← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9682

الخلافة

محمد رشيد رضا

Полный текст (151 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْعَصْر أَن منصب الْخلَافَة وَغَيره من أَحْكَام الْإِسْلَام هُوَ سَبَب ضعف الْمُسلمين وَأَنه لَا تقوم لَهُم بهَا قَائِمَة، وَلَا يكونُونَ مَعَ التزامها أمة عزيزة غنية وَالْأَمر بالضد. . والعلاج الشافي من هَذَا الدَّاء، والدواء المستأصل لهَذَا الوباء، هُوَ إحْيَاء منصب الْإِمَامَة، بِإِعَادَة سلطة أهل الْحل وَالْعقد الْمعبر عَنْهُم بِالْجَمَاعَة، لإِقَامَة الْحُكُومَة الإسلامية الصَّحِيحَة، الَّتِي هِيَ خير حُكُومَة يصلح بهَا أَمر الْمُسلمين بل أَمر سَائِر الْبشر، بجمعها بَين الْعدْل والمساواة وَحفظ الْمصَالح وَمنع الْمَفَاسِد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، وكفالة القاصرين والعاجزين، وكفاية الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين من صدقَات الْمُسلمين، فَفِيهَا علاج لجَمِيع الْمَفَاسِد الاجتماعية، فِي حكومات المدنية المادية، الَّتِي ألجأت الْجَمَاعَات الْكَثِيرَة إِلَى البلشفية والفوضوية. . فَإِذا أقيم بِنَاء حُكُومَة منظمة على هَذِه الأسس وَالْقَوَاعِد لَا تلبث بعد ظُهُور أمرهَا، أَن تكون قدوة للأمم الْحرَّة الَّتِي أمرهَا بِيَدِهَا، وَلَا يَسْتَطِيع أكَابِر مجرميها أَن يَمْكُرُوا بعد ذَلِك فِيهَا، ليصدوها عَنْهَا ويغووها، وَحِينَئِذٍ ينجز الله وعده لنا، كَمَا أنجزه لمن قبلنَا، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَعمِلُوا الصَّالِحَات ليَستَخْلِفنهم فِي الأَرْض كَمَا اسْتخْلف الَّذين من قبلهم﴾ الْآيَة. . فَالْوَاجِب على حزب الْإِصْلَاح الَّذِي نقترحه أَن يُوَجه كل قَصده وهمه أَولا إِلَى بَيَان شكل حُكُومَة الْخلَافَة الإسلامية الْأَعْلَى بالنظام اللَّائِق بِهَذَا الْعَصْر الَّذِي امتاز بالنظام على سَائِر العصور، ثمَّ يحاول إقناع أَصْحَاب النّفُوذ فِي الْبِلَاد الإسلامية المرجوة لتنفيذه بِمَا فِيهِ من الْمصَالح وَالْمَنَافِع والسعادة، وبتفضيله على جَمِيع أَنْوَاع الحكومات فِي الْعَالم، وبإمكان تنفيذه، وَدفع كل مَا للمتفرنجين واليائسين من الشُّبُهَات على ذَلِك، وكل ذَلِك سهل كَمَا جربنَا بِأَنْفُسِنَا. . علاقَة الْخلَافَة بالعرب وَالتّرْك: ثمَّ ليعلم هَذَا الحزب أَن الْفَوْز فِي هَذَا يتَوَقَّف على التَّأْلِيف والتوحيد بَين الْعَرَب وَالتّرْك، وإنفاقهما عَلَيْهِ وَلَو بِالْجُمْلَةِ ومراعاة مَا قوى فِي هَذَا الْعَصْر من العصبية الجنسية مَعَ اتقاء ضررها بِقدر الِاسْتِطَاعَة، وَكَذَا عصبية الْمَذْهَب عِنْد طَائِفَة الزيدية، لَا لِأَن جمع الْكَلِمَة ووحدة الْأمة من أهم مَا يجب من أَعمال الْخَلِيفَة فَقَط بل لِأَن النجاح الْمَطْلُوب فِي هَذَا الْأَمر يتَوَقَّف على تعاون الشعبين عَلَيْهِ. . ذَلِك أَن إحْيَاء

стр. 72

منصب الْخلَافَة الصَّحِيحَة، يتَوَقَّف على إحْيَاء الدّين والشريعة، وَإِنَّمَا يكون هَذَا بِالْعلمِ الاستقلالي فِي الدّين الْمعبر عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ الْمُطلق، وَهُوَ يتَوَقَّف على إتقان اللُّغَة الْعَرَبيَّة. . لأجل فهم الْكتاب وَالسّنة، فعلاقة هَذَا المنصب بلغَة الْعَرَب وبتاريخ الْعَرَب وببلاد الْعَرَب جلي ظَاهر، فثم مهبط الْوَحْي، ومظهر الْإِسْلَام الْحق، حَيْثُ قبلته ومشاعر دينه، وَمَوْضِع إِقَامَة الرُّكْن الاجتماعي الْعَام من أَرْكَانه، وَلَا يُمكن أَن يُمَارِي فِي هَذَا من يُمَارِي فِي اشْتِرَاط النّسَب الْقرشِي فِيهَا خلافًا لمذاهب السّنة كلهَا، أَو الْعلوِي الفاطمي خلافًا لمذاهب الشِّيعَة وبخاصة الزيدية. . الْعَرَب قُوَّة عَظِيمَة للخلافة، وَلكنهَا غير منظمة وَلَا متحدة كقوة التّرْك، وَالْعَمَل بالشريعة فِي حكومات جَزِيرَة الْعَرَب المستقلة وَأَهْلهَا أتم وأكمل مِنْهُ فِي بِلَاد التّرْك. . وَلَكِن هَذِه الحكومات غير قاردة الْآن على إِظْهَار حضارة الْإِسْلَام وَلَا على نشر دَعوته الصَّحِيحَة على الْوَجْه الَّذِي يُحَرك إِلَى النّظر كَمَا اشْترط بعض عُلَمَاء الْكَلَام، وَالتّرْك أقدر مِنْهُم على الأول وَأعظم عونا على الثَّانِي إِذا قنعوا بِإِقَامَة الْإِمَامَة الْحق على صراطها الْمُسْتَقيم، فَكل من هذَيْن الشعبين يُمكن أَن يكمل مَا ينقص الآخر فِي ذَلِك مَعَ اسْتِقْلَال كل مِنْهُمَا فِي إدارة بِلَاده وسياستها والسيادة فِيهَا وارتباط كل حُكُومَة مُسْتَقلَّة فيهمَا - وَكَذَا فِي غَيرهمَا - بمقام الْخلَافَة مُبَاشرَة بالرضى وَالِاخْتِيَار خضوعا لحكم الشَّرْع فِي جِهَة، وانتفاعا بِمَا يُمكن من الْوحدَة الإسلامية فِي كل كل وَقت بِمَا يُنَاسِبه من جِهَة أُخْرَى. . لَو اتّفق رُؤَسَاء حُكُومَة جَزِيرَة الْعَرَب على جعل وَاحِد مِنْهُم خَليفَة للْمُسلمين وَبَايَعُوهُ مَعَ عُلَمَاء بِلَادهمْ وقضاتها وقوادها لما كَانَ للترك أدنى وَجه لمعارضتهم بخليفة ينصبونه فِي الآستانة وَإِن أَعْطوهُ حُقُوق الْإِمَامَة الشَّرْعِيَّة - وَمَا هم بفاعلين - بل لَو اتّفق أهل الْحجاز وتهامة ونجد أَو أَكْثَرهم على مبايعة إِمَام الْيمن الْمَشْهُود لَهُ بِالْعلمِ وَالْعَدَالَة والكفاية، وأعلن هَذَا أَنه يجْرِي على قَوَاعِد الِاجْتِهَاد فِي إِمَامَته، ويقر أهل كل مَذْهَب على مَذْهَبهم لما اسْتَطَاعَ أحد من عُلَمَاء الْمُسلمين، لَا الْعَرَب وَلَا الْعَجم، أَن يطعن فِي خِلَافَته، أَو يرجح عَلَيْهَا خلَافَة أُخْرَى. . إِلَّا أَن يتبع أحد هَوَاهُ فَلَا يكون لقَوْله قيمَة، وَلَا سِيمَا إِذا قَامَ هَذَا الإِمَام بالإصلاح الديني فِي الْحجاز وَسَائِر بِلَاد الْعَرَب، ونظم قوى الْإِمَامَة التنظيم الَّذِي تَقْتَضِيه حَالَة الْعَصْر وَمَا هُوَ بعسير، وَإِذا فَاتَ هَذِه الْإِمَامَة اعْتِرَاف بعض الأقطار الإسلامية بهَا الْيَوْم فَلَا يفوتها ذَلِك غَدا، بعد بَث الدعْوَة وَلَو فِي موسم الْحَج وَحده، وَالدّين عون لَهُم وظهير، وَلَكِن أكبر مصائب الْعَرَب التَّفَرُّق وَحب الرياسة.

стр. 73

ومكانة مصر تلِي مكانة جَزِيرَة الْعَرَب فِي هَذَا الْأَمر لَو كَانَت مُسْتَقلَّة وأرادت إِقَامَة الْخلَافَة الشَّرْعِيَّة الصَّحِيحَة، وَلَكِن المتفرنجين فِيهَا كالمتفرنجين فِي التّرْك يَأْبَى أَكْثَرهم ذَلِك ويجهل قِيمَته. . والدولة البريطانية عدوة الْخلَافَة وَالْعرب تعَارض هَذَا وَذَاكَ بِكُل قواها، وَقد كَانَ نصرها التّرْك على مُحَمَّد عَليّ خوفًا من تجدّد شباب الْإِسْلَام بدولة عَرَبِيَّة، وَهِي تعتقد أَن التّرْك لَا يجددون حَيَاة الْخلَافَة الصَّحِيحَة أبدا وَلَا ينشرون دَعْوَة الْإِسْلَام، وَكَانَ هَذَا أحد أَسبَاب تأييدها لَهُم ولخلافتهم فِي الْجُمْلَة. . وكل مَا قيل من أَن الإنجليز كَانُوا يسعون لإِقَامَة خلَافَة عَرَبِيَّة فِي مصر أَو الْحجاز قبل الْحَرْب الْكُبْرَى فَهُوَ كذب مَحْض، وَلَو فعلت ذَلِك مصر لاتبعها الْحجاز حتما وَكَذَا سورية إِذا استطاعت، بل تتمنى هَذِه الأقطار اتباعها وَلَو بِدُونِ إِقَامَة الْخلَافَة فِيهَا، وَلَعَلَّ أهل السّنة وَكَثِيرًا من الشِّيعَة فِي الْعرَاق لَا يأبون هَذِه الْوحدَة الْعَرَبيَّة إِذا أمكنت. . يظنّ بعض النَّاس أَنه ينقص الْبِلَاد الْعَرَبيَّة شَيْء أهم من هَذَا الْأَمر السلبي وَهُوَ الضعْف وفقد الشَّوْكَة الَّتِي يحْمُونَ بهَا الْخلَافَة ومقام الْخلَافَة، بله الْقُدْرَة على مَا يقدر عَلَيْهِ التّرْك من الْجِهَاد وَالْفَتْح. . وَهَذَا الظَّن بَاطِل فَإِن الْيمن وَحدهَا قد حفظت استقلالها ومنصب الْإِمَامَة فِيهَا أَكثر من ألف سنة، وَإِن التّرْك قَاتلُوا أَئِمَّة الْيمن زهاء أَرْبَعَة قُرُون وَمَا اسْتَطَاعُوا الْقَضَاء على إمامتهم وَلَا الِاسْتِيلَاء على جَمِيع بِلَادهمْ مَعَ كَثْرَة من ظَاهر التّرْك من أهل الْبِلَاد بِسَبَب اخْتِلَاف الْمَذْهَب. . وَلَوْلَا قُوَّة الْيمن لاستولى عَلَيْهَا الإنجليز من عهد بعيد كَمَا صرح بذلك أحد وُلَاة عدن مِنْهُم أَمَام زعيم عَرَبِيّ حضرمي قَالَ: لَوْلَا هَذَا الإِمَام الَّذِي عِنْده نصف مليون مقَاتل لَو قَالَ لَهُم ألقوا أَنفسكُم فِي النَّار أطاعوه - لاستولينا على جَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب بِغَيْر قتال يذكر ... هَذَا وَإِن جَزِيرَة الْعَرَب لَا يخْشَى عَلَيْهَا من غير الإنجليز، وَهَؤُلَاء لَا يحاولون فتحهَا بِالسَّيْفِ وَالنَّار لموانع كَثِيرَة. . مِنْهَا أَنهم لَا يُقَاتلُون شعبًا قَوِيا حَرْبِيّا بالطبع فِي بِلَاد وعرة كَثِيرَة الْجبَال والأودية، خَالِيَة من سِكَك الْحَدِيد وَسَائِر أَنْوَاع المواصلات، وَمِنْهَا أَن قتال أهل هَذِه الْبِلَاد كثير النَّفَقَات قَلِيل الرِّبْح، بل لَا ربح فِيهِ إِلَّا إِذا تيَسّر أَخذ الْبِلَاد وَأنْفق على الْإِصْلَاح فِيهَا ملايين كَثِيرَة نَقْدا لأجل الرِّبْح نَسِيئَة، وَإِنَّمَا يطمعون فِي الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا باصطناع أمرائها وكبرائها بالدسائس وَالدَّرَاهِم، والتدخل فِيهَا بحيل التِّجَارَة والامتيازات الاقتصادية بالتدريج، وَقد بذلوا فِي هَذِه

стр. 74

السَّبِيل أَمْوَالًا عَظِيمَة لزعماء الْعَرَب حاشا أَئِمَّة الْيمن - وَلَا يزالون يبذلون وَلم يستفيدوا بِهِ شَيْئا ثَابتا يوازي مَا بذلوا وَلَا قدرُوا أَن يصطنعوا بِهِ أحدا من أُولَئِكَ الْأُمَرَاء إِلَّا ملك الْحجاز وَأَوْلَاده، وَلنْ يَسْتَطِيع هَؤُلَاءِ بعد الْيَوْم أَن يعملوا لَهُم شَيْئا لِأَن الْأمة الْعَرَبيَّة قد عرفت كنه جنايتهم عَلَيْهَا، فدوام استمساك الدولة البريطانية بِهِ لَا يزيدها وَلَا يزيدهم إِلَّا مقتا عِنْد الْعَرَب وَعند سَائِر الْمُسلمين. . بل نقُول إِنَّه لَيْسَ من أصُول السياسة البريطانية الْفَتْح بِالْقُوَّةِ العسكرية مُطلقًا، وَلم تكن الدولة العثمانية هِيَ الْمَانِعَة للإنكليز من فتح هَذِه الْبِلَاد قبل الْيَوْم، فَإِن الدولة لم تكن تَسْتَطِيع إرْسَال جَيش إِلَيْهَا إِلَّا من طَرِيق الْبَحْر، وَمَتى كَانَ لَهَا أسطول يُقَارب أحد الأساطيل البريطانية فيتمكن من إرْسَال الْجند والذخيرة إِلَى الْيمن وحماية سواحلها وَسَائِر سواحل الدولة من الإنجليز إِذا وَقعت الْحَرْب بَينهمَا؟ ولماذا لم تحم مصر مِنْهُم أَو تخرجهم مِنْهَا؟ وَأما كَون أهل جَزِيرَة الْعَرَب لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجِهَاد بِقصد الْفَتْح كالترك وَهُوَ مَا فضل بِهِ التّرْك بعض الباحثين مَعنا فِي الْمَسْأَلَة فَيُقَال فِيهِ إِن من فضل الله على جَزِيرَة الْعَرَب أَنه لَيْسَ فِيهَا شعوب أَجْنَبِيَّة مُخْتَلفَة فِي الْجِنْس أَو الدّين يتحاكون بالعرب فيغرونها بِفَتْح بِلَادهمْ، وَأَن التّرْك لَا يرَوْنَ شَيْئا أسلم لَهُم فِي بِلَادهمْ من إِخْرَاج الشعوب الْمُخَالفَة لَهُم فِي الْجِنْس وَالدّين ليستريحوا من هَذَا التحاك وغوائله، وَلنْ يقدموا على قتال أحد من جيرانهم لأجل فتح بِلَاده وَقد كَانَت حروبهم فِي الْقُرُون الْأَخِيرَة كلهَا دفاعا للمعتدين أَو مقاومة للثائرين، وَلم يكن شَيْء مِنْهَا لأجل سَعَة الْملك وَلَا لأجل نشر الدّين، وهم أحْوج النَّاس إِلَى الاسْتِرَاحَة من الْقِتَال والانصراف إِلَى عمرَان بِلَادهمْ وَمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ من الْعُلُوم والفنون، والطامعون فِي سَعَة الْملك مِنْهُم إِنَّمَا يطمعون فِي ضم الشعوب الإسلامية الشرقية إِلَيْهِم الَّتِي يُمكنهُم أَن يجنسوها بجنسيتهم اللُّغَوِيَّة كالكرد والجركس والتتار وَسَائِر شعوب الْجِنْس الطوراني. . وَأما الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام من غير قتال فالعرب أقدر عَلَيْهَا من التّرْك، وهم دعاة بالطبع وَقد أسلم الملايين من سكان إفريقية وجزائر الْمُحِيط الجنوبي بدعوة تجار الْعَرَب والدراويش السائحين مِنْهُم، وحرية الِاعْتِقَاد فِي أَكثر حكومات هَذَا الْعَصْر تغنى خَليفَة الْمُسلمين عَن الْقِتَال لحماية الدعْوَة وحرية الدّين كَمَا كَانَ عَلَيْهِ خلفاء الْعَرَب من الْأَوَّلين. .

стр. 75

إننا على علمنَا بِمَا ذكر كُله نود أَن يتعاون التّرْك وَالْعرب على إحْيَاء منصب الْخلَافَة، وَسَنذكر مَا يمتاز بِهِ التّرْك على الْعَرَب فِي هَذَا الْمقَام، ليعلم أَن كلا من الشعبين عَاجز بِانْفِرَادِهِ، قوى بأَخيه على النهوض بأعباء هَذَا الْإِصْلَاح الْعَظِيم، الجدير بِأَن يُغير نظام الْعَالم، وينقذ الشرق والغرب من الْهَلَاك. . وَمَا نقترحه من وَسَائِل التعاون والاتفاق خَاص بِمَا سيتقرر من الْخلَافَة الصَّحِيحَة الدائمة مَعَ السُّكُوت عَن التَّعَدُّد الْمَعْرُوف فِي الْحَال الْحَاضِرَة فِي الشعبين، وَذَلِكَ بِأَن يكون الَّذين يعلمُونَ ويربون ليشرحوا للانتخاب الشَّرْعِيّ بالشورى من بيوتات شرفاء قُرَيْش وسادتها، وَأَن تكفل الدولة التركية هَذَا الاستعداد وتشرف على جَمِيع شئونه حَتَّى لَا يكون للتنافس فِيهِ بَين الشعبين أدنى مجَال، بل حَتَّى يكون إحْيَاء هَذَا المنصب من أكبر أَسبَاب الِاتِّحَاد والتعاون بَينهمَا، وَإِذا شَاءَ التّرْك حِينَئِذٍ أَن يكون مقَام الْخَلِيفَة فِي بِلَادهمْ فعلى حزب الْإِصْلَاح أَن يقنع الْعَرَب بذلك، وَإِن كُنَّا نرى أَن الأجدر بِالْقبُولِ الْآن أَن يكون فِي منْطقَة وسطى بَين بِلَاد الشعبين، على مَا سنفصله بعد. . وَالْقِسْمَة فِي مَسْأَلَة مقَام الْخَلِيفَة ثلاثية وَهِي إِمَّا أَن يكون فِي بِلَاد الْعَرَب أَو الْحجاز خَاصَّة وَإِمَّا فِي بِلَاد التّرْك أَو الآستانة خَاصَّة وَإِمَّا فِي منْطقَة وسطى مُشْتَركَة. . جعل مَرْكَز الْخلَافَة فِي الْحجاز وموانعه: قد علمنَا مِمَّا تقدم أَن بِلَاد الْعَرَب بل جزيرتهم بل الْحجاز مِنْهَا هُوَ أولى بِلَاد الْإِسْلَام بِأَن يكون موطن الْخلَافَة الإسلامية، ويزداد هَذَا ظهورا بِبَيَان الْإِصْلَاح الديني الَّذِي يجب على الْخَلِيفَة فِي هَذَا الْعَصْر، وَلَكِن فِي الْحجاز مَوَانِع تحول الْيَوْم دون إِمْكَان وجود الْخلَافَة الصَّحِيحَة الَّتِي يرجوها الْمُسلمُونَ فِيهِ حَتَّى فِي حَاله الْحَاضِرَة الَّتِي لَا يرضى أهل قطر إسلامي آخر مَعهَا أَن يكون تَابعا لَهُ فَكيف إِذا أُرِيد أَن يسوس بِلَاد الْعَرَب كلهَا أَو يدبر شئون غَيرهَا من الْبِلَاد الإسلامية؟ وَكَيف إِذا أُرِيد أَن يكون الْمثل الْأَعْلَى لأَفْضَل حُكُومَة لَا يُرْجَى إصْلَاح حَال الْبشر بِدُونِهَا - وإننا نذْكر المهم مِنْهَا - وَالْحَال هَذِه - وَهُوَ:

стр. 76

١ - أَن الْملك المتغلب على الْحجاز لهَذَا الْعَهْد يعْتَمد فِي تأييد ملكه على دولة غير إسلامية مستعبدة لكثير من شعوب الْمُسلمين وطامعة فِي استعباد غَيرهَا وَلَا سِيمَا الْعَرَب، وَقد أوثق نَفسه مَعهَا بعقود بل قيود اعْترف لَهَا فِيهَا بِأَن الْأمة الْعَرَبيَّة مِنْهَا بِمَنْزِلَة الْقَاصِر من الْوَصِيّ وَأَن لَهَا حق تربيتها وحمايتها من الدَّاخِل وَالْخَارِج حَتَّى حق دُخُول بِلَاده بِالْقُوَّةِ العسكرية لكبح الثورات الداخلية، وَمن شَاءَ فَليُرَاجع نَص هَذِه الوثائق فِي المجلد الثَّالِث وَالْعِشْرين من الْمنَار (ص ٦١٢ - ٦٢٤) . ٢ - أَن هَذَا الْملك قد لقب نَفسه بِملك الْعَرَب وَهُوَ يسْعَى لِأَن يعْتَرف لَهُ بِأَنَّهُ هُوَ الزعيم الْأَكْبَر للْأمة الْعَرَبيَّة والممثل لجَمِيع حكوماتها المستقلة لتَكون كلهَا موثقة ومرهقة بِتِلْكَ العهود السالبة لاستقلالها، على أَن كل حُكُومَة من الحكومات الْعَرَبيَّة الْمُجَاورَة لَهُ أقوى وَأصْلح من حكومته من كل وَجه، وَغير مُقَيّدَة نَفسهَا بعهود سالبة للاستقلال. . ٣ - أَنه قد رَضِي أَن يَجْعَل ولديه رئيسين فِي بعض الْبِلَاد الْعَرَبيَّة الَّتِي استولت عَلَيْهَا الدولة الْأَجْنَبِيَّة الْمَذْكُورَة تابعين لوزارة الاستعمار فِي تِلْكَ الدولة كالكثير من مستعمراتها الَّتِي لَهَا رُؤَسَاء وطنيون، فَكَانُوا بذلك أول من أعَان دولة أَجْنَبِيَّة غير مسلمة على استعمار بِلَاد الْعَرَب. . ٤ - أَن حكومته استبدادية شخصية غير مُقَيّدَة بِشَيْء فَهُوَ يفعل مَا يَشَاء وَيحكم بِمَا يُرِيد. مِثَال ذَلِك مَا نَسْمَعهُ وَمَا نرَاهُ فِي جريدتها الْمُسَمَّاة بالقبلة من أَخْبَار المصادرات الْمَالِيَّة والغرامات الرسمية وَغير ذَلِك مِمَّا لَا نَعْرِف لَهُ أصلا فِي الشَّرْع الإسلامي. . وَأما القوانين الوضعية فَهُوَ يحرمها وَيكفر العاملين بهَا ﴿﴾ ! ٥ - أَن هَذِه الْحُكُومَة خصم لكل علم يعين على الْإِصْلَاح الديني والدنيوي فَهِيَ على كراهتها للعلوم والفنون العصرية - حَتَّى تَقْوِيم الْبلدَانِ - تمنع كثيرا من الْكتب الشَّرْعِيَّة ككتب شَيْخي الْإِسْلَام المصلحين الكبيرين ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وَغَيرهمَا من دُخُول بِلَاد الْحجاز. . ٦ - مَا ثَبت بالدلائل الْمُخْتَلفَة من حرص أهل هَذَا الْبَيْت على الْخلَافَة والإمارة وَالْملك وَلَو فِي ظلّ الْإِمَارَة الْأَجْنَبِيَّة غير الإسلامية، وَقد سبق فِي الْمَسْأَلَة الْعَاشِرَة من هَذِه المباحث أَن طَالب الْولَايَة لَا يُولى. .

стр. 77

٧ - أَن أهل هَذَا الْبَيْت فاقدون لأهم شُرُوط الْخلَافَة وَلَا سِيمَا الْعلم الشَّرْعِيّ، بِدَلِيل مَا نقرأه فِي منشورات الْملك الرسمية وبلاغات حكومته من الأغلاط اللُّغَوِيَّة والآيات القرآنية المحرفة، وَالْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة على الرَّسُول [ ﷺ ] ، والتفاسير الْمُخَالفَة للغة ولإجماع الْمُفَسّرين وَغير الْمُفَسّرين، مَعَ الْإِصْرَار على ذَلِك وَعدم تَصْحِيحه مِمَّا يدل على أَنه لَا يُوجد عَالم فِي الْحجاز كُله يتجرأ على تَصْحِيح آيَة أَو حَدِيث أَو حكم شَرْعِي ينشر فِي جريدتهم الَّتِي هِيَ عنوان الْجَهْل. . ونسكت عَمَّا نعلمهُ باختبارنا وَرِوَايَة الصَّادِقين المختبرين أَيْضا. . ٨ - أَن مُعظم الْعَالم الإسلامي يمقت حُكُومَة الْحجاز الْحَاضِرَة؛ إننا نرى الطعْن فِيهَا فِي صحف مصر وتونس والجزائر وجاوه وَالتّرْك والهند وَغَيرهَا على أَن أَكثر أَصْحَاب هَذِه الصُّحُف والكاتبين فِيهَا لَا يعلمُونَ كل مَا نعلم من سوء حَالهَا. . ٩ - أَن الَّذين يسعون لإحياء منصب الْخلَافَة فِي الْإِسْلَام يرْمونَ بِهِ إِلَى ثَلَاثَة أغراض (أَحدهَا) إِقَامَة حُكُومَة الشورى الإسلامية كَمَا شرعها الله لتَكون حجَّة على الْبشر أَجْمَعِينَ كَمَا تقدم (ثَانِيهَا) إِعَادَة مَدَنِيَّة الْإِسْلَام بالعلوم والفنون والصناعات الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْقُوَّة والعمران، تِلْكَ المدنية الجامعة بَين نعم الدُّنْيَا المادية، وَبَين الْفَضَائِل الدِّينِيَّة الروحية، الَّتِي تحل عقد جَمِيع المشكلات الاجتماعية، (ثَالِثهَا) الْإِصْلَاح الديني بِإِزَالَة الخرافات والبدع وإحياء السّنَن وَجمع الْكَلِمَة وَشد أواصر الْأُخوة الإسلامية وَسَائِر الْفَضَائِل الإنسانية، وَلَيْسَ فِي حُكُومَة الْحجاز استعداد لهَذِهِ الْمَقَاصِد الْعَالِيَة، وَلَا يُرْجَى أَن يرضى الْبَيْت الْحَاكِم بالوسائل العلمية والعملية الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا هَذَا الْإِصْلَاح الْعَظِيم. . ١٠ - أَن الْحجاز فَاقِد لما تتَوَقَّف عَلَيْهِ إِقَامَة الْخلَافَة من الشَّوْكَة والثروة، فَهُوَ لَا قوام لَهُ بِنَفسِهِ فَكيف يقوم بأعباء هَذَا المنصب الْعَظِيم؟ وَلَا يرضى أحد من مُسْلِمِي الْعَرَب المجاورين لَهُ أَن يتبعوا حكومته الاستبدادية الضعيفة فَكيف يرضى بذلك غَيرهم؟

стр. 78

إِقَامَة الْخلَافَة فِي بِلَاد التّرْك وموانعها ومرجحاتها: لجعل إِقَامَة الْخلَافَة الصَّحِيحَة فِي بِلَاد التّرْك مَوَانِع ترجع إِلَى أَمريْن كليين: (أَحدهمَا) وَهُوَ أهمهما مَا يخْشَى من امْتنَاع أَكثر الزعماء العسكريين والسياسيين مِنْهُ لما فِيهِ من تَوْحِيد السلطة الْعَامَّة فِي شخص الْخَلِيفَة، وَمَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْخلَافَة من إحْيَاء اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِي بِلَاد التّرْك، وفروع ذَلِك وأسبابه مَعْرُوفَة، (وَثَانِيهمَا) مُعَارضَة الْأمة الْعَرَبيَّة وَلَا سِيمَا فِي الجزيرة وَمَا يتبعهَا، وَلَكِن الْمُعَارضَة لَا تكون مُؤثرَة وثابتة إِلَّا إِذا جعلت الْخلَافَة صورية كَمَا كَانَت، أَو روحية كَمَا هِيَ الْآن. . ولعلهم لَوْلَا إِرَادَة جعلهَا مصلحَة دعاية (بروبغندة) للدولة التركية لما اخْتَارُوا لَهَا الآستانة مَدِينَة الفخفخة الْبَاطِلَة، وَالْعَظَمَة الزائلة الَّتِي صَارَت طرفا فِي الْبِلَاد الإسلامية ومهددة بحرا وَبرا، فَإِذا كَانَت لَا تصلح أَن تكون عَاصِمَة للدولة التركية. . فَلَنْ تصلح للخلافة الإسلامية بِالْأولَى. . وَأما إِذا قبل أولو الْأَمر من التّرْك أَن يحيوا منصب الْخلَافَة الْحق فالرجاء فِي تَحْقِيق أغراضها ومقاصدها الثَّلَاثَة يكون أتم وأسرع، وَتقوم بهَا الْحجَّة على الْعَرَب إِلَّا إِذا اجْتمعت كلمة أُمَرَاء الجزيرة على مبايعة وَاحِد مِنْهُم، وَذَلِكَ غير منتظر، لما تقدم بَسطه فَيكون الرجحان لمن يُؤَيّدهُ التّرْك بالأسباب الْآتِيَة: ١ - أَن التّرْك الْآن فِي موقف وسط بَين جمود التقاليد وطموح التفرنج، جمود عرب الجزيرة الَّذِي جعل الدّين مَانِعا من الْعُلُوم والفنون الَّتِي ترقى بهَا حضارة الْأمة وثروتها، وَعزة الدولة وقوتها، وطموح التفرنج الَّذِي يُرَاد بِهِ انتزاع مقومات الْأمة الإسلامية الدِّينِيَّة والتاريخية، ومشخصاتها، واستبدال مقومات أمة أُخْرَى ومشخصاتها بهَا. . وحضارة الْإِسْلَام وحكومة الْخلَافَة هِيَ وسط بَين الجمود وَبَين حضارة الإفرنج المادية الَّتِي تفتك بهَا ميكروبات الْفساد وأوبئة الْهَلَاك، فَهِيَ عرضة للزوال، فَكيف حَال من يقلدها تقليدا تأباه طبيعة أمته وعقائدها. . ٢ - أَن مَا ظهر من عزم الْحُكُومَة التركية الجديدة وحزمها وشجاعتها وعلو همتها وإقدامها يضمن - بِفضل الله تَعَالَى - نَجَاحهَا فِي إِقَامَة هَذَا الْإِصْلَاح الإسلامي

стр. 79

بل الإنساني الْأَعْظَم بِإِقَامَة حُكُومَة الْخلَافَة الجامعة بَين الْقُوَّة المادية والفضائل الإنسانية الْمُغنيَة للبشر عَن خطر البلشفية والفوضوية لِأَنَّهَا كافلة لكل مَا تطلبه الإشتراكية المعتدلة من الْإِنْصَاف والانتصاف من أَثَرَة أَرْبَاب رُءُوس الْأَمْوَال. وَهِي بِهَذِهِ الصِّفَات أقدر على اتقاء كيد أَعدَاء الْإِسْلَام الَّذين يقاومون الْخلَافَة جهد طاقتهم. . ٣ - أَن الدولة التركية الجديدة هِيَ الدولة الإسلامية الَّتِي برعت فِي فنون الْحَرْب الحديثة ويرجى إِذا نجحت فِيمَا تَعْنِي بِهِ من الْأَخْذ بوسائل الثروة والعمران أَن تمكنها مواردها من الِاسْتِغْنَاء عَن جلب الأسلحة وَغَيرهَا من أدوات الْحَرْب بصنعها فِي بلادها، فتزداد قُوَّة على حفظ حكومتها وبلادها. . وَتَكون قدوة لجيرانها وأستاذا لَهُم. . ٤ - أَن جعل مقَام الْخَلِيفَة فِي بِلَاد التّرْك أَو كفالتهم لَهُ يُقَوي هِدَايَة الدّين فِي هَذَا الشّعب الإسلامي الْكَبِير، ويحول دون نجاح ملاحدة المتفرنجين وغلاة العصبية الجنسية، فِي انْتِزَاعه من جسم الجامعة الإسلامية، فيظل سياجا لِلْإِسْلَامِ وعضوا رئيسيا فِي جامعته الفضلى. . ٥ - لَئِن كَانَ جهل الْعَرَب وَالتّرْك فِي الزَّمن الْمَاضِي بِمَعْنى الْخلَافَة ووظائفها - وَلَا سِيمَا جمعهَا لكلمة الْمُسلمين - سَببا من أَسبَاب تقاطعهما وتدابرهما الَّتِي نتهت بِسُقُوط السلطنة العثمانية، وباستيلاء الْأَجَانِب على قسم كَبِير من بِلَاد الْعَرَب، والتمهيد للاستيلاء على الْبَاقِي فَإِن مَا نسعى إِلَيْهِ الْآن سَيكون إِن شَاءَ الله تَعَالَى أقوى الْأَسْبَاب لجمع الْكَلِمَة والتعاون على إحْيَاء عُلُوم الْإِسْلَام ومدنيته، مَعَ اسْتِقْلَال كل فريق بإدارة بِلَاده مستمدا السلطة من الْخَلِيفَة الإِمَام الْمُجْتَهد فِي عُلُوم الشَّرْع الإسلامي، الْمُنْتَخب بالشورى من أهل الْحل وَالْعقد من الْعَرَب وَالتّرْك وَغَيرهمَا من الشعوب الإسلامية، بِمُقْتَضى النظام الَّذِي يوضع لذَلِك. . إِقَامَة الْخلَافَة فِي منْطقَة وسطى: إِنَّنِي ضَعِيف الأمل فِي كل من الْعَرَب وَالتّرْك لَا أرى أحدا مِنْهُم قد ارْتقى إِلَى هَذِه الدرجَة بِنَفسِهِ، وَلَا أرى آيَة بَيِّنَة على استعدادهما لما اقترحت من تعاونهما عَلَيْهِ. . وَلست مِمَّن يدع لليأس مسربا يسرب فِيهِ إِلَى قلبه لهَذَا أقترح على حزب

стр. 80

الْإِصْلَاح أَن يسْعَى لإقناع التّرْك أَولا بِجعْل الْخلَافَة فِي مَرْكَز الدولة، فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا فليساعدوا على جعلهَا فِي منْطقَة وسطى من الْبِلَاد الَّتِي يكثر فِيهَا الْعَرَب وَالتّرْك والكرد كالموصل الْمُتَنَازع عَلَيْهَا بَين الْعرَاق والأناضول وسورية وَيضم إِلَيْهَا مثلهَا من الْبِلَاد الْمُتَنَازع فِيهَا بَين سورية والأناضول، وَتجْعَل شقة حياد ورابطة وصل معنوي، فِي مظهر فصل جغرافي، فَتكون الْموصل اسْما وَافق الْمُسَمّى. . أَلا فليجربوا إِن كَانُوا مرتابين فِي عَاقِبَة هَذَا الْأَمر الْعَظِيم وليفوضوا إِلَى حزب الْإِصْلَاح وضع النظام لإِقَامَة الْإِمَامَة الْعُظْمَى فِي هَذِه المنطقة وتنفيذ أَحْكَامهَا ومناهجها الإصلاحية الإسلامية فِيهَا، ثمَّ لَا يتبعهَا أحد من الْبِلَاد الَّتِي حولهَا إِلَّا بطوعه واختياره، فَإِذا رضيت الدولة التركية بذلك على أَن تكون كافلة لَهُ وذائدة عَنهُ فالمرجو أَن يرضى الْعَرَب والكرد بِهِ فِي هَذِه المنطقة وَمَا يجاورها، على أَن يتَّفق الْجَمِيع من حَولهمْ على احترامها فَلَا تعتدي وَلَا يعتدى عَلَيْهَا. . وَإِلَّا وَجب السَّعْي لرد الْأَمر إِلَى معدنه، وَإِقْرَاره فِي مقره، بعد إِزَالَة الْمَوَانِع، وتهيئة الْوَسَائِل، فَإِن بَدَأَ نَاقِصا ضَعِيفا، فسيكمل وَيكون قَوِيا، وَقد " بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ "، ويأرز بَين المسجدين كَمَا تأرز الْحَيَّة فِي جحرها، وَلَا تزَال طَائِفَة من هَذِه الْأمة قَائِمَة بِأَمْر الله لَا يضرهم من خذلهم أَو خالفهم حَتَّى يَأْتِي أَمر الله وهم ظاهرون - كَمَا ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. . نموذج من النّظم الوالجب وَضعهَا للخلافة: أول مَا يجب على الحزب الَّذِي يولي وَجهه شطر هَذَا الْإِصْلَاح الْعَظِيم أَن يضع نظاما أساسيا لحكومة الْخلَافَة على أتم الْوُجُوه الَّتِي تقتضيها حَال الْعَصْر فِي حراسة الدّين وسياسة الدولة أَو الدول الإسلامية وَإِصْلَاح الْأمة، وبرنامجا لتنفيذ هَذَا النظام بالتدريج السَّرِيع الَّذِي يدْخل فِي الطَّاقَة وكتابا فِي الْأُصُول الشَّرْعِيَّة للقوانين الإسلامية، تقوم بهَا الْحجَّة على كل من يزْعم عدم صَلَاحِية الشَّرِيعَة للحضارة والعمران فِي هَذَا الْعَصْر. . وَبعد وضع النظام التَّام لإِقَامَة الْإِمَامَة على أساسها وقيامها بوظائفها وأعمالها، بِوَضْع نظام مُؤَقّت لإمامة الضَّرُورَة، ويشرع فِي تَنْفِيذ النظامين مَعًا.

стр. 81

مِثَال تفصيلي من هَذَا الْإِجْمَال: تنشأ مدرسة عالية لتخريج المرشحين للْإِمَامَة الْعُظْمَى وللاجتهاد فِي الشَّرْع الَّذين ينتخب مِنْهُم رجال ديوَان الْخلَافَة الْخَاص وَأهل الْقَضَاء والإفتاء وواضعو القوانين الْعَامَّة، ونظم الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام والدفاع عَنهُ، وَإِزَالَة الْبدع والخرافات اللاصقة بأَهْله. وَمِمَّا يدرس فِي هَذِه الْمدرسَة أصُول القوانين الدولية وَعلم الْملَل والنحل، وخلاصة تَارِيخ الْأُمَم، وَسنَن الِاجْتِمَاع، ونظم الهيئات الدِّينِيَّة كالفاتيكان والبطاركة والأساقفة وجمعياتهم الدِّينِيَّة وأعمالها، فَمَتَى تخرج فِي هَذِه الْمدرسَة فِي الزَّمن الْمعِين أَفْرَاد مستجمعون لشرائط الْخلَافَة، وَمن أهمها الْعلم الاستقلالي الاجتهادي وَالْعَدَالَة، تَزُول ضَرُورَة جعل الْخَلِيفَة جَاهِلا أَو فَاسِقًا. . فَإِذا انتخب أحد المتخرجين فِي هَذِه الْمدرسَة انتخابا حرا من قبل أهل الِاخْتِيَار - الَّذين يتحَرَّى فيهم أَن يَكُونُوا من جَمِيع الأقطار الإسلامية وَلَا سِيمَا المستقلة مِنْهَا بِمُوجب النظام الْخَاص لَهُ - ثمَّ بَايعه من سَائِر أهل الْحل وَالْعقد من يحصل بهم الثِّقَة التَّامَّة للْأمة كَافَّة قَامَت الْحجَّة على كل فَرد أَو جمَاعَة أَو شعب بِأَنَّهُ هُوَ الإِمَام الْحق النَّائِب عَن الرَّسُول [ ﷺ ] فِي إِقَامَة الدّين وسياسة الدُّنْيَا، وَأَن طَاعَته فرض شَرْعِي فِي كل مَا هُوَ غير مَعْصِيّة قَطْعِيَّة ثَابِتَة بِنَصّ الْكتاب أَو السّنة الصَّحِيحَة من الْمصَالح الْعَامَّة، وَلَا تجوز مُخَالفَته فِي شئ من ذَلِك بِاجْتِهَاد يُعَارض اجْتِهَاده وَلَا تَقْلِيد مُجْتَهد آخر، فَإِن اجْتِهَاده فِي الْمصَالح الْعَامَّة مُرَجّح على اجْتِهَاد غَيره مَتى كَانَ من أهل الِاجْتِهَاد كَمَا هُوَ الْوَاجِب. وَإِنَّمَا يتبع كل امْرِئ اجْتِهَاد نَفسه أَو فَتْوَى قلبه وراحة وجدانه فِيمَا يخْتَلف فِيهِ اجْتِهَاد الْعلمَاء من الْأُمُور الشخصية الْخَاصَّة ككون هَذَا المَال حَلَالا أَو حَرَامًا. وَيجوز لكل مُسلم مُرَاجعَة الْخَلِيفَة فِيمَا يُخَالف فِيهِ النَّص، وَلأَهل الْحل وَالْعقد مُرَاجعَته فِي رَأْيه واجتهاده الْمُخَالف للْمصْلحَة الْعَامَّة. وَمثل مَا يرجح اجْتِهَاده فِيمَا ذكر كَمثل حكم الْحَاكِم فَإِنَّهُ يرفع الْخلاف فِي الْمسَائِل الاجتهادية، وَلَكِن من علم أَنه قضى لَهُ بِغَيْر حَقه لَا يحل لَهُ ديانَة أَن يَأْخُذهُ، لِأَن علمه بالواقع أرجح من ظن القَاضِي الَّذِي هُوَ اجْتِهَاده فِي الحكم أَو فِي تطبيقه الدَّعْوَى كَمَا ورد فِي الحَدِيث الصَّحِيح، على أَن الْحَنَفِيَّة يَقُولُونَ بنفوذ حكم الْحَاكِم فِي الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَيحل عِنْدهم ديانَة أَن تَأْكُل مَا حكم لَك بِهِ القَاضِي الشَّرْعِيّ وَإِن كنت تعلم أَن المَال لَيْسَ لَك:

стр. 82

بعد هَذَا أذكر الحزب بأهم البرامج وَالنّظم الَّتِي يتَوَقَّف عَلَيْهَا الْعَمَل وَهِي: ١ - برنامج الْمدرسَة الْعليا الَّتِي يتَخَرَّج فِيهَا الْخُلَفَاء والمجتهدون. ٢ - برنامج انتخاب الْخَلِيفَة ٣ - برنامج ديوَان الْخلَافَة الإداري والمالي ومجالسه. . . مجْلِس الشورى الْعَامَّة. مجْلِس الْإِفْتَاء والتصنيفات الدِّينِيَّة والشرعية وَالنَّظَر فِي المؤلفات. . مجْلِس التَّقْلِيد والتفويض لرؤساء الحكومات والقضاة والمفتين. . مجْلِس المراقبة الْعَامَّة على الْحُكُومَة. مجْلِس الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام والدعاة. . مجْلِس خطابة الْمَسَاجِد والوعظ والإرشاد والحسبة. . مجْلِس الزَّكَاة الشَّرْعِيَّة ومصارفها. . مجْلِس إِمَارَة الْحَج وخدمة الْحَرَمَيْنِ الشريفين. . مجْلِس قلم الرسائل. نهضة الْمُسلمين وتوقفها على الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع: لَا أرى من الْمصلحَة أَن أنشر كل مَا عِنْدِي من الْعلم والرأي التفصيلي فِي وَسَائِل تَجْدِيد الْإِمَامَة الإسلامية الْعُظْمَى ومقاصده ومنافعه، لأنني أخْشَى أَن يَسْتَفِيد مِنْهُ أَعدَاء الْإِسْلَام مَا يكونُونَ أقدر بِهِ على قطع الطَّرِيق علينا من حَيْثُ لَا ننتفع نَحن بِهِ كَمَا يجب. . فَإِن استعدادنا لهَذَا الْإِصْلَاح لَا يزَال ضَعِيفا جدا: رئم الْمُسلمُونَ الضيم، ورزئوا بالضعف، وَرَضوا بالخسف، وَلم يبْق لشعب مِنْهُم همة فِي خير وَلَا شَرّ، حَتَّى كَانَ هَذَا التطور الْجَدِيد فِي بعض شعوبهم فِي هَذَا الْعَصْر، وَقد كَانَ جلّ سَببه شدَّة ضغط الْأَجَانِب عَلَيْهِم، لَا رجوعهم إِلَى هِدَايَة دينهم، وَلَا الْعلم بِأَنَّهُم فقدوا بِتَرْكِهَا، مَا كَانُوا قد أَصَابُوهُ بهديها، وَأَنَّهُمْ لَو أَقَامُوا الشَّرْع، وامتثلوا أَمر الله فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ لما سبقهمْ أحد إِلَى صنع المدافع والقذائف وَسَائِر أَنْوَاع السِّلَاح. . وَلَا إِلَى بِنَاء الْجَوَارِي الْمُنْشَآت فِي الْبَحْر كالأعلام،

стр. 83

والعلوم والفنون الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْهَا هَذِه الْأَعْمَال، وَلما فاقهم أحد فِي فنون الحضارة، وزينة الدُّنْيَا وطيبات الْمَعيشَة، وهم يقرءُون فِي مُحكم كِتَابهمْ الْمنزل: ﴿قل مَن حَرَّم زينةَ الله الَّتِي أَخْرجَ لِعِبَادِهِ والطيباتِ من الرزق؟ قل هِيَ للَّذين آمنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة﴾ . . وَلَو جَاءَت هَذِه النهضة بهداية الْإِسْلَام - وَهُوَ أهل لما هُوَ أرقى مِنْهَا - لكانوا فِي المدنية أسْرع سيرا، وَأبْعد شوطا، وَلما احْتَاجَ إحْيَاء منصب الْخلَافَة إِلَى سعي ودأب، وَلَا لتأليف حزب، على أَن الشُّعُور الإسلامي من أقوى الْوَسَائِل المعنوية للنهضة، وَإِن كَانَ بعض العاملين فِيهَا لَيْسَ لَهُم حَظّ مِنْهُ، بل هم حَرْب لَهُ، بيد أَن أَكْثَرهم يعلم أَنهم لابد لَهُم من مراعاته ومداراة أَهله، لأَنهم سَواد الْأمة الْأَعْظَم إِلَى أَن يربوا جيلا جَدِيدا يغرسون فِي أنفس نشئة الشُّعُور الجنسي الْمَحْض، وَيكون هُوَ صَاحب الرَّأْي الْعَام فِي الشّعب. . هَذَا مَا نعلمهُ بِالْخَيرِ، من أَمر النهضة فِي مصر وَالتّرْك، بل قيل لنا أَيْضا: إِن نهضة الأفغان الجديدة تغلب عَلَيْهَا صبغة المدنية لَا الصبغة الدِّينِيَّة، وهم أَشد الشعوب الإسلامية الناهضة تدينا، وأضعفهم تفرنجا، وَقد يَصح أَن يُقَال إِنَّهُم لَيْسُوا من التفرنج فِي شَيْء، فإننا نعني بِهِ الافتتان بتقليد الإفرنج فِي مظَاهر حياتهم وعاداتهم وشكل حكوماتهم، لَا الْعُلُوم والفنون والصناعات وَالنّظم الَّتِي راجت سوقها فِي هَذَا الْعَصْر عِنْدهم، بعد أَن كُنَّا نَحن أَحَق بهَا وَأَهْلهَا، فِي قُرُون طَوِيلَة كَانُوا فِيهَا محرومين مِنْهَا. . وَخير مَا بلغنَا عَن الأفغان فِي نهضتهم هَذِه أَنهم يعنون باقتباس الْفُنُون الزراعية والصناعية من أوربة دون الْفُنُون الأدبية والعلوم القانونية، فَإِن لَهُم فِي آدَاب الْإِسْلَام وشريعته غنى عَن ذَلِك. وَلَا سِيمَا إِذا سلكوا فِيهَا مَسْلَك الْعلم الاستقلالي الْمعبر عَنهُ بِالِاجْتِهَادِ، فالترقي الإسلامي يتَوَقَّف عَلَيْهِ فِي تجديده مِثْلَمَا توقف عَلَيْهِ فِي مبدئه. . كَمَا بدأنا وأعدنا مرَارًا وَلَا بُد من التّكْرَار الْكثير فِي مثل هَذَا. . وَلَو كَانَ الأفغان متصلين بِجَزِيرَة الْعَرَب وَجعلُوا الْعَرَبيَّة لغتهم الرسمية لكانوا أَجْدَر الشعوب الإسلامية بِالسَّبقِ إِلَى إحْيَاء منصب الْخلَافَة، على أَن الرَّجَاء فِي تجديدهم مَدَنِيَّة الْإِسْلَام فِي الشرق عَظِيم، وَلَا غرو، فموقظ الشرق وقائده فِي الْعَصْر قد خرج من بِلَادهمْ. .

стр. 84

فارغة

стр. 85

فتاوي مصطفى كَمَال الدِّينِيَّة بِرَأْيهِ

стр. 86

فارغة

стр. 87

لَا يُمكن للْمُسلمين أَن يجمعوا بَين هِدَايَة الْإِسْلَام وحضارته من حَيْثُ هُوَ دين سيادة وسلطان إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فِي شَرعه الْوَاسِع المرن، فَترك الْجِهَاد هُوَ الَّذِي رد بَعضهم إِلَى البداوة الَّتِي قضى عَلَيْهَا أَو إِلَى مَا يقرب مِنْهَا، وطوح ببعضهم إِلَى التفرنج والإحاد وَالسَّعْي إِلَى الْبعد عَن الدّين. مِثَال ذَلِك أَن التّرْك نصبوا خَليفَة متقنا لصاعتي التَّصْوِير والموسيقى، وللعزف بالآلات الوترية، وكل من هذَيْن العملين محرم ومسقط للعدالة فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة، وَمن أَشدّهَا فِيهِ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة الَّذِي ينتمي إِلَيْهِ الشّعب التركي، وَقد ردَّتْ المحكمة الشَّرْعِيَّة بِمصْر شَهَادَة أستاذ موسيقى (موسيقار) من عهد قريب. وَلَكِن لكل من الْمَسْأَلَتَيْنِ تخريجاً فِي الِاجْتِهَاد كَمَا سنشير إِلَيْهِ فِي هَذَا الْبَحْث. وَقد سُئِلَ الْغَازِي مصطفى كَمَال باشا فِي أثْنَاء سياحته الْأَخِيرَة فِي الأناضول عَن صنع التمائيل ونصبها فِي الْبِلَاد، أَلَيْسَ محرما شرعا؟ - وَقد روى أَنهم سينصبون لَهُ تمثالا فِي أنقرة - فَأفْتى بِأَنَّهُ غير محرم الْيَوْم كَمَا كَانَ محرما فِي أول الْإِسْلَام وَقرب الْعَهْد بالوثنية، وَجزم بِأَنَّهُ لَا بُد للْأمة التركية من الِاشْتِغَال بنحت التماثيل، لِأَنَّهُ من فنون حضارة الْعَصْر الضرورية، وَاسْتشْهدَ أَو اسْتدلَّ على حلّه بِمَا رأى فِي مصر من التماثيل. وَقد أفتى لنَفسِهِ وللحكومة فِي مَسْأَلَة اخْتِلَاط النِّسَاء بِالرِّجَالِ، ومشاركتهن لَهُم فِي الْأَعْمَال، بل سنّ فِيهَا سنة جَدِيدَة إِذْ عقد لَهُ فِي أزمير على فتاة متفرنجة حضرت مجْلِس العقد بِنَفسِهَا، ووقفت تجاهه فِيهِ وسألها القَاضِي عَن رِضَاهَا بِهِ بعلاً فأجابت، وسجل زواجهما وأصبحت بعد ذَلِك تُسَافِر مَعَه بزِي الفرسان، وتقابل مَعَه من يلقى من الرِّجَال، وَقد صرح فِي مَسْأَلَة النِّسَاء وَمَا سيكن عَلَيْهِ فِي الْأمة التركية الجديدة بِمَا لَا يرضاه رجال الدّين والمتدينون، وَلَا يزَال يسْأَل عَن المشكلات الْمُتَعَلّقَة بشئون الْأمة الدِّينِيَّة فيفتى برايه، فيخطئ ويصيب. ولابد فِي أَمْثَال هَذِه الْمسَائِل من الْموقف الْوسط بَين التقحم الْجَدِيد والجمود التليد، وَإِنَّمَا يكون ذَلِك بِالِاجْتِهَادِ دون التَّقْلِيد.

стр. 88

مصطفى كَمَال باشا ذكي فصيح، وَلكنه غير أصولي وَلَا فَقِيه، وَهُوَ يُفْتِي فِي أَمْثَال هَذِه الْمسَائِل الدِّينِيَّة، بِمَا أُوتِيَ من الجرأة العسكرية، والإدلال بزعامته السياسية، فَيقبل مِنْهُ الْعَوام، وَلَا يتجرأ عَلَيْهِ الْفُقَهَاء. وَلَكِن سير حكومته على هَذِه السَّبِيل - وَهِي شعبية إسلامية - لَا يُمكن أَن يَدُوم بتأثير سلطة شخصية، فَلَا بُد لَهَا من إِحْدَى ثَلَاث: إِمَّا اتِّبَاع فُقَهَاء الْحَنَفِيَّة بالجري على الرَّاجِح فِي كتب الْفَتْوَى - وَهَذَا مَالا يرضاه أحد من طلاب المدنية العصرية الغلاة وَلَا المعتدلين - وَإِمَّا أَن يرفضوا كَون الْحُكُومَة إسلامية بِحجَّة الْفَصْل بَين الدّين والسلطة، وَهَذَا مَا يتمناه ملاحدة المتفرنجين وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَيْهِ، فَإِن سَواد الْأمة الْأَعْظَم مُسلمُونَ، وهم أَصْحَاب السلطة وسيكون لَهُم الرَّأْي الْغَالِب فِي الجمعية الوطنية. فَلم يبْق إِلَّا الثَّالِثَة وَهِي سَبِيل الْعلم الاستقلالي الاجتهادي الَّذِي نوهنا بِهِ فَهُوَ الَّذِي يثبت لهَذِهِ الْحُكُومَة وللعالم كُله أَن الشَّرِيعَة الإسلامية أوسع الشَّرَائِع وأكملها، وَأَن من أُصُولهَا حظر كل مَا ثَبت ضَرَره، وَإِبَاحَة مَا ثَبت نَفعه، وَإِيجَاب مَالا بُد مِنْهُ، وَأَن الْمحرم فِيهَا بِالنَّصِّ يُبَاح للضَّرُورَة، وَالْمحرم لسد ذَرِيعَة الْفساد يُبَاح للمصحلة الراجحة. أَمْثِلَة لحَاجَة التّرْك إِلَى الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع أولى مَا يذكر هُنَا مَا ألممنا بِهِ آنِفا، فَأَما التَّصْوِير فَهُوَ قد حرم لعِلَّة مَعْرُوفَة وَهِي سد ذَرِيعَة الوثنية، ومضاهاة خلق الله، فَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ لمصْلحَة راجحة فِي الْعلم كتصوير الْأَبدَان المساعد على إتقان عُلُوم الطِّبّ والجراحة، أَو تَحْقِيق المسميات اللُّغَوِيَّة من الطير وَالْحَيَوَان لمُجَرّد ضبط اللُّغَة وَلما يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة كمعرفة مَا يُؤْكَل وَمَا لَا يُؤْكَل عِنْد من يحرمُونَ أكل السبَاع المفترسة مِنْهَا أَو الْمسَائِل العلمية الْكَثِيرَة والمصالح العسكرية أَو الإدارية، كتصوير الجواسيس والجناة - فَكل ذَلِك يُبَاح شرعا حَيْثُ لَا شُبْهَة عبَادَة، وَلَا قصد إِلَى مضاهاة خلق الله، وَقد بَينا ذَلِك بالتفصيل فِي فتاوي الْمنَار، وَهُوَ مِمَّا لمحه مصطفى كَمَال باشا لمحا، فَأفْتى بِالْجَوَازِ الْمُطلق طردا وعكسا، وَهُوَ مَالا يتم مُطلقًا، واستدلاله على جَوَاز نصب

стр. 89

التماثيل لكبراء الرِّجَال بِعَمَل الْحُكُومَة المصرية يشبه استدلاله على صِحَة سلب السلطة من الْخَلِيفَة الْآن بسلبها من الْخُلَفَاء العباسيين، وَلَيْسَ من الدّين فِي شَيْء، فَإِن الْحُكُومَة المصرية غير مُقَيّدَة بِالشَّرْعِ فِي جَمِيع أَعمالهَا، وَلم يكن نصبها لشَيْء من هَذِه التماثيل بفتوى من عُلَمَاء الْأَزْهَر وَلَا غَيرهم، وَلَو استفتتهم لما أفتوا، لَا لِأَن نصب التماثيل محرم فِي الْإِسْلَام فَقَط، بل لِأَن فِيهِ إِضَاعَة كَثِيرَة من مَال الْأمة فِي غير مصلحَة أَيْضا، وهم لَا يقبلُونَ شُبْهَة من يدعونَ أَن نصب التماثيل للرِّجَال الْعِظَام ينْفخ فِي روح الْأمة الرَّغْبَة فِي التَّشَبُّه بهم، وَالْقِيَام بِمثل أَعْمَالهم، لأَنهم يجزمون بِأَنَّهُ لم يخْطر فِي بَال مصري قطّ أَن يكون كمحمد عَليّ باشا أَو إِبْرَاهِيم باشا أَو سُلَيْمَان باشا الفرنسي ذَوي التماثيل المنصوبة بِمصْر والإسكندرية، وَبِأَن التماثيل قد تنصب لمن يكون قدوة سَيِّئَة أَيْضا، وبأنها من تقاليد الإفرنج فِي أَمر من أُمُور زِينَة مدينتهم الَّتِي تَقْتَضِي نفقات عَظِيمَة لَا تقدم عَلَيْهَا إِلَّا الْأُمَم الغنية ذَات الثروة الواسعة، فَلَو كَانَ مُبَاحا مُطلقًا فِي شرعنا لَكَانَ الأولى بِنَا تَركه لأمرين يرجحان بِهِ (أَحدهمَا) الاقتصاد فِي المَال وَنحن لَا نزال شعوبا فقيره (وَثَانِيهمَا) تحامي التَّقْلِيد لَهُم فِيمَا هُوَ من مشخصات حضارتهم الَّتِي فتنا بهَا فَكَانَت من أَسبَاب استكبارنا لَهُم واحتقارنا لأنفسنا، وَقد نَهَانَا نَبينَا [ ﷺ ] عَن التَّشَبُّه بغيرنا لنكون مستقلين دونهم بل قدوة لَهُم. وَهَذِه مَسْأَلَة اجتماعية مهمة فصلنا القَوْل فِي مضارّها مرَارًا. وَقَول مصطفى كَمَال باشا: إِن الْأمة لابد لَهَا من اتقان صناعَة نحت التماثيل يُجَاب عَنهُ بِأَن الْأمة تاركة لصناعات كَثِيرَة وَاجِبَة شرعا وَهِي كل مَا تتَوَقَّف عَلَيْهِ الْمَعيشَة وَالْقِيَام بالواجبات الذاتية كالملابس والأسلحة والطيارات والبوارج الحربية وَغير ذَلِك. فَلَا يَصح لتارك الضروريات والحاجيات القانع بِأَن يكون فيهمَا عَالَة على الْأَجَانِب أَن يهتم بِأَمْر الزِّينَة الْمَحْضَة وَلَو لم تكن ضارة فِي دين وَلَا دنيا. وَأما مَسْأَلَة الموسيقى فَلَيْسَ لمحرميها من النُّصُوص الصَّحِيحَة مثل أَحَادِيث تَحْرِيم التَّصْوِير واتخاذ الصُّور والتماثيل، بل هِيَ مَسْأَلَة خلافية. وَقد فصلنا فِي الْمنَار القَوْل فِي أَدِلَّة الَّذين حظروا سَماع الْغناء وَالْمَعَازِف (آلَات الطَّرب) من جِهَة الرِّوَايَة وَمن جِهَة الدِّرَايَة والاستنباط وحققنا، أَن الأَصْل فِي الْمَسْأَلَة الْإِبَاحَة وَأَن الْمحرم مِنْهُ

стр. 90

مَا كَانَ ذَرِيعَة إِلَى مَعْصِيّة أُخْرَى كمن يغريه السماع بِشرب الْخمر أَو غَيره من الْفسق وَأَن الْإِسْرَاف فِيهِ مَكْرُوه. . الخ. وَأما مَسْأَلَة النِّسَاء فأحكام الْإِسْلَام أَعلَى الْأَحْكَام وأعدلها وأفضلها فِيهَا، وَأكْثر مَا ينتقده الْعُقَلَاء الْفُضَلَاء من مسلمات المدن المحجبات بِحَق فَهُوَ من الْعَادَات، فَإِذا كَانَ طلاب تَغْيِير هَذِه الْعَادَات يحكمون الدَّلِيل فِي ترك مَا هُوَ ضار مِنْهَا وَالْأَخْذ بِمَا هُوَ نَافِع من غَيرهَا فسيرون الشَّرْع الإسلامي أقوى نصير لَهُم فِيهِ، وَلَيْسَ الْفَصْل بَين الضار والنافع فِي هَذِه وَأَمْثَاله بِالْأَمر السهل، بل هُوَ يحْتَاج إِلَى تدقيق وَبحث لاخْتِلَاف الآراء فِيهِ باخْتلَاف الْأَهْوَاء والتربية كَمَا يعلم من الْمِثَال الْآتِي: تصدي أحد أساتذة الْمدَارِس الأميرية فِي هَذِه الْبِلَاد لامْرَأَة متزوجة يتصباها، وَكَانَ من تصبيه لَهَا أَن قَالَ لَهَا وَهِي مارة فِي الطَّرِيق مَا مَعْنَاهُ: إِن جمَالهَا قد حرم عَلَيْهِ نوم اللَّيْل، فقاضاه زَوجهَا إِلَى المحكمة الْأَهْلِيَّة طَالبا عِقَابه على تصبي زَوجته ومحاولة إفسادها عَلَيْهِ، فَحكم قَاضِي المحكمة الابتدائية بِبَرَاءَة الْأُسْتَاذ مُعَللا عمله بِأَنَّهُ من حب الْجمال الَّذِي هُوَ من الغرائز المحمودة والأذواق الصَّحِيحَة، فَكيف يعد ذَنبا يُعَاقب عَلَيْهِ القانون؟ وَلَكِن قَاضِي الِاسْتِئْنَاف عد عمله ذَنبا وَحكم عَلَيْهِ بعقوبة. إِن تربية مُسْلِمِي مصر وَالتّرْك - وأمثالهم - مذبذبة مضطربة فِي هَذَا الْعَصْر، والتفاوت فِيهَا كَبِير، فَمنهمْ غلاة التفرنج الَّذين يسْتَحلُّونَ الْفَوَاحِش ويميلون إِلَى الْإِبَاحَة وهم الأقلون وَللَّه الْحَمد، وَمِنْهُم الجامدون على جَمِيع التقاليد العتيقة خَيرهَا وشرها، وَلَا سِيمَا إِذا كَانَت منسوبة إِلَى الدّين - وَإِن خطأ - وَبَين هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ أهل الْقَصْد والاعتدال من عُلَمَاء الدّين وعلماء الدُّنْيَا، فَيجب أَن يُحَال كل مَا يُرَاد من التَّغْيِير فِي عادات الْأمة إِلَى لجان من هَؤُلَاءِ المعتدلين يبحثون فِي مَنَافِعه ومضاره من كل وَجه، ويضعون النظام لما يقررون تَغْيِيره، مراعين فِيهِ سنَن الِاجْتِمَاع باتقاء ضَرَر الاستعجال والطفرة، وَمَا يحدثان من الفوضى فِي الْأمة والتفاوت الْعَظِيم بَين أفرادها وجماعاتها، فَإِن الجيل الْحَاضِر وليد الجيل الْمَاضِي ووارثه فِي غرائزه وأفعاله وانفعالاته وعاداته، بل ينْزع بِهِ الْعرق إِلَى الأجيال الَّتِي قبله، فَإِذا حمل على ترك شَيْء مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ من الْأَفْعَال والعادات فَإِنَّمَا يسهل عَلَيْهِ من ذَلِك مَا يُوَافق الْهوى واللذة، دونما يُوَافق الْعقل والمصحلة، ثمَّ إِنَّه لابد أَن يلقِي مُعَارضَة من فريق كَبِير

стр. 91

من الْأمة بِمُقْتَضى سنَن الغريزة، فَإِن كلا من حب التَّجْدِيد وَحب الْمُحَافظَة على الْقَدِيم غريزي فِي الْبشر، فَيظْهر هَذَا فِي أنَاس وَذَاكَ فِي آخَرين بِتَقْدِير الْعَلِيم الْحَكِيم، وَإِلَّا لكانوا على غرار وَاحِد لَا يتَغَيَّر كالنمل والنحل، أَو لكانوا كل يَوْم فِي جَدِيد لَا يثبتون عَلَيْهِ وَلَا يكون لجيل مِنْهُم شبه بجيل آخر. فَمن يظنّ أَنه يُمكنهُ أَن يُمِيت أمة من الْأُمَم بِإِبْطَال مقوماتها من العقائد والغرائز والأخلاق ومشخصاتها من الْآدَاب والعادات ثمَّ يبعثها خلقا جَدِيدا فِي جيل وَاحِد بتغيير فِي قوانينها وشكل حكومتها، وإقناعها بذلك بالخطب وَالشعر والجرائد - فَهُوَ مغرور وَالْحمل عَلَيْهِ بِالْقُوَّةِ الْقَاهِرَة لَا يَأْتِي إِلَّا بحكومة شخصية قاهرة. نعم إِن التَّغْيِير مُمكن وواقع، وَطَرِيقه مَعْرُوف، وَهُوَ مَا أرشدنا الله تَعَالَى إِلَيْهِ بقوله ﴿إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ وتغيير مَا بالأنفس إِنَّمَا يكون منظما بتعميم التربية والتعليم، وَقد حقق عُلَمَاء الِاجْتِمَاع أَن التَّأْثِير فِي تَغْيِير حَال الشّعب لَا يتم إِلَّا فِي ثَلَاثَة أجيال. جيل التَّقْلِيد والمحاكاة، وجيل الْخُصُومَة وجيل الِاسْتِقْلَال، وبتمامه يتم تكوين الملكة. وَمثل هَذَا فِي الشعوب كَمثل التَّعْلِيم الابتدائي والثانوي والعالي للأفراد وَقد يشذ بعض الشعوب فِي بعض الملكات كَمَا يشذ بعض الْأَفْرَاد بذكاء نَادِر فَيبلغ من إحكامها فِي بدايته مَا يعجز عَن مثله البليد فِي نهايته. وَقد حقق الفيلسوف الاجتماعي (غوستاف لوبون) الْمَشْهُور فِي كِتَابه (تطور الْأُمَم) أَن ملَكة الْفُنُون لم تستحكم لأمة من أُمَم الأَرْض فِي أقل من الثَّلَاثَة أجيال المقررة إِلَّا للْعَرَب، فهم وحدهم الَّذين تربت هَذِه الملكة فيهم، فَصَارَ لَهُم مَذْهَب خَاص فِيهَا مُنْذُ الجيل الأول من مدنيتهم الإسلامية، فَإِذن لابد من جعل كل تَغْيِير يُرَاد فِي الْأمة إِلَى لجان من أهل الِاخْتِصَاص فِيهِ، تدرسه وتمحصه وتقرر فِيهِ مَا فِيهِ مصلحتها وموافقة شريعتها. وَلَيْسَ بَيَان هذامن مقصدنا هُنَا، وَلكنه استطراد غرضنا مِنْهُ رد مَسْأَلَة النِّسَاء وأمثالها إِلَى أصل علمي مَعْقُول، فَإِن الفوضى فِيهَا ضاربة أطنابها فِي بِلَادنَا كالبلاد التركية، فَمَا يرَاهُ بعض النَّاس ضارا قطعا يرَاهُ آخَرُونَ هُوَ النافع الَّذِي لابد مِنْهُ، ومقلدة الإفرنج فِيهِ كالجامدين على الْقَدِيم لَيْسُوا على هدى وَلَا بَصِيرَة، فَإِن أَعقل حكماء الإفرنج وأكبر عُلَمَائهمْ غير راضين عَن حَال النِّسَاء عِنْدهم، وَقد حكى لنا

стр. 92

عَن عاهل المانية عِنْدَمَا زار الآستانة فِي أَيَّام الْحَرْب أَنه لما اطلع على تهتك النِّسَاء التركيات وبروزهن للرِّجَال متبرجات كنساء الإفرنج عذل طلعت باشا الصَّدْر الْأَعْظَم الاتحادي على ذَلِك قَائِلا إِنَّه كَانَ لكم من دينكُمْ وازع للنِّسَاء عَمَّا نشكو نَحن من غوائله الأدبية والاقتصادية ونعجز عَن تلافيه فَكيف تتفضون مِنْهُ باختياركم؟ إِنَّكُم إِذن لمخطئون. وَمِمَّا يحسن التَّذْكِير بِهِ من الْمسَائِل الَّتِي يتَمَسَّك جَمَاهِير متفقهة الْمُسلمين فِيهَا بِمَا يُنَافِي ضروريات الحضارة الْحَاضِرَة والمصالح الْعَامَّة زعمهم أَن السَّائِل الْمُسَمّى بالكحول والسبيرتو نجس يحرم اسعماله فِي كل مَا يَسْتَعْمِلهُ فِيهِ الْأَطِبَّاء والصيادلة وَسَائِر الصناع الَّذين يعدونه ضَرُورِيًّا فِي صناعتهم، وَقد أفتى جمَاعَة من فُقَهَاء الْهِنْد بذلك مُنْذُ أشهر ورددنا عَلَيْهِ ردا طَويلا أثبتنا فِيهِ أَن هَذَا السَّائِل طَاهِر ومطهر طبي، وَأَنه من الضروريات الَّتِي يجب الِانْتِفَاع بهَا فِي كثير من الْأَعْمَال، وَأَنه مِمَّا عَمت الْبلوى بِهِ، وَلَكِن الأَصْل فِي فتاوي أَفْرَاد الْعلمَاء أَن يعْمل بهَا من يقتنع بِصِحَّة أدلتها إذاكانت الْفَتْوَى مؤيدة بِالدَّلِيلِ على طَريقَة السّلف الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا فِي الْمنَار، وَمن يَثِق بِعلم صَاحبهَا أَو بِكَوْنِهِ على الْمَذْهَب الَّذِي ينتمي إِلَيْهِ فِي المقلدين، فَليعلم أَنَّهَا لَا تحل المشكلات الْعَامَّة بل تبقي الْأمة مضطربة باخْتلَاف الفتاوي وأقوال الْعلمَاء، وَإِنَّمَا يحل المشكلات الْعَامَّة وَيجمع كلمة الْأمة فِيهَا الإِمَام الْأَعْظَم (الْخَلِيفَة) إِذا كَانَ مُجْتَهدا كَمَا تقدم. توقف الِاجْتِهَاد فِي الشَّرْع على اللُّغَة الْعَرَبيَّة: قد ثَبت مِمَّا تقدم أَن الْجمع بَين حضارة الْعَصْر وفنونه وَبَين الْمُحَافظَة على الْإِسْلَام لَا يتم إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْع فَكَذَلِك لَا يكون الْخَلِيفَة هُوَ الإِمَام الْحق الَّذِي تجب طَاعَته ويمكنه نشر دَعْوَة الدّين والمحافظة عَلَيْهِ ومقاومة الْبدع وَإِزَالَة الْخلاف بَين الْأمة فِي الْمسَائِل الاجتماعية والمدنية الْعَامَّة إِلَّا إِذا كَانَ مُجْتَهدا، وَالِاجْتِهَاد يتَوَقَّف على اتقان اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَفهم أساليبها وخواص تراكيبها والملكة الراسخة فِي فنونها، للتمكن من فهم نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وهما فِي الذرْوَة الْعليا من هَذِه اللُّغَة، وَقد

стр. 93

عد عُلَمَاء الْأُصُول من جَمِيع الْمذَاهب معرفَة اللُّغَة الْعَرَبيَّة شرطا مُسْتقِلّا للِاجْتِهَاد مَعَ اشْتِرَاط الْعلم بِالْكتاب وَالسّنة، بل صرح بعض أَئِمَّة الْعلمَاء بِأَن معرفَة هَذِه اللُّغَة فرض على كل مُسلم وَإِن مُقَلدًا - وَلَوْلَا أَن جَمِيع سلف الْأمة كَانَ على هَذَا الِاعْتِقَاد لما انتشرت الْعَرَبيَّة فِي خير الْقُرُون فِي كل قطر انْتَشَر فِيهِ الْإِسْلَام من غير مدارس منظمة تديرها الحكومات أَو الجمعيات وَهل لذَلِك من سَبَب غير الِاعْتِقَاد بِالْوُجُوب الديني، وَمن الْآيَات على ذَلِك إِجْمَاع الْعلمَاء فِي كل زمَان وَمَكَان على أَدَاء جَمِيع الْعِبَادَات اللسانية بِهَذِهِ اللُّغَة، كتلاوة الْقُرْآن وأذكار الصَّلَاة وَالْحج وَغَيرهَا، حَتَّى إِنَّهُم لَا يزالون يؤدون بهَا الْوَعْظ من خطْبَة الْجُمُعَة وَالْحَمْد لله والشهادتين والتلاوة وَالدُّعَاء فَقَط، وَلَكِن مِنْهُم من يترجمها بعد الصَّلَاة وَقد نقل إِلَيْنَا من الآستانة أَن أول جُمُعَة حضرها الْخَلِيفَة الروحي الْجَدِيد ألقيت فِيهَا خطْبَة الصَّلَاة باللغة التركية وَمن الْمَعْلُوم من الْإِسْلَام بِالضَّرُورَةِ أننا متعبدون بتدبر الْقُرْآن وَالِاعْتِبَار والاتعاظ بآياته وبفهم تِلَاوَة الصَّلَاة وأذكارها، وكل ذَلِك يتَوَقَّف على معرفَة اللُّغَة الْعَرَبيَّة، وتقصير بعض الْمُسلمين فِي هَذَا الْوَاجِب كتقصيرهم فِي الْوَاجِبَات الْكَثِيرَة الَّتِي أضاعت عَلَيْهِم دينهم ودنياهم. لَيْسَ من غرضنا هُنَا أَن نَدْعُو أعاجم الْمُسلمين إِلَى تعلم اللُّغَة الْعَرَبيَّة، وَإِنَّمَا الْغَرَض أَن نذْكر حزب الْإِصْلَاح بِمَا لَا يجهله أَكثر رِجَاله من العلاقة القوية بَين منصب الْخلَافَة وَبَين اللُّغَة الْعَرَبيَّة فَإِنَّهُ سيجد فِي اللُّغَة مُعَارضَة شَدِيدَة، وَلَكِن حجَّته قَوِيَّة وَهِي تعذر حَيَاة الْإِسْلَام نَفسه وَالِاجْتِهَاد فِي أَحْكَامه بِدُونِهَا، وَتعذر تعارف الْمُسلمين وَجمع كلمتهم بِالْقدرِ المستطاع بِدُونِهَا، فَفِي كل قطر يسكنهُ الْمُسلمُونَ وكل مَدِينَة مِنْهُ لَا يزَال الْإِسْلَام فِيهَا حَيا، وَيُوجد من أهل الْعلم بِالْعَرَبِيَّةِ من يُمكن التعارف مَعَهم وَنشر مَا يُقرر لخدمة الدّين بسعيهم. إِن اللُّغَة رابطة من روابط الْجِنْس، وَقد حرم الْإِسْلَام التعصب للْجِنْس لِأَنَّهُ مفرق للْأمة ذَاهِب بالاعتصام والوحدة وَاضع للعداوة مَوضِع الألفة، وَقد نهى النَّبِي [ ﷺ ] عَن العصبية العمية الْجَاهِلِيَّة وتبرأ مِمَّن يَدْعُو إِلَيْهَا أَو يُقَاتل عَلَيْهَا، وَقد كَانَ من إصْلَاح الْإِسْلَام الديني والاجتماعي تَوْحِيد اللُّغَة بِجعْل لُغَة هَذَا الدّين الْعَام لُغَة لجَمِيع الْأَجْنَاس الَّتِي تهتدي بِهِ، فَهُوَ قد حُفظ بهَا وَهِي قد حفظت بِهِ. فلولاه

стр. 94

لتغيرت كَمَا تغير غَيرهَا من اللُّغَات، وكما كَانَ يعروها التَّغْيِير من قبله. ولولاها لتباعدت الأفهام فِي فهمه، ولصار أديانا يكفّر أَهلهَا بَعضهم بَعْضًا، وَلَا يَجدونَ أصلا جَامعا يتحاكمون إِلَيْهِ إِذا رجعُوا إِلَى الْحق وَتركُوا الْهوى، فاللغة الْعَرَبيَّة لَيست خَاصَّة بجيل الْعَرَب سلائل يَعْرُب بن قحطان بل هِيَ لُغَة الْمُسلمين كَافَّة، ولغة شعوب أُخْرَى من غيرالعرب، وَطَوَائِف من الْعَرَب غير الْمُسلمين، وَمَا خدم الْإِسْلَام أحد من غير الْعَرَب إِلَّا بِقدر حظهم من لغته، وَلم يكن أحد من الْعَرَب فِي النّسَب يفرق بَين سيبوَيْه الْفَارِسِي النّسَب وأستاذه الْخَلِيل الْعَرَبِيّ فِي فضلهما واجتهادهما فِي خدمَة اللُّغَة، وَلَا بَين البُخَارِيّ الْفَارِسِي وأستاذيه أَحْمد بن حَنْبَل وَإِسْحَق بن رَاهْوَيْةِ العربيين فِي خدمَة السّنة، بل لم يخْطر فِي بَال أحد من سلف الْأمة وَلَا خلفهَا قبل هَذَا الْعَصْر أَن يَأْبَى تَفْضِيل كثير من الْأَعَاجِم فِي النّسَب على بعض أقرانهم وأساتذتهم من الْعَرَب فِيمَا امتازوا بِهِ من خدمَة هَذَا الدّين ولغته، وَلَا نَعْرِف أحدا من عُلَمَاء الْأَعَاجِم لَهُ حَظّ من خدمَة الْإِسْلَام وَهُوَ يجهل لغته، وَلَوْلَا أَن ظلّ عُلَمَاء الدّين فِي جَمِيع الشعوب الإسلامية مُجْمِعِينَ على التَّعَبُّد بِقِرَاءَة الْقُرْآن المعجز للبشر بأسلوبه الْعَرَبِيّ وأذكار الصَّلَاة وَغَيرهَا بِالْعَرَبِيَّةِ ومدارسة التَّفْسِير والْحَدِيث بِالْعَرَبِيَّةِ لضاع الْإِسْلَام فِي الْأَعَاجِم مِنْهَا. وَلَو أَن الدولة العثمانية أحيت اللُّغَة الْعَرَبيَّة فِيمَا فَتحته من أوروبة لانتشر فِيهَا الْإِسْلَام ثمَّ فِيمَا جاورها انتشارا عَاما، ولقامت فِيهَا مَدَنِيَّة إسلامية كمدنية الْعَرَب فِي الأندلس وَكَانَ رسوخها فِيهَا عَظِيما، وَلكنهَا لم تفعل ذَلِك وَلم تجْعَل لغتها التركية لُغَة علم وفنون بل اعتمدت فِي حكمهَا على قُوَّة السَّيْف وَحده، فَكَانَ من غوائل ذَلِك - وَهِي كَثِيرَة - أَن جَمِيع الشعوب الَّتِي خضعت لسيادتها وسلطانها ظلت مُحَافظَة على لغاتها حَتَّى الْمُسلمين مِنْهُم. . فَلَمَّا تَجَدَّدَتْ فِي هَذَا الْعَصْر عصبية اللُّغَة، وَجعل التّرْك العثمانيون لغتهم لُغَة علم أَرَادوا أَن يكرهوا الشعوب الإسلامية فِي سلطنتهم على ترك لغاتهم إِلَى لُغَة الدولة فَامْتنعَ الْجَمِيع عَلَيْهِم، وهب أَصْحَاب اللُّغَات غير العلمية الْمُدَوَّنَة كالألبانيين والكرد والجركس إِلَى تدوين لغاتهم وَجعلهَا لُغَة علم وفنون كَمَا فعل التّرْك، وَقد حَارَبت الدولة الألبانيين وهم أعظم حصونها فِي أروبة لأجل اللُّغَة، فَاخْتَارُوا حربها وَالْخُرُوج من سلطنتها على ترك لغتهم، وَلَو رضيت لنَفسهَا لُغَة الْإِسْلَام ودعتهم إِلَيْهَا لما أَبَوا، وَهَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ الَّتِي فرقت بَين التّرْك وَالْعرب

стр. 95

ذَلِك التَّفْرِيق الَّذِي أَشَرنَا إِلَى رزاياه فِي هَذَا الْبَحْث مرَارًا، وسعينا لتلافيه قبل تفاقم خطبه فَمَا أفادنا السَّعْي فلاحا، وَكَيف يعقل أَن يرضى الْعَرَب استبدال التركية بِالْعَرَبِيَّةِ الَّتِي شرفها الله على جَمِيع اللُّغَات بكتابه المعجز للبشر وحجته عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة على مَالهَا من المزايا الْأُخْرَى. . وَنحن نرى التتار إخْوَة التّرْك فِي الْعرق الطوراني لَا يرضون بترك لغتهم واستبدال التركية بهَا وَهِي أرقى مِنْهَا؟ . فَنحْن الْآن تجاه أَمر وَاقع، مَا لَهُ من دَافع، وكل مَا نطمع فِيهِ أَن نتقي ضَرَره، ونوفق بَين الجامعة الإسلامية والجامعة الجنسية اللُّغَوِيَّة بِمَا فصلناه من تعاون الْعَرَب وَالتّرْك على إِقَامَة الْخلَافَة الإسلامية الْحق، فَإِذا وفْق الله لإتمام هَذَا فَهُوَ الَّذِي تتمّ بِهِ الْوحدَة، وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا من سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. . الاشتراع الإسلامي والخلافة: نُرِيد بالاشتراع مَا يعبر عَنهُ عندنَا بالاستنباط وَالِاجْتِهَاد، وَفِي عرف هَذَا الْعَصْر بالتشريع (وَقد اسْتعْمل بعض عُلَمَائِنَا هَذَا كالشرع فِي الإلهي خَاصَّة) وَهُوَ وضع الْأَحْكَام الَّتِي تحْتَاج إِلَيْهَا الْحُكُومَة لإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس وَحفظ الْأَمْن والنظام، وصيانة الْبِلَاد، ومصالح الْأمة وسد ذرائع الْفساد فِيهَا. . وَهَذِه الْأَحْكَام تخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وأحوال النَّاس الدِّينِيَّة والمدنية كَمَا قَالَ الإِمَام الْعَادِل عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ تحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور. . أَي وَغَيره من الْمَفَاسِد والمصالح والمضار وَالْمَنَافِع. . فالأحكام تخْتَلف وَإِن كَانَ الْغَرَض مِنْهَا وَاحِدًا وَهُوَ مَا ذكرنَا آنِفا من إِقَامَة الْعدْل. . الخ. . وَلَا يقوم أَمر حُكُومَة مَدَنِيَّة بِدُونِ اشتراع، وَلَا ترتقي أمة فِي معارج الْعمرَان بِدُونِ حُكُومَة يكفل نظامها اشتراع عَادل يُنَاسب حالتها الَّتِي وَضعهَا فِيهَا تاريخها الْمَاضِي، ويسلك لَهَا السبل والفجاج للعمران الراقي، ولايصلح لأمة من الْأُمَم شرع أمة أُخْرَى مُخَالفَة لَهَا فِي مقوماتها ومشخصاتها وتاريخها، كَمَا أَنه لَا يصلح للغة من اللُّغَات قَوَاعِد لُغَة أُخْرَى فِي صِيغ كلمها وَأَحْكَام تأليفها، إِلَّا إِذا أَرَادَت أمة أَن

стр. 96

تندغم فِي أمة أُخْرَى وتتحد بهَا فتكونا أمة وَاحِدَة كَمَا اتّحدت شعوب كَثِيرَة بِالْإِسْلَامِ فَكَانَت أمة وَاحِدَة ذَات شَرِيعَة وَاحِدَة، وَأما الشعوب الَّتِي تقتبس شرائع شعوب أُخْرَى بِغَيْر تصرف وَلَا اجْتِهَاد فِيمَا تحوله إِلَى مَا يلائم عقائدها وآدابها ومصالحها الَّتِي كَانَ الشّعب بهَا شعبًا مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ فَإِنَّهَا لَا تلبث أَن تزداد فَسَادًا واضطرابا، ويضعف فِيهَا التماسك والاستقلال الشّعبِيّ فَيكون مَانِعا من الِاسْتِقْلَال السياسي وَمَا يتبعهُ. . فشرع الْأمة عنوان مجدها وشرفها. . وروح حَيَاتهَا ونمائها، وأعجب مَا منى بِهِ بعض الشعوب الإسلامية أَن ترك شَرِيعَة لَهُ ذَات أصل ثَابت فِي الْحق وقواعد كافلة للعدل والمساواة، واستبدل بهَا قوانين شعوب أُخْرَى هِيَ دونهَا فَأَصْبحُوا وَلَا إِمَام لَهُم فِي حياتهم الاشتراعية من أنفسهم، بل هم يقتدون فِيهَا بأفراد من أعاجم الفرنجة يقلدونهم بِمَا خسروا بِهِ أهم مقومات أمتهم، وَأعظم مظهر من مظَاهر شرفهم، وأشرف أثر من آثَار تاريخهم، وَهُوَ الشَّرْع الديني، الَّذِي هُوَ أساس الاشتراع البشري الاجتهادي. . لَا تتسع هَذِه الْخُلَاصَة الَّتِي نكتبها فِي هَذَا الْبَحْث لبَيَان أَنْوَاع الحكومات الغابرة والحاضرة وشأنها فِي الاشتراع وَمَكَان الْمُسلمين فِيهِ، وَإِنَّمَا نقُول إِن صحفنا الْعَرَبيَّة تصرح فِي هَذَا الْعَهْد آناً بعد آخر بِأَن أحدث أصُول التشريع هُوَ أَنه حق للْأمة، ويظن هَؤُلَاءِ الَّذين يَكْتُبُونَ هَذَا وَأكْثر من يقرءُون كَلَامهم أَن هَذَا الأَصْل من وضع الإفرنج، وَأَن الْإِسْلَام لَا تشريع فِيهِ للبشر. لِأَن شَرِيعَته مستمدة من الْقُرْآن، وَالْأَحْكَام المدنية والسياسية فِيهِ قَليلَة محدودة، وَمن السّنة، وَالزِّيَادَة فِيهَا على مَا فِي الْقُرْآن قَليلَة ومناسبة لحَال الْمُسلمين فِي أول الْإِسْلَام دون سَائِر الْأَزْمِنَة وَلَا سِيمَا زَمَاننَا هَذَا، وَأَن الْإِجْمَاع وَالِاجْتِهَاد على استنادهما إِلَى الْكتاب وَالسّنة قد انقطعا وأقفلت أبوابهما باعتراف جَمَاهِير عُلَمَاء السّنة فِي جَمِيع الأقطار الإسلامية، وَأَن هَذَا هُوَ السَّبَب فِي تقهقر الحكومات الإسلامية المتمسكة بالشريعة الدِّينِيَّة، واضطرار الحكومتين لمدنيتين الوحيدتين التركية والمصرية إِلَى استبدال بعض القوانين الإفرنجية بالشريعة الإسلامية تقليدا ثمَّ تشريعا. . ذَلِك ظن الَّذين يجهلون أصُول الشَّرِيعَة الإسلامية وأساس الاشتراع فِيهَا، الَّذين لَا يفرقون بَين الِاصْطِلَاح الفقهي والاصطلاح العصري فِي التشريع فيعمى عَلَيْهِم الْحَقِيقَة اخْتِلَاف الِاصْطِلَاح، ذَلِك بِأَن اسْم الدّين وَالشَّرْع قد يستعملان

стр. 97

اسْتِعْمَال المترادف وَإِن كَانَ بَينهمَا عُمُوم وخصوص فَإِنَّهُم كثيرا مَا يختصون الشَّرْع بِالْأَحْكَامِ القضائية أَو العملية دون أصُول العقائد وَالْحكم والآداب الَّتِي هِيَ قَوَاعِد الدّين، الْمُتَعَلّقَة بصلاح المعاش والمعاد، وَلذَلِك جعلُوا الْفِقْه قسمَيْنِ: عبادات ومعاملات، وَالْفُقَهَاء يفرقون فِي ذَلِك بَين الدّيانَة وَالْقَضَاء يَقُولُونَ يجوز هَذَا قَضَاء لَا ديانَة. . وَتسَمى الْأَحْكَام العملية دينا بِاعْتِبَار أَنَّهَا يدان بهَا الله تَعَالَى فتتبع إذعانا لأَمره وَنَهْيه. . وَبِهَذَا الِاعْتِبَار تطلق كلمة الشَّارِع على الله تَعَالَى، وأطلقت على النَّبِي [ ﷺ ] بِأَنَّهُ مبلغ الشَّرْع ومبينه، وَمن الْعلمَاء من قَالَ إِن الله تَعَالَى أذن لَهُ أَن يشرع، وَالْجُمْهُور على أَنه مبلغ ومبين لما نزل عَلَيْهِ من الْوَحْي وَأَن الْوَحْي أَعم من الْقُرْآن. . وَالتَّحْقِيق أَن هَذَا كُله خَاص بِأَمْر الدّين، وَهُوَ مَا شرع ليتقرب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى من الْعِبَادَات، وَترك الْفَوَاحِش والمنكرات، ومراعاة الْحق وَالْعدْل فِي الْمُعَامَلَات، تَزْكِيَة للنَّفس وإعدادا لَهَا لحياة الْآخِرَة. . وَمِنْهَا مَا فِي الْمُعَامَلَات من معنى الدّين كاحترام أنفس النَّاس وأعراضهم وَأَمْوَالهمْ والنصح لَهُم وَترك الْإِثْم وَالْبَغي والعدوان والغش والخيانة وَأكل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ. . وَأما مَا عدا ذَلِك من نظام الإدارة وَالْقَضَاء والسياسة والجباية وتدبير الْحَرْب مِمَّا لَا دخل للتعبد والزلفى إِلَى الله فِي فروعه بعد حسن النِّيَّة فِيهِ - فقد كَانَ الرَّسُول [ ﷺ ] فِي زَمَنه مشترعا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِ مَأْمُورا من الله بمشاورة الْأمة فِيهِ، وَلَا سِيمَا أولى الْأَمر من أفرادها الَّذين هم مَحل ثقتها فِي مصالحها الْعَامَّة وممثلو إرادتها من الْعلمَاء والزعماء والقواد، وَهُوَ كَذَلِك مفوض من بعده إِلَى هَؤُلَاءِ أنفسهم، ويخلفه لتمثيل الْوحدَة من يختارونه إِمَامًا لَهُم وَخَلِيفَة لَهُ. . وَالدَّلِيل على هَذَا من الْكتاب قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأمرهمْ شُورَى بَينهم﴾ وَقَوله: ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ الْآيَة وَقَوله: ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ وَمن السّنة مَا صَحَّ عَنهُ من أَن أمته لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة، وَمَا كَانَ يَجعله [ ﷺ ] مَوضِع الشورى من أُمُور الْحَرْب وَغَيرهَا من الْمصَالح الدُّنْيَوِيَّة، وَمَا أذن فِيهِ من الِاجْتِهَاد والرأي عِنْد فقد النَّص من الْكتاب، وَعدم السّنة المتبعة، والْحَدِيث فِيهِ مَشْهُور، وَمن آثَار الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين مَا كَانُوا يستشيرون فِيهِ أهل الْعلم والرأي من أُمُور الإدارة وَالْقَضَاء وَالْحَرب أَيْضا، وَمَا وضعوه من الدَّوَاوِين وَالْخَرَاج وَغير ذَلِك مِمَّا لم يرد بِهِ نَص فِي الْكتاب وَالسّنة، وَمن أصُول الْفِقْه حجية إِجْمَاع

стр. 98

الْأمة، واجتهاد الْأَئِمَّة، فَكل هذامما يُسمى فِي عرف علم الْحُقُوق والقانون تشريعا، وَهُوَ ميدان الْمُجْتَهدين الْوَاسِع وَجرى عَلَيْهِ الْعَمَل فِي خير الْقُرُون ... فَثَبت بِهَذَا أَن لِلْإِسْلَامِ اشتراعا مَأْذُونا بِهِ من الله تَعَالَى، وَأَنه مفوض إِلَى الْأمة يقره أهل الْعلم والرأي والزعامة فِيهَا بالشورى بَينهم. . وَأَن السلطة فِي الْحَقِيقَة للْأمة، فَإِذا أمكن استفتاؤها فِي أَمر وأجمعت عَلَيْهِ فَلَا مندوحة عَنهُ. . وَلَيْسَ للخليفة - دع من دونه من الْحُكَّام - أَن ينْقض إجماعها، وَلَا أَن يُخَالِفهُ وَلَا أَن يُخَالف نوابها وممثليها من أهل الْحل وَالْعقد أَيْضا. . واتفاق هَؤُلَاءِ إِذا كَانُوا مَحْصُورين يُسمى إِجْمَاعًا عِنْد عُلَمَاء الْأُصُول، بِشَرْط أَن يَكُونُوا من أهل الْعلم الاجتهادي. وَأما إذااختلفوا فَالْوَاجِب رد مَا تنازعوا فِيهِ إِلَى الْأَصْلَيْنِ الأساسيين وهما الْكتاب وَالسّنة، وَالْعَمَل بِمَا يُؤَيّدهُ الدَّلِيل مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا، لقَوْله تَعَالَى بعد الْأَمر بِطَاعَة الله وَطَاعَة الرَّسُول وأولي الْأَمر: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ أَي أحسن عَاقِبَة ومآلا مِمَّا عداهُ، وَمِنْه الْعَمَل بِرَأْي أَكثر نواب الْأمة فِي تشريع قوانين أوربة ومقلديها فشرعنا مُخَالف لَهَا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَمن وُجُوه كَونه خيرا من غَيره، وَأحسن عَاقِبَة أَن النزاع بَين الْأمة يَزُول بتحكيم الْكتاب وَالسّنة فِيهِ، وتطيب نفوس جَمِيع نواب الْأمة بِمَا يظْهر رجحانه بِالدَّلِيلِ، وَلَا يبْقى للأضغان والنزاع بَينهم مجَال. . وَقد تقدم إِثْبَات سلطة الْأمة وتمثيل أهل الْحل وَالْعقد لَهَا فِي أول هَذِه المباحث (رقم ٣، ٤) بِقدر الْحَاجة الْعَارِضَة. . وَأما تَفْصِيل القَوْل فِي هَذَا وَذَاكَ فيراجع فِيهِ تفسي: ﴿أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ فِي الْجُزْء الْخَامِس من تَفْسِير الْمنَار. . الاشتراع - أَو التشريع أَو الاستنباط - ضَرُورَة من ضرورات الِاجْتِمَاع البشري، وَمن قَوَاعِد الشَّرْع الإسلامي أَن الضَّرُورَة لَهَا أَحْكَام: مِنْهَا أَنَّهَا تبيح مَا حرمه الله تعلى بِإِذْنِهِ فِي قَوْله بعد بَيَان مُحرمَات الطَّعَام: ﴿إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ وَمِنْهَا نفي الْحَرج والعسر من الدّين، وانتفاؤهما من قسم الْمُعَامَلَات أولى من انتفائهما من قسم الْعِبَادَات الَّتِي يعقل أَن يكون فِيهَا ضرب من الْمَشَقَّة لتربية النَّفس وتزكيتها إِذْ لَا تكمل تربية بِدُونِ احْتِمَال مشقة وَجهد. . ويسهل هَذَا الِاحْتِمَال نِيَّة الْقرْبَة وابتغاء المثوبة فِيهِ، وَلَيْسَ فِي الْمُعَامَلَات شَيْء من معنى التدين إِلَّا مَا ذكرنَا آنِفا، وَالْغَرَض مِنْهُ حفظ الْأَنْفس وَالْأَمْوَال والأعراض أَن يعتدى عَلَيْهَا بِغَيْر حق، فَمن لم يردعه عَن

стр. 99

ذَلِك خوف عُقُوبَة الْحُكَّام فِي الدُّنْيَا يردعه خوف عَذَاب الله فِي الْآخِرَة إِن كَانَ مُؤمنا بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ رَسُوله [ ﷺ ] . فَتبين بِهَذَا أَن للاشتراع الْمدنِي والجنائي والسياسي والعسكري دَلَائِل كَثِيرَة، مِنْهَا قَوَاعِد الضرورات وَنفي الْحَرج وَمنع الضَّرَر والضرار، فَلَو لم ينص فِي الْقُرْآن على أَن أُمُور الْمُؤمنِينَ الْعَامَّة شُورَى بَينهم، وَلَو لم يُوجب طَاعَة أولي الْأَمر بالتبع لطاعة الله وَطَاعَة الرَّسُول، وَلَو لم يفْرض على الْأمة رد هَذِه الْأُمُور إِلَيْهِم ويفوض إِلَيْهِم أَمر استنباط أَحْكَامهَا، وَلَو لم يقر النَّبِي [ ﷺ ] معَاذًا على الِاجْتِهَاد والرأي فِيمَا يعرض عَلَيْهِ من القضايا الَّتِي لَا نَص عَلَيْهَا فِي كتاب الله وَلم تمض فِيهَا سنة من رَسُوله لَو لم يرد هَذَا كُله وَمَا فِي مَعْنَاهُ لكفت الضَّرُورَة أصلا شَرْعِيًّا للاستنباط الَّذِي يُسمى فِي عرف هَذَا الْعَصْر بالتشريع. ووراء هَذَا وَذَاكَ عمل الْأمة فِي صدر الْإِسْلَام، وَخير الْقُرُون، وَكَذَا مَا بعْدهَا من الْقُرُون الْوُسْطَى الَّتِي خرجت فِيهَا الْخلَافَة الكافلة للأمور الْعَامَّة عَن مَنْهَج الْعلم الاستقلالي فزالا مَعًا لتلازمهما. الْخلَافَة منَاط الْوحدَة، ومصدر الاشتراع، وسلك النظام، وكفالة تَنْفِيذ الْأَحْكَام، وأركانها أهل الْحل وَالْعقد رجال الشورى، وَرَئِيسهمْ الإِمَام الْأَعْظَم، وَيشْتَرط فيهم كلهم أَن يَكُونُوا أَهلا للاشتراع، الْمعبر عَنهُ فِي أصولنا بِالِاجْتِهَادِ والاستنباط، وَقد كَانَ أول فَسَاد طَرَأَ على نظام الْخلَافَة وصدع فِي أَرْكَانهَا جعلهَا وراثية فِي أهل الغلب والعصبية، وَأول تَقْصِير رزئ بِهِ الْمُسلمُونَ عدم وضع نظام يَنْضَبِط بِهِ قِيَامهَا بِمَا يجب من أَمر الْأمة على الْقَوَاعِد الَّتِي هدى إِلَيْهَا الْكتاب وَالسّنة، وَأول خلل نَشأ عَن هَذَا وَذَاكَ تفلت الْخُلَفَاء من سيطرة أهل الْحل وَالْعقد الَّذِي يمثلون الْأمة، واعتمادهم على أهل عصبية الْقُوَّة، الَّتِي كَانَ من أهم إصْلَاح الْإِسْلَام لأمور الْبشر إِزَالَتهَا، فَصَارَ صَلَاح الْأمة وفسادها تَابعا بذلك لصلاح الْخَلِيفَة وأعوانه أهل عصبيته، لَا لممثلي الْأمة وَمحل ثقتها من أهل الْعلم والرأي فِيهَا، والغيرة والحدب عَلَيْهَا.

стр. 100

ثمَّ ترَتّب على ذَلِك شُعُور الْخُلَفَاء بالاستغناء عَن الْعلم أَو عدم شُعُورهمْ بِالْحَاجةِ إِلَيْهِ وَترك التَّمَتُّع باللذات اشتغالا بِهِ لتَحْصِيل رُتْبَة الِاجْتِهَاد فِيهِ، وَرَأَوا أَنه يُمكنهُم الِاسْتِعَانَة بالعلماء الَّذين يتقلدون مناصب الوزارة وَالْقَضَاء والإفتاء وَغَيرهَا من الْأَعْمَال الَّتِي يحْتَاج فِيهَا إِلَى استنباط الْأَحْكَام فتركوا الْعلم ثمَّ جهلوا قيمَة الْعلمَاء فصاروا يقلدون الْجَاهِلين من أمثالهم للأعمال، ووجدوا فيهم من بفتي بِعَدَمِ اشْتِرَاط الْعلم الاستقلالي (الِاجْتِهَاد) فِي إِمَام الْمُسلمين وَلَا فِي القَاضِي لِإِمْكَان استعانتهما بالمفتي الَّذِي لَا يكون إِلَّا مُجْتَهدا، ثمَّ عَم الْجَهْل فصاروا يستفتون الْجَاهِلين (أَي غير الْمُجْتَهدين) أمثالهم، ثمَّ أذاع هَؤُلَاءِ الجاهلون الَّذين احتكروا مناصب الدولة وأموالها أَن الِاجْتِهَاد قد أقفل بَابه، وَتعذر تَحْصِيله، وأوجبوا على أنفسهم وعَلى الْأمة تَقْلِيد أَفْرَاد مُعينين من الْعلمَاء والانتساب إِلَيْهِم، ثمَّ صَارُوا يقلدون كل من ينتمي إِلَيْهِم مَعَ الْإِجْمَاع على امْتنَاع تَقْلِيد الْمُقَلّد، فَضَاعَ علم الْأَحْكَام وفقدت ملكة الاشتراع والاستنباط بالتدريج، وَالْأمة لَا تشعر، فَلَمَّا صَار أَمر الْحُكُومَة فِي أَيدي الْجَاهِلين ضَاعَت الشَّرِيعَة والاشتراع، واختل نظام الْأمة، وانحل أمرهَا وتضعضع ملكهَا، وَقع كل ذَلِك بترك مَا صَحَّ فِيهِ من أصُول الْإِسْلَام وفروعه، والجاهلون يحسبون أَنه وَقع بِاتِّبَاع تعاليمه ﴿﴾ قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ محسن التنوخي فِي كِتَابه: (جَامع التواريخ) حَدثنِي أَبُو الْحُسَيْن بن عَبَّاس قَالَ: كَانَ أول مَا انحل من سياسة الْملك فِيمَا شَاهَدْنَاهُ من أَيَّام بني الْعَبَّاس - الْقَضَاء، فَإِن ابْن الْفُرَات (الْوَزير الْمَشْهُور) وضع مِنْهُ وَأدْخل فِيهِ قوما بالزمانات لَا علم لَهُم وَلَا أبوة فيهم، فَمَا مَضَت إِلَّا سنوات حَتَّى ابتدأت تتضع ويتقلدها كل من لَيْسَ لَهَا بِأَهْل، حَتَّى بلغت فِي سنة نيفا وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة إِلَى أَن تقلد وزارة المتقي أَبُو الْعَبَّاس الْأَصْفَهَانِي الْكَاتِب، وَكَانَ فِي غَايَة سُقُوط الْمُرُوءَة والرقاعة إِلَى أَن قَالَ: وتلا سُقُوط الوزارة اتضاع الْخلَافَة وَبلغ أمرهَا إِلَى مَا نشاهد فانحلت دولة بني الْعَبَّاس بانحلال الْقَضَاء، وَكَانَ أول مَا وضع ابْن الْفُرَات من

стр. 101

الْقَضَاء تَقْلِيده إِيَّاه أَبَا أُميَّة الأخوص الْفُلَانِيّ الْبَصْرِيّ أه، وَذكر أَنه إِنَّمَا قَلّدهُ لموعدة وعدها إِيَّاه، إِذْ أَوَى إِلَيْهِ واختفى عِنْده فِي أَيَّام محنته. وَأَقُول أَن ابْن الْفُرَات كَانَ من أقدر الوزراء وأعلمهم بشئون الْملك والسياسة، وَكَانَ حسن السِّيرَة، وَإِنَّمَا جرأه على مثل هَذَا جهل الْخَلِيفَة وانصرافه إِلَى اللَّهْو واللعب، ثمَّ التَّلَذُّذ والإسراف فِي اللَّذَّات، فَإِنَّهُ ولي وَله ثَلَاث عشرَة سنة: قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ: اخْتَلَّ أَمر النظام كثيرا فِي أَيَّام المقتدر بصغره. يَعْنِي أَن الْخلَل قد طَرَأَ قبله من ايام المتَوَكل بن المعتصم، إِذْ كَانَ قد اشْتَدَّ عَبث التّرْك الَّذين استكثر مِنْهُم المعتصم، وجعلهم عدَّة الْخلَافَة وسياجها، فَكَانُوا هم الَّذين دكوا بنيانها وهدموا أَرْكَانهَا. وَالْعلَّة الأولى لهَذَا كُله بِدعَة ولَايَة الْعَهْد الَّتِي استدلوا عَلَيْهَا باستخلاف أبي بكر لعمر ﵁ فجعلتها الْقُوَّة حَقًا لكل خَليفَة وَإِن كَانَ متغلباً لَا يعد من أَئِمَّة الْحق، وَلم يراع مَا رعاه أَبُو بكر من استشارة أهل الْحل وَالْعقد وَقد بَينا بطلَان هَذَا فِي الْمَسْأَلَة التَّاسِعَة من هَذَا الْبَحْث. فَعلم بِهَذَا القَوْل الْوَجِيز أَن التساهل فِي بعض شُرُوط الْخلَافَة الَّتِي عَلَيْهَا مدارها وَهِي الْعلم الاستقلالي وَالْعَدَالَة والشورى بِنصب الإِمَام وَفِي تصرفه، قد كَانَ معلولا للتغلب وَعلة لفقد الاشتراع - الاستنباط - الَّذِي لَا يقوم أَمر الدولة وَلَا يطّرد ارتقاؤها وَلَا حفظهَا بِدُونِهِ، فَكَانَ هَذَا عِلّة لضعف الدولة، وَكَانَ ضعف الدولة عِلّة لضعف الْأمة، إِذْ صَارَت تَابِعَة للدولة لَا متبوعة وَكَانَ فَسَاد أَمرهمَا مَعًا عِلّة لتغيرات كَثِيرَة فِي الْأَحْوَال الاجتماعية وشئون الْمَعيشَة تَقْتَضِي أحكاماً شَرْعِيَّة أُخْرَى غير الَّتِي كَانَ الْأَمر عَلَيْهَا قبلهَا، أَو تعود الْإِمَامَة الْحق إِلَى أَصْلهَا. وَنَحْمَد الله أَن ظهر لأركان الدولة التركية الَّتِي تنحّلُ منصب الْخلَافَة أَن الدولة العثمانية كَانَت فَاسِدَة، وَأَنَّهَا لم تكن بعد دَعْوَة الْخلَافَة خيرا من قبلهَا، بل لم تلبث أَن دب إِلَيْهَا الْخلَل والضعف بالتدريج فِي كل من أُمُور الدّين وَالدُّنْيَا، حَتَّى صَار كثير من نابتتها المتفرنجين يصرحون بِأَن الْإِسْلَام هُوَ الَّذِي جنى عيها، وَأَن حكم الْخلَافَة هُوَ الْفَاسِد الَّذِي لَا يُمكن صَلَاح حَالهَا مَعَه، فتسنى لنا أَن نبين لَهَا وللعالم الإسلامي الَّذِي كَانَ أَكْثَره مفتوناً بهَا أَنَّهَا لم تكن قَائِمَة على أصُول الشَّرِيعَة فِي الْخلَافَة، وَأَن نبين حَقِيقَة الْخلَافَة وشكل الْحُكُومَة الإسلامية الْحق وَخطأ جُمْهُور أَعْضَاء الْمجْلس الوطني

стр. 102

الْكَبِير فِي رَأْيهمْ وعملهم فِيهَا، وَنثْبت بالدلائل أَن أصُول الْحُكُومَة الإسلامية أرقى من أصُول سَائِر حكومات الْأُمَم، بجمعها بَين دفع الْمَفَاسِد وَحفظ الْمصَالح المادية، وَبَين الْحق وَالْعدْل والفضائل الَّتِي يتهذب بهَا الْبشر وتكمل الإنسانية، وَأَن نَدْعُو هَذِه الْأمة التركية الإسلامية إِلَى إِقَامَة حُكُومَة الْإِسْلَام كَمَا أَمر الله وَرَسُوله وخلفاؤه الراشدون خير أمة أخرجت للنَّاس وَلَو كره المتفرنجون ﴿ليَهْلكَ من هلك عَن بَيِّنة، ويحيا من حَيَّ عَن بَيِّنَة وَإِن الله لسميع عليم﴾ مَا بَين الاشتراع وَحَال الْأمة من تبَاين وتوافق: وضع الإسام قَوَاعِد عَامَّة لأنواع الْمُعَامَلَات الدُّنْيَوِيَّة راعي فِيهَا هِدَايَة الدّين وَتَقْيِيد حكومته بِالْتِزَام الْفَضَائِل وَاجْتنَاب الرذائل، فَلم يَجْعَل مَا فوض إِلَى أولى الْأَمر فِيهَا من الاستنباط - الاشتراع - مُطلقًا من كل قيد لِئَلَّا يجنوا على آدَاب الْأمة خطأ فِي الِاجْتِهَاد، أَو اتبَاعا للهوى إِذا غلب عَلَيْهِم الْفساد، فَحرم الرِّبَا الَّذِي كَانَ فاشياً فِي الْجَاهِلِيَّة، لما فِيهِ من الْقَسْوَة وَالْبخل والطمع الَّذِي يحمل على استغلال ضَرُورَة الْمُحْتَاج، كَمَا حرم الْغِشّ والخيانة، وَجعل الْأمة متكافلة بِمَا أوجب من النَّفَقَة على الْقَرِيب، وَالزَّكَاة لإِزَالَة ضَرُورَة الْفَقِير والمسكين، ولغير ذَلِك من الْمصَالح الْعَامَّة، وَجعل لكل امْرَأَة كافلا يقوم بأمرها من زوج أَو قريب، وَإِلَّا فالإمام الْأَعْظَم أَو نَائِبه، لِئَلَّا تضطر إِلَى مَا يشق عَلَيْهَا الْقيام بِهِ من الْكسْب مَعَ قِيَامهَا بوظائفها الْخَاصَّة بهَا من الْحمل والوضع وَالرضَاعَة وتربية الْأَطْفَال، فَيكون اضطرارها إِلَى الْحَيَاة الاستقلالية سَببا لقلَّة النَّسْل ولغير ذَلِك من الْمَفَاسِد. وَقد كَانَ تَأْثِير ضعف الدّين فِي الشعوب الإسلامية وحكوماتها أَن ترك كل مِنْهُمَا مُرَاعَاة مَا يجب عَلَيْهِ من تِلْكَ الْقَوَاعِد والتزام أَحْكَامهَا، فترتب على ذَلِك احْتِيَاج كل مِنْهُمَا إِلَى ارْتِكَاب بعض الْمَحْظُورَات كالربا إِمَّا اضطراراً وَإِمَّا اخْتِيَارا ترجح فِيهِ المصحلة على الْمفْسدَة رجحاناً ظَاهرا. هَذَا الِاحْتِيَاج الَّذِي يدْفع صَاحبه إِلَى ارْتِكَاب الْمحرم إِذا لم يجد لَهُ مخرجا لَا يعرض فِي الْإِقْرَاض كَمَا يعرض فِي الِاقْتِرَاض، فَكَانَ من أَثَره أَن الْمُسلمين

стр. 103

لم يَجدوا من يقرضهم إِلَّا من غَيرهم، إِمَّا من أهل ذمتهم وَإِمَّا من الْأَجَانِب عَنْهُم، كالمعاهدين الَّذين يكونُونَ فِي بعض الأحيان حربيين، وَهَذِه مفْسدَة أُخْرَى هِيَ ذهَاب ثروة الْمُسلمين إِلَى غَيرهم، وناهيك بذهابها إِلَى أعدائهم، وحاجتهم إِلَيْهِم فِي أهم مصالحهم. ثمَّ إِن توسع الْفُقَهَاء فِي مسَائِل الرِّبَا وإدخالهم فِيهَا مَا لم يكن مَعْرُوفا فِي عصر الْوَحْي، وتضييق أَكْثَرهم فِي أَحْكَام الْعُقُود الْمَالِيَّة، واستحداث الْأُمَم الَّتِي يتعاملون مَعهَا لأنواع كَثِيرَة من الْعُقُود والمعاملات، وترقي الْعُلُوم الاقتصادية والأعمال الْمَالِيَّة إِلَى دَرَجَة قَضَت بتفوق متبعي قواعدها ونظمها على غَيرهم فِي الثروة وَالْقُوَّة والسيادة - كل أُولَئِكَ كَانَ دافعا فِي صُدُور الْمُسلمين ورافعاً لغَيرهم عَلَيْهِم حَتَّى فِي دِيَارهمْ، بل هُوَ أظهر الْعِلَل لسلب جلّ ملكهم مِنْهُم، والسيطرة عَلَيْهِم فِيمَا بقى لَهُم شَيْء من السِّيَادَة فِيهِ، ولاعتقاد أَكثر الَّذين يعْرفُونَ أَحْوَال هَذِه الْأُمَم العزيزة فِي علومها وأعمالها ويجهلون أصُول الْإِسْلَام، أَن الْإِسْلَام نَفسه عِلّة ضعف الْمُسلمين بِمَا فِي شَرعه من الجمود على أَحْكَام عتيقة مَالِيَّة واجتماعية توجب فقر ملتزمها وكل مَا يجره الْفقر فِي الْأُمَم من الذل والضعف وفقد الْملك. بدأت بِضَرْب الْمَسْأَلَة الْمَالِيَّة مثلا لما طَرَأَ على كثير من الْبِلَاد الإسلامية من تَأْثِير ترك الْعَمَل بِأَحْكَام الشَّرِيعَة الغراء، إِذْ كَانَ المَال قوام حَيَاة الْأُمَم والدول فِي كل زمَان، وَصَارَ لَهُ من الشَّأْن فِي هَذَا الزَّمَان مَا لم يكن لَهُ من قبل وَلَا سِيمَا عصر النَّبِي [ ﷺ ] الَّذِي كَانَت فِيهِ الْأمة قَليلَة الْحَاجَات، وَغير مرتبطة فِي حَيَاتهَا بمعاملات الْأُمَم الْأُخْرَى، وَلَكِن عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الْعَزِيز الْحَكِيم قد أنزل فِي ذَلِك الْعَصْر قَوْله ﴿وَلَا تُؤتوا السُّفَهَاء أموالَكم الَّتِي جعلَ الله لكم قيَاما﴾ فأرشدنا بِهِ إِلَى مكانة المَال من حَيَاة الْأُمَم ونظام أمرهاوكونها لَا تقوم إِلَّا بِهِ، وحثنا على الْمُحَافظَة عَلَيْهِ، وَعدم تَمْكِين السُّفَهَاء من التَّصَرُّف فِيمَا هُوَ ملك لَهُم مِنْهُ، كَمَا أمرنَا فِي آيَات أُخْرَى بالاقتصاد ونهانا عَن الْإِسْرَاف والتبذير، وذمه كَمَا ذمّ الْقمَار غول الثروة بِمَا أَفَادَ تحريمهما تَحْرِيم الْقمَار بأنواعه فِي الدّين، فَهَل يُمكن أَن يُقَال إِن مُقْتَضى شرع هَذَا الدّين أَن يكون أَهله فُقَرَاء؟ وَأَن يكون مَا بِهِ قيام معاشهم وَعزة أمتهم ودولتهم فِي أَيدي الطامعين فيهم من الْأُمَم الْأُخْرَى؟ وَإِذا كَانَ هَذَا مُخَالفا لهدى هَذَا الدّين فَمَا بَال المشتغلين بِعلم الشَّرْع فِيهِ أَجْهَل أهل بِلَادهمْ بالفنون الْمَالِيَّة،

стр. 104

وَبِمَا يرتبط بهَا من الْأُمُور السياسية، وَلَا يجْعَلُونَ هَذِه الْفُنُون مَا يتدارسونه فِي مدارسهم الدِّينِيَّة؟ السَّبَب لهَذَا أَنه لَيْسَ لَهُم حُكُومَة إسلامية تطلبه مِنْهُم لتَكون أَحْكَامهَا وميزانيتها مُوَافقَة لحكم الشَّرْع. وأضرب لَهُم مثلا آخر مَيْل بعض الْمُسلمين فِي مصر وَالتّرْك إِلَى التعاليم الاشتراكية بل قيامهم بتأليف الْأَحْزَاب لَهَا والدعوة إِلَيْهَا، سَوَاء كَانَ ذَلِك افتناناً بتقليد الفرنجة أَو شعوراً بِمَا يشْعر بِهِ الاشتراكيون فِي أوربة من تَأْثِير أَثَرَة أَرْبَاب الْأَمْوَال على الْعمَّال، وَغَيرهم من أهل الإملاق، لَو كَانَت الشَّرِيعَة الإسلامية نَافِذَة الْأَحْكَام وَهِي الْهِدَايَة الَّتِي يتبعهَا الْخَواص والعوام، لما شعر بِالْحَاجةِ إِلَى التعاليم الاشتراكية أحد من أَهلهَا، بل لرأي الاشتراكيون من الْأُمَم الْأُخْرَى أَنه يجب حل الْمَسْأَلَة الاجتماعية على ضوئها، ولكان ذَلِك سَببا لاهتداء كثير مِنْهُم إِلَى الْإِسْلَام ودعوتهم إِلَيْهِ. وَمَالِي لَا أذكر من الْمثل فِي هَذَا الْمقَام دَعْوَة كثير من النِّسَاء وَالرِّجَال فِي مثل هَذِه الْبِلَاد إِلَى تربية الْمَرْأَة تربية استقلالية تَسَاوِي بهَا الرجل فِي كل شَيْء حَتَّى لَا يكون فِيمَا عَلَيْهَا فِي شَيْء، سبق الْإِسْلَام جَمِيع الْملَل إِلَى الْمُسَاوَاة بَين الرِّجَال وَالنِّسَاء فِي الشئون الزَّوْجِيَّة إِلَّا هَذِه الدرجَة بقوله تَعَالَى: ﴿ولهن مِثلُ الَّذِي عَلَيْهِم بِالْمَعْرُوفِ وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرجة﴾ وَهِي الرياسة الَّتِي بَينهَا فِي قَوْله: ﴿الرِّجَال قَوَّامون على النِّسَاء بِمَا فضّل الله بَعضهم على بعض وَبِمَا أَنْفقُوا من أَمْوَالهم﴾ فَجعل سَببهَا تَفْضِيلهمْ عَلَيْهِنَّ بِالْقُوَّةِ على الْكسْب والحماية والدفاع، وَمَا فرض لَهُنَّ عَلَيْهِم من الْمهْر وَالنَّفقَة. أَفَرَأَيْت لَو أَن أَفْرَاد الْمُسلمين وحكامهم أَقَامُوا هَذِه الشَّرِيعَة فساوى الرِّجَال النِّسَاء بأنفهسم فِي كل شَيْء ماعدا رياسة الْمنزل وَكَذَا الرياسة الْعَامَّة كالإمامة الْعُظْمَى وإمامة الصَّلَاة، وكرموهن كَمَا أوصاهم الرَّسُول [ ﷺ ] أَكَانَت النِّسَاء تشعر بِالْحَاجةِ إِلَى إعداد أَنْفسهنَّ للكسب وَغَيره من أَعمال الرِّجَال الشاقة؟ أم يفضلن أَن يعشن فِي هناء وراحة يتمتعن من كسب الرِّجَال فِي ظلّ كفاتهم وكفالة الشَّرِيعَة الَّتِي تنفذها حكومتهم بِمَا لَا يتمتع بِهِ الرِّجَال أنفسهم؟ فَإِن الْمَرْأَة تَأْكُل من كسب الرجل مَا يَأْكُل وَهِي الْمُدبرَة لأمر مأكله، وَلكنهَا تفضله بِمَا تلبس من الْحلَل وَمَا تتزين بِهِ من الحلى، فَإِن كَانَ ثمَّ غبن فالرجل هُوَ المغبون.

стр. 105

وَجُمْلَة القَوْل فِي هَذَا الْمقَام أَن ترك الْعَمَل وَالْحكم بالشريعة فِي بعض الْمسَائِل يُفْضِي إِلَى ترك بعض آخر مِنْهَا أَو يُفْضِي إِلَى جعله متعذراً إِذْ يصير مفْسدَة بعد أَن كَانَ فِي الأَصْل عين مصلحَة، ثمَّ يُؤثر ذَلِك فِي أفكار الْأمة وأخلاقها وعاداتها، حَتَّى تنْقَلب بتغيير عَظِيم فِي مقوماتها ومشخصاتها، الشَّرّ وَالْخَيْر أَو الْبَاطِل وَالْحق كل مِنْهُمَا يَقُول جنسه وَيُؤَيِّدهُ، وَقد فقدت الْأمة الإسلامية مَا يصونها من ذَلِك التدهور والهوى، وَينصب لَهَا معارج الرقي، ويستنبط لَهَا من الْأَحْكَام فِي كل زمن مَا يَلِيق بِحَالِهَا، مَبْنِيا على قَوَاعِد الشَّرِيعَة الهادية إِلَى كمالها. ذَلِك بِأَن الاستنباط (الاشتراع) الَّذِي أُذن بِهِ لأولي الْأَمر من الْمُسلمين قد فقد بفقد جَمَاعَتهمْ، وَزَوَال الْإِمَامَة الْحق المنفذة لاستنباطهم، كَمَا علم ذَلِك من الْمسَائِل ٣، ٤، ٥، ١٧ من هَذَا الْبَحْث، وَمن بَقِي يشْتَغل بِعلم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الإسلامية فقصارى أَمر جمهورهم مدارسة الْكتب التب ألفت للأزمنة الْمَاضِيَة الَّتِي كَانَت دَار الْإِسْلَام فِيهَا ذَات اسْتِقْلَال ومنعة، وَبَيت مَال غنى كَاف لكفالة المعوزين والغارمين وَغير ذَلِك من النَّفَقَات الشَّرْعِيَّة، فَهَؤُلَاءِ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَن يفتوا بِمَا يخرج عَن قَوَاعِد مصنفي تِلْكَ الْكتب لتِلْك الْأَزْمِنَة ولحكوماتها، الَّتِي كَانَت تلتزم الْعَمَل بهَا، بل قرروا فِيمَا وضعوه من الشُّرُوط للإفتاء أَن يلتزموا فروع كتب مُعينَة لَا يتعدونها، لِأَن تعديها ضرب من الِاجْتِهَاد وَلَو فِي الْمَذْهَب، وَقد قرروا مَنعه كالاجتهاد الْمُطلق. ومنتهى مَا يرجي من توسعتهم على الْحُكُومَة الَّتِي تُرِيدُ الْعَمَل بِأَحْكَام الشَّرِيعَة أَن يستخرجوا لَهَا بعض الْفُرُوع الْمُوَافقَة للْمصْلحَة الْعَامَّة فِي هَذَا الزَّمَان من كتب الْمذَاهب الْمُعْتَمدَة، فَإِن الَّذين حرمُوا عَلَيْهِم الِاجْتِهَاد والاستنباط من أصُول الشَّرِيعَة والاقتباس من مصباحها مُبَاشرَة قد أوجبوا عَلَيْهِم تَقْلِيد مَذَاهِب مُعينَة. كَمَا قَالَ صَاحب جَوْهَرَة التَّوْحِيد: " فَوَاجِب تَقْلِيد حبر مِنْهُم ". يَعْنِي الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين فِي الفقة، فاعتمدوا هَذَا التَّحْرِيم والتحليل مِمَّن لَيْسَ بأَهْله. وَإِنَّمَا أباحوا تَقْلِيد غير الْأَرْبَعَة من الْمُجْتَهدين للْعَالم بذلك فِي خَاصَّة نَفسه. دون الْإِفْتَاء بِهِ لغيره، كَمَا قَالَ بَعضهم: (وَجَائِز تَقْلِيد غير الْأَرْبَعَة ... فِي غير إِفْتَاء وَفِي هَذَا سَعَة)

стр. 106

مِثَال هَذِه التَّوسعَة فِي أصُول الْمُعَامَلَات أَن الْقَاعِدَة عِنْد أَكثر الْفُقَهَاء الْمَشْهُورين أَن الأَصْل فِي الْعُقُود الْبطلَان فَلَا يَصح مِنْهَا إِلَّا مَا دلّ الشَّرْع على صِحَّته، وَذهب آخَرُونَ إِلَى أَن الأَصْل فِيهَا الصِّحَّة إِلَّا مَا دلّ الْكتاب أَو السّنة على بُطْلَانه، لقَوْله تَعَالَى فِي أول سُورَة الْمَائِدَة وَهِي آخر مَا نزل من السُّور ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أَوْفوا بِالْعُقُودِ﴾ والعقود مَا يتعاقد النَّاس عَلَيْهِ، فَهَذَا الْمَذْهَب أقوى دَلِيلا، وأقوم قيلا، وَأهْدى سَبِيلا، بِمَا فِيهِ من التَّوسعَة على النَّاس وَهُوَ الَّذِي رَجحه الْمُحَقِّقُونَ من الْحَنَابِلَة. . ألم تَرَ أَنه لما شَاءَت الحكومتان العثمانية والمصرية أَن تخرجا عَن مَذْهَب الْحَنَفِيَّة فِي بعض أَحْكَام النِّكَاح وَالطَّلَاق وَفسخ النِّكَاح فِي بعض الْأَحْوَال، وتأخذا فِيهَا بِمَا تقرر فِي الْمذَاهب الْأُخْرَى لباهما شُيُوخ الْفِقْه وَوَضَعُوا لَهما قوانين فِي هَذِه الْأَبْوَاب مقتبساً بَعْضهَا من الْمذَاهب الثَّلَاثَة الْأُخْرَى وَلَعَلَّهُمَا لَو شاءتا الْأَخْذ فِي بعض الْأَحْكَام بأقوال غير عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة العترة لما أَبَوا مواتاتهما، فَإِن الجمود على مَذْهَب معِين لم يكن إِلَّا تَحْقِيقا لرغبة الْأُمَرَاء والسلاطين، والاسترزاق من الْأَوْقَاف الَّتِي زمامها بِأَيْدِيهِم، فالذنب فِيهِ مُشْتَرك بَينهم وَبَين الْفُقَهَاء الَّذين رَأَوْا فِيهِ مَنْفَعَة لَهُم. . وَأما الَّذِي لَا يَجْرُؤ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ المتفقهة فَهُوَ الاستنباط من الْكتاب وَالسّنة، وقواعدهما الْعَامَّة ككون الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات، وَكَون مَا حرم لسد الذريعة يُبَاح للْمصْلحَة الراجحة. . وَإِن نَص أئمتهم على هَذِه الْقَوَاعِد لِأَن هَذَا عِنْدهم من الِاجْتِهَاد الْمَمْنُوع. . وَالْحق أَن الْعلم الاستقلالي (الِاجْتِهَاد) لم يَنْقَطِع وَلنْ يَنْقَطِع من هَذِه الْأمة المحمدية، وَإِلَّا لبطلت حجَّة الله على الْخلق بفقد حملتها والدعاة إِلَيْهَا والذابين عَنْهَا، وَلما صَحَّ من خبر الْمَعْصُوم من عدم اجتماعها على ضَلَالَة، وَمن أَنه لَا يزَال فِيهَا طَائِفَة ظَاهِرين على الْحق حَتَّى يَأْتِي أَمر الله، وَلَكِن هَؤُلَاءِ الْعلمَاء المستقلين كَانُوا ينتسبون فِي كل عصر من أعصار غَلَبَة الْجَهْل إِلَى الْمذَاهب الَّتِي نشئوا عَلَيْهَا قبل الِاجْتِهَاد لسببين: (أَحدهمَا) أَنهم لم يَكُونُوا يَجدونَ رزقا يتمكنون بِهِ من الِانْقِطَاع للْعلم إِلَّا من الْأَوْقَاف المحبوسة على المشتغلين بِهَذِهِ الْمذَاهب فيضطرون إِلَى تدريس كتبهَا والتصنيف فِيهَا ليحل لَهُم الْأكل مِمَّا وقف على أَهلهَا (وَثَانِيهمَا) أَن الْمُلُوك والحكام وأعوانهم من المقلدين كَانُوا وَمَا زَالُوا حَربًا للْعلم الاجتهادي الَّذِي يفتضحون بِهِ،

стр. 107

وَيظْهر جهلهم وضلالهم بظهوره، فَإِذا وجدت حُكُومَة إسلامية جرئية كالحكومة التركية الْحَاضِرَة تحيي الْعلم الاجتهادي، فَإِنَّهَا تَجِد مُنْذُ الْآن سداداً من عوز لما تحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَحْكَام وللتعليم فِي الْمدرسَة الاجتهادية الَّتِي اقترحنا إنشاءها فِي الْمَسْأَلَة (رقم ٢٦) على أَن مقلدة الْمذَاهب لَا تكَاد تطلب الْحُكُومَة مِنْهُم شَيْئا إِلَّا ونجد فيهم من يفتيها وَلَو بالتأويل وَالْخُرُوج عَن صَحِيح الْمَذْهَب. إِذن لَا يُمكن خُرُوج الْأمة الإسلامية من جُحر الضَّب الَّذِي دخلت فِيهِ إِلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَوُجُود الْمُجْتَهدين وَمَا يلْزمه من وجود الْإِجْمَاع الأصولي الَّذِي هُوَ إِحْدَى الْحجَج عِنْد الْجُمْهُور، وَإِن شِئْت قلت هُوَ ركن الاشتراع الركين الَّذِي لَا يُمكن أَن ترتقي أمة وَلَا يَنْتَظِم أَمر حُكُومَة بِدُونِهِ كَمَا قُلْنَا فِي صدر هَذِه الْمَسْأَلَة، بل وجود الْإِمَامَة الْحق يتَوَقَّف على هَذَا الِاجْتِهَاد كَمَا علم مماتقدم، وَإِن اجْتِمَاع الْمُجْتَهدين فِي هَذَا الْعَصْر ممهد السَّبِيل موطأ الأكناف لِإِمْكَان الْعلم بهم ودعوتهم إِلَى الِاجْتِمَاع فِي مَكَان وَاحِد أَو عرض الْمسَائِل عَلَيْهِم أَيْنَمَا وجدوا، وَهَذَا لم يكن مُمكنا فِي عصر أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَمن بعدهمْ وَلذَلِك فَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين: إِن الْعلم بِالْإِجْمَاع إِن وجد غير مُمكن. تَأْثِير الْإِمَامَة فِي إصْلَاح الْعَالم الإسلامي: الْعَالم الإسلامي فِي غمَّة من أَمر دينه وَأَحْكَام شَرِيعَته، تتنازعه أهواء حكامه المختلفي الْأَدْيَان والمآرب، وآراء علمائه ومرشديه المختلفي الْمذَاهب والمشارب، ومساورة أعدائه فِي دينه ودنياه، وَلَيْسَ لَهُ مصدر هِدَايَة عَامَّة مُتَّفق عَلَيْهِ فَيرجع إِلَيْهِ فِيمَا عمى عَلَيْهِ، وَكلما ظهر فِيهِ مصلح هَب أهل الْأَهْوَاء المفسدون يصدون عَنهُ، ويطعنون فِي دينه وَعلمه، وَلَا علاج لهَذِهِ الْمَفَاسِد والضلالات إِلَّا إحْيَاء منصب الْإِمَامَة، وَإِقَامَة الإِمَام الْحق المستجمع للشروط الشَّرْعِيَّة، الَّذِي يقوم مَعَ أهل الْحل وَالْعقد بأعباء الْخلَافَة النَّبَوِيَّة، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يذعن كل مُسلم لوُجُوب طَاعَته فِيمَا يصدر عَنهُ من أُمُور الْإِصْلَاح الْعَامَّة بِقدر الِاسْتِطَاعَة، ويرجح إرشاده على إرشاد غَيره فِي الْأُمُور الْخَاصَّة، إِذْ يكون أَجْدَر ببيانها بِالْحجَّةِ الْوَاضِحَة فَإِذا لم تكن الْإِمَامَة كَذَلِك كَانَ حكم الشَّرْع فِيهَا أَنَّهَا سلطة تغلب، وَلَا تجب طَاعَة المتغلب شرعا وَلَو

стр. 108

فِيمَا وَافق الشَّرْع إِلَّا على من هُوَ متغلب عَلَيْهِم، فقد كَانَ السُّلْطَان عبد الحميد يَدعِي الْخلَافَة، وَلما لم يكن مستجمعاً لشروطها وَلَا قَائِما بواجباتها لم يكن مسلمو الأفغان واليمن ونجد وَالْمغْرب الْأَقْصَى يُؤمنُونَ بِصِحَّة خِلَافَته، وَلَا يَعْتَقِدُونَ وجوب طَاعَته، فيجعلوا حكوماتهم تَابِعَة لدولته، بل لم يكن أهل مصر الَّذين كَانُوا تَحت سيادته السياسية معترفين بخلافته، يقبلُونَ أَن يكون لَهُ عَلَيْهِم أَمر وَلَا نهي، وَإِنَّمَا كَانَ اعترافهم أمرا صورياً معنوياً يتوكأون عَلَيْهِ فِي مقاومة السيطرة البريطانية عَلَيْهِم، كَمَا هُوَ شَأْنهمْ وشأن أمثالهم فِي الِاعْتِرَاف بالخلافة الاسمية الحديثة فِي الآستانة على مَا بَيناهُ فِي مَوْضِعه من هَذَا الْبَحْث، وَهَذِه الْخلَافَة الحديثة لَا تبلغ دَرَجَة التغلب، فَإِن الَّذين ابتدعوها لم يجعلوها ذَات أَمر وَلَا نهي فِي حكومتهم. وَأما إِذا نفذ مَا اقترحناه وَبينا طَرِيقه من إِقَامَة الْإِمَامَة الْحق، وَلَو فِي بقْعَة صَغِيرَة من الأَرْض، فَإِن جَمِيع الْعَالم الإسلامي يذعن لَهَا إذعانا نفسياً منشأة العقيدة الدِّينِيَّة وَلَا تَجِد حُكُومَة من الحكومات الإسلامية مجالا لِلطَّعْنِ فِيهَا، وَلَا يكون لأحد من المصطنعين للأجانب سَبِيل لإنكارها، وَحِينَئِذٍ يسْعَى كل شعب إسلامي للاعتصام بهَا فالشعب الَّذِي لَا يَسْتَطِيع أَن يتبع حُكُومَة الإِمَام الْحق لقهر دولة قَوِيَّة لَهُ يجْتَهد ويتحرى أَن يتبع جمَاعَة الْمُسلمين وإمامهم كَمَا أمره الله وَرَسُوله فِيمَا لَا سيطرة لحكومته عَلَيْهِ فِيهِ من نظام التربية الدِّينِيَّة والتعليم الإسلامي وَالْأَحْكَام الشخصية، بل قد تضطر كل حُكُومَة مسيطرة على شعب إسلامي أَو أَكثر أَن تستميله بِقدر مَا ترى فِيهِ من الْوحدَة والرأي الْعَام بموادة خَليفَة نبيه، والسماح لَهُ بِأَن يتلَقَّى الْإِرْشَاد الديني من قبله كَمَا هُوَ شَأْن الكاثوليك مَعَ البابا. وَلَعَلَّ هَذَا بعض مَا يقْصد إِلَيْهِ التّرْك من إِيجَاد خَليفَة روحاني كالبابا والبطاركة عِنْد النَّصَارَى، وَلَكِن الْمَسْأَلَة دينية شَرْعِيَّة يجب فِيهَا الِاتِّبَاع، وَلَا يُمكن أَن تنجح بالمواضعة والابتداع، وَإِن كَانَ يود ذَلِك الكثيرون مِمَّن يقدمُونَ السياسة على الدّين، وَقد جهل هَذَا بعض الَّذين أظهرُوا اسْتِحْسَان عمل التّرْك وتجاهله بعض آخر أَو غفل عَنهُ، وَظن كل مِنْهُم أَن هَذَا كَاف فِي حُصُول مَا يرغبون فِيهِ من نكاية أَعدَاء الْإِسْلَام وغيظهم، وَشد أزر الشّعب التركي ومؤازرته عَلَيْهِم، وَذَلِكَ ظن الْجَاهِلين بشئون الْعَالم وسياسة الدول ودرجة اختبارها كَمَا نبينه فِي الْمَسْأَلَة التالية: لَعَلَّنَا من أدرى النَّاس بِمَا يَتَرَتَّب على إِقَامَة الْإِمَامَة الْحق من الْإِصْلَاح

стр. 109

فِي الْعَالم الإسلامي بمالنا من الاختبار، وَكَثْرَة مَا يرد علينا من الرسائل والمسائل من الأقطار، وَمن أحدثها سُؤال ورد من قطر إسلامي عَن أقل مَا يكون بِهِ الْإِنْسَان الْجَاهِل الأعجمي مُسلما، لِأَن أَهله أَجْهَل وأضل من مُسْلِمِي (بنوك - سيام) الَّذين وصف لنا سوء حَالهم من سَأَلنَا عَن صِحَة إسْلَامهمْ ونشرناه فِي الْمنَار من قبل. وَقد بَقِي عِنْد كل مِنْهُمَا بَقِيَّة مِمَّن يَدعِي الْعلم يحفظون من مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ أحكاما اجتهادية يحتمون على النَّاس الْعَمَل بهَا فِي صَلَاة الْجُمُعَة وَغَيرهَا فَأدى ذَلِك إِلَى ترك صَلَاة الْجُمُعَة فَترك صَلَاة الْجَمَاعَة من بَعضهم، بل إِلَى ترك الصَّلَاة مِمَّن يعسر عَلَيْهِم حفظ الْفَاتِحَة وتجويدها بِإِخْرَاج الْحُرُوف من مخارجها وَتَشْديد المشدد مِنْهَا وَلَا سِيمَا الْيَاء فِي ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ فَإِن تَخْفيف المشدد فِيهَا مُبْطل للصَّلَاة عِنْد الشَّافِعِيَّة. وَمن أحدثها سُؤال بعض أهل الْعلم فِي جاوه عَن حكم مَا جروا عَلَيْهِ بِأَمْر حكامهم الْمُسلمين من إِلْزَام كل من يتَزَوَّج بِأَن يُطلق الْمَرْأَة الَّتِي يعْقد عَلَيْهَا عقب العقد طَلَاقا مُعَلّقا على التَّقْصِير فِي النَّفَقَة عَلَيْهَا، أَو ضربهَا، أَو على الْغَيْبَة عَنْهَا، وَتركهَا بِغَيْر نَفَقَة بِالصّفةِ الَّتِي يرى الْقَارئ بَيَانهَا فِي بَاب الْفَتْوَى من الْمنَار. إِن كثيرا من أهل الْعلم الساعين لإِصْلَاح حَال الْمُسلمين فِي الأقطار الْمُخْتَلفَة يعْملُونَ بِمَا ننشر فِي الْمنَار من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة بالأدلة التفصيلية، ويسألنا بَعضهم عَمَّا يعرض عَلَيْهِ ممالم ير حكمه فِيهِ، ويجد هَؤُلَاءِ وأمثالهم معارضين فِي بعض الْبِلَاد من مقلدة بعض الْمذَاهب لما يُخَالف مَذْهَبهم، وَلَكنهُمْ لَا يعنون بنشر مذاهبهم وَحمل النَّاس عَلَيْهَا، بل يتركونهم فوضى فِي أَمر دينهم لَا يبالون بتركهم للفرائض، وَلَا باقترافهم لكبائر الْمعاصِي وَإِنَّمَا يهتمون بمعارضة بعض الْمسَائِل الَّتِي تخَالف مَذْهَبهم كَصَلَاة الْجُمُعَة بِمَا دون أَرْبَعِينَ رجلا حرا بَالغا مُقيما فِي دَاخل سور الْبَلَد لَا يظعن عَنْهَا، وَإِن أدَّت هَذِه الْمُعَارضَة إِلَى ترك الْجُمُعَة الْبَتَّةَ، فَإِذا صَار للْمُسلمين إِمَام وَجَمَاعَة من أهل الْعلم الاجتهادي وَالْعَدَالَة يستمد مِنْهُمَا دعاة الْإِصْلَاح الْعلم والإرشاد، فَإِنَّهُ لَا يلبث أَن يعم ذَلِك مُسْلِمِي جَمِيع الْبِلَاد. وَقد سبق لنا أَن اقترحنا فِي المجلد الأول من الْمنَار ضروبا من الْإِصْلَاح على مقَام الْخلَافَة الإسلامية الرسمي - وَإِن كَانَت خلَافَة تغلب - لِأَن بِلَادنَا كَانَت خاضعة

стр. 110

لحكمه، ونود أَن يقوم بِالْحَقِّ بِقدر طاقته، فَكَانَ جزاؤنا على مثل هَذَا الاقتراح منع الْمنَار أَن يدْخل الْبِلَاد العثمانية، وإيذاء أهلنا وأصدقائنا فِي الديار السورية. وَلَا غرو فَذَلِك الْخَلِيفَة نَفسه كَانَ جَاهِلا بأصول الدّين وفروعه وَبِمَا يصلح بِهِ حَال الْمُسلمين وَيفْسد، وأعوانه جهلاء وَأَصْحَاب أهواء، فهم لَا يبلغونه أَمْثَال تِلْكَ الاقتراحات وَإِذا ذكروها لَهُ شوهوها، وَجعلُوا حَقّهَا بَاطِلا، وصلاحها فَسَادًا، وَهُوَ يُصدقهُمْ وَلَا يطمئن لخَبر غَيرهم، وفاقد الشئ لَا يُعْطِيهِ. وَجُمْلَة القَوْل أَن الْجَهْل الْغَالِب على أَكثر الْمُسلمين والتعصب المذهبي المفرّق للكلمة بَين المتعلمين للدّين مِنْهُم لَا يُمكن تلافي ضررهما فِي زمن قصير إِلَّا بِإِقَامَة خلَافَة النُّبُوَّة على وَجههَا الَّذِي لَا يسهل على أحد أَن يُمَارِي فِيهِ مراء ظَاهرا، وَيَكْفِي أَن يعْتَقد صِحَّتهَا السوَاد الْأَعْظَم من الْمُسلمين لموافقتها لمذاهبهم وهم المنتمون إِلَى مَذَاهِب أهل السّنة والزيدية من الشِّيعَة والأباضية من بقايا الْخَوَارِج، وَهَؤُلَاء إِذا كَانُوا لَا يشترطون فِي الإِمَام مَا يَشْتَرِطه أهل السّنة والزيدية من النّسَب فهم لَا يشترطون عَدمه، وَمَا لنا لَا نتحرى فِيهِ الْمَذْهَب الَّذِي يسْتَلْزم غَيره كاستلزام مَذْهَب الزيدية لمذاهب السّنة والخوارج استلزام الْأَخَص للأعم والمقيد للمطلق؟ إِن هَذَا لَهو القَوْل الْحق الَّذِي تقوم بِهِ المصحلة الإسلامية الْعَامَّة وَمَا عداهُ مِمَّا يقبله أَتبَاع كل ناعق بباعث السياسة الْحَاضِرَة فَهُوَ غثاء، وسيذهب جفَاء، وَمِنْه يعلم أَن مَا قَرّرته حُكُومَة أنقرة بَاطِل فِي نَفسه، وَلَا يُفِيد الْعَالم الإسلامي أقل فَائِدَة، بل قد كَانَ سَببا مُنْذُ الْآن لشقاق فِي الشّعب التركي الَّذِي يرجح جمهوره الْهِدَايَة الإسلامية، على نظريات القوانين والتقاليد الإفرنجية، فَإِن فِي مجْلِس الجمعية الوطنية حزبا كَبِيرا يرى أَن الْمصلحَة تقضى بِوَضْع الْخَلِيفَة فِي الْموضع الَّذِي وَضعته فِيهِ الشَّرِيعَة، بِأَن يكون هُوَ رَئِيس الْحُكُومَة والمنفذ للْأَحْكَام، نعم إِن حزب الْغَازِي مصطفى كَمَال باشا الْمصر على رفض كل سلطة شخصية فِي الْحُكُومَة التركية الْعليا سَوَاء كَانَت باسم الْخلَافَة أَو غَيرهَا هُوَ صَاحب الغلب فِي الْمجْلس الْحَاضِر وَلَكِن سَبَب ذَلِك تَأْثِير هَذَا الرجل وَحزبه من قواد الْجَيْش فِي الْأَنْفس بِمَا لَهُم من الْمِنَّة فِي إنقاذ الدولة من الْخطر، لَا أَن هَذَا هُوَ رَأْي الْأمة التركية. وَلَو استفتيت الْأمة استفتاء حرا لخالفت هَذَا الحزب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. هَذَا هُوَ الْحق. وَسَيعْلَمُ الْعَالم الإسلامي أننا قد قمنا بِهَذَا الْبَيَان بِمَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ من التواصي
следующие страницы →