ـ[تنبيه المؤمن الأواه بفضائل لا إله إلا الله]ـ
المؤلف: أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل
مراجعة وتقديم: الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
الناشر: دار طوق النجاة
الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
[تقريظ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير بقلم الدكتور هاشم محمد علي مهدي
- عافاه الله تعالى-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين .. ؛
* لا اله إلا الله أساس الدين.
* لا اله إلا الله علم اليقين.
* لا اله إلا الله مصدر التمكين.
* لا اله إلا الله بُشرى المؤمنين، انسهم وجنهم أجمعين.
* لا اله إلا الله ذِكْرُ الصالحين والمقربين في الملاء الأعلى إلى يوم الدين.
* لا اله إلا الله سر شفاعة الشافعين.
* لا اله إلا الله طوق نجاة الهالكين.
* لا اله إلا الله عدد الذاكرين بها والغافلين.
* لا اله إلا الله عدد العارفين بها والجاهلين.
* لا اله إلا الله عدد الأميين والكاتبين من آدم إلى يوم الدين.
* لا اله إلا الله حتى يرضي بها عنا رب العالمين.
стр. 3
* اللهم إنها اسمك الجامع لأسمائك، وصفتك الجامعة لصفاتك، فأخرج بها اللهم المؤمنين من الظلمات إلى النور، ومن الأحزان إلى السرور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ذل المعصية إلى عِزّ الطاعة، ومن الضيق إلى السعة، واجعل لا اله إلا الله عونًا ومعينًا لقائليها حتى يلقوك بها سالمين.
* لا اله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، عليها نحيا، وعليها نموت، وعليها نُبعث إن شاء الله من الأمنين *
وصلى الله على سيدنا محمد أفضل من قال: لا اله إلا الله، وبها عَمِل، ولأجلها جاهد، وبها بشَّر واستبشر، وعلى آله وصحبه والقائلين بها إلى يوم المعاد والمحشر.
* تعال معي أيها القارئ نُحَلِّق في سماء لا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ نغوص في بحر لا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ نمشي في طريق لا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ نستظل تحت ظلال لا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ نذكر لا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ نُقبل على لا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ نفتتح أمور الدنيا والآخرة بلا اله إلا الله.
* تعال معي أيها القارئ لنمتلئ من ذِكْرِ لا اله إلا الله- فتكون لنا الغذاء والشفاء والهواء والماء- وكيف لا وقد جمعت فيها الآلاء.
стр. 4
* إن هاذا الكتاب الذي أعده الشريف الحسيب السيد أحمد بن يوسف ابن محمد الأهدل قد حوى الكثير من الجواهر الثمينة المكنونة من فضائل: لا اله إلا الله، التي هي أصل المعارف الدينية، ومحل العوارف اليقينية، لأن شرف العلوم على قدر شرف المعلوم، وشرف العالم على قدر شرف علمه. ولا شيء أشرف من الحق وطلبه. ولا شيء أشرف في الدنيا من معرفة الله وقربه. ولا شيء أشرف في الجنة من النظر إلى وجهه.
* ومعرفة الله هي الغاية القصوى. واللباب الأصفى. وإن بداية السالك طلب المعرفة. ونهاية غايته توحيد الذات والصفة. لأن معرفة الله غاية الغايات. وتوحيده أجل وأكمل النهايات.
* فلا اله إلا الله. هي أعلى شعب الإيمان، وعلى النطق بها بني الإسلام، وعلى قواعدها والعمل بمقتضاها بني الإيمان، وعلى فهم عقائدها والجمع بينهما بني الإحسان، ومن شهود شرفها يترقى إلى مبادي الإيقان، فقولها إسلام، وعملها إيمان، وفهمها إحسان، وتحققها إيقان.
* فالتوحيد هو العلم. والعمل أصل الإيمان. والإيمان هو التصديق. وكل تصديق بالقلب فهو علم. فإذا ثبت سمي توحيدا. فإذا رسخ سمي معرفة. فطوبى لمن انتشق عبيره. وذاق طعمه ولذيذ حلاوته.
فجزى الله المؤلف خير الجزاء حيث استخرج كنوزها، وأضاء مصابيحها، وجلَّى أسرارها، وكشف أستارها، ففاح عبيرها وانتشر، وسنا نورها ظهر وبهر. نسأل الله لنا وله والمؤمنين بها: (جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ). [القمر:٥٤،٥٥].
стр. 5
فالحمد لله الكبير الأكبر، وصلى الله على عبده سيدنا محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، الذي عرف لا اله إلا الله عدد ما أظهر الله من علومها وستر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. هاشم محمد علي مهدي
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقريظ فضيلة العلامة الدكتور أحمد عبد العزيز الحداد
- عافاه الله تعالى-
هنيئًا أخا الأفضال من نسل أهدل ... بهاذا الحديث العذب أهداكه الله
هنيئًا على هاذا الحديث وحيثما ... كتبت فالبتوفيق للقول تغشاه
ولا سيما تنبيهك العذب مؤمنا ... لدائرة الإيمان قول هو الله
أتيت بفصل القول والفضل كله ... لهاذا اليراع الصب في مدح مولاه
فما كتب الكُتَّاب في سر كلمة ... أتانا بها المختار طوعا لرباه
كما كتب الأستاذ أحمد يوسفٍ ... ولا غرو من نور النبوة سقياه
فدم وارتشف واكتب بنور محمد ... ومن نبعك الفياض عذبا شربناه
رعاك إله العرش في كل ساعة ... وفي كل مسطور لمن هو أوَّاه
стр. 7
تقريظ فضيلة العلامة الشيخ ماجد مدير المدرسة الصولتية
بسم الله الرحمان الرحيم
تقريظ فضيلة العلامة الدكتور حسن محمد الأهدل
نائب رئيس جامعة صنعاء سابقاً
- عافاه الله تعالى-
الحمد لله الذي شهد لنفسه بأنه الله لا إله إلا هو، وشهدت ملائكته بذلك، وشهد ألو العلم، فهو وحده المتفرد بالألوهية والعبودية بحق لا أحد سواه، نحمده أن أرشدنا لذكره بأفضل أسمائه وبكلمة التوحيد، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس وجعلنا أمة وسطاً.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فلقد اطلعت على ما كتبه الأخ السيد العلامة أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل في رسالته الموسومة «بتبيه المؤمن الأوَّاه بفضائل لا اله إلا الله». فوجدته قد أبدع وأفاد فيها كثيراً بما جمعه من فضائل هذه الكلمة التي قام عليها أمر الكون وأمر الدنيا والآخرة وأكملها بفضائل شهادة أن محمداً رسول الله المكملة لمعنى التوحيد والمحققة للإيمان والتي لا يقبل الله من المسلم إيمان إلا بها.
стр. 8
فجزاه الله خيراً على ما قدم من خير للناس وعمل يهتدون به ويعملون بمعنى هذه الكلمة الطيبة المباركة فيتحقق لهم ما يرجون من الله من معاني هذه الكلمة وبذكرها في كل لحظة ونفس يكتب الله لهم الحسنات والخير المستمر الدائم، فبارك الله فيه وفي عمله وعلمه ونفع به الإسلام والمسلمين.
ونسأل الله التوفيق للجميع لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
...
стр. 9
بسم الله الرحمان الرحيم
المقدمة
الحمد لله المتفرد بالكمال، المتوحد بصفات الجلال، المنزه عن الشركاء والأمثال، الذي لا يعبد بحق في الوجود إلا إياه، الكريم الذي من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن سأله أعطاه ما تمناه، هادي الحائرين، وواصل المنقطعين، وبه نستعين على أمور الدنيا والدين.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة بها النفوس مطمئنة، وهي لقائلها من النار جُنة، شهادة تصلح القلب واللسان من فساد الأفعال، شهادة أدخرها لهول السؤال.
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي بصرنا من العمى وهدانا من الضلال، وبعثه مولاه بما يؤيد به كلمة الدين على التفصيل والإجمال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه بالغدو والآصال .. آمين
أما بعد: فإن أهمّ مباني الإسلام الحنيف وعماد الدين الحق: هو «شهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ »
فالعبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية.
المتمثل في شهادة: أن لا اله إلا الله.
والتلقي عن رسول الله ﷺ في كيفية هذه العبودية - هي شطرها الثاني- المتمثل في شهادة: أن محمداً رسول الله ﷺ .
стр. 10
والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها، فهي باب الدخول في الإسلام، وسُلم الرقاية للإيمان، ومعراج القلوب والأرواح إلى رب الأكوان، الرحيم الرحمان، لأن كل ما بعدها من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، إنما هو مقتضى لها، فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم الحدود والتعازير والحل والحرمة والمعاملات والتشريعات والتوجيهات الإسلامية .. إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو مابلغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه.
فهاتان الشهادتان هما كنز المؤمن ورأس ماله ومرجع سعادته في الدنيا والآخرة.
هاذا وقد تتبعت فضائل: «لا اله إلا الله» فوجدتها من أحسن ما يجمع لي ولإخواني المسلمين.
فجمعتها في رسالة صغيرة الحجم كبيرة النفع بأذن الله تعالى، ومقصودي من ذلك، تعليماً للجاهل، وتنبيهاً للغافل، وتذكيراً للعاقل، وأسميتها: «تنبيه المؤمن الآوَّاه بفضائل لا اله إلا الله».
وقد رتبت هذه الرسالة على النحو الآتي:
أولاً: ذكرت بأن التوحيد أعظم نعمة.
ثانياً: ذكرت الأحاديث التي تشير إلى بشارة أهل التوحيد بالنجاة من النار والفوز بالجنة.
ثالثاً: وضحت ورفعت الإشكال عن أحاديث هاذا الباب.
стр. 11
رابعاً: ذكرت حقيقة محبة الله تعالى.
خامسًا: ذكرت الثمرة لهذه المحبة.
سادسًا: أشرت إلى أن الإكثار من ذكر «لا اله إلا الله» يورث الطاعة ويوجب المغفرة.
سابعًا: شرعت في فضائل «لا اله إلا الله».
وقسمتها إلى قسمين:
القسم الأول: الآيات الواردة في فضلها والتنويه بها.
القسم الثاني: الأحاديث الواردة في فضلها.
ثم ذكرت مختصر فوائد «لا اله إلا الله».
ثامنًا: ذكرت المواطن والأزمان التي يستحب المواظبة فيها على قول: «لا اله إلا الله».
تاسعًا: أشرت إلى ارتباط «لا اله إلا الله» بـ «محمد رسول الله ﷺ » وارتباط ذكره بالصلاة عليه ﷺ ، ومعنى الصلاة عليه ﷺ .
عاشرًا: بينت المقصود بالصلاة على النبي ﷺ .
حادي عشر: ذكرت مواطن الصلاة على النبي ﷺ .
ثاني عشر: شرعت في فضائل الصلاة على النبي ﷺ .
ثالث عشر: ذكرت الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة على النبيصلى الله عليه وسلم
ثم الخاتمة. أسأل الله تعالى حسنها.
стр. 12
هاذا والله أسأل أن يجعل ما جمعت ورتبت خالصاً لوجهه الكريم، ونافعاً لي ولإخواني المسلمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين .. ؛
وكتبه
راجي رحمة ربه الأجل
أحمد بن يوسف بن محمد الأهدل
стр. 13
بسم الله الرحمان الرحيم
التوحيد أعظم النعم
اعلم أن التوحيد أعظم النعم وأكبرها، وأنفعها في الدنيا والآخرة، فعلى من أنعم الله عليه به أن يعرف قدر تلك النعمة، ويسعى في حفظها ورعايتها، ودوام الشكر عليها، وأن يجتهد في تقوية توحيده، بملازمة الأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة.
واعلم أن للشهادتين أثراً عظيماً في تهذيب النفوس وتقويم الأخلاق، وتقوية الرابطة الاجتماعية.
فإن في شهادة «لا اله إلا الله» تحرير العقول من الأوهام، وتطهيراً للنفوس من أدران الشرك، وسمُوَّاً بها من حضيض العبودية لغير الله تعالى، ومن الانحطاط إلى رذيلة عبادة الأصنام والحيوان والإنسان. وبها جمعُ القلوب على معبود واحد، وتوجيه الوجوه إلى قبلة واحدة. ولهاذا التوحيد أثره الطيب في جمع القلوب وتعاون بنى الإنسان على الخير والصلاح.
كما أن شهادة «أن محمداً رسول الله»، والإيمان برسالته ﷺ وكتابه القويم تقوية للأخلاق، وإصلاحاً للنفوس، وأسوة حسنة في جميع الشئون.
فهاتان الكلمتان هما كنز المؤمن ورأس ماله، ومرجع سعادته في الدنيا والآخرة لمن تحقق بمقتضاهما، واستنار بسناهما فيما يلزمه في جانب
стр. 14
التوحيد. وفيما يلزمه من جانب الإتّبَاع لرسول الله الأكرم ﷺ . فعلى قطب هاتين الشهادتين يدور صلاح الإنسان في الدارين (١).
... فالإيمان بهما هو أصل الأصول وأنفس النفائس، وأعز الأشياء، وهو مع ذلك أشدها خطراً، وأشقها حفظاً، وأحوجها إلى حُسن التعهُّد والتفقد، وحُسن النظر والاحتياط، وكل عزيز ونفيس فعلى مثل ذلك يكون ويوجد. ولا يزال المؤمن الشفيق على دينه، المحتاج لإيمانه ويقينه سائلاً الله ومتضرعاً إليه: في أن يُثَبِّته على دينه وإيمانه، وأن لا يُزيغ قلبه بعد إذ هداه إلى توحيده ومعرفته، وأن يكون خائفاً من سلب ذلك وتزلزله. وقد كان بعض السلف يحلف بالله إنه ما أمِنَ أحدٌ على إيمانه أن يُسلَبه إلا سُلِبَه.
فالأمر الذي عليه المدار والتعويل والذي لا ينبغي لعاقلٍ من أهل الإيمان: أن يكون أعظم اهتماماً به وأشد حرصاً عليه وسعياً له من سلامة التوحيد وحفظ الإيمان حتى يموت ويخرج من الدنيا على ذلك بفضل الله وحسن تأييده وتثبيته؛ فإنه إن خرج من الدنيا على ذلك سلم من الشر كله وفاز بالخير كله دائماً أبداً. وإن خرج من الدنيا على خلاف ذلك خسر خسراناً مبيناً، وهلك هلاكاً مؤبداً والعياذ بالله!
... ففقدُ التوحيد والإيمان هو الذي لا ينفع مع فقده شيء بحال كائناً ذلك الشيء ماكان، وإذا بقي مع العبد توحيدُه وإيمانه وسلما له، فليس يضرّه شيء ولو كان عاصياً مذنباً، فإما أن يغفر الله له، أو يعفو عنه، وإن عاقبه على ذنبه
стр. 15
كانت عقوبة منقضية غير مخلِّدة ولا مؤبدة؛ فإنه لا يخلّد في النار مؤمن، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال أدنى ذرّة من إيمان.
وقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يموتوا على الإيمان والإسلام، ووصف أنبياءه ورسله والصالحين من عباده: بأنهم يسألونه ذلك، ويدعونه به، ويتواصون به حرصاً عليه وإعظاماً له واغتباطاً به؛ فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١).
وقال تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). [البقرة:١٣٢].
وقال تعالى حكاية عن يوسف ﵊: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (٢).
وقال تعالى إخباراً عن المؤمنين من السحرة حين توعدهم فرعون لعنه الله: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) (٣).الأعراف:١٢٦)
стр. 16
أحاديث في بشارة أهل التوحيد بالنجاة من النار والفوز بالجنة
وقد وردت الأحاديث الكثيرة الشهيرة عن رسول الله ﷺ في بشارة أهل التوحيد والإيمان، ومن مات وهو لا يشرك بالله شيئاً بالنجاة من النار والفوز بالجنة. ومنها الأحاديث التالية:
الحديث الأول
في الصحيحين: عَنْ أَنَس بن مالكٍ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لمُعاذ وهو رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ: «يا مُعاذُ بنَ جَبَلٍ».قال: لَبَّيكَ يا رسولَ الله وسَعدَيكَ. قال: «يا مُعاذُ». قال: لبَّيكَ يا رسولَ الله وسَعدَيك (ثلاثاً).قال ﷺ : «ما مِنْ أَحَدٍ يَشهدُ أنْ لا اله إلا الله وأنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، صِدْقاً مِن قَلبِه إِلاّ حرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار».قال ﵁: يا رسولَ الله أَفَلا أُخبرُ بهِ النّاسَ فيَسْتَبْشِروا؟ قال ﷺ : «إِذاً يَتَّكِلوا». وأَخبرَ بها مُعاذٌ عندَ مَوتِه تَأثُّماً (١). يعني خروجًا من إثم كتم العلم.
الحديث الثاني
روى مسلم في صحيحه: عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا اله إلا الله، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله. حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ» (٢).
стр. 17
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا يَا رَسُولَ الله لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا (١) فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «افْعَلُوا»، قَالَ فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: رَسُولُ الله ﷺ : «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ (٢) فَبَسَطَهُ ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ»، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلاَّ مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَِلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَشْهَدُ أَنْ لا اله إلا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله لا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ» (٣).
وفي رواية: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﷺ : «أَشْهَدُ أَنْ لا اله إلا الله وَأَنِّي رَسُولُ الله لا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ». (٤).
стр. 18
الحديث الرابع
عن عُبادةَ بن الصامت، ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا اله إلا الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ». (١).
الحديث الخامس
عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهْوَ نائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقالَ: «ما مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا اله إلا الله ثُمَّ ماتَ عَلى ذلِكَ إلاَّ دَخَلَ الجَنَّة». قُلْتُ: وَإِِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ؟» قُلْتُ: وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أبِي ذَرٍّّ». وكانَ أبُو ذَرٍّ إذا حَدَّثَ بِهاذا قَالَ: وإنْ رَغِمَ أنْفُ أبِي ذَرٍّّ. (٢).
الْجَنَّة أَحَد مَاتَ عَلَى الْكُفْر وَلَوْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَال الْبِرّ مَا عَمِلَ. وحَديثُ أبي ذَرٍّ ﵁ معناه: أن الزنى والسرقة لا يمنعان دخول الجنة مع التوحيد وهاذا حق لا مِرْيَة فيه ليس فيه أنه لا يُعَذَبُ عليهما مع التوحيدِ.
ثانياً: الأحاديث التِي تُفِيدُ أنَّ مَنْ أتى بالشهادتين بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّار، وهاذا قد حَمَلهُ بعضهم عَلَى تَحْرِيم خُلُوده فِيهَا لا أَصْل دُخُولهَا. أو أَنَّ الْمُرَاد النَّار الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ لا الطَّبَقَة الَّتِي أُفْرِدَتْ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ. أو أَنَّ الْمُرَاد بِتَحْرِيمِهِ عَلَى النَّار حُرْمَة جُمْلَته لأَنَّ النَّار لا تَأْكُل مَوَاضِع السُّجُود مِنْ الْمُسْلِم كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة أَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّم عَلَيْهَا , وَكَذَا لِسَانه النَّاطِق بِالتَّوْحِيدِ. هاذا مُخْتَصَر جَامِع لِمَذْهَبِ أَهْل السنة من السلف والخلف. واللَّه تَعَالَى أعلم .. (١).
وَقَدْ أَجَابَ الْعُلَمَاء عَنْ الإِشْكَال أَيْضًا بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى:
قالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أنَّ لا اله إلا الله سببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع وهاذا قول الحسن ووهب ابن منبه. (٢).اهـ
стр. 21
قيل للحسن (١): إن أناساً يقولون: من قال لا اله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا اله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة (٢).
وقيلَ لَوهبِ بِن مُنبِّهٍ: أليسَ لا اله إلا الله مفتاح الجنةِ؟ قال: بَلى، ولكنْ ليسَ مِفتاحٌ إلاّ لهُ أسنانٌ فإن جئتَ بمفتاحٍ له أسنانٌ فُتِحَ لك، وإلاّ لم يُفَتحْ لك. (٣).
فائدة: قال المناوي: إنما كانت أبواب الجنة ثمانية لأن مفتاح الجنة شهادة أن لا اله إلا الله وكذلك المفتاح ثمانية أسنان: الصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبر والصلة فلكون أنواع الأعمال ثمانية جعلت أبوابها ثمانية.
وإنما كانت أبواب النار سبعة لأن الأديان سبعة: واحد للرحمان وستة للشيطان فالتي للشيطان اليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية والدهرية والإبراهيمية والصنف السابع أهل التوحيد كالخوارج والمبتدعة والظلمة والمصرين على الكبائر فهؤلاء كلهم صنف فوافق عدة الأبواب عدة الأصناف ذكره السهيلي (٤).
стр. 22
قال السمرقندي رحمه الله تعالى: لا اله إلا الله مفتاح الجنة، ولكن المفتاح لا بدله من الأسنان حتى يفتح الباب، ومن أسنانه لسان ذاكر طاهر من الذنوب والغيبة، وقلب خاشع طاهر من الحسد والخيانة، وبطن طاهر من الحرام والشبهة، وجوارح مشغولة بالخدمة طاهرة عن المعاصي. (١). أهـ
وقال الحَسَن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددْتَ لهاذا اليوم؟ قال: شهادةَ أنْ لا اله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن: نعم العُدة لكن لـ «لا اله إلا الله» شروطاً، فإيَّاكَ وقَذْفَ المُحْصنات. (٢).
ويدل على صحة هاذا القول: أن النبي ﷺ رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص:
فقد أخرج البخاري ومسلم: عَنْ أَبِي أَيُّوب ﵁، أَنَّ أَعْرَابِيّاً عَرَضَ لِرَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ أَوْ بِزِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوْ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِيَ» قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النَّاقَةَ» (٣).
стр. 23
وأخرج مسلم في صحيحه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ أَعْرَابِيّاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجنَّةَ. قَالَ «تَعْبُدُ اللهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ. وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ. وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هاذا شَيْئاً أَبداً، وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هاذا» (١).
وأخرج البخاري ومسلم: عن أبي هريرةَ ﵁ قال: «لما تُوُفي النبيُّ ﷺ واستُخْلِفَ أَبو بَكْرٍ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ. قال عُمَرُ: يا أَبا بكر كَيْفَ تُقاتِلُ النّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرّتُ أَنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا اله إلا الله، فَمَنْ قَالَ لا اله إلا الله عَصَمَ مِنّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلاَّ بِحَقِّهِ وَحِسابُهُ عَلَى اللهِ» (٢).
قال أَبو بكر ﵁: «واللهِ لأُقاتلنَّ مَنْ فرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، واللهِ لَوْ مَنَعُوني عَناقاً. (٣) كانُوا يُؤدُّونَها إِلى رَسُولِ الله ﷺ لَقاتَلْتُهُمْ عَلى مَنْعِها. وعند مسلم: عِقَالاً (٤)
стр. 24
قَالَ عُمَرُ ﵁: فواللهِ ما هوَ إِلاّ أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أبي بَكْرٍ لِلْقِتالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقٌّ». (١).
ففهم عمر وجماعة من الصحابة: أن من أتى بالشهادتين امتنع من عقوبة الدنيا بمجرد ذلك فتوقفوا في قتال مانع الزكاة.
وفهم الصديق: أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ : فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله. وقال الزكاة حق المال.
وهاذا الذي فهمه الصديق: قد رواه عن النبي ﷺ صريحاً غير واحد من الصحابة منهم: ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَشْهَدوا أَنْ لا اله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، ويُقِيموا الصلاةَ، ويُؤْتوا الزَّكاةَ. فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَموا مِنِّي دِماءَهُم وأموالَهُم إِلاّ بِحَقِّ الإِسلام، وحسابُهُم عَلَى الله» (٢).
وقد دل على ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُم) (٣). وقوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين) (٤). على أن الأخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض
стр. 25
مع التوحيد، والتوبة من الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد. فلما قرر أبو بكر ﵁ هاذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صواباً.
فاذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا بل يعاقب باخلاله بحق من حقوق الإسلام فكذلك عقوبة الآخرة. (١).
وقالت طائفة تلك النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخر: ففي بعضها: «من قال لا اله إلا الله خالِصاً مِن قَلبِه، أو نفسِه» (٢).
وفي بعضها: «مُسْتَيْقِنا بِهَا قَلُبُهُ». (٣).
وفي بعضها: «أَطاعَ بِهَا قَلْبَهُ، وذَلَّ بها لِسَانَهُ». (٤).
وفي بعضها: «يَرْجِعُ ذلِكَ إِلَى قَلْبٍ مُوقِنٍ» (٥).
وهاذا كله إشارة إلى عمل القلب وتحققه بمعنى الشهادتين فتحققه بمعنى شهادة أن لا اله إلا الله أن لا يأله القلب غير الله حباً ورجاءً وخوفاً وطمعاً وتوكلاً واستعانةً وخضوعاً وإنابةً وطلباً. وتحققه بأن محمداً رسول الله وألا يعبد الله بغير ما شرعه الله على لسان نبيه محمد ﷺ .
стр. 26
وتحقيق هاذا المعنى وإيضاحه: أن قول العبد لا اله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً ومحبةً وخوفاً ورجاًء وتوكلاً عليه وسؤالاً منه ودعاءً له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله ، فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الآلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول لا اله إلا الله ونقصًا في توحيده وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهاذا كله من فروع الشرك.
ولهاذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من طاعة غير الله أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه والعمل لأجله.
كما ورد إطلاق الشرك على الرياء وعلى الحلف بغير الله وعلى التوكل على غير الله والاعتماد عليه وعلى من سوى بين الله وبين المخلوق في المشيئة مثل أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، وكذا قوله: مالي إلا الله وأنت، وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنفع والضر كالطيرة والرقى المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون، وكذلك اتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه قادح في تمام التوحيد وكماله.
ولهاذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من هوى النفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمرة في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرجه عن الملة. ولهاذا قال السلف: كفر دون كفر وشرك دون شرك (١).
стр. 27
وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع. قَالَ تَعَالَى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ). [الفرقان ٤٣]
قال ابن عباس: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا هذه الآية.
وقيل: (اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أي أطاع هواه.
وعن الحسن: لا يهوى شيئاً إلا اتبعه، والمعنى واحد. (١).
فدل هاذا: على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه، وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويشهد لذلك الحديث الصحيح: عن أبي هريرةَ ﵁ عنِ النبيِّ ﷺ قال: «تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ وعبدُ الدِّرهمِ وعبدُ الخَميصةِ (٢): إن أعطِيَ رضيَ وإن لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتَكَسَ (٣)، وإذا شِيكَ فلا انتقَشَ (٤)» (٥).
стр. 28
ويدل عليه أيضا: أن الله تعالى سمي طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان، كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (١).
وقال تعالى حاكياً عن خليله إبراهيم ﵇ لأبيه: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحمان عَصِيّاً) (٢).
فمن لم يتحقق بعبودية الرحمان وطاعته فانه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمان، وهم الذين قال فيهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (٣) فهم الذين حققوا: قول لا اله إلا الله، وأخلصوا في قولها، وصدّقوا قولهم بفعلهم، فلم يلتفتوا إلى غير الله محبة ورجاء وخشية وطاعة وتوكلاً، وهم الذين صدقوا في قول: «لا اله إلا الله» وهم عباد الله حقًا فأمّا من قال: «لا اله إلا الله» بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدى مِنَ الله) (٤) و (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله) (٥). [صّ: من الآية٢].
стр. 29
ومن لطائف الإشارة: أن كلمة الشهادة حروفها جوفية ليس فيها شيء من الحروف الشفهية .. للإشارة إلى الإتيان بها من خالص الجوف، وهو القلب، لا من الشفتين. وأنه ليس فيها حرف معجم، بل مجردة من النقط، إشارة إلى التجرد من كل معبود سوى الله. (١).
стр. 30
حقيقة محبة الله تعالى
اعلم أن قول لا اله إلا الله تقتضي أن لا يحب سواه، فإن الإله هو الذي يطاع فلا يعصى محبةً له وخوفاً ورجاءً ومن تمام محبته محبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فمن أحب شيئًا مما يكرهه الله أو كره شيئًا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قوله: لا اله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما أحبه الله، وما أحبه مما يكرهه الله، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ). [محمد:٢٨]
قال الحسن: اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته.
وسئل ذو النون المصري: متى أحب ربي؟ قال: «إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر».
وقال بشر بن السري: «ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يبغض حبيبك».
وقال يحيى بن معاذ: «ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده».
وقال أبو يعقوب النهرجوري: «كل من ادعى محبة الله ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة» (١).
وقال رويم: المحبة الموافقة في جميع الأحوال. وأنشد يقول:
ولو قال لي مت مت سمعًا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلاً ومرحبًا
стр. 31
وحقيقة محبة الله تعالى لا تأتي إلا باتباع رسول الله ﷺ ، ولا مجال للعبد في محبة الله إلا بالاتباع. ويشهد لهاذا المعنى قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله). [آل عمران:٣١].
ومن هنا يعلم أنه لا تتم شهادة أن لا اله إلا الله إلا بشهادة أن محمدا رسول الله ﷺ ، فإذا علم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه، فلا طريق إلى معرفة ما يحبه وما يكرهه إلا من جهة سيدنا محمد ﷺ المبلغ عن الله ما يحبه وما يكرهه باتباع ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فصارت محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله ﷺ وتصديقه ومتابعته ولهاذا قرن الله بين محبته ومحبة رسوله ﷺ في قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَالله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ). [التوبة: ٢٤].
وقد أكد ذلك النبي ﷺ في سنته: كقوله في حديث أنس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمان: أَنْ يَكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليهِ مِمَّا سِواهُما، وأنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلاّ لله، وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ كما يكرَهُ أنْ يُقذَفَ في النَّار» (١).
стр. 32
وفي الصحيحين أيضاً: عنْ أنَسٍ بن مالك ﵁، قال: قال النبيُّ ﷺ : «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتى أكونَ أَحَبَّ إلَيهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدهِ والنَّاس أَجْمَعين» (١).
ولما قال له عمر بن الخطاب، ﵁: يا رسول الله، لأنْتَ أحَبُّ إليَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إلاَّ مِنْ نَفْسي. فقال النَّبِيُّ ﷺ لَهُ: «لا وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ». فَقالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: فإنَّهُ الآن والله لأنْتَ أحَبُّ إليَّ من نَفْسِي. فقال النَّبِيُّ ﷺ : «الآنَ يا عُمَرُ» (٢).
وقد ورد في الحديث أن من ثواب محبته ﷺ الإجتماع معه في الآخرة: وذلك لما سأله رجل: مَتَى السَّاعَةُ يا رَسُولَ الله؟ فقال له رَسُولُ الله ﷺ : «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» قَالَ: حُبَّ الله وَرَسُولِهِ. قَالَ ﷺ : «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» (٣).
وكفى بذلك ثواباً وأجراً لهذه المحبة، ولكن المحبة الصادقة تستلزم الاقتداء به والتأدب بآدابه، وتستلزم أيضاً محبة من يحبه ويواليه، وبغض من
стр. 33
يبغضه ويعاديه، ولو كان أقرب قريب، فمن استكمل ذلك فقد صدق في هذه المحبة، ومن خالفه أو نقص شيئاً من ذلك نقصت محبته بقدر ذلك (١).
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ). [النساء: من الآية٥٩].
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ). [الأنفال:٢٠].
... وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ). [محمد:٣٣].
وقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ). [آل عمران:٣٢].
وقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (٢).
وقد رتب على طاعته ﷺ جزيل الثواب:
فقال تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النور: ٥٦]
وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٣)
стр. 34
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (١).
كما قرن طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة: وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [النساء: من الآية ١٣]
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [النساء:٦٩].
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور:٥٢]
وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ). [الفتح: من الآية١٧]
وقال تعالى: (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا). [النور: ٥٤]
وقد توعد على معصيته بالعقوبة الشديدة:
قال الله تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ). [النساء: ١٤]
... وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً). [الفتح: ا١٧] ...
وحكى عن أهل النار قولهم: (يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا) (٢)
стр. 35
وورد في الصحيح: عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولَ الله ﷺ : «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ. وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ» (١).
ومعنى هاذا: أنه ﷺ إنما يأمر بما أوحي إليه، فطاعته في ذلك طاعة لربه. قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً). [النساء: ٨٠]
... وروى البخاري: عن أبي هُرَيْرةَ ﵁، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إلاّ مَنْ أبى» قالُوا: يا رَسُولَ الله وَمَنْ يَأْبى؟ قَالَ: «مَنْ أطاعَني دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصاني فَقْدَ أبى» (٢).
ولاشك أن طاعته هي فعل ما أمر به، وتجنب ما نهى عنه، والتسليم مع ذلك لما جاء به، والرضى بحكمه وترك الاعتراض على شرعه أو التعقب والانتقاد لحكمه.
قال الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
[النساء:٦٥]
стр. 36
ثمرة المحبة الإتباع
الطاعة عن حب أولى وأفضل من الطاعة عن خوف وقهر. والإيمان بكلمة التوحيد والعمل بمقتضاها يمنح المسلم قوة في شخصيته وعزة في حياته، وسعادة وفلاحاً في الدنيا وَرُقيَّاً وفوزاً في الآخرة .. وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة السحرة مع موسى وفرعون .. وكيف كان إيمانهم قوياً رغم أنه مُفاجئ .. إنه الحب الإلهى .. قال لهم فرعون: (فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى) [طه: من الآية٧١].
فكان ردهم عليه: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَالله خَيْرٌ وَأَبْقَى) (١).
وكيف نفسر سلوك الصحابي الذي كان يمسك بتمرات في يده .. فلما سأل الرسول ﷺ : أَيْنَ أَنَا يَا رَسُولَ الله إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ ﷺ : «فِي الْجَنَّةِ» فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ» (٢).
وكيف نُفسِّر سلوك أُمٍ يُنْعَى إليها أولادها الأربعة، وليس لها في الدنيا سواهم فتقول: الحمد لله الذي شرَّفني باستشهادهم!؟ (٣).
стр. 37
إنها قوة الإيمان واستقرار كلمة التوحيد في القلب. فمتى تمكنت المحبة في القلب لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب. وهاذا هو معنى الحديث القدسي، الذي أخرجه البخاري في صحيحه وفيه: «وَما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِها» (١).
والمعنى: أن محبة الله إذا استغرق بها القلب واستولت عليه لم تنبعث الجوارح إلا إلى رضا الرب، وصارت النفس حينئذ مطمئنة بارادة مولاها عن مرادها وهواها (٢).
كان داود الطائي يقول: «همك عطل عليَّ الهموم وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوبق (٣) مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب» (٤).
قال صاحب الروض الفائق: للمحبة رجال ماتركوا في قلوبهم لغير محبوبهم مجال فما في الحب عضو ولا جارحةٍ إلا وعليه شواهد المحبة لائحة. فالألسن قد شغلها أنيس (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (٥) والأسماع منصتة لاستماع كلام الحبيب (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (٦)، والأبصار
стр. 38
شاخصة لانتظار (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (١)، والأبدان قائمة بوظيفة (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (٢) والقلوب مرتبطة برابطة (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (٣) والأرواح ترتاح لأذكار (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ) (٤). فما للعارف غفلة عن مشهوده ولا للعابد غفلة عن معبوده.
لما علمت بأن قلبي فارغ ... ممن سواك ملأته بهواك
وملأت كلي منك حتى لم أدع ... مني مكانا خالياً لسواك (٥).
هاذا هو حال خواص المحبين الصادقين، فإنه من امتلأ قلبه من محبة الله لم يكن فيه فراغ لشيء من إرادات النفس والهوى، وإلى ذلك أشار القائل بقوله:
أروح قد ختمت على فؤادي ... بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي ... فلم أنظر به حتى أراكا
أحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبق حبك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد ... وآخر يدعي معه اشتراكا
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكا ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب وجدًا ... وينطق بالهوى من قد تشاكا
стр. 39
فمتى بقي للمحب حظ من نفسه فما بيده من المحبة إلا الدعوى. إنما المحب من يفنى عن هوى نفسه كله، ويبقى بحبيبه فبي يسمع وبي يبصر (١).
كان أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى يقول في مناجاته: إلهي لست أعجب من حبي لك وأنا عبد حقير، وإنما أعجب من حبك لي وأنت ملك قدير.
وكان يحي بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى يقول في مناجاته: إلهي ليس العجب من عبد ذليل يحب رباً جليلاً! بل العجب من رب يحب عبداً ذليلاً (٢).
وقيل كانت لعبد الله بن الحسين جارية أعجمية: قال: فكانت ذات ليلة نائمة فرأيتها قامت وتوضأت ثم قامت تصلي، فلما فرغت خرت ساجدة وهي تقول: سيدي بحبك لي إلا ما غفرت لي. فقلت لها: ويحك لا تقولي هكذا، ولكن قولي بحبي لك، فربما هو لا يحبك. قالت لي: يابطال لولا حبه لي لما أنامك وأوقفني بين يديه، وبحبه لي أخرجني من دار المشركين وكتبني في ديوان المؤمنين، فقلت لها: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى. قالت: يامولاي أسأت إلي. كان لي أجران فصار لي أجر واحد، ثم صرخت صرخة، وقالت: هاذا عتق مولاي الأصغر فكيف عتق مولاي الأكبر. ثم خرت ميتة (٣).
стр. 40
ورُؤيت زبيدة (١) في المنام، فقيل لها: ما فعل الله بك؟ فقالت: غفر لي بهؤلاء الكلمات الأربع: لا اله إلا الله أفني بها عمري، لا اله إلا الله أدخل بها قبري، لا اله إلا الله أخلو بها وحدي، لا اله إلا الله ألقى بها ربي (٢).
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: فأما من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله ومتى بقي في القلب أثر سوى الله فمن قلة الصدق في قولها. من صدق في قول لاإله إلا الله لم يحب سواه، ولم يرج سواه، ولم يخش أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه.
ومع هاذا فلا تظنوا أن المحب مطالب بالعصمة وإنما هو مطالب كلما زل أن يتلافى تلك الوصمة (٣).
وقد ذكر هذه الآثار عن السلف الصالح فقال رحمه الله تعالى:
قال زيد بن أسلم: إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك.
وقال الشعبي: إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب.