Полный текст (219 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
النَّوْع الثَّالِث: وَهُوَ الْمَقْصُود بِهَذَا الْبَاب، من جعل لَهُ النّظر على طَائِفَة من الْجند، لَا ينظر فِي غَيرهم، وَلَا يحكم على من عداهم (١٧ / ب) كالأمراء الْمَشْهُورين فِي عرف هَذَا الزَّمَان فِي الْبِلَاد المصرية والشامية - حرسهما الله تَعَالَى وَسَائِر بِلَاد الْإِسْلَام - أَرْبَاب الاقطاعات المرصدين للْجِهَاد فِي سَبِيل الله تَعَالَى، فَإِن لكل وَاحِد مِنْهُم طَائِفَة مَعْدُودَة من الْجند ينظر فِي أُمُورهم، ويتكلف بتدبيرهم.
٤٠ - وكل تِلْكَ الْأَنْوَاع من الْإِمَارَة جَائِزَة وَسنة. فقد ثَبت أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أَمر الْأُمَرَاء فِي الْبِلَاد: كعتاب بن أسيد على مَكَّة. وَكَانَ يُؤمر على الْبعُوث والسرايا، وجنبات الْجَيْش، ويعقد لَهُم الرَّايَات، فأمّر عَمه حَمْزَة ﵁ على سَرِيَّة، وَعقد لَهُ
стр. 37
الرَّايَة، وَكَانَ أول أَمِير، وَأول راية عقدت فِي الْإِسْلَام وَأمر عُبَيْدَة بن الْحَارِث بعده، وَعقد لَهُ الرَّايَة. وَأمر أَبَا عُبَيْدَة على جَيش الْخبط وَأمر عَمْرو بن الْعَاصِ فِي غَزْوَة ذَات السلَاسِل.
стр. 38
وَأمر زيد بن حَارِثَة فِي غَزْوَة مُؤْتَة (١٨ / أ) ، وَقَالَ: إِن أُصِيب زيد، فجعفر بن أبي طَالب، فَإِن أُصِيب جَعْفَر، فعبد الله بن رَوَاحَة. وَأمر أُسَامَة بن زيد وسنه ثَمَان عشرَة سنة. وَكَانَ من أمرائه: الزبير بن الْعَوام وخَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. وَأمر أَبُو بكر ﵁ أَبَا عُبَيْدَة الْجراح، ومعاذ بن جبل
стр. 39
وشرحبيل بن حسنه، وَيزِيد بن أبي سُفْيَان، حِين بَعثهمْ إِلَى الشَّام فَأمر كل وَاحِد مِنْهُم على طَائِفَة، وَجعل أَبَا عُبَيْدَة أَمِير الْجَمَاعَة، وَكَذَلِكَ فعل عمر ﵁ فِي خِلَافَته.
стр. 40
فَدلَّ ذَلِك على السّنة فِي اتِّخَاذ الْأُمَرَاء عُمُوما وخصوصاً. وَقد ورد فِي الحَدِيث " من أطَاع أَمِيري فقد أَطَاعَنِي، وَمن أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله، وَمن عصى أَمِيري فقد عَصَانِي، وَمن عَصَانِي فقد عصى الله " وَقَالَ " اسمعوا وَأَطيعُوا، وَإِن اسْتعْمل عَلَيْكُم عبد حبشِي ".
فصل (١)
٤١ - يَنْبَغِي أَن يكون الْأَمِير الْمُقدم على طَائِفَة من الْجند أَو على الْجَيْش أَو سَرِيَّة، أشجعهم نفسا، وأثبتهم جأشاً، وأصوبهم رَأيا، وَأَحْسَنهمْ خلقا، وأسخاهم يدا، وأعرفهم بِالْحَرْبِ وتدبيرها، ومكايدها، وخدعها، ذَا بسالة ونخوة، وإقدام وجرأة، صارم الْقلب، ثَبت الْجنان، قد مارس الرِّجَال وقارع الْأَبْطَال، ونازل الأقران، خَبِيرا
стр. 41
بمواقع الْغرَّة من الْعَدو، عَارِفًا بترتيب المصافات، ومظان الكمناء، ومواطن الحذر، فَإِن انتخاب الْمُقدم من أهم الْأُمُور. وَلذَلِك قَالَ بعض الْحُكَمَاء: ألف ثَعْلَب يَقُودهَا أَسد، خير من ألف أَسد يَقُودهَا ثَعْلَب. وكما قيل:
(إِذا كَانَ فِي ألفٍ من الْقَوْم فارسٌ ... مطاعٌ فإنّ الْقَوْم فِي ألف فَارس)
فصل (٢)
٤٢ - وللسلطان أَن يَجْعَل للأمير من الرزق والإقطاع مَا يقوم بكفايته اللائقة بِحَالهِ، ومنزلته، وَعِيَاله، وخدمه، ودوابه، بِالْمَعْرُوفِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيله إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَابه من هَذَا (١٩ / أ) الْكتاب.
وعَلى أَمِير الطَّائِفَة أَن يتفقد أَحْوَالهم، ورزقهم، ومصالحهم، ويأخذهم بِكَمَال الاستعداد، والتهيؤ لمباشرة الْجِهَاد، واتخاذ السِّلَاح وَالْخَيْل والأعتاد، وإدمان الفروسية، ورياضة الْخَيل وممارستها بالمسابقة عَلَيْهَا، وإدمان الرَّمْي والطعان والقوى وَنَحْو ذَلِك من الاستعداد، وسنذكره إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 42
٤٣ - وعَلى طَائِفَة الْأَمِير امْتِثَال أمره، والتزام طَاعَته، وَالرُّجُوع إِلَى تَدْبيره ورأيه لتَكون الْكَلِمَة مجتمعة والآراء متفقة، فَإِن الْخَيْر فِي اجْتِمَاع الْكَلِمَة. فَإِن ظهر لبَعْضهِم صَوَاب خَفِي على أميره، بيّنه لَهُ بأدب، وَإِن نابهم أَمر رَفَعُوهُ إِلَيْهِ.
стр. 43
الْبَاب الْخَامِس فِي حفظ الأوضاع الشَّرْعِيَّة وقواعد مناصبها المرضية
٤٤ - الشَّرِيعَة: هِيَ المحجة الَّتِي جَاءَ بهَا رَسُول الله [ ﷺ ] ، وسنها وَأوجب اتباعها (١٩ / ب) وصونها، وَهِي إِلَى الله أقصد سَبِيل، لِأَن مبناها على الْوَحْي والتنزيل، وَالْخَيْر كُله فِي اتباعها، وَالشَّر كُله فِي ضياعها.
٤٥ - وَقد جعل الله لَهَا حماة يُقِيمُونَ منارها، وَحَملَة يحفظون شعارها. فحماتها: الْمُلُوك والأمراء. وحفاظها: هم الْأَئِمَّة الْعلمَاء. أما الْمُلُوك والأمراء: فقد تقدم شرح صفاتهم وأنواع تصرفاتهم، وَأما الْعلمَاء القائمون بحملها المعنيون بحفظها ونقلها، فهم الْمرجع فِي حلالها وحرامها، ومواقع أَحْكَامهَا. فَمنهمْ: الْكَافِي للْحكم وَالْقَضَاء، وَحمل مَا فِيهِ من الأعباء. وَمِنْهُم: من هُوَ أهل الْفَتَاوَى والوقائع.
стр. 44
وَمِنْهُم: من هُوَ أهل للحسبة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَمِنْهُم: من هُوَ أهل للإفادة والتعليم، وَالنَّظَر فِي الْأَوْقَاف وَمَال الْيَتِيم. وشروط الْجَمِيع: عَدَالَة لَا يعدل عَنْهَا، وكفاية لَا يجوز الْخُلُو مِنْهَا.
٤٦ - وَالنَّظَر فِي الأوضاع الشَّرْعِيَّة:
خَمْسَة أَنْوَاع.
٤٧ - الأول: الْقَضَاء، وَهُوَ أعظمها وَقعا، وأعمها نفعا، وَعَلِيهِ مدَار الْمصَالح عَادَة (٢٠ / أ) وَشرعا. وَلِهَذَا المنصب شُرُوط لَا بُد مِنْهَا، وآداب لَا غنى عَنْهَا.
٤٨ - فَشرط القَاضِي: الْإِسْلَام، وَالْبُلُوغ، وَالْعقل، والذكورة، وَالْعَدَالَة، وَالْعلم، والكفاية، والسلامة.
فَلَا يَصح تَوْلِيَة كَافِر أَو صبي أَو نَاقص عقل أَو امْرَأَة أَو فَاسق أَو جَاهِل أَو قَاصِر عَن الْكِفَايَة اللائقة بِالْقضَاءِ أَو أعمى أَو أَصمّ. ونعني بِالْعقلِ: صِحَة التَّمْيِيز، وجودة الفطنة والذكاء.
стр. 45
ونعني بِالْعلمِ: مَعْرفَته بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة: أصولاً وفروعاً، بِمَعْرِِفَة الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس، ومظان مواقعها.
ونعني بالكفاية: قُوَّة النَّفس بِالْحَقِّ، وَحسن التَّصَرُّف فِي الحكم، وسياسة النَّاس فِيهِ.
ونعني بالسلامة: صِحَة السّمع، وَالْبَصَر، وَاللِّسَان، لِأَن عديم ذَلِك لَا يبصر الْخُصُوم، وَلَا يسمع كَلَامهم، وَلَا يفهم حكمه، وَلِأَن أبهة القَاضِي تأبى نقص ذَلِك.
فصل
٤٩ - وَأما آدابه: فَهُوَ أَن يكون ذَا ديانَة مَشْهُورَة، وسيرة مشكورة، وصيانة مَعْرُوفَة، (٢٠ / ب) وعفة مألوفة، ووقار وسكينة، وَنَفس شريفة، تَامّ الْوَرع، خلياً من الطمع، متنزهاً عَن مُلَابسَة الرذائل ومخالطة الأراذل، شَدِيدا من غير عنف، لينًا من غير ضعف.
وَأحد قولي الشَّافِعِي: أَنه لَا يجوز فِي الْبَلَد أَكثر من قَاض وَاحِد لِاجْتِمَاع الْكَلِمَة، وَعدم النزاع، وَعَلِيهِ درج السّلف الماضون صِيَانة للْأَحْكَام.
стр. 46
وَلَا بُد من لفظ بالتولية إِن كَانَ حَاضرا بِبَلَد السُّلْطَان أَو نَائِبه فِي ذَلِك، وَإِن كَانَ بِبَلَد بعيد لَا يبلغهم الْخَبَر مستفيضاً إِلَيْهِ كتب تَقْلِيده؛ وَأشْهد عَلَيْهِ شَاهِدين، وَإِن كَانَ يبلغهم الْخَبَر مستفيضاً كفى ذَلِك فِي الْأَصَح، وَعَلِيهِ لَو كَانَ الْبَلَد قَرِيبا بِحَيْثُ ينتشر الْخَبَر فِيهِ بولايته ويتفيض اكْتفي بانتشار الْخَبَر، وَأَنه قاضيه. وَقيل: لَا يَكْفِي إِلَّا الْإِشْهَاد. وَاخْتلف الْعلمَاء فِي جَوَاز الْإِشْهَاد.
٥٠ - النّظر الثَّانِي: فِي الْفَتَاوَى
وَالْحَاجة إِلَيْهِ دَاعِيَة (٢١ / أ) لحَاجَة النَّاس فِي الْإِسْلَام لمعْرِفَة الْحَلَال وَالْحرَام، وَلم يزل الصَّحَابَة والتابعون لَهُم يرجعُونَ إِلَيْهَا، ويعولون فِي دينهم عَلَيْهَا. ٥١ - وشروط الْمُفْتِي: خَمْسَة: وَهِي: الْإِسْلَام، وَالْبُلُوغ، وَالْعقل، وَالْعلم، وَالْعَدَالَة.
وَقد شرحنا ذَلِك فِي شُرُوط القَاضِي، وَمَا عدا هَذِه الْخَمْسَة لَا يشْتَرط فِيهِ.
وَيَنْبَغِي أَن يكون خَبِيرا بلغَة بِلَاده، ناصحاً لله وَرَسُوله وعباده.
وَلَا يمكّن من الْفَتْوَى من لم يجمع شُرُوطهَا، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من علومها: الْأُصُولِيَّة والفروعية، ومسائلها الإجماعية والخلافية، كي لَا يغترّ النَّاس بِهِ، ويقعوا فِي الْخَطَأ بِسَبَبِهِ.
стр. 47
وَصَحَّ عَن النَّبِي [ ﷺ ] : " إِن الله لَا ينْزع الْعلم انتزاعاً ينتزعه، وَلَكِن ينتزعه بِقَبض الْعلمَاء، حَتَّى إِذا لم يبْق عَالم، اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا، فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا، وأضلوا ".
٥٢ - (٢١ / ب) النّظر الثَّالِث: الْحِسْبَة وحقيقتها: ولَايَة الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَكَانَت فِي الْأَزْمَان السالفة فرعا من فروع الْقَضَاء تَارَة، وَمن جِهَة السُّلْطَان تَارَة أُخْرَى. وشروط ولَايَة الْحِسْبَة: الْإِسْلَام، وَالْعَدَالَة، وَالْعلم، والصرامة، وَمَعْرِفَة الْمُنْكَرَات ووجوه الْمصَالح العموميات.
٥٣ - وَالَّذِي عَلَيْهِ من الْوَظَائِف، فَثَلَاثَة أَنْوَاع: الأول: حُقُوق الله تَعَالَى، فَينْظر من يخلّ بالواجبات من الطَّهَارَة والصلوات وَالْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات. وَمن يرتكب الْمُنْكَرَات كإظهار الْمُحرمَات، وَشرب المسكرات، وكشف العورات، لاسيما فِي الحمامات، فيزجر فَاعل ذَلِك، ويؤدبه بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال.
стр. 48
النَّوْع الثَّانِي: حُقُوق الْعباد المختصة، وَهُوَ النّظر فِي الموازين والمكاييل وصحتها على الْعرف المألوف فِي بَلَده، وَينظر فِي المكيلات، (٢٢ / أ) والموزونات والمزروعات والمعدودات، وأنواع الْعرف والصناعات، فيأمر بإصلاح فَسَادهَا، وجريها على أحسن عوائدها. وَمِنْه أَنْوَاع الْأَشْرِبَة والمركبات: كأنواع المعاجين والمفردات. وَمِنْه، النّظر فِي الشوارع والمجاري. وَمِنْه، النّظر فِي السماسرة والدلالين، وأرباب الصَّنَائِع وَمَا يتسلمونه بِالِاحْتِيَاطِ بالتضمين. وَمِنْه، النّظر فِي أَحْوَال التُّجَّار، والواردين من الْأَمْصَار، والقيم والأسعار.
النَّوْع الثَّالِث: مَا يشْتَرك فِيهِ حق الله تَعَالَى، وَحقّ الْعباد. وَمِنْه النّظر فِي الأرقاء والسادة، وَمَا يلْزمهُم شرعا وَعَادَة. وَمِنْه، النّظر فِي أهل الذِّمَّة، فيأمرهم بالغيار وَمَا يميزهم عَن
стр. 49
الْمُسلمين ويمنعهم مِمَّا منعُوا عَنهُ، ويكف عَنْهُم أَيدي الْمُعْتَدِينَ، وَيُعَزر من وَجب تغزيره (٢٢ / ب) بِاجْتِهَادِهِ، وَيخْتَلف ذَلِك باخْتلَاف رَعيته وبلاده، وَلَا يبلغ بالتعزير حدا من الْحُدُود.
٥٤ - النّظر الرَّابِع: الْأَوْقَاف الْعَامَّة والخاصة. وَهِي مفوضة إِلَى الْقُضَاة عِنْد الاطلاق، فَإِن خص الإِمَام بهَا من يصلح لَهَا، وفوضها إِلَيْهِ: صَحَّ ذَلِك، وَلَزِمَه الْقيام بأمورها وَالنَّظَر فِي مصالحها، وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الْأَوْقَاف الْخَاصَّة والعامة؛ لِأَن الْخَاصَّة ستؤول إِلَى الْعَامَّة، فَإِن كَانَ أهل الْأَوْقَاف الْخَاصَّة قَائِمين بمصالحها وشروطها، أقرهم عَلَيْهَا، وَإِلَّا نَزعهَا مِنْهُم وفوضها إِلَى من يقوم بذلك، أَو يضم إِلَيْهِم من يرشدهم لذَلِك ويمنعهم من ضياعها.
٥٥ - النّظر الْخَامِس: الْأَيْتَام والسفهاء والمجانين، ومصالحهم، وَأَمْوَالهمْ وكفلاؤهم. وَهِي دَاخِلَة فِي ولَايَة (٢٣ / أ) الْقُضَاة عِنْد الاطلاق، كَمَا تقدم فِي الْأَوْقَاف، فَإِن خص الإِمَام بذلك من هُوَ كَاف للْقِيَام بِهِ، فَلهُ ذَلِك، وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين من لَهُ وَصِيّ خَاص، وَبَين من لَا وَصِيّ لَهُ. فَإِن كَانَ الْوَصِيّ قَائِما عَلَيْهِ من النّظر فِي مصَالح الْيَتِيم أَو السَّفِيه أَو الْمَجْنُون، اسْتمرّ الْحَاكِم أَو السُّلْطَان بِهِ، وَلم يتَعَرَّض لَهُ. وَإِن كَانَ مقصّراً أَو متّهماً أسْند مَعَه غَيره، وَإِن كَانَ مُسْتَحقّا للعزل عَزله.
стр. 50
الْبَاب السَّادِس فِي اتِّخَاذ الأجناد، وإعدادهم وتفريغهم للْقِيَام بِفَرْض الْجِهَاد
٥٦ - اتِّخَاذ الأجناد وحماية الثغور من أهم الْمصَالح وعزم الْأُمُور. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا خُذُوا حذركُمْ﴾ أَي من الْعَدو. وَمن أَخذ الحذر تَكْثِير الأجناد وادخارهم. (٢٣ / ب) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة﴾ الْآيَة وَمن الإعداد لِلْعَدو كَثْرَة الأجناد.
стр. 51
وَعَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : (اكتبوا لي من تلفظ بِالْإِسْلَامِ) . وغزا النَّبِي [ ﷺ ] بثلاثمائة وَثَلَاثَة عشر عدد قوم طالوت، وَاعْتمر عمْرَة الْحُدَيْبِيَة بِأَلف واربعمائة. وَفتح مَكَّة بِعشْرَة آلَاف. وغزا حنيناً بِاثْنَيْ عشر ألفا.
стр. 52
وغزا تَبُوك بسبعين ألفا. وَرُوِيَ أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يحمل فِي الْعَام الْوَاحِد على أَرْبَعِينَ ألف بعير. وَلما جِيءَ بِمَال الْعرَاق، قَالَ: لَا وَرب الْكَعْبَة لَا يأوي تَحت سقف حَتَّى أقسمه، وَكَذَلِكَ يفعل رَسُول الله [ ﷺ ] فِيمَا يَجِيء بِهِ من الْأَمْوَال، وكل ذَلِك دَلِيل على سنة اتِّخَاذ الأجناد، وتكثيرهم، وَأَنه من أهم مصَالح الْإِسْلَام، وَعَلِيهِ جرت (٢٤ / أ) سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين إِمَام بعد إِمَام، وَلم يزل النَّبِي [ ﷺ ] وَالْأَئِمَّة بعده يبذلون الْأَمْوَال فِي اتِّخَاذ الرِّجَال. قَالَ بعض الْعلمَاء: اتّفق حكماء الْعَرَب والعجم على هَذِه الْكَلِمَات وَهِي: الْملك بِنَاء أساسه الْجند، فَإِن قوى الأساس دَامَ الْبناء، وَإِن ضعف الأساس سقط الْبناء. لَا سُلْطَان إِلَّا بجند، وَلَا جند إِلَّا بِمَال، وَلَا مَال إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل.
стр. 53
وَعَن الْحُكَمَاء: صديق السُّلْطَان جنده، وعدوه مَاله، فَإِن ضعف مَاله ببذله لجنده قوي صديقه وناصره، وَإِن قوي عدوه بِمَنْعه الْجند، ضعف جنده الَّذِي هُوَ ناصره.
٥٧ - وَإِذا كَانَت الْحَاجة إِلَى الْجند كَذَلِك، فَلَا بُد من إدرار أَرْزَاقهم، وسد حاجاتهم، وتفقد أَحْوَالهم، ومصالح عِيَالهمْ، وإلزامهم بِقدر عنائهم، وَلَا يتم ذَلِك إِلَّا (٢٤ / ب) بصلاح جِهَات الْأَمْوَال وصلاحها بعمارة الْبِلَاد، وعمارتها بِالْعَدْلِ بِاتِّفَاق الشَّرْع وَالْعقل.
стр. 54
الْبَاب السَّابِع فِي عَطاء السُّلْطَان وجهاته وأنواع اقطاعاته
٥٨ - عَطاء السُّلْطَان للأجناد من أهم الْمصَالح الَّتِي تصرف فِيهَا الْأَمْوَال، إِذْ لَا بُد من رزق يجمعهُمْ وَعَطَاء يكفلهم لما أرصدوا لَهُ أنفسهم من حماية الْإِسْلَام، والذب عَنهُ، وَعَن أَهله.
٥٩ - وأرزاق الأجناد قِسْمَانِ: عَطاء، وإقطاع.
٦٠ - الْقسم الأول: الْعَطاء وَله جِهَات:
٦١ - الْجِهَة الأولى: الْفَيْء وَهُوَ كل مَال وصل إِلَى الْمُسلمين من الْكفَّار بِغَيْر قتال وَلَا إيجَاف خيل وَلَا ركاب
стр. 55
٦٢ - وَهُوَ أَنْوَاع: الأول: الْجِزْيَة. الثَّانِي: عشور متاجرهم. الثَّالِث: كل مَال صالحناهم على أَدَائِهِ إِلَيْنَا. الرَّابِع: مَا هربوا عَنهُ فَزعًا من الْمُسلمين. الْخَامِس: مَا جلوا عَنهُ وتركوه (٢٥ / أ) لضرّ أَصَابَهُم. السَّادِس: مَال من لَا وَارِث لَهُ من أهل الذِّمَّة. السَّابِع: مَال من مَاتَ أَو قتل على الرده.
٦٣ - فَإِذا عرف أَمْوَال الْفَيْء، فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي تخميسه كَمَا تخمس الْغَنِيمَة: فَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك، وَأحمد، وَالشَّافِعِيّ فِي أحد قوليه: لَا يُخَمّس بل يصرفهُ السُّلْطَان فِي مصَالح الْمُسلمين، وأهم مصالحهم جَيش الْإِسْلَام، ثمَّ بَقِيَّة الْمصَالح الْعَامَّة: كسد الثغور، وَعمارَة الْحُصُون، وَتَحْصِيل السِّلَاح وَغير ذَلِك، وَسَيَأْتِي تفصيلها إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَللشَّافِعِيّ (٢٥ / ب) قَول: إِن أَمْوَال الْفَيْء تخمس، وَيصرف خمسه إِلَى جِهَات الْخمس، وَسَيَأْتِي تفصيلها إِن شَاءَ الله تَعَالَى. والأخماس الْأَرْبَعَة الْبَاقِيَة: يصرفهَا السُّلْطَان فِي جَيش الْإِسْلَام على
стр. 56
قدر كفايتهم وحاجاتهم، فَإِن فضل مِنْهُ شَيْء فَلهُ أَن يردهُ عَلَيْهِم، وَله أَن يصرفهُ فِي سلَاح وكراع عدَّة لَهُم.
فصل (١)
٦٤ - فَإِن كَانَ فِي مَال الْفَيْء عقار من أراض أَو دور وَنَحْو ذَلِك، كَانَ وَقفا على مصَالح الْمُسلمين يصرف ريعه ومغله فِيهَا. وللسلطان أَن يُعْطي من الفىء لمن فِي عطائه مصلحَة عَامَّة: كالرسل والقضاة، وَالْعُلَمَاء، والمفتين، ومعلمي الْقُرْآن وَالْعلم، والمؤلفة قُلُوبهم، كَمَا أعْطى رَسُول الله [ ﷺ ] الْأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيمِي
стр. 57
وعيينه بن حُصَيْن الْفَزارِيّ، وَالْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ، والعيون (وهم الجواسيس) ، واشباه ذَلِك مِمَّا منفعَته عَامَّة. (٢٦ / أ) وَأما من لَيْسَ فِي عطائه مصلحَة عَامَّة، بل قصدت مصلحَة خَاصَّة، كمن يُعْطي لمُجَرّد ظن صَلَاحه أَو لوجاهته من غير حَاجَة إِلَى مَا يُعْطي، وَلَيْسَ بعالم يُفْتى، وَلَا حَاكم يقْضِي وَلَا مقَاتل يُغني، فَلَا يجوز صرف مَال الْمُسلمين إِلَيْهِ، بل يكون ذَلِك من خَاص مَال السُّلْطَان الْمُعْطِي.
وَكَذَلِكَ لَا يُوقف عَلَيْهِ شَيْء من عقار بَيت المَال والفيء أَو على أَوْلَاده، وَأَوْلَاد أَوْلَاده، إِلَّا أَن يكون ذَلِك لمصْلحَة عَامَّة لَا يقوم بهَا غَيره، فيتوصل بذلك إِلَى تَحْصِيل تِلْكَ الْمصلحَة، وَذَلِكَ لِأَن مغل هَذَا الْعقار للْمُسلمين كلهم، فَلَا يخص بِهِ وَاحِد مِنْهُم من غير نفع عَام لَهُم وَيحرم الْبَاقُونَ.
وَأما وقف ذَلِك على جِهَة عَامَّة لمصْلحَة الْمُسلمين فَيجوز: كالوقف على الْمَسَاجِد والمدارس وَالْعُلَمَاء والمفتين وَالْأَئِمَّة والمؤذنين وَنَحْو (٢٦ / ب) ذَلِك.
стр. 58
الْجِهَة الثَّانِيَة لعطاء الْجند: الْخراج!
٦٥ - وَهُوَ مَا يضْرب على رِقَاب الْأَرَاضِي الخراجية من عين أَو غلَّة على مَا يرَاهُ السُّلْطَان أَو نَائِبه، فَيصْرف ذَلِك فِي عَطاء الْجند لما فيهم من مصَالح الْمُسلمين.
٦٦ - والأراضي العامرة ضَرْبَان: خَرَاجِيَّة وعشرية
٦٧ - الضَّرْب الأول: الخراجية وَهِي ثَلَاثَة أَنْوَاع: النَّوْع الأول: أَرض فتحهَا الْمُسلمُونَ صلحا على أَن تكون للْمُسلمين ويسكنها أَهلهَا الْكفَّار بخراج مَعْلُوم يؤدونه إِلَيْنَا. فَهَذِهِ الأَرْض فَيْء، وخراجها أُجْرَة وَلَا تسْقط بِإِسْلَامِهِمْ بل يُؤْخَذ مِنْهُم الْأُجْرَة، وَلَو صَارُوا أهل ذمَّة أَخذ مِنْهُم الْخراج والجزية مَعًا النَّوْع الثَّانِي: ارْض فتحت عنْوَة، وَقسمت بَين الْغَانِمين، ثمَّ
стр. 59
اسْتَنْزَلَهُمْ الإِمَام عَنْهَا فرضاهم بعوض أَو بِغَيْر بعوض، ووقفها على الْمُسلمين وَضرب عَلَيْهَا الْخراج (٢٧ / أ) ، كَمَا فعل عمر بن الْخطاب ﵁ بسواد الْعرَاق، وعَلى الصَّحِيح فِيهِ: فَهَذِهِ خَرَاجِيَّة أَيْضا، يضْرب السُّلْطَان عَلَيْهَا الْخراج بِمَا يرَاهُ. النَّوْع الثَّالِث: أَرض جلا عَنْهَا الْكفَّار وهربوا خوفًا من الْمُسلمين، وَقُلْنَا تصير وَقفا للْمُسلمين كَمَا تقدم، فَيضْرب الْخراج على من يسكنهَا أَو ينْتَفع بهَا مُسلما كَانَ أَو ذِمِّيا بِمَا يرَاهُ الإِمَام. فَهَذِهِ الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة من الْأَرَاضِي الخراجية للْإِمَام أَن يضْرب عَلَيْهَا الْخراج، وَله أَن يشغلها بمعاملة أَو مُزَارعَة إِن رأى صِحَّتهَا، كَمَا عَامل رَسُول الله [ ﷺ ] أهل خَيْبَر بِشَطْر مَا يخرج مِنْهَا من تمر أَو زرع. أما أَرضًا صالحنا أَهلهَا على أَن تكون ملكا لَهُم وَعَلَيْهِم خراج يؤدونه إِلَيْنَا، فَهَذَا الْخراج فِي الْحَقِيقَة جِزْيَة فَيسْقط بِإِسْلَامِهِمْ إِن (٢٧ / ب) أَسْلمُوا أَو بانتقال ملكهَا إِلَى مُسلم، لِأَنَّهُ لَا جِزْيَة على مُسلم.
فصل (٢)
٦٨ - وَالْخَرَاج مُقَدّر بِمَا تحتمله الأَرْض بِالنِّسْبَةِ إِلَى جودتها ورداءتها، وأنواع زروعها، وقيم غلاّتها، وقلتها، وَكَثْرَتهَا، وسقيها، ومؤنتها وبحيث يكون عدلا بَين أَهله وَبَيت المَال من غير حيف على إِحْدَى
стр. 60
الْجِهَتَيْنِ. وَلذَلِك ضرب عمر ﵁ الْخراج على أَرض السوَاد مُخْتَلفا فِي بعضه. فَضرب فِي بعضه على كل جريب: قَفِيزا ودرهما، وَأمر عُثْمَان بن حنيف بمساحة نَاحيَة مِنْهُ، وَوضع مَا تحتمله الأَرْض. فَوضع على الجريب من الْكَرم: عشرَة. وَمن النّخل: ثَمَانِيَة. وَمن قصب السكر: سِتَّة. وَمن الرّطبَة: خَمْسَة. وَمن الْبر: أَرْبَعَة. وَمن الشّعير: دِرْهَمَيْنِ. فأمضاه عمر، وَعمل فِي نواحي الشَّام بِخِلَاف ذَلِك مُرَاعَاة لما تحتمله كل أَرض. والجريب (٢٨ / أ) : عشر قصبات. والقصبة: سِتَّة أَذْرع. والقفيز: عشر الجريب.
فصل (٣)
٦٩ - وَإِذا حدث فِي ارْض الْخراج مَا يَقْتَضِي زِيَادَة: كظهور عين أَو اشْتِغَال أَرض فعلاها مَاء، أَو مَا يَقْتَضِي نقصا: كانقطاع مَاء وَنَحْوه، فَإِن وثق بدوامه عمل مَا فِيهِ الْعدْل بَين أَهله وَبَيت المَال.
стр. 61
وَإِن كَانَ لَا يوثق بدوامه لم يزدْ وَلم ينقص. وَيُؤْخَذ الْخراج من الأَرْض الخراجية وَإِن لم تزرع. وَتُؤْخَذ الزروع وَالثِّمَار الْوَاجِبَة مَعَ الْخراج. وَبِه قَالَ الشَّافِعِي، وَمَالك، وَأحمد، ﵏؛ لِأَن الْخراج أُجْرَة، وَالْعشر زَكَاة، وجهتهما مُخْتَلفَة فَلَا يسْقط أَحدهمَا بِالْآخرِ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: لَا يجمع بَين أَخذ الْعشْر وَالْخَرَاج، وَلَا يَصح تضمين مغلات (٢٨ / ب) الْخراج، وَالْعشر، والجزية، بل يسْتَوْفى مِنْهُ مَا وَجب ويؤدى مِنْهُ مَا حصل.
٧ - الضَّرْب الثَّانِي من الْأَرَاضِي: العشرية. وَهِي ثَلَاثَة أَنْوَاع أَيْضا: النَّوْع الأول: أَرض أَحْيَاهَا الْمُسلمُونَ ابْتِدَاء أَو وَاحِد مِنْهُم، كالبصرة وَغَيرهَا من الْبِلَاد، والأراضي الْموَات الَّذِي ابْتَدَأَ مُسلم إحياءها فَهَذِهِ الأَرْض ملك صَحِيح عشري، لَا خراج عَلَيْهِ وَلَا أُجْرَة، بل تُؤْخَذ زَكَاة زروعه وثماره الشَّرْعِيَّة. النَّوْع الثَّانِي: أَرض أسلم أَهلهَا عَلَيْهَا ابْتِدَاء من غير قتال وَلَا صلح عَلَيْهَا، فَهَذِهِ أَيْضا عشرِيَّة لَا خراج عَلَيْهَا، بل يُؤْخَذ زَكَاة ثمارها وزروعها كَمَا تقدم.
стр. 62
النَّوْع الثَّالِث: أَرض ملكهَا الْمُسلمُونَ عنْوَة، وَقسمت بَين الْغَانِمين، وَاسْتمرّ ملكهم عَلَيْهَا أَو من ملكهَا عَنْهُم بطرِيق شَرْعِي، فَهَذِهِ أَيْضا عشرِيَّة كَسَائِر الْأَمْلَاك الإسلامية (٢٩ / أ) لَا خراج عَلَيْهَا بل يُؤْخَذ مِنْهَا عشر ثمارها وزروعها على الْوَجْه الشَّرْعِيّ الْمُتَقَدّم. وَمَا يُؤْخَذ من هَذِه الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة باسم الْخراج فظلم بَين لَا يُجِيزهُ شرع، وَلَا يَقْتَضِيهِ عقل.
٧١ - الْجِهَة الثَّالِثَة لعطاء الأجناد: خمس من الْغَنِيمَة وَمن الْفَيْء، إِن قُلْنَا يُخَمّس، وَهُوَ سهم رَسُول الله [ ﷺ ] المرصد لمصَالح الْمُسلمين بعده [ ﷺ ] كَمَا سَيَأْتِي، وأهم الْمصَالح أرزاق الأجناد؛ لأَنهم حماة الْإِسْلَام، فَيصْرف إِلَيْهِم مِنْهُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَال، كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله.
٧٢ - الْجِهَة الرَّابِعَة لعطاء الأجناد: بَيت المَال. فَيضْرب مِنْهُ أرزاق الأجناد على قدر حاجاتهم؛ لِأَن بَيت مَال الْمُسلمين لمصالحهم، وتجنيد الأجناد آكدها. وَبَيت المَال: عبارَة عَن الْجِهَة الْمَخْصُوصَة بِاسْتِحْقَاق مَا يسْتَحقّهُ (٢٩ / ب) الْمُسلمُونَ مُطلقًا، وَلَيْسَ مُخْتَصًّا بحرز مَخْصُوص أَو مَكَان مَعْلُوم.
стр. 63
فَكل مَال اسْتَحَقَّه الْمُسلمُونَ مُطلقًا وَلم يخْتَص بصنف مَخْصُوص مِنْهُم، وَلَا بِقوم مُعينين، فَهُوَ من حُقُوق بَيت المَال.
٧٣ - وجهاته: سِتّ الأولى: سهم رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَهُوَ خمس الْخمس من الْغَنِيمَة والفيء إِن قُلْنَا بِهِ كَمَا تقدم، وَسَيَأْتِي فِي الْغَنِيمَة إِن شَاءَ الله تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مرصد لمصَالح الْمُسلمين بعده [ ﷺ ] . الثَّانِيَة: مَال الْخراج الْمُقدم ذكره. الثَّالِثَة: مَال من مَاتَ من غير وَارِث معِين من الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة. الرَّابِعَة: كل مَال ضائع لَا يعرف مَالِكه. الْخَامِسَة: أَمْوَال الْجِزْيَة. السَّادِسَة: عشر أَمْوَال الْكفَّار الْمَأْخُوذ من تجاراتهم.
الْقسم الثَّانِي من أرزاق الأجناد:
الإقطاع
٧٤ - مَا يقطعهُ السُّلْطَان ثَلَاثَة أَنْوَاع: إقطاع تمْلِيك، وإقطاع استغلال (٣٠ / أ) ، وإقطاع ارفاق.
стр. 64
الأول: إقطاع التَّمْلِيك، وَهُوَ ثَلَاثَة أضْرب.
٧٥ - الأول: إقطاع الْموَات الَّذِي لم يعمر وَلم يملك قطّ، فللسطان إقطاعه لمن يحييه ويعمره، فَيكون بإحيائه ملكا لَهُ كَسَائِر أملاكه، وَيكون أَحَق بِهِ، لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] أقطع الزبير بن الْعَوام من (موَات) النقيع حضر فرسه، فَلَمَّا انْتهى من رمي سَوْطه قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " أَعْطوهُ مُنْتَهى سَوْطه ".
وَيجوز لكل أحد إحْيَاء الْموَات بِغَيْر إِذن الإِمَام لقَوْله [ ﷺ ] : " من أحيى أَرضًا ميتَة فَهِيَ لَهُ ".
وَقَالَ أَبُو حنيفَة - رَحمَه الله تَعَالَى: لَا يَصح الْإِحْيَاء إِلَّا بِإِذن الإِمَام الضَّرْب الثَّانِي: مَا فِيهِ أثر عمَارَة جَاهِلِيَّة، وَصَارَت بطول خرابها مواتاً عاطلاً، فَيجوز للسُّلْطَان إقطاعه إقطاع تمْلِيك، وَحكمه حكم الْموَات. وَيجوز إحياؤه بِغَيْر إِذن السُّلْطَان على الْأَصَح.
стр. 65
فَإِن كَانَت هَذِه الْعِمَارَة الْقَدِيمَة المعطلة إسلامية (٣٠ / ب) وَعرف مَالِكهَا فَهِيَ لَهُ أَو لوَرثَته. وَلَا يجوز إقطاعها وَلَا إحياؤها، فَإِن تعذر معرفَة مَالِكهَا لم تملك بِالْإِحْيَاءِ، بل هِيَ من أَمْوَال بَيت المَال، وَللْإِمَام أَن يقطعهَا.
الضَّرْب الثَّالِث: عَامر فِي بِلَاد الْحَرْب الَّتِي لم يملكهَا الْمُسلمُونَ بعد، ويتوقع فتحهَا فَيجوز للسُّلْطَان أَن يقطعهُ لمن يملكهُ عِنْد فَتحه، فَإِذا فتحت كَانَ أَحَق بهَا من غَيره؛ فقد رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] أقطع تميماً الدَّارِيّ جيرون وَبَيت عينون من أَرض الشَّام قبل فَتحه، وَرُوِيَ أَنه أقطع أَبَا ثَعْلَبه الْخُشَنِي أَرضًا فِي الرّوم، وَهِي فِي أَيْديهم، وَكتب لَهُ بذلك.
стр. 66
فصل (٤)
٧٦ - وَمَا سوى ذَلِك من الْأَرَاضِي الخراجية وَغَيرهَا من بَيت المَال، فَلَا يجوز إقطاعها إقطاع تمْلِيك؛ لِأَنَّهَا كالوقف المؤبد على مصَالح الْمُسلمين، فَلَا يَصح تمليكها بإقطاع وَلَا غَيره، وَلَكِن السُّلْطَان يسْتَعْمل فِيهَا مَا هُوَ (٣١ / أ) الْأَصْلَح من استغلاله لبيت المَال أَو ضرب خراج عَلَيْهِ لمن يعْمل فِيهِ ان رأى ذَلِك، أَو يقطعهَا إقطاع الاستغلال.
٧٧ - النَّوْع الثَّانِي من الإقطاع: إقطاع الاستغلال كَمَا هُوَ الْمُعْتَاد فِي زَمَاننَا هَذَا بالديار المصرية والبلاد الشامية - حرسهما الله تَعَالَى - وَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحدهمَا: أَن يقطع السُّلْطَان بعض الْأَرَاضِي الَّتِي يجوز إقطاعها لمن يستغلها بِنَفسِهِ ونوابه من غير تمْلِيك وَلَا تأبيد، بِمَا يسْتَحقّهُ من الْكِفَايَة، وَهُوَ جَائِز، فعله أَصْحَاب النَّبِي [ ﷺ ] ، وَلم يزل ذَلِك مَشْهُورا بَين الْمُسلمين من غير إِنْكَار.
الْقسم الثَّانِي: أَن يقطع السُّلْطَان شَيْئا من الْخراج الْمُقدم ذكره لبَعض الأجناد المرتزقة بِقدر مَا يسْتَحقّهُ لكفايته وَحَاجته، وَهُوَ جَائِز؛ لِأَن لَهُم أرزاقاً مقدرَة بِمَا أرصدوا نُفُوسهم (٣١ / ب) لَهُ من حماية بَيْضَة الإٍ سَلام وَأَهله.
стр. 67
فَإِذا كَانَ رزق الجندي وَقدر الْخراج المقطع عَلَيْهِ معلومين: للسُّلْطَان والجندي، جَازَ إقطاعه ذَلِك مَا يرَاهُ من الْمدَّة.
فَإِن كَانَ الْخراج مقاسمة فِي مُزَارعَة كعادة غَالب أَرض الشَّام، فجواز إقطاعه مُرَتّب على جَوَاز الْمُزَارعَة.
وَالرَّاجِح: جَوَازهَا وجوازه.
وَالْمُخْتَار عِنْدِي: جَوَاز إِجَارَة الإقطاع الْمدَّة السَّابِقَة مُدَّة مُعينَة بِهِ.
وَفِيه وَجه: أَنه لَا يجوز.
وَلَا وَجه لَهُ عِنْدِي مَعَ الْحَاجة إِلَى إِجَارَته ومزارعته، وَلَا سِيمَا إِن كَانَ حوانيت ودوراً.
فصل (٥)
٧٨ - إِذا أقطع السُّلْطَان ذَلِك مُدَّة مُعينَة، وَاسْتمرّ المقطع على أَهْلِيَّته واستحقاقه، اسْتمرّ إقطاعه عَلَيْهِ إِلَى انْقِضَاء تِلْكَ الْمدَّة، وَإِن مَاتَ فِي أثْنَاء الْمدَّة انحل إقطاعه بِمَوْتِهِ، وَيعود من حِين مَوته إِلَى بَيت المَال، ولورثته مَا يَخُصُّهُ الْمدَّة الْمَاضِيَة إِلَى مَوته، فَإِن لم يكن لَهُ (٣٢ / أ) شَيْء مُسْتَحقّ أعْطى ذُريَّته مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من عَطاء الذَّرَارِي ترغيباً للأجناد فِي التفرغ للْجِهَاد. وَإِن طَرَأَ لَهُ فِي أثْنَاء الْجِهَاد زمانة أَو مرض يُخرجهُ عَن أَهْلِيَّة الْجِهَاد
стр. 68
وَالعطَاء، فَالْأَصَحّ: بَقَاء إقطاعه عَلَيْهِ ترغيباً للأجناد فِي التصدي للْجِهَاد، لِأَن علمه بِحل إقطاعه لعذره، يقبض نَفسه من الِاشْتِغَال بالجندية خوفًا من ضيَاعه عِنْد عذره، وضياع عِيَاله بعد مَوته، ويهتم بِمَا يعود عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم.
فصل (٦)
٧٩ - لَا يجوز إقطاع شَيْء من أَرَاضِي الْمُسلمين إقطاعاً مُؤَبَّدًا على رجل ثمَّ على أَوْلَاده وعقبه لما قدمْنَاهُ؛ لِأَن ذَلِك يَجعله كالأموال الموروثة فَإِن أقطع إنْسَانا مُدَّة حَيَاته خَاصَّة: فقد قيل: لَا يَصح. وَالأَصَح: صِحَّته.
وَلَا يجوز الإقطاع من أَرَاضِي الْفَيْء وَالْخَرَاج لغير مُسلم؛ لِأَن الأَرْض حَقهم، وَلَا لمن لَيْسَ لَهُ (٣٢ / ب) نفع عَام على الْمُسلمين؛ لِأَن ذَلِك كُله وصلات الْأُمَرَاء والملوك مُخْتَصَّة بِأَمْوَالِهِمْ. وَلَا يجوز إقطاع أهل الْفَيْء مَال الصَّدقَات.
стр. 69
وَقَالَ أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى: يجوز صرف كل وَاحِد من مَال الْفَيْء وَالصَّدقَات فِي كل وَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ.
فصل (٧)
٨٠ - للسُّلْطَان أَن يسترجع مَا أقطعه بعد تَمام السّنة، وَأما فِي السّنة الَّتِي هُوَ فِيهَا فَإِن حل عَطاء المقطع قبل حُلُول خراجها لم يسترجع الإقطاع، وَإِن حل خراجها قبل حُلُول عطائه جَازَ لَهُ أَن يسترجع الإقطاع، ويعوضه من ديوَان الْعَطاء.
فصل (٨)
٨١ - غير الْجَيْش من أهل الْعَطاء: إِن كَانَ رزقهم على عمل دَائِم، لَا يَصح نظرهم فِيهِ إِلَّا بِولَايَة السُّلْطَان أَو نوابه فِي ذَلِك: كالقضاة، والعمال، وَكتاب الدِّيوَان، جَازَ إقطاعهم بأرزاقهم على مَال الْخراج سنة. وَفِي (٣٣ / أ) جَوَاز مَا زَاد على سنة: خلاف الْأَصَح: جَوَازه.
٨٢ - وَأما من لَيْسَ عمله دَائِما: كالجباة، وَمن يقوم بِعَمَل برّ يَصح التَّطَوُّع بِهِ كالأئمة والمؤذنين، فَيجوز حوالتهم على مَال الْخراج، وَلَكِن بعد
стр. 70
استحقاقهم أَرْزَاقهم وحلول ذَلِك على من هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يجوز قبل ذَلِك، وَلَا يجوز إقطاع ذَلِك لَهُم على سَبِيل الإقطاع.
٨٣ - وَكَذَلِكَ لَا يجوز الإقطاع على مَال الْجِزْيَة، وَلَا على خراج الأَرْض الَّتِي صولح عَلَيْهَا الْمُشْركُونَ على أَن تكون لَهُم؛ لِأَنَّهُ غير موثوق بِهِ، لجَوَاز أَن يسلمُوا فَيسْقط ذَلِك عَنْهُم. فَإِن أُحِيل بذلك بعد اسْتِحْقَاقه وحلول رزق مستحقيه جَازَ، وَيكون حِوَالَة لَا إقطاعاً كَمَا تقدم.
٨٤ - وَكَذَلِكَ لَا يجوز إقطاع الزَّكَاة من الْعشْر وَغَيره؛ لِأَن الزَّكَاة لأصناف خَاصَّة يستحقونها عِنْد وُجُوبهَا إِذا كَانُوا بِصفة الِاسْتِحْقَاق عِنْد ذَلِك. وَلَا يجوز إقطاعها قبل وُجُوبهَا لاحْتِمَال تلف (٣٣ / ب) المَال قبل الْحُلُول، أَو خُرُوج المقطع عَن صفة اسْتِحْقَاقهَا، فَيبْطل الإقطاع وَلَا يبْقى لَهُ فَائِدَة، فَإِن أقطع بهَا بعد وُجُوبهَا المتصف بِصفة الِاسْتِحْقَاق لَهَا جَازَ، وَيكون كالحوالة وَلَا يسْتَقرّ ملكه على ذَلِك إِلَّا بِقَبْضِهِ؛ لذَلِك لَا تصير دينا لأَهْلهَا على رب المَال بِمُجَرَّد ذَلِك الإقطاع.
٨٥ - والأصناف المستحقون لِلزَّكَاةِ الْمَذْكُورَة فِي كتاب الله تَعَالَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل﴾
стр. 71
وَيجب قسمتهَا على من يُوجد من الْأَصْنَاف الثَّمَانِية عِنْد الشَّافِعِي وَاحْمَدْ ﵄، وَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة ﵄، يجوز صرفهَا إِلَى صنف وَاحِد من أَهلهَا.
٨٦ - النَّوْع الثَّالِث: إقطاع الإرفاق.
وَهُوَ ضَرْبَان:
٨٧ - (٣٤ / أ) الضَّرْب الأول: الْمَعَادِن الْبَاطِنَة فِي الأَرْض الَّتِي لَا يتَوَصَّل إِلَى نيلها إِلَّا بِعَمَل، كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة والنحاس وَالْحَدِيد وَنَحْو ذَلِك، فَيجوز للْإِمَام أَن يقطع مِنْهَا قدرا يَتَأَتَّى للمقطع الْعَمَل فِيهِ وَالْأَخْذ مِنْهُ.
وَإِذا أقطع السُّلْطَان شَيْئا من ذَلِك، فَالْأَصَحّ: إِنَّه إقطاع إرفاق، لَا يملك بِهِ المقطع وَفِيه الْمَعْدن، بل يملك الإرفاق بِهِ مُدَّة عمله فِيهِ ومقامه عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لأحد إزعاجه عَنهُ فَإِن تَركه وَأعْرض عَنهُ، زَالَ حكم الإقطاع، وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَقيل: إِنَّه يملكهُ كَسَائِر أملاكه، وَهُوَ ضَعِيف. أما الْمَعَادِن الظَّاهِرَة: وَهِي الَّتِي يكون نيلها ظَاهرا لَا يحْتَاج إِلَى عمل: كالملح، والكحل، والنفط، والقار، والكبريت، والحمر.
стр. 72
فَهَذَا كُله لَا يجوز للسُّلْطَان إقطاعه، وَلَا يَصح، بل هُوَ مُشْتَرك بَين عَامَّة الْمُسلمين، لَا يخْتَص بِهِ (٣٤ / ب) أحد عَن أحد: كالأنهار الْجَارِيَة، والعيون السارحة، لما رُوِيَ أَن النَّبِي [ ﷺ ] : " أقطع أَبيض بن حمال ملح مأرب فَلَمَّا أعلم أَنه كَالْمَاءِ الْعد من ورده أَخذه " رد النَّبِي [ ﷺ ] إقطاعه.
٨٨ - الضَّرْب الثَّانِي من إقطاع الإرفاق: مَا بَين العمائر من الشوارع، والطرق، والرحاب، ومقاعد الْأَسْوَاق، فَإِذا لم يكن ملك أحد، وَلَا يضر الْمَارَّة، فَالْأَصَحّ: أَنه يجوز للسُّلْطَان أَن يقطعهُ لمن يرتفق بِهِ بِالْجُلُوسِ وَالْبيع وَالشِّرَاء خَاصَّة من غير بِنَاء وَلَا نَحوه، وَيكون المقطع أَحَق بِهِ من غَيره، وَلَيْسَ للسُّلْطَان وَلَا لأحد أَن يَأْخُذ على ذَلِك عوضا، سَوَاء جلس بِإِذن السُّلْطَان أَو بِغَيْر إِذْنه، فَإِن سبق أحد إِلَى مَا لم يقطعهُ السُّلْطَان من ذَلِك جَازَ لَهُ الارتفاق بِمَا ذَكرْنَاهُ، فَإِن قَامَ عَنهُ بمتاعه كَانَ لغيره أَن يرتفق بِهِ.
стр. 73
فصل (٩)
٨٩ - يجوز للسُّلْطَان أَن يحمي بقْعَة (٣٥ / أ) من الْموَات، لرعي إبل الصَّدَقَة والجزية، وخيل الْمُجَاهدين، ومواشي الْفُقَرَاء والضعفاء عَن الإبعاد فِي طلب النجعة؛ لِأَن النَّبِي [ ﷺ ] : حمى النقيع. وَحمى أَبُو بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الرّبذة. وَحمى عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ من السَّرف. وَلَا يجوز للسُّلْطَان أَن يحمي جَمِيع الْموَات وَلَا المَاء العدّ، وَلَا أَن يحمي لنَفسِهِ خَاصَّة، وَلَا للأغنياء خَاصَّة، بل إِذا حمى لمصَالح الْمُسلمين كَمَا ذَكرْنَاهُ جَازَ. وَلَا يجوز لغير السُّلْطَان أَن يحمي شَيْئا. وَإِذا حمى السُّلْطَان حمى، فَإِن كَانَ عَاما يَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيّ وَالْفَقِير. وَإِن كَانَ خَاصّا بالفقراء، منع مِنْهُ الْأَغْنِيَاء. وَإِذا زَالَت الْحَاجة، أَو ظهر لَهُ الْمصلحَة فِي تَغْيِير الْحمى، فَلهُ نقضه، وَلَيْسَ لأحد أَن يحمي مواتاً حماه السُّلْطَان، وَلَا يملكهُ إِن فعل ذَلِك.
стр. 74
الْبَاب الثَّامِن فِي تَقْدِير عَطاء الأجناد وَمَا يسْتَحقّهُ أهل الْجِهَاد
٩٠ - كَانَ (٣٥ / ب) النَّبِي [ ﷺ ] يُسَوِّي بَين النَّاس فِي قسم الْغَنِيمَة، وَلَا يفضل فِيهِ أحدا على أحد: لشرف، وَلَا لشجاعة، وَلَا قدم هِجْرَة، وَلَا غير ذَلِك من الصِّفَات المحمودة.
وَكَانَ أَبُو بكر وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا يريان التَّسْوِيَة بَين النَّاس فِي الْعَطاء، وَلَا يفضلان بسابقة وَلَا غَيرهَا. وَبِه قَالَ مَالك، وَالشَّافِعِيّ ﵄. وَلَيْسَ معنى التَّسْوِيَة أَن يُسَوِّي بَينهم فِي قدر الْعَطاء، بل مَعْنَاهُ أَن يُعْطي كل إِنْسَان على قدر حَاجته وكفايته، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيله إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٩١ - وَكَانَ عمر بن الْخطاب وَعُثْمَان ﵄ يريان التَّفْضِيل بالسابقة فِي الدّين وَالْهجْرَة، وَعَملا بِهِ فِي خِلَافَتهمَا. وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة ﵁.
стр. 75
وَلما نَاظر عمر أَبَا بكر حِين سوى بَين النَّاس، فَقَالَ: أتسوي بَين من هَاجر الهجرتين، وَصلى الْقبْلَتَيْنِ، وَبَين من أسلم عَام الْفَتْح خوف (٣٦ / أ) السَّيْف. فَقَالَ أَبُو بكر: رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. " إِنَّمَا عمِلُوا لله، وَإِنَّمَا أُجُورهم على الله، وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغ ". فَقَالَ عمر: " لَا أجعَل من قَاتل رَسُول الله [ ﷺ ] كمن قَاتل مَعَه ".
٩٢ - وَلما اسْتخْلف وَوضع الدِّيوَان فضل بالسابقة، وَجعل الْعَطاء طَبَقَات: الطَّبَقَة الأولى: من شهد غزَاة بدر من الْمُهَاجِرين، فَفرض لكل وَاحِد مِنْهُم فِي السّنة خَمْسَة آلَاف دِرْهَم. وَمِنْهُم: عُثْمَان، وَعلي وَطَلْحَة، وَالزُّبَيْر، وَغَيرهم. وَفرض لنَفسِهِ خَمْسَة آلَاف، وَلم يزدْ.
وَألْحق بهم الْعَبَّاس، وَالْحسن، وَالْحُسَيْن، لمقامهم من رَسُول الله [ ﷺ ] .
وَلم يفضل أحدا على أهل بدر إِلَّا أَزوَاج رَسُول الله [ ﷺ ] فَإِنَّهُ فرض لكل وَاحِدَة عشرَة آلَاف.
следующие страницы →