بها أو معلناً، ومن جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، ومن جهة كونها بينة أو مشكلة، ومن جهة كونها كفراً أو غير كفر، ومن جهة الإصرار عليها أو عدمه - إلى غير ذلك من الوجوه التي يقطع معها بالتفاوت في عظم الإثم وعدمه أو يغلب على الظن.
أما الاختلاف من جهة الإسرار والإعلان، فظاهر أن المسر بها ضرره مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره، فعلى أي صورة فرضت البدعة من كونها كبيرة أو صغيرة أو مكروهة. هي باقية على أصل حكمها، فإذا أعلن بها ـ وإن لم يدْعُ إليها ـ فإعلانه بها ذريعة إلى الاقتداء به ...
وأما الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها فظاهر أيضاً، لأن غير الداعي وإن كان عرضة بالاقتداء فقد لا يقتدي به، ويختلف الناس في توفر دواعيهم على الاقتداء به، إذ قد يكون خامل الذكر، وقد يكون مشتهراً ولا يقتدي به، لشهرة من هو أعظم عند الناس منزلة منه.
وأما الداعي إذا دعا إليها فمظنة الاقتداء أقوى وأظهر، ولا سيما المبتدع اللسن الفصيح الآخذ بمجامع القلوب، إذا أخذ في الترغيب والترهيب، وأدلى بشبهته التي تداخل القلب بزخرفها ...
وأما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، فإن الحقيقية أعظم وزراً، لأنها التي باشرها المنتهى بغير واسطة، ولأنها مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهراً ...
وأما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأْخذ أو مشكلة؛ فلأن الظاهر عند الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مشكلة فليست بمحض مخالفة، لإمكان أن لا تكون بدعة، والإقدام على المحتمل، أخفض رتبة من الإقدام على الظاهر ...
وأما الاختلاف بحسب الإصرار عليها أو عدمه فلأن الذنب قد يكون صغيراً فيعظم بالإصرار عليه، كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإصرار عليها، فإذا كانت فلتة فهي أهون منها إذا داوم عليها، ويلحق بهذا المعنى إذا تهاون بها المبتدع وسهل أمرها، نظير الذنب إذا تهاون به، فالمتهاون أعظم وزراً من غيره.
стр. 107
وأما الاختلاف من جهة كونها كفراً وعدمه فظاهر أيضاً، لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب ـ عافانا الله ـ ... فلا بدعة أعظم وزراً من بدعة تخرج عن الإسلام ... والله المستعان بفضله] (١).
المبحث الخامس: حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله:
ناقش د. الرحيلي في كتابه "موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع" مسألة: "موقف أهل السنة من حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله" وذكر ما ورد فيها من آثار وتكلم عن توجيهات العلماء، وخاصة الشاطبي لها وموقفهم منها، وأخذ في الرد والتعقب حتى انتهى إلى هذه النتيجة حيث قال [حكم عمل المبتدع من حيث قبوله أو رده خاضع للضوابط المراعاة في قبول الأعمال عند الله على وجه العموم، فما تحققت فيه شروط القبول فهو مقبول إن شاء الله، وما فقد منها أحد شروط القبول فهو مردود.
وبناء على ذلك فالمبتدع إما أن يكون كافرا ببدعته أو لا.
فإن كان كافرا فعمله كله مردود لفقده شرط الإسلام الذي هو شرط قبول كل عمل صالح. وإن كان المبتدع غير كافر، فإما أن يكون عمله بدعة محضا أو لا، فإن كان عمله بدعة محضة فهو مردود لفقده شرط المتابعة، وكذلك ما فقد منها شرط الإخلاص فإنه مردود أيضا، وأما إن كان لعمله أصل في الشرع، فإما أن تدخل عليه البدعة أو لا، فإن لم يدخل عليه البدعة وكان خالصاً لله فهو مقبول، وإن دخلت عليه البدعة فإما أن تفسده - وذلك بإخلالها بشروط صحته - أو لا. فإن لم تخل بشروط صحته فهو مقبول، وإن أخلت بشروط صحته فهو مردود.
وعموما فإعمال المبتدع المسلم مرهونة بتوفر شرطي الإخلاص والمتابعة فمتى تحققا في العمل فهو مقبول، ومتى ما فقدهما أو أحدهما فهو مردود.
وأما ابتداعه في بعض الأعمال، فإنه لا يتصور أن يرد به ما كان صحيحا من أعماله، إذ ليس من شروط قبول العمل أن لا يكون صاحبه مبتدعا في غيره. وبذلك يكون قد اتضح حكم عمل المبتدع بكل صوره من حيث قبوله أو رده] (٢).
стр. 108
الفصل الثالث: علاقة البدع بغيرها:
المبحث الأول: العلاقة بين البدع والمعاصي:
أولا - وجوه اجتماع البدعة مع المعصية:
قال الشيخ الجيزاني في "قواعد معرفة البدع" (ص/٢٨): (وجوه اجتماع البدعة مع المعصية:
١ - أن كلاً منهما منهي عنه (١)، مذموم شرعًا، وأن الإثم يلحق فاعله، ومن هذا الوجه فإن البدع تدخل تحت جملة المعاصي. وبهذا النظر فإن كل بدعة معصية، وليس كل معصية بدعة (٢).
٢ - أن كلاً منهما متفاوت، ليس على درجة واحدة؛ إذ المعاصي تنقسم - باتفاق العلماء - إلى ما يكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر، وكذلك البدع؛ فإنها تنقسم إلى ما يُكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر (٣).
٣ - أنهما مؤذنان باندراس الشريعة وذهاب السنة؛ فكلما كثرت المعاصي والبدع وانتشرت كلما ضعفت السنن، وكلما قويت السنن وانتشرت كلما ضعفت المعاصي والبدع، فالبدعة والمعصية - بهذا النظر - مقترنان في العصف بالهدى وإطفاء نور الحق، وهما يسيران نحو ذلك في خطين متوازيين. يوضح هذا:
٤ - أن كلاً منهما مناقض لمقاصد الشريعة، عائد على الدين بالهدم والبطلان.
ثانيا - وجوه الافتراق بين البدعة والمعصية (٤):
١ - تنفرد المعصية بأن مستند النهي عنها - غالبًا - هو الأدلة الخاصة، من نصوص الوحي أو الإجماع أو القياس، بخلاف البدعة؛ فإن مستند النهي عنها - غالبًا - هو
стр. 109
الأدلة العامة، ومقاصد الشريعة، وعموم قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة ".
٢ - وتنفرد البدعة بكونها مضاهية للمشروع؛ إذ هي تضاف إلى الدين، وتلحق به، بخلاف المعصية فإنها مخالفة للمشروع، إذ هي خارجة عن الدين، غير منسوبة إليه، اللهم إلا أن فُعلت هذه المعصية على وجه التقرب، فيجتمع فيها - من وجهين مختلفين - أنها معصية وبدعة في آن واحد.
٣ - وتنفرد البدعة بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع؛ إذ حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، ورمي للشرع بالنقص والاستدراك، وأنها لم تكتمل بعد، بخلاف سائر المعاصي؛ فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها، بل صاحب المعصية متنصل منها، مقر بمخالفته لحكمها.
٤ - وتنفرد المعصية بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة حدود الله بالانتهاك؛ إذ حاصلها عدم توقير الله في النفوس بترك الانقياد لشرعه ودينه، وكما قيل: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت)، بخلاف البدعة؛ فإن صاحبها يرى أنه موقر لله، معظم لشرعه ودينه، ويعتقد أنه قريب من ربه، وأنه ممتثل لأمره، ولهذا كان السلف يقبلون رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولم يكن ممن يستحل الكذب، بخلاف من يقترف المعاصي فإنه فاسق، ساقط العدالة، مردود الرواية باتفاق.
٥ - ولأجل ذلك أيضًا فإن المعصية تنفرد بأن صاحبها قد يُحدِّث نفسه بالتوبة والرجوع، بخلاف المبتدع؛ فإنه لا يزداد إلا إصرارًا على بدعته لكونه يرى عمله قربة، خاصة أرباب البدع الكبرى كما قال تعالى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا) وقد
قال سفيان الثوري: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية (١)؛ لأن المعصية يتاب منها والبدع لا يتاب منها).
стр. 110
وقد وضح تقي الدين معنى كون البدعة لا يتاب منها فقال في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٩): (ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه. أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله. فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب. ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال ... ).
٦ - ولذلك فإن جنس البدعة أعظم من جنس المعصية، ذلك أن فتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، وهذا كله إنما يطرد ويستقيم إذا لم يقترن بأحدهما قرائن وأحوال تنقله عن رتبته.
ومن الأمثلة على هذه القرائن والأحوال: أن المخالفة - معصية كانت أو بدعة - تعظم رتبتها إذا اقترن بها المداومة والإصرار عليها أو الاستخفاف بها أو استحلالها أو المجاهرة بها أو الدعوة إليها ويقل خطرها إذا اقترن بها التستر والاستخفاء أو عدم الإصرار عليها أو الندم والرجوع عنها.
ومن الأمثلة على هذه القرائن أيضًا: أن المخالفة في ذاتها تعظم رتبتها بعظم المفسدة، فما كانت مفسدته ترجع إلى كلي في الدين فهو أعظم مما كانت مفسدته ترجع إلى جزئي فيه، وكذلك: ما كانت مفسدته متعلقة بالدين فإنه أعظم مما كانت مفسدته متعلقة بالنفس.
والحاصل أن الموازنة بين البدع والمعاصي لا بد فيها من مراعاة الحال والمقام، واعتبار المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآلات الأمور؛ فإن التنبيه على خطورة البدع والمبالغة في تعظيم شأنها ينبغي ألا يفضي - في الحال أو المآل - إلى الاستخفاف بالمعاصي والتحقير من شأنها، كما ينبغي أيضًا ألا يفضي التنبيه على خطورة المعاصي
стр. 111
والمبالغة في تعظيم شأنها - في الحال أو المآل - إلى الاستخفاف بالبدع والتحقير من شأنها.
٧ - أن البدع ضلالة، وأن المبتدع ضال ومضل، بخلاف سائر المعاصي، فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة إلا أن تكون بدعة، وكذلك الخطأ الواقع في المشروعات ـ وهو المعفو عنه ـ لا يسمى ضلالا، ولا يطلق على المخطئ اسم ضال، كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصي اسم الضال.
٨ - ما تؤول إليه البدعة من مفاسد حالية ومآلية في الدنيا والآخرة، وذلك باعتقاد المشروعية أو الجواز فيما ليس له أصل، وما يترتب على هذا الاعتقاد من شيوع وانتشار، حتى ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير بخلاف المعصية أو المخالفة.
المبحث الثاني: العلاقة بين البدع والمصالح المرسلة:
تمهيد - معنى المصلحة المرسلة:
قال الشنقيطي ﵀ في "المذكرة" (ص:٢٠١): (الوصف من حيث هو إما أن يكون في إناطة الحكم به مصلحة أو لا، فان لم تكن في إناطة الحكم به مصلحة فهو الوصف الطردي كالطول والقصر بالنسبة إلى جميع الأحكام وكالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق، والطردي لا يعلل به حكم، وان كان في إناطة الحكم به مصلحة فهو المسمى بالوصف المناسب وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة كالإسكار فانه وصف مناسب لتحريم الخمر لتضمنه مصلحة حفظ العقل. وقد نص الشرع على اعتبار هذه المصلحة فحرم
الخمر لأجلها. وهذا هو المؤثر والملائم.
الثاني: أن يلغي الشرع تلك المصلحة ولا ينظر إليها كما لو ظاهر الملك من امرأته، فالمصلحة في تكفيره بالصوم لأنه هو الذي يردعه لخفة العتق ونحوه عليه لكن الشرع ألغى هذه المصلحة، وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف المكفر بكونه فقيراً أو ملكاً وهذا الوصف يسمى الغريب عند جماعة أهل الأصول.
стр. 112
الثالث: أن لا يشهد الشرع لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص، ولا لإلغائها بدليل خاص (١)، وهذا بعينه هو الاستصلاح، ويسمى المرسل، والمصلحة المرسلة، والمصالح
المرسلة، وسمي مصلحة لاشتماله على المصلحة وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتباره ولا على إلغائها.
واعلم أن المصالح من حيث هي ثلاث أقسام:
الأول: مصلحة درء المفاسد، وهي المعرفة بالضروريات وهي ستة لأن درء المفسدة إما عن الدين، أو النفس، أو العقل، أو النسب، أو المال، أو العرض، ومن فروع درء المفاسد نصب الأئمة ووجوب قتل المرتد، وعقوبة المضل صيانة للدين، وتحريم القتل ووجوب القصاص فيه صيانة للأنفس، وتحريم الخمر ووجوب الجلد فيها صيانة للعقول، وتحريم الزنا ووجوب الحد فيه صيانة للنسب، وتحريم السرقة ووجوب القطع فيها صيانة للمال، وتحريم القذف ووجوب الحد فيه صيانة للأغراض.
الثاني: التحسينات: وتسمى التتميمات وهي الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ومن فروعها خصال الفطرة كإعفاء اللحى وقص الشارب، ومنها تحري المستقذرات ووجوب الإنفاق على الأقارب الفقراء كالآباء والأبناء ...
стр. 113
والحق أن أهل المذاهب كلهم يعملون بالمصلحة المرسلة وإن قرروا في أصولهم أنها غير حجة كما أوضحه القرافي في التنقيح ... ).
وعرف البوطي في رسالته "ضوابط المصلحة" (ص/٣٣٠) المصالح المرسلة بقوله: (كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع دون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء).
شروط اعتبار المصالح المرسلة (١):
١ - لا تصادم نصا من الكتاب، أو السنة، ولا إجماعا، وإلا كانت مصلحة ملغاة؛ لأن معنى إرسالها أن الشارع لم يلغها ولم يعتبرها.
٢ - لا تعارض القياس، فبين مطلق المصلحة والقياس أوجه اتفاق، وأوجه افتراق، إذ القياس إنما هو مراعاة مصلحة في فرع بناء على مساواته في علة حكمه المنصوص عليها ففي القياس مراعاة لمطلق المصلحة بعلة اعتبرها الشارع ... فكل قياس مراعاة للمصلحة وليس كل مراعاة للمصلحة قياسا، إذ تنفرد المصلحة بأن أحد أقسامها وهي المصلحة المرسلة، هي المصالح التي يراها المجتهد مما لا شاهد يؤيده من أصل يقاس عليه ولا دليل يلغيه من الوحي، وإن كانت مستندة إلى دليل ما اعتبره الشارع، غير أنه دليل لا يتناول أعيان هذه المصلحة بخصوصها، وإنما يتناوب الجنس البعيد لها، كجنس حفظ العقل والنسب والروح.
وإنما يقال ذلك في دليل المصلحة المرسلة؛ لأن هذا هو حالها حقيقة ولأن تجريدها من الدليل الشرعي الذي تستند عليه من قبيل التشهي النفسي والهوى.
لكن دليل المصلحة أقل من دليل القياس إذ دليل المصلحة يتناول الجنس البعيد للمصلحة وتنضوي ضمن مقاصد الشريعة وكلياتها العامة، أما دليل القياس فإنه يتناول عين الوصف المناسب، ويدل عليه صراحة كما في الوصف المؤثر، أو بواسطة جريان الشارع على وفقه كما في الوصف الملائم.
ومن أجل هذا الاختلاف في مرتبة كل من القياس والمصالح المرسلة وجب تقديم القياس على المصالح المرسلة، وعدم اعتبارها إذا تعارضت مع القياس، مع ملاحظة أنه
стр. 114
لا يوجد تعارض حقيقي بين ذات كل من المصالح المرسلة والقياس، وإنما يوجد تعارض في نظر المجتهد، كما تخيله وبدا لرأيه من كون هذا الأمر مصلحة مرسلة أو قياس، إذ لا يطلق على أي منهما كونه مصلحة مرسلة أو قياسا في حقيقة الأمر إلا إذا سَلِمَ كل منهما من عوارض الإبطال والإلغاء.
والحاصل أن المصلحة المرسلة لا عبرة بها إذا عارضها قياس صحيح.
٣ - أن تكون فيما يعقل معناه من الوسائل والعادات والمعاملات ونحو ذلك ولا تكون في المواضع التي يتعين فيها التوقيف، كأسماء الله وصفاته، والبعث والجزاء، والعبادات المحضة، والمقدرات كالمواريث وأنصبة الزكاة، فإن المصلحة المرسلة لا يمكن أن يستدل بها على ثبوت عبادة أو زيادة فيها أو نقص شيء منها.
فحقيقة التعبديات المحضة ونحوها أنها لا يعقل معناها على التفصيل، وهذا هو السر في اعتبار المصالح المرسلة في العادات والمعاملات ونحوها دون العبادات المحضة ونحوها، بالإضافة إلى أن العبادات حق خاص للشارع، ولا يمكن معرفة حقه كما وكيفا وزمانا ومكانا وهيئة إلا من جهته، فيأتي به العبد على ما رسم له، ولهذا لم يكل شيئا من العبادات إلى آراء العباد فلم يبق إلا الوقوف عند ما حده، بينما تهتدي العقول البشرية في الجملة إلى معرفة حكم وعلل ومعاني العادات والمعاملات، ولذلك جاز دخول المصالح في هذا دون ذاك.
٤ - أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري فتكون من باب ما لا يتم الواجب إلا به، أو ترجع إلى رفع الحرج فتكون من باب التخفيف فمثلا جمع القرآن حفظ للشريعة بحفظ أصلها، وكتابته سد لباب الاختلاف فيه، وتضمين الصناع لحفظ الصنعة والمال، وجواز الحبس والضرب في التهم للاحتيال لحفظ المال وهكذا ...
٥ - أن تكون المصلحة حقيقية لا متوهمة، فالمصلحة المتوهمة لا ينظر إليها، ومثالها: ما يتوهمه بعض الناس من أن التسوية بين الرجل والمرأة في الإرث فيه مصلحة، وهي ترغيب الكفار في الإسلام، ومن ذلك: ما يتوهمه البعض من أن العمل بالقوانين الوضعية المستوردة فيه مصلحة وهي التسوية بين الناس في الحقوق والواجبات.
وهؤلاء وأولئك غفلوا عن أن خالق الناس أعلم بما يصلحهم وما يناسبهم، وأن ترغيب الكفار في الإسلام بترك فرض من فرائضه مفاسده أعظم مما يتوخى فيه من مصلحة، وما في القوانين الوضعية من المصالح يمكن تحصيلها من الشريعة على وجه أكمل.
стр. 115
٦ - أن تكون عامة؛ لأنها إن لم تكن عامة كانت خاصة، والأحكام في الشريعة لا توضع لفرد ولا لبعض وإنما هي للناس كافة بغير تفرقة.
٧ - ألا يترتب على الأخذ بها تفويت مصلحة أخرى أهم منها، أو مساوية لها إذا لم يمكن الجمع بين المصلحتين.
٨ - أن يكون حصول المصلحة بالحكم مقطوعًا به أو غالبًا على الظن، أما المصالح التي يكون تحصيلها بالحكم الظني فلا يعمل بها.
وجوه اجتماع المصالح المرسلة مع البدعة (١):
قال الشيخ الغامدي في "حقيقة البدعة" (٢/ ١٨٦): (فأما نقاط الاتفاق فهي:
١ - أن كلا من البدعة والمصلحة المرسلة من الأمور الحادثة.
٢ - أن كلا من البدعة وما ثبت بالمصلحة المرسلة لا دليل على اعتبارها من جهة الشرع، وأقصد بالدليل: "الدليل الخاص"، أما الأدلة العامة فإن المصالح المرسلة تدخل فيها بخلاف البدع فإنها مضادة للأدلة العامة الخاصة.
٣ - تجتمع المصلحة المرسلة والبدعة - غير المنهي عنها بخصوصها (٢) - في وصف واحد - يبدو لبادي الرأي ويتعلق به محسن البدع - وهو: أن كلا منهما مسكوت عنه بخصوصه من جهة الشرع ...
وجوه الافتراق بين المصالح المرسلة والبدعة (٣):
١ - تنفرد البدعة في أنها لا تكون إلا في الأمور التعبدية، وما يلتحق بها من أمور الدين بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية.
٢ - وتنفرد البدعة بكونها مقصودة بالقصد الأول لدى أصحابها؛ فهم - في الغالب - يتقربون إلى الله بفعلها، ولا يحيدون عنها، فيبعد جدًا - عند أرباب البدع - إهدار العمل بها؛ إذ يرون بدعتهم راجحة على كل ما يعارضها، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها
стр. 116
مقصودة بالقصد الثاني دون الأول، فهي تدخل تحت باب الوسائل؛ لأنها إنما شرعت لأجل التوسل بها إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة، ويدل على ذلك أن هذه المصلحة يسقط اعتبارها، والالتفات إليها شرعًا متى عورضت بمفسدة أربى منها، وحينئذٍ فمن غير الممكن إحداث البدع من جهة المصالح المرسلة.
٣ - تعود المصالح المرسلة عند ثبوتها إلى حفظ منفعة وجلب مصلحة، أو درء مفسدة
ورفع حرج، فتكون من الوسائل (١) لا من المقاصد وهي وسائل تعود إلى تحقيق مقاصد الشرع، أما البدعة فإنها - وإن تخيل فاعلها المنفعة فيها - فإنها تعود على دين معتقدها وفاعلها بالمفاسد العظيمة والمخاطر الجسيمة، ثم إنها في عامة أحوالها تناقض مقاصد الشرع الحنيف.
٤ - وتنفرد البدعة بكونها مناقضة لمقاصد الشريعة، هادمة لها، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها - لكي تعتبر شرعًا - لا بد أن تندرج تحت مقاصد الشريعة، وأن تكون خادمة لها، وغير معارضة لنص في خصوص، أو عموم، أو في منطوق، أو مفهوم قطعي، أو ظني جلي، أو غير جلي بحيث تكون ملائمة لمقاصد وكليات الشريعة، وإلا لم تعتبر.
٥ - سبق بيان أن الوصف الذي يتعلق به الحكم له ثلاثة أحوال:
الأول - أن يشهد الشرع بقبوله، والثاني أن يشهد الشرع برده، والثالث ما سكتت عنه الشواهد الخاصة ولم تشهد له باعتبار ولا بإلغاء، فإن كان ملائما لتصرفات الشرع أو يوجد له معنى من جنسه اعتبره الشارع في الجملة بغير دليل معين ولم يناقض أصلا أو دليلا أو قياسا صحيحا فهو ما يسمى بالمصالح المرسلة.
وأما البدعة فلا تخرج عن القسم الثاني، وهو ما شهد الشرع بطلانه والذي اتفقت الأمة على إهماله ورده وعدم إعماله.
٦ - وتنفرد المصلحة المرسلة بأن عدم وقوعها في عصر النبوة إنما كان لأجل انتفاء المقتضي لفعلها، أو أن المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه، بخلاف البدعة فإن عدم وقوعها في عهد النبوة كان مع قيام المقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، وانتفاء المانع.
стр. 117
والحاصل: أن المصالح المرسلة إذا روعيت شروطها كانت مضادة للبدع، مباينة لها، وامتنع جريان الابتداع من جهة المصلحة المرسلة؛ لأنها - والحالة كذلك - يسقط اعتبارها ولا تسمى إذ ذاك مصلحة مرسلة، بل تسمى إما مصلحة ملغاة أو مفسدة.
الباب الرابع
الرد على محسني البدع
المبحث الأول - مثبتو البدعة الحسنة:
نسب من يقول بالبدع الحسنة قولهم لـ:
١ - الإمام الشافعي:
стр. 118
نسب من يقول بالبدع الحسنة قولهم للإمام الشافعي، وقد استدلوا على ذلك بقوله:" البدعة بدعتان بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي " (١).
وبقوله: " المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة. والثانية: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر ﵁ في قيام شهر رمضان: «نعمت البدعة هذه» يعني أنها محدثة لم تكن، وإن كانت فليس فيها رد لما مضى (٢).
وجه الاستدلال:
قال المبتدع: هذا تقسيم إمام معترف بفضله وعلمه وعدالته، وهذا التقسيم صريح في أن من البدع ما هو حسن مقبول في الشرع، وما هو قبيح مردود.
والجواب على هذا الاستدلال من عدة أوجه (٣):
الوجه الأول:
أن قول الشافعي ﵀ عن البدعة المذمومة هي ما خالف السنة. وقوله عن
المحدث المذموم، بأنه ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، منطبق على سائر البدع في دين الله، فليس هناك بدعة إلا وهي مخالفة للكتاب والسنة والآثار والإجماع، وإلا لما كانت بدعة؛ لأنه لو ثبت لها أصل من هذه الأصول لأصبحت عملاً مشروعاً في دين الله.
وهذا ما يتفق عليه علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وما يدل عليه قوله ﷺ : "ما صنع أمر على غير أمرنا فهو رد ".
وعلى هذا الوجه لا حجة في كلام الشافعي لمحسن البدع، بل الحجة عليه في كلام هذا الإمام.
стр. 119
الوجه الثاني:
قول الشافعي ﵀ أن ما وافق السنة فهو محمود، وقوله: ما أحدث لا خلاف فيه لواحد من هذا يعني الكتاب والسنة والأثر والإجماع فهذه محدثة غير مذمومة، قول فيه إجمال، يحتاج إلى بيان: فإن كان مراده بالبدعة والمحدثة معناهما اللغوي فهذا المعنى مقبول ووارد، وسياق الكلام يدل على أن هذا هو مراد الشافعي ﵀، حيث وصف البدعة المذمومة شرعاً، وبين معالمها، ووضح مسالكها، توضيحاً استغرق سائر أنواع البدع، ثم عطف بذكر البدع المحمودة، مستدلاً عليها بحديث عمر ﵁ ومعنى كلام عمر يتوجه إلى الاستعمال اللغوي للبدعة. وعلى هذا التوجيه نفسه يمكن حمل كلام الشافعي في قوله هذا.
قال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (٢/ ١٣١): (ومراد الشافعي ﵀: أن البدعة المذمومة ما ليس لها أصل من الشريعة يرجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل من السنة يرجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعا، لموافقتها السنة).
الوجه الثالث:
وقد يكون مراده ﵀ الحوادث التي استجدت وليس عليها بأعيانها أدلة من الكتاب أو السنة أو الآثار أو الإجماع، ولكنها تدخل تحت أصل من الدين، وتنضوي تحت قاعدة من قواعده، وهي ليست من العبادات المحضة.
فهذه الحوادث إذا كانت بهذه الصفة فهي محمودة من جهة الشرع، ولا تسمى بدعاً في الدين، وإن كانت تسمى بدعاً من جهة اللغة. وفي هذا الوجه تدخل المصالح المرسلة، بناء على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع وهذا محمل آخر يمكن توجيه قول الشافعي إليه.
الوجه الرابع:
من الإنصاف ألا يحمل كلام هذا الإمام أكثر مما يحمل، وألا ينظر إلى كلامه هذا معزولاً عن بقية مقولاته، لا سيما إذا كان في بعض كلامه إجمال، وفي بعضه الآخر تفصيل، فإنه يجب حمل المجمل على المفصل، ومن كلامه عن الاستحسان: ( ... وهذا يبين أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر ... ).
وقال: (وإنما الاستحسان تلذذ).
стр. 120
وقال: (لم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها .. ).
فهل يمكن بعد كل هذا أن يقال بأن الشافعي يستحسن البدع، ويمدحها ويثني عليها، ويجيز التقرب بها إلى الله؟.
الوجه الخامس:
لو افترض جدلاً أن الشافعي أراد بقوله في تعريف البدعة ما ذهب إليه المبتدع، فإنه لا يجوز أن يعارض كلام النبي ﷺ بكلامه، فكلام النبي ﷺ حجة على كل احد , وليس كلام أحد من الناس حجة على كلام النبي ﷺ . قال عبد الله بن عباس ﵁: ليس أحد إلا ويؤخذ من رأيه ويترك , ما خلا النبي ﷺ .
وقد تبرأ الشافعي نفسه مما يكون خلاف سنة النبي ﷺ من كلامه حيث قال ﵀ فيما يرويه عنه الربيع بن سليمان: (إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا به ودعوا ما قلته).
٢ - العز بن عبد السلام:
قال في "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" (٢/ ٢٠٤): (البدعة فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله ﷺ . وهي منقسمة إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة، والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة: فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة ... ) ثم أخذ يسوق أمثلة على كل قسم.
قال الشيخ الغامدي في "حقيقة البدعة" (١/ ٤٣٨): (وهذا التعريف والتقسيم نقله واعتمد عليه كثير من الذين جاءوا بعد العز بن عبد السلام منهم: القرافي في الفروق حيث بسط الكلام في هذه المسألة، شارحاً لرأي شيخه العز، وتبع القوافي صاحب تهذيب الفروق وفعل مثلهما النووي في: تهذيب الأسماء واللغات والزركشي في: المنثور وابن حجر الهيتمي في: الفتاوى الحديثية والسيوطي في: الحاوي، وفي الأمر بالإتباع والسخاوي في: فتح المغيث ومحمد بن جزي المالكي في: قوانين الأحكام الشرعية، وغيرهم من القدماء والمحدثين، مما يدل على اعتمادهم على التعريف والتقسيم الذي قاله العز بن عبد السلام).
стр. 121
الجواب عن كلامه من وجوه (١):
أولا - أنه لا يجوز أن يعارض كلام رسول الله ﷺ – بكلام أحد من الناس كائناً من كان، وقد سبق بيان وجه العموم في ذم البدع، ولا يصلح كلام العز ولا غيره من العلماء للتخصيص.
ثانيا - كما أن هذا التقسيم للبدع لا يحسن لأمور:
١ - قال الشاطبي في "الاعتصام" (١/ ٢٤٦): (إن هذا التقسيم أمر مخترع، لا يدل عليه دليلْ شرعي، بل هو في نفسه متدافع، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب، أو ندب، أو إباحة، لما كان ثمَّ بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها، أو المخيَّر فيها، فالجمع بين كون تلك الأشياء بدعاً، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها، أو ندبها، أو إباحتها، جمع بين متنافيين.
أما المكروه (٢) منها والمحرم، فمسلم من جهة كونها بدعا لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته، لم يثبت بذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية، كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها، فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم ألبتة، إلا الكراهية والتحريم).
٢ - الإثم قدر مشترك بين البدع كلها، فلا يجوز أن نحكم على بدعة بأنها أقل إثماً من غيرها، والتفريق في الوصف قائم على الرأي المحض وهو بدعة في نفسه، ويعمل على استصغار البدع.
٣ - من خلال أمثلة العز بن عبد السلام ﵀ لما أسماه بالبدع الواجبة والمندوبة والمباحة، نجد أن أكثرها مشروع أو مباح من قبل الشرع، فلا يطلق عليه بدعة من ناحية شرعية إذ البدعة الشرعية كلها مذمومة لقوله ﷺ : كل بدعة ضلالة " أما ما قام دليل على وجوبه، أو استحبابه، أو إباحته فليس من هذا الباب، ولا يصح إدخاله في مسمى البدعة، إلا من ناحية لفظية وهذه الناحية لا خلاف فيها، لأن كل جديد بدعة من حيث اللغة، ولكن محل الكلام هنا هو في البدعة الشرعية التي حذر منها الشارع ونهى عنها، وذمها السلف.
стр. 122
والخلط بين البدعة اللغوية والشرعية قد يؤدي إلى ضرر ولبس، فيظن أن ما ليس ببدعة بدعة والعكس.
ولا يتميز حكم الشرع مع التباس التسميات، ولهذا فإن السلف وهم يفتون في المسائل الحادثة بإيجاب أو استحباب أو إباحة، ما كانوا يقولون هذه بدعة، ولكنها واجبة أو مستحبة أو مباحة، لاستقرار مصطلح البدعة الشرعية عندهم، وثبات حكمها المتراوح بين التحريم والكراهية.
وكذلك في فتواهم في الأمور الحادثة، مما يعد معصية شرعية تكون بالتحريم أو الكراهية، مع تفريقهم بين ما هو معصية وما هو بدعة.
٤ - يظهر من خلال أمثلة العز بن عبد السلام أنه أدخ المصالح المرسلة في مسمى البدع، بناء على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع.
فلكونها داخلة تحت قواعد الشرع، حكم عليها بالوجوب أو الندب أو الإباحة، ولكونها حادثة غير معهودة في عصر الرسول ﷺ سماها بدعاً، فيكون بذلك من القائلين بالمصالح المرسلة، وهي ليست بدعاً إلا في اللفظ.
فيكون الاحتجاج بقوله وتقسيمه على حسن البدع من الناحية الشرعية احتجاجاً في غير محل النزاع.
ويدل لذلك الأمثلة التي ضربها لتلك الأقسام، فقسم الواجب في قول ابن عبد السلام يدخل في باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب وقد صرح هو بذلك، ولقد علمت أن هذا الباب يؤدي إلى حفظ ما هو ضروري شرعاَ، وأنه والبدع لا يستويان، وقد مثل له بالاشتغال بالنحو، الذي يفهم به كلام الله ورسوله ﷺ –، فهل الاشتغال بالنحو بدعة شرعية؟ أم هو من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به، على أنه يمكن أن يقال في النحو: إنه بدعة من حيث اللغة، ولكن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالتعريفات الشرعية، لا التعريفات اللغوية.
وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال، فبناء القناطر والمدارس وسائل لدفع ضرر أو جلب منفعة عامة للأمة، فالربط تدفع كيد الأعداء وترهبهم، والقناطر تسهل حركة الناس وتنقلاتهم وتحفظ أرواحهم، والمدارس تحقق فريضة طلب العلم، أما صلاة التراويح فسنة فعلها رسول الله ﷺ – وسوف يأتي الكلام عليها قريبا بإذن الله.
стр. 123
وأما قسم المباح، فمثَّل له بالتوسع في المستلذات، وليس هذا ببدعة في الشرع، بل إن وصل إلى درجة الإسراف، فهو من المحرمات، الداخلة تحت جنس المعاصي لا البدع، وثمّ فرق بين المعاصي والبدع كما سبق. وقد ناقش الشاطبي في "الاعتصام" هذه الأمثلة مناقشة مطولة.
٥ - أن المعروف عن العز بن عبد السلام- ﵀ أنه كان مشهوراً بمحاربة البدع، والنهي عنها، والتحذير منها، وقد كان ينهى عن أشياء هي مما يسميه أهل البدع بدعة حسنة. وقد قال شهاب الدين أبو شامة - أحد تلامذة العز بن عبدالسلام-: (وكان أحق الناس بالخطابة والإمامة، وأزال كثيراً من البدع، التي كان الخطباء يفعلونها، من دق السيف على المنبر، وغير ذلك، وأبطل صلاتي الرغائب ونصف شعبان، ومنع منهما).
وقال في كتابه «الفتاوى» (ص/٣٩٢): «ولا يستحب رفع اليد في القنوت كما لا ترفع في دعاء الفاتحة، ولا في الدعاء بين السجدتين، ولم يصح في ذلك حديث، وكذلك لا ترفع اليدان في دعاء التشهد؛ ولا يستحب رفع اليدين في الدعاء إلا في المواطن التي رفع فيها رسول الله ﷺ – يديه، ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدعاء إلا جاهل، ولم تصح الصلاة على رسول الله ﷺ – في القنوت، ولا ينبغي أن يزاد على صلاة رسول الله في القنوت بشيء ولا ينقص» وقال في «الترغيب عن صلاة الرغائب الموضوعة» (ص٧ - ٨): «فإن الشريعة لم ترِد بالتقرب إلى الله تعالى بسجدةٍ منفردةٍ لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب، وشرائط، وأوقات، وأركان، لا تصح بدونها.
فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسكٍ واقعٍ في وقته بأسبابه وشرائطه؛ فكذلك لا يتقرب إليه بسجدةٍ منفردةٍ، وإن كانت قربة، إذا لم يكن لها سبب صحيح.
وكذلك لا يتقرب إلى الله بالصلاة والصيام في كل وقتٍ وأوانٍ، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه، من حيث لا يشعرون» ...
٣ - ابن الجوزي:
قال: (فان ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا حفظا للأصل وهو الإتباع)
وكلامه هذا لا يفهم منه بوجه من الوجوه قوله بالبدع المحدثة، وقبل توجيه كلامه سوف أنقله كاملا:
стр. 124
قال في "تلبيس إبليس" (ص/١٧): (والبدعة: عبارة عن فعل لم يكن فابتدع والأغلب في المبتدعات أنها تصادم الشريعة بالمخالفة وتوجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان فان ابتدع شيء لا يخالف الشريعة ولا يوجب التعاطي عليها فقد كان جمهور السلف يكرهونه وكانوا ينفرون من كل مبتدع وإن كان جائزا حفظا للأصل وهو الإتباع وقد قال زيد بن ثابت لأبي بكر وعمر ﵄ حين قالا له اجمع القرآن كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ، وأخبرنا محمد بن علي بن أبي عمر قال أخبرنا علي بن الحسين نا ابن شاذان نا أبو سهل نا أحمد البرني ثنا أبو حذيفة ثنا سفيان عن ابن عجلان عن عبد الله بن أبي سلمة أن سعد بن مالك سمع رجلا يقول لبيك ذا المعارج فقال ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله ﷺ وأخبرنا محمد بن أبي القاسم بإسناد يرفعه إلى أبي البحتري قال أخبر رجل عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا واحمدوا الله كذا وكذا قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء وكان رجلا حديدا فقال أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما ولقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما فقال عمرو بن عتبة أستغفر الله فقال عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا ...
ثم قال: قد بينا أن القوم كانوا يتحذرون من كل بدعة وإن لم يكن بها بأس لئلا يحدثوا ما لم يكن وقد جرت محدثات لا تصادم الشريعة ولا يتعاطى عليها فلم يروا بفعلها بأسا كما روى أن الناس كانوا يصلون في رمضان وحدانا وكان الرجل يصلي فيصلي بصلاته الجماعة فجمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب ﵄ فلما خرج فرآهم قال نعمت البدعة هذه لأن صلاة الجماعة مشروعة وإنما قال الحسن في القصص نعمت البدعة كم من أخ يستفاد ودعوة مستجابة لأن الوعظ مشروع ومتى أسند المحدث إلى أصل مشروع لم يذم فأما إذا كانت البدعة كالمتمم فقد اعتقد نقص الشريعة وإن كانت مضادة فهي أعظم فقد بان بما ذكرنا أن أهل السنة هم المتبعون وأن أهل البدعة هم المظهرون شيئا لم يكن قبل ولا مستند له ولهذا استتروا ببدعتهم ولم يكتم أهل السنة مذهبهم فكلمتهم ظاهرة ومذهبهم مشهور والعاقبة لهم ... ).
الجواب عن ذلك:
стр. 125
وقد سقت كلامه كاملا ليتبين مراده وأنه يحذر من البدع التي تتهم الشريعة بالنقصان، وأنه لا يقصد إثبات الابتداع المذموم بل كلامه يدور حول المصالح الملحقة بالشرع بالاستحسان بشروطه سالفة الذكر، أو يقصد البدع اللغوية والتي لها أصل في الشريعة، وهذا واضح من الأمثلة التي ذكرها كصلاة التراويح والقصص كما أن ظاهر كلامه البعد عن اعتبار هذه المحدثات وإن كانت غير مخالفة للشريعة وجائزة حفظا للأصل وهو الإتباع.
وليت من ينسبون له قولهم أن يسيروا على نهجه ويَحذرون مما حذر.
٤ - ابن حزم:
قال ابن حزم في "الإحكام" (١/ ٤٧): (البدعة كل ما قيل أو فعل مما ليس له أصل فيما نسب إليه ﷺ وهو في الدين كل ما لم يأت في القرآن ولا عن رسول الله ﷺ إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه ويغدر بما قصد إليه من الخير ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسنا وهو ما كان أصله الإباحة كما روي عن عمر ﵁ نعمت البدعة هذه وهو ما كان فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص ومنها ما يكون مذموما ولا يعذر صاحبه وهو ما قامت به الحجة على فساده فتمادى عليه القائل به).
وكلامه لا يخرج عما سبق، وبنحو ما سبق نسبوا قولهم لجماعة من العلماء منهم: الغزالي، وابن العربي، وابن الأثير، وأبي شامة، والنووي، والعيني، والكرماني، والزرقاني.
ولا داعي للتطويل بذكر كلامهم فهو يدور في الجملة حول نفس الكلام السابق.
المبحث الثاني - أدلتهم لإثبات البدعة الحسنة (١):
تمهيد:
قال الغماري في "إتقان الصنعة" (ص/١٣): (العلماء متفقون على أن قول النبي ﷺ : "كل بدعة ضلالة" عام مخصوص. ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا الشاطبي
стр. 126
صاحب الاعتصام، فإنه أنكر هذا الانقسام، وزعم أن كل بدعة مذمومة، لكنه اعترف بأن من البدع ما هو مطلوب وجوبا أو ندبا، وجعله من قبيل المصلحة المرسلة، فخلافه لفظي يرجع إلى التسمية. أي أن البدعة المطلوبة، لا تسمى بدعة حسنة، بل تسمى مصلحة).
ذكر الغماري عبارته هذه بعد أن ساق أقوالا لبعض العلماء بأن البدعة منها ما هو محمود، ومنها ما هو مذموم، وقد سبق بيان أنه لا يصح تعلقه بهذه الأقوال لتحذير أصحابها مما يعدوه هم من البدع الحسنة، وأن مقصودهم لا يخالف مقصود الإمام الشاطبي من قصد البدع اللغوية، أو المصالح المرسلة.
وأما قوله: (العلماء متفقون على أن قول النبي ﷺ : "كل بدعة ضلالة" عام مخصوص، ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا الشاطبي) فالجواب عن ذلك أن دعواه الاتفاق نشأ عن قلة إطلاعه على أقوال العلماء، أضف إلى أن أقوال من نقل عنهم لا تساعده على مقصوده كما سبق توجيه كلامهم، وقد سبق نقل طائفة من أقوال الصحابة والتابعين في ذم مطلق البدع.
كما أنه نقل عن البعض مستشهدا بكلامه على صحة تقسيمه مع أن الواقع خلاف ما ذهب إليه فأقوالهم عكس مقصوده فتراه نقل عن الحافظ ابن رجب قوله: (المراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه، فليس ببدعة شرعا، وإن كان بدعة لغة) وهذا صريح في أنه لا يطلق على المحدثات مما له أصل في الشرع لفظ البدعية.
وكذا نقل عن ابن حجر قوله: (المحدثات بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع بدعة وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة سواء كان محمودا أو مذموما ... وأما قوله في حديث العرباض فإن كل بدعة ضلالة بعد قوله وإياكم ومحدثات الأمور فإنه يدل على أن المحدث يسمى بدعة وقوله كل بدعة ضلالة قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها أما منطوقها فكأن يقال حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة فلا تكون من الشرع لأن الشرع كله هدى فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان وأنتجتا المطلوب والمراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام ... ) وهو صريح في عكس مقصوده.
كل هذا يبين أن عدم صحة دعواه الإجماع، ولو عكسنا الأمر عليه لكان لقولنا وجه.
стр. 127
وأما تسويته بين البدع التي يقصدها هو وبين المصالح المرسلة وجعله الخلاف لفظي فخطأ بيّن وقد سبق بيان وجوه الافتراق بين البدع والمصالح المرسلة.
- وقد ساق هو وغيره بعض الأدلة التي يظنون أنها تؤيد قولهم بصحة التقسيم المذكور للبدع، وظنوا أنهم يخصصون أدلة الذم العامة للبدع بها، ومن هذه الأدلة ما يلي:
أولا –
- استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]
قال عيسى الحميري في "البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع" (ص/٣١): (وخلاصة القول في هذه الآية ما حكاه عبد الله بن صديق الغماري في كتابه (إتقان الصنعة): فقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ قد استنبط العلماء من هذه الآية مجموعة من الأحكام منها:
- إحداث النصارى لبدعة الرهبانية من عند أنفسهم.
- عدم اعتراض القرآن على هذا الإحداث، فليس في الآية – كما قال الرازي والألوسي ما يدل على ذم البدعة.
- لوم القرآن لهم بسبب عدم محافظتهم على هذه البدعة الحسنة: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ واللوم غير متجه للجميع، على تقدير أن فيهم من رعاها كما قال ابن زيد، وغير متوجه لمحدثي البدعة كما قال الضحاك، بل متوجه إلى خُلفهم كما قال عطاء، ثم قال: ومن خلال هذا التحقيق يتبين لنا خطأ ما ذهب إليه الإمام ابن كثير ﵀ حيث قال في تفسيره: وقوله تعالى: " إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ " أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذم لهم من وجهين:
أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.
والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله ... )
الجواب عن كلامه من وجوه:
الأول – أن محصل ما ذكره من ابتداعهم للرهبانية، وأن الله لم يذمهم على هذا الابتداع يدل على أن الحجة هنا في الإقرار وليس في الابتداع، وسوف يأتي نظيره من أفعال الصحابة ﵃.
وإنكاره على الحافظ ابن كثير أن يكون الإنكار من الله عزوجل على الابتداع يؤيد أن الحجة عنده في الإقرار وليس في الابتداع.
стр. 128
الثاني – فإن كان كذلك فقد انقطع السبيل عليه في الاحتجاج بهذه الآية على جواز البدع الحسنة؛ لأنه قد انقطع وحي التشريع بموت النبي ﷺ ؛ فإن الشرع لم يعد بحاجة إلى زيادة؛ لأن الله أتمه وأكمله، ولم يترك الرسول ﷺ شيئاً مما يقربنا من الجنة إلا وقد أمرنا به، ولم يدع أمراً يقربنا من النار إلا وقد نهانا عنه ﷺ .
الثالث – أن هذا ليس من شرعنا وقد وردت عدة أحاديث من طريق ضعيفة تدل على أنه لا رهبانية في الإسلام، وأن رهبانيتنا في الجهاد، ويشهد لهذا المعنى إنكار النبي على عثمان بن مظعون الاختصاء، وعلى الثلاثة الذين تقالوا عبادته ﷺ .
ثم أردف معترضا على الوجه الثالث فقال:
(نقل ابن العربي أن معنى الرهبانية في الآية يدل على ثلاثة معان:
١ - رفض النساء.
٢ - اتخاذ الصوامع للعزلة.
٣ - سياحتهم في الأرض.
والمنسوخ في ديننا هو المعنى الأول، أما الثاني والثالث فمستحب عند فساد الزمان لما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن" وهذا الحديث يفيد الإقرار بالعمل بهذه الآية في المعنيين الأخيرين، ويكون منزلته هنا من القرآن البيان والتوضيح: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وانعقد الإجماع على أننا مكلفون بما علمنا من شريعتنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، وأمرنا في شريعتنا بمثله).
والجواب عن اعتراضه من وجوه:
الأول – أن هذا عند فساد الزمان في آخره ولم يأت ذلك بعد، فالاستدلال به في غير زمنه استدلال به في غير محله، فلا حجة له في تعميم القول به.
الثاني – قوله: (وانعقد الإجماع على أننا مكلفون بما علمنا من شريعتنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا، وأمرنا في شريعتنا بمثله) فهو مترتب على الوجه السابق فإن بطل كونه شرعا عاما في شرعنا فلا يكون من شرعنا بإطلاق، فبقي أنه من شرع من قبلنا، وقد نهينا عنه في شرعنا فظهر أنه ليس من شرعنا.
стр. 129
الثالث – أن تسمية ما جاء فيه الترخيص في آخر الزمان من البعد عن الفتن رهبانية مخالف لمقصود الشرع بل هو فرار بدينه. ويوضحه:
الرابع – أن الرهبانية تشمل المعاني الثلاث، وإقرار الله عزوجل لهم يشمل جميع معانيها فالاستدلال ببعض معانيها في شرعنا دون البعض تحكم بلا دليل، وكان الأولى أن يقول أن هذا ليس من شرعنا، وقد جاء في شرعنا النهي عن الرهبانية والتبتل والاختصاء فليس من شرعنا، وقد رخص الشارع عند فساد الزمان في البعد عن الفتن.
فظهر بهذا أنه لا حجة في الآية على القول بالبدع الحسنة، وأنها لا تصلح لتخصيص عموم أدلة الذم عن البدع.
ثانيا – حديث: (من أحدث ... ).
قال عيسى الحميري في "البدعة الحسنة" (ص/١٠٥) (١): (وأما حديث: "كل بدعة ضلالة" فهو عام مخصوص خصصه الحديث الصحيح: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" فلو كانت كل بدعة ضلالة بلا استثناء ولا تخصيص لقال النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا شيئاً فهو رد ولكنه ﷺ قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
فأفاد ﷺ بقوله هذا أن من أحدث في أمر الدين ما هو منه فليس برد، وهذا تقسيم صريح للبدعة إلى حسنة وسيئة.
وفي رواية للبغوي: "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد"، وفي رواية لمسلم: "من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد".
وأفاد هذا الحديث برواياته ما يلي:
أ- جواز إحداث البدعة الحسنة إذا كانت موافقة لأصل من أصول الدين.
ب- عدم جواز إحداث البدعة إذا كانت مخالفة لأصل الشرع، يؤخذ هذا من قوله ﷺ : "أمرنا"، و "ديننا"، فهو شامل لكل المحدثات سواء كانت من العبادات أو المعاملات أو غير ذلك، لأن كلمة "أمرنا" و "ديننا" كلمة عامة، فكل ما له أصل عام فهو مقبول يندرج تحت البدعة الحسنة، وكل ما ليس له أصل عام فهو مردود من البدع السيئة، وهذا نص الحديث ينطق بالحق.
стр. 130
ج- يؤخذ من الحديث جواز فعل وإحداث أمور لم تكن على عهد النبي ﷺ ، فلا يشترط في كل فعل أن يكون موجوداً في عهد السلف).
والجواب من وجوه:
الأول – إن قصد بالحدث الذي يُلحق بالدين والموافق لأصول الشريعة: المصالح المرسلة التي تكون في الوسائل بالشروط سالفة الذكر فنعم، وإن قصد الحدث التعبدي فهذا لا يكون موافقا أبدا لقواعد الدين لمنافاته لكمال الشريعة وتمام الدين وسوف يتجه النقض لهذا المعنى الثاني؛ لأنه مقصوده. ويوضحه:
الثاني – قوله: (قوله ﷺ : "أمرنا"، و "ديننا"، فهو شامل لكل المحدثات سواء كانت من العبادات أو المعاملات أو غير ذلك، لأن كلمة "أمرنا" و "ديننا" كلمة عامة، فكل ما له أصل عام فهو مقبول يندرج تحت البدعة الحسنة، وكل ما ليس له أصل عام فهو مردود من البدع السيئة، وهذا نص الحديث ينطق بالحق) صريح في أنه يرى شمول الحدث المذموم والمحمود للعادات والعبادات، وأنه يريد أن يحمل الحديث على ذلك، ويرده ما رواه أحمد، وأصله في مسلم وغيره عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإلي" وما سقته من أحاديث وآثار في قاعدة "الأصل في العبادات المنع والتوقيف" فكل هذا يؤيد أن الأصل في العبادات التوقف، وأن كل ما أحدث بقصد التعبد فهو مذموم، وإنما الحدث المحمود ما كان متعلقا بأمور الدنيا.
الثالث - أن هذا استدل منه بمحل النزاع فقد بنى كلامه على صحة تقسيمه للبدع لقسمين: محمودة، ومذمومة، وللمخالف أن يعارضه ويتمسك بعموم الذم لجميع المحدثات في الدين.
الرابع – أن المفهوم الذي خصص به عموم الحديث معطل؛ لأن قوله ﷺ : (ما ليس منه) جاء موافقا للواقع، وهذا من موانع اعتبار مفهوم المخالفة.
قال الشيخ الشنقيطي في "المذكرة" (ص/٢٨٩)، وهو يتكلم عن موانع اعتبار مفهوم المخالفة: (تخصيصه بالذكر لموافقة الواقع كقوله تعالى: ((لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ)) الآية. فإنها نزلت في قوم والوا اليهود من دون المؤمنون فجاءت الآية ناهية عن الحالة الواقعة من غير قصد التخصيص بها). ويوضحه:
الخامس – معنى الحديث لا يعارض حديث "كل بدعة ضلالة" بل يوافقه، فالمقصود بيان أن كل محدث ليس من الدين، والمفهوم الذي استدل به معطل، بقرينة ما ورد في
стр. 131
بعض طرق الحديث عند إسحاق بن راهويه: " من عمل بغير عملنا فهو رد "، وعند الدارقطني: "كل أمر لم يكن عليه أمرنا فهو رد".
ثالثا - حديث الصدقة:
- روى مسلم والنسائي وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : "من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
قال الحميري (ص/١٠٣): (معنى "سن سنة حسنة" أي اخترع طريقة أو أمراً في الدين موافقاً للشرع، ومعنى " من سن سنة سيئة" أي من اخترع أمراً في الدين مخالفاً للشرع. ولذلك عبر النبي ﷺ عما أحدثه الصحابة واخترعوه بأنه "سنة" فقال "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" فإحداث الصحابة أمراً ليس إلا صورة عما صدر عن النبي ﷺ ، وفي الحقيقة ما أحدثه الصحابة هو اختراع في الدين، ولكن لما كان موافقاً للشرع كان حسناً ...
فسنة الصحابة سنة قياسية، إذن هي سنة النبي ﷺ ، وكذلك من جاء بعد الصحابة من العلماء الربانيين سنتهم الموافقة للشرع سنة قياسية، وهي سنة النبي ﷺ ، وقد أخذوا الإذن من رسول الله ﷺ بقوله: " من سن سنة حسنة" وحصر اختراع السنة في السلف جمود ظاهر تأباه النصوص، فكل سنة قياسية هي سنة النبي ﷺ .
وقال الغماري "إتقان الصنعة" (ص/١٥): (سن سنة أو استنانها أي إنشاؤها باجتهاد واستنباط من قواعد الشرع أو عمومات نصوصه.
وهذا معنى ما أفادته الأحاديث المذكورة بعبارة: "من سن سنةً حسنة" أي من أنشأ سنة حسنة مستندا في ابتداع ذاتها إلى دلائل الشرع كان له أجرها. ومن سن سنة سيئة أي ابتدع سنة مخالفة للشرع، واستند في ابتداعها إلى ما لا تقره الشريعة، كان عليه إثمها ... )
الجواب من وجوه:
الأول – قال الشيخ الغامدي في " حقيقة البدعة" (ص/٣٩٤): (قوله ﷺ : ((من سن سنة حسنة)) الحديث - ليس المراد به الاختراع ألبتة، وإلا لزم من
стр. 132
ذلك التعارض بين الأدلة القطعية وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية، وذلك لوجهين:
(أحدهما): أن سبب قوله ﷺ : " من سن سنة حسنة " حادثة القوم الحفاة العراة الذين لما رآهم ﷺ خطب في الناس، وحث على الصدقة عليهم، فأبطأ الناس حتى كره ذلك رسول الله ﷺ ثم جاء رجل من الأنصار بصّرةٍ من مال فوضعها، ثم تتابع الناس فقال رسول الله ﷺ " من سن سنة حسنة .. " الحديث.
فدلت هذه القصة على السنة المقصودة في هذا الحديث وهي العمل بما ثبت كونه مشروعاً، والسنة التي سنّها الأنصاري ﵁ هي: مبادرته إلى الصدقة التي حضّ عليها رسول الله ﷺ ، ومن هذا السبب لورود الحديث، يتبين أن المراد به عمل ما هو مشروع، وليس إحداث ما ليس مشروعاً، ثم تسميته سنة حسنة كما فهم المبتدع (١).
٢ - أن قوله ﷺ : " من سن سنة حسنة " لا يمكن حمله على الاختراع والأحداث والابتداء عن غير أصل مشروع معتبر، لأن كون العمل حسناً أو سيئاً قبيحاً لا يُعرف إلا من جهة الشرع ...
نعم، يدرك العقل حسن الشيء وقبحه، فيما هو متعلق بالمدح والثواب والذم والعقاب، ولكنه لا يستلزم حكماً في فعل العبد، بل يجعل الفعل صالحاً لاستحقاق الأمر والنهي من الحكيم الذي لا يأمر بنقيض ما أدرك العقلُ حسنَه، ولكن إدراك العقل حسن الشيء، لا يلزم منه حكماً بالوجوب أو الاستحباب، بل الحكم من خطاب الشارع، فلو لم يرسل الله رسولاً، لم يكن هناك أمر ولا نهي ولا عقاب، ولا أدرك العقل مصلحةَ أو مفسدةَ الفعل، ومن هنا يقال: بأن حسن الشيء وقبحه وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، يأتي كل ذلك من قبل الشرع والعقل يدرك الحسن والقبح، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو وسط في هذا الباب، بين المعتزلة الذين يقولون بأن الحسن والقبح عقلي لا يتوقف معرفته
стр. 133
وأخذه عن الدليل السمعي، والأشاعرة الذين قالوا بأن العقل لا يدرك حسن الشيء ولا قبحه مطلقاً، وإنما الحسن ما حسّنه الشرع، والقبح ما قبّحه الشرع.
ومذهب أهل السنة هو الوسط الذي قال بإدراك العقل حسن الشيء وقبحه، ولكن بدون أن يكون مستلزماً لأمرٍ أو نهي أو ثواب أو عقاب، لأن ذلك من خصائص الشارع الحكيم ... ومن هنا نقول بأن استحسان العقل أو الذوق لفعل من الأفعال لا يكون مبرراً لإٌحداثه واعتباره سنة حسنة، لأنه لو اعتبر ذلك، من غير نظر إلى حكم الشارع لا نفرط عقد الشريعة، ولقال كل من شاء ما شاء، ولفعل كل إنسان ما أملاه عليه عقله أو ذوقه، فإذا عُلم ـ مع ما سبق ـ مقدار تنوع عقول الناس وأفهامهم وأذواقهم، عُرف كم في حشايا القول باستحسان البدع من خطرٍ على الدين، وافتئات على الله وشرعه القويم الكامل، الذي قال فيه جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً﴾) (١).
الثاني – قال الشيخ عبد القيوم السحيباني في "اللمع" (ص/١٧): (أن النبي ﷺ – قال: ((من سن))، ولم يقل ((من ابتدع)). وقال: ((في الاسلام)). والبدع ليست من الإسلام، وقال: ((حسنة))، والبدعة ليست بحسنة.
ولا يخفى الفرق بين السنة والبدعة، فإن السنة هي الطريق المتبع، والبدعة هي الإحداث في الدين (٢).
وقال أبو معاذ السلفي في "البراهين على ألا بدعة حسنة في الدين": (لا يمكن أن يكون معنى: «من سن في الإسلام سنةً حسنة ً» أي من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة لأن بهذا يكون معنى قول النبي ﷺ : «كل بدعة ٍضلالة» «كل سنة ضلالة».
فمن جعل هذا هو معنى ذاك فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه) (٣).
الثالث (٤) - لم ينقل عن أحد من السلف أنه فسَّر السنة الحسنة، بالبدعة التي يحدثها الناس من عند أنفسهم.
стр. 134
الرابع – قال الشيخ عبد الرحمن دمشقية في "موسوعة أهل السنة" (١/ ٣٣٨): (ولو كان هذا الذي يفهمه الناس هو الفهم الصحيح للحديث لصار في قول النبي ﷺ " فمن رغب عن سنتي فليس مني " تناقضاً واضحاً وتحريضاً على الإعراض عن السنة، وثناءً منه على من رغب عن سنته. فبينما يقول " عليكم بسنتي " داعياً إلى التمسك بها والعض عليها بالنواجذ والقبض عليها كالقبض على الجمر يدعونا هنا إلى الأخذ بأي سنة يسنها من شاء من المسلمين لا بالتقيد بسنته ﷺ وحده!).
ومما سبق يتبين أنه لا حجة لهم في الاستدلال بهذا الحديث وأنه حجة عليهم لا لهم، قال الشيخ أحمد عبدالكريم نجيب في "أقوم السنن" (ص/٥٤): (فالحديث المذكور لو تأملناه لوجدناه دليلا على محاربة البدع لا استحسانها؛ لأن شطره الأول محمول بحكم مناسبته على إحداث السنن، أي الإتيان بالسنن النبوية لا ابتداع البدع والمحدثات، فلا دليل فيه - أصلا – على استحسان البدع، وأما شطره الثاني فهو باق على عمومه وإطلاقه في ذم من أحدث سنة سيئة أو تمسك بها، واتبعه الناس في ذلك وهو باق على دلالته لا معارض له ... وعليه فالسنة الحسنة هي إحياء أمر مشروع لم يعهد العمل بين الناس لتركهم السنن، ففي عصرنا الحاضر لو أن إنساناً أحيا سنة مهجورة يقال: أتى بسنة حسنة، ولا يقال أتى ببدعة حسنة، إذن فالسنة الحسنة هي ما كان أصله مشروعاً بنص صحيح وترك الناس العمل به ثم جاء من يجدده بين الناس) (١)
الخامس – قال الشيخ أحمد العدوي في "أصول في البدع والسنن" (ص/١١٣): (إذا صرف النظر عن سبب الحديث يصح أن يراد منه الاختراع في أمور الدنيا والتفنن فيها اختراعا يلتئم مع أصول الدين ومقاصده، كاختراع الملاجئ والمستشفيات، وتشييد دور العلم والطرق المسهلة لرقي الصناعة والتعليم، ونشر الفضيلة وإماتة الرذيلة، فكل هذه المخترعات سنن حسنة يثاب عليها صاحبها ويكتب له مثل ثواب من عمل بها إلى يوم القيامة، فإن شئت فهمت في الحديث الحث على إحياء السنة الدينية التي ورد بها الدين، وشرعها الله تعالى على لسان رسوله ﷺ –، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان إلى الفقير، والنصيحة لكل مسلم، والحب في الله والبعض في الله، والرضا بالقضاء والقدر، والتعاون على البر، وان تحب لأخيك ما تحب لنفسك
стр. 135
وتكره له ما تكره لها، إلى غير ذلك من الأعمال التي يدعو إليها الدين، ويحث على إحيائها، وإن شئت فهمت في الحديث الحث على التفكير في الأمور الكونية التي ترقى الشعوب برقيها، وتتقدم الأمة بتقدمها في علومها وأخلاقها ودينها، وقد أريناك مما تقدم أن الدين إنما ينهاك عن الاختراع في أمر حدده الشارع ورسمه على وجه مخصوص كالصلاة والوضوء والصوم والحج ... ويبيح لك ما يمكنك من أنواع الاختراع في الأمور المعاشية والاجتماعية والعمرانية بشرط المحافظة على الأصول العامة وأن يكون هذا الاختراع أساسه درء المفاسد وجلب المصالح وإقامة العدل وإماطة الظلم ورد المظالم إلى ذويها، إلى غير ذلك من الأصول التي أسلفناها لك غير مرة).
السادس – وأما تسويته بين الصحابة وسنة الخلفاء الراشدين، وغيرهم ممن هو دونهم فمخالف للأصول العامة للشريعة وقد سبق بيان حجية قول الصحابة وحث النبي ﷺ – على إتباع سنة الخلفاء الراشدين، وتحذريه مما أحدثه من جاء بعدهم ..
وسوف يأتي بإذن الله الكلام على أفعال الصحابة وسوف نعرض صورا من إنكار النبي ﷺ – على بعض الصحابة مما يؤيد أن أقوالهم وأفعالهم وإن كانت حجة إلا أنها لا يصح أن تعارض سنة النبي ﷺ –.
رابعا – أفعال الصحابة:
استدل الغماري وغيره بما ورد عن بعض الصحابة من اجتهادات في العبادة، وإقرار النبي ﷺ لهم على اجتهاداتهم، ومن ذلك:
- ما رواه أحمد وأبو داود عن معاذ ﵁ أنه قال: وكانوا يأتون الصلاة، وقد سبقهم ببعضها النبي ﷺ قال: فكان الرجل يشير إلى الرجل إذا جاء كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليها، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى فقال رسول الله ﷺ : «إنه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا» الحديث.
- وما رواه البخاري وغيره عن رفاعة بن رافع ﵁، قال: " كنا يوما نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن
стр. 136
حمده "، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف، قال: «من المتكلم» قال: أنا، قال: «رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول».
- وما رواه أحمد وغيره من حديث بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال: «بم سبقتني إلى الجنة؟ » قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين. فقال رسول الله ﷺ : «بهذا».
وتتبع هذا يطول.
قال الغماري في "إتقان الصنعة" (ص/٢٤): "وهذا يدل على جواز إحداث أمر في العبادة أو غيرها إذا كان موافقا لأدلة الشرع".
الجواب من وجوه:
الأول – أن ما نقل عن الصحابة من أفعال لا يعدو حالتين، إما أن يكون في حياة النبي، أو بعد وفاته ﷺ ، وحجية أفعالهم إنما هي بعد وفاته ﷺ وقد سبق التدليل على ذلك وبيان ضوابطه، وأما في حياته فلا تعدو أقوالهم وأفعالهم أن تكون اجتهادات منهم قد يقرها النبي ﷺ أو لا.
قال عيسى الحميري في "البدعة الحسنة" (ص/٨٨): (القول بحجية فتوى الصحابي هو القول الراجح في العمل عند جمهور علماء المسلمين من المجتهدين ومن تبعهم بشرط أن لا يصطدم بنص من رسول الله ﷺ لم يعلموا به).
فإن قالوا: ولم كانوا يبتدرون الفعل أحيانا قبل أن يقفوا على إقرار النبي وقبل سؤاله ﷺ .
قلنا: إن كان المجتهد له أن يعمل باجتهاده إلى أن يتبين له أن خطأ فيرجع عنه وينقضه، فالصحابة أولى بالجواز منهم.
أضف إلى ما سبق ذكره من أن الصحابة لا يصح أن تنسب البدعة لأفعالهم ولا أقوالهم.
الثاني – لا يصح قياس أفعال وأقوال الصحابة على أقوال وأفعال غيرهم من الأمة؛ لإمكان الرفع فيها دون غيرها لمعايشتهم الوحي والتنزيل ونيلهم شرف الصحبة دون باقي الأمة، فوقف الأمر عندهم ولم يصح تعديته إلى غيرهم.
الثالث – الحجة في حياة النبي ﷺ كانت في إقرار النبي ﷺ لهم فليس لأحد أن يعارض قول وفعل النبي ﷺ ، فعادت جميع الوجوه إلى الوحي، وخرج من جاء بعد انقطاعه عن دائرة الاستدلال.
стр. 137
قال الشوكاني في "القول المفيد" (ص/٣١): "ولا يخفى عليك أن فعل معاذ هذا إنما صار سنة بقول رسول الله ﷺ لا بمجرد فعله فهو إنما كان السبب بثبوت السنة ولم تكن تلك سنة إلا بقول رسول الله ﷺ وهذا واضح لا يخفى).
الرابع – ثبت أن النبي ﷺ أنكر على بعض الصحابة ﵃ أمورا اجتهدوا فيها وما أرادوا بها إلا وجه الله والدار الآخرة، ومن ذلك:
أ- إنكاره على الثلاثة الذين تقالوا عبادته، وقال: "من رغب عن سنتي فليس مني".
ب- ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك ﵁، قال: دخل النبي ﷺ فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت، فقال النبي ﷺ : «لا حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد».
ج- ما رواه البخاري عن ابن عباس، قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي ﷺ : «مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه».
د- ما رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما بسند جوده الأرناؤوط عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قدم معاذ اليمن، أو قال: الشام، فرأى النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فروى في نفسه أن رسول الله ﷺ أحق أن يعظم، فلما قدم، قال: يا رسول الله، رأيت النصارى تسجد لبطارقتها وأساقفتها، فروأت في نفسي أنك أحق أن تعظم، فقال: «لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ... " الحديث.
هـ - ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس، سمع عمر ﵁، يقول على المنبر: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا عبد الله، ورسوله».
و- ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب ﵄، قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة فاجعلهن آخر ما تقول " فقلت أستذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت. قال: لا، «وبنبيك الذي أرسلت».
стр. 138
وتتبع هذا يطول.
تعقيب:
قال الحميري في "البدعة الحسنة" (ص/٥٤) بعد أن ذكر صورا من إقرار النبي ﷺ لبعض اجتهادات الصحابة وصورا لما أنكره من اجتهاداتهم: (فإن قال قائل: إن ذلك جائز في حياته ﷺ ؛ لأنه سيعلمه إما بإخبارهم أو بوحي من الله تعالى، فإن كان هدى أقره، وإن كان ضلالة رده، أما بعد حياته ﷺ وانقطاع الوحي فذلك غير جائز.
قلنا: إن من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم من أحدث أشياء ليس له فيها نص بعينها، وهو يعلم أنه لن يرى رسول الله ﷺ من بعد لينظر فيما فعل أهو سنة حسنة أم بدعة ضلالة، ومن ذلك صلاة سيدنا خُبَيْب بن عدي ﵁ ركعتين قبل أن يقتل حيث جاء في حديث البخاري: فكان خبيب هو سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً.
قال الدكتور محمود عبود هرموش في كتابه (البدعة وأثرها في اختلاف الأمة): "وفي هذا تصريح واضح بأن خبيباً اجتهد في توقيت العبادة ولم يسبق من الرسول ﷺ ، أمر ولا فعل، وهو علم أنه سيموت قبل أن يعرض عمله هذا على الرسول ﷺ ، ومع ذلك أقدم على هذا العمل وهو يعلم أنه لن يرى رسول الله ﷺ ، فلو أراد أحد إيقاع الصلاة في غير أوقات الكراهة التي نهى الشارع عن إيقاع الصلاة فيها، فإن هذا الفعل يكون من قبيل السنة الحسنة، وأما من يوقعها في أوقات النهي فإن فعله يكون من قبيل البدعة المذمومة لكونها وقعت مخالفة لهديه وسنته ﷺ . انتهى.
أقول: فهل مات سيدنا خبيب ضالاً مبتدعاً بإحداثه هاتين الركعتين قبل أن يعلم بأمره رسول الله ﷺ ويقره عليهما؟!! حاشا وكلا، بل هو المؤمن الصالح والشهيد الكريم الذي رد عليه رسول الله ﷺ سلامه فقال: "وعليك السلام يا خبيب قتلته قريش" ثم إن رسول الله ﷺ إذا كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وانقطع الوحي، فإن نصوص القرآن والسنة ما زالت موجودة محفوظة ولله الحمد، وما زالت قواعد الشرع الحنيف ومقاصده قائمة معلومة يعرض عليها كل محدث وجديد، فإن قبل في ميزانها كان بدعة حسنة، وإلا فهو بدعة ضلالة نبرأ إلى الله منها، ولسنا
стр. 139
ندعي حسن البدعة دون ضوابط وقواعد وعرض على الكتاب والسنة، بل لذلك شروط وقواعد لابد منها سنعرض لها إن شاء الله تعالى في خاتمة بحثنا ".
الجواب عن هذا التعقيب:
والجواب من وجوه:
الأول – المثال الذي أتي به لا يساعده على تعقبه فكان الأولى به أن يأتي بمثال فعل فيه الصحابي فعلا في حياة النبي ولم ينقل أن النبي أقره عليه ولا أن الوحي أخبره بفعله ثم ينتشر فعل هذا الصحابي ويصبح سنة، وسوف يأتي ما يدل على إقرار النبي له فصار هذا المثال كغيره من الأمثلة السابقة.
الثاني – قوله: (فلو أراد أحد إيقاع الصلاة في غير أوقات الكراهة التي نهى الشارع عن إيقاع الصلاة فيها، فإن هذا الفعل يكون من قبيل السنة الحسنة) فيه تسوية بين الصحابة وغيرهم وقد سبق بيان حجية قول الصحابة دون غيرهم ممن أتي بعدهم.
الثالث – يحتمل أن يكون خبيب ﵁ قد سمع من النبي ﷺ نصا خاصا في هذه المسألة.
الرابع – قال الحميري في "البدعة الحسنة" (ص/٨٧): (ما كان يعمله الصحابي والوحي ينزل، فهو سنة تقريرية، وما يعمله الصحابي بعد انقطاع الوحي فهو بدعة شرعية حسنة) مع قوله بأن قول الصحابي حجة يدل على أنه يرى أن حجية قول الصحابي إنما تكون بعد وفاة النبي ﷺ ، وأما في حياته ﷺ فالحجة في إقراره، ويدل على صحة ذلك أمور منها:
١ - أن أفعال النبي ﷺ زمن الوحي قابلة للنسخ.
٢ - أن ذلك له أصل وهو الإجماع فهو حجة ولا يعتبر إلا بعد موت النبي ﷺ .
ويستفد من ذلك أن فعل هذا الصحابي يدور بين أمرين إما أنه معه سنة خاصة وأكدها النبي بالإقرار بعد ذلك، وإما إن لم يكن معه سنة خاصة فلا يعدو فعله كغيره ممن اجتهد في حياة النبي أن يقبل، أو يرد.
وأما كونه أصبح سنة عند القتل فهذا ليس لفعل الصحابي بل لإقرار النبي له، فلو أنه ﷺ أنكر فعله عند بلوغه لما اجترئ أحد على فعله ولصار محرما.
وسيدنا خبيب عندما صلى الركعتين لم يكن مقصوده أن يقتدي به أحد من الناس بل لعله أراد الدخول في عموم قوله ﷺ في الحديث المتفق عليه عن عثمان
стр. 140
رضي الله عنه مرفوعا: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه»، وخاصة أن هذا الوقت وقت وداع للدنيا فهو مظنة الإخلاص وعدم تحديث النفس.
– ومما يدل على إقرار النبي ﷺ له ما ورد في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (قال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك ... فاستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب، «فأخبر النبي ﷺ أصحابه خبرهم، وما أصيبوا).
قال الشيخ أبو معاذ السلفي في "البراهين": (وكل هذا يدل على أن ما أحدثه بعض الصحابة من أمور تعبدية أصبح سنة بإقرار الرسول ﷺ لا بمجرد فعل الصحابة.
وقد قال عبد الفتاح أبو غده (١) بعد ذكره لقصة خبيب بن عدي ﵁:
(قال العلامة القسطلاني في «إرشاد الساري» (٥/ ١٦٥): «وإنما صار فعل خبيب سنةً،
لأنه فعل ذلك في حياة الشارع ﷺ واستحسنه».
وقال أيضاً (٥/ ٢٦١): «وإنما صار ذلك سنةً، لأنه فعل في حياته ﷺ فاستحسنه واقره».
وقال أيضاً (٦/ ٣١٤): «واستشكل قوله: «أول من سن»،إذ السنة إنما هي أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله وأحواله، وأجيب بأنه فعلهما في حياته ﷺ واستحسنهما» انتهى كلام القسطلاني.
- ثم قال أبو غدة -: وواضح من حديث أبي هريرة وقصة قتل خبيب فيه: «أن لفظ (السنة) ولفظَ (سن) معناه: الفعل المشروع المتبوع في الدين، وعلى هذا فلا يصح لمتفقهٍ أن يستدل على سنية صلاة الركعتين عند القتل، بأن الحديث جاء فيه لفظ «سن»، فتكون صلاتهما سنةً مستحبةً، لأن حكم السنية لصلاة ركعتين هنا استفيد من دليلٍ آخر خارج لفظ «سن» بلا ريب وهو إقرار الرسول ﷺ لفعله).
стр. 141
الخامس – قوله: (ثم إن رسول الله صلى «الله عليه وسلم إذا كان قد انتقل إلى الرفيق الأعلى وانقطع الوحي، فإن نصوص القرآن والسنة ما زالت موجودة محفوظة ولله الحمد، وما زالت قواعد الشرع الحنيف ومقاصده قائمة معلومة يعرض عليها كل محدث وجديد، فإن قبل في ميزانها كان بدعة حسنة، وإلا فهو بدعة ضلالة نبرأ إلى الله منها) وهذا الحدث الموافق لقواعد الشرع لا يخلو من أن يكون إما في العادات والمعاملات، أو في العبادات، والأول سبق وأن ذكرنا أمه من قبيل المصالح المرسلة بضوابطه الشرعية، وأما الثاني فإنما هو منه من قبيل الاستدلال بمحل النزاع فلا يقبل منه بل الراجح أن نرده للعلل سالفة الذكر والتي تبين مناقضة البدعة للشريعة وكمالها، كما أن الأصل في العبادات التوقف والمنع، ولا يلزم أن يأتي الشرع موافقا لما يستحسنه العقل وقد سبق الكلام على ذلك.
السادس – قوله: (ولسنا ندعي حسن البدعة دون ضوابط وقواعد وعرض على الكتاب والسنة، بل لذلك شروط وقواعد لابد منها سنعرض لها إن شاء الله تعالى في خاتمة بحثنا).
يشير إلى قوله في "البدعة الحسنة" (ص/١١٤): (أهم الضوابط والشروط التي ينبغي أن تتوفر في البدعة حتى تكون حسنة، وذلك مما فهمناه من تدبرنا في الآثار وأقوال العلماء ونصوصهم في هذه القضية.
الشرط الأول:
أن تكون البدعة في أمر من أمور الدين التعبدية، لا في العادات والأمور المعاشية التي لا تعبد فيها، دليل ذلك قوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وقد سبق أن قلنا: إن مفهوم هذا الحديث: من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول غير مردود. وشاهدنا هنا قوله ﷺ "في أمرنا هذا"، وفي الرواية الأخرى "في ديننا"، وذلك يعني أن الإحداث في غير الدين من العادات ومما لا تعبد فيه لا يوصف في اصطلاح الشرع بكونه بدعة هدى أو بدعة ضلالة، فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلاً: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله ﷺ من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع، سواء في ذلك الحسنة والقبيحة ...
الشرط الثاني:
стр. 142
أن تكون مندرجة تحت أصل من أصول الشريعة، أو داخلة تحت شيء من مقاصدها، أو أمر عام من أوامرها، وهذا الشرط مما تكاد تجمع كلمة كل عالم أثبت البدعة الحسنة على اشتراطه، وقد رأينا ذلك في ما سقناه من كلامهم.
مثاله: ما يقيمه المسلمون من الموالد، فإن المولد في حقيقته ليس إلا اجتماعاً على ذكر لله ومدح وثناء وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ، وقراءة لقصة مولده الشريف، وكل ذلك يندرج تحت أصول عامة في الشريعة، من طلب الإكثار من ذكر الله، والحث على الصلاة والتسليم على سيدنا رسول الله ﷺ ، والحض على العلم الذي يندرج تحته قراءة قصة مولده الشريف، وأما مدحه والثناء عليه فمما أقره رسول الله ﷺ ، من المادحين له من الشعراء وغيرهم في عهده ﷺ كما لا يخفى على أحد. فهو من البدع الحسنة لذلك ما في ذلك شك ولا ريب.
الشرط الثالث:
أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين. نلمح هذا الشرط جلياً في كلام الإمام الغزالي ﵀، وذلك في قوله: إنما البدعة المذمومة ما يصادم السنة القديمة أو يكاد يفضي إلى تغييرها. انتهى.
مثال ذلك: مسألة السبحة، فإنها في رأينا من البدع الحسنة، وذلك أنا أمرنا بتسبيح الله مئة مرة مثلاً، وضبط العدد شيء يحتاج إلى آله تضبط، ورسول الله ﷺ لم يعلمنا كيف نضبطه ولم يحدد لنا آلة لذلك، إذن فأي شيء يضبطه لنا فهو مستحب، فإن القاعدة الشرعية معلومة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فكذلك ينبغي أن يكون ما لا يتم المطلوب الشرعي إلا به فهو مطلوب شرعاً، فمن أراد أن يذكر بهذا العدد يستحب له أن يتخذ شيئاً يضبط به العدد المأمور به، سواء كان ذلك سبحة أو حصى أو عقداً في خيط أو غير ذلك.
فقد ورد أنه ﷺ سبح على عقد أصابعه بعد الصلاة، ورغب فيه، وورد أيضاً تقريره على التسبيح بالنوى في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه دخل مع النبي ﷺ على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح، فقال: أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟ قولي: سبحان الله عدد ما خلق في السماء، سبحان الله عدد ما خلق في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا قوة إلا بالله
стр. 143
مثل ذلك وثبت أنه كان لأبي الدرداء وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وأبي صفية نوى أو حصى يسبحون بها.
فإذا علمنا ذلك، علمنا أن من يلزم الناس بضبط عدد الذكر بعقد الأصابع ويبدع مرتكب غير ما أمر به، متحكم مصادم لسنة أقرها رسول الله ﷺ ولم ينكرها، أو فعلها بعض أصحابه الكرام وهم أكثر الناس حرصاً على متابعته ﷺ والتأسي به، فكان في ذلك مبتدعاً لأنه أفضى إلى تغيير سنة ثابتة. والله أعلم.
الشرط الرابع:
كما يشترط في البدعة الحسنة أن يراها المسلمون أمراً حسناً، بعد أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع.
وهذا الشرط ذكره الإمام العيني في معرض كلامه عن البدعة الحسنة فقال: وهي ما رآه المسلمون حسناً، ولا يكون مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع. انتهى. ثم مثل لذلك بأذان عثمان، وتحديد ركعات التراويح في رمضان بعشرين ركعة).
الجواب من وجوه:
الأول – وأما ما ذكره في الشرط الأول من تخصيص البدعة في العبادات دون العادات والأمور المعاشية التي لا تعبد فيها يرده قوله والذي نقلته آنفا حيث قال (ص/١٠٥): (عدم جواز إحداث البدعة إذا كانت مخالفة لأصل الشرع، يؤخذ هذا من قوله ﷺ : "أمرنا"، و "ديننا"، فهو شامل لكل المحدثات سواء كانت من العبادات أو المعاملات أو غير ذلك، لأن كلمة "أمرنا" و "ديننا" كلمة عامة، فكل ما له أصل عام فهو مقبول يندرج تحت البدعة الحسنة، وكل ما ليس له أصل عام فهو مردود من البدع السيئة، وهذا نص الحديث ينطق بالحق).
الثاني – قوله: (فإن أحداً من العقلاء لا يقول مثلاً: إن ما أحدث بعد عهد رسول الله ﷺ من ركوب الطائرات والسيارات وغيرها من البدع) يدخل فيه هو رأسا بنص كلامه السابق، كما أن هذا النفي يدل على عدم علمه بخلاف العلماء وقد عرض الشاطبي طريقتين للعلماء في تعريف البدعة وذكر منهما من يقول بشمول البدعة للعادات والعبادات، وقد سبق ذكر ذلك سابقا فليراجع.
كما أن هذا النفي يدل على هذا يشمل عدم دخول العادات بوجه في البدع مع أن لها مدخل وهي من جهة ما قد يلحق بها من شائبة تعبد فكان عليه أن يستثني ذلك.
стр. 144
الثالث – حصره البدعة في الأمور التعبدية مع فتحه الباب للاستدراك على الشرع بحجة عدم مخالفة النصوص وشهود القواعد العامة للشريعة للعبادات المخترعة تناقض ومخالفة لعموم أدلة ذم البدع وتخصيص لها بلا مخصص كما سبق وسيأتي بإذن الله تعالى.
الرابع – وأما ما ذكره في الشرط الثاني من اندراج البدعة الحسنة تحت أصل من أصول الشريعة أو أمر عام ونحو ذلك فقد سبق تأصيل قاعدة: " لا يجوز إثبات نوع من العبادات لدخوله تحت الدليل العام فقط، بل لا بد من دليل خاص"، ويدخل في الدليل الخاص فهم وقول وعمل الصحابة ﵃ – فالعمل بالأدلة الشرعية لابد وأن يكون مقيداً بعمل السلف الصالح بها.
وأما ما مثل لذلك ببدعة الاحتفال بالموالد فإنه يحتاج لمجلد للرد عليه لبيان ما يقع فيه من شرك ومعاص ومنكرات تخالف الشريعة هذا على فرض كونه من الوسائل فقط، وأما أن كان وسيلة ومقصد يتقربون به لله عزوجل فإن محور الرد يعود للشرط الأول وكما سبق بيان فساده.
الخامس – وأما قوله في الشرط الثالث: (أن لا تصادم البدعة نصاً من نصوص الشريعة، ولا يكون في فعلها إلغاء لسنة من سنن الدين) فهو شرط طردي في كل البدع؛ لأن جميعها يكون مصادما ومناقضا للدين، ونطبق ذلك على المثال الذي جاء به لتطبيق هذا الشرط عليه وهو السبحة.
وكلامه غير متزن في الاستدلال لها: فتارة يجعلها من الوسائل وأنها مما لا يتم المشروع إلا به فتكون مشروعة.
وتارة يجعلها سنة تقريرية أقر النبي صبى الله عليه وسلم امرأة وفي بعض الروايات أنها صفية ﵂، وان الصحابة كانوا يسبحون بالنوى والحصى.
وكل ما ذكر من أحاديث وآثار في التسبيح على النوى والحصى لا يثبت وقد توسع الشيخ الألباني في "الضعيفة" لبيان عللها.
إلا أن العجيب أنه يستدل مع اعترافه بأنها من السنن التقريرية على كونها بدعة حسنة، وأن من ينكر على من يستعملها هو المبتدع؛ لأنه مصادم للسنة الثابتة على حد قوله.
والمثال على تقريره السابق لا يساعده؛ لأنه لن يكون من البدع الحسنة بل من السنة التقريرية بالإضافة إلى فعل الصحابة لها وهو لا تقع منهم بدعة.
ولذلك لا يسلم له هذا المثال على كلا التقديرين:
стр. 145
أما مع ثبوت كونها سنة تقريرية فلا يصح الحكم عليها بأنها بدعة حسنة هذا ليس تأدبا مع سنة النبي ﷺ .
وأما مع ضعف الأحاديث والآثار في التسبيح على النوى يقلب عليه الأمر تطبيقا للشرط الذي ذكره ويقال أنها بدعة؛ لأنها تصادم سنة العقد على الأصابع التي أرشد لها النبي ﷺ وعلله بأنهن مستنطقات يوم القيامة.
السادس – قوله في الشرط الرابع: (أن يراها المسلمون أمراً حسناً، بعد أن لا يكون فيها مخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع) كلامه صريح في أن كلا منهما شرط منفصل عن الآخر مع أن لازم كلامه أن يكونا شرط واحد بمعنى أن كل ما هو غير مخالف للأدلة لا يراه المسلمون إلا حسنا.
ويلزم من عدّه لهما كشرطين منفصلين أنه قد يوجد أحدهما دون الآخر وهذا يدخله في لوازم باطلة كأن يرى المسلمون الأمر حسنا مع أنه مخالف للأدلة، وكذا عكسه بأن يكون غير مخالف للأدلة ويراه المسلمون غير حسن، وهذا يفتح باب التشهي في التحسين والذم للبدع.
وعلى كل حال فسوف يأتي الجواب عن أثر ابن مسعود ﵁ وبيان أن المقصود منه إما العهد أي الصحابة للاتفاق على حجية أقوالهم وأفعالهم دون غيره، أو يكون مقصود بها الجنس فتكون إجماعا والأمة لا تجتمع على ضلالة، وأما الاستدلال به على تحسين ما يراه دون غيره هو من محدثات فلا يدخل في هذا الشرط على جميع احتمالاته.
وأما تمثيله لذلك بأذان عثمان، وتحديد ركعات التراويح في رمضان بعشرين ركعة فسوف يأتي بإذن الله بيان أنهما ليسا من البدع بحال، فالله المستعان.
فظهر مما سبق ما في شروطه من نظر وانه لو طبق يعضها لكانت حجة عليه لا له.
الخامس (١) – قال الشيخ أحمد نجيب في "أقوم السنن" (ص/٥٨): (إن إطلاق القول بأن الصحابة قد ابتدعوا بدعا حسنة، وأنها حسنة مشروعة، واعتبارها بدعة مستحسنة يلزم منه ضلال بعيد، فمن لوازمه أن يقال: إن إبليس أيضا قد ابتدع (أو سن) سنة حسنة حين ارشد إلى قراءة آية الكرسي عند الإيواء إلى الفراش، لتكون حرزا لقارئها من الشيطان حتى يصبح فقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "وكلني