صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا تنكح حتى تستأذن"، وهذا يتناول الأب وغيره، وقد صرح بذلك في الرواية الأخرى الصحيحة، وأن الأب نفسه يستأذنها.
وأيضًا: فإن الأب ليس له أن يتصرف في مالها، فكيف يجوز أن يتصرف في بضعها، مع كراهتها ورشدها؟!
وأيضًا: فإن الصغر سبب للحجر بالنص والإجماع، فتعليل الإجبار به تعليل بعلة ثابتة بالنص والإجماع.
وأما جعل البكارة موجبة للحجر، فهذا مخالف [لأصول] (١) الإسلام فإن الشارع لم يجعل البكارة سببًا للحجر في موضع من المواضع المجمع عليها، فتعليل الحجر بذلك تعليل بوصف لا تأثير له بالشرع.
وأيضًا: فالذين قالوا بالإجبار: اضطربوا فيما إذا عينت كفؤًا، وعَيَّن الأب كفؤًا آخر، هل يؤخذ بتعيينها أو بتعيين الأب؟ على وجهين في مذهب الشافعي وأحمد، فمن جعل العبرة بتعيينها نقض
стр. 212
أصله، ومن جعل العبرة بتعيين الأب، كان في قوله من الفساد والضرر ما لا يخفى.
فإن قيل: قد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها"، وفي رواية: "الثيب أحق بنفسها من وليها" (١)، فلما جعل الثيب أحق بنفسها من وليها دل على أن البكر ليست أحق، وليس ذلك إلا للأب والجد، وهذا عمدة المجبرين وهم تركوا العمل بنص الحديث وظاهره، وتمسكوا بدليل خطابه، ولم يعلموا مراد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
[وذلك أن] (٢) قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها"، يعم كل ولي، وهم يخصونه بالأب والجد.
الثاني: [قوله:] (٣) "والبكر تستأذن"، و [هم] (٤) لا يوجبون استئذانها، بل قالوا: هو مستحب، حتى طرَّد بعضهم قياسه، وقالوا: لما كان مستحبًا اكتفى فيه بالسكوت، وادعى أنه حيث يجب استئذان البكر فلابد من النطق.
وهذا قاله بعض أصحاب الشافعي وأحمد، وهو مخالف
стр. 213
لإجماع المسلمين قبلهم، ولنصوص رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه قد ثبت بالسنة المستفيضة واتفاق الأئمة قبل هؤلاء: أنه إذا زوج البكر أخوها أو عمها، فإنه يستأذنها، وإذنها صماتها.
وأما المفهوم: فالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فرَّق بين البكر والثيب، كما قال في الحديث الآخر: "لا تنكح البكر حتى تستأذن، ولا الثيب حتى تستأمر"، فذكر في هذه لفظ الإذن، وفي هذه لفظ [الأمر] (١)، وجعل إذن هذه: الصمات، كما أن إذن تلك: النطق.
فهذان هما الفرقان اللذان فرَّق بهما النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين البكر والثيب، لم يفرق بينهما في الإجبار وعدم الإجبار، وذلك لأن البكر لما كانت تستحي أن تتكلم في أمر نكاحها لم تخطب إلى نفسها، بل تخطب إلى وليها، ووليها يستأذنها، فتأذن له، لا تأمره ابتداء، بل تأذن له إذا استأذنها، وإذنها صماتها.
وأما الثيب فقد زال عنها حياء [البكر] (٢) فتتكلم بالنكاح، فتخطب إلى نفسها، وتأمر الولي أن يزوجها، فهي آمرة له، وعليه أن يطيعها، فيزوجها من الكفء إذا أمرته بذلك، فالولي مأمور من جهة الثيب، ومستأذن للبكر، فهذا هو الذي دل عليه كلام النبي ﷺ .
وأما تزويجها مع كراهتها للنكاح، فهذا مخالف [للأصول] (٣) و [المعقول] (٤)، والله لم يسوغ لوليها أن يكرهها على بيع أو إجارة إلا بإذنها، ولا على طعام أو شراب أو لباس لا تريده، فكيف يكرهها
стр. 214
على مباضعة ومعاشرة من تكره معاشرته؟! والله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا كان لا يحصل إلا مع بغضها له ونفورها عنه، فأي مودة ورحمة في ذلك؟! (١).
ثم إنه إذا وقع الشقاق بين الزوجين، فقد أمر الله ببعث حكم من أهله وحكم من أهلها، والحكمان كما سماهما الله هما حكمان عند أهل المدينة، وهو أحد القولين للشافعي وأحمد وعند أبي حنيفة.
والقول الآخر: هما وكيلان، والأول أصح؛ لأن الوكيل ليس بحكم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل ولا يختص بحال الشقاق، ولا يحتاج في ذلك إلى نص خاص، ولكن إذا وقع الشقاق، فلابد من ولي يتولى أمرهما؛ لتعذر اختصاص أحدهما بالحكم على الآخر، فأمر الله تعالى أن يجعل أمرهما إلى اثنين من أهلهما، يفعلان ما هو الأصلح، من [جمع أو] (٢) تفريق بعوض، أو بغيره (٣).
стр. 215
وهنا يملك الحكم الواحد مع الآخر: الطلاق بدون إذن الرجل.
ويملك الحكم الآخر مع الأول: [بذل] (١) العوض من مالها، بدون إذنها؛ لكونهما صارا وليين لهما.
وطرد هذا القول: أن الأب يُطلِّق على ابنه الصغير والمجنون، إذا رأى المصلحة، كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وكذلك يخالع عن ابنته، إذا رأى المصلحة لها.
وأبلغ من ذلك: أنه إذا طلقها قبل الدخول فللأب أن يعفو عن نصف الصداق، إذا قيل: هو الذي بيده عقدة النكاح، كما هو قول مالك وأحمد، في إحدى الروايتين عنه، والقرآن يدل على صحة هذا القول، وليس الصداق كسائر مالها، فإنه وجب في الأصل نحلة، وبضعها عاد إليها من غير نقص، وكان إلحاق الطلاق بالفسوخ، فوجب أن لا يتنصف، لكن الشارع جبرها بتنصيف الصداق لما حصل لها من الانكسار به، ولهذا جعل ذلك عوضًا عن المتعة، عن ابن عمر والشافعي وأحمد في إحدى الروايات، فأوجبوا المتعة لكل
стр. 216
مطلقة، إلا لمن طلقت بعد الفرض وقبل الدخول والمسيس، فحسبها ما فرض لها، وأحمد في الرواية الأخرى مع أبي حنيفة وغيره: لا يوجبون المتعة إلا لمن طلقت قبل الفرض والدخول، ويجعلون المتعة عوضًا عن نصف الصداق، ويقولون: كل مطلقة فإنها تأخذ صداقًا إلا هذه.
وأولئك يقولون: الصداق استقر قبل الطلاق بالعقد والدخول، والمتعة سببها الطلاق، فتجب لكل مطلقة، لكن المطلقة بعد الفرض وقبل المسيس متعت بنصف الصداق، فلا تستحق زيادة، وهذا القول أقوى من ذلك القول، فإن الله جعل الطلاق سبب المتعة، فلا يجعل عوضًا عما سببه العقد والدخول.
لكن يقال على هذا: فالقول الثالث أصح -وهو الرواية الأخرى عن أحمد-: أن كل مطلقة لها متعة كما دل عليه ظاهر القرآن وعمومه حيث قال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا﴾ [البقرة: ٢٤١] وأيضًا فأنه قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فأمر بتمتيع المطلقات قبل المسيس، ولم يخص ذلك بمن لم يفرض لها، مع أن غالب النساء يطلقن بعد الفرض.
وأيضًا: فإذا كان سبب المتعة هو الطلاق، وسبب المهر هو العقد، فالمفوضة التي لم يسمَّ لها مهر، يجب لها مهر المثل بالعقد،
стр. 217
ويستقر بالموت على القول الصحيح الذي دل عليه حديث: "بِرْوَع بنت واشق التي تزوجت ومات عنها زوجها قبل أن يفرض لها مهرًا، فقضى لها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأن لها مهر امرأة من نسائها، لا وكس، ولا شطط" (١)، لكن هذه لو طلقت قبل المسيس لم يجب لها نصف المهر بنص القرآن، لكونها لم يشترط لها مهر مسمى، والكسر الذي حصل لها بالطلاق أنجبر بالمتعة، وليس هذا موضع بسط هذه المسائل.
ولكن المقصود: أن الشارع لا يكره المرأة على النكاح إذا لم ترده، بل إذا كرهت الزوج وحصل بينهما شقاق، فإنه يجعل أمرها إلى غير الزوج، ممن ينظر في المصلحة من أهلها، فيخلصها لها من الزوج بدون أمره، فكيف تؤسر معه أبدًا بدون أمرها؟
والمرأة أسيرة مع الزوج، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، وإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (٢).
стр. 218
(فصل)
وأما إذا دفع الدرهم، فقال: أعطني بنصفه فضة، وبنصفه فلوسًا، وكذلك لو قال: أعطني بوزن هذه الدراهم الثقيلة أنصافًا، أو دراهم خفافًا.
فإنه يجوز، سواء كانت مغشوشة أو خالصة، ومن الفقهاء من يكره ذلك، ويجعله من باب مد عجوة لكونه باع فضة ونحاسًا بفضة.
وأصل مسألة مد عجوة: أن يبيع مالًا ربويًّا بجنسه، ومعهما، أو مع أحدهما من غير جنسه، فإن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: المنع منه مطلقًا، كما هو قول الشافعي ورواية عن أحمد.
والثاني: الجواز مطلقًا، كما هو مذهب أبي حنيفة وتذكر رواية عن أحمد.
والثالث: الفرق بين أن يكون المقصود بيع الربوي بجنسه متفاضلًا أو لا يكون، وهذا هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، فإذا باع تمرًا في نواه بنوى، أو بتمر منزوع النوى، أو شاة فيها لبن بشاة فيها لبن، أو بلبن أو نحو ذلك، فإنه يجوز عندهما، بخلاف ما إذا باع ألف درهم بخمسمائة درهم في منديل، فإن هذا لا يجوز.
[فمن كان قصده] (١) بيع الربوي بجنسه متفاضلًا، لم يجز، وإن كان [بيعًا] (٢) غيره مقصود جاز، ومالك ﵀ يقدر ذلك بالثلث.
стр. 219
وهذا إذا باع حنطة فيها شعير يسير بحنطة فيها شعير يسير، فإن ذلك يجوز عند الجمهور.
وكذلك إذا باع الدراهم التي فيها غش بجنسها، فإن الغش غير مقصود، والمقصود بيع الفضة بالفضة، وهما متماثلان.
وكذلك صرف الفلوس بالدراهم المغشوشة، يقول من يكرهه: إنه بَيْعُ فضة ونحاسٍ بنحاس، والصحيح الذي عليه الجمهور: أن هذا كله جائز (١).
стр. 220
(فصل)
وأما بيع الفضة بالفلوس النافقة، هل يشترط فيه الحلول [والتقابض] (١) كصرف الدراهم بالدنانير؟ فيه قولان: هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: لا بد من الحلول [والتقابض] (٢)، فإن هذا من جنس الصرف، فإن الفلوس النافقة تشبه الأثمان، فيكون بيعها بجنس الأثمان صرفًا.
والثاني: لا يشترط الحلول والتقابض، فإن ذلك معتبر في جنس الذهب والفضة، سواء كان ثمنًا أو كان مصاغًا، أو كان مكسورًا، بخلاف الفلوس؛ ولأن الفلوس هي في الأصل من باب العروض، والثمنية عارض لها.
وأيضًا هذا مبنيٌّ على أصل آخر، وهو: أن بيع النحاس بالنحاس متفاضلًا، هل يجوز على قولين معروفين فيه وفي سائر الموزونات، كالحديد بالرصاص بالرصاص، والقطن بالقطن، والكتان بالكتان، والحرير بالحرير.
أحدهما: لا يجوز بيع الجنس بجنسه متفاضلًا وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأحمد في أشهر الروايتين عنه.
والثاني: أن ذلك جائز، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد في الرواية الأخرى عنه، اختارها طائفة من أصحابه.
стр. 221
ومن قال بالتحريم: اختلفوا في المعمول من ذلك، كثياب القطن والكتاب و [الأسطال] (١)، وقدور النحاس وغير ذلك، هل يجري فيه الربا؟ على ثلاثة أقوال.
أصحها: الفرق بين ما يقصد وزنه بعد الصنعة، كثياب الحرير و [الأسطال] (٢)، ونحوهما، وبين ما لا يقصد وزنه، كثياب القطن والكتان والإبر وغيرها.
وعلى هذا، فالفلوس يجري فيها الربا عند من يقول: إن معمول النحاس يجري فيه، ومن اعتبر قصد الوزن لم يجرِ الربا فيها عنده؛ [لأنهم لا يقصدونه] (٣) في العادة، وإنما تُنْفَقُ عددًا، لكن من قال: هي أثمان، فهل يجري الربا فيها من هذه الجهة؟ على وجهين لهم، وكذلك فيها وجهان في وجوب الزكاة فيها، وفي إخراجها من الزكاة وغير ذلك، والوجهان في مذهب أحمد وغيره (٤).
стр. 222
(فصل)
وأما إذا كان [للرجل عند غيره] (١) حقٌّ من عين أو دين، فهل يأخذه أو نظيره بغير إذنه؟ فهذا فيه نوعان.
أحدهما: أن يكون سبب الاستحقاق ظاهرًا لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الولد أن ينفق عليه والده، واستحقاق الضيف الضيافة على من نزل به، فهنا له أن يأخذ بدون إذن من عليه الحق بلا ريب، لما ثبت في الصحيحين: أن هند بنت عتبة بن [ربيعة] (٢) قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح وذو مال، وأنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني وبُنيَّ، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٣)، فأذن لها أن تأخذ نفقتها من ماله بالمعروف بدون إذنه.
وهكذا من علم أنه غصب من ماله غصبًا ظاهرًا يعرفه الناس، [فأخذ عين] (٤) المغصوب أو نظيره من مال الغاصب.
وكذلك لو كان له دَيْن عند [الحاكم،] (٥) وهو يمطله فأخذ من ماله بقدره ونحو ذلك.
стр. 223
والثاني: لا يكون السبب ظاهر الاستحقاق، مثل أن يكون قد جحد دَيْنَه أو جحد الغصب، ولا بينة للمدعي، فهذا فيه قولان: أحدهما: ليس له أن يأخذ، وهو قول مالك وأحمد.
والثانى: له أن يأخذ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة -رحمهما الله تعالى-، فيسوغ عندهما الأخذ من جنس الحق، لأنه استيفاء، ولا يسوغ الأخذ من غير الجنس، لأنه معاوضة، فلا يجوز إلا برضا الغريم.
والمجوزون يقولون: إذا امتنع من أداء الواجبات عليه ثبتت المعاوضة بدون إذنه للحاجة، لكن من منع الأخذ مع عدم ظهور الحق استدل بما في السنن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "أد الأمانة إلى من أئتمنك، ولا تخن من خانك" (١).
وفي المسند عن بشير بن الخصاصية أنه قال: يا رسول الله إن لنا جيرانًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أفناخذه؟ فقال: "لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (١).
وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قيل له: إن أهل الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ قال: "لا" (٢)، رواه أبو. داود وغيره.
стр. 226
فهذه الأحاديث تبين أن [حق] (١) المظلوم في نفس الأمر إذا كان [سببه ليس ظاهرًا] (٢) [و] (٣) أخذه خيانة، لم يكن له ذلك، وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه [لكنه] (٤) خان الذي ائتمنه، فإنه لما سلم إليه ماله فأخذ بعضه بغير إذنه و [لا استحقاق ظاهر] (٥)، كان خائنًا، وإذا قال: أنا مستحق لما أخذته في نفس الأمر، لم يكن ما ادعاه ظاهرًا معلومًا، وصار كما لو تزوج امرأة فأنكرت نكاحه، ولا بينة له، فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة، فإنه ليس له ذلك، ولو قدر أن الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته لبينة أعتقد صدقها، فكانت كاذبة في الباطن، لم يكن له أن يَطأها لما هو الأمر عليه في الباطن.
فإن قيل: لا ريب أن هذا يُمنع منه ظاهرًا، وليس له أن يظهر ذلك أمام الناس؛ لأنهم مأمورون بإنكار ذلك؛ لأنه حرام في الظاهر، لكن الإنسان إذا كان يعلم ذلك سرًّا فيما بينه وبين الله تعالى، قيل: فعل ذلك سرًّا يقتضي مفاسد كثيرة، [منهيٌّ] (٦) عنها، فإن [فعل] (٧) ذلك في مظنة الظهور والشهرة، وأن يتشبه به من ليس
стр. 227
حاله كحاله في الباطن، وقد يظن الإنسان خفاء ذلك، فيظهر، فيورث مفاسد كثيرة - ويفتح أيضًا باب التأويل.
وصار هذا كالمظلوم الذي لا يمكنه الانتصار إلا بالظلم، كالمقتص الذي لا يمكنه الاقتصاص إلا بعدوان، فإنه لا يجوز له الاقتصاص، وذلك أن نفس الخيانة محرمة الجنس، فلا يجوز استيفاء الحق بها، كما لو جرعه خمرًا، أو تلوط به أو شهد عليه بالزور، لم يكن له أن يفعل به ذلك، فإن هذا محرم الجنس، والخيانة من جنس الكذب.
فإن قيل: هذا ليس بخيانة بل هو استيفاء حق والنبي ﷺ نهى عن خيانة من خان، وهو أن تأخذ من ماله ما لا تستحق نظيره.
قيل: هذا ضعيف؛ لوجوه:
أحدها: أن الحديث فيه: أن قومًا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون؟ فقال: "لا، أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وكذلك قوله في حديث الزكاة: أفنكتم من أموالنا وبقدر ما يأخذون منا؟ فقال: "لا".
الثاني: أنه قال: "ولا تخن من خانك"، ولو أراد بالخيانة: الأخذ على طريق المقابلة لم يكن فرق بين من خانه ومن لم يخنه، وتحريم مثل هذا ظاهر، لا يحتاج إلى بيان ولا سؤال، وهو قوله: "ولا تخن من خانك"، فعلم منه أنه أراد: أنك لا تقابله على خيانته فتفعل به مثل ما فعل بك، فإذا أودع الرجل الرجل مالًا فخانه في بعضه، ثم أودع الأول نظيره ففعل به مثل ما فعل، فهذا هو المراد
стр. 228
بقوله: "ولا تخن من خانك".
الثالث: أن كون هذه خيانة لا ريب فيه، وإنما الشأن في جوازه على وجه القصاص، فإن الأمور منها: ما يباح فيه القصاص كالفواحش والكذب ونحو ذلك، قال الله تعالى في الأول ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فأباح العقوبة والاعتداء بالمثل، فلما قال هنا: "ولا تخن من خانك" عُلِم أن هذا مما لا يُباح فيه العقوبة بالمثل (١).
стр. 229
(فصل)
وأما دفع الزكاة، [فإذا كان القريب الذي لا يجوز] (١) دفعها إليه: [حاجته] (٢) مثل حاجة الأجنبي إليها، فالقريب أولى، وإن كان البعيد أحوج لم يحاب بها القريب، قال أحمد عن سفيان بن عيينة: كانوا يقولون لا يحابي بها قريبًا، ولا يدفع بها مذمة، ولا يقي بها ماله (٣).
стр. 230
(فصل)
والذين يأخذون الزكاة صنفان: صنف [يأخذها] (١)؛ لحاجته، كالفقير والغارم لمصلحة نفسه، وصنف يأخذها؛ لحاجة المسلمين، كالمجاهد والغارم في إصلاح ذات البين، فهؤلاء يجوز دفعها إليهم، وإن كانوا من أقاربه.
وأما دفعها إلى الوالدين إذا كانا غارمين أو مكاتبين ففيها وجهان والأظهر: جواز ذلك.
وأما إن كانوا فقراء، وهو عاجز عن نفقتهم، فالأقوى: جواز دفعها إليهم في هذه الحالة؛ لأن المقتضى موجود والمانع مفقود.
فوجب العمل بالمقتضى السالم عن المعارض المقاوم (٢).
стр. 231
(فصل)
وأما إذا باع سلعة إلى أجل واشتراها من المشتري بأقل من ذلك حالًا، فهذه المسألة تسمى مسألة العينة، وهي غير جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم، وهو المأثور عن الصحابة كعائشة وابن عباس وأنس بن مالك، فإن ابن عباس سُئل عن حَريرَة بِيعَت إلى أجل ثم اشتُرِيتَ بأقل، فقال: "دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة" (١).
وأبلغ من ذلك: أن ابن عباس قال: "إذ [استقمت بنقد] (٢) ثم بعت بنقد، فلا بأس، وإذا [استقمت بنقد] (٣)، بعت بنسيئة، فتلك دراهم بدراهم" (٤)، فبيَّن أنه إذا قوم السلعة بدراهم ثم باعها إلى أجل، فيكون مقصوده دراهم بدراهم، والأعمال بالنيات، وهذه تسمى التورق فإن المشتري تارة يشترى السلعة لينتفع بها؛ وتارة يشتريها؛ ليتجر فيها، فهذان جائزان باتفاق المسلمين، وتارة لا يكون مقصوده إلا أخذ دراهم، فينظر كم تساوى نقدًا فيشتريها إلى أجل ثم يبيعها في السوق نقدًا، فمقصوده الورق، وهذا مكروه في أظهر [قولي] (٥) العلماء، كما نقل ذلك عن عمر بن عبد العزيز، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
стр. 232
وأما عائشة فإنها قالت لأم ولد زيد بن أرقم لما قالت لها: "إني ابتعت من زيد بن أرقم غلامًا إلى العطاء بثمانمائة وبعته منه بستمائة"، فقالت لها عائشة: "بئسما شريت وبئسما اشتريت، أخبري زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، إلا أن يتوب"، قالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالى؟، فقالت لها عائشة ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ٢٧٥].
وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" (٢)، وهذان
[تواطآ] (١) على أن [من] (٢) يبيع ثم يبتاع فله الأوكس، وهو الثمن الأقل أو الربا.
وأصل هذا الباب: أن الأعمال بالنيات، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" (٣)، فإن كان قد نوى ما أحله الله فلا بأس، وإن نوى ما حرم الله وتوسل إليه بحيلة، فإنما له ما نوى، والشرط بين الناس ما عدوه شرطًا، كما أن البيع بينهم على الصحيح ما عدوه بيعًا، والإجارة بينهم ما عدوها إجارة، وكذلك النكاح بينهم على الصحيح ما عدوه نكاحًا.
فإن الله تعالى ذكر البيع والنكاح وغيرهما في كتابه، ولم يرد لذلك حد في الشرع، ولا حد في اللغة.
والأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع: كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وتارة باللغة: كالشمس والقمر والبر والبحر، وتارة بالعرف: كالقبض والتفرق.
وكذلك العقود: كالبيع والإجارة والنكاح والهبة وغير ذلك، فإذا تواطأ الناس على شرط وتعاقدوا عليه، فهذا شرط عند أهل العرف والله أعلم.
[واستدل على مثل ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وأنه داخل في عمومه، وبقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم" (٤)، ولهذا كان شرط
стр. 236
مذهبه جواز تأجيل القرض ولزومه وفاقًا لمالك، لكنه يمنع الحط إذا أراد صاحب القرض أن يتعجله قبل حلوله؛ ولأن مذهبه في غير هذه المسألة جواز الحط من الدين المؤجل، إذا أراد صاحب الدين أن يتعجله؛ استدلالًا بقضية بني النضير، لما عزموا على الجلاء، وإذا بينهم وبين الصحابة ديون لم تحل آجالها، فرفعوا ذلك لرسول الله ﷺ فقال لهم: "حطوا وتعجلوا" (١)، ففعلوا ذلك على عهده.
وهذه المسألة فيها خلاف بين السلف والخلف، كما هو (٢) مبسوط في موضعه. فهذا شرط عند أهل العرف. والله أعلم.]
стр. 237
(فصل)
وأما تعجيل الزكاة قبل وجوبها بعد سبب الوجوب: فيجوز عند جمهور العلماء كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، فيجوز تعجيل زكاة الماشية والنقدين، وعروض التجارة، إذا ملك النصاب، ويجوز تعجيل المُعشرات قبل وجوبها، إذا كان قد طلع الثمر قبل بدو صلاحه، ونبت الزرع قبل اشتداد حبه، فأما إذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمرة فقد وجبت الزكاة [والكفارة ونحو ذلك] (١).
стр. 238
(فصل)
وأما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك: فالمعروف من مذهب مالك والشافعي: أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد ﵀ قد منع القيمة في مواضع، وجوَّزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين.
والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه، ولهذا قدَّر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الحيوان بشاتين، أو عشرين درهمًا، ولم يعدل إلى القيمة؛ ولأنه متى جوَّز إخراج القيمة مطلقًا، فقد يعدل المالك إلى أنواع رديئة، وقد يقع في التقويم ضرر؛ ولأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا معتبر في قدر المال وجنسه.
وأما إخراج القيمة للحاجة والمصلحة أو القدر، فلا بأس به، مثل أن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم، فهنا إخراج عشر الدراهم يجزيه، ولا يكلف أن يشترى ثمرًا أو حنطة، إذا كان قد ساوى الفقراء بنفسه، وقد نصَّ أحمد على جواز ذلك، ومثل أن يجب عليه شاة في خمس من الإبل، وليس عنده من يبيعه شاة، فإخراج القيمة هنا كافٍ، ولا يكلف السفر إلى مدينة أخرى؛ ليشتري شاة.
ومثل: أن يكون المستحقون للزكاة طلبوا منه إعطاء القيمة؛ لكونها أنفع، فيعطيهم إياها، أو يرى الساعي أن أخذها أنفع للفقراء.
كما نقل عن معاذ بن جبل أنه كان يقول لأهل اليمن: "ائتوني
стр. 239
بخميس أو لبيس آخذه منكم في الصدقة، أسهل عليكم وخير لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار" (١)، وهذا قد قيل: إنه قاله في الزكاة، وقيل: في الجزية (٢).
стр. 240
(فصل)
وأما إبدال المنذور والموقوف بخير منه، كما في إبدال الهدي.
فهذا نوعان: أحدهما: أن يكون الابدال للحاجة، مثل أن يتعطل، فيُباع وُيشترى بثمنه ما يقوم مقامه، كالفرس الحبيس للغزو، إذا لم يمكن الانتفاع به في الغزو، فإنه يُباع ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه، والمسجد إذا تخرب، فتنقل آلته إلى مكان آخر، أو يباع وُيشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وإذا خرب ولم يمكن عمارته فتباع العرصة، ويشترى بثمنها ما يقوم مقامها: فهذا كله جائز.
فإن الأصل إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه.
والثانى: الإبدال؛ لمصلحة راجحة، مثل أن يبدل الهدي بخير منه، ومثل المسجد إذا بني بدله مسجدًا آخر أصلح لأهل البلد منه [وبيع الأول] (١)، فهذا ونحوه جائز عند أحمد وغيره من العلماء.
واحتج أحمد بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نقل مسجد الكوفة القديم إلى مكان آخر، وصار الأول سوقًا للتمَّارين، فهذا إبدال لعرصة (٢) المسجد.
وأما إبدال بنائه ببناء آخر، فإن عمر وعثمان بنيا مسجد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على غير بنائه الأول، وزادوا فيه،
стр. 241
وكذلك المسجد الحرام.
وقد ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لعائشة: "لولا قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين: بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرج منه الناس" (١)، فلولا المعارض الراجح لكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غيَّر بناء الكعبة، فيجوز تغيير بناء الوقف من صورة إلى صورة؛ لأجل المصلحة الراجحة.
أما إبدال العرصة بعرصة أخرى: فهذا قد نص أحمد وغيره على جوازه، اتباعًا لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حيث فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه واشتهرت القضية، ولم ينكر.
وأما إذا كان المغل قليلًا، فيبدل بخير منه، مثل أن يقف دارًا أو حانوتًا أو بستانًا، أو قرية مغلها قليل، فيبدلها بما هو أنفع الموقف.
فقد أجاز ذلك أبو ثور وغيره من العلماء، مثل أبي عبيد [بن حربويه] (٢) قاضي مصر، وحكم بذلك، وهو قياس قول أحمد في تبديل المسجد من عرصة إلى عرصة؛ للمصلحة، بل إذا جاز أن يبدل المسجد بما ليس بمسجد للمصلحة، بحيث يصير المسجد سوقًا، فلأن يجوز إبدال [المستغل بمستغل] (٣) آخر أولى وأحرى، وهو قياس قوله في إبدال الهدى بخير منه، وقد نص على أن المسجد
стр. 242
اللاصق بالأرض إذا رفعوه وبنوا تحته سقاية، واختار ذلك الجيران: فُعِل ذلك (١).
لكن من أصحابه من منع إبدال المسجد والهدي والأرض الموقوفة، وهو قول الشافعي وغيره، لكن النصوص والآثار والقياس تقتضي جواز الإبدال؛ للمصلحة، والله أعلم (٢).
стр. 243
(فصل)
وأما القصاص في اللطمة والضربة ونحو ذلك:
فمذهب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين أن القصاص ثابت في ذلك، وهو المنصوص عن أحمد في رواية إسمعيل بن سعيد الشالنجي، وذهب كثير من الفقهاء إلى أنه لا يشرع في ذلك قصاص؛ لأن المساواة فيه متعذرة في الغالب، وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
والأول: أصح، فإن سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مضت بالقصاص في ذلك، وكذلك سنة خلفائه الراشدين، وقد قال الله : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقد قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ونحو ذلك.
وأما قول القائل: إن المماثلة في ذلك متعذرة، فيقال له: لا بد لهذه الجناية من عقوبة، إما قصاص وإما تعزير، فإذا جُوِّزَ أن يُعَزَّر تعزيرًا غير مضبوط الجنس والقدر، فلأن يعاقب بما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى، والعدل في القصاص معتبر بحسب الإمكان.
ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب ضربة مثل ضربته أو قريب منها، كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط.
فالذي يمنع القصاص في ذلك خوفًا من الظلم: يبيح ما هو
стр. 244
أعظم ظلمًا مما فرَّ منه، فُعلِم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل، وكذلك له أن يسبه كما سبه، مثل أن يلعنه كما لعنه، أو يقول: قبحك الله، فيقول له: قبحك الله، أو أخزاك الله، فيقول له: أخزاك الله، أو يقول: يا كلب يا خنزير. فيقول له: يا كلب يا خنزير (١).
فأما إذا كان محرم الجنس مثل تكفيره والكذب عليه، فليس له أن يكفره، ولا يكذب عليه، وإذا لعن أباه لم يكن له أن يلعن أباه؛ لأن أباه لم يظلمه (٢).
стр. 245
(فصل)
وأما القصاص في إتلاف الأموال، مثل أن يخرق ثوبه المماثل له، أو يهدم داره، فيهدم داره ونحو ذلك.
فهذا فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد:
أحدهما: أن ذلك غير مشروع. لأنه إفساد؛ ولأن العقار والثياب غير متماثلة.
الثاني: أن ذلك مشروع؛ لأن الأنفس والأطراف أعظم [قدرًا] (١) من الأموال، وإن جاز إتلافها على سبيل القصاص؛ لأجل استيفاء المظلوم فالأموال أولى، ولهذا يجوز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا، بقطع الشجر المثمر، وإن قيل: بالمنع من ذلك لغير حاجة.
[وأما التماثل] (٢)، فهذا فيه نزاع، فإنه إذا أتلف لنا ثيابًا أو حيوانًا أو عقارًا ونحو ذلك، هل يضمنه بالقيمة، أو يضمنه بجنسه مع القيمة؟ على قولين معروفين للعلماء، وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد، فإن الشافعي قد نص على أنه إذا هدم داره بناها كما كانت، فضمنه بالمثل، وقد روي عنه في الحيوان نحو ذلك، وكذلك أحمد يضمن أولاد المغرور [بجنسهم] (٣)، في المشهور عنه، وإذا اقترض حيوانًا رد مثله في المنصوص، وقصة داود وسليمان [عليهما الصلاة
стр. 246
والسلام] (١) هي من هذا الباب.
فإن داود [﵊] (٢) كان قد ضمن الحرث الذي نفشت [فيه] (٣)(٤) غنم القوم بالقيمة، وأعطاهم الماشية مكان القيمة، وسليمان [﵊] (٥) أمرهم أن يعمروا الحرث حتى يعود كما كان وينتفعوا بالماشية بدل ما فاتهم عن منفعة الحرث (٦).
[بهذا] (٧) أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز -لما كان قد اعتدى
стр. 247
بعض بني أمية على بستان له اقتلعوه- فسألوه: ما يجب في ذلك؟ فقال: "يغرسه كما كان: فقيل له: إن ربيعة وأبا الزناد قالا: يجب القيمة، فتكلم الزهري [فيهما] (١) بكلام مضمونه: أنهما خالفا السنة".
ولا ريب أن ضمان المال بجنسه مع اعتبار القيمة أقرب إلى العدل من ضمانه بغير جنسه، وهو الدراهم والدنانير، مع اعتبار القيمة فإن القيمة معتبرة في [الموضعين] (٢)، والجنس مختص بأحدهما، ولا ريب أن الأغراض متعلقة بالجنس، فمن له غرض في كتاب أو فرس أو بستان، ماذا يصنع بالدراهم؟ فإن قيل: يشتري بها مثله، قيل: الظالم الذي فوته مثله هو أحق بأن يضمن له بمثل ما فوته إياه، ونظير ما أفسده من ماله (٣).
стр. 248
(فصل)
وأما الوقف: فما فضل من ريعه واستغنى عنه فإنه [يصرفه] (١) في نظير تلك الجهة، كالمسجد إذا فضل [مغل وقفه عن] (٢) مصالحه صرف في مسجد آخر؛ لأن الواقف [له غرضه] (٣) في الجنس، والجنس واحد، فلو قدر أن المسجد الأول خرب، ولم ينتفع به أحد، صُرِفَ ريعه في مسجد آخر، فكذلك إذا فَضُل عن مصلحته شيء، فإن هذا الفاضل لا سبيل إلى صرفه إليه، ولا إلى تعطيله، فصرفه في جنس المقصود أولى، وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف.
وقد روى أحمد عن علي رضي الله تعالى عنه: "أنه حض الناس على إعطاء [مكاتب في كتابته] (٤)، ففضل شيء عن حاجته، فصرفه في المكاتبين" (٥)(٦).
стр. 249
(فصل)
وأما إسقاط الدَيْن عن المعسر، فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع، لكن إذا كان له دين على من استحق الزكاة، فهل يجوز أن يسقط عنه قدر زكاة ذلك الدَيْن، ويكلون ذلك زكاة ذلك الدَيْن؟
فهذا فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، أظهرهما:
الجواز؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، وهذا قد أخرج من جنس ما يملكه، بخلاف ما إذا كان ما له عينًا وأخرج دينًا، فإن الذي أخرجه دون الذي يملكه، فكان بمنزلة إخراج الخبيث عن الطيب، وهذا لا يجوز، كما قال الله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
ولهذا كان على المزكي أن يخرج من جنس ماله، لا يخرج أدنى منه. فإذا كان له ثمرة أو حنطة جيدة لم يخرج عنها، ما هو دونها (١).
стр. 250
(فصل)
وأما معاملة [التتر] (١):
فيجوز فيها ما يجوز في معاملة أمثالهم، ويحرم فيها ما يحرم في معاملة أمثالهم، فيجوز أن يبتاع الرجل عن مواشيهم وخيلهم ونحو ذلك، كما يبتاع من مواشي الأعراب والتركمان والأكراد وخيلهم، ويجوز أن يبيعهم من الطعام والثياب ونحو ذلك ما يبيعه لأمثالهم.
فأما إن باعهم أو باع غيرهم ما يعينهم به على المحرمات كبيع الخيل والسلاح لمن يقاتل به قتالًا محرمًا، فهذا لا يجوز، قال الله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وفي السنن عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إنه لعن في الخمر عشرة لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها" (٢)، وقد لعن العاصر، وهو إنما