← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 96850

البدعة الشرعية

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (178 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٣٣ هـ / ٢٠١٢ م رقم الإيداع بالمكتبة الشاملة ٩/ ٢٠١٢

стр. 2

[مقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (١). روى النسائي بسند صحيح عن جابر بن عبد الله ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: «يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له إن أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (٢). قال السندي في حاشيته على النسائي: "وأحسن الهدى هدى محمد هما بضم ففتح أو بفتح فسكون والأول بمعنى الإرشاد والثاني بمعنى الطريق". ولما كان الأصل في صيغة التفضيل المشاركة في أصل الفعل، فقد يتوهم شخص مشاركة هدي غير هدي النبي ﷺ له في الحسن إعمالاً لمقتضى صيغة التفضيل. وللإجابة على ذلك نقول: أن صيغة التفضيل قد ترد في القرآن، وفي اللغة مراداً بها مطلق الاتصاف، لا لتفضيل شيء على شيء، فمن ذلك أنهم في أساليب اللغة العربية إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل، كقول حسان بن ثابت ﵁ لأبي سفيان: أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بكُفْءٍ ... فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُمَا الفِداءُ

стр. 3

وكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ (١)، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (٣)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (٤) ... (٥)، ولما كانت صيغة المفاضلة لا تحمل على هذا الوجه الذي هو خلاف الأصل إلا لدليل خارج يقتضي ذلك كان لابد من إيجاد دليل هنا للدلالة على منع مشاركة غير هديه ﷺ لهديه في الحسن، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٦)؛ فتحصل من ذلك منع مشاركة غير هديه ﷺ لهديه في الحسن - إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك، وسيأتي - بمشيئة الله - عقد فصل لمناقشة الأصول التي يصح أن يستند إليها العمل ليكون سنة لا بدعة. ذم البدع والمبتدعين: أولا: من القرآن الكريم (٧): ١ - قال الله تعالى: ﴿وأنَّ هذا صِراطِي مُسْتقِيماً فاتَّبِعُوهُ ولاَ تتَّبعُوا السبُل فتفرَّق بِكُمْ عنْ سَبُيلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لعَلَّكُمْ تتَّقُون﴾ [فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه وهو السنة والسبل هي سبل أهل الاختلاف الحائدين عن الصراط المستقيم وهم أهل البدع. وليس المراد سبل المعاصي، لأن المعاصي من حيث هي معاص لم يضعها أحد طريقاً تُسْلك دائماً على مضاهاة التشريع (٨). وإنما هذا الوصف خاص بالبدع المحدثات؛ ويدل على هذا ما روى إسماعيل عن سليمان بن حرب، قال: حدّثنا حماد بن زيد عن

стр. 4

عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله (يوماً خطاً طويلاً، وخط لنا سليمان خطاً طويلاً، وخط عن يمينه وعن يساره فقال: (هذا سبيلُ اللهِ) ثم خط لنا خطوطاً عن يمينه ويساره وقال: (هذه سبل وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) ثم تلا هذه الآية: ﴿وأنَّ هذا صِراطِى مُسْتقِيماً فاتَّبِعُوهُ ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ - يعني الخطوط - ﴿فتفرَّقَ بِكمْ عنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) ... عن مجاهد في قوله: ﴿ولاَ تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ قال: البدع والشبهات]. ٢ - قول الله تعالى: ﴿وعلَى الله قصْدُ السَّبِيلِ ومِنْها جائِرٌ ولوْ شَاءَ لهَداكُمْ أجْمعِين﴾ فالسبيل القصد هو طريق الحق، وما سواه جائر عن الحق؛ أي عادل عنه، وهي طرق البدع والضلالات، أعاذنا الله من سلوكها بفضله. وكفى بالجائر أن يحذر منه. فالمساق يدل على التحذير والنهي. عن التستري: ﴿قصْدُ السَّبِيلِ﴾ طريق السنة، ﴿ومنها جائرٌ﴾ يعني إلى النار، وذلك الملل والبدع، وعن مجاهد ﴿قصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي المقتصد منها بين الغلو والتقصير، وذلك يفيد أن الجائر هو الغالي أو المقصر، وكلاهما من أوصاف البدع. ٣ - ﴿إنَّ الَّذِين فرَّقوا دِينهُمْ وَكانُوا شِيعاً لسْت مِنْهُمْ في شْيءٍ إنَّما أمْرُهُمْ إلىَ اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يفْعَلُون﴾ قال ابن عطيّة: هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوءِ المعتقد، قال القاضي [إسماعيل]: ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية؛ لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا وكانوا شيعاً. ثانياً: من السنة: ١ - روى الشيخان عن عائشة ﵁ مرفوعاً: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢).

стр. 5

٢ - روى الشيخان عن ابن عباس مرفوعاً قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: (يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله تعالى حفاة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين، ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇، ألا وإنه سيجاء برجال من آمتي فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال فأقول يا رب أصحابي، فيُقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيقال لي: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم)) (١). ٣ - وفي مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: (من دعا إلى الهدى كان له من الأجر مثل أُجور من يتبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) (٢). ٤ - وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله: (إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) (٣). ثالثاً: الآثار: · ... قال أبو بكر الصديق - ﵁ -: " لست تاركاً شيئاً كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به لأني أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ". · عن عبد الله بن عمر - ﵁ ما - قال: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ". · ... عن ابن مسعود ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر

стр. 6

العتيق". عن ابن مسعود ﵁: " الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". · ... عن ابن عباس ﵁: " النظر إلى الرجل من أهل السنة يدعو إلى السنة وينهى عن البدعة، عبادة ". · ... قال عمرو بن يحيى: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب ابن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد ... وذكر إنكاره على من يكبرون جماعة في المسجد وقوله لهم: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا نضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبلَ وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة ... (١). · ... عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ ما كان في مجلس فعطس رجل، فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول معك الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ولكن ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، قل: الحمد لله، أو قال له قل الحمد لله رب العالمين. · ... عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيه القرآن، حتى يأْخذه المؤمن والمنافق، والرجل، والمرأة، والصغير، والكبير، والعبد، والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأْت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة، وأُحذِّركم زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. عن حذيفة أنه أَخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله ما نرى بينهما من النور إلا قليلاً قال: والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لَتَفْشُونَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا: تركت السنة. · ... قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد

стр. 7

زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فما لم يكن يومئذ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً. وقال الإمام أبو حنيفة: عليك بالأثر وطريقة السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة. وقال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله، والإقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة. قال الفضيل بن عياض: من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة. · ... وقال أيضا: اتبع طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. عن أبي إدريس الخولاني أنه قال: لأن أرى في المسجد ناراً لا أستطيع إطفاءها، أحب إلي من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها.

стр. 8

الباب الأول تعريف البدعة: أولا ً: تعريف البدعة لغة: قال المطرزي: (الْبِدْعَةُ) اسْمٌ مِنْ ابْتَدَعَ الْأَمْرَ إذَا ابْتَدَأَهُ وَأَحْدَثَهُ كَالرِّفْعَةِ اسْمٌ مِنْ الِارْتِفَاعِ وَالْخِلْفَةِ مِنْ الِاخْتِلَافِ ثُمَّ غَلَبَتْ عَلَى مَا هُوَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ أَوْ نُقْصَانٌ مِنْهُ (وَفِي) حَدِيثِ نَاجِيَةَ مَاذَا أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ مِنْهَا الِاسْتِعْمَالُ أُبْدِعَ بِفُلَانٍ إذَا انْقَطَعَتْ رَاحِلَتُهُ عَنْ السَّيْرِ لِكَلَالٍ أَوْ عَرَجٍ وَلَوْ رُوِيَ بِمَا أَبْدَعَتْ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ لَصَحَّ لِأَنَّ الْكِسَائِيَّ قَالَ أَبْدَعَتْ الرِّكَابُ إذَا كَلَّتْ وَعَطِبَتْ كَأَنَّهَا أَحْدَثَتْ أَمْرًا بَدِيعًا. (١) قال ابن منظور: [بدع: بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع ... والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أَوّلاً. وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أَي ما كنت أَوّلَ من أُرْسِلَ، قد أُرسل قبلي رُسُلٌ كثير. والبِدْعةُ: الحَدَث وما ابْتُدِعَ من الدِّينِ بعد الإِكمال ... وأَبْدَعَ وابْتَدَعَ وتَبَدَّع: أتَى بِبدْعةٍ، قال اللهِ تعالى: ﴿ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعوها﴾؛ وقال رؤبة: إِنْ كُنْتَ للهِ التَّقِيَّ الأَطْوعا ... فليس وجْهَ الحَقِّ أَن تَبَدَّعا وبَدَّعه: نَسَبه إِلى البِدْعةِ. واسْتَبْدَعَه: عدَّه بَديعاً. والبَدِيعُ: المُحْدَثُ العَجيب. والبَدِيعُ: المُبْدِعُ. وأَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْته لا على مِثال ... ] (٢) وقال الراغب الأصفهاني: [الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، ومنه قيل: ركية بديع أي: جديدة الحفر ... والبدعة في المذهب: إيراد قول لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة] (٣). وقال أبو البقاء الكفوي: [البدعة كل عمل عمل على غير مثال سبق فهو بدعة] (٤). قال الشاطبي: [وأصل مادة ((بدع)) للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول

стр. 9

الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّموَاِت والأرْضِ﴾ أي مخترعهما من غير مثال سابق متقدم، وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِن الرُّسُل﴾، أي ما كنت أول من جاءَ بالرسالة من الله إلى العباد بل تقدمني كثير من الرسل، ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق. وهذا أمر بديع، يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه. ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة: فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة] (١). ثانياً: تعريف البدعة اصطلاحاً: أما في الاصطلاح , فقد تعددت تعريفات البدعة وتنوعت ; لاختلاف أنظار العلماء في مفهومها ومدلولها. فمنهم من وسع مدلولها , حتى أطلقها على كل مستحدث من الأشياء , ومنهم من ضيق ما تدل عليه , فتقلص بذلك ما يندرج تحتها من الأحكام. وسنوجز ذلك في قولين: القول الأول: اتجه فريق من العلماء إلى ذم البدعة , وقرروا أن البدعة كلها ضلالة , سواء في العادات أو العبادات. ومن القائلين بهذا الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو اختيار طائفة من أتباعهم كالشمني، والعيني، والطرطوشي، والشاطبي، وابن رجب، وابن تيمية، وهو اختيار طائفة من محققي الشافعية كالبيهقي، وابن حجر الهيتمي، وقال به طائفة من الصحابة والتابعين كما سبق نقل أقوالهم آنفاً في مبحث ذم البدع، والمبتدعين. القول الثاني: أطلق أصحاب هذا القول البدعة على كل حادث لم يوجد في الكتاب والسنة , سواء أكان في العبادات أم العادات , وسواء أكان مذموما أم محموداً، ويرى هؤلاء العلماء أن البدعة تنقسم إلى حسنة وسيئة فإن وافقت السنة فهي حسنة محمودة وإن خالفت السنة فهي سيئة مذمومة. وبناء على هذا الأساس قالوا إن البدعة تنقسم إلى الأقسام الخمسة فهي إما أن تكون

стр. 10

واجبة أو مندوبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة .. وقد نسب هذا القول للإمام الشافعي , ومن أتباعه العز بن عبد السلام , والنووي , وأبو شامة، وابن الأثير، والسيوطي. ومن المالكية: القرافي , والزرقاني. ومن الحنفية: ابن عابدين. ومن الحنابلة: ابن الجوزي. ومن الظاهرية: ابن حزم. وسوف يأتي - إن شاء الله - تحقيق نسبة هذه الأقوال لقائليها، وذكر تعريفاتهم للبدعة، ومناقشة ما استدلوا به تفصيلياً في مبحث خاص (١). وسوف نتوقف - بمشيئة الله - في هذا المبحث مع القول الأول؛ لبيان أقوالهم ومسالكهم في تعريف البدعة، وسوف نعرض لأصولهم في هذا الصدد، فالله المستعان: (أقوال العلماء في تعريف البدعة على القول الأول: وبالنظر إلى ما ذكره المحقق الشاطبي في تعريف البدعة نجد أنه ذكر اتجاهين في تعريف البدعة، حيث قال ما ملخصه: [فالبدعة إذن عبارة عن ((طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه)) وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: ((البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية)) ولا بد من بيان ألفاظ هذا الحد. فالطريقة والطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وإنما قيدت بالدين لأنها فيه تخترع وإليه يضيفها صاحبها وأيضاً فلو كانت طريقة مخترعة في الدنيا على الخصوص لم تسم بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم. ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم ـ فمنها ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها ـ خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع، إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع، وبهذا القيد انفصلت عن كل ما ظهر لبادي الرأْي أنه مخترع مما هو متعلق

стр. 11

بالدين، كعلم النحو والتصريف ومفردات اللغة وأصول الفقه وأُصول الدين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة فإنها وإن لم توجد في الزمان الأول فأُصولها موجودة في الشرع ... (فإن قيل): فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترع. (فالجواب): أن له أصلاً في الشرع، ففي الحديث ما يدل عليه، ولو سلم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرع بجملته يدل على اعتباره، وهو مستمد من قاعدة المصالح المرسلة، وسيأْتي بسطها بحول الله. فعلى القول بإثباتها أصلاً شرعياً لا إشكال في أن كل علم خادم للشريعة داخل تحت أدلته التي ليست بمأْخوذة من جزئي واحد؛ فلبست ببدعة البتة. وعلى القول بنفيها لا بد أن تكون تلك العلوم مبتدعات، وإذا دخلت في علم البدع كانت قبيحة، لأن كل بدعة ضلالة من غير إشكال، كما يأتي بيانه إن شاء الله. ويلزم من ذلك أن يكون كتب المصحف وجمع القرآن قبيحاً، وهو باطل بالإجماع فليس إذاً ببدعة. ويلزم أن يكون دليل شرعي، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة. وإذا ثبت جزئي في المصالح المرسلة، ثبت مطلق المصالح المرسلة. فعلى هذا لا ينبغي أن يسمى علم النحو أو غيره من علوم اللسان أو علم الأصول أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة، بدعة أصلاً ... وقوله في الحد ((تضاهي الشرعية)) يعني: أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة: منها: وضع الحدود كالناذر للصيام قائماً لا يقعد، ضاحياً لا يستظل، والاختصاص في الانقطاع للعبادة، والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة. ومنها: التزام الكيفيات والهيآت المعينة، كالذكر بهيئة الاجتماع على صوت واحد، واتخاذ يوم ولادة النبي ﷺ عيداً، وما أشبه ذلك. ومنها: التزام العبادات المعينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة، كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته ... وقوله: ((يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى)) هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها.

стр. 12

وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونَ﴾ (١)، فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبين له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ ... وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات. فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية ... وأما الحد على الطريقة الأُخرى (٢) فقد تبين معناه إلا قوله: يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية. ومعناه أن الشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في عاجلتهم وآجلتهم لتأْتيهم في الدارين على أكمل وجوهها، فهو الذي يقصده المبتدع ببدعته؛ لأن البدعة إما أن تتعلق بالعادات أو العبادات، فإن تعلقت بالعبادات فإنما أراد بها أن يأتي تعبده على أبلغ ما يكون في زعمه ليفوز بأتم المراتب في الآخرة في ظنه. وإن تعلقت بالعادات فكذلك، لأنه إنما وضعها لتأتي أمور دنياه على تمام المصلحة فيها ... وقد ظهر معنى البدعة وما هي في الشرع والحمد لله] (٣). وقفات مع تعريف الشاطبي: الوقفة الأولى: قال الشيخ مصطفى بن محمد بن مصطفى: [وقد رجَّح الشاطبي رحمه الله تعالى هذا التعريف الذي يقول بدخول البدع في العادات والمعاملات (٤)، حيث قال: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من سابقة التعبد، لأن مالا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي. فالطهارات والصلوات والصيام والحج كلها تعبدي، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات والجنايات كلها عادى، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولابد فيها من التعبد إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها ... فإن جاء الابتداع في الأمور العادية من هذا الوجه صح دخوله في العاديات كالعبادات وإلا فلا".

стр. 13

وقال أيضا: شبه والرد عليها: إذا كان الأصل في العقود والشروط والمعاملات العفو حتى يحرمها الله تعالى، فكيف تدخلها البدع؟ والجواب، أولاً: ثبت في الأصول الشرعية أنه لابد في كل عادى من شائبة التعبد لكونه مقيداً بأوامر الشرع إلزاماً أو تخييراً أو إباحة. ثانياً: البدع لا تدخل في الأمور العادية إلا من الوجه العبادي فيها، فإذا ألحق المكلف حكماً شرعياً بعمل عادى وقصد به القربة وهو في حقيقته ليس كذلك فقد ابتدع. قال ابن رجب ﵀: (فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود ... كمن تقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام ... ). وكما يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: والأمور المشروعة تارة تكون عبادية وتارة عادية فكلاهما مشروع من قبل الشارع فكما تقع المخالفة بالابتداع في أحدهما تقع في الآخر. وقال النووي في شرح مسلم لحديث (وفى بضع أحدكم صدقة)، " في هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقة ". ويقول الغزالي في الإحياء (٤/ ٣٧١): وما من شيء من المباحات إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات. ويقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (١/ ٣١١): الأصل الثاني: أن نعبده بما شرع على ألسنة رسله، ولا نعبده إلا بواجب أو مستحب، والمباح إذا قصد به الطاعة دخل في ذلك. وقال في الاستقامة (٢/ ١٥٢): لذات الدنيا ونعيمها إنما هي متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة وكذلك خلقت، فكل لذة أعانت على لذات الآخرة فهو مما أمر الله به ورسوله، ويثاب على ما يقصد به وجهه ... ). ويمكن توضيح هذه المعاني بالأمثلة: - وضع المكوس على الناس حتى تصبح أمراً محتوماً دائماً أو في أوقات محدودة على كيفيات مضروبة بحيث تضاهى المشروع كالزكاة. - نكاح المحلل الذي يحتال به لإجازة ما هو حرام شرعاً إذا اعتقد فاعلوه جواز ذلك، وحله في الشريعة، أما إذا لم يعتقدوا ذلك فيكون حراماً ومعصية لا بدعة.

стр. 14

- وفى العادات بمثل التقيد بلباس معين أو عادة معينة، بحيث يجعل ذلك لازماً أو مستحباً وهو في الأصل مباح، فذلك يعد بدعة كما نص شيخ الإسلام على ذلك، وقد نص رحمه الله تعالى على لبس الصوف ( ... اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقاً إلى الله بدعة) الفتاوى ١١/ ٢٨، ٥٥٥.] اهـ (١). (وفق الشاطبي بين الطريقتين وجعلهما كالقول الواحد حيث قال: [هل يدخل في الأُمور العادية أم يختص بالأُمور العبادية؟ أفعال المكلفين ـ بحسب النظر الشرعي فيها ـ على ضربين: أحدهما: أن تكون من قبيل التعبدات. والثاني: أن تكون من قبيل العادات. فأما الأول: فلا نظر فيه هاهنا. وأما الثاني: ـ وهو العادي ـ فظاهر النقل عن السلف الأولين أن المسألة تختلف فيها، فمنهم من يرشد كلامه إلى أن العاديات كالعبادات، فكما أنَّا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها، فكذلك العاديات والجنايات كلها عادي، لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها من التعبد، إذ هي مقيدة بأُمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، وإذا كان كذلك فقد ظهر اشتراك القسمين في معنى التعبد، فإن جاء الابتداع في الأُمور العادية من ذلك الوجه، صح دخوله في العاديات كالعبادات، وإلا فلا. وهذه هي النكتة التي يدور عليها حكم الباب ... فالحاصل أن أكثر الحوادث التي أخبر بها النبي ﷺ من أنها تقع وتظهر وتنتشر أُمور مبتدعة على مضاهاة التشريع، لكن من جهة التعبد، لا من جهة كونها عادية، وهو الفرق بين المعصية التي هي بدعة، والمعصية التي هي ليست ببدعة. وإن العاديات من حيث هي عادية لا بدعة فيها، ومن حيث يتعبد بها أو توضع وضع التعبد تدخلها البدعة، وحصل بذلك اتفاق القولين، وصار المذهبان مذهباً واحداً، وبالله التوفيق].اهـ (٢) الوقفة الثانية: إن كلمة الدين في التعريف على كلا الطريقتين يختلف مدلولها من طريقة لأخرى ففي التعريف الأول الذي قصر معنى البدعة على العبادات، فيكون المراد بالدين كل ما جاء لمصالح العباد في آجلتهم فقط دون عاجلتهم، ويكون المراد به في التعريف الثاني كل ما جاء لمصالح العباد في آجلتهم وعاجلتهم.

стр. 15

الوقفة الثالثة: بالتأمل لتفسير الشاطبي في التعريف على كلا الطريقتين لقيدي: (طريقة، تضاعي الشريعة) مع قوله: [ويتبين ذلك بمثال وضع المكوس في معاملات الناس، فلا يخلو هذا الوضع المحرم أن يكون على قصد حجر التصرفات وقتاً ما، أو في حالة ما، لنيل حطام الدنيا، على هيئة غصب الغاصب، وسرقة السارق، وقطع القاطع للطريق، وما أشبه ذلك، أو يكون على قصد وضعه على الناس كالدين الموضوع والأمر المحتوم عليهم دائماً، أو في أوقات محدودة، على كيفيات مضروبة، بحيث تضاهي المشروع الدائم الذي يحمل عليه العامة، ويؤخذون به وتوجه على الممتنع منه العقوبة، كما في أخذ زكاة المواشي والحرث وما أشبه ذلك. فأما الثاني: فظاهر أنه بدعة، إذ هو تشريع زائد، وإلزام للمكلفين يضاهي إلزامهم الزكاة المفروضة، والديات المضروبة، بل صار في حقهم كالعبادات المفروضة، واللوازم المحتومة أو ما أشبه ذلك، فمن هذه الجهة يصير بدعة بلا شك، لأنه شرع مستدرك، وسَنٌّ في التكليف مهيع، فتصير المكوس على هذا الفرض لها نظران: نظر من جهة كونها محرمة على الفاعل أن يفعلها كسائر أنواع الظلم، ونظر من جهة كونها اختراعاً لتشريع يؤخذ به الناس إلى الموت كما يؤخذون بسائر التكاليف، فاجتمع فيها نهيان: نَهْى عن المعصية، ونهى عن البدعة، وليس ذلك موجوداً في البدع في القسم الأول، وإنما يوجد به النهي من جهة كونه تشريعاً موضوعاً على الناس أمر وجوب أو ندب، إذ ليس فيه جهة أخرى يكون بها معصية؛ بل نفس التشريع هو نفس الممنوع ... ] اهـ (١) تلحظ أن من معاني المضاهاة عنده أن يُجعل الأمر المحدث طريقة يسير عليها الناس، ملزمين بها كالدين. وهذا أمر زائد على الابتداع. فقد جعل الشاطبي الفرق بين المعصية والبدعة هو الإلزام بالمعصية كالدين الموضوع والأمر المحتوم، والمدقق في ذلك يجد أن الفرق بين الحالتين إنما هو بالإصرار على العمل، والإصرار على المعصية لا يحولها إلى بدعة، فبطل بذلك جعل الإلزام بدعة ما لم يقيد بقصد القربة. قال الشيخ سليمان الماجد في "ضابط البدعة وما تدخله": (القاعدة الثالثة: مضاهاة المكلف للتعبدات المحضة. ويجري حكم البدعة بمضاهاة التعبدات في صورتين:

стр. 16

الصورة الأولى: تخصيص العبادة المحضة، أو تقييدها بمكان أو زمان أو حال أو صفة؛ سواء كان ذلك باعتقاد المشروعية على الوجه الخاص أو المقيد، أو أن يقع هذا التخصيص أو التقييد بمحض العادة، ومطلق المداومة. والصورة الثانية: تخصيص العادات بمحدودات من مكان أو زمان أو حال أو صفة لا يُعقل لهذه المحدودات معنى على التفصيل؛ ولو لم يُرد بها القربة لله أو للبشر؛ كضرب المكوس والوظائف على الدوام، وتنكيس العلم أو الصمت حداداً، وزيارة نصب الجندي المجهول، والأعياد القومية). والصورة الأولى تدخل في البدعة الإضافية، وأما الثانية فهي محل الخلاف وسيأتي الكلام عليها. وقد ناقش الشيخ الغامدي اعتراضات د. عزت على عطية (١) على قيد المضاهاة عند الشاطبي ثم قال معمماً لمعنى المضاهاة: [ولا يشترط أن تكون المضاهاة خاصة بالإلزام أو التشريع الزائد فقط، بل وتكون مع ذلك بالتخصيص الزماني أو المكاني، والتخصيص بالهيئة والطريقة ونحو ذلك من أنواع التخصص الذي لا يكون إلا من قبل الشرع، وتكون بالاعتماد على شُبَهِ الأدلة الشرعية، وتكون المضاهاة كذلك بقصد القربة بالعمل المبتدع، وهذا أوسع أبواب المضاهاة، فإن المبتدع إنما يريد ببدعته القرب إلى الله والتعبد بهذا العمل المحدث، فهو يضاهي بقصده هذا وإرادته العمل المشروع] (٢). وقول الشيخ الغامدي: (ولا يشترط أن تكون المضاهاة خاصة بالإلزام أو التشريع الزائد فقط) موافقة منه للشاطبي في تفسير المضاهاة بذلك وإدخاله في معنى البدعة، ... وقوله: (وتكون المضاهاة كذلك بقصد القربة بالعمل المبتدع) صريح في أنه لا يشترط قصد القربة في المعاني الأُول التي ذكرها لمعنى المضاهاة، ومن المعلوم أنه لابد من قصد القربة للحكم على العمل بالبدعية. وعليه فلابد من تعميم قيد المضاهاة عند الشاطبي على معنى القربة. كما هو معلوم بالاضطرار من معنى البدعة الشرعية أنه لابد من شائبة التعبد والتقرب فيها، ولكن هذا التعميم في الحقيقة يعود على هذا القيد بالبطلان، ويجعله قيداً زائداً يمكن الاستغناء عنه

стр. 17

بقيود أخرى في التعريف، كقيد: في الدين، يقصد، المبالغة في التعبد. (قال الشيخ الغامدي: [وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ... ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس الملذات، كما قال النبي ﷺ للذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، ثم ذكر الحديث ... ) (١). فالإنكار إنما توجه إليهم بسبب قصد القربة بهذا الترك .... ومن هنا تتقرر هذه القاعدة التي نص عليها الشاطبي ﵀ حيث قال: (ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعا، وليس بمشروع) (٢). فالفعل الذي يقترن به أصل التشريع بإلحاق حكم شرعي له، كالاستحباب أو الوجوب، يكون بدعة، فإن لم يقترن به هذا القصد فهو منهي عنه؛ لكونه معصية أو هو عفو (٣). ... ثم قال: وقصد القربة يراد به: إلحاق حكم شرعي بعمل محدث، كالندب والاستحباب والإيجاب أو الكراهة والتحريم، قال شيخ الإسلام: (فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو فعله، من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله) (٤)، ويراد به كذلك استحسان الفعل المحدث، وإن لم يلحق به حكماً شرعياً، وإن كان ذلك غير متصور؛ لأن من لوازم استحسانه إلحاق وصف شرعي به، وإلصاق حكم تشريعي بالبدعة. وقصد القربة يتوجه إلى العمل الذي لا يتصور فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالص لله سبحانه، فلابد من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع (٥). وكل ما فهم من الشرع أنه لا خيرة للعبد فيه، سواء كان له معنى معقول أو غير معقول، فإنه مما يعلم أن قصد الشارع فيه الوقوف عند ما حده من غير زيادة ولا نقصان (٦) ... ويتوجه قصد القربة كذلك إلى العمل الذي يحمل أوجهاً متعددة مثل الأمور الدنيوية، فينظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه، أو باعتبار وجه القربة إذا اتحدت

стр. 18

أوجه الفعل الواحد، ويتضح ذلك بالمثال: فمن لبس ثوباً بلون معين ولم يرد بذلك القربة فلا يوصف هذا العمل بالبدعة؛ لأنه مباح، إلا إذا لحقته أمور منهي عنها، كالإسبال والاشتهار، فإنه يكون معصية. أما إذا أراد بذلك الثوب المعين، واللون المعين القربة، أو ألحق به وصف استحسان أو ندب أو إيجاب، فإنه يكون حينذاك بدعة، كما تفعل طوائف الصوفية التي تشترط لوناً معيناً لمريدي طريقتها ... وهذا الشرط - الذي هو قصد القربة - هو ما عناه الشاطبي في تعريفه للبدعة بقوله: (طريقة في الدين تضاهي الشريعة ... ) (١) ثم شرح ذلك بقوله: ( ... يعني أنها تشابه الطرقة الشرعية، من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة - إلى أن قال -: فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية ... ) (٢) ومن هذه المضاهاة طلب القربة من الله - سبحانه - ... ثم قال: مع أن المضاهاة من ألزم صفات البدعة ... ومن آكد أوجه المضاهاة بين البدعة والسنة قصد القربة ... )] (٣). وقوله: (وقصد القربة يراد به: إلحاق حكم شرعي بعمل محدث، كالندب والاستحباب والإيجاب أو الكراهة والتحريم) غير صحيح، وغير مطرد، فقد ينسب البعض حكم شرعي لبعض المحدثات لترويجها، وهو يعلم أنه كاذب فلا يكون مبتدعاً، فما هي إلا معاصٍ تراكم بعضها على بعض، وأما البدعة الاصطلاحية فشيء آخر شرطها نية التقرب لا مجرد الإلحاق. وقوله: (ويراد به كذلك استحسان الفعل المحدث، وإن لم يلحق به حكماً شرعياً، وإن كان ذلك غير متصور؛ لأن من لوازم استحسانه إلحاق وصف شرعي به، وإلصاق حكم تشريعي بالبدعة) وهو كسابقه، والتعبير بالاستحسان أوسع من موضوع الابتداع، فقد يكون الاستحسان مقدمة للبدعة، وقد يكون حجة شرعية على تفصيل ليس هذا محله. والمستحسن قد يستحسن الفعل _ سواء أكان لدليل شرعي، أو لدليل عقلي، أو لأمر يقدح في نفسه ولا يستطيع أن يعبر عنه - ولا يكون هذا الأمر المستحسن من أمور البدع بل قد يكون من باب المصالح المرسلة، أو حتى من الأمور العادية ولا ينوي بها التقرب

стр. 19

، كمن يستحسن بعض أنواع الأطعمة أو الأشربة على بعض.، وبهذا ظهر ما في عبارة الشيخ الغامدي. وقوله: (ويتوجه قصد القربة كذلك إلى العمل الذي يحمل أوجهاً متعددة مثل الأمور الدنيوية، فينظر إلى الفعل باعتبار الوجه الغالب عليه) غير منضبط، ولا مستقيم، فمثلا الطعام الوجه الغالب فيه هو حظ النفس، فعلى معنى كلامه أنه لا يدخله الابتداع الشرعي المذموم لعدم تحقق وجه القربة فيه؛ لأن الوجه الغالب فيه هو حظ النفس، وكذلك الشرب والنوم، مع أنه في الحقيقة قد يدخل كل هذه الأمور معنى البدعة بالنية، فمن أكل أو شرب بشماله ناوياً الإقتداء بالنبي، والتقرب بذلك لله، فهو مبتدع، وكذلك من لبس الحرير أو نام منبطحاً بنفس النية السابقة وهكذا. وعليه فالراجح أن العادات المحضة لا تدخل في الإبتداع إلا من جهة شائبة التعبد والتقرب لله بها. وقد اعترض الشيخ سليمان الماجد في "ضابط البدعة وما تدخله" على ذلك فقال: (أما الاتجاه الأول وهو اعتبار القربة: فإنه مع افتقاره إلى دليل صحته فهو غير مانع ولا جامع: فهو غير مانع لأنه يُخضِعُ لأحكام البدعة أعمالاً لا يراد منها في أصل شرعها إلا القربة والأجر؛ كالجهاد فِي سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الأمور مما لا تدخلها البدعة؛ فلم يقل أحد: إن هذه الأشياء من الأمور التوقيفية التي لا يُحدث فيها، ولا يُجدد في أعمالها إلا بدليل خاص. وهو غير جامع لأنه يُخرج أعمالا تُعد من التعبدات المحضة، ويسمى المحدث فيها في الشريعة مبتدعاً، وهي مع ذلك ليست مما يُراد بها القربة؛ حيث يُخرج الطلاق فِي الحيض، ويُخرج الأعياد الزائدة على الأعياد الشرعية؛ فقد استقر عمل العلماء على تسمية الطلاق الذي وقع على غير الوجه المشروع بالبدعة، وتسمية العيد الجديد بالعيد المبتدع؛ فهو إذاً غير جامع). وأما قوله: (فإنه مع افتقاره إلى دليل صحته) وحديث إنما الأعمال بالنيات ونحوه يدل عليه وهي أدلة كثيرة. وأما اعتراضه عليه بأنه غير مانع وتمثيله بالجهاد والأمر بالمعروف فإن كان بقصد وسائل الجهاد والأمر فهي خارج موضوع البدعة وقد قرر الشاطبي ذلك وسيأتي، وإن كان يقصد ذاتهما وأنه لا ستصور دخول البدعة فيهما فهو متعقب بمن يجاهد أو يأمر وينهي حمية أو من أجل المغنم، أو رياء ونحو ذلك ناويا التقرب لله بهذه النية فهو مبتدع. وأما اعتراضه بأنه لا يشمل الطلاق البدعي فالمقصود بالبدعية فيه أنه على خلاف سنة النبي لا البدعة الإصطلاحية، وأما الأعياد الجديدة فهي محل النزاع فللمخالف أن يقول أنها لا تسمى بدعة إلا إن قصد بها التعبد، وإلا فهي معصية. أقوال أخرى في تعريف البدعة (١): قال ابن تيمية: (البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية فهو من الدين الذي شرعه الله وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك وسواء كان هذا مفعولا على عهد النبي أو لم يكن فما فعل بعده بأمره من قتال المرتدين والخوارج المارقين وفارس وفارس والروم والترك وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وغير ذلك هو من سنته ... ) (٢) قال ابن حجر الهيتمي: (البدعة هي ما لم يقم دليل شرعي على أنه واجب أو مستحب سواء فعل في عهده ﷺ أو لم يفعل كإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ... ) (٣) قال العيني: (قوله محدثاتها جمع محدثة والمراد به ما أحدث وليس له أصل في الشرع وسمي في عرف الشرع بدعة وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة) (٤). قال ابن الجوزي: (البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتُدع، والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة، وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان) (٥) قال ابن رجب الحنبلي: (والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة ...

стр. 20

فكل من أحدث شيئا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو بريء منه وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية) (١). قول الشيخ العثيمين: (ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، من عقيدةٍ أو عمل) (٢). قول الشيخ الألباني: (إن البدعة المنصوص على ضلالتها من الشارع هي: أ - كل ما عارض السنة من الأقوال أو الأفعال أو العقائد ولو كانت عن اجتهاد. ب - كل أمر يتقرب إلى الله به، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ . ج - كل أمر لا يمكن أن يشرع إلا بنص أو توقيف، ولا نص عليه، فهو بدعة إلا ما كان عن صحابي. د - ما ألصق بالعبادة من عادات الكفار. هـ - ما نص على استحبابه بعض العلماء سيما المتأخرين منهم ولا دليل عليه. و- كل عبادة لم تأت كيفيتها إلا في حديث ضعيف أو موضوع. ز - الغلو في العبادة. ح - كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود مثل المكان أو الزمان أو صفة أو عدد) (٣). قول الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي: (والبدعة شرعاً هي التي أحدثت بعد الرسول على سبيل التقرب إلى الله ولم يكن قد فعلها الرسول، ولا أمر بها ولا أقرها ولا فعلتها الصحابة) (٤). قول الشيخ حافظ الحكمي: (ومعنى البدعة: شرع ما لم يأذن الله به، ولم يكن عليه أمر النبي ﷺ ولا أصحابه) (٥) قول الشيخ أبي بكر الجزائري: (وهي في عرف الشرع: كل ما لم يشرعه الله

стр. 21

تعالى في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ من مُعْتَقد أو قول أو فعل، وبعبارة أسهل: البدعة هي: كل ما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وعهد أصحابه ديناً يعبد الله به أو يتقرب به إليه من اعتقاد أو قول أو عمل، مهما أُضفي عليه من قداسة، وأُُُُُحيط به من شارات الدين وسمات القربة والطاعة) (١). وكل هذه التعاريف متقاربة، والتعريف الذي أرتضيه ليكون جامعاً مانعاً هو: (كل ما أُحدث بقصد التعبد لله ، ولم يقم عليه دليل أصلاً، أو وصفاً) ليشمل دخول البدعة الإضافية صراحة، وسوف نتعرض - بمشيئة الله - في خلال الفصول التالية لشرح هذا التعريف.

стр. 22

الباب الثاني شرح التعريف الفصل الأول: الكلام على صيغة العموم (كل)، وأنها على عمومها وشمولها لجميع البدع (١)، وفيه مباحث: المبحث الأول: بيان عموم ذم البدع (٢): قال الشاطبي تحت عنوان: (الباب الثالث في أن ذم البدع والمُحدثَات عامُّ لا يخص محدثه دون غيرها): (فاعلموا -رحمكم الله- أن ما تقَدَّم من الأدلَّة حجة في عموم الذم من أوجه: أحدها: أنها جاءت مطلقة عامَّة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها شيء مما يقتضي أن منها ما هو هدىً، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة، إلا كذا وكذا، ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محَدثة يقتضى النظر الشرعي فيها الاستحسان أو أنها لاحقة بالمشروعات، لذُكِرَ ذلك في آية أو حديث، لكنه لا يوجد، فدلَّ على أن تلك الأدلة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكلية التي لا يتخلَّف عن مقتضاها فردٌ من الأفراد. والثاني: أنه قد ثبت في الأصول العلميَّة أن كل قاعدة كلَّية أو دليل شرعي كلَّي، إذا تكرَّرت في مواضع كثيرة، وأتى بها شواهد على معان أصوليَّة أو فروعيَّة، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرُّرها وإعادة تقرُّرها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ... والثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمَّها كذلك وتقبيحها والهروب عنها وعمَّن اتَّسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقُّف ولا مثنوية، فهو - بحسب الاستقراء - إجماع ثابت، فدلَّ على أن كلَّ بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.

стр. 23

والرابع: أن متعقَّل البدعة يقتضى ذلك بنفسه؛ لأنه من باب مضادَّة الشارع واطِّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة، فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقَّة الشارع ... ) (١). وقال ابن رجب الحنبلي: [قوله (: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله (: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية] (٢) وقال أيضاً: عند قوله ﷺ المتفق عليه: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد): [هذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها وهو ميزان للأعمال في ظاهرها. فكما أن كل عمل لا يراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء] (٣). وقال الحافظ ابن حجر عند قوله ﷺ : (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) قال: [هذا قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها، أما منطوقها فكأن يقال، حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب] (٤) وقال الشوكاني: [وهذا الحديث من قواعد الدين؛ لأنه يندرج تحته من الأحكام ما لا يأتي عليه الحصر وما أصرحه وأدله على إبطال ما فعله الفقهاء من تقسيم

стр. 24

البدع إلى أقسام وتخصيص الرد ببعضها بلا مخصص من عقل ولا نقل فعليك إذا سمعت من يقول هذه بدعة حسنة بالقيام في مقام المنع مسنداً له بهذه الكلية وما يشابهها من نحو قوله ﷺ : (كل بدعة ضلالة) طالباً لدليل تخصيص تلك البدعة التي وقع النزاع في شأنها بعد الاتفاق على أنها بدعة فإن جاءك به قبلته وإن كاع (١) كنت قد ألقمته حجراً واسترحت من المجادلة] (٢). المبحث الثاني: البدعة التركية: توطئة: أولاً: هل الترك فعل؟ قال الأشقر: [يرى كثير من الأصوليين أن الكفّ فعل من الأفعال، وهو عندهم فعل نفسي (٣). ونُسِب إلى قوم منهم أبو هاشم الجبائي أن الكف انتفاء محضّ (٤)، فليس بفعل (٥). والأول أولى، كما هم معلوم بالوجدان. وأيضاً نجد في الكتاب والسنة إشارات إلى أن الكف فعل ... ] (٦). قال الشاطبي: [فإذاً قوله في الحد: ((طريقة مخترعة تضاهي الشرعية)) يشمل البدعة التركية، كما يشمل غيرها؛ لأن الطريقة الشرعية أيضاً تنقسم إلى ترك وغيره. وسواءٌ علينا قلنا: إن الترك فعل أم قلنا: إنه نفي الفعل - الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه] (٧).

стр. 25

وذكر الشيخ الدردير أن من موجبات الردة إلقاء مصحف بقذر، ومثل ذلك تركه به، أي عدم رفعه إن وجده؛ لأن الدوام كالابتداء. قال الشنقيطي عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً﴾: [اعلم أن السبكي قال إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة «الفرقان» مسألة أصولية، وهي أن الكف عن الفعل فعل. والمراد بالكف الترك، قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلّة تدلّ على أن الكفّ فعل لم أرَ أحدًا عثر عليها. أحدها: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُوا هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً﴾، فإن الأخذ التناول والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه، انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب «نشر البنود، شرح مراقي السعود»، في الكلام على قوله: فكفّنا بالنهي مطلوب النبيّ. قال مقيّده - عفا اللَّه عنه وغفر له -: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكفّ فعل وتفسيره لها بما يدلّ على ذلك، لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلّت عليه، وهو كون الكفّ فعلاً دلّت عليه آيتان كريمتان من سورة «المائدة»، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية «الفرقان» هذه، فإنه قد بيّنته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة «المائدة». أمّا الأولى منهما، فهي قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاْحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخصّ من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح؛ كما ترى. وأمّا الآية الثانية، فهي قوله تعالى: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلاً، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذمّ في قوله: ﴿

стр. 26

لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، أي: وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وصراحة دلالة هذه الآية أيضًا على ما ذكر واضحة، كما ترى. وقد دلَّت أحاديث نبويّة على ذلك؛ كقوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فقد سمّى ﷺ في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلامًا، ومما يدلّ من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة: لئن قعدنا والنبيّ يعمل ... لذاك منّا العمل المضلل فسمّى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملاً مضللاً .... والصحيح أن الكفّ فعل، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة واللغة؛ كما تقدّم إيضاحه] (١). ثانياً: ذكر أقسام وأسباب الترك، والقاعدة التي يسير عليها الباب: أقسام الترك: قال الأشقر تحت عنوان: أقسام الترك، ما ملخصه: [الأول: الترك لداعي الجبلة البشرية. وهذا لا يدل في حقنا على تحريم ولا كراهة. ومثاله ترك النبي ﷺ أكل لحم الضب، وقال: (إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه). الثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به ﷺ ، وهو تركه لما حرم عليه خاصة كتركه أكل الصدقة. وقد قال أبو شامة في الأفعال إنه يقتدي بالخصائص النبوية الواجبة، على سبيل الاستحباب. فقياس قوله هنا أنه ينبغي أن يستفاد لحقنا كراهة ما خُصَّ النبي ﷺ بتحريمه، فيكون أكل الصدقة مثلاً مكروهاً لنا. الثالث: الترك بياناً أو امتثالاً لمجمل معلوم الحكم، عام لنا وله، فيستفاد حكم الترك من الدليل المبين والممتثل. ومثاله: تركه ﷺ الإحلال من العمرة مع صحابته، وقال: (إني لبدت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر)، ومن الترك الامتثالي تركه ﷺ الصلاة على المنافقين لما نزل قوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾.

стр. 27

الرابع: الترك المجرد، وهو الذي ليس من الأقسام السابقة، وهو نوعان: الأول: ما علم حكمه في حقه بقوله ﷺ ، أو باستنباط. والثاني: ما لم يعلم حكمه. فأما ما علمنا حكمه في حقه بدليل، فينبغي أن يكون حكمنا فيه كحكمه. أخذاً من قاعدة المساواة في الأحكام. وأما ما لم نعلم حكمه في حقه ﷺ ، فما ظهر فيه أنه تركه تعبداً وتقرباً نحمله على الكراهة في حقه، ثم يكون الحكم في حقنا كذلك أخذا من قاعدة المساواة، كتركه ردّ السلام على غير طهارة حتى تيمم (١). وما لم يظهر فيه ذلك، نحمله على أنه من ترك المباح، كتركه السير في ناحية من الطريق، أو الجلوس في جهة من المسجد. فعلى ما تقدم ذكره لا فرق بين الفعل والترك في التأسي فيهما، وقد صرح الشوكاني بذلك فقال: " تركه للشيء كفعله له في التأسي به فيه " (٢). وقال ابن السمعاني: " إذا ترك ﷺ شيئاً وجب علينا متابعته فيه " (٣)، ومقصوده بالمتابعة المساواة في حكم الترك، كما تقرر عندنا أن ذلك مراده بهذه العبارة في بحث الأفعال. وليس مقصوده أنه يجب علينا أن نترك ما ترك في جميع الأحوال. فظاهر كلامهم التسوية بين الفعل والترك في مراتب التأسي] (٤). أسباب الترك: قال الأشقر: [إن ما تركه ﷺ مما كان مظنة أن يفعله كثيراً ما كان يتركه لسبب قائم لولاه لفعله. وترجع تلك الأسباب إلى أنواع منها:

стр. 28

النوع الأول: ترك الفعل المستحب خشية أن يفرض على الأمة ... ومنه أنه ﷺ ترك قيام رمضان جماعة، بعد أن قام به ليلتين أو ثلاثاً. ثم قال لهم: " إنه لم يخْفَ على َّ مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم " (١). ولذلك لما زالت هذه الخشية بوفاته ﷺ وانقطاع الوحي (٢)،أعاد الصحابة – ﵃ – فعلها في المسجد في زمن عمر بن الخطاب– ﵁. النوع الثاني: ترك العمل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب. وترك المباح لئلا يظنوا أنه مستحب أو واجب. وهذا نوع مشابه للنوع الأول وليس منه. ومنه أنه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، استحباباً، وقد ترك ذلك يوم فتح مكة، فصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد، فقال عمر:"يا رسول الله فعلت اليوم شيئاً لم تكن تفعله"، فقال:"عمداً فعلته يا عمر " (٣) ... ويسن الاقتداء به ﷺ في هذا النوع من الترك ممن يقتدى به إذا ظن توهم بعض الحاضرين شيئا من ذلك ... النوع الثالث: الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ولو استحباباً: ومنه ترك الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف ... ومن هذا النوع عند بعض الفقهاء، ترك النبي ﷺ أن يحرم للحج من بيته بالمدينة، حتى أحرم من الميقات. فلا يدل على أن الإحرام من الميقات أفضل، فهو أقل عملاً ... والراجح أنه إنما ترك الإحرام من المنزل خشية المشقة (٤) ...

стр. 29

النوع الرابع: ترك المطلوب خشية من حصول مفسدة أعظم من بقائه، وهذا من السياسة الشرعية المقررة، ومثاله ما قاله ﷺ لعائشة: " يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون " (١) ... ومثال آخر: تركه ﷺ قتل المنافقين مع عظم فسادهم، وقولهم كلمة الكفر، وإرجافهم، خشية أن يقول الناس إن محمداً يقتل أصحابه، إذ هم في الظاهر مؤمنون، فيكون صادّاً للناس عن الدخول في الإسلام. النوع الخامس: الترك على سبيل العقوبة، كترك الصلاة على المَدِين ... النوع السادس: الترك لمانع شرعي: ومثاله قصة نومه ﷺ ومن معه عن صلاة الفجر، فما استيقظوا إلا بعد طلوع الشمس (٢) ... ] (٣).

стр. 30

القاعدة التي يدور عليها الباب وكلام العلماء في تقريرها: والقاعدة التي يدور عليها الباب أن ما تركه النبي ﷺ مع وجود المقتضي له، وانتفاء الموانع، ففعله تديناً بدعة، وتركه سنة. والنقل لهذا الترك يكون إما بالتنصيص عليه كأن يقول الصحابي: لم يكن يؤذن ولا يقيم في العيد، ولم يكن يصلي على الراحلة المكتوبة، ونحو ذلك، وإما أن يكون بعدم النقل مطلقاً فيستدل على ذلك بعدم الفعل. (قال عفانة: [من المعلوم عند الأصوليين أن السنة النبوية هي: ما ثبت عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. وأفعال الرسول ﷺ جزء من السنة النبوية باعتبارها مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي وأفعال الرسول ﷺ على أقسام: منها الأفعال الجبلية التي صدرت عن الرسول ﵊ بمقتضى خلقته وجبلته وطبيعته كلباسه وقعوده ونومه فهذه وأمثالها لا يجب على الأمة إتباعها. ومن الأفعال ما كان خاصاً به ﷺ كزواجه أكثر من أربعٍ من النساء فهذه لا تشاركه فيها الأمة بالاتفاق. ومن الأفعال التي صدرت عنه ما كان بياناً لمجمل كبيانه للصلاة والصيام والزكاة فهذا بالاتفاق بين أهل العلم يكون البيان تابعاً للمُبَين في الحكم من وجوب أو ندب أو إباحة. والأفعال التي صدرت عن الرسول ﷺ وعلمت صفة الفعل فجمهور العلماء على الإقتداء به على تلك الصفة فإن كان الفعل واجباً فالإقتداء به واجب وإن كان مندوباً فالإقتداء به مندوب وإن كان مباحاً فالإقتداء به مباحٌ. وأما الأفعال التي صدرت عن الرسول ﷺ وجهلت صفة حكمها أواجبة هي أو مندوبة أو مباحة فهي محل خلاف عند الأصوليين (١). وهناك أفعال تركها الرسول ﷺ ولم يفعلها وهذه على نوعين:

стр. 31

الأول: أفعال تركها الرسول ﷺ لعدم توفر الدواعي لفعلها كجمع المصحف وتضمين الصناع ونحوها قال الشاطبي: [أحدهما أن يسكت عنه لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل التي حدثت بعد رسول الله ﷺ فإنها لم تكن موجودة ثم سكت عنها مع وجودها وإنما حدثت بعد ذلك فاحتاج أهل الشريعة إلى النظر فيها وإجرائها على ما تقرر في كلياتها. وما أحدثه السلف الصالح راجع إلى هذا القسم كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع وما أشبه ذلك مما لم يجر له ذكر في زمن رسول الله ﷺ ولم تكن من نوازل زمانه ولا عرض للعمل بها موجب يقتضيها. فهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعاً بلا إشكال فالقصد الشرعي فيها معروف من الجهات المذكورة قبل] (١). والثاني: أفعال تركها الرسول ﷺ مع توفر الدواعي لفعلها ومع ذلك لم يفعلها فدل على أن المشروع فيها هو الترك لا الفعل كترك الأذان للعيدين وتركه صلاة ليلة النصف من شعبان وتركه التلفظ بالنية وتركه أن يقول للمأمومين قبل بدء الصلاة استحضروا النية وغير ذلك. قال الشوكاني: [تركه ﷺ للشيء كفعله له في التأسي به فيه] (٢). وقال ابن السمعاني: [إذا ترك الرسول ﷺ شيئاً وجب علينا متابعته فيه ألا ترى أنه ﷺ لما ُقدم إليه الضب فأمسك عنه وترك أكله أمسك الصحابة وتركوه إلى أن قال لهم: إنه ليس بأرض قومي فأجدني أعافه وأذن لهم في أكله وهكذا تركه ﷺ لصلاة الليل جماعة خشية أن تكتب على الأمة] (٣). وقال الشاطبي ما ملخصه: [إن سكوت الشارع عن الحكم الخاص أو تركه أمراً وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي موجود ولم يحدد فيه الشارع أمراً زائداً على ما كان من الدين فهذا القسم باعتبار خصوصه هو البدعة المذمومة شرعاً لأنه لما كان الموجب لشريعة الحكم موجود ثم لم يشرع كان صريحاً في أن

стр. 32

الزائد على ما ثبت هنالك بدعة مخالفة لقصد الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حدّ هنالك بلا زيادة ولا نقصان منه] (١). قال الشيخ الألباني: [ومن المقرر عند ذوي التحقيق من أهل العلم أن كل عبادة مزعومة لم يشرعها لنا رسول الله بقوله ولم يتقرب هو بها إلى الله بفعله فهي مخالفة لسنته، لأن السنة على قسمين: سنة فعلية وسنة تركية، فما تركه ﷺ من تلك العبادات فمن السنة تركها، ألا ترى مثلاً أن الأذان للعيدين ودفن الميت مع كونه ذكراً وتعظيماً لله لم يجز التقرب به إلى الله ، وما ذلك إلا لكونه سنة تركها رسول الله ﷺ وقد فهم هذا المعنى أصحابه ﷺ فكثر عنه التحذير من البدع تحذيراً عاماً كما هو مذكور في موضعه حتى قال حذيفة بن اليمان ﵁: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها) وقال ابن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق)] (٢). وقال العلامة القسطلاني: [وتركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة فليس لنا أن نسوي بين فعله وتركه فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله] (٣). وقال ابن النجار الحنبلي: [التأسي برسول الله ﷺ فعلك كما فعل لأجل أنه فعل وأما التأسي في الترك فهو أن تترك ما ترك لأجل أنه ترك] (٤). وقال العلامة ابن القيم: [فصل نقل الصحابة ما تركه ﷺ وأما نقلهم لتركه ﷺ فهو نوعان وكلاهما سنة. أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. وقوله في صلاة العيد: لم يكن أذان ولا إقامة ولا نداء. وقوله في جمعه بين الصلاتين: ولم يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منهما. ونظائره. والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد

стр. 33

منهم على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدث به في مجمع أبداً علم أنه لم يكن وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة أو تركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه دائماً بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات وتركه رفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من الركوع الثانية، وقوله: اللهم اهدنا فيمن هديت. يجهر بها ويقول المأمومون كلهم: آمين. ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة البتة وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخل به يوماً واحداً وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة ولرمي الجمار ولطواف الزيارة ولصلاة الاستسقاء والكسوف. ومن هاهنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة فإن تركه ﷺ سنة كما أن فعله سنة فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله ولا فرق. فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جداً عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة يرحمكم الله ورفع بها صوته وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه. ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر الله واسم رسوله جماعة وفرادى وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحب لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان أو ليلة أول جمعة من رجب وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل؟] (١). وقال الشاطبي: [والثاني أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص لأنه لما كان هذا المعنى

стр. 34

الموجب لشرع الحكم العملي موجوداً ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه كان ذلك صريحاً في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حد هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه] (١). وقال الشاطبي أيضاً: [وتقرير السؤال أن يقال في البدع مثلاً إنها فعل ما سكت الشارع عن فعله أو ترك ما أذن في فعله، أو تقول: فعل ما سكت الشارع عن الأذن فيه أو ترك ما أذن في فعله أو أمر خارج عن ذلك. فالأول كسجود الشكر عند مالك حيث لم يكن ثم دليل على فعله والدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلوات والاجتماع للدعاء بعد العصر يوم عرفه في غير عرفات والثاني كالصيام مع ترك الكلام ومجاهدة النفس بترك مأكولات معينة والثالث كإيجاب شهرين متتابعين في الظهار لواجد الرقبة. وهذا الثالث مخالف للنص الشرعي فلا يصح بحال فكونه بدعة قبيحة بيّن. وأما الضربان الأولان وهما في الحقيقة فعل أو ترك لما سكت الشارع عن فعله أو تركه فمن أين يعلم مخالفتهما لقصد الشارع أو أنهما مما يخالف المشروع؟ وهما لم يتواردا مع المشروع على محل واحد بل هما في المعنى كالمصالح المرسلة والبدع إنما أحدثت لمصالح يدعيها أهلها ويزعمون أنها غير مخالفة لقصد الشارع ولا لوضع الأعمال أما القصد فمسلم بالفرض وأما الفعل فلم يشرع الشارع فعلاً نوقض بهذا العمل المحدث ولا تركاً لشيء فعله هذا المحدث كترك الصلاة وشرب الخمر بل حقيقته أنه أمر مسكوت عنه عند الشارع والمسكوت من الشارع لا يقتضي مخالفة ولا يفهم للشارع قصداً معيناً دون ضده وخلافه فإذا كان كذلك رجعنا إلى النظر في وجوه المصالح فما وجدنا فيه مصلحة قبلناه إعمالاً للمصالح المرسلة وما وجدنا فيه مفسدة تركناه إعمالاً للمصالح أيضاً وما لم نجد فيه هذا ولا هذا فهو كسائر المباحات إعمالاً للمصالح المرسلة أيضاً. فالحاصل أن كل محدثة يفرض ذمها تساوي المحدثة المحمودة في المعنى فما وجه ذم هذه ومدح هذه؟ ولا نص يدل على مدح ولا ذم على الخصوص. وتقرير الجواب ما ذكره مالك وأن السكوت عن حكم الفعل أو الترك هنا - إذا وجد المعنى المقتضي للفعل أو الترك إجماع من كل ساكت على أن لا زائد على ما كان. وهو غاية في هذا المعنى قال ابن رشد: الوجه في ذلك أنه لم يره مما شرع في الدين - يعني سجود الشكر - لا فرضاً ولا نفلاً إذ لم يأمر بذلك النبي ﷺ ولا فعله ولا أجمع المسلمون على اختيار فعله والشرائع لا تثبت إلا من أحد هذه الوجوه قال: واستدلاله على أن رسول الله ﷺ لم يفعل ذلك ولا المسلمون بعده بأن ذلك لو كان لنقل، صحيح إذ لا يصح أن تتوفر دواعي المسلمين على ترك نقل شريعة من شرائع الدين وقد أمروا بالتبليغ، قال: وهذا أصل من الأصول ... وهو أصل صحيح إذا اعتبر وضح به الفرق بين ما هو من البدع وما ليس منها ودل على أن وجود المعنى المقتضى مع عدم التشريع دليل على قصد الشارع إلى عدم الزيادة على ما كان موجوداً قبل، فإذا زاد الزائد ظهر أنه مخالف لقصد الشارع فبطل (٢). ومن أوضح الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا القسم وهو ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضى له الأذان للعيدين فينبغي تركه وإن كان فيه مصلحة ظاهرة وهي دعوة الناس للصلاة وإعلامهم بها فهو غير مشروع ما دام أن النبي ﷺ قد تركه رغم دخوله تحت بعض العمومات كما وضحه شيخ الإسلام بقوله: [الأذان في العيدين فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة فلو لم يكن كونه بدعه دليلاً على كراهته وإلا لقيل هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله فيدخل في العمومات كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أو يقاس على الأذان في الجمعة فإن الاستدلال على حسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكبر البدع بل يقال: ترك رسول الله ﷺ له مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة كما أن فعله سنة. فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة فليس لأحد أن يزيد في ذلك بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة

стр. 35

وأعداد الركعات أو الحج فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال: هذا زيادة عمل صالح لم يكن له ذلك ... وليس له أن يقول: هذه بدعة حسنة، بل يقال له: كل بدعة ضلالة ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها أو أن نعلم ما فيها من المفسدة. فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضى له وزوال المانع لو كان خيراً، فإن كل ما يبديه المحدث لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله ﷺ ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس. ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدعة بتفريط من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة واعتذار من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضون حتى يسمعوا أو أكثرهم فيقال له: سبب هذا تفريطك فإن النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم وأنت تقصد إقامة رياستك وإن قصدت صلاح دينهم فلست تعلمهم ما ينفعهم فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك لا عن عملهم. وهذان المعنيان من فهمهما انحل عنه كثير من شبه البدع الحادثة) (١). إن الجهل بهذا الأصل المهم أوقع كثيراً من الناس في البدع فانظر إلى البدع التي يفعلها الناس اليوم ترى أن النبي ﷺ قد تركها مع أن الدواعي لفعلها كانت موجودة على عهد النبي ﷺ فانظر إلى تلفظ كثير من المصلين بالنية فتسمع الواحد منهم يقول بصوت مرتفع: نويت أن أصلي أربع ركعات فرض صلاة الظهر مقتدياً ... الخ ولم يؤثر مثل ذلك عن الرسول ﷺ ولا علمه لأحد من أصحابه كما في حديث المسيء صلاته حيث قال له النبي ﷺ إذا قمت إلى الصلاة فكبر .. الخ رواه أصحاب السنن وهو حديث صحيح. ولم يقل قل نويت أن أصلي كذا وكذا فلو

стр. 36

كان ذلك مشروعاً لعلمه النبي ﷺ لذلك الرجل فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم عند الأصوليين. وكذلك قراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت تركه رسول الله ﷺ مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة على الميت وعدم المانع منه فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة. وكيف يعقل أن يترك الرسول ﷺ شيئاً نافعاً يعود على أمته بالرحمة؟ وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. فهل يعقل أن يكون هذا باباً من أبواب الرحمة ويتركه الرسول ﷺ طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة؟ وكذلك الاحتفال بمولده ﷺ تركه ولم يفعله وكذا تركه الصحابة الأجلاء مع توفر الدواعي لفعله فإن يوم ميلاده كان يتكرر كل عام ومع ذلك لم يحتفل رسول الله ﷺ بمولده ولا أمر أحداً من الصحابة بالاحتفال بذكرى مولده كما أمرهم بالصلاة والسلام عليه كما هو معروف فدل تركه ذلك على أن الاحتفال بمولده غير مشروع. إذ لو كان الاحتفال بالمولد مشروعاً لبينه رسول الله ﷺ ولفعله. ولو كان الاحتفال بمولده ﷺ مشروعاً لسبقنا إليه الصحابة ﵃ فوالله لقد كانوا أشد حباً لرسول الله ﷺ وأكثر أدباً مع رسول الله ﷺ من المسلمين الذين يحتفلون بالمولد. ثم إن بدعة الاحتفال بالمولد حدثت بعد مئات السنين على الإسلام فأين كان المسلمون طوال هذه السنوات الطويلة؟ فقد قيل إن أول من احتفل بالمولد هو صاحب إربل الملك العظيم مظفر الدين كوكبرى الذي توفي سنة ٦٣٠ هجري. والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (١). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ ... فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (٢).

стр. 37

وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة ﵁ أي لا تتقربوا بها إلى الله ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت عبادة لجاء بها رسول الله ﷺ (١).] (٢) وقال محمد أحمد العدوي: [اعلم أن سنة النبي ﷺ كما تكون بالفعل تكون بالترك ... وكما لا نتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل لا نتقرب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل، ولا فرق بينهما ... وقال صاحب كتاب: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ما نصه: قال صاحب (مجالس الأبرار) أي منلا أحمد رومي الحنفي ما ملخصه: لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة، أو لعدم مشروعية، والأولأن منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي ﷺ عدم التنبه والتكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة ... وقال الأستاذ الشيخ بخيت الحنفي مفتي الديار المصرية في كتابه (أحسن الكلام) ما نصه: وأما رفع صوت المشيعين للجنازة بنحو قرآن أو ذكر، أو قصيدة بردة، أو يمانية فهو مكروه، لاسيما على الوجه الذي يفعل في هذا الزمان، ولم يكن شئ منه موجوداً في زمن النبي ﷺ ، ولا في زمن الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح، بل هو مما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضى لفعله فيكون تركه سنة، وفعله بدعة مذمومة شرعاً كما هو الحكم في كل ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضى لفعله. أهـ ... ثم قال العدوي: قاعدة تقسيم السنة إلى سنة فعلية، وسنة تركية هي الأساس الأول للكلام على السنة والبدعة، والغلط الحاصل فيها سببه الغفلة عن هذه القاعدة، وقد أريناك من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة، وفعله بدعة مذمومة ... ] (٣). (وأما قول الشاطبي: [وفي الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه. وهو أن البدعة من حيث قيل فيها: إنها طريقة في الدين مخترعة –إلى آخره - يدخل في عموم لفظها البدعة التَّرْكيَّة، كما يدخل فيه البدعة غير التركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل -مثلاً- قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه، أو يقصد تركه قصداً. فهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعاً أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالذي يحرم نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض فإن الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي، فالترك مباح ... وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين (٤)، وكتارك المتشابه، حذراً من الوقوع في الحرام واستبراءً للدين والعرض. وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديناً أو لا، فإن لم يكن تديناً فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل في العادات. وأما على الطريقة الأولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصياً بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله. وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع

стр. 38

التحليل وفي مثله نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) فنهى أولاً عن تحريم الحلال. ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداءٌ لا يحبه الله. وسيأتي للآية تقرير إن شاء الله. لأن بعض الصحابة هَمَّ أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هَمَّ بالاختصاء، مبالغة في ترك شأن النساء، وفي أمثال ذلك قال النبي ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس منى) (٢). فإذاً كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي ﷺ ، والعامل بغير السنة تدينا، هو المبتدع بعينه. فإن قيل: فتارك المطلوبات الشرعية ندباً أو وجوباً، هل يسمى مبتدعاً أم لا؟ فالجواب: أن التارك للمطلوبات على ضربين: أحدهما: أن يتركها لغير التدين إما كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية. فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان الترك جزئياً، وإن كان كلياً فمعصية حسبما تبين في الأصول. والثاني: أن يتركها تديناً فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله، ومثاله أهل الإباحة القائلين بإسقاط التكاليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حدوه. فإذًا قوله في الحد: "طريقة مخترعة تضاهى الشرعية" يشمل البدع التركية، كما يشمل غيرها، لأن الطريقة الشرعية أيضاً تنقسم إلى ترك وغيره. وسواء علينا قلنا: إن الترك فعل، أم قلنا: إنه نفي الفعل، على الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه ... ] (٣).

стр. 39

فإنما هو بالنظر لفعل المكلف، فقد اعتبر ما تركه المكلف تدينا بدعة تركية، ولما كان الترك فعل لم يبق لإفراد هذا القسم وجه، والأولى ما سبق من إرجاع معنى البدعة التركية لفعل ما تركه النبي ﷺ مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع، والاصطلاح على أن ذلك هو المقصود بالبدعة التركية، ويكون ذلك غير الابتداع بالترك الذي ذكره الشاطبي هنا في هذه العبارة، وإن كنا لا ننازعه اصطلاحه، ولا شمول البدعة التركية لما ذكر أيضاً، وإنما نحن نتكلم عن اصطلاحنا نحن. المبحث الثالث: بيان أن البدع تكون في كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي من الأعمال [ أي الأقوال والأفعال، للجوارح والقلب] (١): وقد سبق كلام ابن رجب، وابن تيمية، والألباني، والجزائري في هذا الصدد عند الكلام على تعريف البدعة فراجعه. قال الشاطبي: [وكما يشمل الحد الترك يشمل أيضاً ضد ذلك. وهو ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة أقسام. وبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، يتعلق به الابتداع] (٢). وقال الغامدي: [ومما يتعلق به الخطاب الشرعي الفعل والترك، وقد سبق الكلام عن الترك، أما الفعل فهو من حيث تعلق الخطاب الشرعي به فهو على ضربين: أحدهما: متعلق بمراد الشارع من حيث الحظر والإباحة، وهو ما أصطلح عليه باسم العبادات والمعاملات. الثاني: متعلق بفعل المكلف وهو على ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، قسم القول، قسم الفعل ... وكل هذه الأضرب والأقسام تدخلها البدع وإليك البيان:

стр. 40

١ - البدعة تكون في العبادات والمعاملات: أما دخول البدعة في العبادات فظاهر، وأما المعاملات وهي تشمل الشروط والعقود والأمور الدنيوية العادية، فإنها لا تخلو من شائبة التعبد لله سبحانه ... ٢ - البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال: وهذه متعلقات فعل المكلف بالخطاب الشرعي، وسواء قلنا إن الترك فعل، أو نفي الفعل، أو أنه وجودي أو غير وجودي، فإنه يدخل معنا هنا من حيث أن الابتداع يقع في الاعتقاد، والأقوال، والأعمال، من جهة ترك المشروع كما يقع من جهة غير المشروع ... لعموم قوله ﷺ : (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). وأمثلة البدع في الاعتقاد: بدع المرجئة والخوارج الأشاعرة والمعتزلة والرافضة. وأمثلة البدع في الأقوال: الجهر بالنية في الصلاة، واتخاذ الأسماء المفردة لله سبحانه للذكر، أو اتخاذ لفظ (هو) للذكر كما تفعله الصوفية، وغير ذلك من الأوراد المحدثة. وأمثلة البدع في الأعمال: لبس الصوف عبادة، ومؤاخاة المردان والنساء تديناً، عمل المولد، وصلاة الرغائب ونحو ذلك] (١).
следующие страницы →