← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 96850

البدعة الشرعية

أبو المنذر المنياوي

Полный текст (178 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كان ذلك مشروعاً لعلمه النبي ﷺ لذلك الرجل فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم عند الأصوليين. وكذلك قراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت تركه رسول الله ﷺ مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة على الميت وعدم المانع منه فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة. وكيف يعقل أن يترك الرسول ﷺ شيئاً نافعاً يعود على أمته بالرحمة؟ وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. فهل يعقل أن يكون هذا باباً من أبواب الرحمة ويتركه الرسول ﷺ طوال حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة؟ وكذلك الاحتفال بمولده ﷺ تركه ولم يفعله وكذا تركه الصحابة الأجلاء مع توفر الدواعي لفعله فإن يوم ميلاده كان يتكرر كل عام ومع ذلك لم يحتفل رسول الله ﷺ بمولده ولا أمر أحداً من الصحابة بالاحتفال بذكرى مولده كما أمرهم بالصلاة والسلام عليه كما هو معروف فدل تركه ذلك على أن الاحتفال بمولده غير مشروع. إذ لو كان الاحتفال بالمولد مشروعاً لبينه رسول الله ﷺ ولفعله. ولو كان الاحتفال بمولده ﷺ مشروعاً لسبقنا إليه الصحابة ﵃ فوالله لقد كانوا أشد حباً لرسول الله ﷺ وأكثر أدباً مع رسول الله ﷺ من المسلمين الذين يحتفلون بالمولد. ثم إن بدعة الاحتفال بالمولد حدثت بعد مئات السنين على الإسلام فأين كان المسلمون طوال هذه السنوات الطويلة؟ فقد قيل إن أول من احتفل بالمولد هو صاحب إربل الملك العظيم مظفر الدين كوكبرى الذي توفي سنة ٦٣٠ هجري. والسؤال أين كان العلماء والعباد والمسلمون طوال ستمائة عام؟ لماذا لم يحتفلوا بالمولد؟ وأين كان أهل القرون الثلاثة الأولى؟ وقد شهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية في قوله: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) رواه البخاري ومسلم واللفظ له (١). وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي: [ ... فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل] (٢).

стр. 37

وخلاصة الأمر أنه لا يجوز لأحد أن يأتي بعبادة لم يفعلها رسول الله ﷺ وأصحابه كما قال حذيفة: (كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها) ومعنى كلام حذيفة ﵁ أي لا تتقربوا بها إلى الله ذلك لأنها ليست عبادة أنتم تظنونها عبادة ولكن الدليل على أنها ليست عبادة لأنها لو كانت عبادة لجاء بها رسول الله ﷺ (١).] (٢) وقال محمد أحمد العدوي: [اعلم أن سنة النبي ﷺ كما تكون بالفعل تكون بالترك ... وكما لا نتقرب إلى الله تعالى بترك ما فعل لا نتقرب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل، ولا فرق بينهما ... وقال صاحب كتاب: (غاية الأماني في الرد على النبهاني) ما نصه: قال صاحب (مجالس الأبرار) أي منلا أحمد رومي الحنفي ما ملخصه: لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه، أو لوجود مانع، أو لعدم تنبه، أو لتكاسل، أو لكراهة، أو لعدم مشروعية، والأولأن منتفيان في العبادات البدنية المحضة، لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع، وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع، ولا يظن بالنبي ﷺ عدم التنبه والتكاسل، فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة ... وقال الأستاذ الشيخ بخيت الحنفي مفتي الديار المصرية في كتابه (أحسن الكلام) ما نصه: وأما رفع صوت المشيعين للجنازة بنحو قرآن أو ذكر، أو قصيدة بردة، أو يمانية فهو مكروه، لاسيما على الوجه الذي يفعل في هذا الزمان، ولم يكن شئ منه موجوداً في زمن النبي ﷺ ، ولا في زمن الصحابة والتابعين وغيرهم من السلف الصالح، بل هو مما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضى لفعله فيكون تركه سنة، وفعله بدعة مذمومة شرعاً كما هو الحكم في كل ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضى لفعله. أهـ ... ثم قال العدوي: قاعدة تقسيم السنة إلى سنة فعلية، وسنة تركية هي الأساس الأول للكلام على السنة والبدعة، والغلط الحاصل فيها سببه الغفلة عن هذه القاعدة، وقد أريناك من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة، وفعله بدعة مذمومة ... ] (٣). (وأما قول الشاطبي: [وفي الحد أيضا معنى آخر مما ينظر فيه. وهو أن البدعة من حيث قيل فيها: إنها طريقة في الدين مخترعة –إلى آخره - يدخل في عموم لفظها البدعة التَّرْكيَّة، كما يدخل فيه البدعة غير التركية، فقد يقع الابتداع بنفس الترك تحريماً للمتروك أو غير تحريم، فإن الفعل -مثلاً- قد يكون حلالاً بالشرع فيحرمه الإنسان على نفسه، أو يقصد تركه قصداً. فهذا الترك إما أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعاً أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالذي يحرم نفسه الطعام الفلاني من جهة أنه يضره في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من الترك، بل إن قلنا بطلب التداوي للمريض فإن الترك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التداوي، فالترك مباح ... وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذراً مما به البأس فذلك من أوصاف المتقين (٤)، وكتارك المتشابه، حذراً من الوقوع في الحرام واستبراءً للدين والعرض. وإن كان الترك لغير ذلك، فإما أن يكون تديناً أو لا، فإن لم يكن تديناً فالتارك عابث بتحريمه الفعل أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إذ لا يدخل تحت لفظ الحد إلا على الطريقة الثانية القائلة: إن البدعة تدخل في العادات. وأما على الطريقة الأولى فلا يدخل. لكن هذا التارك يصير عاصياً بتركه أو باعتقاده التحريم فيما أحل الله. وأما إن كان الترك تديناً فهو الابتداع في الدين على كلتا الطريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع

стр. 38

التحليل وفي مثله نزل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١) فنهى أولاً عن تحريم الحلال. ثم جاءت الآية تشعر بأن ذلك اعتداءٌ لا يحبه الله. وسيأتي للآية تقرير إن شاء الله. لأن بعض الصحابة هَمَّ أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار، وآخر إتيان النساء، وبعضهم هَمَّ بالاختصاء، مبالغة في ترك شأن النساء، وفي أمثال ذلك قال النبي ﷺ : (من رغب عن سنتي فليس منى) (٢). فإذاً كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي ﷺ ، والعامل بغير السنة تدينا، هو المبتدع بعينه. فإن قيل: فتارك المطلوبات الشرعية ندباً أو وجوباً، هل يسمى مبتدعاً أم لا؟ فالجواب: أن التارك للمطلوبات على ضربين: أحدهما: أن يتركها لغير التدين إما كسلاً أو تضييعاً أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية. فهذا الضرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان الترك جزئياً، وإن كان كلياً فمعصية حسبما تبين في الأصول. والثاني: أن يتركها تديناً فهذا الضرب من قبيل البدع حيث تدين بضد ما شرع الله، ومثاله أهل الإباحة القائلين بإسقاط التكاليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حدوه. فإذًا قوله في الحد: "طريقة مخترعة تضاهى الشرعية" يشمل البدع التركية، كما يشمل غيرها، لأن الطريقة الشرعية أيضاً تنقسم إلى ترك وغيره. وسواء علينا قلنا: إن الترك فعل، أم قلنا: إنه نفي الفعل، على الطريقتين المذكورتين في أصول الفقه ... ] (٣).

стр. 39

فإنما هو بالنظر لفعل المكلف، فقد اعتبر ما تركه المكلف تدينا بدعة تركية، ولما كان الترك فعل لم يبق لإفراد هذا القسم وجه، والأولى ما سبق من إرجاع معنى البدعة التركية لفعل ما تركه النبي ﷺ مع وجود المقتضى وانتفاء الموانع، والاصطلاح على أن ذلك هو المقصود بالبدعة التركية، ويكون ذلك غير الابتداع بالترك الذي ذكره الشاطبي هنا في هذه العبارة، وإن كنا لا ننازعه اصطلاحه، ولا شمول البدعة التركية لما ذكر أيضاً، وإنما نحن نتكلم عن اصطلاحنا نحن. المبحث الثالث: بيان أن البدع تكون في كل ما يتعلق به الخطاب الشرعي من الأعمال [ أي الأقوال والأفعال، للجوارح والقلب] (١): وقد سبق كلام ابن رجب، وابن تيمية، والألباني، والجزائري في هذا الصدد عند الكلام على تعريف البدعة فراجعه. قال الشاطبي: [وكما يشمل الحد الترك يشمل أيضاً ضد ذلك. وهو ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، وقسم القول، وقسم الفعل، فالجميع أربعة أقسام. وبالجملة، فكل ما يتعلق به الخطاب الشرعي، يتعلق به الابتداع] (٢). وقال الغامدي: [ومما يتعلق به الخطاب الشرعي الفعل والترك، وقد سبق الكلام عن الترك، أما الفعل فهو من حيث تعلق الخطاب الشرعي به فهو على ضربين: أحدهما: متعلق بمراد الشارع من حيث الحظر والإباحة، وهو ما أصطلح عليه باسم العبادات والمعاملات. الثاني: متعلق بفعل المكلف وهو على ثلاثة أقسام: قسم الاعتقاد، قسم القول، قسم الفعل ... وكل هذه الأضرب والأقسام تدخلها البدع وإليك البيان:

стр. 40

١ - البدعة تكون في العبادات والمعاملات: أما دخول البدعة في العبادات فظاهر، وأما المعاملات وهي تشمل الشروط والعقود والأمور الدنيوية العادية، فإنها لا تخلو من شائبة التعبد لله سبحانه ... ٢ - البدعة تكون في العقائد والأقوال والأعمال: وهذه متعلقات فعل المكلف بالخطاب الشرعي، وسواء قلنا إن الترك فعل، أو نفي الفعل، أو أنه وجودي أو غير وجودي، فإنه يدخل معنا هنا من حيث أن الابتداع يقع في الاعتقاد، والأقوال، والأعمال، من جهة ترك المشروع كما يقع من جهة غير المشروع ... لعموم قوله ﷺ : (كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) وقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). وأمثلة البدع في الاعتقاد: بدع المرجئة والخوارج الأشاعرة والمعتزلة والرافضة. وأمثلة البدع في الأقوال: الجهر بالنية في الصلاة، واتخاذ الأسماء المفردة لله سبحانه للذكر، أو اتخاذ لفظ (هو) للذكر كما تفعله الصوفية، وغير ذلك من الأوراد المحدثة. وأمثلة البدع في الأعمال: لبس الصوف عبادة، ومؤاخاة المردان والنساء تديناً، عمل المولد، وصلاة الرغائب ونحو ذلك] (١).

стр. 41

الفصل الثاني: الكلام على قيد: (ما أُحدث بقصد التعبد لله -): والمقصود بالحدث ها هنا عموم الحدث اللغوي في الأعمال والتروك، سواء أكان في العادات أو المعاملات أو العبادات. ويشترط لكي يلحق هذا الحدث بالمعنى الاصطلاحي المذموم أن يقصد فاعله التعبد لله به. وذلك كفعل هيئة معينة لتحية والده، كأن يقف عند طلوع الشمس رافعا يده، متمتما بكلام، فإن نوى بذلك التقرب لله فهي بدعة، ومثل من يأكل نوعا معينا من الطعام، أو يمتنع من نوع معين من الطعام تقربا لله. ويدخل في معنى الحدث بالأولى: المعاصي إذا كانت بنية التقرب لله ، فهي أحداث من ناحية التعبد بها وإلحاقها بالدين، مثل لبس الرجال للحرير والذهب تقربا لله ، أو كالشرب بالشمال أو واقفا تقربا لله ونحو ذلك. وخرج بهذا القيد الأحداث التي لم ينو صاحبها التقرب لله بها كاختراع الأدوية والأسلحة القتالية، ووسائل الإتصالات والنقل الحديثة ونحو ذلك. ويخرج أيضا المعاصي وسوف يأتي باب لبيان الفرق بين البدع والمعاصي - بإذن الله تعالى -. قال ابن القيم: [إذا عدمت النية كان العمل عاديا لا عباديا والعادات لا يتقرب بها إلى باراء البريات وفاطر المخلوقات فإذا عري العمل عن النية كان كالأكل والشرب والنوم الحيواني البهيمي الذي لا يكون عبادة بوجه فضلا أن يؤمر به ويرتب عليه الثواب والعقاب والمدح والذم وما كان هذا سبيله لم يكن من المشروع للتقرب به إلى الرب ﵎ ولذلك يقصد بها - أي النية - تمييز مراتب العبادات بعضها عن بعض فيميز فرضها عن نفلها ومراتبها بعضها عن بعض وهذه أمور لا تحقق لها إلا بالنية ولا قوام لها بدونها البتة ... ومعلوم أن النية جزء من العبادة بل هي روح العبادة كما تبين علم أن العمل الذي لم ينو ليس بعبادة ولا

стр. 42

مأمور به فلا يكون فاعله متقربا إلى الله تعالى وهذا مما لا يقبل نزاعا] (١) قال الغامدي تحت عنوان: البدعة هي التي تفعل بقصد القربة: [وهذا أصل أصيل عند أهل السنة، يفرقون به بين الفعل الذي يكون بدعة والفعل الذي يكون معصية فقط، وإن كانت البدعة معصية لله إلا أنها تفوق المعصية في الإثم والحكم. فالمعصية في أصل وقوعها من حيث العمل والاعتقاد تختلف عن البدعة من جهة ما يقترن بكل منهما. فالعاصي لا يعتقد أنه بمعصيته يُرضى الله بخلاف المبتدع فإنه يعتقد في عمله المحدث القربة إلى الله، وهذا هو وجه المفارقة. ووجه آخر: هو ما تؤول إليه البدعة من مفاسد حالية ومآلية في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعية أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير بخلاف المعصية أو المخالفة. ومن هنا نفهم قول سفيان الثوري ﵀ حين قال: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، فإن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها) (٢). والسبب في عدم توبة المبتدع أنه يرجوا بعمله أو قوله أو اعتقاده المحدث القرب من الله، فلا ينفك من ملازمة هذا العمل. وبسبب كون البدع أشر من المعاصي، وأهلها أضر من أهل الذنوب، أمر النبي ﷺ بقتال الخوارج، ونهي عن قتال الولاة الظلمة (٣). ومما جاء عن السلف في اعتبار أن البدعة أشد ضرراً من المعاصي، ما رواه ابن وضاح بسنده عن أبى بكر ابن عياش قال: (كان عندنا فتى يقاتل ويشربُ وذكر أشياء من الفسق، ثم أنه تَقَرّأ فدخل في التشيع، فسمعت حبيب بن أبي ثابت وهو يقول: لأنت يوم كنت تقاتل وتفعل خير منك اليوم). والدليل على اختصاص البدعة بوصف قصد القربة، ما ورد في الصحيحين

стр. 43

وغيرهما عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلى الليل أبداً، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء الرسول ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى) (١). وفي لفظ مسلم: ( ... فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على الفراش .. ) الحديث. قال الحافظ ابن حجر: "قوله: (فمن رغب عن سنتي فليس منى) المراد بالسنة الطريقة .. ، إلى أن قال، والمراد: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس منى، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى، ثم قال: وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل) (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( .. ينكر على من يتقرب إلى الله بترك جنس الملذات، كما قال النبي ﷺ للذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، ثم ذكر الحديث .. ) (٣). فالإنكار إنما توجه إليهم بسبب قصد القربة بهذا الترك. ومثل هذا حديث سعد بن أبى وقاص قال: (رَدَّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا) (٤) ... ومن هنا تتقرر هذه القاعدة التي نص عليها الشاطبي ﵀ حيث قال: "ولا

стр. 44

معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعاً، وليس بمشروع" (١) ...

стр. 45

وباعتبار وصف القربة في البدعة جاء تعريف شيخ الإسلام للبدعة، بأنها الدين الذي لم يأمر به الله، ولا يخفي ما في هذا النعت من اعتبار قصد القربة في العمل المحدث ليكون بدعة (١). قال ﵀: "وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة، أن البدعة هي: الدين الذي لم يأمر الله به فهو مبتدع بذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢)]. (٣) وقال: ( ... فإن البدعة ما لم يشرعه الله من الدين، فكل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة وإن كان متأولاً فيه) (٤). وقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث: "البدعة التي يظنها الناس أنها قربة، وهي بخلاف ذلك"، ثم قال: "فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله ... " (٥) ... وقصد القربة يتوجه إلى العمل الذي لا يتصور فيه غير إرادة القربة كالعبادات المحضة، وهي حق خالص لله سبحانه، فلابد من مطابقة فعل العبد لأمر الشرع (٦).

стр. 46

والعبادة التي هي حق لله لا يتصور فيها غير إرادة القربى، فالإحداث فيها يسمى ابتداعاً، سواء قصد القربة أو مع افتراض أنه لم يقصد القربة، فلو أحيا ليلة النصف من شعبان بعبادة مخصوصة، كالصلاة والذكر فهو مبتدع (١) حتى مع افتراض عدم قصده للقربة ... مع أن هذا الافتراض تخيلي لا يمكن وقوعه ... والخلاصة، أن كل فعل أو ترك بقصد القربة، مما ليس له أصل في الشرع فهو بدعة. ويخرج بذلك ما فعل أو ترك لا بقصد القربة، فيكون حينئذ معصية، أو مخالفة أو عفواً، ولا يطلق عليه بدعة. مثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون معصية: جميع المنهيات الشرعية كالنظر إلى النساء، وسماع الغناء، فإذا كان هذا العمل بقصد القربة إلى الله فهو بدعة ... ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون معصية: ترك المأمور به شرعاً، كترك النكاح للقادر عليه (٢)، وترك الدعوة إلى الله ممن وجبت عليه. فإذا كان هذا الترك بقصد القربة إلى الله بذلك فهو بدعة. ومثال ما فعل لا بقصد القربة ويكون عفواً: حلق الرأس في غير نسك (٣)، فإذا فعل بقصد القربة فهو بدعة. ومثال ما ترك لا بقصد القربة ويكون عفواً: الامتناع عن أكل اللحم للتطبب ونحوه، فإن كان الترك لأكل اللحم تديناً فهو بدعة. وقد ذكر شيخ الإسلام ما يشبه هذا الكلام في مواطن من كتبه، ومن ذلك ذكره

стр. 47

للحلق الذي يكون مشروعاً، والحلق الذي يكون جائزاً، والحلق الذي يكون بدعة (١)] (٢). الفصل الثالث: الكلام على قيد: (ولم يقم عليه دليل أصلاً) . توطئة ببيان قواعد هامة للعمل والاستدلال بالأدلة: القاعدة الأولى: الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان: قال الشاطبي: [الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ لأن الله تعالى قال فيها: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِتُ لكَمْ الإسلامَ دِيناً﴾ (٣). وفي حديث العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: ((تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)) الحديث (٤). وثبت أن النبي ﷺ لم يمت حتى أتي ببيان جميع ما يحتاج إليه أمر الدين والدنيا، وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة. فإذا كان كذلك، فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله: إن الشريعة لم تتم، وأنه بقي منها أشياءُ يجبَ أو يستحب استدراكها، لأنه لو كان معتقداً لكمالها وتمامها من كل وجه، لم يبتدع ولا استدرك عليها. وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم.

стр. 48

قال ابن الماجشون: سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: ﴿اليوم أكملتُ لكم دينكم﴾ فما لم يكن يومئذٍ ديناً، فلا يكون اليوم ديناً] (١). القاعدة الثانية: الأصل في العبادات المنع والتوقيف (الإتباع): قال د. عفانة: [الأصل في العبادة الإتباع: إن الأصل في باب العبادات هو إتباع الرسول ﷺ بدون زيادة ولا نقصان فليس لأحد مهما كان أن يزيد في العبادة شيئاً ولا أن ينقص منها شيئاً وقد أمر الرسول ﷺ في حديثين صحيحين مشهورين بالالتزام بالعبادة كما فعلها هو ﵊. أولهما: قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهذا بعض حديث رواه الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي قلابة قال: حدثنا مالك - هو ابن الحويرث ﵁ قال: (أتينا رسول الله ﷺ ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة وكان رسول الله ﷺ رحيماً رفيقاً فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه. قال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم). فهذا الحديث الصحيح الصريح يقرر هذا الأصل وهو لزوم الإتباع في الصلاة كما كان النبي ﷺ يصلي، فنؤدي الصلاة كما وردت عن رسول ﷺ بلا زيادة ولا نقصان. ثانيهما: قول الرسول ﷺ : (خذوا عني مناسككم) وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم بألفاظ متقاربة. روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: (رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه). قال الإمام النووي في شرحه للحديث: (وأما قوله ﷺ : (لتأخذوا مناسككم) فهذه اللام لام الأمر ومعناه خذوا مناسككم وهكذا وقع في رواية غير مسلم،

стр. 49

وتقديره هذه الأمور التي أتيت بها في حجتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته وهي مناسككم فخذوها عني واقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس. وهذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج وهو نحو قوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي)] (١). فهذان الحديثان يدلان على أن الأصل في العبادات هو التوقيف على رسول الله ﷺ فلا يثبت شيء من العبادات إلا بدليل من الشرع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [وجماع الدين أصلان أن لا يعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه. وفي الثانية: أن محمداً هو رسوله المبلغ فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره وقد بين لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)] (٤). وقال أيضاً: [إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان عبادات يصلح بها دينهم وعادت يحتاجون إليها. فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه والأصل فيه عدم الحظر فلا يحظر منه إلا ما حظره الله . وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه محظور؟ ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما

стр. 50

شرعه الله وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أم لهم شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾] (١). وقال العلامة ابن القيم: [ ... ولا دين إلا ما شرعه الله فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر. والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما أن الله لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله فإن العبادة حقه على عباده وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهو عفو حتى يحرمها. ولهذا نعى الله على المشركين مخالفة هذين الأصلين وهو تحريم ما لم يحرمه (٢) والتقرب إليه بما لم يشرعه (٣) ... ] (٤). ومما يؤيد هذا الأصل ويدل عليه وقوف الصحابة ﵃ ومن بعدهم من السلف عند ما حدَّ رسول الله ﷺ فمن ذلك: ١ - ما ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه قبل الحجر الأسود وقال: إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك) متفق عليه. قال الإمام النووي: [وأما قول عمر ﵁: (لقد علمت أنك حجر وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع) فأراد به بيان الحث على الإقتداء برسول الله ﷺ في تقبيله ونبه على أنه لولا الإقتداء به لما فعله. وإنما قال: (وإنك لا تضر ولا تنفع) لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام الذين كانوا ألفوا عبادة الأحجار وتعظيمها رجاء نفعها وخوف الضرر بالتقصير في تعظيمها وكان العهد قريباً بذلك، فخاف عمر ﵁ أن يراه بعضهم يقبله ويعتني به فيشتبه عليه فبين أنه لا يضر ولا ينفع بذاته وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب ... ] (٥).

стр. 51

٢ - وثبت عن عمر ﵁ في حادثة تقبيل الحجر الأسود وما قال فيه أنه قال بعد ذلك: (فما لنا وللرمل؟ إنما كنا راءينا المشركين وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي ﷺ فلا نحب أن نتركه) رواه البخاري. ومعنى قوله (رائينا) من الرؤية أي أريناهم بذلك أنا أقوياء قاله الحافظ ابن حجر (١). وجاء في رواية أخرى عن عمر ﵁ قوله: (فيم الرملان الآن والكشف عن المناكب وقد أظهر الله الإسلام ونفى الكفر وأهله؟ ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ) رواه ابن ماجه بنحوه ورواه أحمد (٢). ٣ - وعن يعلى بن أمية قال: (طفت مع عمر بن الخطاب فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر أخذت بيده ليستلم فقال: أما طفت مع رسول الله؟ قلت: بلى. قال: فهل رأيته يستلمه قلت لا؟ قال: فأبعد عنه فإن لك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الأوسط كما قال الهيثمي، ورواه البيهقي أيضاً (٣). ٤ - وفي رواية عند الإمام أحمد أن يعلى بن أمية قال: (طفت مع عثمان ... ) فذكر نحو الحديث السابق (٤)، قال الساعاتي: [فلعل القصة وقعت ليعلى بن أمية مرتين مرة مع عمر ومرة مع عثمان. ورواه أبو يعلى بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح وسند الإمام أحمد فيه راوٍ لم يسمَّ] (٥). ٥ - وعن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أنه طاف مع معاوية ﵁ بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: (لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله ﷺ يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فقال

стр. 52

معاوية: صدقت) رواه أحمد والترمذي، وقال: (حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن لا يستلم إلا الحجر الأسود والركن اليماني) ورواه البخاري تعليقاً (١). قال الشيخ الساعاتي معلقاً على كلام ابن عباس ومعاوية ﵃: [يعني - أي معاوية - أنها كلها أركان البيت فلا نستلم البعض ونترك البعض. يريد ابن عباس أننا لم نترك استلام الركنين هجراً للبيت ولكننا رأينا رسول الله ﷺ يفعل ذلك ففعلنا مثله ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فرجع معاوية إلى قول ابن عباس ﵃ حينما ظهر له الدليل وقال صدقت. وهكذا شأن المؤمن إذ ظهر له الحق وكان مخالفاً لرأيه طرح رأيه واتبع الحق والرجوع إلى الحق فضيلة] (٢). قال الحافظ ابن حجر: [وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجوراً بأنا لم ندع استلامهما هجراً للبيت وكيف يهجره وهو يطوف به؟ ولكن نتبع السنة فعلاً أو تركاً ولو كان ترك استلامهما هجراً لهما لكان ترك استلام ما بين الأركان هجراً ولا قائل به] (٣). ٦ - وعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً فاتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من كان قبلكم). ٧ - وقد ورد عن نافع أن رجلاً عطس إلى جنب ابن عمر فقال: [الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال] رواه الترمذي والحاكم وقال الحاكم: صحيح الإسناد غريب ووافقه الذهبي وحسنه الشيخ الألباني.

стр. 53

٨ - وورد عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود فنهاه فقال: [يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة] رواه البيهقي وعبد الرزاق والخطيب. ٩ - وحكى ابن العربي عن الزبير بن بكار قال: [سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله ﷺ . فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: فإني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل فإني أخشى عليك الفتنة. فقال: وأي فتنة هذه؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله ﷺ ؟ إني سمعت الله يقول: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)] ذكره الخطيب البغدادي والشاطبي. ١٠ - قال الشيخ الألباني: [روى الطبراني بسند صحيح عن طلحة بن مصرف قال: [زاد ربيع بن خيثم في التشهد وبركاته:" ومغفرته "! فقال علقمة نقف حيث عُلِّمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وعلقمة تلقى هذا الإتباع من أستاذه عبد الله بن مسعود ﵁ فقد ثبت عنه أن كان يعلم رجلاً التشهد فلما وصل إلى قوله:" أشهد أن لا إله الله " قال الرجل: وحده لا شريك له. فقال عبد الله: هو كذلك ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح] (١). ١١ - وعن علي ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود والدارمي وصححه الحافظ ابن حجر والألباني. وبناء على هذا الأصل المهم فإنه يشترط في العبادات الإتباع ولا يجوز الابتداع ...

стр. 54

فائدة لطيفة: قال الشيخ تاج الدين عبد الوهاب بن السبكي: [وجدت بخط الوالد ﵁ يقصد والده وهو الإمام علي بن عبد الكافي السبكي -: فكرت عند الاضطجاع في قول المضطجع: باسمك اللهم وضعت جنبي وباسمك أرفعه، فأردت أن أقول: إن شاء الله تعالى، في " أرفعه " لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ثم قلت في نفسي: إن ذلك لم يرد في الحديث في هذا الذكر المنقول عند النوم ولو كان مشروعاً لذكره النبي ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم فتطلبت فرقاً بينه وبين كل ما يجريه الإنسان من الأمور المستقبلة المستحب فيها ذكر المشيئة. ولا يقال: إن " أرفعه " حال ليس بمستقبل لأمرين: أحدهما: أن لفظه وإن كان كذلك لكنا نعلم أن رفع جنب المضطجع ليس حال اضطجاعه. والثاني: أن استحباب المشيئة عام فيما ليس بمعلوم الحال أو المضي. وظهر لي أن الأولى الاقتصار على الوارد في الحديث في الذكر عند النوم بغير زيادة وأن ذلك ينبه على القاعدة ويفرق بها بين تقدم الفعل على الجار والمجرور وتأخره عنه فإنك إذا قلت: أرفع جنبي باسم الله كان المعنى بالإخبار الرفع وهو عمدة الكلام وجاء الجار والمجرور بعد ذلك تكملة وإذا قلت: باسم الله أرفع جنبي كان المعنى الإخبار بأن الرفع كائن باسم الله وهو عمدة الكلام. فافهم هذا السر اللطيف وتأمله في جميع موارد كلام العربية تجده يظهر لك به شرف كلام المصطفى ﷺ وملازمة المحافظة على الأذكار المأثورة عنه عليه أفضل الصلاة والسلام] (١).] (٢) القاعدة الثالثة: حكم العمل بعموم الدليل العام والاستدلال به قبل البحث عن مخصص: اختلف العلماء في العمل بالدليل العام قبل البحث عن مخصص على قولين:

стр. 55

القول الأول - وهو وجوب العمل بالدليل العام مطلقاً، حتى يثبت تخصيصه. قال الشيخ الشنقيطي – ﵀: [والعام ظاهر في العموم حتى يثبت ورود المخصص، والمطلق ظاهر في الإطلاق، حتى يثبت ورود المقيد والنص يجب العمل به، حتى يثبت النسخ بدليل شرعي، والظاهر يجب العمل به عموماً كان أو إطلاقاً أو غيرهما، حتى يرد دليل صارف عنه إلى المحتمل المرجوح. كما هو معروف في محله. وأول من زعم أنه لا يجوز العمل بالعام، حتى يبحث عن المخصص فلا يوجد ونحو ذلك، أبو العباس بن سريج وتبعه جماعات من المتأخرين، حتى حكموا على ذلك الإجماع حكاية لا أساس لها. وعلى كل حال فظواهر النصوص، من عموم وإطلاق، ونحو ذلك، لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، من مخصص أو مقيد، لا لمجرد مطلق الاحتمال، كما هو معلوم في محله. فادعاء كثير من المتأخرين، أنه يجب ترك العمل به، حتى يبحث عن المخصص، والمقيد مثلاً خلاف التحقيق] (١). وقال الشيخ العثيمين – ﵀: [يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه. وعندنا دليل وهو أن الرسول ﷺ لما سئل عن الحمر قال: " لم ينزل علي َّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ " (٢) فهنا استعمل الرسول ﵊ العمل بالعموم. فإذا العمل بالعموم واجب؛ لأن النبي ﷺ عمل به وهو المشرِّع، فكأنه بعمله هذا يقول لنا اعملوا كذلك. وهذا تعليل عقلي.] (٣). القول الثاني –

стр. 56

قال تقي الدين في "مجموع الفتاوي" (١٩/ ١٦٦): (العام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة هل هي من المستخرج أو من المستبقى وهذا أيضا لا خلاف فيه. وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه أو علم تخصيص صور معينة منه هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما وذكروا عن أحمد فيه روايتين وأكثر نصوصه على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابة والتابعين وغيرهم وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره فان الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لا يغلب على الظن مقتضاه فإذا غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض). وقد بحث هذه المسألة الشيخ عياض السلمي (١) حيث قال: (الذي يظهر لي بعد استعراض أهم الآراء وأدلتها أن الراجح هو التفريق بين العلماء المجتهدين الذين أحاطوا بغالب نصوص الشريعة، وحصلوا من العلم ما يمكنهم من معرفة مراد الشارع، وسبروا غور النصوص فعرفوا الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام والخاص، وعرفوا مواطن الإجماع والاختلاف، والعوام ومن يلحق بهم من المنتسبين إلى الفقه الذين أخذوا من العلم ما لا يؤهلهم للفتيا وتولي القضاء. فالقسم الأول لا ينبغي الخلاف في أن أحدهم إذا بلغته آية عامة أو حديث عام ولم يبلغه ما يخصصه، مع تمرسه بالأدلة المنقولة والمعقولة، أنه يجب عليه العمل به إذا حان وقت العمل من غير توقف، ولا يجب عليه البحث عما عساه أن يجده من مخصص أو ناسخ. أما العوام ومن في حكمهم فليس لأحد منهم أن يفتي أو يحكم بالعموم على ظاهره؛ لأنهم ليسوا من أهل الفتيا والحكم، وليسوا مخاطبين بهما ... ويبدو لي أن الذين نقل عنهم المنع من العمل بالعام قبل البحث عن المخصص إنما منعوه لأحد أمرين: الأول: أنهم لا يقصدون بالبحث عن المخصص استقصاء موارد الأدلة جميعها، وإنما يقصدون مجرد التروي واسترجاع المعلومات السابقة لعرض الدليل العام عليها، فإن وجدوا فيها ما يخصصه خصصوه، وإلا عملوا به في عمومه. وهذا ظاهر من قول أبي زيد الدبوسي: (وأما الفقيه فيلزمه أن يحتاط لنفسه، فيقف ساعة لاستكشاف هذا الاحتمال بالنظر في الأشباه، مع كونه حجة للعمل به إن عمل، لكن يقف احتياطا حتى لا يحتاج إلى نقض ما أمضاه بتبين الخلاف) (٢). الثاني: أنهم إنما منعوا ذلك خوفا من أن يقدم كل أحد على العمل بالعموم، والحكم به، وإن كان من غير أهل الاجتهاد، ولا شك أنه لو أذن لغير المجتهدين في أن يعملوا بالعموم من غير بحث عن المخصص لتعطل كثير من نصوص الشريعة الخاصة للجهل بها، وعدم البحث عنها ... ). والقول الثاني هو الراجح. فرع – هل يكفى غلبة الظن بعدم المخصص: قال ابن اللحام في "القواعد والفوائد الأصولية" (ص/١٣): (إذا قلنا على رواية اختارها أبو الخطاب وغيره يمنع العمل بالعام قبل البحث عن المخصص فهل يشترط حصول اعتقاد جازم بأنه لا مخصص أو يكفى غلبة الظن بعدمه فيه خلاف اختار القاضي أبو بكر الأول وابن سريج وإمام الحرمين والغزالي الثاني) ونص عبارة الغزالي في "المستصفى" (ص/٢٥٧): (والمختار عندنا أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون

стр. 57

العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا وانتفاء الدليل في نفسه مظنون وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر). ولا شك أن من عجز عن تمام اليقين فليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه. القاعدة الرابعة: هل يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام فقط أم ... لا بد من دليل خاص: قال الشيخ عفانة: [لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام بل لا بد من دليل خاص. وهذه مسألة مهمة ينبغي التنبيه عليها؛ لأن كثيراً من المبتدعين يزعمون أن الدليل العام يؤيد بدعتهم فمثلاً يقولون إن تلاوة القرآن في المآتم " الختمة " تدخل تحت الأدلة العامة التي تحض على قراءة القرآن الكريم. ويقولون مثلاً إن الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان - كما يفعله كثير من المؤذنين بحيث أنهم يجعلونها جزءً من الأذان - مشروعة لأنها داخله تحت عموم قوله تعالى: (يا أيُها الذَينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (١). والجواب على هذه المقولة إنه لا بد من دليل خاص للعبادات حتى تكون صحيحة وموافقة لما جاء به النبي ﷺ ولا يكفي الاستدلال بعموم الأدلة وكونها داخلة في هذا العموم فمثلاً لو قال شخص عندما رأى المصلين في المسجد يصلون سنة الفجر أشتاتاً في أنحاء المسجد فقال: يا جماعة هلا اجتمعتم وصلينا سنة الفجر في جماعة لأنه صح في الحديث قول النبي ﷺ : (يد الله على الجماعة)، أو لأن النبي ﷺ يقول: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس أو سبع وعشرين درجة). فاستدلال هذا الرجل بالأدلة العامة لا يقبل ولا يصح ولا يجوز أن تدخل سنة الفجر في هذه العمومات ولو لم يثبت لدينا أن الرسول ﷺ قال لا تصلوا سنة الفجر في جماعة. حيث لا يوجد لدينا حديث بهذا المعنى، فصلاة سنة الفجر في جماعة

стр. 58

بدعة وإن كان الشرع قد حث على الجماعة وعلى صلاة الجماعة وأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد (١)] (٢). وما قاله الشيخ عفانة وإن كان صحيحاً من ناحية النتيجة، إلا أن عبارته غير سديدة، فمقصود القاعدة التي نقلها عن الشيخ الألباني، واستفادها الألباني من الشاطبي مؤداها صحيح إلا أنه أخطأ في صياغتها، وبيان ذلك من وجوه: الأول: تصدير عبارته بقوله: (لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام) يستشعر منه إلغاء دلالة الدليل العام على أجزائه، وأنه لا يجوز العمل بالدليل العام، وهذا خطأ، كما قدمنا الكلام على هذه المسألة. الثاني: أن تطبيق هذه القاعدة غير مطرد، وسأذكر هنا بعض الأمثلة التي أعمل فيها الشيخ الألباني - الذي ينقل عنه هو هذه القاعدة - النصوص العامة فقط دون نقل خاص. قال الشيخ الألباني: [المستحب أن يقول كما يقول المقيم: " قد قامت الصلاة " لعموم قوله ﷺ : " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول. . "] (٣). وقال أيضاً: [نرجح مشروعية الاستعاذة في كل ركعة لعموم قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) وهو الأصح في مذهب الشافعية ورجحه ابن حزم في " المحلى "] (٤). وقال أيضاً مرجحاً الجمع للمأموم بين التسميع والتحميد في ذكر الاعتدال من الركوع معلقا على قوله ﷺ : (إنما جعل الإمام ليؤتم به .. وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ... ) (٥): [هذا الحديث لا يدل على أن المؤتم لا يشارك الإمام في قوله: " سمع الله لمن حمده " كما لا يدل على أن الإمام لا يشارك المؤتم في قوله: " ربنا لك الحمد " إذ الحديث لم يسق لبيان ما يقوله الإمام

стр. 59

والمؤتم في هذا الركن، بل لبيان أن تحميد المؤتم إنما يكون بعد تسميع الإمام. ويؤيد هذا أن النبي ﷺ كان يقول التحميد وهو إمام. وكذلك عموم قوله ﵇ " صلوا كما رأيتموني أصلي " يقتضي أن يقول المؤتم ما يقوله الإمام من كالتسميع وغيره] (١). (ولا بد من وقفة أيضاً مع الشيخ الألباني وما قاله حول هذه القاعدة لتحرير مذهبه فيها: قال الشيخ الألباني: [النص العام الذي جاء ذكره في السنة فضلاً عن القرآن إذا لم يُعمل به عاماً، إنما عُمل به مقيداً فنحن نعمل به مقيداً وما نأخذ بالنص العام ونحتج به] (٢) وقال أيضاً: [كل نص عام في السنة أو في القرآن إن لم يجر العمل بجزء من أجزاء هذا النص العام لا يجوز لنا العمل به؛ لأنه لو كان مراداً لعمل به أولئك الذين باشروا سماع هذا النص من الرسول ﷺ أولاً وتطبيقه ثانياً] (٨). وهذه القاعدة قالها الشيخ الألباني لتدعيم اختياره بوجوب أخذ ما زاد عن القبضة من اللحية حيث أنه وقف على آثار لبعض السلف تفيد أنهم كانوا يأخذون ما زاد عن القبضة من اللحية، ولذا فلم يعمل عموم العام وخصه بما نقله عن السلف من أن الإطلاق أو الإعفاء مقيداً بما لا يزيد عن القبضة. فهنا وقف على نقل خاص فأعمله. والأمثلة التي نقلناها عنه آنفاً أخذ فيها بالعموم، دون أن يؤيد ذلك بنقل خاص عن السلف. وعليه فالذي يترجح أنه يخص العام بما نقل عن السلف، وأما إذا لم يكن هناك مقل عن السلف وليس ثم إلا الدليل العام فإنه يعمل العموم دون التوقف على نقل خاص، ويكون الأخذ بالعموم دليلاً يشهد لأصل هذا العمل بالمشروعية، إلا أنه يشكل على هذا الجمع حكمه بالبدعية على وضع اليد على الصدر في القيام من

стр. 60

الركوع (١)، وعدم تمسكه بالعموم الوارد في حديث سهل ووائل بن حجر كما أوضح الشيخ ابن باز في رده على الشيخ الألباني (٢)، وعليه فإما أن يكون الشيخ الألباني ﵀ أخطأ في عدم إعمال العام في المسألة الأخيرة كسابقيها، ولعله لم يقف عليه، وخاصة أنه لم يشير إليه في أثناء تقريره للقول بالبدعية، أو أنه كان يضطرب في تطبيق هذه القاعدة فكان يعمل العام أحياناً إذا لم يكن هناك نقل خاص، وأحياناً لا يعمله طبقاً لاجتهاده. والثاني أقرب، والله أعلم. وبقي التنبيه إلى أن الاستدلال بالدليل العام في أمور العبادات لا يكفي إلا لمجرد إثبات أصل العبادة، وهذا لا يكفي في أمور التعبد، ولكن بقي النقل الخاص الذي يثبت الوصف، فإن اختل الأول كانت البدعة حقيقية، وإلا فإضافية كما سبق بيان ذلك. وعليه فالأولى لعبارة الشيخ عفانة أن تكون هكذا: (لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام فقط، بل لا بد من دليل خاص)، ويدخل في الدليل الخاص فهم وقول وعمل الصحابة ﵃. وهنا تقرر القاعدة التالية: القاعدة الخامسة: العمل بالأدلة الشرعية يكون مقيداً بعمل السلف الصالح بها: وهذا أصل أخص مما سبق ومؤكد له. قال الشاطبي: [كل دليل شرعي لا يخلو أن يكون معمولا به في السلف المتقدمين دائما أو أكثريا أو لا يكون معمولا به إلا قليلا أو في وقت ما. أو لا يثبت به عمل، فهذه ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون معمولا به دائما أو أكثريا فلا إشكال في الاستدلال به ولا في العمل على وفقه وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم كان الدليل مما يقتضي إيجابا أو ندباً أو غير ذلك من الأحكام كفعل النبي ﷺ مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نفل والزكاة بشروطها والضحايا

стр. 61

والعقيقة والنكاح والطلاق والبيوع وسواها من الأحكام التي جاءت في الشريعة وبينها ﵊ بقوله أو فعله أو إقراره ووقع فعله أو فعل صحابته معه أو بعده على وفق ذلك دائما أو أكثريا وبالجملة ساوى القول الفعل ولم يخالفه بوجه فلا إشكال في صحة الاستدلال وصحة العمل من سائر الأمة بذلك على الإطلاق. والثاني أن لا يقع العمل به إلا قليلا أو في وقت من الأوقات أو حال من الأحوال ووقع إيثار غيره والعمل به دائما أو أكثريا فذلك الغير هو السنة المتبعة والطريق السابلة، وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلا فيجب التثبت فيه وفى العمل على وفقه والمثابرة على ما هو الأعم والأكثر فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل إما أن يكون لمعنى شرعي أو لغير معنى شرعي، وباطل أن يكون لغير معنى شرعي فلابد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به وإذا كان كذلك فقد صار العمل على وفق القليل كالمعارض للمعنى الذي تحروا العمل على وفقه وإن لم يكن معارضا في الحقيقة فلا بد من تحري ما تحروا وموافقة ما داوموا عليه ... ولهذا القسم أمثلة كثيرة ولكنها على ضربين: أحدهما أن يتبين فيه للعمل القليل وجه يصلح أن يكون سببا للقلة حتى إذا عدم السبب عدم المسبب وله مواضع كوقوعه بيانا لحدود حدت أو أوقات عينت أو نحو ذلك كما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ يومين وبيان رسول الله ﷺ لمن سأله عن وقت الصلاة فقال: (صل معنا هذين اليومين) فصلاته في اليوم في أواخر الأوقات وقع موقع البيان لأخر وقت الاختياري الذي لا يتعدى ثم لم يزل مثابرا على أوائل الأوقات إلا عند عارض كالإبراد في شدة الحر والجمع بين الصلاتين في السفر وأشباه ذلك ... والضرب الثاني ما كان على خلاف ذلك ولكنه يأتي على وجوه منها أن يكون محتملا في نفسه فيختلفوا فيه بحسب ما يقوى ثم المجتهد فيه أو يختلف في أصله والذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط تركه والعمل على وفق الأعم الأغلب كقيام الرجل للرجل إكراما له وتعظيما فإن العمل المتصل تركه فقد كانوا لا يقومون لرسول الله ﷺ إذا أقبل عليهم وكان يجلس حيث ينتهي به المجلس ولم ينقل عن الصحابة عمل مستمر ولو كان

стр. 62

لنقل حتى روى عن عمر بن عبد العزيز أنه لما استخلف قاموا له في المجلس فقال إن تقوموا نقم وإن تقعدوا نقعد (١) وإنما يقوم الناس لرب العالمين فقيامه ﷺ لجعفر ابن عمه وقوله: (قوموا لسيدكم) إن حملناه على ظاهره فالأولى خلافه لما تقدم وأن نظرنا فيه وجدناه محتملا أن يكون القيام على وجه الاحترام والتعظيم أو على وجه آخر من المبادرة إلى اللقاء لشوق للمقوم له أو ليفسح له في المجلس حتى يجد موضعا للقعود أو للإعانة على معنى من المعاني أو لغير ذلك مما يحتمل وإذا احتمل الموضع طلبنا بالوقوف مع العمل المستمر لإمكان أن يكون هذا العمل معارض له فنحن في إتباع العمل المستمر على بينة وبراءة ذمة باتفاق وإن رجعنا إلى هذا المحتمل لم نجد فيه مع المعارض الأقوى وجها للتمسك إلا من باب التمسك بمجرد الظاهر وذلك لا يقوى قوة معارضه .... ومنها أن يكون هذا القليل خاصاً بزمانه أو بصاحبه الذي عمل به أو خاصاً بحال من الأحوال فلا يكون فيه حجة على العمل به في غير ما تقيد به كما قالوا في نهيه ﵊ عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث بناء على أن إذنه بعد ذلك لم يكن نسخا وهو قوله: (إنما نهيتكم لأجل الدافة) ومنها أن يكون مما فعل فلتة فسكت عنه النبي ﷺ مع علمه به ثم بعد ذلك لا يفعله ذلك الصحابي ولا غيره ولا يشرعه النبي ﷺ ولا يأذن فيه ابتداء لأحد فلا يجب أن يكون تقريره عليه إذنا له ولغيره كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي ﵊ في أمر فعمل فيه ثم رأى أن قد خان الله ورسوله فربط نفسه بسارية من سواري المسجد وحلف أن لا يحله إلا رسول الله ﷺ فقال ﵊: (أما إنه لو جاءني لاستغفرت له) وتركه كذلك حتى حكم الله فيه فهذا وأمثاله لا يقتضي أصل المشروعية ابتداء ولا دواما أما الابتداء فلم يكن فعله ذلك بإذن رسول ﷺ وأما دواما فإنه إنما تركه حتى يحكم الله فيه وهذا خاص بزمانه إذ لا وصول إلى ذلك إلا بالوحي وقد انقطع بعده فلا يصح الإبقاء على ذلك لغيره حتى ينظر الحكم فيه وأيضا فإنه لم يؤثر عن ذلك

стр. 63

الرجل ولا عن غيره أنه فعل مثل فعله لا في زمان رسول الله ﷺ ولا فيما بعده فإذا العمل بمثله أشد غررا إذ لم يكن قبله تشريع يشهد له ولو كان قبله تشريع لكان استمرار العمل بخلافه كافيا في مرجوحيته ... وثم أقسام أخر يستدل على الحكم فيها بما تقدم ذكره. وبسبب ذلك ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل إلا قليلا وعند الحاجة ومس الضرورة إن اقتضى معنى التخيير ولم يُخَف نسخ العمل أو عدم صحة في الدليل أو احتمالا لا ينهض به الدليل أن يكون حجة أو ما أشبه ذلك. أما لو عمل بالقليل دائما للزمه أمور: أحدها المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها، والثاني استلزام ترك ما داوموا عليه إذ الفرض أنهم داوموا على خلاف هذه الآثار فإدامة العمل على موافقة ما لم يداوموا عليه مخالفة لما داوموا عليه، والثالث أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه واشتهار ما خالفه إذ الإقتداء بالأفعال أبلغ من الإقتداء بالأقوال فإذا وقع ذلك ممن يقتدي به كان أشد، الحذر الحذر من مخالفة الأولين فلو كان ثم فضل ما لكان الأولون أحق به، والله المستعان. والقسم الثالث أن لا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهو أشد مما قبله. والأدلة المتقدمة جارية هنا بالأولى، وما توهمه المتأخرون من أنه دليل على ما زعموا ليس بدليل عليه ألبتة إذ لو كان دليلا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء فعمل الأولين كيف كان مصادم لمقتضى هذا المفهوم ومعارض له ولو كان ترك العمل فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنة والأمر المعتبر وهو الهدى وليس ثم إلا صواب أو خطأ فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ وهذا كاف ... وكثير من فرق الاعتقادات تعلق بظواهر من الكتاب والسنة في تصحيح ما ذهبوا إليه مما لم يجر له ذكر ولا وقع ببال أحد من السلف الأولين وحاش لله من

стр. 64

ذلك ومنه أيضا استدلال من أجاز قراءة القرآن بالإدارة وذكر الله برفع الأصوات وبهيئة الاجتماع بقوله ﵊: (ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم) الحديث والحديث الآخر: (ما اجتمع قوم يذكرون الله) الخ وبسائر ما جاء في فضل مجالس الذكر، وكذلك استدلال من استدل على جواز دعاء المؤذنين بالليل بقوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) الآية وقوله: (ادعوا ربكم تضرعا وخفية) وبجهر قوام الليل بالقرآن، واستدلالهم على الرقص في المساجد وغيرها بحديث لعب الحبشة في المسجد بالدَّرَق (١) والحراب وقوله ﵊ لهم: (دونكم يا بني أرفدة)، واستدلال كل من اخترع بدعة أو استحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله ﷺ ككتب المصحف وتصنيف الكتب وتدوين الدواوين وتضمين الصناع وسائر ما ذكر الأصوليون في أصل المصالح المرسلة فخلطوا وغلطوا واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها وهو كله خطأ على الدين واتباع لسبيل الملحدين فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك وعبروا على هذه المسالك إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها وهذا الأخير هو الصواب إذ المتقدمون من السلف الصالح هم كانوا على الصراط المستقيم ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه وهذه المحدثات لم تكن فيهم ولا عملوا بها فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال وصار عملهم بخلاف ذلك دليلا إجماعيا على أن هؤلاء في استدلالهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة، فيقال لمن استدل بأمثال ذلك هل وجد هذا المعنى الذي استنبطت في عمل الأولين أو لم يوجد فإن زعم أنه لم يوجد ولا بد من ذلك فيقال له أفكانوا غافلين عما تنبهت له أو جاهلين به أم لا ولا يسعه أن يقول بهذا؛ لأنه فتح لباب الفضيحة على نفسه وخرق للإجماع وإن قال إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه الأدلة كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها قيل له فما الذي حال بينهم وبين العمل بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها ما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيها على الخطأ دونك أيها

стр. 65

المتقول والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية فكل ما جاء مخالفا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه، فإن زعم أن ما انتحله من ذلك إنما هو من قبيل المسكوت عنه في الأولين وإذا كان مسكوتا عنه ووجد له في الأدلة مساغ فلا مخالفة إنما المخالفة أن يعاند ما نقل عنهم بضده وهو البدعة المنكرة قيل له بل هو مخالف لأن ما سكت عنه في الشريعة على وجهين أحدهما أن تكون مظنة العمل به موجودة في زمان رسول الله ﷺ فلم يشرع له أمر زائد على ما مضى فيه فلا سبيل إلى مخالفته؛ لأن تركهم لما عمل به هؤلاء مضاد له فمن استلحقه صار مخالفا للسنة حسبما تبين في كتاب المقاصد والثاني أن لا توجد مظنة العمل به ثم توجد فيشرع له أمر زائد يلائم تصرفات الشرع في مثله وهي المصالح المرسلة وهي من أصول الشريعة المبني عليها إذ هي راجعة إلى أدلة الشرع حسبما تبين في علم الأصول فلا يصح إدخال ذلك تحت جنس البدع وأيضا فالمصالح المرسلة عند القائل بها لا تدخل في التعبدات ألبتة وإنما هي راجعة إلى حفظ أصل الملة وحياطة أهلها في تصرفاتهم العادية ... فالحاصل أن الأمر أو الإذن إذا وقع على أمر له دليل مطلق فرأيت الأولين قد عنوا به على وجه واستمر عليه عملهم فلا حجة فيه على العمل على وجه آخر بل هو مفتقر إلى دليل يتبعه في إعمال ذلك الوجه ... وأيضا فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف وهو مشاهد معنى ولأن تعارض الظواهر كثير مع القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها؛ ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة ولا أحد من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة وقد مر من ذلك أمثلة بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة وفى كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة ... فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في

стр. 66

العلم والعمل] (١). الأصول (الأدلة): والمراد بهذا الباب بيان الأدلة التي يعتمد عليها العمل ليحكم عليه بأنه سنة لا بدعة، ومنها أصول متفق عليها كالكتاب، والسنة، والإجماع، وأخرى مختلف فيها، كسنة الخلفاء الراشدين، وعمل (قول أو فعل) الصحابي. وسوف أفرد الكلام هنا على الأصول المختلف فيها لبيان القول المختار في حجيتها: المبحث الأول: سنة الخلفاء الراشدين: روى أبو داود عن العرباض ﵁ أنه قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٢). قال ابن رجب: [هذا إخبار منه ﷺ بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة وهي ما كان عليه وأصحابه ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده والسنة هي الطريق المسلوك فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديما لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السنة بما

стр. 67

يتعلق بالاعتقاد ... وفي أمره ﷺ بإتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عموما دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين متبعة كإتباع السنة بخلاف غيرهم من ولاة الأمور] (١). وقال أيضاً: [وإنما وصف الخلفاء لأنهم عرفوا الحق وقضوا به والراشد ضد الغاوي والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه وفي رواية المهديين يعني أن الله يهديهم للحق ولا يضلهم عنه فالأقسام ثلاثة راشد وغاو وضال، فالراشد عرف الحق واتبعه والغاوي عرفه ولم يتبعه والضال لم يعرفه بالكلية فكل راشد فهو مهتد وكل مهتد هداية تامة فهو راشد لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به] (٢). (وقد اختلف العلماء في المراد بسنة الخلفاء الراشدين المذكورة في الحديث على أقوال: (القول الأول: جميع سنتهم سواء أكانت راجعة إلى سنة النبي ﷺ أم اجتهادية. قال الإمام ابن القيم: [فقرن سنة خلفائه بسنته وأمر بإتباعها كما أمر بإتباع سنته وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء وإلا كان ذلك سنته ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم؛ لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين] (٣) وقال أيضاً: [بالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها] (٤) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عقب ذكره للحديث: [فما سنه الخلفاء الراشدون ليس بدعة شرعية ينهى عنها وإن كان يسمى في اللغة بدعة لكونه ابتدئ] (٥)

стр. 68

وقال الشيخ مصطفى بن محمد: [فأعطى الحديث – كما ترى- أن ما سَنَّه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله ﷺ ، لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصوداً بدليل شرعي، فذلك سنة لا بدعة، وإما بغير دليل - ومعاذ الله من ذلك -، ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة، فدليلهم من الشرع ثابت، فليس ببدعة، ولذلك أردف الأمر بإتباعهم بالنهى عن البدع بإطلاق ولو كان عملهم ذلك بدعة، لوقع في الحديث التدافع. وبذلك يجاب عن مسألة قتل الجماعة بالواحد، لأنه منقول عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو أحد الخلفاء الراشدين، (وتضمين الصُّنَّاع) وهو منقول عن الخلفاء الأربعة ﵃] (١) وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد الخالق: [فهذا الحديث نص في وجوب التزام سنة الخلفاء الراشدين بعد رسول الله ﷺ كنظام الولاية والخلافة، وتدوين الدواوين، وسياسة الأمة، ونظام الحرب، وشروط الصلح، وجمع المصحف، وتوحيد القراءة، ونحو هذا مما سنه الخلفاء الراشدون] (٢) (القول الثاني: المراد بسنة الخلفاء الراشدين طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ . قال المباركفوري: [قلت: ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ ، قال القاري في المرقاة: فعليكم بسنتي: أي بطريقتي الثابتة عني واجباً أو مندوباً، وسنة الخلفاء الراشدين: فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي، فالإضافة إليهم: إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها، انتهى كلام القاري. وقال صاحب سبل السلام: أما حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين .. ومثله حديث: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، أخرجه الترمذي وقال: حسن وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان وله طريق فيها مقال إلا أنه يقوي بعضها بعضاً، فإنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ ، من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل

стр. 69

خليفة راشد، لا يخص الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي ﷺ على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجة] (١). وقول الصنعاني: (فإن الحديث عام لكل خليفة راشد، لا يخص الشيخين) يرده ما سيأتي من أدلة عند الكلام على تعيين الخلفاء الراشدين. وقوله: (ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي ﷺ ) استدلال بمحل النزاع، وتخصيص لعموم الحديث بلا مخصص. وقوله: (على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجة) سيأتي مناقشته عند الكلام على القول الثالث - إن شاء الله -. (القول الثالث: أن قول أحد الخلفاء الراشدين ليس بحجة في ذاته حتى يجتمع على قوله الصحابة، وينبغي التنبه إلى ما قد يخالف فيه أحدهم كما خالف عمر ﵁ في منع متعة الحج، وكما خالف عثمان ﵁ في الإتمام وهو في منى. وأما فعل أحدهم الذي وافقه عليه جميعهم فلا شك أنه حجة وهو الذي أمرنا بالأخذ به وهو ما يسمى فهم السلف أو الإجماع، كقتال المرتدين وجمع المصحف وما شابه (٢). وعند التحقيق نجد أن محصلة هذا القول تعود على معنى الحديث بالإبطال؛ فإن عاد الأمر إلى إجماع الصحابة فما هو المعنى الذي أضافه قوله ﷺ : (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) بل لازم هذا القول تعدي الأمر إلى عصر معاوية ﵁ والذي سماه النبي ملكاً، وليس خلافة على منهاج النبوة؛ وعليه فلازم هذا القول تعطيل معنى الحديث، وتخصيصه بلا مخصص. والصحيح أن الحديث له معنى زائد، ووصية من النبي ﷺ بالتمسك بهدي وسنة من وصفهم بالخلفاء الراشدين.

стр. 70

وأما ما ذكر من أمثلة لتقوية رأيه، فالفرق بينها ليس ما ذكر من اشتراط موافقة الجميع، ولكنهم ردوا قول عمر في التمتع، وعثمان في الإتمام؛ لمخالفتهما للسنة المستقرة عن النبي ﷺ ، فقد تمتع النبي ﷺ ، ولم ينقل عنه أنه أتم في سفر وقد كان إماماً للمسلمين، وهذا يرد تأول عثمان، ويجعله مخالفاً للسنة. وعليه فكان الأولى به القول باشتراط عدم مخالفة سنة النبي ﷺ لا ما ذكر. (القول الرابع: المراد اتفاق الخلفاء الأربعة لا إذا انفرد واحد منهم. قال المباركفوري: [وقد حقق البرماوي الكلام في شرح ألفيته في أصول الفقه، مع أنه قال إنما الحديث الأول يدل على أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على قول كان حجة لا إذا انفرد واحد منهم] (١). وهذا القول مخالف لظاهر الحديث، قال ابن القيم: [يتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين] (٢) الترجيح: وبعد فبالنظر إلى لفظ الحديث يتبين رجحان القول الأول أن المراد جميع سنتهم سواء أكانت راجعة إلى سنة النبي ﷺ أم اجتهادية، وذلك للوجوه الآتية: ١ - أن النبي ﷺ قد كرر لفظ: سنة، وأضافها إلى لفظ الخلفاء؛ فعمت جميع سنتهم سواء أكانت راجعة إلى سنة النبي ﷺ أم اجتهادية منهم في حال خلافتهم فيما استجد لهم من أمور، كنحو حروب الردة، والأذان الثالث، وتضمين الصناع، وجمع القرآن، وقتل الجماعة بالواحد، وغير ذلك. ٢ - ويُقوِّي هذا الوجه في الحديث أن الأصل في الكلام التأسيس لا التأكيد؛ لأن إعمال الكلام أولى من إهماله. ٣ - وأن الأصل في العطف المغايرة. (٣)

стр. 71

٤ - وعليه فظاهر هذا الحديث يدل على هذا القول، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل، ولا دليل. ٥ - وبالنظر إلى حقيقة الأمر نجد أن سنة الخلفاء الراشدين، وما فعلوه من وجوه الاجتهاد فيما استجد لهم من أمور بعد موته ﷺ راجع إلى القواعد العامة في الشريعة، وإلى المصالح المرسلة، وحفظ الضروريات. (وبقي القول باشتراط عدم مخالفة سنة الخلفاء لسنة النبي ﷺ ، فكل ما خالف القرآن، وصحيح السنة فهو رد على صاحبه كائناً من كان، ويكون هذا الرد من باب الترجيح بين الأدلة، ولا يلجأ إلى هذا الرد إلا بعد تعذر الجمع. وعلى كل حال فهذا الحديث بين أن سنة الخلفاء متبعة، فما استند إليها استند إلى أصل، ولم يلحق بالبدعة المذمومة، وإن سمّي بدعة لغوية. فرع: تعيين الخلفاء الراشدين المهديين: روى أحمد عن النعمان بن بشير قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله ﷺ وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله ﷺ : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعنى عمر بعد الملك العاض والجبرية فادخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه. (١)

стр. 72

وورد في تعيين مدة الخلافة الأولى التي تكون على منهاج النبوة ما رواه أحمد، وغيره عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك قال سفينة أمسك خلافة أبى بكر ﵁ سنتين وخلافة عمر ﵁ عشر سنين وخلافة عثمان ﵁ أثنى عشر سنة وخلافة علي ﵁ ست سنين ﵃ (١)، ولفظ أبي داود: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء). قال الإمام ابن رجب: [والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالإقتداء بهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ﵃ فإن في حديث سفينة عن النبي ﷺ والخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا وقد صححه الإمام أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة] (٢) قال أبو الطيب العظيم آبادي: [قال العلقمي: قال شيخنا: لم يكن في الثلاثين بعده إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن، قلت بل الثلاثون سنة هي مدة الخلفاء الأربعة كما حررته فمدة خلافة أبي بكر سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام ومدة عثمان أحد عشر سنة وأحد عشر شهرا وتسعة أيام ومدة خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، هذا هو التحرير فلعلهم ألغوا الأيام وبعض الشهور. وقال النووي في تهذيب الأسماء: مدة خلافة عمر عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يوما وعثمان ثنتي عشرة سنة إلا ست ليال وعلي خمس سنين وقيل خمس سنين إلا أشهرا والحسن نحو سبعة أشهر انتهى كلام النووي والأمر في ذلك سهل هذا آخر كلام العلقمي] (٣).

стр. 73

المبحث الثاني: عمل (قول أو فعل) الصحابي: وهذا الفصل من أهم الفصول، وقد زلت فيه أقدام، نسأل الله التسديد والإعانة، إنه خير مسئول، وهو حسبي ونعم الوكيل. وقد تكلم عن حجية قول الصحابي جمع من العلماء، من المتقدمين والمتأخرين، وقد اشتهر الكلام فيها، إلا أن ما اطلعت عليه من هذه المصنفات، قد أغفل الرد التفصيلي على بعض الجوانب التي لها تعلق مباشر بموضوع البحث، كتوجيه لبعض الأحاديث، والآثار التي تدل على جواز وقوع البدعة من بعض الصحابة، والتي يترتب على التسليم لظاهرها عدم حجية أقوالهم، وأفعالهم، وأنها يستدل لها لا بها، أو التسليم بتخصيص عموم أحاديث ذم البدع، وأن هناك بدعاً حسنة، وستأتي هذه الأدلة، وتوجيهها في مكانها من البحث بعون الله تعالى. والراجح في هذا الباب أن قول الصحابي أو فعله أصل لمن أتي بعده، فلا يجوز أن يوصف من فعل فعلاً أو قال قولاً، وله فيه سلف من هذا الرعيل الأول من جيل الصحابة - الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، والذين عايشوا نزول الوحي، واشتدوا في متابعتهم للنبي ﷺ ، وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته - بالبدعية، ولكن هذا لا يمنع أن تكون أقوالهم عند التعارض مرجوحة، أو غيرها راجح عليه طبقاً لما هو مقرر في قواعد الترجيح، فهذا ليس مما نحن فيه. قال الشاطبي: [سنة الصحابة ﵃ سنة يعمل عليها ويرجع إليها ومن الدليل على ذلك أمور: أحدها ثناء الله عليهم مَثْنوية (١) ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم وذلك يقضى باستقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم لأنا نقول: أولا ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر. وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول ﵊ وهم المباشرون للوحي. وثالثا أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح، وأيضا فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم؛ فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق وأنهم وسط أي عدول بإطلاق وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به، وهكذا سائر الآيات التي جاءت بمدحهم كقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ الآية وأشباه ذلك. والثاني ما جاء في الحديث من الأمر بإتباعهم وأن سنتهم في طلب الإتباع كسنة النبي ﷺ كقوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) (٢) وقوله: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي) (٣)، وعنه أنه قال: (أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به) (٤) ... والثالث أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل فقد جعل طائفة قول أبي يكر وعمر حجة ودليلا وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلا ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المتعمد في المسألة وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون

стр. 74

مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه ... وأيضا فقد وصفهم السلف الصالح ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه فعن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين. وعن الحسن وقد ذكر أصحاب محمد ﷺ قال: إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم ورب الكعبة على الصراط المستقيم. وعن إبراهيم قال: لم يدخر لكم شيء خباء عن القوم لفضل عندكم. وعن حذيفة أنه كان يقول: اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من قبلكم فلعمري لئن اتبعتموه فقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. وعن ابن مسعود: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال علي: إياكم والاستنان بالرجال ثم قال فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء. وهو نهي للعلماء لا للعوام ... وعن حذيفة قال: اتبعوا آثارنا فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا ٠ وعن ابن مسعود نحوه فقال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وعنه: أنه مر برجل يقص في المسجد ويقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من أصحاب محمد أو أضل بل هذه بل هذه يعني أضل. والآثار في هذا المعنى يكثر إيرادها وحسبك من ذلك دليلا مستقلا وهو: الرابع ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم وذم من أبغضهم وأن من أحبهم فقد أحب النبي ﷺ ومن أبغضهم فقد أبغض النبي ﵊ وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط إذ لا مزية في

стр. 75

ذلك وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة] (١) ومن الأدلة، قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ فعموم هذه الآية يدل على أن الصحابة لم يبدلوا، ومن أراد التخصيص فعليه الدليل. ومن الأدلة أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ (النجوم آمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا آمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي آمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) قال ابن القيم: ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء. ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم –وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال (٢). ومن الأدلة أيضاً ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:- (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) (٣). ملاحظات: الأولى: حقق د. ترحيب الدوسري في رسالته: " حجية قول الصحابي عند السلف "، أن القول باعتبار حجية قول الصحابي إن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟ هو قول الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم، قال: وبناء على ما سبق فإن الصحابي إذا قال قولاً:- فلا يخلو من أن يشتهر قوله ويوافقه سائر الصحابة على
следующие страницы →