← Сияса и кади

Сияса и кади · id 9685

تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام

البدر ابن جماعة

Полный текст (219 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ١ - (١ / أ) الْحَمد لله على نعمه الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة، وآلائه الوافية الوافرة، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد الْمَبْعُوث بِالْآيَاتِ الباهرة وَالْأَحْكَام الزاهرة، صَلَاة وَسلَامًا دائمين بدوام الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَبعد ... . . فأحق من أهديت إِلَيْهِ أَنْوَاع الحكم والعلوم، وَوَجَبَت لَهُ النَّصِيحَة على الْخُصُوص والعموم: من ولاه الله أُمُور الْإِسْلَام، فنظم أَحْكَامه على أوفق مُرَاد، وَأحسن نظام، وسعى السَّعْي الْجَمِيل فِي مصَالح رَعيته، وشكر نعم الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي سَرِيرَته وعلانيته. ٢ - وَهَذَا مُخْتَصر فِي جمل (١ / ب) من الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة، ونبذ من الْقَوَاعِد الإسلامية، وَذكر أَمْوَال بَيت المَال وجهاته، وَمَا يَصح من عطائه وإقطاعاته، وَمَا يسْتَحقّهُ المرصدون للغزو وَالْجهَاد، وَذكر أكَابِر الْأُمَرَاء والأجناد، وآلات الْقِتَال من السِّلَاح والأعتاد، وَكَيْفِيَّة الْقِتَال، وَمن الْمُخَاطب من أَهله، وتفصيل أَمْوَال الْفَيْء والغنائم وأقسامها، وَمَا يخْتَص بهَا من تَفْصِيل أَحْكَامهَا، وَذكر هدنة الْمُشْركين، وَأَحْكَام أهل الذِّمَّة والمستأمنين.

стр. 2

٣ - واستندت فِيهِ إِلَى السّنَن والْآثَار، وأقوال عُلَمَاء الْأَمْصَار، فَهُوَ سهل المطالعة لتقرير فهمه، قريب الْمُرَاجَعَة لصِغَر حجمه، وقصدت فِيهِ غَايَة الِاخْتِصَار مَخَافَة الْملَل من الْإِكْثَار، والمرجو من الله تَعَالَى قبُول حسن مقاصده وَحُصُول النَّفْع بفوائده، إِنَّه أكْرم مسؤول (٢ / أ) ، وَخير مأمول. وَقد سميته بِمَا يشْعر بِمَعْنَاهُ، ويسفر عَن مُقْتَضَاهُ وَهُوَ " تَحْرِير الْأَحْكَام فِي تَدْبِير أهل الْإِسْلَام ". ورتبته على أَبْوَاب تجمع مَقْصُود الْكتاب: الْبَاب الأول: فِي وجوب الْإِمَامَة، وشروط الإِمَام وَأَحْكَامه. الْبَاب الثَّانِي: فِيمَا للْإِمَام وَالسُّلْطَان وَمَا عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مفوض إِلَيْهِ. الْبَاب الثَّالِث: فِي تَقْلِيد الوزراء وَمَا يحملونه من الأعباء. الْبَاب الرَّابِع: فِي اتِّخَاذ الامراء عدَّة لجهاد الْأَعْدَاء. الْبَاب الْخَامِس: فِي حفظ الأوضاع الشَّرْعِيَّة وقواعد مناصبها المرضية. الْبَاب السَّادِس: (٢ / ب) فِي اتِّخَاذ الأجناد والأعتاد لقيامهم بفريضة الْجِهَاد.

стр. 3

الْبَاب السَّابِع: فِي عَطاء السُّلْطَان وجهاته، وأنواع إقطاعاته. الْبَاب الثَّامِن: فِي تَقْدِير عَطاء الأجناد وَمَا يسْتَحقّهُ أهل الْجِهَاد. الْبَاب التَّاسِع: فِي اتِّخَاذ الْخَيل وَالسِّلَاح والأعتاد للقائمين بِفَرْض الْجِهَاد. الْبَاب الْعَاشِر: فِي وضع الدِّيوَان، وأقسام ديوَان السُّلْطَان. الْبَاب الْحَادِي عشر: فِي فضل الْجِهَاد ومقدماته، وَمن يتأهل لَهُ من حماته. الْبَاب الثَّانِي عشر: فِي كَيْفيَّة الْجِهَاد والقتال وَالصَّبْر على مكافحة الْأَبْطَال. (٣ / أ) الْبَاب الثَّالِث عشر: فِي الْغَنِيمَة وأقسامها وتفاصيل أَحْكَامهَا. الْبَاب الرَّابِع عشر: فِي قسْمَة الْغَنِيمَة ومستحقيها وَمَا يجب على الْحُكَّام فِيهَا. الْبَاب الْخَامِس عشر: فِي الْهُدْنَة والأمان وَأَحْكَام الاستئمان. الْبَاب السَّادِس عشر: فِي قتال أهل الْبَغي من أهل الْإِسْلَام. الْبَاب السَّابِع عشر: فِي عقد الذِّمَّة وَأَحْكَامه وَمَا يجب الْتِزَامه.

стр. 4

(الْبَاب الأول) (فِي وجوب الْإِمَامَة وشروط الإِمَام وَأَحْكَامه) ٤ - قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله﴾ (٣ / ب) . وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿الَّذين إِن مكناهم فِي الأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَأمرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونهوا عَن الْمُنكر وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور﴾ . ضمن سُبْحَانَهُ نصْرَة الْمُلُوك بِهَذِهِ الشُّرُوط الْأَرْبَعَة، فَإِذا قَامُوا بِهَذِهِ الشُّرُوط تحقق لَهُم النَّصْر الْمَشْرُوط. ٥ - وَيجب نصب إِمَام بحراسة الدّين، وسياسة أُمُور الْمُسلمين، وكف أَيدي الْمُعْتَدِينَ، وإنصاف المظلومين من الظَّالِمين، وَيَأْخُذ الْحُقُوق من مواقعها، ويضعها جمعا وصرفاً فِي موَاضعهَا، فَإِن بذلك صَلَاح الْبِلَاد وَأمن الْعباد، وَقطع مواد الْفساد، لِأَن الْخلق لَا تصلح أَحْوَالهم إِلَّا بسُلْطَان يقوم بسياستهم، ويتجرد لحراستهم؛ وَلذَلِك قَالَ بعض

стр. 5

الْحُكَمَاء: جور (٤ / أ) السُّلْطَان أَرْبَعِينَ سنة خير من رعية مُهْملَة سَاعَة وَاحِدَة. وَنقل الطرطوشي. ﵀ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض﴾ قيل فِي مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن الله تَعَالَى أَقَامَ السُّلْطَان فِي الأَرْض يدْفع الْقوي عَن الضَّعِيف، وينصف الْمَظْلُوم من ظالمه؛ لتواثب النَّاس بَعضهم على بعض، ثمَّ امتن الله تَعَالَى على عباده بِإِقَامَة السُّلْطَان لَهُم بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين﴾ .

стр. 6

وَرُوِيَ فِي الحَدِيث: " السُّلْطَان ظلّ الله فِي الأَرْض يأوي إِلَيْهِ كل مظلوم من عباده، فَإِذا عدل كَانَ لَهُ الْأجر وعَلى الرّعية الشُّكْر، وَإِن جَار كَانَ عَلَيْهِ الإصر وعَلى الرّعية الصَّبْر ". وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِمَام عَادل خير من مطر وابل. وَذَلِكَ لِأَن النَّاس على دين الْملك، فَإِذا عدل لَزِمت الرّعية الْعدْل وقوانينه، (٤ / ب) فانتعش الْحق، وتناصف النَّاس، وَذهب الْجور، فترسل السَّمَاء بركاتها، وَتخرج الأَرْض نباتها، وتكثر الْخيرَات وتنمو التِّجَارَات. وَقيل: لَيْسَ فَوق رُتْبَة السُّلْطَان الْعَادِل رُتْبَة إِلَّا نَبِي مُرْسل أَو ملك مقرب. وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل ﵁: لَو كَانَت لي دَعْوَة

стр. 7

مستجابة لَدَعَوْت بهَا إِلَى السُّلْطَان، لِأَن فِي صَلَاحه صَلَاح الْبِلَاد والعباد، وَفِي فَسَاده فسادهما. وَقيل: السُّلْطَان من الرّعية كالروح من الْجَسَد، فَإِن استقام مزاجها استقام مزاج جَمِيع أَعْضَائِهِ وحواسه، وَإِن فَسدتْ فسد مزاج الْأَعْضَاء بفسادها، وتعطلت أَحْوَال الْجَسَد. فصل (١) ٦ - الْإِمَامَة ضَرْبَان: اختيارية وقهرية: ٧ - أما الاختيارية: فلأهليتها عشر شُرُوط وَهِي: أَن يكون الإِمَام ذكرا، حرا، بَالغا، عَاقِلا، مُسلما، عدلا، شجاعاً، قرشياً، عَالما، كَافِيا (٥ / أ) لما يَتَوَلَّاهُ من سياسة الْأمة ومصالحها،

стр. 8

فَمَتَى عقدت الْبيعَة لمن هَذِه صفته - وَلم يكن ثمَّة إِمَام غَيره انْعَقَدت بيعَته وإمامته؛ ولزمت فِي غير مَعْصِيّة الله طَاعَته. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ فقرن طَاعَة ولي الْأَمر بِطَاعَتِهِ وَطَاعَة رَسُوله، واطلق الْأَمر بطاعتهم وَلم يسْتَثْن مِنْهُ شَيْء إِلَّا الْمعْصِيَة، فَدلَّ ذَلِك على أَن مخالفتهم فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَة مَعْصِيّة، وعَلى هَذَا يحمل مَا ورد من تعزيرات عمر ﵁ مِمَّن خَالف أمره فِي غير مَعْصِيّة. فصل (٢) ٨ - وتنعقد الْإِمَامَة الاختيارية: بطريقتين. والقهرية: بطرِيق ثَالِث. ٩ - الطَّرِيق الأول فِي الاختيارية: بيعَة أهل العقد والحل: من الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء، والرؤساء، ووجوه النَّاس

стр. 9

الَّذِي يَتَيَسَّر حضورهم بِبَلَد الإِمَام (٥ / ب) عِنْد الْبيعَة، كبيعة أبي بكر ﵁ يَوْم السَّقِيفَة. وَلَا يشْتَرط فِي أهل الْبيعَة عدد مَخْصُوص، بل من تيَسّر حُضُوره عِنْد عقدهَا، وَلَا تتَوَقَّف صِحَّتهَا على مبايعة أهل الْأَمْصَار، بل مَتى بَلغهُمْ لَزِمَهُم الْمُوَافقَة إِذا كَانَ الْمَعْقُود لَهُ أَهلا لَهَا. ١٠ - الطَّرِيق الثَّانِي: اسْتِخْلَاف الإِمَام الَّذِي قبله: كَمَا اسْتخْلف أَبُو بكر ﵄، وَأَجْمعُوا على صِحَّته. فَإِن جعل الإِمَام الْأَمر بعده شُورَى فِي جمَاعَة صَحَّ أَيْضا، ويتفقون على وَاحِد مِنْهُم، كَمَا فعل عمر ﵁ بِأَهْل الشورى من الْعشْرَة، وَكَانُوا سِتَّة: عُثْمَان، وَعلي، وَطَلْحَة،

стр. 10

وَالزُّبَيْر، وَسعد، وَعبد الرَّحْمَن، وَاتَّفَقُوا على عُثْمَان، وَلَو عهد بِالْإِمَامَةِ إِلَى فلَان وَبعده إِلَى فلَان صَحَّ أَيْضا، وَكَانَت الْخلَافَة بعده على

стр. 11

مَا رتبه، كَمَا فعل (٦ / أ) النَّبِي [ ﷺ ] فِي أُمَرَاء غَزْوَة مؤته. وَيشْتَرط فِي الْخَلِيفَة الْمُسْتَخْلف والمستخلف بعده: أَن يَكُونَا قد جمعا شُرُوط الْإِمَامَة، وَأَن يقبل ولي الْعَهْد ذَلِك بعد الْعَهْد، وَقبل موت الْمُسْتَخْلف لَهُ، فَإِن رده لم تَنْعَقِد الْبيعَة. ١١ - وَأما الطَّرِيق الثَّالِث، الَّذِي تَنْعَقِد بِهِ الْبيعَة القهرية: فَهُوَ قهر صَاحب الشَّوْكَة، فَإِذا خلا الْوَقْت عَن إِمَام فتصدى لَهَا من هُوَ من أَهلهَا، وقهر النَّاس بشوكته وَجُنُوده بِغَيْر بيعَة أَو اسْتِخْلَاف، انْعَقَدت بيعَته، ولزمت طَاعَته، لينتظم شَمل الْمُسلمين وتجتمع كلمتهم. وَلَا يقْدَح فِي ذَلِك كَونه جَاهِلا أَو فَاسِقًا فِي الْأَصَح. وَإِذا انْعَقَدت الْإِمَامَة بِالشَّوْكَةِ وَالْغَلَبَة لوَاحِد ثمَّ قَامَ آخر فقهر الأول بشوكته وَجُنُوده، انْعَزل الأول وَصَارَ الثَّانِي إِمَامًا، لما قدمْنَاهُ (٦ / ب)

стр. 12

من مصلحَة الْمُسلمين وَجمع كلمتهم، وَلذَلِك قَالَ ابْن عمر فِي أَيَّام الْحرَّة: نَحن مَعَ من غلب. فصل (٣) ١٢ - لَو كَانَت شُرُوط الْخلَافَة فِي جمَاعَة صَالِحَة لَهَا، قدم أهل الْحل وَالْعقد أَصْلحهم للْمُسلمين. فَإِن عقدت للمفضول جَازَ عِنْد أَكثر الْعلمَاء. وَلَو كَانَ أحدهم أعلم مثلا وَالْآخر أَشْجَع مثلا: فَالْأولى أَن يقدم مِنْهُمَا من يَقْتَضِيهِ حَال الْوَقْت؛ فَإِن كَانَ عِنْد ظُهُور الْعَدو وخوفه وخلل الثغور، فالأشجع أولى من الأعلم. وَإِن كَانَ عِنْد ظُهُور الْبدع وَقلة الْعلم مَعَ الْأَمْن من الْعَدو وظهوره، فالأعلم أولى. ١٣ - وَلَا يجوز عقد الْإِمَامَة لاثْنَيْنِ، لَا فِي بلد وَاحِد وَلَا فِي بلدين، وَلَا فِي إقليم وَاحِد وَلَا فِي إقليمين، فَإِن عقد لاثْنَيْنِ فِي وَقت وَاحِد بطلت الْبيعَة وتستأنف لأَحَدهمَا أَو لغَيْرِهِمَا، وَإِن كَانَا فِي وَقْتَيْنِ مَعَ بَقَاء الأول، فالبيعة الثَّانِيَة (٧ / أ) بَاطِلَة حَيْثُ كَانَت.

стр. 13

وَإِن جهل السَّابِق مِنْهُمَا استؤنفت الْبيعَة لأَحَدهمَا أَو لغَيْرِهِمَا. فصل (٤) ١٤ - وَصفَة الْبيعَة أَن يُقَال: " بايعناك راضين على إِقَامَة الْعدْل وَالْقِيَام بفروض الْإِمَامَة على كتاب الله وَسنة رَسُوله [ ﷺ ] ". وَلَا تفْتَقر إِلَى الصفق بِالْيَدِ بل يَكْفِي فِيهِ القَوْل. ١٥ - وَمن عقدت لَهُ الْبيعَة جَازَ أَن يُسمى " خَليفَة " وَأَن يُقَال خَليفَة رَسُول الله [ ﷺ ] ، لِأَنَّهُ خَليفَة فِي أمته، وَالأَصَح: أَن لَا يُقَال خَليفَة الله، وَلذَلِك عِنْدَمَا قيل لأبي بكر ﵁: " يَا خَليفَة الله ". قَالَ: لست خَليفَة الله، وَلَكِنِّي خَليفَة رَسُول الله [ ﷺ ] .

стр. 14

الْبَاب الثَّانِي فِيمَا للخليفة وَالسُّلْطَان وَمَا عَلَيْهِ مِمَّا هُوَ مفوض إِلَيْهِ ١٦ - لإِمَام الْمُسلمين أَن يُفَوض ولَايَة كل أقليم أَو بلد أَو نَاحيَة أَو عمل إِلَى كفؤٍ للنَّظَر (٧ / ب) الْعَام فِيهِ، لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَى ذَلِك لاسيما فِي الْبِلَاد الْبَعِيدَة، كَمَا ولى رَسُول الله [ ﷺ ] عتاب بن أسيد مَكَّة، وَولى أَبُو بكر ﵁ خَالِد بن الْوَلِيد على الشَّام، وَعُثْمَان بن أبي الْعَاصِ ﵁ على الطَّائِف،

стр. 15

وَأَبا مُوسَى ﵁ على زبيد. وَولى عمر ﵁ أَبَا عُبَيْدَة على الشَّام، وَأَبا مُوسَى على الْبَصْرَة، وعمار بن يَاسر على الْكُوفَة، وَعَمْرو بن الْعَاصِ على مصر. وَلم يزل ذَلِك عَادَة الْخُلَفَاء لِأَن الْحَاجة تَدْعُو إِلَيْهِ.

стр. 16

فصل (١) ١٧ - إِذا فوض الْخَلِيفَة إِلَى رجل ولَايَة إقليم أَو بلد أَو عمل، فَإِن كَانَ تفويضاً خَاصّا بِعَمَل خَاص: لم يكن لَهُ الْولَايَة فِي غَيره، كَمَا إِذا ولاه الْجَيْش دون الْأَمْوَال أَو الْأَمْوَال دون الْأَحْكَام وَنَحْو ذَلِك. ١٨ - وَإِن كَانَ تفويضاً عَاما - كعرف الْمُلُوك والسلاطين فِي زَمَاننَا - جَازَ لَهُ تَقْلِيد الْقُضَاة (٨ / أ) والولاة، وتدبير الجيوش، وَاسْتِيفَاء الْأَمْوَال من جَمِيع جهاتها، وصرفها فِي مصارفها، وقتال الْمُشْركين والمحاربين. وَلَا ينظر فِي غير الإقليم الْمُفَوض إِلَيْهِ، لِأَن ولَايَته خَاصَّة. ١٩ - وَيعْتَبر فِي السُّلْطَان الْمُتَوَلِي من جِهَة الْخَلِيفَة مَا يعْتَبر فِيهِ خلا النّسَب لِأَنَّهُ قَائِم مقَامه.

стр. 17

فصل (٢) ٢٠ - إِذا استولى ملك بِالْقُوَّةِ والقهر والشوكة على بِلَاد، فَيَنْبَغِي للخليفة أَن يُفَوض أمورها إِلَيْهِ استدعاء لطاعته، ودفعا لمشاققته وخوفاً من اخْتِلَاف الْكَلِمَة، وشق عَصا الْأمة، فَيصير بذلك التَّفْوِيض صَحِيح الْولَايَة، نَافِذ الْأَحْكَام. فَإِن لم يكن أَهلا لذَلِك لفقد الصِّفَات الْمُعْتَبرَة جَازَ للخليفة إِظْهَار تَقْلِيده لما ذَكرْنَاهُ من الْمصَالح. وَيَنْبَغِي أَن يعين لَهُ نَائِبا أَهلا لتقليد الْولَايَة، ينفذ الْأُمُور لتَكون صِفَات (٨ / ب) النَّائِب جَائِزَة لما فَاتَ من صِفَات المستولي قهرا، فتنتظم الْمصَالح الدِّينِيَّة والدنيوية. فصل (٣) ٢٢ - للسُّلْطَان والخليفة على الْأمة عشرَة حُقُوق، وَلَهُم عَلَيْهِ عشرَة حُقُوق. ٢٣ - أما حُقُوق السُّلْطَان الْعشْرَة: فَالْحق الأول: بذل الطَّاعَة لَهُ ظَاهرا وَبَاطنا، فِي كل مَا يَأْمر بِهِ أَو ينْهَى عَنهُ، إِلَّا أَن

стр. 18

يكون مَعْصِيّة؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾ . وأولو الْأَمر هم: الإِمَام ونوابه عِنْد الْأَكْثَرين. وَقيل: هم الْعلمَاء. وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " السّمع وَالطَّاعَة على الْمُسلم فِيمَا أحب أَو كره مَا لم يُؤمر بِمَعْصِيَة ". فقد أوجب الله تَعَالَى وَرَسُوله: طَاعَة ولي الْأَمر، وَلم يستثنِ مِنْهُ سوى الْمعْصِيَة، فَبَقيَ مَا عداهُ على الِامْتِثَال. الْحق الثَّانِي: بذل النَّصِيحَة لَهُ سرا وَعَلَانِيَة. قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الدّين النَّصِيحَة " قَالُوا: لمن؟ (٩ / أ) " قَالَ لله، وَلِرَسُولِهِ، ولأئمة الْمُسلمين، وعامتهم ".

стр. 19

الْحق الثَّالِث: الْقيام بنصرتهم بَاطِنا وظاهراً ببذل المجهود فِي ذَلِك لما فِيهِ نصر الْمُسلمين وَإِقَامَة حُرْمَة الدّين، وكف أَيدي الْمُعْتَدِينَ. الْحق الرَّابِع: أَن يعرف لَهُ عَظِيم حَقه، وَمَا يجب من تَعْظِيم قدره، فيعامل بِمَا يجب لَهُ من الاحترام وَالْإِكْرَام، وَمَا جعل الله تَعَالَى لَهُ من الإعظام، وَلذَلِك كَانَ الْعلمَاء الْأَعْلَام من أَئِمَّة الْإِسْلَام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مَعَ زهدهم وورعهم وَعدم الطمع فِيمَا لديهم، وَمَا يَفْعَله بعض المنتسبين إِلَى الزّهْد من قلَّة الْأَدَب مَعَهم، فَلَيْسَ من السّنة. الْحق الْخَامِس: إيقاظه عِنْد غفلته، وإرشاده عِنْد هفوته، شَفَقَة عَلَيْهِ، وحفظاً لدينِهِ وَعرضه، وصيانةً لما جعله الله إِلَيْهِ من (٩ / ب) الْخَطَأ فِيهِ. الْحق السَّادِس: تحذيره من عَدو يَقْصِدهُ بِسوء، وحاسد يرومه بأذى، أَو خارجي يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ، وَمن كل شَيْء يخَاف عَلَيْهِ مِنْهُ على اخْتِلَاف أَنْوَاع ذَلِك وأجناسه، فَإِن ذَلِك من آكِد حُقُوقه وأوجبها.

стр. 20

الْحق السَّابِع: إِعْلَامه بسيرة عماله: الَّذين هُوَ مطَالب بهم، ومشغول الذِّمَّة بسببهم لينْظر لنَفسِهِ فِي خلاص ذمَّته، وللأمة فِي مصَالح ملكه ورعيته. الْحق الثَّامِن: إعانته على مَا تحمله من أعباء الْأمة ومساعدته على ذَلِك بِقدر المكنة، قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتعانوا على الْبر وَالتَّقوى﴾ وأحق من أعين على ذَلِك وُلَاة الْأُمُور. الْحق التَّاسِع: رد الْقُلُوب النافرة عَنهُ إِلَيْهِ، وَجمع محبَّة النَّاس عَلَيْهِ؛ لما فِي ذَلِك من مصَالح الْأمة وانتظام أُمُور الْملَّة. الْحق الْعَاشِر: الذب عَنهُ بالْقَوْل وَالْفِعْل، وبالمال وَالنَّفس والأهل فِي الظَّاهِر (١٠ / أ) وَالْبَاطِن، والسر وَالْعَلَانِيَة. وَإِذا وفت الرّعية بِهَذِهِ الْحُقُوق الْعشْرَة الْوَاجِبَة، وأحسنت الْقيام بمجامعها والمراعاة لموقعها، صفت الْقُلُوب، وأخلصت، وَاجْتمعت الْكَلِمَة وانتصرت.

стр. 21

٢٤ - وَأما حُقُوق الرّعية الْعشْرَة على السُّلْطَان: فَالْأول: حماية بَيْضَة الْإِسْلَام والذب عَنْهَا، إِمَّا فِي كل إقليم إِن كَانَ خَليفَة، أَو فِي الْقطر الْمُخْتَص بِهِ إِن كَانَ مفوضاً إِلَيْهِ، فَيقوم بجهاد الْمُشْركين وَدفع الْمُحَاربين والباغين، وتدبير الجيوش، وتجنيد الْجنُود، وتحصين الثغور بالعدة الْمَانِعَة وَالْعدة الدافعة، وبالنظر فِي تَرْتِيب الأجناد فِي الْجِهَات على حسب الْحَاجَات وَتَقْدِير إقطاعهم، وأرزاقهم، وَصَلَاح أَحْوَالهم. الْحق الثَّانِي: حفظ الدّين على أُصُوله المقررة، وقواعده المحررة، ورد الْبدع، والمبتدعين، (١٠ / ب) وإيضاح حجج الدّين، وَنشر الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة، وتعظيم الْعلم وَأَهله، وَرفع مناره وَمحله، ومخالطة الْعلمَاء الْأَعْلَام، النصحاء لدين الْإِسْلَام، ومشاورتهم فِي موارد الْأَحْكَام، ومصادر النَّقْض والإبرام. قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه [ ﷺ ] ﴿وشاورهم فِي الْأَمر﴾ قَالَ الْحسن: كَانَ

стр. 22

وَالله غَنِيا عَن الْمُشَاورَة، وَلَكِن أَرَادَ أَن يستن لَهُم. الْحق الثَّالِث: إِقَامَة شَعَائِر الْإِسْلَام: كفروض الصَّلَوَات، وَالْجمع وَالْجَمَاعَات، وَالْأَذَان، وَالْإِقَامَة، والخطابة، والإمامة، وَمِنْه النّظر فِي أَمر الصّيام وَالْفطر، وأهلّته، وَحج الْبَيْت الْحَرَام وعمرته. وَمِنْه: الاعتناء بالأعياد، وتيسير الحجيج من نواحي الْبِلَاد، وَإِصْلَاح طرقها وأمنها فِي مَسِيرهمْ، وانتخاب من ينظر أُمُورهم. الْحق الرَّابِع: فصل القضايا وَالْأَحْكَام، بتقليد الْوُلَاة والحكام لقطع المنازعات بَين الْخُصُوم، وكف الظَّالِم عَن الْمَظْلُوم، وَلَا يولي (١١ / أ) ذَلِك إِلَّا من يَثِق بديانته وأمانته وصيانته من الْعلمَاء والصلحاء، والكفاة النصحاء،

стр. 23

وَلَا يدع السُّؤَال عَن أخبارهم والبحث عَن أَحْوَالهم، ليعلم حَال الْوُلَاة مَعَ الرّعية، فَإِنَّهُ مسؤول عَنْهُم، مطَالب بِالْجِنَايَةِ مِنْهُم. قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] (كل رَاع مسؤول عَن رَعيته) . الْحق الْخَامِس: إِقَامَة فرض الْجِهَاد بِنَفسِهِ، وبجيوشه أَو سراياه وبعوثه، وَأَقل مَا يجب فِي كل سنة مرّة إِن كَانَ بِالْمُسْلِمين قُوَّة، فَإِن دعت الْحَاجة إِلَى أَكثر مِنْهُ وَجب بِقدر الْحَاجة، وَلَا يخلي سنة من جِهَاد إِلَّا لعذر كضعف بِالْمُسْلِمين - وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى - واشتغالهم بفكاك أَسْرَاهُم، واستنقاذ بِلَاد استولى الْكفَّار عَلَيْهَا. وَيبدأ بِقِتَال من يَلِيهِ من الْكفَّار إِلَّا إِذا قَصده الْأَبْعَد، فَيبْدَأ بقتاله لدفعه. الْحق السَّادِس: إِقَامَة الْحُدُود الشَّرْعِيَّة على الشُّرُوط (١١ / ب) المرعية، صِيَانة لمحارم الله عَن التجريء عَلَيْهَا، ولحقوق الْعباد عَن التخطي إِلَيْهَا. ويسوّي فِي الْحُدُود بَين الْقوي والضعيف، والوضيع والشريف. قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " إِنَّمَا أهلك من كَانَ قبلكُمْ أَنهم كَانُوا يُقِيمُونَ الْحُدُود

стр. 24

على الوضيع، ويتركون الشريف، وَايْم الله لَو أَن فَاطِمَة بنت مُحَمَّد سرقت لقطع مُحَمَّد يَدهَا ". الْحق السَّابِع: جباية الزكوات والجزية من أَهلهَا، وأموال الْفَيْء وَالْخَرَاج عِنْد محلهَا، وَصرف ذَلِك فِي مصارفه الشَّرْعِيَّة، وجهاته المرضية، وَضبط جِهَات ذَلِك، وتفويضه إِلَى الثِّقَات من الْعمَّال. الْحق الثَّامِن: النّظر فِي أوقاف الْبر والقربات، وصرفها فِيمَا هِيَ لَهُ من الْجِهَات، وَعمارَة القناطر وتسهيل سبل الْخيرَات. الْحق التَّاسِع: النّظر فِي قسم الْغَنَائِم وتقسيمها، وَصرف أخماسها إِلَى

стр. 25

مستحقيها، كَمَا سَيَأْتِي تفصيلها فِي بَاب (١٢ / أ) الْغَنَائِم إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الْحق الْعَاشِر: الْعدْل فِي سُلْطَانه، وسلوك موارده فِي جَمِيع شَأْنه. قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فاعدلوا﴾ وَفِي كَلَام الْحِكْمَة: عدل الْملك حَيَاة الرّعية، وروح المملكة، فَمَا بَقَاء جَسَد لَا روح فِيهِ. فَيجب على من حكّمه الله تَعَالَى فِي عباده، وملّكه شَيْئا من بِلَاده، أَن يَجْعَل الْعدْل أصل اعْتِمَاده، وَقَاعِدَة استناده، لما فِيهِ من مصَالح الْعباد وَعمارَة الْبِلَاد، وَلِأَن نعم الله يجب شكرها، وَأَن يكون الشُّكْر على قدرهَا، ونعمة الله على السُّلْطَان فَوق كل نعْمَة، فَيجب أَن يكون شكره أعظم من كل شكر. وَأفضل مَا يشْكر بِهِ السُّلْطَان لله تَعَالَى؛ إِقَامَة الْعدْل فِيمَا حكمه فِيهِ، وَلذَلِك رُوِيَ فِي الحَدِيث (عدل الإِمَام فِي رَعيته يَوْمًا وَاحِدًا أفضل من عبَادَة (١٢ / ب) سِتِّينَ سنة) . وَرُوِيَ: (مائَة سنة) .

стр. 26

وَلما كَانَ خطر السُّلْطَان جسيماً، ونفعه عميماً، كَانَ أجره عِنْد الله عَظِيما، ومقامه فِي الْجنَّة كَرِيمًا، وَلَو لم يكن فِي أجر الْعدْل مَا فِيهِ، لكَانَتْ مصَالح الْملك وَعمارَة الممالك تَقْتَضِيه، وَلذَلِك كَانَ كسْرَى وَغَيره من كفرة الْمُلُوك فِي غَايَة الْعدْل، مَعَ أَنهم لَا يَعْتَقِدُونَ ثَوابًا وَلَا عقَابا، لأَنهم علمُوا أَن بِالْعَدْلِ صَلَاح ملكهم، وَبَقَاء دولتهم، وَعمارَة بِلَادهمْ. قَالَ الْحُكَمَاء: الْملك بِنَاء أساسه الْجند، والجند جَيش يجمعهُمْ المَال، وَالْمَال رزق تجلبه الْعِمَارَة، والعمارة عمل يَنْمُو بِالْعَدْلِ. وَقَالَ الْحُكَمَاء: الْعَالم بُسْتَان سياجه الدولة، والدولة سُلْطَان يعضده الْجَيْش، والجيش جند يجمعهُمْ المَال، وَالْمَال رزق تجمعه الرّعية، والرعية عبيد ينشئهم الْعدْل. وَقد اتّفقت شرائع الْأَنْبِيَاء وآراء الْحُكَمَاء والعقلاء أَن الْعدْل سَبَب لنمو البركات ومزيد (١٣ / أ) الْخيرَات، وَأَن الظُّلم والجور سَبَب لخراب الممالك، واقتحام المهالك وَلَا شكّ عِنْدهم فِي ذَلِك. قيل: نزل ملك متخفياً فَمر بِرَجُل لَهُ بقرة، تحلب حلاب ثَلَاثِينَ بقرة فَعجب مِنْهَا، وعزم على أَخذهَا، فحلبت فِي الْغَد نصف حلبها، فَسَأَلَهُ الْملك عَن سَبَب ذَلِك فَقَالَ: أَظن أَن سلطاننا عزم على أَخذهَا، وظلم الْملك يذهب الْبركَة، فَنوى السُّلْطَان تَركهَا، وَعَاهد الله عَلَيْهِ، فجلبت من الْغَد عَادَتهَا، فعاهد السُّلْطَان ربه أَن يعدل مَا بقى.

стр. 27

وَقيل: كَانَ بصعيد مصر نَخْلَة تحمل سِتِّينَ ويبة، فغصبها السُّلْطَان فَلم تحمل ثَمَرَة وَاحِدَة. فقد ظهر أَن بِالْعَدْلِ قيام الْملك ودوام السُّلْطَان، وَشرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. فصل (٤) ٢٥ - قد ذكرنَا مَا للسُّلْطَان من الْحُقُوق، وفصلنا ذَلِك بِمَا يُغني عَن (١٣ / ب) إِعَادَته، وَمَا سوى ذَلِك فالسلطان فِيهِ وَاحِد من الْمُسلمين لَهُ مَا لَهُم وَعَلِيهِ مَا عَلَيْهِم: من فرض وَسنة، وَطَاعَة ومعصية، وحلال وَحرَام، وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام. فصل (٥) ٢٦ - يجب على السُّلْطَان أَن ينزل نَفسه من الله تَعَالَى بِمَنْزِلَة ولاته ونوابه، لِأَنَّهُ فِي ملك الله الَّذِي أَقَامَهُ فِيهِ يتَصَرَّف، وبشريعته الَّتِي أمره بهَا يعْمل، فَكَمَا أَن من أطاعة من نوابه ونصحه فِي مَمْلَكَته، اسْتحق شكره واستمراره، وَأَن من خَالف مَا حدده لَهُ وأوجبه اسْتحق عَزله وغضبه، فَكَذَلِك حَال السُّلْطَان مَعَ الله تَعَالَى فِي رعاياه، إِن أطاعه فيهم أَو عَصَاهُ.

стр. 28

٢٧ - وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للسُّلْطَان مُشَاورَة الْعلمَاء العاملين الناصحين لله وَرَسُوله وللمسلمين فيعتمد عَلَيْهِم فِي أَحْكَامه، ونقضه وإبرامه، وجدير بِملك يكون تَدْبيره بَين نصيحة الْعلمَاء، وَدُعَاء الصلحاء، أَن يقوم عمده، ويدوم أمده. فصل (٦) ٢٨ - (١٤ / أ) إِذا طَرَأَ على الإِمَام أَو السُّلْطَان مَا يُوجب فسقه، فَالْأَصَحّ أَنه لَا يَنْعَزِل عَن الْإِمَامَة بذلك، لما فِيهِ من اضْطِرَاب الْأَحْوَال، بِخِلَاف القَاضِي إِذا طَرَأَ عَلَيْهِ الْفسق، فَالْأَصَحّ أَنه يَنْعَزِل. ٢٩ - وَإِذا خرج على الإِمَام طَائِفَة من الْمُسلمين فرامت خلعه، أَو منعته حَقًا عَلَيْهَا لَهُ، سَأَلَهُمْ مَا ينقمون، فَإِن ذكرُوا شُبْهَة أزالها، أَو عِلّة أزاحها، فَإِن أصروا على مشاققته وعظهم، وخوفهم بقتاله لَهُم، فَإِن أصروا على المشاققة قَاتلهم، لقَوْله تَعَالَى ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغى حَتَّى تفئ إِلَى أَمر الله﴾ وَلَا يقاتلهم بِمَا يعم كالمنجنيق وَالنَّار إِلَّا لضَرُورَة، وَلَا يتبع فِي الْحَرْب مدبرهم، وَلَا يدفف على جريحهم، وَلَا يسبي حريمهم، وَلَا

стр. 29

يغنم أَمْوَالهم؛ لِأَن الْمَقْصُود دفعهم عَن الْبَاطِل، ورجوعهم إِلَى الْحق. وَلَا يضمن أهل الْعدْل مَا أتلفوه عَلَيْهِم فِي الْحَرْب من نفس وَمَال. (١٤ / ب) وَمن أسر من رِجَالهمْ حبس إِلَى انْقِضَاء حربهم، ثمَّ يتْرك وَيُؤْخَذ عَلَيْهِ الْعَهْد أَنه لَا يعود إِلَى ذَلِك. فصل (٧) ٣٠ - السُّلْطَان فِي لُغَة الْعَرَب: قد يسْتَعْمل فِي المملكة وَالْقُدْرَة، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تنفذون إِلَّا بسُلْطَان﴾ وَقد يسْتَعْمل بِمَعْنى الْحجَّة، وَمِنْه قَوْله ﴿فأتونا بسُلْطَان مُبين﴾ فَسُمي السُّلْطَان سُلْطَانا إِمَّا لملكته وَقدرته، وَإِمَّا لكَونه حجَّة على وجود الله وتوحيده، لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَسْتَقِيم أَمر الإقليم بِغَيْر مُدبر، فَكَذَلِك لَا يَسْتَقِيم أَمر الْعَالم وَمَا فِيهِ من الحكم بِغَيْر مُدبر حَكِيم، وكما لَا يَسْتَقِيم

стр. 30

أَمر سلطانين فِي بلد وَاحِد؛ فَكَذَلِك لَا يَسْتَقِيم أَن يكون للوجود إلهان، قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ . وَقيل: وَهُوَ مُشْتَقّ من السليط، لِأَنَّهُ يضيء بعدله وتدبيره على رَعيته كَمَا يضيء السليط بنوره على أَهله.

стр. 31

(١٥ / أ) الْبَاب الثَّالِث فِي تَقْلِيد الوزراء وَمَا يتحملونه من الأعباء ٣١ - قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا مَعَه أَخَاهُ هَارُون وزيرا﴾ وَلَفظ الوزارة: مَأْخُوذ من الْوزر (بِكَسْر الْوَاو، وَسُكُون الزَّاي) ، وَهُوَ الثّقل لِأَن الْوَزير يتَحَمَّل أثقال الْملك وأعباءه عَن الإِمَام أَو السُّلْطَان. وَقيل: مَأْخُوذ من الْوزر (بِفَتْح الْوَاو وَالزَّاي) ، وَهُوَ الملجأ؛ لِأَن الْوَزير يلتجأ إِلَى تَدْبيره ومعونته. وَقيل: مَأْخُوذ من الأزر وَهُوَ الظّهْر، لِأَن الْملك يقوى على أَعماله بوزيره كقوة الْبدن بظهره.

стр. 32

فصل (١) ٣٢ - وَيجوز للْإِمَام وَالسُّلْطَان تَقْلِيد الوزارة لمن جمع شُرُوطهَا، لِأَن الإِمَام لَا يقدر على مُبَاشرَة جَمِيع مَا وكل إِلَيْهِ من أَمر الْملَّة ومصالح الْأمة، فَيحْتَاج إِلَى معاضدة وَزِير يشركهُ فِي النّظر وَالتَّدْبِير. ٣٣ - وَلَا بُد من لفظ بالتولية مشْعر (١٥ / ب) بمقصودها، وتمييزها من غَيرهَا كَسَائِر الولايات وَهُوَ: وليتك الوزارة أَو وزارتي فِيمَا إِلَيّ، أَو فوضت إِلَيْك وزارتي أَو الوزارة أَو النِّيَابَة عني فِيمَا إِلَيّ، لِأَن ولَايَة الوزارة من الْعُقُود الْعَظِيمَة الَّتِي لَهَا خطر وتفاصيل لَا يحتملها هَذَا الْمُخْتَصر. وَيشْتَرط فِي الْوَزير من الصِّفَات مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ متحمل أعباء المملكة، فَيلْزمهُ حمل أثقالها، وَإِصْلَاح أحوالها، وازاحة اختلالها، وتمييز أقوالها، وانتخاب الْأَكفاء لأعمالها، مَعَ تفقد أَحْوَالهم وكشف حَال أَعْمَالهم، وَأمرهمْ بِالْعَدْلِ، وَلُزُوم الْأَمَانَة، وتحذيرهم عَاقِبَة الظُّلم والخيانة، فَمن أحسن الْقيام بوظيفته، زَاد فِي كرامته، وَمن أَسَاءَ قابله بطرده وإهانته، وَمن قصر عَن غَفلَة بصّره أَو عَن سَهْو أَو خطأ أيقظه وعذره، وَيلْزمهُ الاعتناء بجهات الْأَمْوَال وحسابها ومظان تَحْصِيلهَا، (١٦ / أ) وتيسير أَسبَابهَا، وَسَيذكر جِهَات الْأَمْوَال إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَبْوَابهَا من هَذَا الْكتاب.

стр. 33

فصل (٢) ٣٤ - الوزارة نَوْعَانِ: وزارة تَفْوِيض، ووزارة تَنْفِيذ. ٣٥ - النَّوْع الأول: وزارة التَّفْوِيض. هُوَ أَن يُفَوض إِلَيْهِ الإِمَام أَو السُّلْطَان جَمِيع الْأُمُور الْمُتَعَلّقَة بِهِ، يدبرها بِرَأْيهِ، ويمضيها على اجْتِهَاده، بِهَذَا يسْتَقلّ بالولايات الْعَامَّة من تَقْلِيد الْقُضَاة، والحكام، والولاة، وتجنيد الأجناد، وَصرف الْأَمْوَال، وَبعث الجيوش، وَسَائِر الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة، ثمَّ يطالع الإِمَام أَو السُّلْطَان بِمَا أَمْضَاهُ ودبر؛ لينْظر فِيهَا بِرَأْيهِ واجتهاده، فَيقر مَا يصوبه ويستدرك مَا يردهُ. وَيعْتَبر فِي هَذَا الْوَزير الْمَوْصُوف بوزير التَّفْوِيض مَا يعْتَبر فِي الإِمَام أَو السُّلْطَان، إِلَّا النّسَب فَإِنَّهُ لَا يعْتَبر فِيهِ كَونه قرشياً. ٣٦ - النَّوْع الثَّانِي: وَزِير التَّنْفِيذ. هُوَ الَّذِي ينفذ عَن الْخَلِيفَة أَو السُّلْطَان (١٦ / ب) مَا يَأْمر بِهِ، ويمضي مَا حكم بِهِ. ويخبر بِمَا تقدم سُلْطَانه بِهِ من تَقْلِيد الْوُلَاة والحكام، وتجهيز

стр. 34

الجيوش والبعوث وَغير ذَلِك من الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة، من غير أَن يستبد هُوَ بِشَيْء من ذَلِك. ويعرض هُوَ على السُّلْطَان مَا يرد من الْأُمُور المهمة لِيَتَقَدَّم السُّلْطَان فِيهَا بِمَا يرَاهُ أصوب، وَيشْتَرط فِي وَزِير التَّنْفِيذ هَذَا أَن يكون من أهل الصدْق وَالْأَمَانَة والعفة، والديانة والفطنة والصيانة، وبصيراً بالأمور سالما من الْأَهْوَاء والشحناء بَينه وَبَين النَّاس. وَيشْتَرط ذَلِك فِي وَزِير التَّفْوِيض، وَهُوَ أولى. وَإِذا عزل وَزِير التَّفْوِيض لم يَنْعَزِل عُمَّال التَّفْوِيض فِي الأقاليم بعزله وَإِنَّمَا يَنْعَزِل عُمَّال التَّنْفِيذ من جِهَته، لأَنهم نوابه.

стр. 35

الْبَاب الرَّابِع فِي اتِّخَاذ الْأُمَرَاء لجهاد الْأَعْدَاء ٣٧ - الْإِمَارَة قِسْمَانِ: عَامَّة، وخاصة. ٣٨ - أما الْإِمَارَة الْعَامَّة: فَهِيَ الْخلَافَة (١٧ / أ) المنعوت صَاحبهَا بأمير الْمُؤمنِينَ، وَأول من نعت بِهِ من الْخُلَفَاء: عمر بن الْخطاب ﵁ لما ولي الْخلَافَة، فَصَارَت سنة الْخُلَفَاء خَاصَّة. ٣٩ - وَأما الْإِمَارَة الْخَاصَّة، فأنواع: النَّوْع الأول: من لَهُ النّظر الْعَام فِي الْأَعْمَال الْعَامَّة فِي بعض الأقاليم أَو الْبِلَاد، وهم الْمُلُوك والسلاطين فِي عرف زَمَاننَا هَذَا، وَقد تقدم ذكرهم، ووصفهم وَمَا لَهُم وَمَا عَلَيْهِم. النَّوْع الثَّانِي: من لَهُ نظر خَاص فِي بلد لَا ينظر فِي غَيره، كمن لَهُ النّظر على الْجَيْش خَاصَّة فِي إقليم خَاص أَو على أَمْوَال إقليم خَاصَّة، تحصيلاً وصرفاً، أَو على شرطة ذَلِك الإقليم أَو الْبَلَد، أَو على الحجيج خَاصَّة إِلَى أَن يعودوا، أَو على جَيش أَو سَرِيَّة إِلَى أَن يرجِعوا، أَو نَحْو ذَلِك من الولايات الْخَاصَّة.

стр. 36

النَّوْع الثَّالِث: وَهُوَ الْمَقْصُود بِهَذَا الْبَاب، من جعل لَهُ النّظر على طَائِفَة من الْجند، لَا ينظر فِي غَيرهم، وَلَا يحكم على من عداهم (١٧ / ب) كالأمراء الْمَشْهُورين فِي عرف هَذَا الزَّمَان فِي الْبِلَاد المصرية والشامية - حرسهما الله تَعَالَى وَسَائِر بِلَاد الْإِسْلَام - أَرْبَاب الاقطاعات المرصدين للْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى، فَإِن لكل وَاحِد مِنْهُم طَائِفَة مَعْدُودَة من الْجند ينظر فِي أُمُورهم، ويتكلف بتدبيرهم. ٤٠ - وكل تِلْكَ الْأَنْوَاع من الْإِمَارَة جَائِزَة وَسنة. فقد ثَبت أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَمر الْأُمَرَاء فِي الْبِلَاد: كعتاب بن أسيد على مَكَّة. وَكَانَ يُؤمر على الْبعُوث والسرايا، وجنبات الْجَيْش، ويعقد لَهُم الرَّايَات، فأمّر عَمه حَمْزَة ﵁ على سَرِيَّة، وَعقد لَهُ

стр. 37

الرَّايَة، وَكَانَ أول أَمِير، وَأول راية عقدت فِي الْإِسْلَام وَأمر عُبَيْدَة بن الْحَارِث بعده، وَعقد لَهُ الرَّايَة. وَأمر أَبَا عُبَيْدَة على جَيش الْخبط وَأمر عَمْرو بن الْعَاصِ فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل.

стр. 38

وَأمر زيد بن حَارِثَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة (١٨ / أ) ، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد، فجعفر بن أبي طَالب، فَإِن أُصِيب جَعْفَر، فعبد الله بن رَوَاحَة. وَأمر أُسَامَة بن زيد وسنه ثَمَان عشرَة سنة. وَكَانَ من أمرائه: الزبير بن الْعَوام وخَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَأمر أَبُو بكر ﵁ أَبَا عُبَيْدَة الْجراح، ومعاذ بن جبل

стр. 39

وشرحبيل بن حسنه، وَيزِيد بن أبي سُفْيَان، حِين بَعثهمْ إِلَى الشَّام فَأمر كل وَاحِد مِنْهُم على طَائِفَة، وَجعل أَبَا عُبَيْدَة أَمِير الْجَمَاعَة، وَكَذَلِكَ فعل عمر ﵁ فِي خِلَافَته.

стр. 40

فَدلَّ ذَلِك على السّنة فِي اتِّخَاذ الْأُمَرَاء عُمُوما وخصوصاً. وَقد ورد فِي الحَدِيث " من أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي، وَمن أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله، وَمن عصى أَمِيري فقد عَصَانِي، وَمن عَصَانِي فقد عصى الله " وَقَالَ " اسمعوا وَأَطيعُوا، وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي ". فصل (١) ٤١ - يَنْبَغِي أَن يكون الْأَمِير الْمُقدم على طَائِفَة من الْجند أَو على الْجَيْش أَو سَرِيَّة، أشجعهم نفسا، وأثبتهم جأشاً، وأصوبهم رَأيا، وَأَحْسَنهمْ خلقا، وأسخاهم يدا، وأعرفهم بِالْحَرْبِ وتدبيرها، ومكايدها، وخدعها، ذَا بسالة ونخوة، وإقدام وجرأة، صارم الْقلب، ثَبت الْجنان، قد مارس الرِّجَال وقارع الْأَبْطَال، ونازل الأقران، خَبِيرا
следующие страницы →