← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 96844

المسائل الماردينية

ابن تيمية

Полный текст (252 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المسَائِلُ الماردينيَّةِ [وهي مسائل يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء بها] لشَيخ الإسلام تقي الدين أبي العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية الحرَّاني ﵀ المتوفى ٧٢٨ هـ مضافًا إليها تعليقات الشيخ/ محمد حامد الفقي ﵀ وثق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلَّق عليه خالد بن محمد بن عثمان المصري

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المسَائِلُ الماردينيَّةِ [وهي مسائل يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء بها] لشَيخ الإسلام تقي الدين أبي العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية الحرَّاني ﵀ المتوفى ٧٢٨ هـ مضافًا إليها تعليقات الشيخ/ محمد حامد الفقي ﵀ وثق نصوصه وخرّج أحاديثه وعلَّق عليه خالد بن محمد بن عثمان المصري

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن مُحمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد، قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن مري الحنبلي أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية - في مكتوب له كتبه إلي حنابلة دمشق يعزيهم بالمصاب بالشيخ ويوصيهم بنسخ تآليفه من مسوداته والاحتفاظ بها وبمراجعة الإمام ابن القيم ويبشرهم بالعاقبة الحسنة (ص ١٣، ١٤): "ومن أراد عظيم الأمر التام، ونصيحة الأنام، ونشر علم هذا

стр. 6

الإمام -أي: ابن تيمية- الذى أختطفه من بيننا محتوم الحمام، ويخشى دروس كثير من علومه المتفرقة الفائقة، مع تكرر مرور الليالي والأيام، على جليتها من غير تصرف فيها ولا اختصار، ولو وُجِد فيها كثيرًا من التكرار، ومقابلتها، وتكثير النسخ بها، وإشاعتها، وجمع النظائر والأشباه في مكانِ واحدٍ" إلى آخر مكتوب هذا التلميذ النجيب ﵀، فقلتُ: لعل يكون لي نصيب في العمل بهذه النصيحة الجليلة بالمشاركة -ولو بالقليل- في نشر علم هذا الإمام: شيخ الإسلام ﵀ ونفع بعلمه-. فكان كتابنا هذا هو الطليعة لي، وهو إحدى نفائس شيخ الإسلام وواحد من من فرائده التي نبغ بها وعلا على سائر العلماء، فقد حوى دررًا فقهية وحَّلا لمعضلات يَعجز عنها بعض من وصل إلى مرتبة الاجتهاد، فكيف بالطالب الناشئ؟ وقد جاءت غالب مسائله منثورة خلال مجموع الفتاوى، إلا مسائل قليلة لم توجد في الفتاوى. وقد اعتمدت في توثيق نصوصه على: نسخة خطية حصلت عليها من دار الكتب، ومطبوعة الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ ومجموع الفتاوى، فقمت بمقابلة المخطوطة على المطبوعة والفتاوى، وأثبت الأقرب إلى الصواب من النسخ الثلاث، وأثبت الفروق في الحاشية، وقد رمزت لمجموع الفتاوى بـ: "ف". وأثبت أيضًا تعليقات الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ في الحواشي، وهي تعليقاته الفقهية واللغوية، أما تعليقاته المتعلقة

стр. 7

بتخريج الأحاديث، فلم أثبتها، حيث قمت أنا بهذا العمل، هذا بجانب أن الشيخ ﵀ اكتفى بتخريج مبسط للغاية، لا يؤدي الغرض المطلوب، مع تركه لكثير من الأحاديث بغير تخريج ودون بيان الحكم عليها بالصحة أو الضعف. هذا، وقد أطلت النفس في تخريج بعض الأحاديث، مقتفيًا بذلك أثر شيخنا العلامة محدث العصر: محمد ناصر الدين الألباني ﵀، الذي تعلمنا من كتبه هذا التخريج العلمي الموثق الذي يحتوي على ذكر الطرق والشواهد والمتابعات والعلل، وبيان أحوال الرواة من جرح وتعديل، بطريقة يطمئن بها الباحث أطمئنان نسبي إلى الحكم الذي وصل إليه، مقتديًا بحكم الأئمة السابقين على الحديث، بغير تقليد ولا إحداث. وقمت في نهاية كل فصل -ورد في الفتاوى- بإثبات موضعه من الفتاوى بذكر رقم الجزء والصفحة. وقد جاءت أغلب فصول الكتاب ومسائله في مجموع الفتاوى متناثرة ليست مرتبة على نسق الكتاب هنا، وهناك مسألة أو مسألتان لم يُذكرا في الفتاوى، وسوف يأتي الإشارة إليها. وقمت كذلك بمناقشة المسائل الفقهية الواردة في الكتاب، وتتبع أقوال أهل العلم فيها في كتب المذاهب والمطولات، وفي الغالب يكون حكمي مؤيدًا لما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ وأحيانًا أثبت بعض الفوائد الزوائد مما يزيد المسألة وضوحًا وجلاءً. وكذا أحيانًا إذا كان لشيخ الإسلام كلامًا آخر أكثر تفصيلًا، في

стр. 8

نفس الباب، في كتبه الأخرى، إما أن أنقل موضع الشاهد منه، أو أعزو إليه، وذلك؛ إتمامًا للفائدة. وصلى الله على محمد وآله وسلم وكتب خالد بن محمد بن عثمان القاهرة - حي مصر الجديدة الأحد (٢٢) من ربيع الثاني ١٤٢٤ هـ

стр. 9

ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لقد أعتنى بالترجمة لشيخ الإسلام ﵀ كثير من أهل العلم، وكانت مناقبه ومآثره العلمية موضعًا للبحث والإشادة عبر القرون السابقة منذ وفاته ﵀. ومن الكتب التي أُفرِدت لبيان مناقبه والترجمة لحياته: (١) "العقود الدرية عن مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" للحافظ أبي عبد الله بن عبد الهادي ﵀ (١). (٣) "الرد الوافر" لابن ناصر الدين الدمشقي (٢). (٣) "الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية" للحافظ أبي حفص عمر بن علي البزار ﵀ (٣). (٤) الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية" لمرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (٤). (٥) "رسالة قصيرة في فضل شيخ الإسلام ابن تيمية ومحبته أهل العلم" لعبد الله ابن حامد الشافعي ﵀ (٥). (٦) "القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين الحنبلي" للشيخ

стр. 10

محمد صفي الدين البخاري الحنفي (١). ومن أحدث الأبحاث المتعلقة بهذا الأمر، هي بحوث الندوة العالمية عن "شيخ الإسلام ابن تيمية وأعماله الخالدة" المنعقدة في ١٨/ ٣، و١، ٢/ ٤/ ١٤٠٨ هـ في الجامعة السلفية ببنارس الهند، وقد انتقيت منها بحثين، ألا وهما: البحث الأول: كلمة موجزة لسماحة الشيخ ابن باز ﵀ حول حياة شيخ الإسلام. البحث الثاني: تعريف موجز عن شيخ الإسلام ابن تيمية ودعوته ومآثره العلمية، بقلم الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي. قال سماحة الشيخ العلامة ابن باز -حمه الله- كما في (ص ٤٩ - ٥٢) من بحوث الندوة: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، ﷺ وعلى إله وأصحابه. أما بعد: فقد سرني كثيرًا ما علمت من عزم الأخوة القائمين على

стр. 11

الجامعة السلفية في مدينة بنارس بالهند، على عقد ندوة علمية عن حياة شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية ﵀ وعن مآثره العلمية وجهوده الدعوية وجهاده في سبيل الله ودعوته للأمة الإسلامية إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وقد طلبوا مني -جزاهم الله خيرًا- أن تكون لي مشاركة فيها بمقال عن شيخ الإسلام، ولما كان هذا عملاً جليلًا وخطوة مباركة نحو التعريف بشيخ الإسلام ومؤلفاته؛ ولإظهار فضله وعلمه؛ ولإزالة بعض الشبه التي قد تكون عالقة بأذهان بعض المسلمين حول حياة شيخ الإسلام ودعوته، فقد رأيت أن اشترك مع الأخوة الأفاضل أصحاب البحوث والمقالات في هذه الندوة بكلمة مختصرة؛ لعدم تمكني من البسط في ذلك؛ لكثرة مشاغلي، وأسأل الله أن يوفق القائمين على الندوة لجميع البحوث التي تُقرأ في الندوة واعدادها إعدادًا علميًا ونشرها في كتاب، ينتفع به المسلمون ويعلمون به دعوة شيخ الإسلام ومنهجه وأسلوبه في الدعوة إن شاء الله. فأقول وبالله التوفيق وعليه التكلان في كل صغير وكبير: إن ابن تيمية: هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الدمشقي ﵀. وُلد في مدينة حران يوم الإثنين عاشر ربيع الأول من سنة إحدى وستين وستمائة من الهجرة، وتربى في بيت علم وفضل، فأبوه وجدُه كلاهما من كبار علماء عصره وقد نشأ في تصون وصلاح

стр. 12

وطهارة وتقى، هكذا شهد له كل من اعتنى بتاريخه من معاصريه وتلاميذه. وأخذ العلم من كبار مشايخ عصره. عَني بالتفسير، وبالحديث، وسمع الكتب الستة، و"المسند" للإمام أحمد ومعاجم الطبراني، وما لا يحصى من الكتب والأجزاء. وأخذ الفقه وأصوله عن والده وغيره من المشايخ، وبرع فيهما وأحكم الفرائض ونظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك كله على أهله. ولم يطرق بابًا من أبواب العلم إلا وقد فتحه الله له على مصراعيه. حتى قال فيه أحد معاصريه: قد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد، كان إذا سُئل عن فن من العلم، ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من جميع الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك. ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع منه، ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم من غيرها، إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه، وكان له اليد الطُوْلَى في حسن التصنيف. وقد درس ﵀ جميع المذاهب والآراء في العقدية المنتشرة في عصره فدرس مذهب الأشاعرة ودرس الفلسفة والمنطق وآثارهما السيئة على الإسلام وعقيدته. وكان شديد الحرص على معرفة آراء الصحابة واتجاهاتهم الفقهية. وعلى ضوء هذه الدراسة العميقة للكتاب والسُنَّة وبهذا الحرص الشديد على الوصول إلى الحق وبعقله الكبير تأهل ﵀ لِما لم

стр. 13

يتأهل له الآخرون لا في عصره ولا فيما سبق من العصور القريبة من عصره، وبلغ رتبة المجتهد المطلق حيث توافرت فيه جميع الشروط المطلوبة للاجتهاد. وقد نهج ﵀ المنهج الذي عاد بالإسلام إلى عهد الصحابة في عقائده وأصوله وفروعه، ودافع عن الإسلام الصحيح بكل ما أُوتي من قوة البرهان والحجة، ولم يبالِ في هذا السبيل بأي إنسان، ما دام الدليل معه، وبذلك أزال ما علق بالإسلام من شُبَه وبدع. والتف المسلمون العارفون به حوله واستفادوا منه النور الذي قذف الله في قلبه ونشروه للعالم. كما كثر مخالفوه وأعداؤه ولا غرابة في هذا. فإن الداعي إلى الحق لا بد أن يواجه من يوجد العراقيل في سبيل دعوته من أهل الأهواء والبدع، ولكنه لا يبالي بلومة لائم ولا يخاف الأذى والمشاكل التي تعترض طريقه. وهذا كان ديدن شيخ الإسلام في حياته كلها. فإنه كان ﵀ قويًا في إيمانه، مخلصًا لدعوته، جريئًا في الحق، مواصلًا دعوته، وصابرًا محتسبًا في الله. ما زال يزيح الستار عن الوجه الوضَّاء للإسلام ويدعو إلى الإسلام الصحيح حتى لقي ربه. ومن أجل هذا كله اتفق أئمة ذلك العصر على تسميته بشيخ الإسلام وأثنوا عليه بأنه شيخ الإسلام، وبحر العلوم، وترجمان القرآن، وأوحد المجتهدين ونحو هذه الألفاظ. وقد ساق الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي أقوال كثير من الأئمة في الثناء على شيخ الإسلام في كتابه "الرد الوافر".

стр. 14

وقد ذكر الحافظ ابن رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" ٢/ ٣٩٣ قول ابن الزملكاني -وهو من هو في العلم والفضل والإمامة والرياسة- عن شيخ الإسلام: أنه لم ير من خمسمائة سنة، أو قال أربعمائة سنة - الشك من الناقل- وغلب ظنه أنه قال: من خمسمائة سنة، أحفظ منه. وقال الحافظ الذهبي: ولقد نصر السنة المحضة، والطريقة السلفية، واحتج لها ببراهين ومقدمات وأمور لم يسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون انظر "الرد الوافر" ص/ ٣٤ و"الأعلام العلية" ٢٣ - ٣٠ وقال في مكان آخر: وهو أعظم من أن يصفه كلمي، وينبه على شأوه قلمي، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته: تحتمل أن توضع في مجلدين. فالله تعالى يغفر له، ويسكنه أعلا جنته، فإنه كان رباني الأمة وفريد الزمان وحامل لواء الشريعة وصاحب معضلات المسلمين، رأسًا في العلم، يبالغ في أمر قيامه بالحق والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبالغة ما رأيتها ولا شاهدتها من أحد، ولا لاحظتها من فقيه. انظر "العقود الدرية": ص/ ٣٩ - ٤٠، ولا يخفى أن هذه الكلمة الموجزة لا تكفي أبدًا لبيان ما كان عليه شيخ الإسلام من الدرجة العليا في جميع ميادين العلم وما قام به من الجهاد العلمي؛ لإرساخ دعائم النهضة الدينية في عصره، والدعوة إلى الكتاب والسُنَّة، ونبذ كل ما علق بهذا الدين من أفكار وآراء لا تمتُّ إليه بصلة، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.

стр. 15

وكانت وفاته ﵀ ليلة الإثنين في العشرين من ذي القعدة، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة عن ثمان وستين سنة إلا قليلًا. فرضي الله عنه وأرضاه ورفعه درجاته في المهديين ونفعنا والمسلمين بعلومه إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين". اهـ وقال د. عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي: "وُلد شيخ الإسلام عام ٦٦١ هـ في مدينة حران، وعاش في بيئة عريقة في العلم والدين والتقوى، وكانت الحنابلة بكثرة كاثرة في حران ودمشق بعد سقوط عاصمة الخلافة (بغداد) عام ٦٥٦ هـ إثر غارات التتر، وقد حوت عددًا كبيرًا من أهل العلم في مختلف الفنون، وكانت دُوْرُ العلم منتشرة، كما كانت للحنابلة شوكة بانتشار علمائهم ومدارسهم. وأما من الناحية العقائدية فكان المذهب الأشعري -المرفوض لدى الإمام الأشعري نفسه- هو المذهب السائد في البلدان الإسلامية لدعم الأمراء والسلاطين لهذا المذهب من عصر السلطان صلاح الدين الأيوبي إلى عصور المماليك. وكانت الحنابلة على مذهب الإمام أحمد في الأصول والفروع، وكانت بينهم وبين الأشاعرة مناظرات ومناقشات، وكانت البدع والخرافات منتشرة في صفوف المسلمين مع رواج الفلسفة، والكلام، والمنطق، والتصوف، والشعوذة والرفض والباطنية في أمة الإسلام كما كان عصره يموج بالاضطراب السياسي، والمنازعات

стр. 16

الحربية، ومن جهة أخرى كان أمراء الدول والسلاطين يعتمدون على المشايخ والقضاة في شئون الدولة الدينية لما لأهل العلم من تأثير على قلوب جماهير المسلمين وعقولهم. وكان عصره شبيهًا بعصرنا هذا، مليئًا بالاضطرابات الفكرية، والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية فتأثر بها، وأثر فيها بمشاركته الفعالة؛ لإصلاح شئون الإسلام والمسلمين. وقد نفع الله بجهوده المخلصة الأمة الإسلامية من عصره إلى يومنا هذا بما لا ينكره إلا مكابر أو جاهل، ودعوته السلفية في نمو وازدهار ورقي يومًا بعد يوم، على رغم أنوف الحاقدين والحاسدين. وصدّق الله قول القائل: كل صاحب بدعة، ومن ينتصر له، لو ظهروا لا بد من خمودهم، وتلاشي أمرهم، وهذا الشيخ تقي الدين ابن تيمية، كلما تقدمت أيامه تظهر كرامته، ويكثر محبوه وأصحابه. وقال الحافظ ابن حجر: شهرة إمامة الشيخ تقي الدين أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام في عصره باقٍ إلى الآن على الألسنة الزكية، ويستمر غدًا كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره، أو تجنب الإنصاف. ركز شيخ الإسلام جهوده من عنفوان شبابه على شرح العقيدة السلفية، وإبراز منهج المحدثين في الأصول والفروع، ودارت؛ لأجله مناظرات عظيمة، ومعارك شديدة بينه وبين معاصريه من علماء الكلام، والفلسفة، والفقه، والتصوف، وفي سبيله سجن واعتقل، وأوذي مرات عديدة، كما توجه شيخ الإسلام إلى إصلاح أحوال

стр. 17

المسلمين السياسية، وقاد مسيرة الجهاد ضد التتر والروافض، وقد اشتهر أمره في هذه المجالات حيث صارت بعض الجوانب الأخرى من جهوده وخدماته مغمورة في خَضَّم هذه الخدمات التي انبهرت بها العقول، وأذعنت لها القلوب. برز شيخ الإسلام في جميع العلوم والفنون، واشتغل بالتعليم والتدريس والتصنيف والوعظ والإرشاد والدعوة والإفتاء وتحرير الفتاوى. وقد التزم في كتاباته وفتاواه منهج المحدثين النقدي، واعتنى باستخدام النصوص الصحيحة في بحوثه وكتاباته، وقد منحه الله الحافظة الواعية التي هي أساس العلم والعمل والتأمل، وحضور البديهة، والاستقلال الفكري، والإخلاص في طلب الحق، والطهارة من أدران الهوى، مع فصاحته، وقدرته البيانية، والشجاعة والصبر، وقوة الاحتمال، وقوة الفراسة والهيبة. وأطبق أهل العلم على الثناء البالغ على شيخ الإسلام، وعلى إمامته في كثير من الجوانب العلمية والإصلاحية، وقد صرح غير واحد منهم أنهم لم يروا مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وقد ذكر الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي ما يقارب تسعين من أهل العلم الذين لقبوه بشيخ الإسلام. وهو من أئمة الإسلام الذين اشتهروا بكثرة التآليف المتنوعة، وتحرير الفتاوى، وقد تميز بين أهل العلم والفن بكثرة استدلاله بالنصوص الشرعية الصحيحة، وآثار السلف الثابتة مع مراعاة قواعد الرواية والدراية، واتباع مناهج الفقهاء المحدثين في

стр. 18

أختيار الأدلة الصحيحة، والتنبيه على صحة الحديث وسقمه. وقد ترك ثروة علمية عظيمة في شرح أصول الإسلام ومقاصده، والرد على أهل الزيغ والإلحاد. وكان سر نجاح دعوته -بعد توفيق الله وتأييده- إخلاصه ومعرفته التامة بالحديث وعلومه وآثار السلف، وبمناهج المحدثين، والاعتماد على فقههم وبصيرتهم، ولعل هذا هو السر في بقاء علومه، ودعوته ومنهجه، على الرغم من المحاولة المستمرة للقضاء على مؤلفاته، ومؤلفات أصحابه، إذ من النادر رواج المؤلفات التي تؤلف في أبواب الردود والمناقشات، وفي المسائل الفقهية المتنوعة، إلا أن مؤلفات شيخ الإسلام كانت مدعمة بالأدلة النقلية والعقلية التي تُلْفِت أنظار أهل العلم، وتحثهم على الاحتفاظ بها، والاستفادة منها على مر الدهور وفي أحلك الظروف. ومما يجب التنويه والإشادة بذكره أن شيخ الإسلام ابن تيمية مع نبوغه في العلوم والفنون، وتفوقه على معاصريه كان أشد الناس مراعاة لآداب الإسلام وأخلاقه القيمة في معاملته معهم، وكان من أدق الناس في نقل أفكار منافسيه، وأحرصهم على الإنصاف مع خصومه في أثناء التأليف والمناظرة، وإعطاء كل ذي حق حقه. وما انتقم من أحد بل عفا عن أعدائه عند المقدرة، وقد حاولوا النيل منه مرارًا بل القضاء على حياته، ولكن حينما تمكن منهم عفا عنهم! وقال: رد أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي" وكان القاضي زين العابدين بن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: "ما

стр. 19

رأينا أتقى من ابن تيمية، ولم نبق ممكنًا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا". ولم يتردد في مجابهة الحكام، والسلاطين، والعلماء، والمشايخ بكلمة الحق، مع زهده عن المناصب الدنيوية. توفي شيخ الإسلام عام ٧٢٨ هـ، وعمر سبع وستون سنة، والمدة الزمنية التي استمر فيها بتأليف الكتب والرسائل، وتحرير الفتاوى تحتوي على أكثر من نصف قرن، وقد تنوعت مؤلفاته إلا أنها تدور حول شرح مذهب السلف الصالح في الأصول والفروع، وفي إثبات أن منهجهم وطريقهم هو أعلم وأحكم وأسلم في جميع أبواب الدين، وأن طريق أهل التأويل والتخييل والرأي من الفلاسفة والمتكلمين والمتفقهة والمتوصفة والروافض والملاحدة والباطنية وغيرهم من أهل الأهواء والبدع طريق باطل ومنهج خاطئ. شخَّص شيخ الإسلام داء المسلمين المفتونين بالمنطق والفلسفة والكلام في أنهم وقعوا في تأويل نصوص الكتاب والسنة متأثرين بالفلسفة والمنطق والكلام والتصوف كما درس أحوال الفرق الضالة والمبتدعة. وهذه المؤلفات والرسائل تربو على ثلاث مائة مجلد، بل هي تبلغ خمس مائة مجلد، وقد صرح الذهبي بأنها تصل إلى ألف مصنف بل أكثر إلا أن المؤلفات التي وصلت إلينا مطبوعة أو مخطوطة، وصل إلينا من أسمائها ما يبلغ (٥٩١) مؤلف. وفيها (١٠٢) كتاب يتعلق بالتفسير وعلومه، و (٤١) كتابًا في الحديث وعلومه، و (١٣٨)

стр. 20

كتاب في الفقه والفتاوى، و (٢٢٨) في أصول الفقه، و (١٢٦) كتاب في العقائد والكلام، و (٧٨) كتابًا في الزهد والسلوك والتصوف والأخلاق. و (١٧) كتابًا في الرد على المنطق والفلسفة و (٧) رسائل وجهها الى بعض الأمراء والسلاطين وإلى بعض وجهاء البلدة ومشايخها ويشتمل (٥٤) كتابًا على علوم متفرقة. وتتلخص جهوده العلمية والإصلاحية في الآتي: أ- قام بشرح منهج السلف الصالح في الأصول والفروع، وأثبت بالبراهين العقلية والنقلية أن منهج السلف هو وحده الذي ينبغي على المسلم أتباعه، وأنه هو أسلم وأدل وأسد منهج لشرح الإسلام، وبين أن داء كل من عارض هذا المنهج الصحيح من أهل الأهواء في فهم الشريعة إما أنهم يستدلون بأدلة عامة، أو بنقل باطل أو بقياس فاسد، وقال: "وكل من اعتقد نفي ما أثبته الرسول ﷺ حصل في نوع من الإلحاد بحسب ذلك، وهؤلاء كثيرون في المتأخرين، قليون في السلف، ومن تدبر كلام كثير من مفسري القرآن، وشارحي الحديث، ومصنفي العقائد النافية والكلام وجد فيه من هذا ما يتبين له به حقيقة الأمر. ولقد أبان شيخ الإسلام نفسه عن منهجه وإكثاره الكلام في الأصول. قال العلامة أبو حفص عمر بن علي البزار المتوفى سنة (٧٤٩) تلميذ شيخ الإسلام: ولقد أكثر ﵁ التصنيف في الأصول فضلًا عن غيره من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك والتمست منه تأليف نص في الفقه

стр. 21

يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء. فقال لي ما معناه: الفروع أمرها قريب، فإذا قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز له العمل بقوله، ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء كالمتفلسفة والباطنية والملاحدة، والقائلين بوحدة الوجود، والدهرية، والقدرية، والنصيرية، والجهمية، والحلولية، والمعطلة، والمجسمة، والمشبهة، والراوندية والكلابية، والسلمية وغيرهم من أهل البدع قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال، وبأن لي أن كثيرًا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المقدسة المحمدية، الظاهرة على كل دين، العلية، وأن جمهورهم أوقع الناس في التشكيك في أصول دينهم. ولهذا قل أن سمعت أو رأيت معرضًا عن الكتاب والسنة، مقبلًا على مقولاتهم إلا وقد تزندق أو صار على غير يقين في دينه أو اعتقاده. فلما رأيت الأمر على ذلك بأن لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حججهم وأضاليلهم أن يبذل جهده؛ ليكشف رذائلهم، وزيف دلائلهم، ذبًا عن الملة الحنيفية، والسنة الصحيحة الجلية. ولا والله ما رأيت فيهم أحدًا ممن صنف في هذا الشأن، وادعى علو المقام، إلا وقد ساعد بمضمون كلامه في هدم قواعد دين الإسلام. وسبب ذلك إعراضه عن الحق الواضح، وعن ما جاءت به الرسل الكرام عن رب العالمين، واتباعه طرق الفلسفة في الاصطلاحات التي سموها بزعمهم حكميات وعقليات، وإنما هي جهالات وضلالات، وكونه التزمها معرضًا عن غيرها أصلًا ورأسًا. فغلبتُ عليه حتى غطت على

стр. 22

عقله السليم فتخبط حتى خبط فيها خبط عشواء، ولم يفرق بين الحق والباطل، وإلا فالله أعظم لطفًا بعباده من أن لا يجعل لهم عقلًا يقبل الحق ويثبته، ويبطل الباطل وينفيه. ولكن عدم التوفيق وغلبة الهوى أوقع من أوقع في الضلال. وقد جعل الله تعالى العقل السليم من الشوائب ميزانًا يزن به العبد الواردات، فيفرق به بين ما هو من قبيل الحق، وما هو من قبيل الباطل. ولم يبعث الله الرسل إلا إلى ذوي العقل، ولم يقع التكليف إلا مع وجوده، فكيف يقال: إنه مخالف لبعض ما جاءت به الرسل الكرام عن الله تعالى؟ هذا باطل قطعًا يشهد له كل عقل سليم، لكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قال الشيخ الإمام قدس الله روحه: فهذا ونحوه هو الذي أوجب أني صرفت جُلَّ همي إلى الأصول، وألزمني أن أوردت مقالاتهم، وأجبت عنها بما أنعم الله تعالى به من الأجوبة العقلية والنقلية (١). ترك شيخ الإسلام منهجًا علميًا رصينًا؛ لفهم كتاب الله العزيز وشرح أحاديث الرسول ﵊، وألف في ذلك رسالته المشهورة المعروفة بمقدمة في أصول التفسير، كما شرح ووضح دقائق مصطلح الحديث، وشرح أحاديث كثيرة في ثنايا مؤلفاته، وفي رسائل مستقلة، وبين مقاصد الشريعة في كتاباته الكثيرة في ضوء

стр. 23

الآثار السلفية. ونبه على أخطاء من أخطأ من أهل الحلم في هذين المجالين. وتكلم على المسائل الفقهية التي يجري فيها الخلاف بين أهل العلم بكل حرية وانطلاقة في العصر الذي كانت مدينة دمشق والقاهرة تزخر بالعلماء والمشايخ في مختلف العلوم والفنون إلا أنهم جمدوا على تقليد المذاهب الفقهية وتعصبوا لها، وأعرضوا عن فقه الصحابة والتابعين وأهل الحديث من المحدثين والفقهاء. ومن المسائل الفقهية التي جرَّت بينه وبين معاصريه معارك كلامية: مسألة التطليقات الثلاثة في مجلس واحد، أو بلفظ واحد، ومسألة الحلف بالطلاق. وقد كتبت مؤلفات وبحوث ورسائل في هذه المسائل إلا أن معارضي شيخ الإسلام في هذه المسائل لم يستطيعوا إلى وقتنا الحاضر أن يقارعوه بالحجة والبرهان، وألجات تحديات المجتمع الإسلامي المعاصرة علماء البلاد الإسلامية إلى الاستفادة من آراء شيخ الإسلام في الأحوال الشخصية، في مسائل النكاح والطلاق والوقف. ألف شيخ الإسلام بعض المختصرات في بيان مذهب السلف مثل "الفتوى الحموية الكبرى"، و"العقيدة الواسطية"، و"الرسالة التدمرية". كما قام بالرد على القائلين بشد الرحال إلى البلدان؛ لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، وناقش مسألة التوسل بالأنبياء والأولياء

стр. 24

والصالحين، وبين المشروع من الممنوع. ورد على كبار فقهاء عصره في هذه المسائل التي فتحت عليه أبواب الصراعات والنزاعات والمشاكل على مصراعيها واستمرت هذه النزاعات إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى. قام بالرد على الفلاسفة، والمتكلمين، وكسر طاغوت المنطق اليوناني الذي دخل وتغلغل في العلوم الإسلامية الشرعية وفي أصول الفقه في أواخر المائة الخامسة، أو أوائل المائة السادسة من كتابات الغزالي (ت ٦٠٦ هـ) الذي ألبسه ثيابًا إسلامية في زعمه، والحقيقة أنه تعلمه من ابن سينا وهو تعلمه من كتب أرسطو. وكان لآرائه النقدية أثر كبير على عقول علماء الغرب إلى قرون متأخرة حيث استفادوا من نقد ابن تيمية مباحث المنطق والفلسفة. كما قام بالرد على أفكار إخوان الصفا، وابن عربي، وابن سبعين، وابن الفارض وغيرهم من المتصوفة الذين أدخلوا في دين الإسلام الإلحاد والزندقة. ورد على أفكار ابن سينا، والرازي وغيرهما من المتكلمين الذين كان لهم تغلغل في المنهج الإسلامي. إن فتنة التشيع والرفض ومفاسد حركات الرفض وآثارها السيئة على أمراء المسلمين وسلاطينهم وحكوماتهم، وعلى جمهور المسلمين علمائهم وعوامَّهم كانت من أهم ما توجه إليه شيخ الإسلام، فقام بالرد على فرق الشيعة والروافض، وكشف أستارهم، وفنذضد آراءهم ومزاعمهم، وفضح كيدهم ضد الإسلام والمسلمين

стр. 25

ودولهم، وكتابه "منهاج السنة في نقض كلام الشيعة القدرية" يعتبر موسوعة علمية عظيمة في الرد على خزعبلات الرفض والتشيع. وإثبات عدالة الصحابة، وتصويب منهج أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. إن قيمة آراء شيح الإسلام تتجلى وتزداد أهميتا في عالمنا المعاصر بما يرى ويشاهد أهل السنة من عداء سافر، ومكيدة خبيثة ضد الإسلام والمسلمين من هذه الطائفة الدخيلة على الإسلام والمسلمين. وهناك مسألة مهمة وخطيرة وهي قداسة شخصية الرسول لدى المسلمين، ونرى بين آونة وأخرجه بعض سفهاء الأحلام من الكفار والمشركين وأهل الكتاب الذين يحاولون النيل من شخصية رسولنا محمد بن عبد الله ﷺ ، ومعظم دراسات المستشرقين على السيرة النبوية تشتمل على المطاعن الموجهة إلى شخصية الرسول، وأصحابه، وزوجاته، كما نلمس هذه الظاهرة في البلاد الشرقية، وقد حدث مثل هذا في عصر شيخ الإسلام، فألف كتابه العظيم "الصارم المسلول على شاتم الرسول" الذي يعتبر أحسن كتاب ألف في موضوعه. إن حركة التنصير التي يسمونها التبشير والتي ظهرت في صورة أقوى عدو للإسلام والمسلمين لا تخفى حقيقتها ولا أضرارها على كل من عرف تاريخها، وخاصة على المسلمين في شبه القارة الهندية، وأن شيخ الإسلام له فضل السبق في الرد على معتقداتهم

стр. 26

والدفاع عن الإسلام وعقيدته ورسوله في كتابه العظيم: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح"، ويعتبر هذا الكتاب موسوعة علمية عظيمة، ومن أحسن المراجع في الرد على النصرانية المحرفة، وفي إثبات دلائل النبوة وبيان المعجزات. ومن الموضوعات المهمة التي تناولها شيخ الإسلام بالبحث والدراسة مسألة السياسة الشرعية، والاقتصاد الإسلامي، ولا شك أن السياسة الشرعية والاقتصاد الإسلامي من الموضوعات التي يحتاج إليها الحكام والسلاطين وأصحاب الثروة في كل زمان ومكان، وقد استفاد علماء. الاقتصاد في البلاد الإسلامية من آراء شيخ الإسلام في ترتيب نظام إسلامي اقتصادي جديد يساير الركب الحضاري المتقدم في عالمنا المعاصر. وهناك جانب مهم من جهود شيخ الإسلام العظيمة لإصلاح المجتمع الإسلامي، وذلك بدراسة حالة الأمة الاجتماعية وتقديم الحلول الإسلامية؛ لتحافظ الأمة على شخصيتها الإسلامية، فإن التأثر والتأثير الحاصلين في المجتمعات يلعب دورًا مهمًا في تاريخ البشرية، ولا يخفى ما لاقى المسلمون من مشاكل اجتماعية بعد اختلاطهم بالأقوام والملل الكافرة إثر امتداد الحكم الإسلامي وسعة رقعة بلاد الإسلام، ولا يخفى أضرار تشبه المسلمين بالكفار والمشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وهذا من الأمور المهمة التي يلمسها كل مثقف ومطلع على أحوال المسلمين الذين فتنوا بحضارات الغرب والشرق، وخضعوا لها، وبدأت آثارها السيئة

стр. 27

تظهر في وقت مبكر في المجتمع الإسلامي الذي صار ضحية هذا الانحلال الخلقي. ومفاسد هذا الاختلاط والتأثير واضحة جدًا في قضايا العقيدة والفكر وفي السياسة والاجتماع وفي شئون الزواج والطلاق، والمأكل والمشرب والأعياد وغير ذلك من مظاهر الاجتماع. ونظرًا إلى أهمية مسألة التشبه وما يرتب عليه من أمور قام شيخ الإسلام بتأليف كتابه العظيم: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" وأثبت بالأدلة القطعية أن التشبه بجميع أنواعه حرام على الأمة الإسلامية في جميع مجالات الحياة ونقح هذه المسألة تنقيحًا علميًا عظيمًا أتى فيه بما لم يأته الأوائل. قاد شيخ الإسلام المعارك العظيمة ضد التتر الذين دمروا البلاد الإسلامية وقتلوا، ونهبوا أممًا لا يحصون، وأعاد بذلك -بفضل الله ومنه وتأييد وتوفيقه- الثقة في نفوس المسلمين، وكتب الله الفوز لعساكر الإسلام تحت قيادة شيخ الإسلام الذي قدم كل غال ورخيص؛ لإعادة مجد الإسلام، ونشر الأمن في بلاد الإسلام. كما كان لجهاد ضد الروافض الشيعة أثر كبير في القضاء على أعداء الإسلام، واستقرار بلاد الإسلام، وأنه موقف مشرف جدًا، ولا يحتاج بيان ما للمجاهد في سبيل الله من أجر جزيل عند الله . وهذه المسائل التي درسها شيخ الإسلام في عصره، وتناولها بعده بالشرح والبيان أصحابه وتلاميذه، كانت موضوع الساعة في جميع العصور والأزمنة والأمكنة ولا تقلُّ أهميتها في عالمنا

стр. 28

المعاصر، بل تزداد أهميتها؛ نظرًا إلى كثرة المسائل والمشاكل التي تواجه العالم الإسلامي. ونحمد الله على أنه قد زالت كثير من العقبات والحواجز التي كان أهل العلم والاجتهاد يواجهونها في سبيل الاستفادة من علوم السلف وخاصة علوم شيخ الإسلام، ويرجع هذا الفضل الى مشايخ الدعوة السلفية في نجد والحجاز ومصر والشام وشبه القارة الهندية، ولابد عنه تنويه جهود ملوك آل سعود وآمرائهم في سبيل نشر مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم من دُوْرِ النشر العلمية من مصر والمملكة العرببة السعودية، ومن منبر الجامعات الإسلامية في المملكة العربية السعودية. ومن جانب آخر كثرت الدراسات حول شيخ الإسلام وأفكاره وعلومه ودعوته من طلبة العلم في المملكة العربية السعودية، ومصر، والهند، وبلاد الشام، والعراق، ومن قِبَل المستشرقين والمستغربين، وساعدت هذه الأمور في إقبال شباب الإسلام على علوم شيخ الإسلام والاستفادة منها. وقد ظهرت آثار هذا الإقبال في حياة الشباب العلمية والدينية للمطلع على أحوالهم في البلاد الإسلامية العربية، كثَّر الله سوادهم. وخلاصة ما سبق أن شيخ الإسلام ابن تيمية من الشخصيات النادرة التي تركت هذه الثروة العلمية العظيمة التي فيها حلول لمشاكل المسلمين في عالمنا المعاصر، وفيها مقنع للباحث أن يفهم الشريعة الإسلامية حسبما فهمه السلف الصالح.

стр. 29

والجدير بالذكر أن معظم المباحث العلمية التي أثارها، ونقحها شيخ الإسلام كانت مرجعًا مهمًا لمعظم الكتابات العلمية من معاصريه إلى يومنا هذا باعتراف كثير من المستفيدين وبتصريح شيخ الإسلام نفسه، ووُجد هناك عدد كبير من محبي علوم شيخ الإسلام الذين انتهجوا منهجه فى نشر السنة والعقيدة من المحدثين والمفسرين والفقهاء والمصلحين. أمثال: ابن قيم الجوزية الذي اشتهر بمحبته لشيخ الإسلام وعلوم، وابن كثير، والذهبي، وابن عبد الهادي، وابن أبي العز الحنفي شارح العقيدة الطحاوية، والسفاريني، والإمام محمد بن عبد الوهاب وأصحابه وتلاميذه وعلماء هذه السلسلة والشوكاني، والأمير اليماني، وولي الله الدهلوي والشاه عبد العزيز الدهلوي، والنواب صديق حسن البوفالي، ورشيد رضا، وأحمد شاكر، ومحب الدين الخطيب، ومحمد حامد الفقي، وجمال الدين القاسمي، والآلوسي، والسيد نذير حسين المحدث الدهلوي، وعلماء الأسرة الغزنوية، وثناء الله الأمرتسري، ومحمد إبراهيم السيالكوتي، ومحمد بشسير السهسواني، والمحدث شمس الحق العظيم آبادي، والمحدث عبد الرحمن المباركفوري، ومحمد حسين البتالوي، وأبي الكلام آزاد، ومحمد عطاء الله حنيف الفوجياني، ومحمد حنيف النَّدوي، والعلامة تقي الدين الهلالي -رحمة الله عليهم أجمعين-، والمحدث محمد ناصر الدين الألباني، والمحدث عبيد الله الرحماني المباركفوري، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -حفظهم الله وتولاهم-، وعامة

стр. 30

علماء أهل الحديث شرقًا وغربًا. هذه قائمة موجزة لمحبي علوم شيخ الإسلام الذين نفع الله بجهودهم، وجهادهم، الدعوة الإسلامية في ربوع العالم. وجميع الدعوات السلفية من عصره إلى يومنا هذا نشأت على منهجه وعلومه ومنهج وعلوم تلاميذه بحيث يصدق قول القائل: إنه لم يبق للمسلمين طريق للوصول إلى مذهب السلف الصالح إلا هذه المدرسة العملاقة التي -بفضل الله ومنه وكرمه- في نمو ورقي وأزدهار يومًا فيومًا. إلا أنه وجدت شِرذمة من الحاقدين على مذهب السلف من معاصريه وبعده إلى يومنا هذا الذين لم يتورعوا عن توجيه التهم والمطاعن، بل التضليل والتكفير، فكم أوذي شيخ الإسلام في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، وكم أوذي أصحابه وأتباعه في القرون المتتابعة. جزى الله شيخ الإسلام أحسن ما يجازي به عباده المخلصين، ورفع درجاته في جنات النعيم على ما قام من خدمات جليلة في مجال الإصلاح والتجديد". اهـ.

стр. 31

تحقيق عنوان الكتاب أشتهر الكتاب باسم: "المسائل الماردينية"، وهو الاسم الذي أثبته الشيخ حامد الفقي ﵀ على نسخته. وجاء عنوان مطبوعة دار الكتب العلمية، كالتالي: "فقه الكتاب والسنة ورفع الحرج عن الأمة". وقد وقع في مقدمة مخطوطة نسخة العلمية، وكذا نسخة الشيخ الفقي التالي: "وتسمى الماردينية؛ لأنها وردت إليه من ماردين"). وجاء في هامش الورقة الأولى من مخطوطة الكتب العلمية تعليقًا على الموضع السابق: قف على قول بعض الكَتَبَة البَطَلَة، وإدخاله ذا الكلام السامج في كلام الشيخ ﵀. اهـ. فقال محقق نسخة العلمية: "ليعلم القارئ أن عنوان الرسالة المطبوع مدخول عليها، وأن اختيارنا هو أقرب لفحوى الرسالة". اهـ. قلت: الاعتراض السابق ذكره -الثابت في هامش مخطوطة العلمية- لا يعني به صاحبه إنكار العنوان، وإنما ينكر إدخال هذه العبارة في وسط كلام شيخ الإسلام على أنها من كلامه، وهو خلطٌ ظاهر. والمتتبع لعناوين الكتب والأجزاء التي كتبها شيخ الإسلام ﵀ يجد كثير منها قد جاء عنونته تبعًا لاسم المكان الذي كُتِب فيه أو لأجله، فمثلًا: "العقيدة الواسطية" سُميت بهذا لأنها كُتِبت لأهل مدينة واسط، وكذا "الفتوى الحموية الكبرى" سُميت بهذا

стр. 32

لورود أسئلة في باب الأسماء والصفات إلى شيخ الإسلام من أهل حماة. وعلى نفس المنوال، فإن كتابنا هذا يدور حول مسائل وردت إلى شيخ الإسلام عن بلدة "ماردين"، فتسميته بـ: "المسائل الماردينية"، هو الأقرب. لكن قد يقول قائل: إن القائل -بورود هذه المسائل من ماردين- هو أحد النساخ، وليس شيخ الإسلام، فما الذي يؤكد قول هذا الناسخ، فلعل شيخ الإسلام لا يعرف شيئًا عن هذه البلدة أصلًا. والجواب: لقد ورد ذكر بلدة ماردين -كما في الفتاوى- في حوالي ثلاثة مواضع: الأول في (١٣/ ٩٢) حيث قال شيخ الإسلام ﵀: "كنت في مصر في قلعتها وجرى مثل هذا إلى كثير من الترك من ناحية المشرق، وقال له ذلك الشخص: أنا ابن تيمية، فلم يشك ذلك الأمير أني أنا هو، وأخبر بذلك ملك ماردين، وأرسل بذلك ملك ماردين إلى ملك مصر رسولًا وكنت في الحبس، فاستعظموا ذلك وأنا لم أخرج من الحبس، ولكن كان هذا جنيًّا يحبنا فيصنع بالترك التتر مثل ما كنت أصنع بهم". اهـ، وفي (٢٨/ ٢٤٠): "سئل ﵀ عن بلد ماردين، هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ "، فأجاب: "الحمد لله، دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها". فهذا يدل على أن شيخ الإسلام كان على صلة بهذه البلدة، وكانت تأتيه أسئلة عنها، فليس بمستبعد أن تأتيه هذه المسائل من

стр. 33

أهلها، ولا ينبغي إهمال التصريح المذكور في بداية المخطوطات المعروفة للكتاب، والتي جاء فيها التصريح بأن هذه المسائل وردت إلى شيخ الإسلام من بلدة ماردين، ولذا فهي سميت بـ "الماردينية". وفي "معجم البلدان" (٥/ ٣٩): "مارِدين -بكسر الراء والدال- كأنه جمع مارد جمع تصحيح، وأرى أنها سميت بذلك لأن مستحدثها لما بلغه قول الزباء: تمرد مارد، وعز الأبلق، ورأى حصانة قلعته وعظمها، قال: هذه مارِدِين كثيرة لا مارد واحد، وإنما جمعه جمع من يعقل؛ لأن المرود في الحقيقة لا يكون من الجمادات، وإنما يكون من الجن والإنس، وهما الثقلان الموصوفان بالعقل والتكليف. وماردين: قلعة مشهورة على قُنَّة (١) جبل الجزيرة مشرفة على دنيسر، ودارا، ونصيبين، وذلك الفضاء الواسع، وقُدَّامُها ربض عظيم فيه أسواق كثيرة وخانات ومدارس وربط وخَانْقَاهَات، ودورهم فيها كالدرج، كل دار فوق الأخرى، وكل درب منها يشرف على ما تحته من الدور، ليس دون سطوحهم مانع، وعندهم عيون قليلة الماء، وجُلَّ شربهم من صهاريج معدة في دورهم، والذي لا شك فيه أنه ليس في الأرض كلها أحسن من قلعتها، ولا أحصن، ولا أحكم"، ثم قال: "وكان فتحها، وفتح سائر الجزيرة في سنة ٩١ وأيام من محرم سنة (٢) للهجرة في أيام عمر بن الخطاب". اهـ، وجاء في "فتوح البلدان" (١/

стр. 34

١٨٠) أن الذي فتح حصن ماردين هو: حبيب بن مسلمة الفهري بأمر من عياض بن غنم، وقد أشار إلى ماردين: ابن جبير في رحلته (ص ١٧١): "هي في صفح جبل في قنة قلعة لها كبيرة هي من قلاع الدنيا الشهيرة". اهـ. ومهما كان، فالعنوان المناسب الذي أراه هو كالتالي: "المسائل الماردينية وهي مسائل يكثر وقوعها ويحصل الابتلاء بها".

стр. 35

وصف النسخ المطبوعة الذي وقفت عليه من نسخ الكتاب المطبوعة، هما ثلاث نسخ: (الأولى): نسخة مكتبة السنة المحمدية، بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀، وقد جاءت في (١٤٣) صفحة من القطع المتوسط. وجاء على غلافها: "المسائل الماردينية، للإمام الرباني، إمام الأئمة، ومفتي الأمة، الصبار الشكور: شيخ الإسلام ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) رحمنا الله وإياه، وغفر لنا وله وللمؤمنين". وهي نسخة جيدة كاملة إلا ما اعتراها من سقط لبعض العبارات، أو الكلمات، أثبتها من نسختي الخطية. وكذا حدث اضطرابات في العبارة في إحدى فقراتها، كما سيأتي -إن شاء الله-، وأيضًا في مواضع قليلة، حدث خطأ في صياغة بعض الكلمات، أو في السياق، مما يحيل المعنى، أو يجعله غير مفهوم. هذا بجانب، الأخطاء الإملائية، وضبط الفقرات. وهذا في ظني كله راجع إلى أمرين: الأول: اختلاف النسخة الخطية -التي اعتمد عليها الشيخ حامد الفقي ﵀ عن نسختي. الثاني: الأخطاء المطبعية العادية.

стр. 36

هذا، وقد رمزت لها بـ: (د). (الثانية) نسخة دار الكتب العلمية (طبعة أولى -١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م)، وهي بتحقيق: فريد أمين الهنداوي. وقد ذكر في المقدمة (ص ٧) أنه قد وقع له مخطوطتان، إحداها نادرة، وقال: "هي التي اعتمدنا عليها". لكن لم يصف من هاتين المخطوطتين. إلا واحدة فقط، فقال في (ص ٢٨): "تقع المخطوطة في ٨٣ صفحة، سنة الكتابة: ١٢٩٦ هـ، وهي من محفوظات المكتب السلفي لتحقيق التراث الإسلامي. الخط: نسخي مقروء، إلا أن بها آثار أرضية قليلة. نوع الحبر: الأسود، والأحمر من العناوين، ورؤوس المسائل. كل صفحة بها (١٧ سطر تقريبًا). وقد بدأت الورقة الأولي بالآتي: "بسم الله الرحمن الرحيم" وهذه جملة مسائل فقهية [ميَّلها] (١) إلى مذهب إمام الأئمة ومحيي السنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ... ". (الثالثة) ذُكرت في المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع (الجزء الأول: ص ٢٩٢)، حيث قال: "المسائل الماردينية: تصحيح، محمد زهير الشاويش، دمشق: المكتب الإسلامي،

стр. 37

١٣٨٤ هـ/١٩٦٤ م، (١٤٦ص").اهـ. وقد أشار إليها أيضًا صاحب نسخة دار الكتب العلمية، وذكر أنها مليئة بالأخطاء. ولم يقع لي من هذه النسخ الثلاث إلا الأولى فقط، أما الثانية فقد رأيتها بمكتبة شيخنا العلامة ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله-، ومن نسخته نقلت البيانات السابقة الخاصة بها، ثم قبل عملي في الكتاب بفترة، رأيتها في إحدى المكتبات تباع، ولم أهتم بشرائها لأمرين. الأول: لم أكن في ذاك الحين ذا همة للعمل في الكتاب، فلم أعتنِ بجمع نسخه، واكتفيت بنسخة الشيخ الفقي ﵀. الثياني: ما اشتُهِر عن دار الكتب العلمية، من وجود كثير من التحريف والسقط في منشوراتها، وكذا من سرقة أعمال الآخرين أحيانًا، وقد اكتشفت في مطبوعة الكتب العلمية لكتاب الشريعة للآجري سقطًا في آخر الكتاب يصل إلى ملزمة أو أكثر، هذا بخلاف التصحيفات العديدة في أسماء الرواة، وكذا أشار إلى مثل هذا العبث أحد طلبة العلم، ولكن في نسخة، "الكامل" لابن عدي، وإلى الله المشتكى.

стр. 38

وصف النسخة الخطية هي النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية العامرة تحت: "فقه حنبلي رقم ١٠" (١)، وقد جاءت في (٨٠) ق. المقاس: ٢٠ × ١٥ سم. عدد الأسطر في الصفحة: ١٥ سطر. الخط: نسخ. اسم الناسخ: عبد السلام المغربي. وجاء في أولها: "كتاب يعرف [بالماردانية] (٢) للشيخ الأجل العابد الورع شيخ السنة تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ونَّور ضريحه، وأعاد علينا وعلى جميع المسلمين من بركاته. آمين يا رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى [إله] (٣)، وصحبه، و [إله]، (٤) أجمعين، والحمد لله رب العالمين، اللهم عطف قلبه علينا وحنته يا ربَّ الأرباب". اهـ. وجاء في آخرها: "وكتبها -أى هذه الجملة، جملة التاريخ- العبد الفقير إلى الله: عبد السلام بن محمد المغربي، وكان الفراغ من نسخه يوم الإثنين في شهر الله ذي [القعدة] (٥) ست وعشرين خلت منه عام ألف

стр. 39

وثلاث مائة وتسع من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأتم التحية. اللهم اغفر لنا ولي: القارئ والسامع. والحمد لله ربِّ العالمين". اهـ. قلت: وهي نسخة مقروءة واضحة الخط إلا أنها وقع فيها سقط كثير، وأخطاء إملائية متعددة. وقد رمزت للمخطوطة بـ: (خ).

стр. 40

مقدمة الشيخ محمد حامد الفقي لطبعته الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى؛ وأشهد أن لا إله إلا الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد، لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ولا تليق الإلهية إلا به سبحانه وتعالى عما يقول ويعتقد الجاهلون الظالمون لأنفسهم، الكافرون بنعم ربهم وآلائه وآياته - علوًا كبيرًا؛ وصلى الله وبارك على محمد عبد الله ورسوله وصفوته من خلقه، الذي عرف الربوبية والعبودية حق المعرفة فأعطى كلًا منها كاملًا، مع اعترافه على نفسه بالعجز والتقصير، وما زال يترقى على درجات كمال هذه المعرفة، حتى اصطفاه الله وأرسله رحمة للعالمين، وهاديًا إلى صراطه المستقيم، ثم ما زال كذلك يزداد سموًا وعلوًّا بما يوحي إليه ربه وينزل به الروح الأمين على قلبه، حتى أكمل الله للناس على يديه الدين وأتم لهم النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا؛ فرفعه ربه إلى الرفيق الأعلى في أعلى عليين؛ فجزاه الله خير ما يجزي نبيًا عن أمته، وأمينًا على أداء أمانته، ورسولًا على تبليغ رسالته؛ وهدانا الله بهدى حكمته، وألزمنا السبيل القويم بما أوحى إليه من الذكر الحكيم وبطيب القول والعمل من سنته؛ وصلى الله عليه وعلى آله أجميعن؛ وجعلنا من آله وحزبه المفلحين. أما بعد، فيقول -عبد الله، وفقير عفوه ورحمته- محمد حامد الفقي:
следующие страницы →