والسلام] (١) هي من هذا الباب.
فإن داود [﵊] (٢) كان قد ضمن الحرث الذي نفشت [فيه] (٣)(٤) غنم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة، وسليمان [﵊] (٥) أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم عن منفعة الحرث (٦).
[بهذا] (٧) أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز -لما كان قد اعتدى
стр. 247
بعض بني أمية على بستان له اقتلعوه- فسألوه: ما يجب في ذلك؟ فقال: "يغرسه كما كان: فقيل له: إن ربيعة وأبا الزناد قالا: يجب القيمة، فتكلم الزهري [فيهما] (١) بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة".
ولا ريب أن ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير، مع اعتبار القيمة فإن القيمة معتبرة في [الموضعين] (٢)، والجنس مختص بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، فمن له غرض في كتاب أو فرس أو بستان، ماذا يصنع بالدراهم؟ فإن قيل: يشتري بها مثله، قيل: الظالم الذي فوته مثله هو أحق بأن يضمن له بمثل ما فوته إياه، ونظير ما أفسده من ماله (٣).
стр. 248
(فصل)
وأما الوقف: فما فضل من ريعه واستغنى عنه فإنه [يصرفه] (١) في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضل [مغل وقفه عن] (٢) مصالحه صرف في مسجد آخر؛ لأن الواقف [له غرضه] (٣) في الجنس، والجنس واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب، ولم ينتفع به أحد، صُرِفَ ريعه في مسجد آخر، فكذلك إذا فَضُل عن مصلحته شيء، فإن هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه، ولا إلى تعطيله، فصرفه في جنس المقصود أولى، وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف.
وقد روى أحمد عن علي رضي الله تعالى عنه: "أنه حض الناس على إعطاء [مكاتب في كتابته] (٤)، ففضل شيء عن حاجته، فصرفه في المكاتبين" (٥)(٦).
стр. 249
(فصل)
وأما إسقاط الدَيْن عن المعسر، فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع، لكن إذا كان له دين على من استحق الزكاة، فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدَيْن، ويكلون ذلك زكاة ذلك الدَيْن؟
فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما:
الجواز؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا قد أخرج من جنس ما يملكه، بخلاف ما إذا كان ما له عينًا وأخرج دينًا، فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، كما قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ولهذا كان على المزكي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدنى منه. فإذا كان له ثمرة أو حنطة جيدة لم يخرج عنها، ما هو دونها (١).
стр. 250
(فصل)
وأما معاملة [التتر] (١):
فيجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل عن مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك، كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.
فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا، فهذا لا يجوز، قال الله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إنه لعن في الخمر عشرة لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها" (٢)، وقد لعن العاصر، وهو إنما
стр. 251
يعصر عنبًا يصير عصيرًا، والعصير يمكن أن يُتَخَذَ خَلَّا وَدِبْسًا وغير ذلك، لكن لما علم قصده من العصير: أنه يتخذه خمرًا، وأعانه على ذلك، لعنه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك.
وإن كان الذي معهم أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم، فتلك لا يجوز اشتراؤها لمن يتملكها، لكن إذا اشتريت على طريق الاستنقاذ؛ لتصرف في مصارفها الشرعية، فتعاد إلى أصحابها إن أمكن، وإلا صرفت في مصالح المسلمين، جاز هذا.
وإذا علم أن في أموالهم شيئًا محرمًا لا تعرف عينه، فهذا لا تحرم معاملتهم فيه، كما إذا علم أن في الأسواق ما هو مغصوب أو مسروق، ولم يعلم عينه، والحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان:
أحدهما: أن يكون مُحَرَّمًا لعينه: كالميتة والأخت من الرضاعة، فهذا إذا اشتبه بما لم يحصر لم يحرم، مثل أن يعلم أن في البلد الفلانية أختًا له من الرضاعة، لا يعلم عينها، أو فيها من يبيع ميتة، لا يعلم عينها فهذا لا يحرم عليه النساء ولا اللحم، وأما إذا اشتبهت أخته بأجنبية أو المَذكَّى بالميت، فإنه يجتنبهما.
والثاني: ما حرم لصفته كالمأخوذ غصبًا، والمقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر، فهذا إذا اختلط أو اشتبه بغيره، لم يحرم
стр. 252
الجميع، بل يميز قدر هذا من [قدر] (١) هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه، [وهذا إلى مستحقه،] (٢) [مثل اللص الذي أخذ أموال الناس فخلطها، أو أخذ (٣) حنطة الناس أو دقيقهم فخلطه، فإنه يقسم بينهم على قدر الحقوق، وإذا علم أن في البلد من هذا شيء لم يعلم عينه، لم يحرم على الناس الشراء من ذلك البلد.
لكن إذا كان أكثر مال الرجل حرامًا، فهل تكره معاملته، أو تحرم؟ على وجهين.
وإن كان الغالب على ماله الحلال، لم تحرم معاملته، لكن قد قيل: إنه [من المشتبهات التي يستحب تركها] (٤).
والله أعلم.
[كمُلت والحمد لله رب العالمين، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين] (٥).
وكان الفراغ من نسخها يوم الجمعة من عشرين خلت من شهر جمادى الأول، سنة أربعين وسبعمائة.