَأَن طَاعَته قربَة وزلفى عِنْد الله يُثَاب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة، وعصيانه عصيان لله تَعَالَى يُعَاقب عَلَيْهِ فِيهَا، سَوَاء حكم بِهِ الْحَاكِم عَلَيْهِ أم لَا، وَلَكِن حكم الْحَاكِم يرفع خلاف الْمذَاهب، فَتكون طَاعَته ضربا لازبا. وَهَذَا ضَمَان لغير الْمُسلم الْوَازِع فِيهِ نَفسِي وَلَا ضَمَان مثله للْمُسلمِ من غَيره.
(فَإِن قيل) كل ذِي دين يُحَاسب نَفسه (أَو ضَمِيره) على مَا يَعْتَقِدهُ من حق عَلَيْهِ (قُلْنَا) هَذَا عَام مُشْتَرك وَمَا نَحن فِيهِ أخص مِنْهُ، وَهُوَ احترام الحكم الشَّرْعِيّ وَوُجُوب طَاعَة الْحَاكِم إِذا حكم عَلَيْهِ سَوَاء اعْتقد صِحَّته أم لم يعْتَقد - وَإِن أَمن عِقَاب الْحُكُومَة فِي التفصي مِنْهُ بالحيلة.
وَجُمْلَة القَوْل أَنه لَيْسَ فِي الشَّرِيعَة ظلم لغير الْمُسلم يعْذر بِهِ على كراهتها، وَهِي تَسَاوِي بَين أَضْعَف ذمِّي أَو معاهد وَبَين الْخَلِيفَة الْأَعْظَم فِي موقف الْقَضَاء وَتَقْرِير الْحُقُوق، والشواهد على هَذَا فِي عصر الْخلَافَة الراشدة وَمَا بعْدهَا مُتعَدِّدَة. وإننا نصرح بِكُل قُوَّة بِأَن الْعدْل الْعَام الْمُطلق لم يُوجد إِلَّا فِي الْإِسْلَام. وَمَا وَقع من شذوذ بعض حكام الْمُسلمين فِي ظلم بعض الذميين فَإِنَّمَا كَانَ من أقلهم علما واهتداء بِالدّينِ، وَلم يكن خَاصّا بِغَيْر الْمُسلمين وَلَا شئ ينْتَقد من أَئِمَّة الْعدْل وخلفاء الْحق إِلَّا بعض الْمُعَامَلَات الاستثنائية فِي أزمنة الْفَتْح مِمَّن غفل عَن كَونهَا أحكاما عسكرية مُؤَقَّتَة. فَأَرَادَ جعلهَا دائمة. على أَن الْإِسْلَام كَانَ أعدل وأرحم فِيهَا من جَمِيع الْبشر حَتَّى قَالَ أحد حكماء أوربة المنصفين: مَا عرف التَّارِيخ فاتحا أعدل وَلَا أرْحم من الْعَرَب.
وَلَا نَعْرِف لَهُم مطعنا فِي الْمُسَاوَاة الشَّرْعِيَّة فِي الْأَحْكَام الَّتِي عملت بهَا جَمِيع الدول
стр. 116
الإسلامية إِلَّا مَسْأَلَة رد شَهَادَة غير الْمُسلم على الْمُسلم، وَهِي مَسْأَلَة لَا يقوم دَلِيل على إِطْلَاق القَوْل فِيهَا بل لَهَا مخرج من الْكتاب وَالسّنة وأصول الشَّرِيعَة فقد قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة وَهِي من آخر مَا نزل من الْقُرْآن لَيْسَ فِيهَا حكم مَنْسُوخ ﴿يأيها الَّذين آمنُوا شهادةَ بينكِم إِذا حضر أحدَكم الموتُ حِين الوصيةِ اثْنَان ذَوَا عدل مِنْكُم أَو أخران من غَيْركُمْ﴾ الْآيَة. . والمتبادر الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور السّلف وَالْخلف أَن المُرَاد بغيركم غير المخاطبين بِالْآيَةِ وهم الْمُسلمُونَ، رخصه بعض الْعلمَاء بِأَهْل الْكتاب، وَلَا دَلِيل على هَذَا التَّخْصِيص وَقَيده بَعضهم بِمثل الْحَالة الَّتِي نزلت فِيهَا الْآيَة بِنَاء على أَن الأَصْل فِي الشَّهَادَة غير الْمُسلم الْعدْل أَن ترد لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأشْهدُوا ذوَى ْ عدل مِنْكُم﴾
وَقد بَينا ضعف الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَة على مَا ذكر فِي تَفْسِير آيَة الْمَائِدَة بتفصيل مِنْهُ أَن هَذَا فِي الْأَمر بِالْإِشْهَادِ فِي مَسْأَلَة المطلقات المعتدات من المسلمات لَا فِي الشَّهَادَة مُطلقًا، وَلَا فِي كل إِشْهَاد، وَقد قَالَ تَعَالَى فِي الْإِشْهَاد على الْأَمْوَال: ﴿فَإِذا دفعتم إِلَيْهِم أَمْوَالهم فأشهدوا عَلَيْهِم﴾ وَلم يُقيد هَذَا الْإِشْهَاد بالعدول من الْمُؤمنِينَ كَمَا قَيده فِي الْمَسْأَلَة الْخَاصَّة بِالنسَاء المسلمات، وَبينا ضعف حمل الْمُطلق على الْمُقَيد فِي الْآيَتَيْنِ مَعَ اخْتِلَاف موضوعهما، وَالْفرق بَين الْإِشْهَاد وَالشَّهَادَة، كَمَا بَينا ضعف القَوْل بِأَن غير الْمُسلم لَا يكون عدلا بِدَلِيل الْقُرْآن إِذْ جَاءَ فِيهِ: ﴿ومِن قوم مُوسَى أُمةٌ يهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ﴾ وَقَوله: ﴿ومِن أهل الْكتاب مَن إنْ تأمَنه بقنطار يُؤَدِّه إِلَيْك﴾ كَمَا بَينا ضعفه بِدَلِيل سيرة الْبشر الْمَعْلُومَة بِالِاخْتِيَارِ وَالْعقل وَهُوَ أَنه لم تُوجد أمة من الْأُمَم جردت من الصدْق وَالْعَدَالَة بِحَيْثُ لَا يصدق أحد من أَهلهَا، وَبينا أَيْضا سَبَب تَفْضِيل الْفُقَهَاء للْمُسلمِ على غَيره فِي الشَّهَادَة من أَرْبَعَة أوجه أهمها مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ الْأَولونَ من التَّقْوَى والصدق وَعدم الْمُحَابَاة عملا بوصايا الدّين الَّتِي تقدم بعض الْآيَات فِيهَا آنِفا وَمَا اتّفق عَلَيْهِ المؤرخون فِي مُقَابلَة ذَلِك من غَلَبَة فَسَاد الْأَخْلَاق على الْأُمَم الْأُخْرَى الَّتِي فتح الْمُسلمُونَ بلادها.
وَفِي أصُول الشَّرِيعَة مُسْتَند آخر لشهادة غير الْمُسلم وَهُوَ دُخُولهَا فِي عُمُوم الْبَيِّنَة إِذا ثَبت عندالقاضي صدقه فِيهَا فَإِن الْبَيِّنَة فِي اللُّغَة كل مَا يتَبَيَّن بِهِ الْحق وَقد فصل الْمُحَقق ابْن القيّم هَذَا الْمَعْنى فِي كِتَابه (أَعْلَام الموقعين) ونشرنا ذَلِك فِي الْمنَار وَبينا أَنه يدْخل فِي عُمُوم الْبَيِّنَة كل مَا تجدّد فِي هَذَا الْعَصْر من أَنْوَاع الجرائم كأثر خطوط
стр. 117
الْأَصَابِع على الْأَشْيَاء مثلا. وَمن أَرَادَ التَّفْصِيل فَعَلَيهِ بالمنار وَتَفْسِيره.
فَلم يبْق بعد هَذَا الْبَيَان على إجماله من عذر لغير الْمُسلمين إِذا كَرهُوا إحْيَاء الشَّرِيعَة الإسلامية العادلة لمحض التعصب الْأَعْمَى أَو لتفضيل تشريع الْأَجَانِب على تشريع من يشاركهم فِي وطنهم. وَلَيْسَ من الْحق وَلَا من الْعدْل أَن تكلّف أمة ترك منقبة التشريع الفضلى، وَمثل هَذِه الْحُكُومَة المثلى، إرضاء لفئة قَليلَة لَا مصلحَة لَهَا فِي تَركهَا، وَإِنَّمَا تكرهها لمحض التعصب على السوَاد الْأَعْظَم من أهل وطنها، وناهيك بِمَا تأرث من الأضغان بَين مُسْلِمِي الأناضول وَالروم والأرمن الَّذين خَرجُوا على التّرْك فِي زمن محنتهم وساعدوا أعداءهم عَلَيْهِم فِي حربهم.
وموضوع الْكَلَام فِي إِقَامَة الْخلَافَة فِي هَذِه الْبِلَاد التركية، فَإِذا رَضِي التّرْك بذلك وعاملوا هَؤُلَاءِ الجناة الْبُغَاة بِعدْل الشَّرِيعَة ورحمتها فَلَا يعقل أَن يكرهوا ذَلِك ويفضلوا عَلَيْهِ غَيره إِن كَانُوا يعْقلُونَ، وَإِنَّمَا أخْشَى أَن يكون هَذَا الْأَمر نَفسه مِمَّا ينفر كثيرا من التّرْك عَن إِقَامَة الشَّرِيعَة الَّتِي تحرم عَلَيْهِم أَن يتبعوا الْهوى فِي مُعَاملَة أَقوام أُولَئِكَ الجناة القساة الَّذين خربوا دِيَارهمْ بالنَّار والبارود، وهم يرونها بأعينهم أكواما من الرماد والأنقاض.
وَهَذِه حكومات جَزِيرَة الْعَرَب إسلامية مَحْضَة لَيْسَ فِيهَا قوانين وضعية وَلَا تشريع أوربي، وأقدمها حُكُومَة أَئِمَّة الْيمن، وهنالك كثير من الْيَهُود وهم راضون عَن حُكُومَة الْإِمَامَة الشَّرْعِيَّة لم يشكوا مِنْهَا ظلما وَلَا هضما، وَلم يفضلوا عَلَيْهَا حُكُومَة أُخْرَى، وَلَو سرى إِلَيْهِم سم السياسة الاستعمارية من طَرِيق التَّعْلِيم أَو غَيره لأفسدوهم على حكومتهم، وأثاروهم عَلَيْهَا لطلب وَطن قومِي لَهُم فِي الْبِلَاد وَلَو عدهم نافثوا السم فِي أَرْوَاحهم بالمساعدة على ذَلِك حبا فِي الإنسانية أَي حبا فِي إِفْسَاد الإنسانية وإثارة الْبغضَاء بَين الْمُخْتَلِفين فِي الدّين وَالْجِنْس أَو اللُّغَة بَعضهم على بعض ليتمكنوا من استبعاد الْجَمِيع. ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾
стр. 118
الْخلَافَة ودول الإستعمار:
من البديهي أَن إِقَامَة الْخلَافَة الإسلامية يسوء رجال دوَل الاستعمار، وَأَنَّهُمْ قد يقاومونها بِكُل مَا أُوتوا من حول وَقُوَّة، وأحرصهم على ذَلِك الدولة البريطانية، وَلَا أَجْهَل مِمَّن يظنون أَنَّهَا كَانَت تسْعَى قبل الْحَرْب لجعل الْخلَافَة فِي الْأمة الْعَرَبيَّة إِلَّا الَّذين يظنون الْيَوْم أَنَّهَا تود الْيَوْم تأسيس دولة أَو دوَل عَرَبِيَّة، وَلَو كَانَت تُرِيدُ هَذَا من قبل لَكَانَ أقرب طرقه مساعدة أَئِمَّة الْيمن المجاورين لَهَا فِي منْطقَة عدن على التّرْك بِالسِّلَاحِ وَالْمَال لتنظيم جيشهم والاستيلاء على الْحجاز، فَإِن حُكُومَة الْإِمَامَة فِي الْيمن قَوِيَّة عادلة قديمَة راسخة يرجع تاريخها إِلَى الْقرن الثَّالِث من الْهِجْرَة، وَقد حاربتها الدولة العثمانية زهاء أَرْبَعَة قُرُون لإسقاطها فعجزت عَن ذَلِك، وَلَكِن الْحُكُومَة البريطانية كَانَت لَهَا بالمرصاد وَمَا زَالَت تكيد لَهَا، وتسعى بالدسائس والفتن للتدخل فِي شئونها، والتوسل بذلك للاستيلاء عَلَيْهَا، وَلم تستطع ذَلِك، وَلنْ يَجْعَل الله لَهَا عَلَيْهَا سَبِيلا.
وَقد اشْتهر لَدَى الْخَاص وَالْعَام أَن الدولة البريطانية كَانَت ظهيرة للخلافة العثمانية التركية، وَمَا ذَلِك إِلَّا لعلمها أَنَّهَا صورية، وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تنْتَفع بِإِظْهَار صداقتها لَهَا، وَكَانَ رجال هَذِه الدولة الداهية أعلم النَّاس بِأَن هَذِه الدولة قد دب فِي جسمها الانحلال، وَأَنَّهَا سائرة فِي طَرِيق الفناء والزوال، وَإِنَّمَا كَانُوا يحاولون أَن تبقى حصنا بَين القيصرية الروسية المخيفة بِسُرْعَة تكونها ونموها وَبَين الْبَحْر الْأَبْيَض الْمُتَوَسّط، على شَرط أَن تكون قُوَّة هَذَا الْحصن بِمَا وَرَاءه من المساعدة البريطانية لَا بِنَفسِهِ، وَقد بَينا هَذَا فِي الْمنَار من قبل، وَأَن الْغَازِي أَحْمد مُخْتَار باشا وَافَقنَا على أَن قَاعِدَة الدولة البريطانية فِي السياسة العثمانية أَلا تَمُوت الدولة وَلَا تحيا، وَبينا أَيْضا أَن هَذِه الْقَاعِدَة قد تَغَيَّرت بِمَا كَانَ بَين الدولتين البريطانية والروسية على مسَائِل الشرق، واقتسامهما بِلَاد إيران قبل الْحَرْب، وَأَنَّهَا لم تجنح إِلَى إِقَامَة خلَافَة عَرَبِيَّة صورية تكون آلَة بِيَدِهَا إِلَّا بعد الْحَرْب الْعَامَّة، والتمكن من خداع شرِيف مَكَّة وتسخيره لمساعدتها، وَنَحْمَد الله أَن جعلنَا من أَسبَاب خيبة هَذَا السَّعْي حَتَّى لم يتم لَهَا.
стр. 119
وَقد عنيت الدولة البريطانية مُنْذُ أول زمن هَذِه الْحَرْب بالبحث فِي مَسْأَلَة الْخلَافَة وطفق رجالها يستطلعون عُلَمَاء الْمُسلمين وزعماءهم فِي مصر والسودان والهند وَغَيرهَا آراءهم فِيهَا ليكونوا على بَصِيرَة فيمايريدونه من إبِْطَال تَأْثِير إعلان الْخَلِيفَة العثماني الْجِهَاد الديني بِدَعْوَى بطلَان صِحَة خِلَافَته من جِهَة، وبدعوى أَن هَذِه الْحَرْب لَا شَأْن للدّين فِيهَا من جِهَة أُخْرَى، وَقد وجد من منافقي الْهِنْد من كتب لَهُم رِسَالَة باللغة الإنكليزية فِي ذَلِك وأرسلها إِلَيْنَا ناشرها لنترجمها بِالْعَرَبِيَّةِ وننشرها فِي الْمنَار فعجبنا من جَهله ونفاقه، وَلَوْلَا المراقبة الشَّدِيدَة على الصُّحُف عَامَّة والمنار خَاصَّة فِي تِلْكَ الْأَيَّام لرددنا عَلَيْهَا. وَقد اطَّلَعْنَا على مَا كتبه بعض عُلَمَاء مصر لَهُم فِي الْخلَافَة وَهُوَ نقل عبارَة شرح الْمَقَاصِد، وعبارات أُخْرَى فِي مَعْنَاهَا، وَعلمنَا أَن بعض الْعلمَاء كتب لَهُم بعض الْحَقَائِق فِي شَأْنهَا.
وَقد دارت بَيْننَا وَبَين بعض رِجَالهمْ مناقشات فِي الْمَسْأَلَة الْعَرَبيَّة اقْتَضَت أَن نكتب لَهُم مذكرات فِي تخطئة سياستهم فِيهَا، بَينا فِي المذكرة الأولى مِنْهَا الَّتِي قدمناها لَهُم فِي أَوَائِل سنة ١٩١٥ أَن أَكثر مُسْلِمِي الأَرْض متمسكون بالدولة العثمانية وخليفتها لِأَنَّهَا أقوى الحكومات الإسلامية، وَأَنَّهُمْ يخَافُونَ أَن يَزُول بزوالها حكم الْإِسْلَام من الأَرْض، وَأَن هَذَا أعظم شَأْنًا عِنْدهم من بَقَاء الْمعَاهد المقدسة سليمَة مصونة، بل بَينا لَهُم أَيْضا أَن إعلانها الْجِهَاد شَرْعِي، وَأَن سَبَب ضعف تَأْثِيره فِي مثل مصر هُوَ الِاعْتِقَاد بِأَنَّهَا منتصرة مَعَ حلفائها فَلَا تحْتَاج إِلَى مساعدة. .
وعدت إِلَى بحث الْخلَافَة فِي آخر مذكرة مِنْهَا، وَهِي الَّتِي أرسلتها إِلَى الْوَزير لويد جورج فِي منتصف سنة ١٩١٩ فَقلت فِي بَيَان مَا يرضى الْمُسلمين من انكلترة " إِن الْوَزير قد علم أَن الِاعْتِرَاف باستقلال الْحجاز وَتَسْمِيَة أَمِير مَكَّة ملكا لم يكن لَهُ ذَلِك التَّأْثِير الَّذِي كَانَ الإنكليز يتوقعونه من قُلُوب الْمُسلمين، ذَلِك بِأَن بِلَاد الْحجاز أفقر الْبِلَاد الإسلامية وأضعفها فِي كل شَيْء، وَهِي موطن عبَادَة، لَا ملك وسيادة وَلم يكن الْمُسلمُونَ مضطربين من الْخَوْف على الْمَسَاجِد المقدسة أَن تهدم، أَو يمْنَع النَّاس من الصَّلَاة فِيهَا وَالْحج إِلَيْهَا وزيارتها، بل الِاضْطِرَاب الْأَعْظَم على السلطة الإسلامية الَّتِي يَعْتَقِدُونَ أَن لَا بَقَاء لِلْإِسْلَامِ بِدُونِهَا، والحرص على بَقَائِهَا ممزوج بِدَم كل مُسلم وعصبه، فَهُوَ لَا يرى دينه بَاقِيا إِلَّا بِوُجُود دولة إسلامية مُسْتَقلَّة قَوِيَّة قادرة بذاتها على تَنْفِيذ أَحْكَام شَرعه بِغَيْر معَارض وَلَا سيطرة أَجْنَبِيَّة، وَهَذَا هُوَ السَّبَب فِي
стр. 120
تعلق أَكثر مُسْلِمِي الأَرْض بمحبة دولة التّرْك، واعتبارهم إِيَّاهَا هِيَ الدولة الممثلة لخلافة النُّبُوَّة مَعَ فقد سلطانهم لما عدا الْقُوَّة والاستقلال من شُرُوطهَا الْخَاصَّة، وَلَوْلَا ذَلِك لاعترفوا بخلافة إِمَام الْيمن لشرف نسبه وَعلمه بِالشَّرْعِ واستجماعه لغير ذَلِك من شُرُوط الْخلَافَة ذَلِك بِأَن الشُّرُوط تعد ثانوية بِالنِّسْبَةِ إِلَى أصل الْمَطْلُوب.
مِثَال ذَلِك أَن الْحُكُومَة المصرية تشْتَرط فِي مستخدميها أَن يَكُونُوا مصريي الْجِنْس عارفين باللغة الْعَرَبيَّة حاملين لشهادات مَخْصُوصَة وَلكنهَا عِنْدَمَا تحْتَاج إِلَى مستخدم فني لعمل لَا يُوجد مصري يعرفهُ تتْرك اشْتِرَاط ذَلِك فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يقدم الْمُسْتَوْفى للشروط على غَيره إِذا كَانَ قَادِرًا على أصل الْعَمَل الْمَطْلُوب.
وَكَانَ الْغَرَض لنا من هَذَا أَلا يغتروا بِمَا يعلمُونَ من عدم استجماع الْخَلِيفَة التركي لشروط الْخلَافَة، وَلَا بِمَا كَانُوا يرْمونَ إِلَيْهِ من جعل شرِيف مَكَّة خَليفَة بعد اعترافه لَهُم بِأَن مَكَان الْأمة الْعَرَبيَّة من انكلترة مَكَان الْقَاصِر - بالطفولية أَو العته - من الْوَصِيّ وَرضَاهُ بحمايتهم لَهُ وَلها، وَقد صرحنا للوزير فِي هَذِه المذكرة بِأَن الَّذِي يُرْضِي الْعَالم الإسلامي من دولته ترك الشعوب الإسلامية الْعَرَبيَّة والتركية والفارسية أحرارا مستقلين فِي بِلَادهمْ وَبَقَاء مَسْأَلَة الْخلَافَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ إِلَى أَن يُمكن تأليف مؤتمر إسلامي عَام لحل مشكلتها، وَقد بَينا فِيهَا أَيْضا أَن هَذِه الدولة مستهدفة لعداوة الشرق كُله بالتبع لعداوة الْعَالم الإسلامي، فَلَا يغرنها ضعف الْمُسلمين وتفرقهم فتحتقر عداوتهم مَعَ كَونهم مئات الملايين فَإِنَّهُم لن يَكُونُوا أَضْعَف من " ميكروبات الأوبئة " وسننشر هَذِه المذكرة فِي الْوَقْت الْمُنَاسب. .
لم يبال هَذَا الْوَزير بنصح هَذِه المذكرة فاستمر على سياسة الْقَضَاء على دولة التّرْك واستعباد الْعَرَب حَتَّى خذله الله وخذله قومه وأسقطوا وزارته، وَلَكِن بَقِي أَشد أنصاره فِي الوزارة الَّتِي خلفتها وَهُوَ لورد كرزون الَّذِي هُوَ أَشد تعصبا وعداوة للْمُسلمين مِنْهُ فَلذَلِك لم يتَغَيَّر من سياسة الدولة شَيْء فِي الْمَسْأَلَة الإسلامية إِلَّا مَا اضطرت إِلَيْهِ من مجاملة الدولة التركية الجديدة بعد تنكيلها بالجيش اليوناني الَّذِي أغرته وزارة لويد جورج بِالْقضَاءِ على مَا بَقِي للترك من الْقُوَّة فِي الأناضول، فأثبتت بذلك أَنَّهَا لَا تلين إِلَّا للقوة، وَأما الْحق وَالْعدْل وَالْوَفَاء بالعهود والوعود فلهَا فِي قَامُوس سياستها معَان أُخْرَى غير مَا يعرفهُ سَائِر الْبشر فِي لغاتهم. .
стр. 121
الْخلَافَة وتهمة الجامعة الإسلامية:
إِن السَّبَب الأول لكَون الدولة البريطانية هِيَ الْخصم الْأَكْبَر الأشد الْأَقْوَى من خصوم الْخلَافَة الإسلامية هُوَ أَنَّهَا تخشى أَن تتجدد بهَا حَيَاة الْإِسْلَام وتتحقق فكرة الجامعة الإسلامية فيحول ذَلِك دون استعبادها للشرق كُله. . وَقد نشرنا فِي مجلدات الْمنَار أقوالا كَثِيرَة للساسة الأوربيين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة من أهمها مَا نشرناه فِي المجلد الْعَاشِر سنة ١٣٢٥ من رأى كرومر فِي تَقْرِيره السنوي عَن مصر والسودان سنة ١٩٠٦ وأهمه قَوْله:
" الْمَقْصُود من الجامعة الإسلامية بِوَجْه الْإِجْمَال اجْتِمَاع الْمُسلمين فِي الْعَالم كُله على تحدي قوات الدول المسيحية ومقاومتها، فَإِذا نظر إِلَيْهَا من هَذَا الْوَجْه وَجب على كل الْأُمَم الأوروبية الَّتِي لَهَا مصَالح سياسية فِي الشرق أَن تراقب هَذِه الْحَرَكَة مراقبة دقيقة لِأَنَّهَا يُمكن أَن تُؤدِّي إِلَى حوادث مُتَفَرِّقَة فتضرم فِيهَا نيران التعصب الديني فِي جِهَات مُخْتَلفَة من الْعَالم. . ".
ثمَّ ذكر أَن للجامعة الإسلامية مَعَاني أُخْرَى أهم من الْمَعْنى الْأَصْلِيّ وَهِي:
(أَولهَا) فِي مصر الخضوع للسطان وترويج مقاصده. .
(وَثَانِيها) استلزامها لتهييج الأحقاد الجنسية والدينية إِلَّا فِيمَا ندر. .
(وَثَالِثهَا) السَّعْي فِي إصْلَاح أَمر الْإِسْلَام على النهج الإسلامي ( ﴿﴾ ) وَبِعِبَارَة أُخْرَى السَّعْي فِي الْقرن الْعشْرين لإعادة مبادئ وضعت مُنْذُ ألف سنة هدى لهيئة اجتماعية فِي حَالَة الْفطْرَة والسذاجة " وَذكر أَن عيب هَذِه المبادئ وَالسّنَن والشرائع هُوَ المناقضة لآراء أهل هَذَا الْعَصْر فِي علاقَة الرِّجَال بِالنسَاء وَأمر آخر قَالَ إِنَّه " أهم من ذَلِك كُله وَهُوَ إفراغ القوانين المدنية والجنائية والمالية فِي قالب وَاحِد لَا يقبل تغييرا وَلَا تحويرا (قَالَ) وَهَذَا مَا وقف تقدم الْبلدَانِ الَّتِي دَان أَهلهَا بدين الْإِسْلَام ... "
ثمَّ قفى على تحذير الأوربين من الجامعة الإسلامية بتحذيرهم من الجامعة الوطنية لِئَلَّا تتجلبب لَهَا الأولى " الَّتِي هِيَ أعظم الحركات المتقهقرة ".
رددنا على لورد كرومر فِي كل هَذِه الْمسَائِل ردا، ورد غَيرنَا عَلَيْهِ أَيْضا وَفِي هَذِه المباحث مَا فِيهَا من تفنيد كَلَامه، وغرضنا هُنَا أَن نبين شدَّة اهتمام الإنكليز بمقاومة
стр. 122
الجامعة الإسلامية بِكُل معنى من مَعَانِيهَا، وتحريضهم جَمِيع الأوربيين وَجَمِيع النَّصَارَى عَلَيْهَا وعَلى من يتَصَدَّى لَهَا، وتخويف الْمُسلمين مِنْهَا. .
وَلَقَد كن من إرهاب أوربة للشعوب الإسلامية وحكوماتها أَن جَعلتهَا تخَاف وتحذر كل مَا يكرههُ الأوربيون مِنْهَا وَتظهر الرَّغْبَة فِي كل مَا يدعونها إِلَيْهِ، وجروا على ذَلِك حَتَّى صَار الكثيرون مِنْهُم يَعْتَقِدُونَ أَن مَا يستحسنه لَهُم هَؤُلَاءِ الطامعون فيهم هُوَ الْحسن، وَمَا يستقبحونه مِنْهُم هُوَ الْقَبِيح، إِذْ تربوا على ذَلِك، وَلم يَجدوا أحدا يبين لَهُم الْحَقَائِق، وَكَانَ هَذَا عونا لَهُم على سلب اسْتِقْلَال هَؤُلَاءِ المخدوعين والمرهبين فِي بعض الْبِلَاد، وَغَلَبَة نفوذهم على نُفُوذ الْحُكُومَة فِي بِلَاد أُخْرَى كمصر والدولة العثمانية، واستحوذ الْجُبْن والخور على رجال الحكومات فِي هَذِه الْبِلَاد حَتَّى إِن أَرْكَان الدولة العثمانية لم يتجرءوا على الْإِذْن لنا بإنشاء مدرسة إسلامية فِي عاصمتها باسم (دَار الدعْوَة والإرشاد) كَمَا تقدم، وَلم يَكُونُوا كلهم يجهلون مَا ذكرت، بل قَالَ لي شيخ الْإِسْلَام حسني أَفَنْدِي رَحمَه الله تَعَالَى: إِن عندنَا قَاعِدَة مطردَة فِي الإفرنج هِيَ أَن كل مَا يرغبوننا فِيهِ فَهُوَ ضار بِنَا، وكل مَا ينفروننا مِنْهُ فَهُوَ نَافِع لنا. . وَإِنَّمَا هُوَ جبن بعض الرؤساء وَفَسَاد عقائد بعض. . وَمَا الْجُبْن إِلَّا غشاوة من الْوَهم على عين البصيرة انقشعت عَن ترك الأناضول، فَرَأَوْا أَنهم بعد انكسارهم فِي الْحَرْب الْعَامَّة، وفقدهم لتِلْك الممالك الواسعة، أعز وَأقوى مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ مُنْذُ مِائَتي سنة، إِذْ كَانَت الْبِلَاد فِيهَا تنتقص من أطرافها، ونفوذ الْأَجَانِب فِي عَاصِمَة الدولة فَوق نُفُوذ خليفتها وسلطانها. .
لهَذَا السَّبَب ينوط الرَّجَاء بحكومة الأناضول أُلُوف الألوف من الْمُسلمين أَن تحيي منصب الْخلَافَة، وتجدد بِهِ مجد الْإِسْلَام وشريعته الغراء الَّتِي يرجي أَن يَتَجَدَّد بإحيائها مجد الإنسانية، وَيدخل الْبشر فِي عصر جَدِيد ينجون بِهِ من مفاسد المدنية المادية، الَّتِي تهدد الْعمرَان الأوروبي نَفسه بالزوال، بله عمرَان الشرق. .
أَنا لَا أتصور أَن يكون الرعب من مُعَارضَة دوَل أوربة الاستعمارية هُوَ الَّذِي يمْنَع التّرْك من إِقَامَة الْخلَافَة الإسلامية. . فَإِن هَذَا شكل حكومتنا، وَمُقْتَضى ديننَا وطالما صرحت هَذِه الدول بعد الْحَرْب بِأَنَّهَا لَا تفتات على الْمُسلمين فِي أَمر الْخلَافَة، وَأما الجامعة الإسلامية الَّتِي يخافونها فَهِيَ مَسْأَلَة أُخْرَى. . وَلكُل دولة لَهَا رعايا من الْمُسلمين أَن تسوسهم بالطريقة الَّتِي ترَاهَا أحفظ لمصلحتها، نعم لن يكون الإفرنج
стр. 123
هم الَّذين يمْنَعُونَ إِقَامَة الْخلَافَة، وَلَكِن الَّذِي يخْشَى أَن يمْنَعهَا إِنَّمَا هم المتفرنجون دون غَيرهم وَقد شرحنا ذَلِك من قبل.
من الْمَعْقُول فِي السياسة أَن يطعن المستعمرون للبلاد الإسلامية فِي جَامِعَة دينية يظنون أَنَّهَا قد تُفْضِي إِلَى انْتِقَاض أهل هَذِه الْبِلَاد عَلَيْهِم، وَيَخَافُونَ أَن تكون الْخلَافَة الْحق سَببا لتحَقّق هَذِه الجامعة، وَأَن يطعنوا فِي الشَّرِيعَة الإسلامية وينفروا الْمُسلمين مِنْهَا لأجل ذَلِك، كَمَا يطعن فِيهَا دعاة النَّصْرَانِيَّة لهَذِهِ الْعلَّة وللطمع فِي تنصير الْمُسلمين، وَهَذَا الْخَوْف من إِقَامَة الْخلَافَة يكون على أشده إِذا كَانَ الْبَاعِث على إِقَامَتهَا السياسة الْمَحْضَة الَّتِي يسْتَحل اصحابها كل عمل لأجل مصلحتهم، وَقد يكون دون ذَلِك إِذا كَانَ الْبَاعِث دينيا مَحْضا وَهُوَ إِقَامَة حكم الْإِسْلَام كَمَا شَرعه الله تَعَالَى، وَلَيْسَ من شُرُوطهَا أَن يتبعهَا جَمِيع الْمُسلمين، وَنحن نعلم أَن هَذَا مُتَعَذر غير مستطاع فِي هَذَا الزَّمَان، وتكليف غير المستطاع مَمْنُوع فِي الْإِسْلَام ﴿لَا يُكلِّف الله نفسا إِلَّا وُسْعَها﴾ بل نَحن نرى الرَّأْي الْغَالِب فِي بعض الْبِلَاد يَأْبَى إحْيَاء الْخلَافَة حَتَّى إننا نجتهد فِي إقناع الْحُكُومَة التركية الْحَاضِرَة بِهِ ونشك فِي قبُولهَا، فَإِن زعيمها وَصَاحب النّفُوذ الْأَعْلَى فِي أقوى أحزابها يُصَرح فِي خطبه بِأَن السلطة فِي هَذِه الْحُكُومَة للْأمة الَّتِي يمثلها الْمجْلس الوطني الْكَبِير بِلَا شَرط وَلَا قيد، وَأَنه لَا يُمكن أَن يكون لشخص معِين نُفُوذ فِيهَا مهما يكن لقبه " أَي خَليفَة سمى أَو سُلْطَانا ".
وَلما أذاع الاتحاديون عزمهم على إنْشَاء مدرسة جَامِعَة إسلامية فِي الْمَدِينَة المنورة وابتداع سجل لطلاب الشَّفَاعَة النَّبَوِيَّة فِيهَا، وَقَالَت الجرائد وَغير الجرائد أَن مُرَادهم بذلك إحْيَاء الجامعة الإسلامية، كتبت مقَالَة فِي هَذَا الْمَوْضُوع نشرتها فِي المجلد السَّابِع عشر من الْمنَار (سنة ١٣٣٢) قلت فِيهَا مانصه:
" وَأما رأيى الَّذِي أنصح بِهِ الدولة، فَهُوَ أَن تصدى رجالها السياسيين لتحريك أوتار الجامعة الإسلامية يضر الدولة كثيرا وَلَا ينفعها إِلَّا قَلِيلا، ويوشك أَن تكون هَذِه الْأَقْوَال الَّتِي قيلت فِي هَذِه الْمَسْأَلَة - على قلَّة تأثيرها - من أَسبَاب مَا نرَاهُ من شدَّة تحامل أوروبة عَلَيْهَا، وأكتفي فِي هَذَا الْمقَام بِالْمثلِ الَّذِي يكرره الإِمَام الْغَزالِيّ " كن يَهُودِيّا صرفا وَإِلَّا فَلَا تلعب بِالتَّوْرَاةِ ".
" ومرادي من هَذَا أَنه يجب عَلَيْهَا أحد أَمريْن:
стр. 124
(الأول) أَن تؤسس حُكُومَة إسلامية، خَالِيَة من التقاليد والقوانين الإفرنجية، إِلَّا مَا كَانَ من النظام الَّذِي يتَّفق مَعَ الشَّرْع وَلَا يخْتَلف باخْتلَاف الأقوام، وَتُعْطِي مقَام الْخلَافَة حَقه من إحْيَاء دَعْوَة الْإِسْلَام، وَإِقَامَة الْحُدُود وحرية أهل الْأَدْيَان، وَلَا يعجزها حِينَئِذٍ أَن ترْضى غير الْمُسلمين من رعاياها الَّذين لَيْسَ لَهُم أهواء سياسية، وَلَا ضلع مَعَ الدول الْأَجْنَبِيَّة، بل يكون إرضاؤهم أسهل عَلَيْهَا مِنْهُ الْآن إِن شاءته، وَلَو كَانَ لي رَجَاء فِي إصغائها إِلَى هَذَا الرَّأْي، أَو جعله مَحل النّظر والبحث، لبينت ذَلِك بالتفصيل، ولأوردت مَا أعلمهُ من المشكلات والعقبات الَّتِي تعترض فِي طَرِيق تنفيذه من داخلية وخارجية مَعَ بَيَان الْمخْرج مِنْهَا، ثمَّ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من تَجْدِيد حَيَاة الدولة وَكَونه هُوَ المنجي لَهَا من الْخطر، وَإِن ترَاءى لكثير من النَّاس أَنه هُوَ المسرع بالخطر، ظنا مِنْهُم أَن أوروبة تعجل بالإجهاز على الدولة إِذا علمت أَنَّهَا شرعت بنهضة إسلامية لعلمها بِأَن هَذِه هِيَ حَيَاتهَا الْحَقِيقِيَّة، وَكَون حَيَاتهَا بِهَذَا هُوَ مَا يُصَرح بِهِ بعض أَحْرَار الأوروبيين وَإِن خُوّفِ مِنْهُ بالتمويه والإبهام أَكثر السياسيين. .
(الثَّانِي) أَن تدع كل ماعدا الْأُمُور الرسمية الْمَعْهُودَة لَدَيْهَا من أُمُور الدّين إِلَى الجمعيات الدِّينِيَّة الْحرَّة، والأفراد الَّذين يدفعهم استعدادهم إِلَى هَذِه الْخدمَة، وَلها أَن تساعد مَا يسْتَحق المساعدة من هَذِه الْأَعْمَال بالحماية، وَكَذَا بالإعانة الْمَالِيَّة من أوقاف المسملين الْخَيْرِيَّة (إِذا كَانَت تُرِيدُ بَقَاء الْأَوْقَاف الْعَامَّة فِي يَدهَا وَلَا تجب طلاب الْإِصْلَاح إِلَى جعل أوقاف كل ولَايَة فِي أَيدي أَهلهَا) مَعَ بَقَائِهَا بمعزل عَن السياسة وَأَهْلهَا. . وَلَوْلَا أَن هَذَا هُوَ رَأْيِي لما اشْترطت على رجال الدولة وجميعة الِاتِّحَاد إِذْ عرضت عَلَيْهِم مَشْرُوع الدعْوَة والإرشاد أَن يكون فِي يَد جمَاعَة حرَّة، لَا علاقَة لَهَا بالسياسة، وَألا تخصص لَهَا إِعَانَة من خزينة الدولة، بل تكون نفقاتها مِمَّا تجمعه هِيَ من الإعانات بأنواعها وَمِمَّا تعطاه من أوقاف الْمُسلمين الْخَيْرِيَّة. . فستذكرون مَا أَقُول لكم وأفوض أَمْرِي إِلَى الله، إِن الله بَصِير بالعباد) . .
هَذَا مَا كتبناه فِي ذَلِك الْوَقْت، وَقد شرحنا آراء الإفرنج فِي الجامعة الإسلامية وَمَا فِيهَا من الأوهام وَمَا يَنْبَغِي للْمُسلمين مرَارًا فِي مجلدات الْمنَار. .
стр. 125
شَهَادَة لوردين للشريعة الإسلامية:
مَا كل من يتَكَلَّم فِي الْإِسْلَام وشريعته من الإفرنج يتَكَلَّم عَن علم صَحِيح، وَمَا كل من لَدَيْهِ علم يَقُول مَا يعْتَقد، فَإِن مِنْهُم من تنطقه السياسة بِمَا تريه من مصلحَة دولته، وَمِنْهُم المتعصب الَّذِي لَا يبْحَث عَن شئ من أَمر الْإِسْلَام إِلَّا مَا يُمكن الطعْن فِيهِ لتشكيك الْمُسلمين فِي دينهم أَو لتحريض أعدائهم عَلَيْهِم. . وَقد وجد فيهم من قَالَ الْحق فِي الْإِسْلَام وشريعته فِي أَحْوَال اقْتَضَت ذَلِك. .
كلمة لورد كرومر فِي الشَّرِيعَة:
من هَؤُلَاءِ لورد كرومر الَّذِي طعن الشَّرِيعَة تِلْكَ الطعنة النجلاء الَّتِي أَقَامَت مصر وأقعدتها، وَقد اضْطر إِلَى إنصافها وَتَقْيِيد مَا أطلقهُ من الطعْن فِيهَا. بِمَا لَا يُنكره أحد من عقلاء الْمُسلمين كَمَا انصفها بِكَلِمَة قَالَهَا مرّة للأستاذ الإِمَام ونشرنا هَذَا وَذَاكَ فِي مُجَلد الْمنَار الْعَاشِر إِذْ كَانَ هُوَ بِمصْر، فقد قلت فِي سِيَاق الرَّد على طعنته: إِن الْأُسْتَاذ الإِمَام رَحمَه الله تَعَالَى حَدثنِي أَنه كَانَ يكلمهُ مرّة فِي مَسْأَلَة إصْلَاح المحاكم الشَّرْعِيَّة فِي إبان اهتمام الشّعب والحكومة بهَا وَاعْتِرَاض بعض الْعلمَاء على إصلاحها، فَأَقَامَ لَهُ الدَّلَائِل على أَن الْإِسْلَام يَدْعُو إِلَى كل إصْلَاح، ويناسب كل زمَان، فَقَالَ لَهُ اللورد مَا تَرْجَمته:
" أَتصدق يَا أستاذ أنني اعْتقد أَن دينا أوجد مَدَنِيَّة جَدِيدَة وَقَامَت بِهِ دوَل عَظِيمَة لَا يكون أساسه الْعدْل؟ هَذَا محَال، ولكنني أعلم أَن هَذِه المقاومات (أَي لإِصْلَاح المحاكم) أُمُور (اكليركية) " أَي تقاليد لرجل الدّين الإسلامي كتقاليد الْكَنِيسَة عِنْد النَّصَارَى.
هَذِه الْكَلِمَة حَملتنِي على إرْسَال كتاب إِلَى اللورد هَذَا نَصه:
الْقَاهِرَة فِي ٢٠ ربيع الأول سنة ١٣٢٥
كتاب من صَاحب الْمنَار للورد كرومر
جناب اللورد الْعَظِيم
стр. 126
أحيّيك بِمَا يَلِيق بمكانتك، وَإِن لم يسْبق لي شرف الْمعرفَة لحضرتك، وَأَرْجُو أَن تمن عَليّ ببضع دقائق من وقتك الثمين تُجِيبنِي فِيهَا عَن السُّؤَال الْآتِي الَّذِي يهمني من حَيْثُ أَنا صَاحب مجلة إسلامية تدافع عَن الدّين وتبحث فِي فلسفته وَهُوَ:
هَل عنيت بِمَا قلت فِي تقريرك الْأَخير عَن الحكم بالشريعة الإسلامية " الَّتِي وضعت مُنْذُ أَكثر من ألف سنة " الدّين الإسلامي نَفسه الَّذِي هُوَ عبارَة عَن الْقُرْآن الْحَكِيم وَالسّنة النَّبَوِيَّة؟ أم عنيت بذلك الْفِقْه الإسلامي الَّذِي وَضعه الْفُقَهَاء؟ فَإِن كنت تَعْنِي الثَّانِي فَهُوَ من وضع الْبشر، وَقد مزجت فِيهِ آراؤهم بِمَا يَأْخُذُونَ عَن الأول وَخطأ فِيهِ بَعضهم بَعْضًا، وَقد ترك حكام الْمُسلمين أنفسهم الْعَمَل بِكَثِير مِنْهُ. . ولطلاب الْإِصْلَاح من الْمُسلمين انتقاد على كثير من تِلْكَ الآراء فِي كل مَذْهَب. . وَإِن كنت تَعْنِي الأول فهاذ الْعَاجِز مستعد لِأَن يبين لجنابكم أَن مُعظم مَا جَاءَ فِي الدّين نَفسه من الْأَحْكَام القضائية والسياسية هُوَ من الْقَوَاعِد الْعَامَّة، وَهِي توَافق مصلحَة الْبشر فِي كل زمَان وَمَكَان لِأَن أساسها دَرْء الْمَفَاسِد وجلب الْمصَالح بِحكم الشورى، وَمَا فِيهِ من الْأَحْكَام الْجُزْئِيَّة (وَهُوَ مُقَابل الْمُعظم) رَاجع إِلَى ذَلِك. . وَاخْتِمْ رقيمي مودعا لجنابكم بالتحية والاحترام.
منشئ الْمنَار بِمصْر
مُحَمَّد رشيد رضَا
وَقد أجابنا بِالْكتاب الْآتِي بنصه الْعَرَبِيّ موقعا ومؤرخا بِخَطِّهِ الإفرنجي وَهُوَ
كتاب لورد كرومر إِلَى أَصْحَاب الْمنَار:
حَضْرَة صَاحب الْفَضِيلَة الْعَلامَة الشَّيْخ رشيد رضَا صَاحب جَرِيدَة الْمنَار
جَوَابا على خطابكم أَقُول إِنِّي عنيت بِمَا كتبت مَجْمُوع القوانين الإسلامية الَّتِي تسمونها الْفِقْه لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الْأَحْكَام وَلم أعن الدّين الإسلامي نَفسه وَلذَلِك قلت فِي هَذَا التَّقْرِير الْأَخير وَفِي غَيره بِوُجُوب مساعدة الحزب الإسلامي الَّذِي يطْلب الْإِصْلَاح ويسير مَعَ المدنية من غير أَن يمس أصُول الدّين. . وَلَعَلَّ الْعبارَة الَّتِي كتبتها بتقريري كَانَت موجزة فَلم تُؤَد المُرَاد تَمامًا. .
واقبلوا يَا حَضْرَة الْأُسْتَاذ احترامي الْفَائِق
كرومر
стр. 127
فِي ٤ مايو سنة ١٩٠٧ كلمة لورد كتشنر للسَّيِّد الزهراوي:
زار السَّيِّد عبد الحميد الزهراوي عقب تَعْيِينه عضوا فِي مجْلِس الْأَعْيَان العثماني مصر وَنزل ضيفا عِنْد صديقه صَاحب الْمنَار، وزار لورد كتشنر العميد البريطاني فِي ذَلِك الْوَقْت بإيعاز وَكنت مَعَه فَكَانَ مِمَّا قَالَه لَهُ اللورد باللغة الْعَرَبيَّة: " ١ " أَن الدولة العثمانية لَا تصلح بالقوانين الَّتِي تقتبسها منا - معشر الأوربيين - وَنحن مَا صلحت لنا هَذِه القوانين إِلَّا بعدتربية تدريجية فِي عدَّة قُرُون كُنَّا نغير فِيهَا ونبدل بِحَسب اخْتِلَاف الْأَحْوَال، وَإِن عنْدكُمْ شَرِيعَة عادلة مُوَافقَة لعقائدكم ولأحوالكم الاجتماعية، فَالْوَاجِب على الدولة أَن تعْمل بهَا وتترك قوانين أوروبة فتقيم الْعدْل وَتحفظ الْأَمْن وتستغل بلادها الخصبة، وَعِنْدِي أَنَّهَا لَا تصلح بِغَيْر هَذَا. .
هَذَا الْكَلَام حق وَإِن جَازَ على قَائِله الْجَهْل وَالْخَطَأ فِيمَا يظنّ أَنه لَا يصلح لنا من قوانين أوربة، وَنحن نعلم أَن كل مَا لديهم من حق وَعدل فِي ذَلِك فشريعتنا قد سبقت إِلَى تَقْرِيره كَمَا علم مِمَّا تقدم ولتفصيل ذَلِك مقَام آخر. .
الْخلَافَة والبابوية، أَو الرياسة الروحية:
الْإِسْلَام دين الْحُرِّيَّة والاستقلال الَّذِي كرم الْبشر وَرفع شَأْنهمْ بإعتاقهم من رق الْعُبُودِيَّة لغير الله تَعَالَى من رُؤَسَاء الدّين وَالدُّنْيَا. . فَأول أُصُوله تَجْرِيد الْعِبَادَة والتنزيه وَالتَّقْدِيس وَالطَّاعَة الذاتية لله رب الْعَالمين، وَأَن الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام لَيْسُوا إِلَّا مرشدين ومعلمين، ﴿وَمَا نرسل الْمُرْسلين إِلَّا مبشرين ومنذرين﴾ ، فَلَا سيطرة لَهُم على سرائر النَّاس، وَلَا حق الْإِكْرَاه والإجبار، وَلَا المحاسبة على الْقُلُوب والأفكار، وَلَا مغْفرَة الذُّنُوب والأوزار، وَلَا الحرمان من الْجنَّة وَإِدْخَال النَّار، بل ذَلِك كُله لله الْوَاحِد القهار، الْعَفو الْغفار، قَالَ تَعَالَى لخاتم رسله: ﴿فَذَكِّر إِنَّمَا أَنْت مُذَكِرّ. لست عَلَيْهِم بمُسيْطِر﴾ . (نَحن أعلم بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْت
стр. 128
عَلَيْهِم بجبار﴾ . ﴿وَمَا أَنْت عَلَيْهِم بوكيل﴾ . ﴿مَا عَلَيْك من حسابهم من شئ وَمَا من حِسَابك عَلَيْهِم من شئ﴾ . ﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضَرَّا وَلَا رَشَدا﴾ . . ﴿إِنَّك لَا تَهديِ من أحْبَبتْ ولكنّ الله يهديَ من يَشَاء﴾ . .
وَإِنَّمَا تجب طَاعَة الرَّسُول فِيمَا يبلغهُ ويبينه من أَمر الدّين عَن الله تَعَالَى وَمَا ينفذهُ من شَرعه، دون مَا يستحسنه فِي أُمُور الدُّنْيَا بظنه ورأيه، فالطاعة الذاتية إِنَّمَا هِيَ لله، وَلذَلِك قَالَ تَعَالَى: ﴿مَن يُطِع الرسولَ فَقد أطَاع الله﴾ فطاعة الرَّسُول ثمَّ طَاعَة أولي الْأَمر من الْأمة تبع لطاعة الله الَّتِي أوجبهَا للْمصْلحَة تنفيذا للشريعة، على أَن الرَّسُول مَعْصُوم فِي تَبْلِيغ الدّين وإقامته، وَقد جعله الله أُسْوَة حَسَنَة لأمته، وَكَانَ الصَّحَابَة على هَذَا يراجعون النَّبِي [ ﷺ ] فِيمَا يَقُوله بِرَأْيهِ فِي الْمصَالح الْعَامَّة كالحرب وَالسّلم ويبدون آراءهم، وَكَانَ يرجع عَن رَأْيه إِلَى رَأْي الْوَاحِد مِنْهُم إِذا تبين لَهُ أَنه الصَّوَاب، كَمَا رَجَعَ إِلَى رَأْي الْحباب بن الْمُنْذر يَوْم بدر، وَإِلَى رَأْي الْجُمْهُور بعد الشورى، وَإِن لم يظْهر لَهُ أَنه أصوب كَمَا فعل يَوْم أحد. وَقد قَالَ
" إِنَّمَا أَنا بشر إِذا أَمرتكُم بشئ من أَمر دينكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذا أَمرتكُم بشئ من رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنا بشر " رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث رَافع بن خديج، وَقَالَ
" أَنْتُم أعلم بِأَمْر دنياكم " رَوَاهُ من حَدِيث عَائِشَة. .
وَكَانَ [ ﷺ ] يعلم أَن فِيمَن اتبعهُ منافقين، وَكَانَ يعرف بَعضهم دون بعض وَلكنه يعاملهم مُعَاملَة الْمُؤمنِينَ، لِأَن من أصُول شَرِيعَته أَن يُعَامل النَّاس بِحَسب أَعْمَالهم الظَّاهِرَة ويوكل أَمر الْقُلُوب والسرائر إِلَى الله تَعَالَى. . قَالَ رجل لَهُ وَقد رَآهُ يُعْطي رجَالًا من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم: يَا رَسُول الله اتَّقِ الله. قَالَ:
" وَيلك أَو لست أَحَق أهل الأَرْض أَن يَتَّقِي الله؟ " ثمَّ ولى الرجل فَقَالَ خَالِد بن الْوَلِيد: يَا رَسُول الله أَلا أضْرب عُنُقه؟ وَفِي رِوَايَة فَقَالَ عمر يَا رَسُول الله إئذن لي أضْرب عُنُقه، قَالَ:
" لَا تفعل لَعَلَّه أَن يكون يُصَلِّي " فَقَالَ خَالِد: وَكم من مصل يَقُول بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قلبه: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] :
" إِنِّي لم أومر أَن أنقب فِي قُلُوب النَّاس وَلَا أشق بطونهم " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ. .
وَإِذا كَانَ هَذَا شَأْن الرَّسُول [ ﷺ ] فَهَل يكون للخلفاء والأمراءمهما عظم شَأْنهمْ أَن يحاسبوا النَّاس على قُلُوبهم، أَو يسيطروا عَلَيْهِم فِي فهمهم للدّين أَو عَمَلهم بِهِ، وَرُبمَا كَانَ فيهم من هم أعلم بِهِ مِنْهُم؟ كلا إِن الْخَلِيفَة فِي الْإِسْلَام لَيْسَ إِلَّا
стр. 129
رَئِيس الْحُكُومَة الْمقيدَة، لَا سيطرة وَلَا رقابة لَهُ على أَرْوَاح النَّاس وَقُلُوبهمْ، وَإِنَّمَا هُوَ منفذ للشَّرْع وطاعته محصورة فِي ذَلِك فَهِيَ طَاعَة للشَّرْع لَا لَهُ نَفسه، كَمَا تقدم آنِفا وَبسط فِي الْمَسْأَلَة (١ و ٦ و ٨) وَلَكِن الْأَعَاجِم أفسدوا فِي أَمر الْإِمَامَة والخلافة بِمَا دست الباطنية فِي الشِّيعَة من تعاليم الإِمَام الْمَعْصُوم، وَبِمَا أفرط الْفرس وَالتّرْك وَمن تَبِعَهُمْ فِي الغلو بإطراء الْخُلَفَاء مِمَّا يذكر مِثَاله فِي الْخُلَاصَة التاريخية الْآتِيَة، حَتَّى فتحُوا لَهُم بَاب الاستعباد، وقهروا الْأمة على الخنوع والانقياد، ثمَّ انْتهى كل غلو إِلَى ضِدّه، فَكَانَ غلو الْأَعَاجِم فِي الْخُلَفَاء العباسيين سَببا للْقَضَاء على خلافتهم، ثمَّ كَانَ تقديس الْخُلَفَاء العثمانيين سَببا لإِسْقَاط دولتهم، وَقد أبقى التّرْك لوَاحِد مِنْهُم لقب خَليفَة مُجَردا من مَعْنَاهُ الشَّرْعِيّ والسياسي كَمَا تقدم، وَلم يمْنَع ذَلِك النَّاس وَلَا سِيمَا أَصْحَاب الجرائد عَن وَصفه بالقداسة، وبصاحب الْعَرْش، وَغير ذَلِك من الإطراء بالْقَوْل وَالْفِعْل. . وَكثر خوض الْمُسلمين كغيرهم بِذكر الْخلَافَة الروحية، وفصلها من السلطة الزمنية السياسية، وَإِنَّا وَإِن كُنَّا قد بَينا الْحق فِي الْمَسْأَلَة فِي هَذَا الْبَحْث نرى أَن نزيدها أيضاحا بِنَقْل مَا كتبه الْأُسْتَاذ الإِمَام فِيهَا نقلا عَن كِتَابه: (الْإِسْلَام والنصرانية مَعَ الْعلم والمدنية) قَالَ ﵀:
стр. 130
فارغة
стр. 131
الْفَصْل الْخَامِس لِلْإِسْلَامِ
قلب السلطة الدِّينِيَّة
стр. 132
فارغة
стр. 133
" أصل من أصُول الْإِسْلَام انْتقل إِلَيْهِ، وَمَا أَجله من أصل، قلب السلطة الدِّينِيَّة والإتيان عَلَيْهَا من أساسها، هدم الْإِسْلَام بِنَاء تِلْكَ السلطة ومحا أَثَرهَا حَتَّى لم يبْق لَهَا عِنْد الْجُمْهُور من أَهله اسْم وَلَا رسم. . لم يدع الْإِسْلَام لأحد بعد الله وَرَسُوله سُلْطَانا على عقيدة أحد وَلَا سيطرة على إيمَانه. . على أَن رَسُول الله ﵇ كَانَ مبلغا ومذكرا، لَا مهيمنا وَلَا مسيطرا: قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَذكر إِنَّمَا أَنْت مُذَكّر، لست عَلَيْهِم بمسيَطر﴾ وَلم يَجْعَل لأحد من أَهله أَن يحل وَلَا أَن يرْبط لَا فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء بل الْإِيمَان يعْتق الْمُؤمن من كل رَقِيب عَلَيْهِ فِيمَا بَينه وَبَين الله سوى الله وَحده، وَيَرْفَعهُ عَن كل رق إِلَّا الْعُبُودِيَّة لله وَحده، وَلَيْسَ لمُسلم مهما علا كَعبه فِي الْإِسْلَام على آخر مهما انحطت مَنْزِلَته فِيهِ إِلَّا حق النَّصِيحَة والإرشاد. قَالَ تَعَالَى فِي وصف الناجين: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ وَقَالَ: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَقَالَ: ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ فالمسلمون يتناصحون ثمَّ هم يُقِيمُونَ أمة تَدْعُو إِلَى الْخَيْر وهم المراقبون عَلَيْهَا يردونها إِلَى السَّبِيل السوى إِذا انحرفت عَنهُ. . وَتلك الْأمة لَيْسَ لَهَا فيهم إِلَّا الدعْوَة التَّذْكِير، والإنذار والتحذير وَلَا يجوز لَهَا وَلَا لأحد من النَّاس أَن يتتبع عَورَة أحد. . وَلَا يسوغ لقوي وَلَا لضغيف أَن يتجسس على عقيدة أحد، وَلَيْسَ يجب على مُسلم أَن يَأْخُذ عقيدته أَو يتلَقَّى أصُول مَا يعْمل بِهِ عَن أحد إِلَّا عَن كتاب الله وَسنة رَسُول الله [ ﷺ ] . . لكل مُسلم أَن يفهم عَن الله من كتاب الله وَعَن رَسُوله من كَلَام رَسُوله بِدُونِ توسيط أحد من سلف وَلَا خلف وَإِنَّمَا يجب عَلَيْهِ قبل ذَلِك
стр. 134
أَن يحصل من وسائله مَا يؤهله للفهم كقواعد اللُّغَة الْعَرَبيَّة وآدابها وأساليبها وأحوال الْعَرَب خَاصَّة فِي زمَان الْبعْثَة، وَمَا كَانَ النَّاس عَلَيْهِ زمن النَّبِي [ ﷺ ] ، وَمَا وَقع من الْحَوَادِث وَقت نزُول الْوَحْي، وَشَيْء من النَّاسِخ والمنسوخ من الْآثَار. . فَإِن لم تسمح لَهُ حَاله بالوصول إِلَى مَا بعده لفهم الصَّوَاب من السّنة وَالْكتاب فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَن يسْأَل العارفين بهما. وَله بل عَلَيْهِ أَن يُطَالب الْمُجيب بِالدَّلِيلِ على مَا يُجيب بِهِ سَوَاء كَانَ السُّؤَال فِي أَمر الِاعْتِقَاد أَو فِي حكم عمل من الْأَعْمَال. . فَلَيْسَ فِي الْإِسْلَام مَا يُسمى عِنْد قوم بالسلطة الدِّينِيَّة بِوَجْه من الْوُجُوه.
السُّلْطَان فِي الْإِسْلَام
لَكِن الْإِسْلَام دين وَشرع، فقد وضع حدوداً، ورسم حقوقا، وَلَيْسَ كل مُعْتَقد فِي ظَاهر أمره بِحكم يجْرِي عَلَيْهِ فِي عمله. . فقد يغلب الْهوى، وتتحكم الشَّهْوَة، فيغمط الْحق، أَو يتَعَدَّى المعتدى الْحَد، فَلَا تكمل الْحِكْمَة من تشريع الْأَحْكَام إِلَّا إِذا وجدت قُوَّة الْإِقَامَة الْحُدُود. . وتنفيذ حكم القَاضِي بِالْحَقِّ، وصون نظام الْجَمَاعَة. . وَتلك الْقُوَّة لَا يجوز أَن تكون فوضى فِي عدد كثير، فَلَا بُد أَن تكون فِي وَاحِد وَهُوَ السُّلْطَان أَو الْخَلِيفَة. .
الْخَلِيفَة عِنْد الْمُسلمين لَيْسَ بالمعصوم، وَلَا هُوَ مهبط الْوَحْي، وَلَا من حَقه الاستئثار بتفسير الْكتاب وَالسّنة. . نعم شَرط فِيهِ أَن يكون مُجْتَهدا، أَي أَن يكون من الْعلم باللغة الْعَرَبيَّة وَمَا مَعهَا مِمَّا تقدم ذكره بِحَيْثُ يَتَيَسَّر لَهُ أَن يفهم من الْكتاب وَالسّنة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام، حَتَّى يتَمَكَّن بِنَفسِهِ من التَّمْيِيز بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَالصَّحِيح وَالْفَاسِد، ويسهل عَلَيْهِ إِقَامَة الْعدْل الَّذِي يُطَالِبهُ بِهِ الدّين وَالْأمة مَعًا. .
هُوَ على هَذَا - لَا يَخُصُّهُ الدّين فِي فهم الْكتاب وَالْعلم بِالْأَحْكَامِ بمزية، وَلَا يرْتَفع بِهِ إِلَى منزلَة، بل هُوَ وَسَائِر طلاب الْفَهم سَوَاء، إِنَّمَا يتفاضلون بصفاء
стр. 135
الْعقل، وَكَثْرَة الْإِصَابَة فِي الحكم، ثمَّ هُوَ مُطَاع مادام على المحجة، ونهج الْكتاب وَالسّنة، والمسلمون لَهُ بالمرصاد، فَإِذا انحرف عَن النهج أقاموه عَلَيْهِ، وَإِذا اعوج قوموه بِالنَّصِيحَةِ والإعذار إِلَيْهِ، " لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق " فَإِذا فَارق الْكتاب وَالسّنة فِي عمله، وَجب عَلَيْهِم أَن يستبدلوا بِهِ غَيره مَا لم يكن فِي استبداله مفْسدَة تفوق الْمصلحَة فِيهِ فالأمة أَو نَائِب الْأمة هُوَ الَّذِي ينصبه، وَالْأمة هِيَ صَاحِبَة الْحق فِي السيطرة عَلَيْهِ، وَهِي الَّتِي تخلعه مَتى رَأَتْ ذَلِك من مصلحتها، فَهُوَ حَاكم مدنِي من جَمِيع الْوُجُوه. .
وَلَا يجوز لصحيح النّظر أَن يخلط الْخَلِيفَة عِنْد الْمُسلمين بِمَا يُسَمِّيه الإفرنج (كراتيك) أَي سُلْطَان إلهي. فَإِن ذَلِك عِنْدهم هُوَ الَّذِي ينْفَرد بتلقي الشَّرِيعَة عَن الله، وَله حق الأثرة بالتشريع، وَله فِي رِقَاب النَّاس حق الطَّاعَة، لَا بالبيعة، وَمَا تَقْتَضِيه من الْعدْل وحماية الْحَوْزَة، بل بِمُقْتَضى الْإِيمَان، فَلَيْسَ لِلْمُؤمنِ مَا دَامَ مُؤمنا أَن يُخَالِفهُ، وَإِن اعْتقد أَنه عَدو لدين الله، وَشهِدت عَيناهُ من أَعماله مَا لَا ينطبق على مَا يعرفهُ من شرائعه، لِأَن عمل صَاحب السُّلْطَان الديني وَقَوله فِي أَي مظهر ظهراهما دين وَشرع. . هَكَذَا كَانَت سلطة الْكَنِيسَة فِي الْقُرُون الْوُسْطَى، وَلَا تزَال الْكَنِيسَة تَدعِي الْحق فِي هَذِه السلطة كَمَا سبقت الْإِشَارَة إِلَيْهِ. .
كَانَ من أَعمال التمدن الحَدِيث الْفَصْل بَين السلطة الدِّينِيَّة والسلطة المدنية، فَترك للكنيسة حق السيطرة على الِاعْتِقَاد والأعمال فِيمَا هُوَ من مُعَاملَة العَبْد لرَبه، تشرع وتنسخ مَا تشَاء، وتراقب وتحاسب كَمَا تشَاء، وَتحرم وَتُعْطِي كَمَا تُرِيدُ، وخول السلطة المدنية حق التشريع فِي معاملات النَّاس بَعضهم لبَعض، وَحقّ السيطرة على مَا يحفظ نظام اجْتِمَاعهم، فِي معاشهم لَا فِي معادهم، وعدوا هَذَا الْفَصْل منبعا للخير الْأَعَمّ عِنْدهم. .
стр. 136
ثمَّ هم واهمون فِيمَا يرْمونَ بِهِ الْإِسْلَام من أَنه يحتم قرن السلطتين فِي شخص وَاحِد. . ويظنون أَن معنى ذَلِك فِي رَأْي الْمُسلم أَن السُّلْطَان هُوَ مُقَرر الدّين، وَهُوَ وَاضع أَحْكَامه وَهُوَ منفذها، وَالْإِيمَان آلَة فِي يَده يتَصَرَّف بهَا فِي الْقُلُوب بالإخضاع، وَفِي الْعُقُول بالإقناع، وَمَا الْعقل والوجدان عِنْده إِلَّا مَتَاع، ويبنون على ذَلِك أَن الْمُسلم مستعبد لسلطانه بِدِينِهِ، وَقد عهدوا أَن سُلْطَان الدّين عِنْدهم كَانَ يحارب الْعلم، ويحمي حَقِيقَة الْجَهْل، فَلَا يَتَيَسَّر للدّين الإسلامي أَن يَأْخُذ بالتسامح مَعَ الْعلم مَا دَامَ من أُصُوله أَن إِقَامَة السُّلْطَان وَاجِبَة بِمُقْتَضى الدّين. وَقد تبين لَك أَن هَذَا كُله خطأ مَحْض وَبعد عَن فهم معنى ذَلِك الأَصْل من أصُول الْإِسْلَام. . وَعلمت أَن لَيْسَ فِي الْإِسْلَام سلطة دينية سوى الموعظة الْحَسَنَة، والدعوة إِلَى الْخَيْر والتنفير من الشَّرّ، وَهِي سلطة خولها الله لأدنى الْمُسلمين يقرع بهَا أنف أعلاهم، كَمَا خولها لأعلاهم يتَنَاوَل بهَا من أَدْنَاهُم. .
وَمن هُنَا تعلم " الْجَمَاعَة " أَن مَسْأَلَة السُّلْطَان فِي دين الْإِسْلَام لَيست مِمَّا يضيق بِهِ صَدره، وتحرج بِهِ نَفسه عَن احْتِمَال الْعلم، وَقد تقدم مَا يُشِير إِلَى مَا صنع الْخُلَفَاء العباسيون والأمويون الأندلسيون من صنائع الْمَعْرُوف مَعَ الْعلم وَالْعُلَمَاء: وَرُبمَا أَتَيْنَا على شئ آخر مِنْهُ فِيمَا بعد.
يَقُولُونَ: إِن لم يكن للخليفة ذَلِك السُّلْطَان الديني أَفلا يكون للْقَاضِي أَو للمفتي أَو شيخ الْإِسْلَام؟ وَأَقُول: إِن الْإِسْلَام لم يَجْعَل لهَؤُلَاء أدنى سلطة على العقائد وَتَقْرِير الْأَحْكَام، وكل سلطة تنَاولهَا وَاحِد من هَؤُلَاءِ فَهِيَ سلطة مَدَنِيَّة قررها الشَّرْع الإسلامي، وَلَا يسوغ لوَاحِد مِنْهُم أَن يَدعِي حق السيطرة على إِيمَان أحد أَو عِبَادَته لرَبه أَو ينازعه فِي طَرِيق نظره " اهـ.
стр. 137
خَاتِمَة
خُلَاصَة اجتماعية تاريخية، فِي الْخلَافَة والدول الإسلامية
﴿وَكَذَلِكَ فتنا بَعضهم بِبَعْض لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ من الله عَلَيْهِم من بَيْننَا أَلَيْسَ الله بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ﴾ . .؟
(تمهيد) : لقد كَانَ فِيمَن قبلنَا من الْبشر منذرون ورسل بعثوا لهدايتهم، وملوك وحكام يتولون الْأَحْكَام والسياسة فيهم، وَكَانَ بعض الْأَنْبِيَاء ملوكاً، وَكَانَ بعض الْمُلُوك تابعين للأنبياء، وَكَانَ الْملك والرياسة فتْنَة للملوك والرعايا، وللرؤساء والمرءوسين، ﴿وَجَعَلنَا بَعْضكُم لبَعض فتْنَة أَتَصْبِرُونَ﴾ وَكَانَ رُؤَسَاء الدّين من غير الْأَنْبِيَاء كثيرا مَا يشتركون مَعَ رُؤَسَاء الدُّنْيَا من الْمُلُوك والأمراء فِي فتْنَة المَال والجاه، فَيكون بَعضهم أَوْلِيَاء بعض فِي استعباد مرءوسيهم، والتمتع بِأَمْوَالِهِمْ وأعراضهم، وَكَانَت الشعوب، تنقاد لأولئك الرؤساء إِمَّا بوازع الِاعْتِقَاد الديني، وَإِمَّا بقهر الْقُوَّة وَالسُّلْطَان، وَإِمَّا بالأمرين جَمِيعًا، وَرُبمَا كَانَ بَعْضهَا ويضيق ذرعاً بِبَعْض الْمُلُوك الجائرين فينزع يَده من طاعتهم، ويثل عروشهم، ويولي أمره جمَاعَة من الزعماء الَّذين نهضوا لمقاومة الْجور والقهر بقوتهم، حَتَّى إِذا مَا صَار الْأَمر إِلَيْهِم كَانُوا وهم عصبَة أَشد جوراً وبغياً من الْملك الْوَاحِد الَّذِي لَا يَسْتَطِيع ظلما وَلَا هضما إِلَّا بأعوانه من أمثالهم، وَمَا زَالَ النَّاس مرهقين بسيطرة رُؤَسَاء الدّين الروحية فِي سرائرهم، ورؤساء الدّين وَالدُّنْيَا مَعًا فِي ظواهرهم.
(إِذا أَوَوْا إِلَى ظلّ الْعدْل ... يَوْمًا لفحهم هجير الْجور أَيَّامًا)
(وَإِذا تذوقوا من حلاوة الرَّحْمَة ... جرعة رَاحَة تجرعوا من علقم الْقَسْوَة)
стр. 138
يشقي الأولوف مِنْهُم ليتمتع باللذة أَفْرَاد من المترفين، وَيحرم الألوف من بلغَة الْعَيْش ويتمتع بثمرات كسبهم نفر من المسرفين، وَمَا زَالَ النَّاس كَذَلِك حَتَّى بعث الله خَاتم رسله رَحْمَة للْعَالمين، فَجَاءَهُمْ عَنهُ بِمَا فِيهِ صَلَاح الدُّنْيَا وهداية الدّين.
فَكَانَ من أصُول هدايته للبشر أَن أسس لَهُم دينا وسطا، وَشرعا عادلاً، ومملكة شورية: جعل أَمرهم شُورَى بَينهم، وأزال جبرية الْملك وأثرته وكبرياءه من حكومتهم، وَجعل أَمر الرئيس الَّذِي يمثل الْوحدَة ويوحد النظام وَالْعدْل فِي المملكة للْأمة، ينتخبه أهل الرَّأْي وَالْعَدَالَة وَالْعلم من زعمائها، الموثوق بهم عِنْدهَا، وَجعله مسئولاً عَنْهُم لديهم، ومساوياً فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرِيعَة لأدنى رجل مِنْهُم، وَفرض عَلَيْهِم طَاعَته فِي الْمَعْرُوف من الْحق وَالْعدْل، وَحرم عَلَيْهِم طَاعَته فِي الْمعْصِيَة وَالْبَغي والجور، وَجعل الْوَازِع فِي ذَلِك دينياً لينفذ فِي السِّرّ والجهر، لِأَن الطَّاعَة الْحَقِيقِيَّة لله وَحده، والسيطرة لجَماعَة الْأمة، وَإِنَّمَا الرئيس ممثل للوحدة، وَلذَلِك خَاطب الْكتاب الْمنزل، نَبِي هَذَا الدّين الْمُرْسل، بقوله فِي آيَة الْمُبَايعَة ﴿وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوف﴾ وَأمره بمشاروتهم فِي الْأَمر، وَقد أَقَامَ هَذِه الْأُصُول صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ على أكمل وَجه، فَكَانَ يستشيرهم، وَيرجع عَن رَأْيه إِلَى رَأْيهمْ، ودعا فِي مرض مَوته مَن عساه ظلمه بشئ إِلَى الاقتصاص مِنْهُ، وَسَار على سنته هَذِه خلفاؤه الراشدون من بعده، فَكَانَ هَذَا من أفعل أَسبَاب قبُول دين الْإِسْلَام، وسيادته على جَمِيع الْملَل والأديان، واستعلاء حكمه ولغته فِي الشرق والغرب، وخضوع الْأُمَم الْكَثِيرَة لَهُ بِالرِّضَا والطوع، وانتشاره فِي قرن وَاحِد من الْحجاز إِلَى أقْصَى أفريقية وأوربة من جَانب الْمغرب، وَإِلَى بِلَاد الْهِنْد من جِهَة الْمشرق. .
وَلَو سَار من جَاءَ بعد الرَّاشِدين على سُنَنهمْ فِي اتِّبَاع هدى الْكتاب وَالسّنة، لعمت هِدَايَة الْإِسْلَام الْعَالم كُله، وَلما تهافت عبيد الشُّهْرَة والشهوة، على رياسته الَّتِي هِيَ خلَافَة للنبوة، والنزوات عَلَيْهَا بِقُوَّة العصبية، إِذْ لَيْسَ فِيهَا تمتّع باللذات الجسدية، وَلَا بعظمة السيطرة الجبروتية. . فقد فرض الصَّحَابَة للخليفة الأول نَفَقَة نَفسه وَعِيَاله كَرجل من أوساط الْمُهَاجِرين لَا أعلاهم وَلَا أَدْنَاهُم، وَلكنه، هُوَ وَمن بعده من الرَّاشِدين اخْتَارُوا أَن يَكُونُوا فِي معيشتهم دون الْوسط من أمتهم. .
стр. 139
أما الاعتداء على عمر وَقَتله فَلم يكن من حسد الْمُسلمين وَلَا من كراهتهم لَهُ، وَلَا من طمع أحد فِي أَن يخلفه، بل كَانَ من جمَاعَة الْمَجُوس السّريَّة انتقاماً مِنْهُ لفتحه لبلادهم، وإسقاطه لملكهم، وَأما التَّعَدِّي على عُثْمَان وَقَتله فقد كَانَ بدسائس الْفرس وَعبد الله بن سبأ الْيَهُودِيّ، وَلَوْلَا هَاتَانِ الفتنتان لما وصل الشقاق بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ، كَمَا يعلم ذَلِك كل مدقق فِي التَّارِيخ. .
اتَّسع ملك الْإِسْلَام وَكثر خصومه من زعماء الْملَل والشعوب الَّذين أَزَال عظمتهم واستمتاعهم بِملك بِلَادهمْ، وساوي بَينهم وَبَين عبيدهم فِي الْحُقُوق وكل أقوامهم كَانُوا عبيدا لَهُم، وَلم يكن الْوَازِع الديني فِيمَن دخلُوا فِيهِ من هَذِه الشعوب مثله فِيمَن فهموه حق الْفَهم من الْعَرَب، وَلم تكن كل بطُون الْعَرَب كالسابقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَلم يكن من السهل إِيجَاد نظام لقُوَّة الْخلَافَة تخضع لَهُ كل هَذِه الْأُمَم والشعوب فِي الْخَافِقين مَعَ بعد الشقة وصعوبة المواصلات، فَلهَذَا سهل على السبئيين وَالْمَجُوس بَث الْفِتَن لِلْإِسْلَامِ وللعرب، وعَلى مُعَاوِيَة تأليف جَيش فِي الشَّام يُقَاتل بِهِ الإِمَام الْحق أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ جعل خلَافَة النُّبُوَّة ملكا عَضُوضًا كملك الغابرين. .
سنة التغلب وعواقبها، وإفساد الْأَعَاجِم لحكم الْإِسْلَام الْعَرَبِيّ:
فتح مُعَاوِيَة للأقوياء بَاب التغلب فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يهرعون، وَلم يثبت ملك الأمويين مَعَه قرنا وَاحِدًا كَامِلا، وَلما كَانَ الْإِسْلَام قد أبطل عصبية الْعَرَب الجنسية احْتَاجَ العباسيون إِلَى أَن يستعينوا على الأمويين بعصبية الْأمة الفارسية، وَكَانَ للزنادقة وَالْمُنَافِقِينَ من هَؤُلَاءِ مكايد خُفْيَة، يُرِيدُونَ أَن يديلوا للْفرس من الْعَرَب، وللمجوسية من الْإِسْلَام، ولأجلها بثوا فِي الْمُسلمين التَّفْرِقَة بالغلو فِي آل الْبَيْت توسلا لِلطَّعْنِ فِي جُمْهُور الصَّحَابَة؛ ليفرقوا كلمة الْعَرَب ويبعدوا بهم عَن أصُول الْإِسْلَام الشورى (الديمقراطي) وينشئوا فِيهِ حُكُومَة (أتوقراطية) مُقَدَّسَة أَو معبودة،
стр. 140
بِجعْل رئاستها لمن يدعونَ فيهم الْعِصْمَة من بَيت النُّبُوَّة، ليسهل عَلَيْهِم بذلك إِعَادَة الكسروية والمجوسية.
وَلما انْكَشَفَ أَمرهم للعباسيين عولوا على جعل عصبيتهم من التّرْك، فَكَانَ المعتصم يَشْتَرِي شُبَّانهمْ من بِلَادهمْ وَسَائِر النواحي ويجعلهم جُنُودا لَهُ، وَيُطلق لَهُم الْعَنَان، ويمهد لَهُم هُوَ وَمن بعده سَبِيل السُّلْطَان، جهلا مِنْهُم بطبائع الْعمرَان، وَكَانُوا أولى جهل وقسوة وَفَسَاد، فطغوا فِي الْبِلَاد، وَأَكْثرُوا الْبَغي والعدوان على الْعباد، حَتَّى صَارُوا يقتلُون الْخُلَفَاء أنفسهم وهم على عروشهم أَو يخلعونهم وَيُوَلُّونَ غَيرهم بأهوائهم، فَاخْتَارَ بفسادهم النظام، وَالطَّاعَة بوازع الْإِسْلَام؛ فسهل على إخْوَانهمْ التتار اجتياح ملك العباسيين تخريبا وتتبيبا، وتقتيلا وتمثيلا، واستفحل أَمر الباطنية من القرامطة وَغَيرهم، وَقد كَانَ جند التّرْك فِي العباسيين، كجند الانكشارية فِي العثمانيين، كَانَ قُوَّة لَهُم، ثمَّ صَار قُوَّة عَلَيْهِم، ومفسدا لملكهم. . وَقد أفسد الْأَعَاجِم أَمر الْخُلَفَاء العباسيين بالإطراء والتعظيم الَّذِي يُنكره الْإِسْلَام وَلَا تعرفه الْعَرَب، بشر من إفسادهم لَهُ بالاستبداد بهم والاعتداء عَلَيْهِم، كَمَا فعل السُّلْطَان عضد الدولة بذلك الْمظهر العجيب الَّذِي أَقَامَهُ للخليفة الطائع. .
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي تَرْجَمَة الطائع لله من تَارِيخ الْخُلَفَاء: وَسَأَلَ عضد الدولة الطائع أَن يزِيد فِي ألقابه " تَاج الْملَّة " ويجدد الْخلْع عَلَيْهِ ويلبسه التَّاج فَأَجَابَهُ وَجلسَ الطائع على السرير وَحَوله مائَة بِالسُّيُوفِ والزينة، وَبَين يَدَيْهِ مصحف عُثْمَان، وعَلى كتفه الْبردَة، وَبِيَدِهِ الْقَضِيب، وَهُوَ متقلد بِسيف رَسُول الله [ ﷺ ] وَضربت ستارة بعثها عضد الدولة وَسَأَلَ أَن تكون حِجَابا للطائع حَتَّى لَا تقع عَلَيْهِ عين أحد من الْجند قبله، وَدخل الأتراك والديلم وَلَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم حَدِيد، ووقف الْأَشْرَاف وَأَصْحَاب الْمَرَاتِب من الْجَانِبَيْنِ، ثمَّ أذن لعضد الدولة فَدخل، ثمَّ رفعت الستارة وَقبل عضد الدولة الأَرْض، فارتاع زِيَاد الْقَائِد لذَلِك وَقَالَ لعضد الدولة: مَا هَذَا أَيهَا الْملك؟ أَهَذا هُوَ الله؟ فَالْتَفت إِلَيْهِ وَقَالَ هَذَا خَليفَة الله فِي أرضه ( ﴿﴾ ) ثمَّ اسْتمرّ يمشي وَيقبل الأَرْض سبع مَرَّات. . فَالْتَفت إِلَيْهِ الطائع إِلَى خَالص الْخَادِم، وَقَالَ استدنه، فَصَعدَ عضد الدولة فَقبل الأَرْض مرَّتَيْنِ، فَقَالَ: ادن إِلَيّ، فَدَنَا وَقبل رجله، وثنى الطائع يَمِينه عَلَيْهِ وَأمره فَجَلَسَ على كرْسِي بعد أَن كرر عَلَيْهِ " اجْلِسْ " وَهُوَ يستعفى، فَقَالَ لَهُ أَقْسَمت
стр. 141
عَلَيْك لتجلسن، فَقبل الْكُرْسِيّ وَجلسَ. . فَقَالَ لَهُ الطائع قد رَأَيْت أَن أفوض إِلَيْك أَمر الرّعية فِي شَرق الأَرْض وغربها، وتدبيرها فِي جَمِيع جهاتها، سوى خاصتي وأسبابي، فتول ذَلِك. فَقَالَ يُعِيننِي الله على طَاعَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وخدمته، ثمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْخلْع وَانْصَرف.
ثمَّ ذكر المؤرخ من عَاقِبَة هَذَا مَا وصل إِلَيْهِ أَمر الْخُلَفَاء بعد ذَلِك مَعَ السلاطين إِذْ كَانُوا كآحاد الوجهاء فِي رِكَابهمْ. . وَمَا كَانَ يَفْعَله أَمْثَال ذَلِك الْملك الْجَاهِل المتملق، وكل مَا ذكر من تِلْكَ الْهَيْئَة مُنكرَات فِي الْإِسْلَام. فتقبيل الأَرْض أَشد تذللا من الرُّكُوع وَالسُّجُود \، وَقد صحت الْأَحَادِيث فِي النَّهْي عَن التَّشَبُّه بالأعاجم فِي كبريائهم وبذخهم، حَتَّى فِي الْوُقُوف على رُءُوس مُلُوكهمْ أَو بَين أَيْديهم. .
إضراب الْمُسلمين فِي حكوماتهم
وَأما سَبَب وُقُوع ذَلِك الِاضْطِرَاب وَطول الْعَهْد عَلَيْهِ فَهُوَ أَن التطورات الاجتماعية كَانَت تقضي بِوُقُوع مَا وَقع من التَّصَرُّف فِي شكل الْحُكُومَة الإسلامية، وَلم يكن يُمكن فِي تِلْكَ الْأَزْمِنَة أَن يوضع لَهَا نظام يكفل أَن تجْرِي على سنة الرَّاشِدين، وَلَا طَريقَة أَوَائِل الأمويين والعباسيين، فِي الْجمع بَين عَظمَة الدُّنْيَا ومصالح الدّين، وَلما صَار هَذَا مُمكنا كَانَ أَمر الدّين قد ضعف، وتلاه فِي جَمِيع الشعوب الإسلامية ضعف حكوماتها، وَضعف حضارتها، فَلم تهتد إِلَى مثل مَا اهْتَدَى إِلَيْهِ الإفرنج من الْقَضَاء على استبداد مُلُوكهمْ شعبًا بعد شعب، فَمنهمْ من قضى على الْحُكُومَة الملكية قَضَاء مبرما، وَمِنْهُم من قيد سلطة الْمُلُوك فَلم يدع لَهُم من الْملك إِلَّا بعض الْمظَاهر الفخمة الَّتِي يُسْتَفَاد مِنْهَا فِي بعض الْأَحْوَال، دون أَن يكون لَهُم من الْأَمر وَالنَّهْي فِي الْحُكُومَة أدنى استبداد ...
ذَلِك بِأَن كل من يُعْطي تَصرفا فِي أَمر يجب أَن يكون مسئولا عَن سيرته فِيهِ، والتقاليد المتبعة فِي الْملك أَن الْملك فَوق الرّعية فَلَا يتطاولون إِلَى مقَامه الْأَعْلَى لِيَسْأَلُوا عَمَّا فعل، وَهَذَا شَيْء أبْطلهُ الْإِسْلَام بجعله إِمَام الْمُسلمين كواحد مِنْهُم فِي جَمِيع أَحْكَام الشَّرِيعَة، وَنَصّ على أَنه مسئول عَمَّا يفعل بقوله [ ﷺ ]
" كلكُمْ رَاع وكلكم
стр. 142
مسئول عَن رَعيته، فالإمام رَاع وَهُوَ مسئول عَن رَعيته، وَالرجل رَاع فِي أَهله وَهُوَ مسئول عَن رَعيته، وَالْمَرْأَة راعية فِي بَيت زَوجهَا وَهِي مسئولة عَن رعيتها " الخ (مُتَّفق عَلَيْهِ من حَدِيث ابْن عمر) وَكَانَ الْمُسلمُونَ يراجعون الْخُلَفَاء الرَّاشِدين ويردون عَلَيْهِم أَقْوَالهم وآراءهم فيرجعون إِلَى الصَّوَاب إِذا ظهر لَهُم أَنهم كَانُوا مخطئين، حَتَّى إِن عمر بن الْخطاب ﵁ خطأته امْرَأَة فِي مَسْأَلَة فَقَالَ على الْمِنْبَر: امْرَأَة أَصَابَت وَأَخْطَأ عمر. . أَو وَرجل أَخطَأ. .
غفل الْمُسلمُونَ عَن هَذَا فتركوا الْخلَافَة لأهل العصبية يتصرفون فِيهَا تصرف الْمُلُوك الْوَارِثين الَّذين كَانُوا يَزْعمُونَ أَن الله فَضلهمْ على سَائِر الْبشر لذواتهم ولبيوتهم وَأوجب طاعتهم والخضوع لَهُم فِي كل شَيْء، فَلم يُوجد فِي أهل الْحل وَالْعقد من الرؤساء من اهْتَدَى إِلَى وضع نظام شَرْعِي للخلافة بِالْمَعْنَى الَّذِي يُسمى فِي هَذَا الْعَصْر بالقانون الأساسي، يقيدون بِهِ سلطة الْخَلِيفَة بنصوص الشَّرْع، ومشاورتهم فِي الْأَمر، كَمَا وضعُوا الْكتب الطوَال للْأَحْكَام الَّتِي يجب الْعَمَل بهَا فِي السياسة والإدارة والجباية وَالْقَضَاء وَالْحَرب، وَلَو وضعُوا كتابا فِي ذَلِك معززا بأدلة الْكتاب وَالسّنة وسيرة الرَّاشِدين، وَمنعُوا فِيهِ ولَايَة الْعَهْد للوارثين، وقيدوا اخْتِيَار الْخَلِيفَة بالشورى، وبينوا أَن السلطة للْأمة يقوم بهَا أهل الْحل وَالْعقد مِنْهَا، وَجعلُوا ذَلِك أصولا متبعة - لما وقعنا فِيمَا وقعنا فِيهِ. .
فَأَما الراشدون ﵃ فقد كَانُوا واثقين بتحريهم للحق وَالْعدْل ويصرحون بسلطة الْأمة عَلَيْهِم وهم واقفون فِي موقف الرَّسُول [ ﷺ ] من منبره كَمَا قَالَ أَبُو بكر " وُليِّت عَلَيْكُم وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِذا اسْتَقَمْت فَأَعِينُونِي، وَإِذا زِغْت فقوموني ". وكما قَالَ عمر " من رأى مِنْكُم فيّ اعوجاجا فليقومه "، وكما قَالَ عُثْمَان: " أَمْرِي لأمركم تبع ". وأقوال عَليّ وأعماله بالشورى مَعْرُوفَة على اضْطِرَاب الْأَمر وَظُهُور الْفِتَن فِي زَمَنه، وَمَوْت كثير من كبراء أهل الْعلم وتفرق بَعضهم، ثمَّ إِنَّهُم لم يَكُونُوا قد دخلُوا فِي عهد التصنيف وَوضع النّظم والقوانين، وَلَا شعروا بِشدَّة الْحَاجة إِلَى ذَلِك لِكَثْرَة الصّلاح وخضوع الْأمة لوازع الدّين. .
وَمَا جَاءَ عصر التَّأْلِيف والتدوين إِلَّا وَكَانَت الْخلَافَة قد انقلبت إِلَى طبيعة الْملك بالبدعتين الكبريين اللَّتَيْنِ ابتدعهما مُعَاوِيَة، وهما جعل الْأَمر تَابعا لقُوَّة العصبية،
стр. 143
وَجعل الْخلَافَة تراثا ينْتَقل من الْمَالِك إِلَى وَلَده أَو غَيره من عصبته، وشغل النَّاس عَن سوء هَاتين البدعتين سُكُون الْفِتْنَة الَّتِي أثارها السبئيون وَالْمَجُوس وافترصها الأمويون، وَمَا تلاه من اجْتِمَاع الْكَلِمَة وحقن الدِّمَاء فِي الدَّاخِل، وَالْعود إِلَى الْفتُوح وَنشر هِدَايَة الْإِسْلَام وسيادته فِي الْخَارِج، وَذَلِكَ أَن تَأْثِير الْفساد الَّذِي يطْرَأ على الصّلاح الْعَظِيم لَا يظْهر إِلَّا بتدرج بطئ. .
قَاعِدَة ابْن خلدون فِي العصبية مُخَالفَة لِلْإِسْلَامِ:
خُدع كَثِيرُونَ بمظهر ذَلِك الْملك حَتَّى حكيمنا الاجتماعي (ابْن خلدون) الَّذِي اغْترَّ باهتدائه إِلَى سنة قيام الْملك وَسَائِر الْأُمُور البشرية الْعَامَّة بالعصبية فَأدْخل فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، بل مَا هُوَ مضاد لَهَا، كدعوة الرُّسُل ﵈ فَجعل مدارها على منعتهم فِي اقوامهم وَقُوَّة عصبية عَشَائِرهمْ. . مُعْتَمدًا على حَدِيث معَارض بآيَات الْقُرْآن الْكَثِيرَة، وبوقائع تواريخهم الصَّحِيحَة، وَبني على ذَلِك إِلْحَاق الْخلَافَة بِالنُّبُوَّةِ بِمَا لبس عَلَيْهِ من ذَلِك، وَإِنَّمَا النُّبُوَّة وَخِلَافَة النُّبُوَّة هادمتان لسلطان العصبية القومية ومقررتان لقاعدة الْحق، واتباعه بوازع النَّفس، والإذعان لشريعة الرب. . وَهَذِه قصَص الرُّسُل فِي الْقُرْآن الْكَرِيم ناقضة لبنيان قَاعِدَته. وَفِي بَعْضهَا التَّصْرِيح بِعَدَمِ الْقُوَّة والمنعة كَقَوْلِه تَعَالَى حِكَايَة عَن لوط ﵇: ﴿قَالَ لَو أَن لي بكم قُوَّة أَو آوي إِلَى ركن شَدِيد﴾ أم أَيهمْ قَامَت دَعوته بعصبية قومه؟ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل؟ أم مُوسَى الكليم؟ أم عِيسَى الرّوح الْكَرِيم؟ أم خَاتم النَّبِيين؟ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم. . ألم تكن جلّ مزايا بني هَاشم فِي قُرَيْش الْفَضَائِل الأدبية دون الحربية؟ ألم يكن جلّ اضطهاده [ ﷺ ] وصده عَن تبيلغ دَعْوَة ربه من رُؤَسَاء قُرَيْش؟ ألم يَكُونُوا هم الَّذين ألجئوه إِلَى الْهِجْرَة. . وهم الَّذين نزل الله فيهم ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا ليثبتوك أَو يَقْتُلُوك أَو يخرجوك﴾ الْآيَة؟ حَتَّى هَاجر مستخفيا. . وسمى الله هجرته إخراجا - أَي نفيا وإبعادا - بِمثل قَوْله تَعَالَى ﴿يخرجُون الرَّسُول وَإِيَّاكُم أَن تؤمنوا بِاللَّه ربكُم﴾ حَتَّى نَصره الله تَعَالَى بضعفاء الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار. . وَمَا آمن أَكثر قُرَيْش إِلَّا بعد أَن أظهره الله عَلَيْهِم وخذلهم فِي حروبهم لَهُ. .
стр. 144
نعم إِن بعض كَلَام ابْن خلدون فِي حِكْمَة جعل الْخلَافَة فِي قُرَيْش صَحِيح وَهُوَ مكانتهم الْعليا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام الَّتِي لم ينازعهم فِيهَا أحد من الْعَرَب، وَأولى أَلا ينازعهم فِيهَا من يدين بِالْإِسْلَامِ من الْعَجم، وَذَلِكَ من أَسبَاب جمع الْكَلِمَة، وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الصّديق (رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ) فِي احتجاجه على الْأَنْصَار، وَأما عصبية الْقُوَّة الحربية فَلم تكن عِلّة وَلَا جُزْء عِلّة لجعل الْخلَافَة فِي قُرَيْش. . لِأَن الْإِسْلَام قضى على هَذِه العصبية الْجَاهِلِيَّة - يعْتَرف ابْن خلدون كَغَيْرِهِ بذلك - فَلَا يُمكن أَن يَجْعَلهَا عِلّة من علل شَرعه القويم الَّذِي مَدَاره على جعل الْقُوَّة تَابِعَة للحق، خلافًا لسَائِر المبطلين من الْبشر الَّذين يجْعَلُونَ الْقُوَّة فَوق الْحق، فإمَّا أَن يكون تَابعا لَهَا، وَإِمَّا أَن تقضي عَلَيْهِ قبل أَن يقْضى عَلَيْهَا. .
وَبِهَذَا الْبَيَان الْوَجِيز يعلم سَائِر مَا فِي كَلَام ابْن خلدون من شوب الْبَاطِل بتحكيم قَاعِدَته فِي تَصْحِيح عمل مُعَاوِيَة حَتَّى فِي اسْتِخْلَاف يزِيد، وَجعله مُجْتَهدا مخطئا فِي قتال أَمِير الْمُؤمنِينَ عليّ كرم الله وَجهه، ومصيبا فِي اسْتِخْلَاف يزِيد الَّذِي أنكرهُ عَلَيْهِ أكبر عُلَمَاء الصَّحَابَة فنفذه بالخداع وَالْقُوَّة والرشوة، فَهُوَ يزْعم أَن مُعَاوِيَة كَانَ عَالما بقاعدته فِي أَن الْأُمُور الْعَامَّة لَا تتمّ إِلَّا بشوكة العصبية، وَبِأَن عصبية الْعَرَب كلهم قد انحصرت فِي قومه بني أُميَّة، وَأَن جعل الْخلَافَة شُورَى فِي أهل الْحل وَالْعقد من أهل الْعلم وَالْعَدَالَة والكفاية من وجهاء قُرَيْش غير بني أُميَّة لم يعد مُمكنا، وكل هَذَا بَاطِل. وَفِي كَلَام ابْن خلدون شَوَاهِد على بُطْلَانه، وَلَيْسَ من مقصدنا إطالة القَوْل فِي بَيَان ذَلِك هُنَا.
وحسبنا أَن نقُول إِن عصبية الْعَرَب لم تَنْحَصِر فِي بني أُميَّة لَا بقوتهم الحربية وَلَا بِثِقَة الْأمة بعدلهم وكفاءتهم، وَإِنَّمَا افترضوا حَيَاء عُثْمَان وَضَعفه فنزوا على مناصب الْإِمَارَة وَالْحكم فِي الْأَمْصَار الإسلامية الَّتِي هِيَ قُوَّة الدولة ومددها. . واصطنعوا من محبى الدُّنْيَا من سَائِر بطُون قُرَيْش وَغَيرهم من يعلمُونَ أَنهم يواتونهم. . وَأكْثر هَؤُلَاءِ مِمَّن لم يعرفوا من الْإِسْلَام إِلَّا بعض الظَّوَاهِر وهم مَعَ الْحُكَّام أَتبَاع كل ناعق، فتوسلوا بهم إِلَى سنّ سنة الْجَاهِلِيَّة وَالْقَضَاء على خلَافَة النُّبُوَّة الشَّرْعِيَّة. .
стр. 145
وَلَو شَاءَ مُعَاوِيَة أَن يَجْعَلهَا شُورَى كَمَا نصح لَهُ بعض كبراء الصَّحَابَة ﵃ وَيجْعَل قومه وَغَيرهم مؤيدين لمن ينتخب انتخابا شَرْعِيًّا بِالِاخْتِيَارِ من أهل الشورى لفعل، وَمَا مَنعه إِلَّا حب الدُّنْيَا وفتنة الْملك، وَلَكِن عمر بن عبد الْعَزِيز لم يكن يَسْتَطِيع ذَلِك بعد أَن استفحل أَمرهم، وصاروا محيطين بِمن يتَوَلَّى الْأَمر مِنْهُم. .
وَفِي كتاب الْفِتَن من صَحِيح البُخَارِيّ أَن أَبَا بَرزَة الصَّحَابِيّ الْجَلِيل سُئِلَ - وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ - عَن التَّنَازُع على الْخلَافَة بَين مَرْوَان وَابْن الزبير والخوارج - وَهُوَ أثر سنة مُعَاوِيَة - فَقَالَ: احتسبت عِنْد الله أَنِّي أَصبَحت ساخطا على أَحيَاء قُرَيْش، إِنَّكُم يَا معشر الْعَرَب كُنْتُم على الْحَال الَّذِي علمْتُم من الذلة والقلة والضلالة وَإِن الله أنقذكم بِالْإِسْلَامِ وَبِمُحَمَّدٍ [ ﷺ ] حَتَّى بلغ بكم مَا ترَوْنَ وَهَذِه الدُّنْيَا الَّتِي أفسدت بَيْنكُم، إِن ذَاك الَّذِي فِي الشَّام وَالله إِن يُقَاتل إِلَّا على الدُّنْيَا وَإِن هَؤُلَاءِ الَّذين بَين أظْهركُم وَالله إِن يُقَاتلُون إِلَّا على الدُّنْيَا، وَإِن ذَاك الَّذِي بِمَكَّة وَالله إِن يُقَاتل إِلَّا على الدُّنْيَا. أهـ. . وَيَعْنِي بالذين بَين أظْهركُم الْخَوَارِج الَّذِي يسمون الْقُرَّاء، وَلذَلِك جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى زِيَادَة: يَزْعمُونَ أَنهم قراؤكم. .
نعم إِن الْأَوَّلين من بني أُميَّة وَبني الْعَبَّاس استخدموا طبيعة الْملك وتوسلوا بِهِ إِلَى مَقَاصِد الْخلَافَة كنشر الْإِسْلَام ولغته وإعزازه وَفتح الممالك وَإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس كَافَّة. . إِلَّا مَا كَانَ من الانتقام من المتهمين بِطَلَب الْخلَافَة وَمن التَّصَرُّف فِي بَيت المَال. . قَالَ ابْن خلدون بعد تَفْصِيل لَهُ فِي هَذَا الْبَاب: فقد صَار الْأَمر إِلَى الْملك وَبقيت مَعَاني الْخلَافَة من تحري الدّين ومذاهبه والجري على منهاج الْحق، وَلم يظْهر التَّغَيُّر إِلَّا فِي الْوَازِع الَّذِي كَانَ دينا ثمَّ انْقَلب عصبية وسيفا. . وَهَكَذَا كَانَ الْأَمر لعهد مُعَاوِيَة ومروان وَابْنه عبد الْملك والصدر الأول من خلفاء بني الْعَبَّاس إِلَى الرشيد وَبَعض وَلَده ثمَّ ذهبت مَعَاني الْخلَافَة وَلم يبْق إِلَّا اسْمهَا، وَصَارَ الْأَمر ملكا بحتا، وَجَرت طبيعة التغلب إِلَى غايتها، واستعملت فِي أغراضها من الْقَهْر والتقلب فِي الشَّهَوَات والملاذ، وَهَكَذَا كَانَ الْأَمر لولد عبد الْملك وَلمن جَاءَ بعد الرشيد من بني الْعَبَّاس، وَاسم الْخلَافَة بَاقِيا فيهم لبَقَاء عصبية الْعَرَب، والخلافة وَالْملك فِي الطورين ملتبس بعضهما بِبَعْض. ثمَّ ذهب رسم الْخلَافَة وأثرها بذهاب عصبية
следующие страницы →