الخامس – قوله: (ثم إن رسول الله صلى «الله عليه وسلم إذا كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وانقطع الوحي، فإن نصوص القرآن والسنة ما زالت موجودة محفوظة ولله الحمد، وما زالت قواعد الشرع الحنيف ومقاصده قائمة معلومة يعرض عليها كل محدث وجديد، فإن قبل في ميزانها كان بدعة حسنة، وإلا فهو بدعة ضلالة نبرأ إلى الله منها) وهذا الحدث الموافق لقواعد الشرع لا يخلو من أن يكون إما في العادات والمعاملات، أو في العبادات، والأول سبق وأن ذكرنا أمه من قبيل المصالح المرسلة بضوابطه الشرعية، وأما الثاني فإنما هو منه من قبيل الاستدلال بمحل النزاع فلا يقبل منه بل الراجح أن نرده للعلل سالفة الذكر والتي تبين مناقضة البدعة للشريعة وكمالها، كما أن الأصل في العبادات التوقف والمنع، ولا يلزم أن يأتي الشرع موافقا لما يستحسنه العقل وقد سبق الكلام على ذلك.
السادس – قوله: (ولسنا ندعي حسن البدعة دون ضوابط وقواعد وعرض على الكتاب والسنة، بل لذلك شروط وقواعد لابد منها سنعرض لها إن شاء الله تعالى في خاتمة بحثنا).
يشير إلى قوله في "البدعة الحسنة" (ص/١١٤): (أهم الضوابط والشروط التي ينبغي أن تتوفر في البدعة حتى تكون حسنة، وذلك مما فهمناه من تدبرنا في الآثار وأقوال العلماء ونصوصهم في هذه القضية.
الشرط الأول:
أن تكون البدعة في أمر من أمور الدين التعبدية، لا في العادات والأمور المعاشية التي لا تعبد فيها، دليل ذلك قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وقد سبق أن قلنا: إن مفهوم هذا الحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول غير مردود. وشاهدنا هنا قوله ﷺ "في أمرنا هذا"، وفي الرواية الأخرى "في ديننا"، وذلك يعني أن الإحداث في غير الدين من العادات ومما لا تعبد فيه لا يوصف في اصطلاح الشرع بكونه بدعة هدى أو بدعة ضلالة، فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلاً: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله ﷺ من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع، سواء في ذلك الحسنة والقبيحة ...
الشرط الثاني:
стр. 142
أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مما تكاد تجمع كلمة كل عالم أثبت البدعة الحسنة على اشتراطه، وقد رأينا ذلك في ما سقناه من كلامهم.
مثاله: ما يقيمه المسلمون من الموالد، فإن المولد في حقيقته ليس إلا اجتماعاً على ذكر لله ومدح وثناء وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ، وقراءة لقصة مولده الشريف، وكل ذلك يندرج تحت أصول عامة في الشريعة، من طلب الإكثار من ذكر الله، والحث على الصلاة والتسليم على سيدنا رسول الله ﷺ ، والحض على العلم الذي يندرج تحته قراءة قصة مولده الشريف، وأما مدحه والثناء عليه فمما أقره رسول الله ﷺ ، من المادحين له من الشعراء وغيرهم في عهده ﷺ كما لا يخفى على أحد. فهو من البدع الحسنة لذلك ما في ذلك شك ولا ريب.
الشرط الثالث:
أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين. نلمح هذا الشرط جلياً في كلام الإمام الغزالي ﵀، وذلك في قوله: إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها. انتهى.
مثال ذلك: مسألة السبحة، فإنها في رأينا من البدع الحسنة، وذلك أنا أمرنا بتسبيح الله مئة مرة مثلاً، وضبط العدد شيء يحتاج إلى آله تضبط، ورسول الله ﷺ لم يعلمنا كيف نضبطه ولم يحدد لنا آلة لذلك، إذن فأي شيء يضبطه لنا فهو مستحب، فإن القاعدة الشرعية معلومة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فكذلك ينبغي أن يكون ما لا يتم المطلوب الشرعي إلا به فهو مطلوب شرعاً، فمن أراد أن يذكر بهذا العدد يستحب له أن يتخذ شيئاً يضبط به العدد المأمور به، سواء كان ذلك سبحة أو حصى أو عقداً في خيط أو غير ذلك.
فقد ورد أنه ﷺ سبح على عقد أصابعه بعد الصلاة، ورغب فيه، وورد أيضاً تقريره على التسبيح بالنوى في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه دخل مع النبي ﷺ على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولي: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا قوة إلا بالله
стр. 143
مثل ذلك وثبت أنه كان لأبي الدرداء وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي صفية نوى أو حصى يسبحون بها.
فإذا علمنا ذلك، علمنا أن من يلزم الناس بضبط عدد الذكر بعقد الأصابع ويبدع مرتكب غير ما أمر به، متحكم مصادم لسنة أقرها رسول الله ﷺ ولم ينكرها، أو فعلها بعض أصحابه الكرام وهم أكثر الناس حرصاً على متابعته ﷺ والتأسي به، فكان في ذلك مبتدعاً لأنه أفضى إلى تغيير سنة ثابتة. والله أعلم.
الشرط الرابع:
كما يشترط في البدعة الحسنة أن يراها المسلمون أمراً حسناً، بعد أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع.
وهذا الشرط ذكره الإمام العيني في معرض كلامه عن البدعة الحسنة فقال: وهي ما رآه المسلمون حسناً، ولا يكون مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع. انتهى. ثم مثل لذلك بأذان عثمان، وتحديد ركعات التراويح في رمضان بعشرين ركعة).
الجواب من وجوه:
الأول – وأما ما ذكره في الشرط الأول من تخصيص البدعة في العبادات دون العادات والأمور المعاشية التي لا تعبد فيها يرده قوله والذي نقلته آنفا حيث قال (ص/١٠٥): (عدم جواز إحداث البدعة إذا كانت مخالفة لأصل الشرع، يؤخذ هذا من قوله ﷺ : "أمرنا"، و "ديننا"، فهو شامل لكل المحدثات سواء كانت من العبادات أو المعاملات أو غير ذلك، لأن كلمة "أمرنا" و "ديننا" كلمة عامة، فكل ما له أصل عام فهو مقبول يندرج تحت البدعة الحسنة، وكل ما ليس له أصل عام فهو مردود من البدع السيئة، وهذا نص الحديث ينطق بالحق).
الثاني – قوله: (فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلاً: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله ﷺ من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع) يدخل فيه هو رأسا بنص كلامه السابق، كما أن هذا النفي يدل على عدم علمه بخلاف العلماء وقد عرض الشاطبي طريقتين للعلماء في تعريف البدعة وذكر منهما من يقول بشمول البدعة للعادات والعبادات، وقد سبق ذكر ذلك سابقا فليراجع.
كما أن هذا النفي يدل على هذا يشمل عدم دخول العادات بوجه في البدع مع أن لها مدخل وهي من جهة ما قد يلحق بها من شائبة تعبد فكان عليه أن يستثني ذلك.
стр. 144
الثالث – حصره البدعة في الأمور التعبدية مع فتحه الباب للاستدراك على الشرع بحجة عدم مخالفة النصوص وشهود القواعد العامة للشريعة للعبادات المخترعة تناقض ومخالفة لعموم أدلة ذم البدع وتخصيص لها بلا مخصص كما سبق وسيأتي بإذن الله تعالى.
الرابع – وأما ما ذكره في الشرط الثاني من اندراج البدعة الحسنة تحت أصل من أصول الشريعة أو أمر عام ونحو ذلك فقد سبق تأصيل قاعدة: " لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام فقط، بل لا بد من دليل خاص"، ويدخل في الدليل الخاص فهم وقول وعمل الصحابة ﵃ – فالعمل بالأدلة الشرعية لابد وأن يكون مقيداً بعمل السلف الصالح بها.
وأما ما مثل لذلك ببدعة الاحتفال بالموالد فإنه يحتاج لمجلد للرد عليه لبيان ما يقع فيه من شرك ومعاص ومنكرات تخالف الشريعة هذا على فرض كونه من الوسائل فقط، وأما أن كان وسيلة ومقصد يتقربون به لله عزوجل فإن محور الرد يعود للشرط الأول وكما سبق بيان فساده.
الخامس – وأما قوله في الشرط الثالث: (أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين) فهو شرط طردي في كل البدع؛ لأن جميعها يكون مصادما ومناقضا للدين، ونطبق ذلك على المثال الذي جاء به لتطبيق هذا الشرط عليه وهو السبحة.
وكلامه غير متزن في الاستدلال لها: فتارة يجعلها من الوسائل وأنها مما لا يتم المشروع إلا به فتكون مشروعة.
وتارة يجعلها سنة تقريرية أقر النبي صبى الله عليه وسلم امرأة وفي بعض الروايات أنها صفية ﵂، وان الصحابة كانوا يسبحون بالنوى والحصى.
وكل ما ذكر من أحاديث وآثار في التسبيح على النوى والحصى لا يثبت وقد توسع الشيخ الألباني في "الضعيفة" لبيان عللها.
إلا أن العجيب أنه يستدل مع اعترافه بأنها من السنن التقريرية على كونها بدعة حسنة، وأن من ينكر على من يستعملها هو المبتدع؛ لأنه مصادم للسنة الثابتة على حد قوله.
والمثال على تقريره السابق لا يساعده؛ لأنه لن يكون من البدع الحسنة بل من السنة التقريرية بالإضافة إلى فعل الصحابة لها وهو لا تقع منهم بدعة.
ولذلك لا يسلم له هذا المثال على كلا التقديرين:
стр. 145
أما مع ثبوت كونها سنة تقريرية فلا يصح الحكم عليها بأنها بدعة حسنة هذا ليس تأدبا مع سنة النبي ﷺ .
وأما مع ضعف الأحاديث والآثار في التسبيح على النوى يقلب عليه الأمر تطبيقا للشرط الذي ذكره ويقال أنها بدعة؛ لأنها تصادم سنة العقد على الأصابع التي أرشد لها النبي ﷺ وعلله بأنهن مستنطقات يوم القيامة.
السادس – قوله في الشرط الرابع: (أن يراها المسلمون أمراً حسناً، بعد أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع) كلامه صريح في أن كلا منهما شرط منفصل عن الآخر مع أن لازم كلامه أن يكونا شرط واحد بمعنى أن كل ما هو غير مخالف للأدلة لا يراه المسلمون إلا حسنا.
ويلزم من عدّه لهما كشرطين منفصلين أنه قد يوجد أحدهما دون الآخر وهذا يدخله في لوازم باطلة كأن يرى المسلمون الأمر حسنا مع أنه مخالف للأدلة، وكذا عكسه بأن يكون غير مخالف للأدلة ويراه المسلمون غير حسن، وهذا يفتح باب التشهي في التحسين والذم للبدع.
وعلى كل حال فسوف يأتي الجواب عن أثر ابن مسعود ﵁ وبيان أن المقصود منه إما العهد أي الصحابة للاتفاق على حجية أقوالهم وأفعالهم دون غيره، أو يكون مقصود بها الجنس فتكون إجماعا والأمة لا تجتمع على ضلالة، وأما الاستدلال به على تحسين ما يراه دون غيره هو من محدثات فلا يدخل في هذا الشرط على جميع احتمالاته.
وأما تمثيله لذلك بأذان عثمان، وتحديد ركعات التراويح في رمضان بعشرين ركعة فسوف يأتي بإذن الله بيان أنهما ليسا من البدع بحال، فالله المستعان.
فظهر مما سبق ما في شروطه من نظر وانه لو طبق يعضها لكانت حجة عليه لا له.
الخامس (١) – قال الشيخ أحمد نجيب في "أقوم السنن" (ص/٥٨): (إن إطلاق القول بأن الصحابة قد ابتدعوا بدعا حسنة، وأنها حسنة مشروعة، واعتبارها بدعة مستحسنة يلزم منه ضلال بعيد، فمن لوازمه أن يقال: إن إبليس أيضا قد ابتدع (أو سن) سنة حسنة حين ارشد إلى قراءة آية الكرسي عند الإيواء إلى الفراش، لتكون حرزا لقارئها من الشيطان حتى يصبح فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "وكلني
стр. 146
رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان ... " فذكر الحديث وإتيان الشيطان له ثلاث مرات وتعليمه له آية الكرسي عند النوم، وقال النبي:"صدقك وهو كذوب".
ولا يزال المسلمون يحافظون على قراءة آية الكرسي إذا أوى أحدهم إلى فراشه، فأما أن تكون سنة تقريرية، أو بدعة إبليسية (حسنة!!) فلينظر امرؤ أين يضع قدمه.
فلا دلالة إذن للإقرارات النبوية على تحسن المحدثات البدعية؛ لأن الإقرار سنة، والإحداث ابتداع، والسنة والبدعة لا يلتقيان ".
خامسا – "نعمت البدعة هي":
- روى البخاري في "صحيحه" عن عبد الرحمن بن عبد القاري، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁، ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل» ثم عزم، فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: «نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.
- روى الشيخان عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة، والناس يصلون الضحى في المسجد، فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة.
- فروى (١) سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن مجاهد، عن ابن عمر أنه قال: إنها محدثة، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج، عن الأعرج، قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى، فقال: بدعة ونعمت البدعة. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم، عن أبيه، قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئاً أحب إلي منها. وأخرج الطبراني في"الكبير" من طريق سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: صلاة الضحى بدعة.
قال الحميري (ص/١٠٩): (لا معنى البتة لحمل البدعة هنا على المعنى اللغوي. ومن حمل قول سيدنا عمر وابنه عبدالله: "نعمت البدعة" على البدعة اللغوية فقد أخطأ.
стр. 147
وتشديد بعض الناس وإصرارهم على هذا القول يوقع الصحابة الكرام بأمر خطير، وذلك لأن حملهم البدعة هنا على المعنى اللغوي يجعلهم يعدون ما فعله سيدنا عمر ووافقه عليه الصحابة أمراً منكراً وبدعة ضلالة؛ لأن هؤلاء المصرين يجعلون كل بدعة ضلالة، وصلاة الصحابة التراويح جماعة إما أن يكون حسناً في الشرع أو سيئاً، فأما كونه سيئاً، فهو قول أهل البدع، وأما كونه حسناً فهو إجماع الأمة ... ).
الجواب من وجهين:
الأول – قال الحميري (ص/٢٦) بعد أن ذكر عدة تعاريف للبدعة: "وأستنتج بعد هذا كله وأستخلص من ذلك تعريفاً أراه جامعاً مانعاً يفي بالغرض، فأقول: البدعة الحسنة هي: إظهار صورة مخصوصة لحالة مخصوصة ألحت الدواعي على إبرازها بالقياس الصحيح" وإن كان تعرفه فيه غموض تصان عنه الحدود، إذ أنك لا تستطيع أن تعرف الوقت الذي يعتبر الظهور فيه بدعة هل هو بعد عصر النبي أو بعد عصر الصحابة بإعتبار أن قولهم حجة عنده، أو بعد العصور الثلاثة الفاضلة، كما أن تعريفه فيه إجمال لنوع الصورة والحالة المخصوصتين الذين هما عنده من البدع الحسنة وهل يدخل فيهما العادات والعبادات أم العبادات فقط.
لن أتكلم عن كل هذا .. إلا أنه في ضوء كلامه السابق يظهر أن البدعة الحسنة عنده هي عبادة خاصة مخترعة لم تكن على عهد النبي ﷺ ، ولكن الحاجة أدت إلى ظهورها وهي موافقة للقياس الصحيح والقواعد الشرعية.
وعلى ذلك:
١ - فما كان موجودا في عهده ﷺ فليس ببدعة حسنة بل هو شرع مستقر.
٢ - ما دل الدليل على اعتباره بالأصالة وليس بالإلحاق والقياس ولا بالملائمة لقواعد الشرع فليس ببدعة حسنة بل هو سنة مستقرة.
لو طبقنا هذا الكلام على الأمثلة التي ذكرها لكانت النتيجة أن صلاة التراويح جماعة وصلاة الضحى ليستا من البدع الحسنة بل هما من السنن الثابتة.
ودليل ذلك في صلاة التراويح ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂، قالت: أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه
стр. 148
وسلم، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: «أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها».
فالحديث صريح في صلاة النبي ﷺ القيام بأصحابه ثلاث ليال وأنه ترك المواظبة خشيت أن تفرض عليهم ويعجزوا عنها.
فعلى ذلك لا يصح أن توصف صلاة القيام بأنها بدعة ولذلك فلابد من تأويل قول سيدنا عمر ﵁، والأقرب أنه لم يرد أصل الصلاة بل أراد المواظبة عليها كل يوم، وحتى على هذا المنحى لا تكون بدعة شرعية؛ لأنها من سنة الخلفاء الراشدين ويدل عليها إجماع الصحابة فهي ليست بمخترعة بل هي مما يدل عليه دليل شرعي.
وعلى هذا فلا يصح أن يوصف ما فعله الخليفة الراشد وأجمع عليه الصحابة بدعة شرعية لا محمودة ولا مذمومة، فلقد أمر النبي ﷺ بالتمسك بسنتهم سواء أكانت راجعة لسنته ﷺ أم اجتهادية.
إلا أن الظاهر من صنيعه أن ما حدث في عصرهم يسميه بدعة شرعية حسنة، وسوف يأتي مناقشته قريبا بإذن الله في ذلك، وحتى بالفرض جدلا صحة إطلاق بدعة حسنة عليها، فالأمر لا يساعده على تعديتها لغيرها مما لا يدخل تحت دليلها: من دلالة سنة الخلفاء وإجماع الصحابة عليه، فهذه المسألة أقوى وأشد من استدلاله بأفعال الصحابة والتي سبق الرد عليها، وعليه فلا يصح تعدية التسمية لغيرها مما يعتبره هو وأضرابه بدعا حسنة مما ظهر بعد عصر الصحابة أو استحدثه بعض أقطاب ومشايخ التصوف لمريديهم من أذكار ووظائف وأحوال لم يرد بها الشرع.
- والأمر أقوى وأشد في صلاة الضحى فهي لا تدخل في تعريفه على أي احتمال وذلك لثبوت صلاة النبي ﷺ لها ووصيته لبعض صحابته بالمواظبة عليها وتقريره لأهل قباء على صلاتها.
ومن ذلك:
- ما رواه مسلم في "صحيحه" عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله».
- ما رواه أحمد وابن خزيمة وغيرهما عن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الضحى» حسن إسناده الشيخ الألباني، وقواه الشيخ الأرناؤوط.
стр. 149
- ما رواه مسلم في "صحيحه" عن زيد بن أرقم، قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل قباء وهم يصلون، فقال: «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال».
- وأوصى جماعة من أصحابه ﵃ بألا يدعو صلاة الضحى ومنهم وصيته لأبي هريرة عند الشيخين، ووصيته لأبي ذر عن أحمد، ولأبي الدرداء عند مسلم، بل وللأمة كلها كما روى مسلم في "صحيحه" عن أبي ذر، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»
وأما قول ابن عمر ﵄ فقد ثبت عنه أنه كان يصليها في يومين فروى البخاري عن نافع، أن ابن عمر ﵄، كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم بمكة، فإنه كان يقدمها ضحى فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ويوم يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه، قال: وكان يحدث: أن رسول الله ﷺ كان يزوره راكبا وماشيا" وزاد زاد ابن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، «فيصلي فيه ركعتين» أي النبي ﷺ والزيادة رواها البخاري.
وإنما أنكرها ابن عمر لأنه يرى أن صلاتها تكون في بعض الحالات وليس دائما ولذلك فقوله عمن صلاها في غير الوقتين الذين ذكرهما أنها بدعة هو اجتهاد منه ﵁ ومن رأي حجة على من لم يرى، وعلى ذلك فلا يصح وصف صلاة الضحى بأنها بدعة لا لغوية ولا شرعية محمودة، أو مذمومة.
الثاني – قوله: (حملهم البدعة هنا على المعنى اللغوي يجعلهم يعدون ما فعله سيدنا عمر ووافقه عليه الصحابة أمراً منكراً وبدعة ضلالة؛ لأن هؤلاء المصرين يجعلون كل بدعة ضلالة، وصلاة الصحابة التراويح جماعة إما أن يكون حسناً في الشرع أو سيئاً، فأما كونه سيئاً، فهو قول أهل البدع، وأما كونه حسناً فهو إجماع الأمة).
وقوله هذا فيه خلط عظيم إذ أنه فهم أن كل البدع اللغوية مذموم، فسوى بينها وبين البدعة الشرعية، ويمكن قلب الأمر عليه بأن نقول: إن جعل ما فعله عمر بدعة شرعية يخضعها للخلاف ويدخلها عند البعض في عموم البدع المذمومة لأن البدع الشرعية هي المقصودة أصالة بأحاديث النبي ﷺ ، بخلاف البدع اللغوية فهي أعم وأوسع من البدع الشرعية ويقصد بها مجرد الحدث وقد لا تكون مذمومة.
стр. 150
فإن ثبت ذلك فاعلم أن البدعة الشرعية أخص من البدعة اللغوية، ومن المقرر عند أهل الأصول (١) أن ثبوت الأخص بالضرورة يوجب ثبوت الأعم، إذ يلزم من كونها بدعة شرعية ثبوت كونها بدعة لغوية، وأما ثبوت الأعم فلا يوجب ثبوت الأخص فإن ثبوت كونها بدعة لغوية لا يوجب ثبوت كونها بدعة شرعية.
قال الشيخ الغامدي في "حقيقة البدعة" (١/ ٤١٦): (قول عمر ﵁: (نعمت البدعة هذه)، ينصرف إلى البدعة اللغوية لا الشرعية، وذلك لأمور:
الأول: أن صلاة التراويح جماعة قد ثبت فعلها جماعة ً على إمام واحد في عهده ﷺ فلا يمكن أن يسمي عمر هذه السنة الثابتة بدعة إلا من باب اللغة.
الثاني: أن صرف قول عمر إلى البدعة اللغوية هو الأولى والأجمل بالفاروق ومنزلته ﵁، فهل يعقل أن يرضى عمر بالبدعة في دين الله وقد تلقى مع غيره من الصحابة قول النبي ﷺ : (كل بدعة ضلالة)؟! مع ما عرف عنه ﵁ من حرص على إتباع السنة ومحاربة البدعة، بل وقطع كل ذريعة تؤدي إلى البدعة.
الثالث: أنه يرد في استعمال الصحابة بعض المصطلحات الشرعية بمعانيها الأصلية في لغة العرب، كقول أُبي بن كعب ﵁ للنبي ﷺ : (أجعل لك صلاتي كلها، قال: إذا ً تكفى همك ويغفر لك ذنبك) ومراده بقوله صلاتي: " دعائي "، كما في الرواية الأخرى للحديث ألا أجعل دعائي لك كله).
وكقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ في نفر ٍ من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له ... ) الحديث. والمراد: أنه طأطأ رأسه وانحنى له، والسجود بالمعنى الشرعي هو: الجلوس على الأعضاء السبعة عبادةً لله سبحانه، وليس هذا هو مراد أم المؤمنين في وصفها للبعير، وإنما مرادها المعنى اللغوي.
وقد فهم جماعة من العلماء هذا المراد من قول عمر ﵁ ونصوا على ذلك في كلامهم، وإليك قول طائفة منهم على سبيل التمثيل:
قال ابن رجب الحنبلي ﵀ في جامع العلوم والحكم: (فكل من أحدث شيئا ً ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريءٌ منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة، وأما ما وقع
стр. 151
في كلام السلف من استحسان بعض البدع، فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: (نعمت البدعة هذه).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( ... أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فُعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي - إلى أن قال - ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة، وقد عُلم أن قول النبي ﷺ لم يرد به كل عمل مبتدأ، فإن دين الإسلام بل كل دين جاء به الرسل فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد ما ابتدئ من الأعمال التي لم يشرعها هو ﷺ .
وقال ﵀: ( ... كل ما لم يشرع من الدين فهو ضلالة، وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم: إما أن يقال ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة، كما قال: (نعمت البدعة هذه) ... ).
وقال في موضع آخر: (ولا يحتج محتج بجمع التراويح ويقول: (نعمت البدعة هذه) فإنها بدعة في اللغة ... ).
وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية كقوله: " فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم (نعمت البدعة هذه).
وتحدث الشاطبي معبرا عن ما يشبه هذه المعاني في معرض رده على المستحسن للبدع، والمستدل عليها بقول عمر ﵁، فقال: ( ... إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله ﷺ واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر ﵁، لا لأنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأسامي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه؛ لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه ... ).
وقال في موضع آخر موجها كلام العز في تسمية بعض المصالح المرسلة بدعا: ( ... وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعا في اللفظ كما سمى عمر ﵁ الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة)).
стр. 152
سادسا - "ما رآه المسلمون حسنا":
قال الشيخ الغامدي في "حقيقة البدعة" (١/ ٣٨٢) ما مختصره: (ومن الشُبه التي يتمسك بها المحسّن للبدع: قوله (١) قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلبَ محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد، فوحد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء" وفي بعض الروايات زيادة: (وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ﵁.
وهذا الحديث الذي يستدل به المحسن للبدع، لم يرد مرفوعاً إلى النبي ﷺ إلا عند الخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ١٦٥) عن أنس بن مالك ﵁ وفي سنده أبو داود النخعي وهو سليمان بن عمرو، وقد تفرد بروايته، كما قال الخطيب، وهو كذاب كما قال الذهبي في الميزان (٢/ ٢١٦) ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: كان يضع الحديث، فالحديث موضوع، وقد ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٨٠ (وذَكَر تفرد النخعي، وكلام أحمد عنه ثم قال: وهذا الحديث إنما يعرف من كلام ابن مسعود، أما الأسانيد الأخرى المذكورة فكلها جاءت به موقوفاً على ابن مسعود، وهذا ما جعل الزيلعي في نصب الراية يقول: (غريب مرفوعاً ولم أحده إلا موقوفاً على ابن مسعود).
وقال ابن القيم بعد أن أورد هذا الأثر ( .. ليس من كلام رسول الله وإنما يضيفه إلى كلام من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعود) ...
ومما سبق يتضح أن هذا الأثر الذي يستدل به محسّن البدع، لا تصح نسبته إلى النبي ﷺ بل هو من كلام ابن مسعود ﵁ هذا من جهة السند، وقد يبقى فيه شائبةُ احتجاج عند من يترك المحكمات من النصوص، ويتعلق بما اشتبه ليبرر بذلك ما أملاه عليه نظره وهواه فيقول: هذا من كلام صحابي جليل أوصى النبي ﷺ بالأخذ عنه، أو يقول: هذا الكلام من قبيل المرفوع حكماً، لكونه مما لا يُدرك بالعقل. ولمناقشة هذه الشبه لابد من وقفات:
الوقفة الأولى:
المتأمل للآثار الواردة على الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ يرى
стр. 153
أنه من أشد الناس على البدع وأهلها، صغيرها وكبيرها كقوله ﵁ (اقتصادٌ في سنةٍ خيٌر من اجتهاد في بدعة) وقوله: (أيها الناس إنكم ستحدثون ويُحْدَثُ لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول). وقوله (اتبعوا آثارنا فقد كُفيتم). وقوله: (اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم كل ضلالة) وقوله: (عليكم بالعلم، وإياكم والتبدّع والتنطّع والتعمّق، وعليكم بالعتيق) وهو الذي أنكر على المجمعين في مسجد الكوفة ذكرهم لله بصورة جماعية، وقال لهم: (لقد فَضُلتم أصحاب محمد ﷺ علماً، أو لقد جئتم ببدعة ظلماً إلى أن قال والذي نفسي بيده لئن أخذتم آثار القوم ليسبقنكم سبقاً بعيداً ولئن حرتُم يميناً وشمالاً لتضلُنَّ ضلالاً بعيداً).
والآثار الواردة عنه في ذم البدع والتحذير منها كثيرة، فهل يُعقل أن يقال بعد ذلك أن ابن مسعود ﵁ يقول بحسن بعض البدع، أو بجواز إحداث شيء يُتقرب به إلى الله، لم يكن على عهد النبي ﷺ .
الوقفة الثانية:
إن العلماء استشهدوا بهذا الأثر في غير ما استدل به محسنو البدع، وعلموا من لفظه ومعناه، غير ما اشتبه على هؤلاء وهذه الاستدلالات، تدور حول عدة معان:
الأول: أن هذا الأثر جاء في فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وعلو منزلتهم، وارتفاع مكانتهم، يدلُّ على هذا المعنى: ما جاء في الأثر من تصريح بفضلهم .. ويدل عليه الجزء الذي يستدل به المبتدع وهو قوله: (وما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ... ) ولذلاك وضعه الحاكم في مستدركه في كتاب معرفة الصحابة ولم يرو إلا هذا الجزء من الأثر، وكذلك فعل البيهقي في كتاب الاعتقاد، إذ أدخله في باب القول في أصحاب رسول الله ﷺ . وكذلك صنع الساعاتي في ترتيبه لمسند الإمام أحمد، حيث جعل هذا الأثر في كتاب المناقب، باب ذكر مناقبهم على الإجمال، وقد سبقهم في هذا التصنيف الإمام أحمد، في كتابه فضائل الصحابة، وبما يشبه هذا التصنيف، كان صنيع الحافظ أبي نعيم الأصفهاني في كتاب الإمامة واستدل به ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.
الثاني: هذا الأثر يجيء في أدلة صحة خلافة الصديق ﵁، وقد استدل به غير واحد، فمنهم على سبيل المثال صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة، بعد أن أورده بالزيادة الواردة في المستدرك وغيره وهي: (وقد رأي الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ قال: (وهذا من أقوى الأدلة على صحة خلافته ﵁ فإن
стр. 154
الإجماع قطعي) وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية حيث قال بعد إيراده للأثر من مسند أحمد: (وهذا الأثر فيه حكاية إجماع الصحابة في تقديم الصديق).
وقد جمع بين هذا المعنى والذي قبله، شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث استدل بهذا الأثر في منهاج السنة على فضل الصحابة جميعاً، وعلى فضل أبي بكر على وجه الخصوص، في سياق رده على الرافضي، الذي زعم أن الذين بايعوا الصديق، إنما كانوا أصحاب جهل وطلب للدنيا، أخزاه الله ورضي الله، عن جميع صحابة نبيه.
الثالث: يجيء الاستدلال بهذا الأثر، عند أهل العلم في باب الإجماع عند ذكر حجيته، وممن استدل به ابن قدامه في الروضة وأبو الخطاب الكلوذاني في التمهيد والخطيب في الفقيه والمتفقه وابن القيم في إعلام الموقعين وفي الفروسية.
الرابع: مما سبق يتبين أن المراد بقوله: (ما رآه المسلمون ... ) الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، بدليل سياق الأثر: (ثم ينظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن ... ).
ويؤيد أن المقصود بالمسلمين في الأثر الصحابة، ما سبق نقله والإشارة إليه من أقوال العلماء، حيث دلت في مجموعها على هذا المعنى، وبذلك لا يبقى لمحتج بهذا الأثر على استحسان بعض البدع أي مستمسك، فإن لم يكن ظاهر اللفظ متضحاً لصاحب الشبهة، فإنه يتوجه إلى الإجماع، كما قال الإمام الشاطبي ﵀ في الرد على من استدل بهذا الأثر: (إن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون حسناً فهو حسن، والأمة لا تجتمع على باطل، فاجتماعهم على حسن شيء يدل على حسنه شرعاً، لأن الإجماع يتضمن دليلاً شرعياً، الحديث دليل عليكم لا لكم - إلى أن قال- إذا لم يرد به أهل الإجماع وأريد بعضهم، فيلزم استحسان العوام، وهو باطل بإجماع). وقال الحافظ أبو محمد بن حزم الظاهري ﵀: (واحتجوا في الاستحسان بقولٍ يجري على ألسنتهم وهو: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)، وهذا لا نعلمه بسند إلى رسول الله ﷺ من وجه أصلاً، وأما الذي لا شك فيه فإنه لا يوجد البتة في مسند صحيح، وإنما نعرفه عن ابن مسعود ثم ذكر سنده إلى ابن مسعود وأورد الأثر ثم قال: وهذا لو أتى من وجه صحيح لما كان لهم فيه متعلق؛ لأنه إنما يكون إثبات إجماع المسلمين فقط، لأنه لم يقل ما رآه بعض المسلمين حسناً فهو حسن ... ).
стр. 155
وقد سبق الإلماح إلى استدلال العلماء بهذا الأثر في باب الإجماع، وهنا جاء أن المراد من الأثر كما يدل سياقه، صحابة الرسول ﷺ ولا تنافي بين ذلك، ولا حجة فيه على تحسين أية بدعةٍ، بل على العكس من ذلك، فأما إجماع الأمة فإنه لا يمكن أن يكون على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ كقوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ".
ولأجل ذلك تقرر عند علماء الإسلام، أن إجماع الأمة حق فلا تجتمع على ضلالة، فإذا كان الأمر كذلك، والنص بأن " كل بدعة ضلالة " أصبح الدليل الذي يستدل به المحسن للبدع ضده.
وأما على أن المراد إجماع الصحابة، فإن الأثر ينقلب على المستدل به على حسن البدع، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على ذم كل البدع صغيرها وكبيرها، وحذروا منها، ونهوا عن مجالسة أصحابها، بل وحذروا من كل ذريعة تؤدي إلى البدعة، ولم يُنقل عن أحد منهم التوقف في شأن بدعة محدثة في دين الله، بل كان موقفهم كما تشهد بذلك سيرتهم: اعتقادُ أن كل المحدثات ضلال وانحراف عن سواء الصراط، فإذا كان هذا هو حالهم، فهو إجماع منهم على قبح سائر البدع، وحسن محاربتهم وأهلها، وهنا يأتي، مكان الاستدلال بقول ابن مسعود ﵁: ما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ... ) وقد رأى جميع الصحابة أن الاعتصام بالسنة أمر حسن محمود، وأن ترك البدع والتحذير منها أمر لازم ممدوح، وأن إحداث شيء من البدع سيء وقبيح).
وهذا أخر ما وقفت عليه من أدلتهم لتحسين بعض البدع الشرعية، ولا حجة لهم في أيها، فثبت أن عموم الذم للبدع الشرعية محفوظ ولم يثبت تخصيصه كما زعموا، ولله الفضل والمنة، وسوف نتوقف في المبحث التالي بإذن الله على توجيهات أخرى لهم لأحاديث ذم البدع، فالله المستعان.
стр. 156
المبحث الثالث - توجيهاتهم الأخرى لأدلة ذم البدع:
قالوا بحمل هذه الأحاديث على المعاصي (١):
قال الشيخ سليم الهلالي في "البدعة وأثرها السيء" (ص/٨٥): (لا يجوز حمل قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" على المعاصي التي نهى عنها الشارع الحكيم بخصوصها مثل الزنا، السرقة، الربا ... الخ؛ لأن هذا تعطيل لفائدة الحديث، وهو نوع من التحريف والإلحاد، وفيه من المفاسد أشياء:
(أ) سقوط الاعتماد على هذا الحديث، فإن المنهي عنه علم حكمه بذلك التخصيص.
(ب) إن اسم البدعة يكون عديم التأثير.
(ت) ليس كل بدعة جاء نهي عنها خاص، وليس كل ما جاء فيه نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس وتدليس.
(ث) مساواة البدع بالمعاصي، والحقيقة أن البدع شر من المعاصي ...
(جـ) وقصر البدع على الأمور المنهي عنها بخصوصها لا ينطبق على البدع؛ لأن البدع لا يدل على شرعيتها دليل أصلاً، أما العاصي فدل الدليل على شرعية اجتنابها والبعد عنها).
قالوا بحمل هذه الأحاديث على البدع المذمومة:
قال الحميري في (ص/٣٧): (البدعة في هذا الحديث - أي قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة" - تشمل البدعة الواحدة والأكثر، والبدعة الحسنة والبدعة السيئة.
ومما جاء بصيغة التخصيص قوله ﷺ : "من ابتدع بدعة ضلالة، لا ترضي الله ورسوله، كان عليه مثل آثام من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئاً"، ففي هذا الحديث خصص الرسول ﷺ البدعة المحرمة بأن تكون سيئة لا توافق عليها الشريعة.
والقاعدة الأصولية أنه إذا ورد عن الشارع لفظ عام ولفظ خاص قدم الخاص، لأن في تقديم الخاص عملاً بكلا النصين بخلاف ما لو قدم العام فإن فيه إلغاء للنص الخاص.
فيكون المقصود بقوله ﷺ "كل بدعة ضلالة": البدعة السيئة وهي: ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام ...
стр. 157
قال الإمام الحافظ الفقيه محيي الدين النووي ﵀: قوله صلى الله عليه والسلام: (وكل بدعة ضلالة) هذا عام مخصوص، والمراد غالب البدع. قال أهل اللغة: هي كل شيء عمل على غير مثال سابق).
وقال في (ص/١١٢): (الأعم والأغلب في إطلاقات لفظ البدعة عند السلف، إنما كان في ما يقابل السنة من البدع السيئة الضالّة، حتى شاع على لسانهم إطلاق كلمة البدعة في الشيء الحادث الذي يصادم أصول الشريعة وأدلتها العامة، أو يكون فيه إبطال لسنة، أو تضييع لفريضة، كما شاع على ألسنتهم إطلاق لفظ المبتدع على أرباب هذه الحوادث والبدع، وشاع أيضاً إطلاق لفظ المبتدعة على الفرق الخارجة عن نهج أهل السنة والجماعة، ولذلك قال الشهاب الخفاجي في شرح الشفا: البدعة إذا أطلقت يراد بها السيئة. وقال ابن الأثير: وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم).
والجواب من وجوه:
الأول – أن هذا الحديث لا يصح فرواه الترمذي وغيره من طريق كثير بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا: " إنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا" والحديث ضعيف جدا فمداره على كثير بن عمرو، قال عنه أحمد بن حنبل: منكر الحديث، ليس بشاء، وقال عنه أبو داود: كان أحد الكذابين، وقال عنه الشافعي: ذاك أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب، وقال النسائي والدارقطني: متروك الحديث، وقال أبو حاتم بن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على وجه التعجب، وقال أبو أحمد بن عدى: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
وترى أن الحميري لم يسق من الحديث إلا ما يظن أنه يوافق استدلاله، مع أن طرفه الأول يشهد لما سبق وأن قررناه من أن معنى سن السنة الحسنة: إحياء وتذكير الناس بما تركوه من سنة النبي وليس الإنشاء والاختراع إلا أننا لا نستدل إلا بما صح من أخبار النبي ﷺ .
الثاني – قال الشيخ الغامدي في "حقيقة البدعة" (١/ ٣٨١): (إن في هذا الحديث دليلاً على إبطال البدع، وذلك بالحض على إحياء سنة قد أميتت، فإنه وعد بالأجر لمن أحيا سنةً ميتةً، لا لمن يخترع شيئاً جديداً، ثم يطلق عليه سنة حسنة، لأن الذي ورد في
стр. 158
الحديث، إحياء سنة ثابتة نُسيت أو تُركت، وليس فيه إحداث ما لم يثبت، فدل هذا على أن المراد التحذير من الابتداع، لأنه في مقابل الإتباع، ولأنه ملازم للضلال في كل الأحوال).
الثالث – وعلى الفرض جدلا صحة الحديث فإن ما زعمه من التخصيص بهذا الحديث بقوله: (والقاعدة الأصولية أنه إذا ورد عن الشارع لفظ عام ولفظ خاص قدم الخاص) لا يستقيم، وذلك لأمرين:
أ- أن المنطوق موافق لدلالة العام، وكما هو مقرر في علم الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يقتضي التخصيص لاختلال أحد شرطي الاستثناء، وهو مخالفة المستثنى للمستثنى منه في الحكم.
ب - أن المفهوم غير معتبر؛ لأن المنطوق جاء موافقا للواقع.
قال العلامة الشنقيطي في "أضواء البيان" (٥/ ٣٦٤): (تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة، كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع فيرد النص ذاكرا لوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذا ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع.
ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]؛ لأن قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وصف مطابق للواقع؛ لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته الواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق.
ومن أمثلته في القرآن أيضا قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]؛ لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فقوله من دون المؤمنين ذكر لموافقته للواقع لا لإخراج المفهوم، عن حكم المنطوق ومعلوم أن اتخاذ
المؤمنين الكافرين أولياء، ممنوع على كل حال، وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
أو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع).
ومن أمثلته أيضا في القرآن (١) قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
стр. 159
[النور: ٣٣]، فروى مسلم في "صحيحه" عن جابر ﵁ قال: " أن جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ الآية.
الرابع – أن قولهم هذا مخالف لفهم وعمل الصحابة رضوان الله عليه من إنكارهم لبعض البدع التي تتنزل على أقوالهم في قسم البدعة الحسنة كإنكار ابن مسعود على الحلق الذين يذكرون بالحصى ذكرا جماعيا، وكإنكار ابن عمر على من زاد في ذكر العطس وعلى من ثوب في الظهر، ونحو ذلك مما سبق ذكره.
стр. 160
الخاتمة:
الفصل الأول: أسباب الابتداع (١):
وقد تجتمع هذه الأسباب جميعها أو بعضها، وقد تنفصل:
١ - انتشار القول بأن البدع تنقسم إلى قسمين: بدع سيئة وبدع حسنة إما لأعراض سيئة، أو تأولا أو جهلا وتقليدا.
٢ - الجهل بـ:
أ - السنة المطهرة وعلم مصطلح الحديث، بحيث لا يميزون بين الصحيح والضعيف والسليم والسقيم، فتكثر الأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل بدعة وحدة الوجود تتوكأ على الحديث الموضوع: "ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن"، وبدعة النور المحمدي تقف على الحديث المخترع الموضوع المصنوع: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، وبدعة خَلْقِ المخلوقات من أجل محمد ﷺ تعتمد على حديث الكذب: "لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك" وخفي على واضعه الجاهل أن محمداً ﷺ لولا الخلق ما بعث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
ب - الجهل بمقاصد الشريعة:
فإن الدين قد كمل، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا وقد وضح كل شيء ٍ بشهادة الله بذلك، حيث قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فأما النوازل الحادثة والوقائع المتجددة، فإنها تنضوي تحت كليات الشرع وقواعده ولا بد أن يكون لها حكما بالقبول أو الرد، سواءً كان ذلك في مجال العبادات أو في المعاملات، ومن كليات هذا الدين وقواعده الأساسية التي تنظم كل الجزئيات الحادثة قوله ﷺ : ( ... وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ... ).
٣ - سوء الفهم للقرآن والسنة: وعدم معرفة أقوال السلف:
стр. 161
أما سوء الفهم للقرآن فمنه ما رواه مسلم في "مقدمة صحيحه" عن سفيان الثوري، قال: سمعت رجلا سأل جابرا – وهو الجُعْفِي ضعيف رافضي - عن قوله : ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠]، فقال جابر: «لم يجئ تأويل هذه»، قال سفيان: وكذب، فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول: إن عليا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء يريد عليا أنه ينادي اخرجوا مع فلان، يقول جابر: «فذا تأويل هذه الآية، وكذب، كانت في إخوة يوسف ﷺ »، ومثل ذلك فهم بعض الصوفية لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، وأن المراد به العلم اللدني الذي يؤتاه الولي، فيكون بمثابة الوحي المعصوم وبنوا على ذلك أن الولي أفضل من النبي أو في منزلة مساوية له. ومثال ذلك استدلال الخارجي على أن أهل الكبائر في النار يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨، ٩]، فقال: المراد في الآية أن من خفت موازينه فهو كافر، والمعلوم أن موازين أهل الكبائر قد خفت فيجب أن يكونوا كفرة.
ومثل ذلك استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]، فقال الخارجي: لا شك بأن صاحب الكبيرة مجازى، فيجب أن يكون من الكفرة، فهذا هو حال المبتدعة مع نصوص الكتاب الكريم، أخْذُ بعضها وترك بعضها مع الفهم السقيم للآيات التي يستدلون بها، مع أنه من المقرر عند أهل السنة والحمد لله (أن كل آية ٍ يستدل بها مبتدع فيها دليلٌ على فساد قوله).
أما السنة فإن المبتدعة على قلة اعتمادهم على الصحيح منها، وكثرة أخذهم بالواهي والضعيف، فإنهم كثيرا ما يفهمون الأحاديث الثابتة على غير وجهها، ويدفعون مقاصدها بالتحريفات والتأويلات الفاسدة.
أما عدم معرفتهم لكلام السلف فكما قال شيخ الإسلام في سياق كلامه عن تنازع المبتدعين في كلام الله : ( ... عامة هؤلاء المختلفين في الكتاب لم يعرفوا القول السديد قول السلف، بل ولا سمعوه ولا وجدوه في كتاب ٍ من الكتب التي يتداولونها؛ لأنهم لا يتداولون الآثار السلفية، ولا معاني الكتاب والسنة إلا بتحريف بعض المحرفين لها، ولهذا إنما يذكر أحدهم أقوالا مبتدعة: إما قولين أو ثلاثة، وإما أربعة وإما خمسة، والقول الذي كان عليه السلف ودل عليه الكتاب والسنة لا يذكره؛ لأنه لا يعرفه ... ).
стр. 162
فترك المبتدعة لكلام السلف وجهلهم به، وإعراضهم عن فهم السلف لنصوص الكتاب والسنة، أحد الأسباب الكبيرة لوقوعهم في الابتداع.
٤ - عدم التسليم للنصوص الشرعية والانقياد لها:
والمتأمل في حال أهل البدع يجد أن هذا الوصف من أخص نعوتهم؛ ولذلك سماهم عمر بن الخطاب (أعداء السنن)، وصحت فيهم أوصاف أهل السنة لهم بأنهم: أهل الأهواء وأهل الكلام، وأهل القياس الفاسد، وأهل الابتداع، وأصحاب الرأي المذموم ... وغير ذلك من الأوصاف التي تدل أول ما تدل على ترك هؤلاء للنصوص الشرعية وعدم الاعتماد عليها، وعدم الاعتصام بها، ويظهر ذلك من خلال هذه الملامح:
أ. رد الأحاديث التي لا توافق بدعهم بالقدح في الرواة الثقات العدول، أو بنفي حجية خبر الآحاد، أو بتحريف الأدلة عن مواضعها وصرفها عن ظواهرها بتأويلات فاسدة، أو الاحتجاج بأن النصوص تفيد الظن وقواعدهم قطعية.
ب. إتباع المتشابه من الأدلة وذلك بحمل النصوص المحكمة على المتشابهة، أو جعل المحكم من الأدلة متشابها، كما فعلت الجهمية في الصفات، أو جعل ما ابتدعوه هو المحكم وما جاءت به الأنبياء هو المتشابه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
جـ. معارضة النصوص الشرعية بالأهواء فالصوفي بالكشف والذوق، والمتكلم بالرأي والمنطق والنظر والقياس الفاسد .. أو بما يسمونه قواعد قطعية ذوقية كانت أو عقلية.
د. الاستدلال ببعض النصوص دون النظر في غيرها فنافي الصفات مثلاً يستدل بنصوص نفي التماثل بين الله سبحانه وخلقه، ويترك نصوص الإثبات، والخارجي يستدل بنصوص الوعيد وحدها، والمرجئ بنصوص الوعد وحدها، والشيعي بالنصوص الواردة في فضل علي ﵁ وحدها وهكذا ... .
هـ. الاعتماد على الحكايات والرؤى والقياسات والأحاديث الواهية والضعيفة مما يؤدي إلى ترك النصوص الصحيحة، والالتفات عنها إلى هذه الأغلوطات.
وأمثلة هذا كثير ٌ عند الذين ضلوا في أبواب القصد والإرادة كالمتصوفة.
٥ - إحداث قواعد ونظريات عقلية أو ذوقية أو سياسية يسير عليها المبتدع وينقاد لها:
وهذا واضح في مسالك المتكلمة والمتفلسفة، إذ سموا ما وضعوه عقليات، وقطعيات وبراهين ...
стр. 163
وأطلقوا على أنفسهم أهل التحقيق والنظر والاستدلال والإيقان.
وظاهر ٌ أيضا في مسالك المتصوفة والمتنسكة إذ سموا ما ابتدعوه: حقيقة ويقينا وسموا أنفسهم أهل الحقيقة وغيرهم أهل الشريعة، وفي مسالك المتملكة والمتأمرة إذ سموا طريقتهم بالسياسة الحسنة البديعة، ولو كانت في مخالفة الشريعة، ولهذا فإنك تجد أصناف المبتدعة يبتعدون عن الشرع، ويعتمدون على قواعدهم وأصولهم الضالة تاركين كتاب الله وسنة رسوله خلفهم ظهريا، وإن اعتمدوا على شيء منها فإنما هو للاستئناس ولتعضيد ما أصلوه، مع أن كل دليل عقلي يحتج به المبتدع فيه دليلٌ على بطلان قوله.
٦ - التقليد واعتقاد العصمة في الأئمة المجتهدين، أو إعطاء الشيوخ قداسة تقارب منازل الأنبياء.
٧ - اتباع العوائد والمشايخ:
ويظهر هذا في بدع التشيع والتصوف بصورة جلية، مع أنه لا تكاد طائفة من طوائف المبتدعة تخلو من ذلك ...
فعند الشيعة الإمامية: اعتقاد العصمة في أئمتهم، وكذلك عند الإسماعيلية وسائر فرق الباطنية.
وعند الصوفية اعتقاد الولاية لفلان، وأنه أعظم من الأنبياء أو مساوٍ لهم إلا أنه لا يوحى إليه، ولا يحق للمريد أن يعترض أو يرفض أمر الشيخ، فإن ذلك نقص في الاتباع حتى قالوا: ليكن المريد بين يدي شيخه كالميت بين يدي الغاسل، وحتى عند أصحاب البدع الكلامية الذين يزعمون أن طريقتهم في الاعتقاد برهانية يقينية، يجعلون كلام أساتذتهم وقواعدهم الفلسفية من المسلمات التي لا يصح الاعتراض عليها، فضلاً عن نقضها، ولهذا فإنك تجد المعتزلي يقرر قاعدة بدعية ويستدل عليها بقوله - مثلا - وقد تقرر برهان هذه القاعدة في مسألة الحسن والقبح، وكذلك يفعل الأشعري، وعندما تعود إلى قاعدتهم تجدها من بدع مشايخهم أهل الكلام ...
وأما اتباع العوائد فيظهر مثالها في الأيام المخصصة بنوع ٍ من العبادات المبتدعة، فيحتج المبتدع بأن هذا الفعل اعتاده الناس منذ كذا وكذا، وجرى العمل به في الأقطار، وتلقاه الناس جيلا فجيلا، وأمثال ذلك من الحجج الواهية.
٨ - اتخاذ الناس رؤوساً جهالاً يقومون بالفتوى والتعليم ويقولون في دين الله بغير علم حيث تكثر الاستحسانات التي قوامها ميل الأهواء والاَراء، قال ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم
стр. 164
يُبْقِ عالما اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"، وهذا من أشراط الساعة قال ﷺ : "إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر" قال ابن المبارك ﵀: "الأصاغر: أهل البدع".
٩ - عادات وخرافات لا يدل عليها شرع ولا يقرها عقل، مثل المآَتم وبدعة الزار قال الشاعر:
ثلاثة تشقى بهن الدار ... العرس والمآتم ثم الزار
١٠ - حكاية إجماعات لم تقع، وجعلها أصولا يعتمد عليها، وعدم قبول الحق إلا من طائفتهم:
أما حكاية الإجماعات فمثل حكاية الرازي أن المعتبرين أجمعوا على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه.
مع أن المنقول عن الأنبياء والصحابة والتابعين مناقض لهذه الدعوى.
ومثل ذلك ما نقله أبو المعالي الجويني من اتفاق المسلمين على أن الأجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادا، فكل جزء لا يتجزأ وليس له طرف واحد ومقصده بذلك نفي الصفات عن الله سبحانه؛ لأن الصفات - في زعمه - لا تكون إلا في جسم مبعض، مع أن قوله هذا لم يقله سوى طائفة من أهل الكلام، ولم يقله بقيتهم، ولم يقله أحد من السلف مطلقا.
ومثل ذلك قول النبهاني: إن جمهور الأمة على تنزيه الله سبحانه عن جميع الجهات وجميع الأمكنة والأزمنة والعلويات والنقليات ..
أما عدم قبول الحق إلا من طائفتهم، فهذا من ديدن أصحاب الابتداع ولأجل ذلك تراهم يعتمدون على أقوال أصحابهم ومشايخهم، أكثر من اعتمادهم على النصوص الشرعية، ويزعمون فوق ذلك أنهم أصحاب الحق وحدهم، وأن من عداهم فهم أصحاب الضلال، ويدعون أنهم هم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية دون من سواهم، وأنهم هم أهل السنة والجماعة، وأن غيرهم أهل البدعة.
وعدم قبول الحق إلا من الطائفة التي يهواها الإنسان ويحبها وينتمي إليها، سبب للابتداع وترك الإتباع، وسبب للضلال ورد الحق، وقد وصف الله اليهود بهذا الوصف، ولعنهم لأجل تلبسهم به، فقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
قال شيخ الإسلام بعد ذكره لهذه الآية: (فوصف اليهود: أهم كانوا يعرفون الحق قبل ظهور الناطق به والدعي إليه، فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة لم يهوونها لم ينقادوا له، وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها إلى أن قال - وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم، أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبي ﷺ ، فإنهم لا يقبلون من الدين رأيا ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم ... ).
فهذا هو حال أهل الابتداع، وهذه أظهر الأسباب التي حملتهم على الوقوع في البدع، ولا يخلو مبتدع من سبب من هذه الأسباب إن لم تكن كلها أو معظمها فيه، فهو يتبع دينا مبدلا أو منسوخا.
الفصل الثاني - هجر المبتدع (١):
مقاصد الإسلام في الهجر:
١ - أن (الزجر بالهجر) عقوبة شرعية للمهجور، وأداء لواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقربًا إلى الله تعالى بواجب الحب والبغض فيه .
٢ - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في هذه البدعة وتحذيرهم.
٣ - تحجيم انتشار البدعة.
٤ - قمع المبتدع وزجره، ليضعف عن نشر بدعته، فإنه إذا حصلت مقاطعته والنفرة منه بات كالثعلب في جحره. أما معاشرته ومخالطته، وترك تحسيسه ببدعته: فهذا تزكية له، وتنشيط وتغرير بالعامة.
٥ - إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع ومداخلتها لصفاء السنن.
المقصود بالهجر:
والمقصود بالهجر هنا هو الهجر ديانة، وهو هجر التعزير: ويدخل في باب العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على الفجار كالمبتدع، على وجه التأديب، في دائرة
الضوابط الشرعية للهجر، حتى يتوب المبتدع ويفيء.
стр. 165
شروط الهجر:
الهجر الشرعي للفجار من المبتدعين والفساق عبادة، والعبادة لابد من توفر ركنيها:
١ - الإخلاص، وهو ميزان الأعمال في باطنها.
٢ - والمتابعة، وهو ميزان الأعمال في ظاهرها.
فلابد من أن يكون الهجر: خالصًا صوابًا، فالهجر لهوى النفس: ينقض الإخلاص، والهجر على خلاف الأمر: ينقض المتابعة.
منزلة الهجر من الاعتقاد:
يؤصل علماء الإسلام (هجر المبتدع ديانة) تحت القاعدة العقدية الكبرى (قاعدة الولاء والبراء) فهم يوالون أولياء الرحمن، ويعادون أولياء الشيطان، وكلٍ بحسب ما فيه من الخير والشر.
قال الصابوني: (ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان قَرّت بالآذان وقرت بالقلوب ضرّت وجرّت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جَرَّت، وفيه أنزل الله قوله: ﴿وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
ثم ذكر علامات أهل البدع، وعلامات أهل السنة، ثم قال: (واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم والتقرب إلى الله بمجانبتهم ومهاجرتهم ... ) اهـ (١).
الأدلة من الكتاب والسنة على هجر المبتدع ديانة:
أولًا - الكتاب العزيز:
١ - قال الله تعالى: ﴿وإذَا رَأَيْتَ الَذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنعام: ٦٨) وفي هذه الآية دلالة على تحريم مجالسة أهل البدع والأهواء وأهل الكبائر والمعاصي.
قال ابن العربي: وهذا دليل على أن مجالسة أهل الكبائر لا تحل.
стр. 166
قال ابن خويز منداد: من خاض في آيات الله تركت مجالسته وهجر مؤمنا كان أو كافرا.
٢ - قال تعالى: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا ويُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ إنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ والْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (النساء/١٤٠)
قال الضحاك: (دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة) (١).
ثانيًا - السنة النبوية:
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (سيكون في آخر أمتي ناس يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم) رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
قال البغوي رحمه الله تعالى بعده: (قد أخبر النبي لهم عن افتراق هذه الأمة، وظهور الأهواء والبدع فيهم، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنته، وسنة أصحابه ﵃، فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلًا يتعاطى شيئًا من الأهواء والبدع معتقدًا، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره، ويتبرأ منه، ويتركه حيًا وميتا، فلا يسلم عليه إذا لقيه، ولا يجيبه إذا ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويراجع الحق) (٢).
٢ - عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم). رواه أحمد، والطبراني والحاكم.
٣ - الأحاديث المتكاثرة في: هجر النبي لأهل المعاصي حتى يتوبوا:
* فهجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ لما تخلفوا عن غزاة تبوك، واستمر هجرهم خمسين ليلة، حتى آذن رسول الله ﷺ بتوبة الله عليهم (رواه الشيخان وغيرهما).
* وهجر ﷺ عمار بن ياسر ﵁ بتركه ﷺ رد السلام عليه لملابسته الخلوق حتى غسله. رواه أبو داود في سننه والطيالسي كلاهما من حديث عمار ﵁.
стр. 167
فهذه الأحاديث وما في معناها نص في مشروعية هجر العاصي المجاهر بمعصيته حتى يتوب ويفيء، وعليه: فإن الاستدلال بها على هجر المبتدع هو من باب الأولى في الدلالة على: مشروعية هجره ديانة لاسيما وهو المخصوص بأوصاف: البدعة في الدين، والإحداث والضلال، دون العاصي.
ثالثًا - الإجماع:
- قال القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى: (أجمع الصحابة والتابعون على مقاطعة المبتدعين).
- وقال البغوي رحمه الله تعالى بعد حديث كعب بن مالك ﵁ (١): (قد مضت الصحابة والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمعين متفقين على معاداة أهل البدعة، ومهاجرتهم).
الضوابط الشرعية للهجر:
الشرع يزن الواقعات والأحوال الداخلة تحت قاعدته العامة (الولاء والبراء) بميزان قسط، وقسطاس مستقيم، وسطًا عدلًا بين جانبي الإفراط والتفريط، فلا تزيد عن حدها ولا تنقص عنه، فتلتقي العقوبة للمبتدع بالهجر مع مقدار بدعته باعتبارات مختلفة، وما يحف بذلك من أحوال تنزل على قاعدة رعاية المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فنقول إذًا:
الأصل في الشرع هو: هجر المبتدع لكن ليس عامًا في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع. وترك الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط على أي حال، وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه بالنص، والإجماع، وأن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها واختلاف مبتدعها واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، وهكذا من وجوه الاختلاف والاعتبار التي يرعاها الشرع وميزانها للمسلم الذي به تنضبط المشروعية هو: مدى تحقق المقاصد الشرعية من الهجر: من الزجر، والتأديب، ورجوع العامة، وتحجيم المبتدع وبدعته وضمان السنة من شائبة البدعة ..
هذا محصل الضوابط الشرعية للهجر (٢) لكن ليحذر كل مسلم من توظيف (هوى نفسه) وتأمير (حظوظها) على نفسه، فإن هذا هلكة في الحق، وهو شر ممن يترك الهجر
стр. 168
عصيانًا؛ لأنه يعصي الله تعالى بترك الهجر الشرعي للمبتدع، وإظهاره ترك الهجر باسم الشرع تحت غطاء وهمي باسم (المصلحة) و (تأليف القلوب) وهكذا، فالتزام الهجر الشرعي للمبتدع بضوابطه الشرعية لا غير. وعلى هذا التأصيل تتنزل كلمات الأئمة كالإمام أحمد وغيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في المسلك الحق في الهجر: (فإن أقوامًا جعلوا ذلك عامًا، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات. وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره، أو وقعوا فيها، وقد يتركونها ترك المنتهي الكاره، ولا ينهون عنها غيرهم، ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجابًا أو استحبابًا، فهم بين فعل المنكر أو ترك المنهي عنه، وذلك فعل ما نهوا عنه وترك ما أمروا به، فهذا هذا، ودين الله وسط بين المغالي فيه والجافي عنه، والله سبحانه أعلم) (١).
فباعتبار اختلاف مرتبة البدعة من الإثم هو من عدة جهات (٢):
* من جهة كونها كفرًا أو غير كفر:
- فالمكفرة مثل: البابية، والبهائية، والقاديانية، وغلاة البريلوية.
- وغير المكفرة مثل: عامة البدع في العبادات حقيقية كانت أو إضافية.
* ومن جهة كون صاحبها مستترًا بها أو معلنًا لها، ففرق بين المعلن لبدعته الداعي لها، وبين الكاتم لها لأن الداعية، والمعلن لها، أظهرها فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرًا من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، هذا وهم في الدرك الأسفل من النار (٣).
стр. 169
* ومن جهة كونها حقيقية أو إضافية فالبدعة الحقيقية هي: البدعة التعبدية المحدثة استقلالًا كصلاة الرغائب، وليست بدعة إضافية، ومثل القول بالقدر، وصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان، وبدعة الموالد، والأعياد الحكومية، وعيد غدير خم لدى الشيعة، وهكذا.
- والبدعة الإضافية: هي الأمر المبتدع مضافاُ إلى ما هو مشروع أصلًا بزيادة أو نقص، مثاله: الدعاء الجماعي بعد الصلاة، فالدعاء مشروع وجعله جماعيًا بدعة مضافة لم يرد بها النص، وبناء العبادات على التوقيف، وسجود الشكر جماعة، واتخاذ التبليغ خلف الإمام سنة راتبة مع عدم الحاجة إليه، وهكذا.
* ومن جهة كونها بينة أو مشكلة، أي كونها ظاهرة المأخذ فهي بدعة متمحضة كبدع المآتم والموالد، وصلاة الرغائب ...
* ومن جهة الإصرار عليها أو عدمه: أما الإصرار عليها فيجعلها من باب: الدعوة إليها فيكون داعية معلنًا لها، وأما عدم الإصرار فهو من باب كونها: فلتة، وزلة عالم، إذا كانت منه ثم لم يعاودها (١).
* ويختلف باختلاف حال المبتدع وما فيه من خير وشر: (وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، ومعصية وسنة وبدعة: استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة ... ) (٢).
* وفرق بين عالم تشربت نفسه بالبدع، لكنه لم يختلط بعلماء أهل السنة ولم يتلق عنهم، وبين عالم تلقى عن المبتدعة فنالت منه منالًا، ثم خالط أهل السنة وعلماءهم وجاورهم مدة بمثلها يحصل برد اليقين بل يكون عاشرهم عشرات السنين، ثم هو يبقى على مشاربه البدعية يعملها، ويدعو إليها، ويصر عليها، فهذا قامت عليه الحجة أكثر، واستبانت له المحجة فما أبصر. فهو من أعظم خلق الله فجورًا، وغيضًا على أهل السنة.
стр. 170
فالأول في تأليف قلبه وتودده للرجوع إلى السنة مجال، أما الثاني: فلا والله، بل يتعين هجره، ومنابذته وإبعاده، وإنزال العقوبات الشرعية للمبتدعة عليه، وأن يُهجر ميتًا كما هُجر حيًا فلا يصلي أهل الخير عليه، ولا يشيعون جنازته.
* وفرق في حال المهجور: بين القوي في الدين وبين الضعيف فيه، فإن القوي يؤاخذ
بأشد مما يؤاخذ به الضعيف في الدين كما في قصة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ (١).
* وكذلك بالنسبة للأماكن: ففرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر القدر بالبصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك.
وهذا على ما أفتى به الأئمة أحمد وغيره بناء على هذا الأصل: رعاية المصالح الشرعية (٢).
* (ويختلف باختلاف الهاجرين أنفسهم في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم) (٣) فإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة كانت مشروعية هجر المبتدع قائمة على أصلها، وإن كانت القوة والكثرة للمبتدعة ولا حول ولا قوة إلا بالله فلا المبتدع ولا غيره يرتدع بالهجر ولا يحصل المقصود الشرعي، لم يشرع الهجر وكان مسلك التأليف، خشية زيادة الشر. وهذا كحال المشروع مع العدو (القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح) (٤).
ومن أهم المهمات هنا: إذا كانت الواجبات لدى أهل السنة مثل: التعليم، والجهاد، والطب، والهندسة، ونحوها متعذر إقامتها إلا بواسطتهم، فإنه يعمل على تحصيل مصلحة الجهاد، ومصلحة التعليم وهكذا، مع الحذر من بدعته، واتقاء الفتنة به وبها ما أمكن، وبقدر الضرورة، فإذا زالت عاد أهل السنة إلى الأصل في الهجر، وأبعد لمبتدع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في جوابه المحرر في الهجر المشروع: ( .. فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون
стр. 171
مضرة ترك ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل) (١)
وختامًا: احذر المبتدع، واحذر بدعته، وأعمل الولاء والبراء معه، وتقرب إلى الله بذلك، وبهجره الهجر الشرعي منزلًا له على قواعد الشريعة وأصولها في رعاية المصالح
ودفع المفاسد، وإياك ثم إياك من تأمير الهوى هجرًا أو تركًا.
الفصل الثالث - خاتمة الخاتمة:
حقيقة وبعد أن وصلت إلى هذه النقطة في موضوع البدعة وأرجو من الله أن أكون قد وفقت في بيان حقيقة البدعة الشرعية والرد على شبهات محسنى البدع بقيت بعض الأمور العامة المتعلقة بهذه الخاتمة، وأرى أن تتبعها يطول وقد رأيت الشيخ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي - حفظه الله - في رسالته العلمية (الدكتوراه) والتي تحمل عنوان: "موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع" قد ذكر في خاتمتها قضايا كثيرة متعلقة بالمواضيع التي كنت أنوى طرح بعضها في خاتمة رسالتي، فقلت أذكر خلاصة رسالته عسى الله أن ينفع بها، وكما يقال: ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه.
قال - حفظه الله -: " وفي خاتمة هذا البحث أقيد أهم تلك النتائج المتحصلة من هذا البحث- على ما جرى عليه العمل في البحوث المعاصرة وتؤصله قواعد البحث الحديث-
وها هو ذا عرض موجز بذلك:
ا- التعريف بأهل السنة وأنهم (هم المتمسكون بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما اتفق عليه الصحابة، والتابعون لهم بإحسان إلى يومنا هذا، ولم يخالفوا في شيء من أصول الدين، ويدخل فيهم عوام المسلمين المقتدون بهم).
٢ - بيان أن أهل السنة ليس لهم لقب يعرفون به إلا الإسلام وما دل عليه وأن ما اشتهر عنهم من أسماء (كأهل السنة والجماعة- والفرقة الناجية والطائفة المنصورة- والسلفيين) مستمدة من الكتاب والسنة.
فبعضها ثابت لهم بالنص من الرسول ﷺ والبعض الأخر إنما حصل لهم بفضل تحقيقهم للإسلام تحقيقاً صحيحاً، وهي تخالف تماماً أسماء أهل البدع التي هي في الغالب مشتقة من أصل بدعهم، أو ترجع إلى الانتساب إلى الأشخاص الذين هم رؤوسهم في تلك البدع.
стр. 172
٣ - لا يبدع أحد من أهل السنة ولا يحكم بخروجه من أهل السنة بمجرد خطئه، سواء أكان الاجتهاد في مسالة من مسائل العقيدة والتوحيد، أو في مسائل الحلال والحرام.
٤ - اتفاق أهل السنة على وجوب اتباع الكتاب والسنة، وطريق السلف الأول المشهود لهم بالخير والفضل، وتحريم البدع كلها وأنها كلها ضلال وهلاك، ليس فيها حسن بل هي مذمومة عند أهل العلم من أهل السنة وكذلك أصحابها مذمومون ممقوتون عندهم.
٥ - تعريف البدعة وأنها (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) (١).
٦ - أن للبدع تقسيمات متعددة باعتبارات مختلفة، فمن ذلك، تقسيمها إلى حقيقية وإضافية، وإلى عادية، وتعبدية، وفعلية وتركية، واعتقادية وعملية، وكلية وجزئية، وبسيطة ومركبة، ومكفرة وغير مكفرة.
٧ - تحديد الضوابط الرئيسة المميزة لأهل البدع، وذلك عن طريق تحقيق لفظ:
(أهل الأهواء والبدع) وبيان المراد منه عند الإطلاق، وبيان ما تثبت به الشهادة على الرجل أنه من أهل البدع، وذكر علامات أهل البدع والتي من أهمها: (الفرقة، واتباع الهوى، واتباع المتشابه ومعارضة السنة بالقرآن، وبغض أهل الأثر، وإطلاق الألقاب على أهل السنة بقصد انتقاصهم، وترك انتحال مذهب السلف، وتكفير مخالفيهم بغير دليل).
٨ - التعريف بأصول فرق أهل البدع التي تفرعت عنها بقية الفرق وهي: فرقة الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، والجهمية.
٩ - بيان موقف أهل السنة من تكفير أهل البدع وتفسيقهم، وأنه مبني على أصلين:
الأصل الأول: دلالة الكتاب والسنة على أن القول أو الفعل الصادر من المحكوم عليه موجب للكفر- عند النظر في مسالة التكفير- وموجب للفسق- عند النظر في مسالة التفسيق-.
الأصل الثاني: انطباق الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم فيه شروط التكفير أو التفسيق وتنتفي موانعهما.
١٠ - أن تكفير السلف لبعض فرق أهل البدع كالجهمية، والقدرية المنكرين للعلم وغلاة الرافضة: هو من باب التكفير المطلق الذي لا يلزم منه تكفير كل أفراد تلك الفرق.
стр. 173
١١ - بيان موقف أهل السنة من لعن أهل البدع: وأن اللعن عندهم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: اللعن المطلق وهو اللعن بالوصف الأعم كاللعن بوصف دلت النصوص على اللعن به، وهي ثلاثة أوصاف: (الكفر، والفسق، والابتداع) أو بوصف اخص كلعن اليهود، والنصارى، والمجوس، وبعض الفرق المنتسبة للإسلام من أهل البدع.
القسم الثاني: اللعن للمعين كقولك العن الله فلاناً .. وتُسَمِّيه).
أما اللعن المطلق: فجائز بمرتبتيه دلت على ذلك النصوص وكلام السلف وأما اللعن
المعين: فحكمه محل اختلاف بين السلف، قسم منعه، وقسم أجازه في حق الكافر دون
الفاسق، وقسم أجازه إن كان المعين مستحقاً للّعن سواء أكان كافراً أو مسلماً، بمعنى أن يأتي بفعل ملعون عليه في الشرع وتتحقق فيه شروط اللعن وتنتفي فيه الموانع والقول الثالث هو الراجح والله أعلم.
١٢ - بيان موقف أهل السنة من حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله، وجملة مذهبهم في هذه المسالة: أن عمل المبتدع من حيث قبوله أو ردّه خاضع للضوابط المراعاة في قبول الأعمال عند الله على وجه العموم، فمتى ما تحققت فيه شروط القبول فهو مقبول- إن شاء الله- ومتى ما فقد أحد شروط القبول فهو مردود: فالمبتدع الكافر عمله كله مردود لفقده شرط الإسلام الذي هو شرط قبول كل عمل صالح.
وأما المبتدع غير الكافر، فإما أن يكون عمله بدعة محضاً أو لا، فإن كان عمله بدعة محضا فهو مردود لفقده شرط المتابعة، وكذلك ما فقد من أعماله شرط الإخلاص فإنه مردود أيضاً، وأما إن كان لعمله أصل في الشرع فإما أن تدخل عليه البدعة أو لا، فإن لم تدخل عليه وكان خالصاً لله فهو مقبول.
وإن دخلت عليه فإما أن تفسده- وذلك باخلالها بشروط صحته- أو لا. فإن لم تخل بشروط صحته فهو وإن كان آثماً على ابتداعه إلا أن عمله مقبول.
وإن أخلت بشروط صحته فهو مردود، والله أعلم.
١٣ - بيان موقف أهل السنة من حكم قبول توبة أهل البدع: وأن توبتهم مقبولة عند الله إن استوفت شروط التوبة، لكنهم لا يوفقون للتوبة ولا تحصل منهم إلا قليلًا لكونهم يرون أن بدعهم من الدين فلا يتوبون منها ما داموا كذلك، بخلاف العصاة، فإنهم يعلمون مخالفتهم للشريعة فتسهل توبتهم من المعاصي وهذا معنى ما روي عن بعض السلف (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، والمعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها).
стр. 174
١٤ - بيان موقف أهل السنة من الصلاة خلف المبتدع وأن الحكم في هذه المسالة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع، ونوع الصلاة المقامة خلفهم، فإن كان المبتدع كافراً لا تصح الصلاة خلفه لفساد صلاته في نفسه، لكن إن كان إمام جمعة، ولا يمكن أداؤها إلا خلفه فتؤدى خلفه ثم تعاد، وأما إن كان المبتدع غير كافر، وليس بداعية فتؤدى الصلاة خلفه، وإن أمكن أداؤها خلف العدل فهو أفضل، وإن كان المبتدع غير كافر وهو داعية لبدعته فتؤدى الصلاة خلفه أيضاً إن لم يمكن أداؤها إلا خلفه، وتكره الصلاة خلفه إن أمكن أداؤها خلف إمام عادل.
١٥ - بيان موقف أهل السنة من مناكحة أهل البدع: وأن حكم مناكحة المحكوم بكفرهم من أهل البدع محرم على الإطلاق لكفرهم وارتدادهم عن الدين، فلا يجوز التزوج منهم ولا تزويجهم بإجماع أهل السنة، وأما إن كان المبتدع غير كافر فلا يزوج السنية؛ لأنه غير كف لها لكن يصح تزويجه منها مع الكراهة بموافقة المرأة وأوليائها؛ لأن الكفاءة حق لهما ويجوز لهما إسقاطه، وأما زواج الرجل من أهل السنة بالمرأة المبتدعة التي لم تبلغ ببدعتها حد الكفر فصحيح؛ لأن الكفاءة إنما تشترط في جانب الرجل بأن يكون كفؤاً للمرأة لا العكس، لكن زواجه من المبتدعة هنا مكروه للمفاسد المترتبة على ذلك الزواج.
١٦ - بيان موقف أهل السنة من حكم أكل ذبائح أهل البدع: وأن الحكم في المسالة يختلف بحال المبتدع من حيث كفره ببدعته من عدمه، فإن كان كافراً فلا تؤكل ذبيحته؛ لدلالة النصوص وأقوال أهل العلم على تحريم ذبائح الكفرة والمشركين من غير أهل الكتاب.
وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فذبيحته حلال للإجماع على حل ذبائح المسلمين، أما كونه مبتدعاً فلا تأثير له على حل ذبيحته ما دام مسلماً.
١٧ - بيان موقف أهل السنة من عيادة أهل البدع: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا تشرع عيادته إلا إذا غلب على الظن تحقق مصلحة من ورائها كاستجابة المبتدع إلى الدعوة إلى السنة، وتوبته من البدعة، أو تحقق بها أمر مشروع كصلة رحم، أو إحسان إلى جار، وأما إن كان المبتدع لم يبلغ ببدعته حد الكفر وهو مسلم فعيادته جائزة، بل عيادته من جملة حقوقه على المسلمين، غير أنه إن كان داعية لبدعته، فتترك عيادته من باب الهجر والعقوبة له لا لأن عيادته غير جائزة.
стр. 175
١٨ - بيان موقف أهل السُنّة من شهود جنائز أهل البدع: وأن المبتدع إن كان كافراً ببدعته فلا تجوز الصلاة عليه لعموم النهي عن الصلاة على الكفار والمنافقين والاستغفار لهم، وان كان المبتدع غير كافر فالصلاة عليه جائزة بل مشروعة، لكن إن كان المبتدع داعية فيشرع ترك الصلاة عليه وذلك مقيد بثلاثة شروط:
أ- أن يقصد بترك الصلاة عليه الزجر والتأديب لغيره عن مثل فعله لا أن الصلاة عليه غير جائزة.
ب- أن يغلب على الظن تحقق تلك المصلحة وهي الانزجار عن مثل فعل الميت وإلا لم يكن ترك الصلاة عليه مشروعاً.
جـ- أن يوجد من المسلمين من يصلّي على ذلك الميت، فإنه لا يجوز أن يجتمع المسلمون على ترك الصلاة على مسلم، وإن كان مبتدعاً بل لابد من الصلاة عليه ودفنه.
١٩ - بيان موقف أهل السنة من توريث أهل البدع وإرثهم: وأن المبتدع الكافر ببدعته لا يرث أحداً من المسلمين، ولا يرثه منهم أحد لقول النبي ﷺ "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وهذا إن كان المبتدع الكافر مظهراً للكفر معلناً له، أما إن كان مستتراً عليه، مظهراً للإسلام كفعل بعض أهل البدع الذين يخفون معتقداتهم ويلتزمون في الظاهر بعقيدة المسلمين فهؤلاء يحكم لهم بحكم أهل الإسلام، فيرثون أقرباءهم، ويرثهم أقرباؤهم، كما جرى عليه عمل النبي ﷺ وأصحابه مع المنافقين، فإنهم كانوا يجرون عليهم أحكام الإسلام في الدنيا من الموارثة وغيرها ما لم يظهروا الكفر والنفاق.
٢٠ - بيان موقف أهل السنة من بغض أهل البدع وإظهار عداوتهم: وأن من أصول أهل السنة بغض أهل البدع ومعاداتهم في الله، لخروجهم عن السنة وابتداعهم في الدين، وأنه ينبغي أن يظهر ذلك البغض وتلك العداوة على الجوارح من التصريح ببغضهم، ومعاملتهم بالغلظة والشدة، وقطع معونتهم والسعي في إبطال مقاصدهم أحياناً، وغير ذلك من الأساليب المظهرة للبغض والعداوة لهم.
٢١ - بيان موقف أهل السنة من غيبة أهل البدع: وأن غيبة المبتدع إن كانت للتحذير منه جائزة في الشرع، على ما دلت عليه النصوص وأقوال أهل العلم، غير أنها مقيدة بثلاثة شروط:
الأول: الإخلاص فيها.
стр. 176
الثاني: أن يكون المبتدع المحذر منه مجاهراً بالبدعة معلناً لها فأما من كان مستتراً فلا تجوز غيبته ولا التشهير به.
الثالث: أن يكون المبتدع المتكلم فيه حياً غير ميت، فإن كان ميتاً فلا تجوز غيبته، إلا أن يكون له كتب تقرر البدع وأتباع ينشرونها بعده فإنه يحذر منه.
٢٢ - بيان موقف أهل السنة من السلام على أهل البدع: وأن الحكم في المسالة يختلف باختلاف حال المبتدع من حيث كفره من عدمه، فإن كان كافراً فيحرم ابتداءه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلّم بان يقال له: (وعليكم) حكمه في ذلك حكم الكافر الأصلي، وأما إن كان المبتدع غير كافر ببدعته فيسن ابتداءه بالسلام ويجب الرد عليه إذا سلم، حكمه في ذلك حكم غيره من المسلمين، لكن يشرع ترك السلام على المبتدع الداعية وترك الرد عليه من باب الزجر والعقوبة، كما ترك النبي ﷺ السلام على بعض المخالفين والمحدثين من المسلمين لهذا الغرض.
٢٣ - بيان موقف أهل السنة من حكم مجالسة أهل البدع: وأن هجر أهل البدع وترك مجالستهم من أصول أهل السنة التي استفاض بها النقل عنهم في كتب السنة والاعتقاد واتفق عليها العلماء المقررون لمذهب أهل السنة من لدن عصر الصحابة إلى هذه العصور المتأخرة، ولم يخالف في ذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل السنة، لكن ينبغي أن يعلم أن هجر المبتدع إنما شرع لمقاصد وأغراض شرعية فمتى ما حقق تلك الأغراض فهو مشروع، وإلا لم يكن مشروعاً بل قد يكون التأليف هو المشروع.
٢٤ - بيان موقف أهل السنة من احتقار أهل البدع وإذلالهم وترك تعظيمهم وتوقيرهم وأن احتقار أهل البدع وترك تعظيمهم من أصول أهل السنة التي دلت النصوص وإجماع سلف الأمة على تقريره، وأن من صور تعظيم أهل البدع الواجب تركها والتي حذر العلماء منها: إطلاق الألقاب الحسنة المشعرة بالتعظيم عليهم، وتكنيتهم، والبشاشة في وجوههم وتقديمهم في المجالس، والتلطف معهم، ودعوتهم للطعام، وتهنئتهم واستعمالهم في الوظائف، ومشاورتهم، فيجب الحذر من كل ذلك.
٢٥ - بيان موقف أهل السنة من مجادلة أهل البدع: وأن المجادلة بوجه عام تنقسم إلى قسمين- على ما دلت على ذلك النصوص الشرعية وكلام أهل العلم- مجادلة محمودة وهي: ما كانت لإثبات الحق أو دفع الباطل، أو للتعليم والاستيضاح فيما يشكل من المسائل، ومجادلة مذمومة وهي: ما كانت لرد الحق أو لنصرة الباطل، أو كانت فيما نهى
стр. 177
الله ورسوله عن المجادلة فيه كالمجادلة في المتشابه، وفي الحق بعد ما تبين أو كانت لحظ النفس، كإظهار الفطنة والذكاء والعلم، مراءاة للناس، وطلباً لثنائهم أو لغير ذلك من المقاصد المذمومة كالعناد والتعصب للرأي، فمتى ما كانت مجادلة أهل البدع من النوع الأول فهي محمودة مأمور بها، ومتى ما كانت من النوع الثاني فهي مذمومة منهي عنها.
٢٦ - بيان موقف أهل السنة من عقوبة أهل البدع بالقتل وبغيره من أنواع التعزير: وبيان مشروعية هذه العقوبات عند أهل السنة، وأن لقتل أهل البدع مقصدين صحيحين:
أحدهما: قتلهم ردة إن صدر منهم ما يوجب كفرهم وثبتت عليهم الحجة بذلك.
والأخر: قتلهم دفعاً لفسادهم وحماية للناس منهم حتى وإن لم يحكم بكفرهم، مراعاة لمصلحة المسلمين العامة. وأما ما دون القتل من العقوبات فهي غير محددة، وإنما ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر في اختيار ما يرونه مناسبا من أنيل العقوبات الملائمة لحال المبتدع، وظروف الزمان والمكان. ولذا تعددت عقوبات السلف لأهل البدع: فمنهم من ضرب وجلد، ومنهم من سجن، ومنهم من غُرّب، ومنهم من حرق كتبهم وهدم بيوتهم إلى غير ذلك من العقوبات المنقولة عن السلف في حق أهل البدع.
٢٧ - بيان موقف أهل السنة من شهادة أهل البدع وأن أهل البدع ينقسمون بالنظر إلى قبول شهادتهم أو ردّها إلى قسمين: قسم مجمع على رد شهادته وهو المبتدع الكافر ببدعته، أومن كان مستحلًا للكذب والشهادة بالزور لموافقيه.
وقسم مختلف في قبول شهادته وردها وهو المبتدع المسلم الذي لم يحكم عليه بكفر ولا يعرف عنه استحلال الكذب، فذهب بعض أهل العلم إلى قبول شهادته مطلقاً، وذهب بعضهم إلى ردها مطلقاً، وذهب أكثر أهل العلم إلى التفريق بين الداعية وغير الداعية فأجازوا شهادة غير الداعية، وردوا شهادة الداعية من باب الزجر والعقوبة. وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى (١).
٢٨ - بيان موقف أهل السنة من رواية المبتدع: وأن المبتدع تُرَدُّ روايته إن كان كافراً ببدعته على قول الجمهور، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك- وأما من كان
стр. 178
مستحلاً للكذب في نصرة مذهبه، فلا خلاف بين أهل العلم في أن روايته مردودة، وأما المبتدع غير الكافر فقد اختلف العلماء في قبول روايته على أربعة أقوال، ذهب بعضهم إلى ردها مطلقاً، وذهب بعضهم إلى قبولها مطلقاً إلا أن يستحل الكذب وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية وترك رواية الداعية، وذهب بعضهم إلى قبول رواية غير الداعية إلا إن روى ما يُقَوِّي بدعته.
والراجح من تلك الأقوال هو القول الثالث وهو قول الجمهور.
٢٩ - بيان موقف أهل السنة من تلقي العلم عن أهل البدع وحكم استخدامهم في التدريس: ونهى السلف عن تلقي العلم عن أهل البدع، وتنصيب أهل البدع مدرسين لأبناء أهل السنة خشية افتتان الدارسين بهم، ولأن ذلك فيه زجرا لهم وعقوبة عن الابتداع.
وهذا في حال السعة، أما عند الضرورة فيجوز استخدامهم في التدريس كان لا يمكن إقامة التعليم إلا بهم، أو ترتب على ترك استخدامهم مفسدة أعظم من مفسدة استخدامهم أو تحقق باستخدامهم مصلحة راجحة على مصلحة ترك استخدامهم.
٣٠ - بيان موقف أهل السنة من استخدام أهل البدع في الجهاد، وأن الحكم في هذه المسالة يختلف باختلاف أحوال أهل البدع وظروف المسلمين.
فتجوز الاستعانة بهم عند الحاجة إن كانوا حسني الرأي في المسلمين وتكره عند عدم الحاجة، وتحرم الاستعانة بهم مطلقاً إن كانوا معروفين بغش المسلمين وعدم النصح لهم).
وكتبه حامدا ومصليا ...
أبو المنذر محمود بن محمد بن مصطفى المنياوي
وكان الفراغ منه يوم الجمعة ١٤ من شهر جمادى الأول لعام ١٤٣٣هـ
الموافق ٦ من شهر أبريل لعام ٢٠١٢م
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتقبل مني هذا العمل وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن يدخر لي أجره يوم ألقاه.
وأرجو من الله أن يكتب له القبول وأن ينفع به المسلمين، أنه ولي ذلك وهو القادر عليه.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.