٤ - وعليه فظاهر هذا الحديث يدل على هذا القول، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل، ولا دليل.
٥ - وبالنظر إلى حقيقة الأمر نجد أن سنة الخلفاء الراشدين، وما فعلوه من وجوه الاجتهاد فيما استجد لهم من أمور بعد موته ﷺ راجع إلى القواعد العامة في الشريعة، وإلى المصالح المرسلة، وحفظ الضروريات.
(وبقي القول باشتراط عدم مخالفة سنة الخلفاء لسنة النبي ﷺ ، فكل ما خالف القرآن، وصحيح السنة فهو رد على صاحبه كائناً من كان، ويكون هذا الرد من باب الترجيح بين الأدلة، ولا يلجأ إلى هذا الرد إلا بعد تعذر الجمع.
وعلى كل حال فهذا الحديث بين أن سنة الخلفاء متبعة، فما استند إليها استند إلى أصل، ولم يلحق بالبدعة المذمومة، وإن سمّي بدعة لغوية.
فرع: تعيين الخلفاء الراشدين المهديين:
روى أحمد عن النعمان بن بشير قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله ﷺ وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة قال رسول الله ﷺ : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) قال حبيب فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعنى عمر بعد الملك العاض والجبرية فادخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه. (١)
стр. 72
وورد في تعيين مدة الخلافة الأولى التي تكون على منهاج النبوة ما رواه أحمد، وغيره عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك قال سفينة أمسك خلافة أبى بكر ﵁ سنتين وخلافة عمر ﵁ عشر سنين وخلافة عثمان ﵁ أثنى عشر سنة وخلافة علي ﵁ ست سنين ﵃ (١)، ولفظ أبي داود: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء).
قال الإمام ابن رجب: [والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالإقتداء بهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ﵃ فإن في حديث سفينة عن النبي ﷺ والخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا وقد صححه الإمام أحمد واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة] (٢)
قال أبو الطيب العظيم آبادي: [قال العلقمي: قال شيخنا: لم يكن في الثلاثين بعده إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن، قلت بل الثلاثون سنة هي مدة الخلفاء الأربعة كما حررته فمدة خلافة أبي بكر سنتان وثلاثة أشهر وعشرة أيام ومدة عمر عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام ومدة عثمان أحد عشر سنة وأحد عشر شهرا وتسعة أيام ومدة خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وسبعة أيام، هذا هو التحرير فلعلهم ألغوا الأيام وبعض الشهور. وقال النووي في تهذيب الأسماء: مدة خلافة عمر عشر سنين وخمسة أشهر وإحدى وعشرين يوما وعثمان ثنتي عشرة سنة إلا ست ليال وعلي خمس سنين وقيل خمس سنين إلا أشهرا والحسن نحو سبعة أشهر انتهى كلام النووي والأمر في ذلك سهل هذا آخر كلام العلقمي] (٣).
стр. 73
المبحث الثاني: عمل (قول أو فعل) الصحابي:
وهذا الفصل من أهم الفصول، وقد زلت فيه أقدام، نسأل الله التسديد والإعانة، إنه خير مسئول، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقد تكلم عن حجية قول الصحابي جمع من العلماء، من المتقدمين والمتأخرين، وقد اشتهر الكلام فيها، إلا أن ما اطلعت عليه من هذه المصنفات، قد أغفل الرد التفصيلي على بعض الجوانب التي لها تعلق مباشر بموضوع البحث، كتوجيه لبعض الأحاديث، والآثار التي تدل على جواز وقوع البدعة من بعض الصحابة، والتي يترتب على التسليم لظاهرها عدم حجية أقوالهم، وأفعالهم، وأنها يستدل لها لا بها، أو التسليم بتخصيص عموم أحاديث ذم البدع، وأن هناك بدعاً حسنة، وستأتي هذه الأدلة، وتوجيهها في مكانها من البحث بعون الله تعالى.
والراجح في هذا الباب أن قول الصحابي أو فعله أصل لمن أتي بعده، فلا يجوز أن يوصف من فعل فعلاً أو قال قولاً، وله فيه سلف من هذا الرعيل الأول من جيل الصحابة - الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، والذين عايشوا نزول الوحي، واشتدوا في متابعتهم للنبي ﷺ ، وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته - بالبدعية، ولكن هذا لا يمنع أن تكون أقوالهم عند التعارض مرجوحة، أو غيرها راجح عليه طبقاً لما هو مقرر في قواعد الترجيح، فهذا ليس مما نحن فيه.
قال الشاطبي: [سنة الصحابة ﵃ سنة يعمل عليها ويرجع إليها ومن الدليل على ذلك أمور:
أحدها ثناء الله عليهم مَثْنوية (١) ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم وذلك يقضى باستقامتهم في كل حال وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى. ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم لأنا نقول: أولا ليس كذلك بناء على أنهم المخاطبون على الخصوص ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل آخر. وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب فإنهم أول من تلقى ذلك من الرسول ﵊ وهم المباشرون للوحي. وثالثا أنهم أولى بالدخول من غيرهم إذ الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال إلا هم فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح، وأيضا فإن من بعد الصحابة من أهل السنة عدلوا الصحابة على الإطلاق والعموم فأخذوا عنهم رواية ودراية من غير استثناء ولا محاشاة بخلاف غيرهم فلم يعتبروا منهم إلا من صحت إمامته وثبتت عدالته وذلك مصدق لكونهم أحق بذلك المدح من غيرهم؛ فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق وأنهم وسط أي عدول بإطلاق وإذا كان كذلك فقولهم معتبر وعملهم مقتدى به، وهكذا سائر الآيات التي جاءت بمدحهم كقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ الآية وأشباه ذلك.
والثاني ما جاء في الحديث من الأمر بإتباعهم وأن سنتهم في طلب الإتباع كسنة النبي ﷺ كقوله: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) (٢) وقوله: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي) (٣)، وعنه أنه قال: (أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به) (٤) ...
والثالث أن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل فقد جعل طائفة قول أبي يكر وعمر حجة ودليلا وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلا ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة وهذه الآراء وإن ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المتعمد في المسألة وذلك أن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون
стр. 74
مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة وأنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه ...
وأيضا فقد وصفهم السلف الصالح ووصف متابعتهم بما لا بد من ذكر بعضه فعن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين. وعن الحسن وقد ذكر أصحاب محمد ﷺ قال: إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فإنهم ورب الكعبة على الصراط المستقيم. وعن إبراهيم قال: لم يدخر لكم شيء خباء عن القوم لفضل عندكم. وعن حذيفة أنه كان يقول: اتقوا الله يا معشر القراء وخذوا طريق من قبلكم فلعمري لئن اتبعتموه فقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. وعن ابن مسعود: من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقال علي: إياكم والاستنان بالرجال ثم قال فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات لا بالأحياء. وهو نهي للعلماء لا للعوام ... وعن حذيفة قال: اتبعوا آثارنا فإن أصبتم فقد سبقتم سبقا بينا وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلالا بعيدا ٠ وعن ابن مسعود نحوه فقال: اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم. وعنه: أنه مر برجل يقص في المسجد ويقول سبحوا عشرا وهللوا عشرا فقال عبد الله إنكم لأهدى من أصحاب محمد أو أضل بل هذه بل هذه يعني أضل. والآثار في هذا المعنى يكثر إيرادها وحسبك من ذلك دليلا مستقلا وهو:
الرابع ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم وذم من أبغضهم وأن من أحبهم فقد أحب النبي ﷺ ومن أبغضهم فقد أبغض النبي ﵊ وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه أو حاوروه فقط إذ لا مزية في
стр. 75
ذلك وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة] (١)
ومن الأدلة، قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ فعموم هذه الآية يدل على أن الصحابة لم يبدلوا، ومن أراد التخصيص فعليه الدليل.
ومن الأدلة أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ (النجوم آمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا آمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي آمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) قال ابن القيم: ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء. ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم –وأيضاً - فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزاً من الشر وأسبابه. فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحرزاً لهم. وهذا من المحال (٢).
ومن الأدلة أيضاً ما قاله عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله ﵄ حينما رآه لابساً ثوباً مصبوغاً وهو محرم:- (إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس ... ) (٣).
ملاحظات:
الأولى:
حقق د. ترحيب الدوسري في رسالته: " حجية قول الصحابي عند السلف "، أن القول باعتبار حجية قول الصحابي إن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟ هو قول الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم، قال: وبناء على ما سبق فإن الصحابي إذا قال قولاً:- فلا يخلو من أن يشتهر قوله ويوافقه سائر الصحابة على
стр. 76
ذلك، أو يخالفوه، أو لا يشتهر أو لا يعلم اشتهر أم لم يشتهر. فإن اشتهر قوله ووافقه الصحابة فهو إجماع، وإن اشتهر فخالفوه فالحجة مع من سعد بالدليل، وحينئذٍ الحجة فيه لا في كونه قول صحابي، وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا؟. فهذا هو موطن النزاع. والذي عليه العلماء السابقون والأئمة المتبوعون أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – رحمهم الله تعالى – وجمهور أصحابهم أنه حجة.
الثانية:
قال الجويني: [واجمعوا أن قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي] (١)
قال الآمدي: [اتفق الكل على أن مذهب الصحابة في مسائل الاجتهاد لا يكون حجة على غيره من الصحابة المجتهدين، إماماً كان أو حاكماً أو مفتياً] (٢).
قال الشوكاني: [اعلم أنهم قد اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر. وممن نقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر والآمدي وابن الحاجب وغيرهم] (٣).
قال الشنقيطي: [قول الصحابي الذي ليس له حكم الرفع ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة إجماعاً] (٤).
الثالثة:
الأحاديث، والآثار التي تدل على جواز وقوع البدعة من بعض الصحابة وتوجيهها:
١ - قوله ﷺ : (إياكم ومحدثات الأمور ... ) (٥) يدل على جواز وقوع الحدث المذموم من آحاد الصحابة.
والجواب من وجهين: الأول: أن هذه الصيغة لا تستلزم جواز وقوع البدعة من الصحابة، لأن ذلك يحتمل أن يكون خطاباً للأمة وتحذيراً لها من الوقع في البدع في شخص الصحابة، فهي كنحو قوله تعالى للنبي ﷺ : ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾ وهذا
стр. 77
خطاب للأمة متوجهاً لها في شخص النبي ﷺ ؛ لأنه من المعلوم أن أبويه أو أحدهما لم يبلع عنده الكبر.
الوجه الثاني: أنه قد يراد تحذير الصحابة من إتباع البدع إن وقعت من غيرهم كنحو الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وبدأ مروان بالخطبة قبل صلاة العيد ...
٢ - ما رواه أحمد عن مجاهد قال دخلت أنا ويحيى بن جعدة على رجل من الأنصار من أصحاب
الرسول قال ذكروا عند رسول الله ﷺ مولاة لبنى عبد المطلب فقال إنها تقوم الليل وتصوم النهار قال فقال رسول الله ﷺ لكني أنا أنام وأصلى وأصوم وأفطر فمن اقتدى بي فهو منى ومن رغب عن سنتي فليس منى أن لكل عمل شرة ثم فترة فمن كانت فترته إلى بدعة فقد ضل ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى) (١).
ويجاب عن الاستدلال به بأن هذا من باب التحذير من البدع، كسابقه، ولا يستلزم منه جواز وقوع البدعة من هذه الصحابية , ويوضحه؛ أن هذه الصحابية اجتهدت في العبادة، وقومها النبي ﷺ ، وبيَّن لها فضيلة الاقتصاد، والتوسط في العبادة، ونحوه الثلاثة الذين تقالوا عبادة النبي ﷺ .
٣ - ما ورد في بعض الأحاديث أن بعض الناس يذاد عن هذا حوض النبي ﷺ فيقول النبي: (أصحابي أصحابي) فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ... الحديث (٢).
ويجاب عن الاستدلال به بأن هذا الحديث مساق بالمعنى، وأنه لا يشمل الصحابة، بل هو لمن أتي بعدهم من الأمة، وأن النبي ﷺ يعرفهم بالسيما من آثار الوضوء كما ورد ذلك في الروايات المفسرة، ومنها: ما رواه مسلم عن أبي هريرة: (أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أو لسنا إخوانك يا رسول الله قال أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد فقالوا كيف تعرف من لم يأت بعد
стр. 78
من أمتك يا رسول الله فقال أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقا سحقا)، وهذا الحديث صريح في أنهم ليسوا من الصحابة، ومنها: ما رواه البخاري عن أسماء عن النبي ﷺ قال: (أنا على حوضي أنتظر من يرد علي فيؤخذ بناس من دوني فأقول أمتي فيقول لا تدري مشوا على القهقري)، والروايات بلفظ: أمتي كثيرة، وفيما ذكرت الكفاية، وهي وتسقط الاستدلال بالحديث في محل النزاع لتطرق الاحتمال إليه؛ بل إني أويد احتمال استبعاد الصحابة ممن يزادوا عن الحوض بسبب شهادة القرآن لهم بعدم وقوع التبديل منهم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ فعموم هذه الآية يدل على أن الصحابة لم يبدلوا.
٤ - بعض الأثار التي فيها وصف الصحابة بعضهم بعضاً بالبدعة، وتوجيهها:
أ - ما رواه البيهقي، وأصله في مسلم عن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره أن عائشة وبعض أزواج النبي ﷺ ورضي عنهن أمرن بجنازة سعد بن مالك ﵁ أن
يمر بها عليهن فمر به في المسجد فجعل يوقف على الحجر فيصلين عليه ثم بلغ عائشة ﵂ أن بعض الناس عاب ذلك وقال هذه بدعة ما كانت الجنازة تدخل المسجد فقالت ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن دعونا بجنازة سعد تدخل المسجد وما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد.
ب – ما رواه أحمد، والبيهقي عن القاسم بن عبد الرحمن أن أباه أخبره ثم أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة بالكوفة وأنا جالس مع أبي في المسجد فقام عبد الله بن مسعود فثوب بالصلاة فصلى بالناس فأرسل إليه الوليد ما حملك على ما صنعت
стр. 79
أجاءك من أمير المؤمنين أمر فسمع وطاعة أم ابتدعت الذي صنعت قال لم يأتنا من أمير المؤمنين أمر ومعاذ الله أن أكون ابتدعت أبى الله علينا ورسوله أن ننتظرك
في صلاتنا ونتبع حاجتك. (١)
ج – ما رواه الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عباس أن معاوية صلى العصر ثم قام ابن الزبير فصلى بعدها فقال معاوية يا ابن عباس ما هاتان الركعتان فقال بدعة وصاحبها صاحب بدع فلما انفتل قال ما قلتما قال قلنا كيت وكيت قال ما ابتدعت ولكن حدثتني خالتي عائشة فأرسل معاوية إلى عائشة فقالت صدق حدثتني أم سلمة فأرسل إلى أم سلمة أن عائشة حدثتنا عنك بكذا وكذا فقالت صدقت أتاني رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى بعد العصر فقمت وراءه فصليت فلما انفتل قال ما شأنك قلت رأيتك يا نبي الله صليت فصليت معك فقال إن عاملا على الصدقات قدم علي فخفت عليه فلقيته فنسيت أن اصلي بعد العصر ركعتين. (٢)
د - ما رواه ابن أبي شيبة عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب متجردا على منبر البصرة فسأل الناس عنه فقالوا إنه أمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد فلقيت ابن الزبير فذكرت ذلك له فقال بدعة ورب الكعبة.
وهذه الآثار وأمثالها يترتب على التسليم لظاهرها إما القول بجواز وقوع البدع منهم وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، والهدى، أو القول بتخصيص عموم أحاديث ذم البدع، وأن هناك بدعاً حسنة، وهذا ما ذهب إليه الغماري، وأضرابه.
ونحن لا نسلم لأحد الاحتمالين بل نوجه هذه الأقوال بأنها أقوال متعارضة في المسألة – فإنه لا يلزم بعض الصحابة إتباع بعض - وأما من دونهم فإنه يدور بين أقوالهم، ولا يخرج عنها تبعاً لقواعد التعارض والترجيح، وأن هذه الأمور ظنها الصحابة بدعاً، وهي في الحقيقة مشروعة أو جائزة، وهذا يدل على إنكارهم، وبغضهم لما ظنوه بدعة (٣).
стр. 80
وإيضاح مشروعية هذه الأفعال واضح في الآثار الثلاثة الأول، وأما الأخير فلم ينفرد به ابن عباس، قال السيوطي: [وأما المسجد المصر - أي التعريف فيه - فقد اختلفوا فيه: ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث من الصحابة، وطائفة من البصريين، والمدنيين ... وتعريف ابن عباس: أنه صعد المنبر، فقرأ البقرة، وآل عمران، وفسرهما حرفاً حرفاً، فتعريفه كان على هذا الوجه، فسر للناس القرآن، واجتمعوا إليه لسماع العلم. فقيل عرف ابن عباس بالبصرة لاجتماع الناس إليه فأمر التعريف بالأمصار قريب إلا أن تجري مفسدة. قال الأثرم: سألت أحمد بن حنبل ﵀ عن التعريف في الأمصار، يجتمعون يوم عرفة، فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد، كالحسن، وبكر، وثابت، ومحمد بن واسع كانوا يشهدون المسجد يوم عرفة. وفي رواية: قال أحمد: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر الله. فقيل له: تفعله أنت؟ قال: لا.] (١).
المبحث الثالث: البدعة الحقيقية:
العمل المتعبد به إذا لم يستند إلى أصل من الأصول الشرعية المعتبرة سالفة الذكر يسمى بدعة حقيقية أو أصلية، وسيأتي الكلام عنها مع البدعة الإضافية بعد قليل بمشيئة الله.
стр. 81
الفصل الرابع: الكلام على قيد (أو وصفاً):
وهذا القيد وسابقه (أصلاً أو وصفاً) كان يمكن الاستغناء عنهما في الحد؛ فيقال: (كل ما أحدث بقصد التعبد لله ولم يقم عليه دليل) إلا أنني آثرت زيادتهما لزيادة التفصيل ببيان الفرق بين البدعة الإضافية والحقيقية.
والبدعة الإضافية قام عليها الدليل من جهة الأصل إلا أنها لم يقم عليها دليل من جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل ونحو ذلك، فهي لها شائبتان شائبة في السنة وشائبة في البدعة، فلذلك أطلق عليها الشاطبي البدعة الإضافية، وهذا مجرد اصطلاح للتقسيم، وتابعه عليه العلماء، فلذلك لم أشاحه في الاصطلاح، ونحيت منحاه.
وقد أطلق الشاطبي لفظ البدعة الإضافية على أنواع أخرى سوف أذكرها بمشيئة الله في الفقرة التالية.
أقسام الأدلة التي يستند إليها المبتدع في بدعته والتي تنقسم البدعة تبعاً لها إلى حقيقية أو إضافية:
تكلم الشاطبي عن البدعة الإضافية، وكشف اللثام عن مقصوده فيها بالتقعيد لها، والتمثيل عليها، وتتابع العلماء على كلامه بالتلخيص وكان من أوفق من وقفت على كلامه في ذلك الشيخ الغامدي حيث فهم محتوى عباراته، ثم أحسن عرضها وزاد عليها، وإليك ملخص ما ذكر بما يتضح به المقصود، والله المستعان.
قال الشيخ الغامدي: [ما من مبتدع في دين الله إلا وهو يتعلق في بدعته بدليل يدعي استنادها إليه، ولا يستطيع ترك التعلق بالأدلة؛ لئلا ينسب إليه مضاهاة الشريعة، أو الخروج عليها صراحة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى يثبت صلاحية هذه البدعة للتعبد والتقرب بها، ولا يمكن له ذلك، ما لم يساندها بأدلة يزعم أنها تعتمد عليها، والأدلة التي يستدل بها المبتدع على بدعته تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أدلة غير معتبرة، وهي صنفان:
стр. 82
الأول: أدلة غير شرعية فاسدة الأصل والدلالة، ويدخل في هذا الصنف أدلة أهل الأهواء، كالرأي والنظر، والذوق والكشف ونحو ذلك، ومن أمثلة هذا الصنف: التحسين والتقبيح عند المعتزلة والأشاعرة، والرؤى والكشوف الشيطانية عند المتصوفة، وعصمة الأئمة عند الرافضة.
إذ تجد في كتب المعتزلة والأشاعرة عند حديثهم عن بعض القضايا الإعتقادية أو الأصولية، أنهم يبنون كلامهم ونقاشهم على التحسين والتقبيح ويستدلون به على صحة القضية أو فسادها، ويجعلونها مقبولة أو مردودة، من خلال موافقتها أو مخالفتها للتحسين والتقبيح الذي يعتقده، ويستدل به وهذا كثير في كتب المعتزلة والأشاعرة.
وتجد أن كثير من الصوفية يبنون أعمالهم وأقوالهم المبتدعة على رؤيا رآها، أو رؤيت له، أو رآها شيخه، أو على كشف شيطاني بان له، أو على ذوق نفسي وجده. ويستدلل على مشروعية عمله أو جوازه بهذه الأدلة الفاسدة وأمثالها وهذا داخل في البدع الحقيقية. وأمثلة هذا الصنف عديدة بعدد الأهواء وأهلها.
الصنف الثاني: أدلة شرعية غير ثابتة، كالأحاديث المتفق على أنها ضعيفة أو موضوعة، أو لا أصل لها، وغير ذلك من أقسام ومسميات الضعيف، فما انبنى على هذا الصنف فهو من البدع الحقيقية، وأما إن كان ثبوتها أو ضعفها مختلفاً فيه بين العلماء المعتبرين فالحديث عنها في البدعة الإضافية.
القسم الثاني: أدلة معتبرة شرعاً:
وهذه ينظر في استدلال المبتدع بها، فإن كان له نوع شبهة في استدلاله كأن يكون للبدعة شائبة تعلق بهذا الدليل، فهذا من قسم البدع الإضافية.
وإن كان المستدل بالدليل الشرعي الثابت لا وجه لاستدلاله، لا في نفس الأمر، ولا بحسب الظاهر، لا في الجملة، ولا في التفصيل، وليست هناك شائبة تعلق بين الدليل والبدعة، ولا شبهة اتصال بينهما، فهذا من قسم البدع الحقيقية ...
أما ما يتعلق بالحقيقية والإضافية من جهة التصاق البدعة بالعمل المشروع أو انفرادها عنه، فإن الأمر لا يخلو من أحد هذه الأوجه الأربعة:
١ - أن تنفرد البدعة عن العمل المشروع.
стр. 83
٢ - أن تلتصق البدعة بالعمل المشروع.
٣ - أن تصير البدعة الملتصقة بالعمل المشروع وصفاً لذلك العمل غير منفك عنه.
٤ - أن لا تصير وصفاً له.
فإذا انفردت البدعة عن العمل المشروع، فينظر في دليلها الذي استند إليه المبتدع، فإن كان ثابتاً أو مختلفاً في ثبوته، وفي الاستدلال به شبهة يمكن أن يتعلق بها المبتدع، وشائبة يمكن أن تتعلق بها البدعة فالبدعة هنا إضافية. وما عدا ذلك فتكون البدعة حقيقية ...
أما إذا التصقت البدعة بالعمل المشروع فلا يخلو من أحد حالين:
الأول أن تصير وصفا للمشروع غير منفك عنه، وهذه قد تكون بدعة حقيقية، وقد تكون إضافية بحسب دليلها الذي قامت عليه كما مر.
إلا أن الغالب فيها: أنها تكون بدعة حقيقية، وذلك أن البدعة التي صارت وصفاً للمشروع بسبب التصاقها به، تكون قد أدت إلى انقلاب العمل المشروع إلى عمل غير مشروع ... ومن أمثلة ذلك: قراءة القرآن بالإدارة على صوت واحد، فإن قراءة القرآن من الأعمال المشروعة ولكن لما اتخذ لها
المبتدع هذا الوصف البدعي الملازم لها صارت من البدع الحقيقية.
الثاني: أن لا تصبح البدعة الملتصقة بالعمل المشروع وصفاً لازماً له. وهي في هذه الحالة لا تخلو من أن تكون عرضة لأن تنضم إلى العبادة المشروعة حتى يعتقد أنها من أوصافها، أو جزءاً منها أو، لا تكون كذلك، وهي في حالتيها هاتين قد تكون حقيقية، وقد تكون إضافية بحسب الدليل الذي يستدل به المبتدع كما مر.
إلا أن الغالب عن هذه البدعة أن تكون إضافية لغلبة جانب العمل المشروع وعدم تغطية البدعة عليه.
ومن أمثلة هذا النوع: الجهر بالنية في الصلاة، فإنه بدعة ملاصقة للصلاة المشروعة، ولكنها لم تصبح وصفاً لازماً مستولياً على العمل المشروع ومغطياً
стр. 84
عليه، بحيث يتغلب جانب الابتداع على جانب المشروعية، كما هو الحال في البدعة الحقيقية، ومن أجل ذلك كانت هذه البدعة إضافية ...
وقد تبين فيما سبق غالب ملامح البدع الإضافية، إلا أنه يمكن أن يقال من باب التوضيح أن: (البدعة الإضافية) هي كما قال الشاطبي: التي لها شائبتان: إحداهما: لها من الأدلة تعلق فلا تكون من هذه الجهة بدعة، والأخرى: ليس لها متعلق إلا مثل ما للبدعة الحقيقية ... ).
وقال أيضاً: ﵀ – ( ... فمعنى الإضافية أنها مشروعة من وجه ورأي مجرد من وجه، إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض أحوالها فلم تناف الأدلة من كل وجه ... ).
وعند التأمل في هذه المعنى الذي ذكره الشاطبي يتضح أن نَظَره انصبّ على علاقة العمل المخترع بالعمل المشروع من حيث الانفراد والالتصاق.
وقد سبق بيان أثر هاتين العلاقتين في اعتبار البدعة حقيقية أو إضافية. غير أن الشاطبي – ﵀– فصّل في جانب علاقة البدعة بالدليل تفصيلاً بنى عليه الفرق بين البدعتين فقال: ( ... فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضعنا له هذه التسمية وهي (البدعة الإضافية) أي أنها بالنسبة إلى إحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل ... ) ومراده بها الإسناد ما سلف تفصيله في شأن الأدلة التي يعتمد عليها المبتدع.
هذا هو الجانب الأول، وهو في النظر إلى البدعة من جهة الدليل أما الجانب الثاني، وهو النظر إلى البدعة من جهة التصاقها بالعمل المشروع أو انفصالها عنه، وقد سبق تفصيل هذا ...
أقسام البدعة الإضافية:
قسمها الشاطبي ﵀ إلى قسمين فقال: (الإضافية أولا على ضربين: أحدهما يقرب من الحقيقية، حتى تكاد البدعة تُعد حقيقية. والآخر يبعُد عنها حتى يكاد يعد سنة محضة ... ).
стр. 85
وهذا التقسيم مبني على النظر المذكور سلفاً من جهة اقتران البدعة بالعمل المشروع، أو انفصالها عنه أولاً، ثم من جهة اعتماد فاعلها على الدليل ثانياً .. وقد بين الشاطبي معنى هذا التقسيم عند ذكره للأمثلة على كل قسم، وأطنب في ذلك وسأكتفي في هذا المجال بذكر بعض الأمثلة ...
فمثال القسم الأول: وهو الذي يقرب من الحقيقية حتى يكاد يعد منها:
ملازمة الخشن من الثياب أو الطعام مع القدرة على غيره من الطيبات لمجرد التشديد على النفس، بقصد التقرب إلى الله تعالى بذلك لا لأجل غرض صحيح معتبر شرعاً: ككسر كِبْر، أو إسقاط عُجْب، أو مقاومة شهوة باطلة، ونحو ذلك .. فهذا من البدع الإضافية الذي يقترب من الحقيقية حتى تكاد تعد البدعة حقيقية؛ وذلك لأن فيه إيثار الحرمان على التنعم بنعم الله المباحة، وفيه التشديد والتنطع الذي نهى عنهما الشرع، وفيه القصد إلى ما تكرهه النفس بما ليس من مطلوبات الشرع، ولا من مقاصده، لأن الشرع لم يقصد إلى تعذيب النفس والتشديد عليها في التكليف وهذا مخالف لقوله: ﷺ : (إن لنفسك عليك حقاً)) (١) ...
فمن عمد إلى مخالفة محبات النفس التي أباحها الشرع من غير غرض صحيح معتبر شرعاً، فهو مبتدع يتقرب إلى الله بما لم يشرعه، مثل مخالفة النفس في النكاح، أو المنام، أو بعض أنواع الطعام أو اللباس المباح، كل ذلك داخل تحت هذا النوع من البدع الإضافية، الذي يقترب من البدع الحقيقية بل إن بعض أنواع هذا القسم هو من البدع الحقيقية بلا ريب ... وإنما عُدَّت من البدع الإضافية؛ لكون فاعلها يعتمد على بعض الأدلة التي تدعو للزهادة في الدنيا، والتخفف من مباحاتها، وبعض سير السلف – ﵏ – في ذلك مما قد يعد شبه استدلال، وقد مر أن البدعة الإضافية في إحدى جهتيها تتعلق بالسنة لأنها مستندة إلى دليل شرعي، وفي الجهة الأخرى بدعة، لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل ...
أما القسم الثاني من أقسام البدعة الإضافية، وهو ما يبعد عن البدعة حتى يكاد يعد سنة محضة ... فقد ضرب له الشاطبي بعض الأمثلة منها:
стр. 86
العمل الذي شرع أصله ولكنه يصير جارياً مجرى البدعة من باب سد الذرائع. كأن يلتزم النوافل التزام السنن الرواتب، إما دائماً وإما في أوقات محدودة وعلى طريقة محدودة ... ومثال هذا أن يلتزم صلاة نافلة مطلقة في وقت معين، ويداوم على ذلك ويظهرها في المساجد أو يقيمها جماعة ...
والسبب في اعتبار هذا العمل وأمثاله من البدع الإضافية، التي تكاد تعد سنة محضة هو أن العامل له يُخرج العمل عن بابه الذي وضعه الشرع فيه، ويضع له خاصية ليست مشروعة له ... وهذا زيادة على الشرع وتقييد بلا دليل، حتى مع افتراض أن العمل في ذاته صحيحاً فإخراجه عن بابه اعتقاداً وعملاً من باب إفساد الأحكام الشرعية، ومن باب التزوّد على الشرع والتقديم بين يدي الله ورسوله.
وقد تعرض الإمام الشاطبي ﵀ لأمور أخرى غير ما سبق وعدها من البدع الإضافية منها:
١ - المتشابه: ويراد به كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فيُنهى عنه أم غير بدعة فيعمل به ... وهذا المشتبه فيه من حيث البدعة أو عدمها، يخرج بسبب هذا التردد بين الحل والحرمة من نطاق البدعة الحقيقية؛ لأنه كما مرّ: أن البدعة الإضافية ذات وجهين، وتعلق بأمرين، أحدهما مشروع
والأخر ممنوع، ومن أجل ذلك قيل إن هذا القسم من قبيل البدع الإضافية، وله أمثلة ذكرها الشاطبي يأتي هنا إيجاز بعضها.
المثال الأول:
إذا تعارضت الأدلة على المجتهد في أن العمل الفلاني سنة يُتعبد بها أو بدعة فلا يصح التعبد بها، ولم يستطع أن يجمع بين الأدلة ولم يتبين له إسقاط بعضها بنسخ أو ترجيح أو تخصيص أو تقييد وغير ذلك، من طرق ووسائل الترجيح. فلو عمل بمقتضى أدلة المشروعية من غير مرجح لكان عاملاً بمتشابه لإمكان صحة الأدلة على عدم المشروعية، فالصواب الوقوف عن العمل استبراءً لدينه وتنزيهاً عن الوقوع في الشبهات، مع أن هذا قد يقع لمجتهدٍ فيكون عنده من المشتبهات، ولا يقع لآخر فيكون من الواضحات.
стр. 87
ومن الأمور التي ألحقها الشاطبي بالبدعة الإضافية:
٢ - أن يكون أصل العبادة مشروعا إلا أنها تخرج عن أصل شرعيتها بغير دليل، توهماً أنها باقية على أصلها تحت مقتضى الدليل، وذلك بأن يقيد إطلاقها بالرأي أو يطلق تقييدها. وقد جعل الشاطبي هذه البدعة من الإضافية التي تقرب من الحقيقية.
وقد ضرب الشاطبي لهذا النوع من البدع الإضافية أمثلة منها: ... إذا جاء إنسان فخصص يوماً من الأسبوع كالأربعاء أو أياماً من الشهر كالأول والثلاثين وما أشبه ذلك، فإن هذا التخصيص آت من جهة رأيه وهواه .. وهو تخصيص بغير دليل، يضاهي به تخصيص الشارع أياماً بأعيانها دون غيرها فصار هذا التخصيص من المكلف بدعة؛ لكونه تشريع بغير مستند، وتقييد بغير دليل، وإخراج للعبادة المشروعة عن وضعها الشرعي إلى وضع مبتدع ..
ومنها: تخصيص الأيام الفاضلة كعشر ذي الحجة وعاشوراء ويومي العيد بأنواع من العبادات التي لم تشرع، كتخصيص يوم كذا بصلاة كذا وكذا من الركعات، أو ليلة كذا بختم القرآن فيها أو بإحيائها بالصلاة والذكر وما أشبه ذلك من أنواع التخصيصات التي لا دليل عليها.
فيكون هذا التخصيص والعمل به من البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية. ولا حجة في القول بأن هذا اليوم أو هذه الليلة لها من الفضل كذا وكذا فيحسن إيقاع العبادات فيها لأن الذي بين هذا الزمان قادر على تشريع ما يلائمه من قربات، وقد عُرف من الشرع أنه خصص أياماً فاضلة بأنواع من العبادات والقربات لا توجد في غيرها من الأيام، فدل ذلك على أن مجرد الأفضلية لا يكون سبباً في إيقاع العبادات كما أن التخصيص بعبادة في زمن ما من حقوق الشرع وخصائصه، وليست تابعه لآراء العباد وأهوائهم.
ومن الأمور التي ألحقها الشاطبي بالبدع الإضافية:
٣ - تحديث الناس بما لا يفقهون، وتكليمهم في دقائق العلوم وصعاب المسائل التي لا تصل إليها أفهامهم. وهذا العمل يكون بدعة باعتقاد فاعله: أنه يتقرب إلى
стр. 88
الله بحديثه في هذه الأمور، أو أنه بفعله هذا ينشر العلم الشرعي، ونحو ذلك من المتعلقات التي يريد من خلالها تحصيل الأجر والمثوبة ... ] (١)
الباب الثالث: تتمات
والكلام في هذا الفصل كالمتمم للبابين السابقين، فنتكلم فيه - إن شاء الله - عن بعض الفصول التي تتمم التأصيل لمعنى وحقيقية البدعة، مع زيادات أخرى لا تخرج عن المقصود، والله الموفق.
стр. 89
الفصل الأول: أقسام البدعة:
تنقسم البدعة إلى أقسام كثيرة تبعاً لاعتبارات التقسيم.
(فتنقسم إلى بدعة فعلية وتركية تبعاً للنظر إلى فعل النبي ﷺ أو المكلف - كما سبق توضيح ذلك.
(وتنقسم إلى حقيقية وإضافية تبعاً للنظر إلى الأدلة على تفصيل سبق آنفاً. وقد سبق الحديث عن هذين القسمين.
(وتنقسم البدعة بالنظر إلى ذاتها إلى: كلية وجزئية، ومركبة وبسيطة.
قال الشيخ الغامدي: [فأما البدعة الكلية فهي التي تعتبر كالقاعدة أو الأصل لبدع أخرى تنبني عليها ويتعدى أثرها إلى أمور كثيرة.
مثل بدعة عصمة الأئمة عند الرافضة، فهي بدعة كلية ترتب عليها جملة من الضلالات والبدع، كإنزالهم أئمتهم منزلة لا يصلها نبي مرسل ولا ملك مقرب، واعتقاد الصواب المطلق في أقوالهم وأفعالهم، وكاعتقاد خروج المهدي من السرداب، وغير ذلك من الانحرافات.
ومن البدع الكلية الأصول الخمسة عند المعتزلة، والقول بأن للشريعة ظاهراً وباطناً كما تقول الباطنية، والزعم بأن منزلة الولي فوق منزلة النبي كما يقول زنادقة الصوفية، وترك العمل بالحديث النبوي كما فعلت الخوارج ...
وأما البدعة الجزئية: فهي لا تتجاور ذاتها، فلا يبني عليها شيء من البدع ولا يمتد أثرها إلى شيء من الأعمال الأخرى، التي يفعلها صاحبها فهي على عكس البدعة الكلية، ومن أمثلتها بدعة المداومة على المصافحة عقب الصلوات، وبدعة الجهر بالنية في الصلاة، وبدعة تلقين الميت في قبره بعد دفنه، ونحو ذلك.
وأما البدعة المركبة: فهي التي اشتملت على مجموعة من البدع وحوت عدت محدثات، انضمت إلى بعضها حتى أصبحت كأنها بدعة واحدة، ومثالها بدعة المولد، إذ تضم هذه البدعة لفيفاً من البدع، وتشتمل على عدت مخالفات شرعية منها تخصيص يوم معين، وذكراً معين، وهيئة معينة بغير دليل، وإحداث أوراد وأشعار مبتدعة تحوي أصنافاً من الأكاذيب والضلالات وغير ذلك.
стр. 90
وأما البدعة البسيطة: فهي على عكس المركبة إذ هي مخالفة بدعية لا يدخل معها غيرها وتشبه الجزئية .. ] (١)
(وتنقسم أيضا بالنظر إلى حكمها إلى بدعة مكفرة وغير مكفرة، والبعض قسمها إلى كبيرة وصغيرة، وإلى محرمة ومكروهة، وهذا يوجهنا إلى الفصل التالي، وهو الكلام عن حكم البدعة ثم نعود لذكر هذا التقسيم ليتجلى المقام تجلياً تاماً بإذن الله - تعالى -.
الفصل الثاني:
حكم البدعة:
المبحث الأول: بيان تفاوت البدع وأنها ليست على رتبة واحدة:
قال الشاطبي في الباب السادس في أحكام البدع، وأنها ليست على رتبة واحدة: [اعلم أنا إذا بنينا على أن البدع منقسمة إلى الأحكام الخمسة فلا إشكال في اختلاف رتبتها لأن النهى من جهة انقسامه إلى نهى الكراهية ونهى التحريم يستلزم أن أحدهما أشد في النهى من الآخر فإذا انضم إليهما قسم الإباحة ظهر الاختلاف في الأقسام فإذا اجتمع إليها قسم الندب وقسم الوجوب كان الاختلاف فيها أوضح وقد مر من أمثلتها أشياء كثيرة لكنا لا نبسط القول في هذا التقسيم ولا بيان رتبه بالأشد والأضعف لأنه إما أن يكون حقيقيا فالكلام فيه عناء وإن كان غير حقيقي فقد تقدم أنه غير صحيح فلا فائدة في التفريع على مالا يصح وإن عرض في ذلك نظر أو تفريع فإنما يذكر بحكم التبع بحول الله.
فإذا خرج عن هذا التقسيم ثلاثة أقسام قسم الوجوب وقسم الندب وقسم الإباحة انحصر النظر فيما بقى وهو الذي ثبت من التقسيم غير انه ورد النهى عنها على وجه واحد ونسبته إلى الضلالة واحدة في قوله: " إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (٢) وهذا عام في كل بدعة فيقع السؤال
стр. 91
هل لها حكم واحد أم لا فنقول ثبت في الأصول أن الأحكام الشرعية خمسة نخرج عنها الثلاثة فيبقى حكم الكراهية وحكم التحريم فاقتضى النظر انقسام البدع إلى القسمين، فمنها بدعة محرمة ومنها بدعة مكروهة (١) وذلك أنها داخلة تحت جنس المنهيات لا تعدو الكراهة والتحريم فالبدع كذلك. هذا وجه.
ووجه ثان: أن البدع إذا تؤمل معقولها وجدت رتبها متفاوتة فمنها ما هو كفر صراح كبدعة الجاهلية التي نبه عليها القرآن كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ وكذلك بدعة المنافقين حيث اتخذوا الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك مما لا يشك أنه كفر صراح، ومنها ما هو من المعاصى التي ليست بكفر أو يختلف هل هي كفر أم لا كبدعة الخوارج والقدرية والمرجئة ومن أشبههم من الفرق الضالة، ومنها ما هو معصية ويتفق عليها ليست بكفر كبدعة التبتل والصيام قائما في الشمس والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع، ومنها ما هو مكروه كما يقول مالك في إتباع رمضان بست من شوال وقراءة القرآن بالإدارة والاجتماع للدعاء عشية عرفة وذكر السلاطين في خطبة الجمعة - على ما قاله ابن عبد السلام الشافعى - وما أشبه ذلك.
فمعلوم أن هذه البدع ليست في رتبة واحدة فلا يصح مع هذا أن يقال إنها على حكم واحد هو الكراهة فقط أو التحريم فقط.
стр. 92
وجه ثالث إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر ... وإذا كان كذلك فالبدع من جملة المعاصي وقد ثبت التفاوت في المعاصي فكذلك يتصور مثله في البدع، فمنها ما يقع في الضروريات أي أنه إخلال بها ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات ومنها ما يقع في رتبة التحسينيات وما يقع في رتبة الضروريات منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال ... ] (١).
المبحث الثاني: بيان وجه خروج المكروه تنزيهاً عن حكم البدع:
قال الشاطبي: [إذا تقرر أن البدع ليست في الذم ولا في النهى على رتبة واحدة وأن منها ما هو مكروه كما أن منها ما هو محرم فوصف الضلالة لازم لها وشامل لأنواعها لما ثبت من قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة "، لكن يبقى هاهنا إشكال وهو أن الضلالة ضد الهدى لقوله تعالى: ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ. وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِل﴾ وأشباه ذلك مما قوبل فيه بين الهدى والضلال فإنه يقتضي أنهما ضدان وليس بينهما واسطة تعتبر في الشرع فدل على أن البدع المكروهة خروج عن الهدى، ونظيره في المخالفات التي ليست ببدع المكروه من الأفعال كالالتفات اليسير في الصلاة من غير حاجة، والصلاة وهو يدافعه الأخبثان وما أشبه ذلك. ونظيره في الحديث: " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يحرم علينا " فالمرتكب للمكروه لا يصح أن يقال فيه مخالف ولا عاص مع أن الطاعة ضدها المعصية، وفاعل المندوب مطيع؛ لأنه فاعل ما أمر به فإذا اعتبرت الضد لزم أن يكون فاعل المكروه عاصيا؛ لأنه فاعل ما نهى عنه، لكن ذلك غير صحيح؛ إذا فلا يطلق عليه عاص فكذلك لا يكون فاعل البدعة المكروهة ضالا وإلا فلا فرق بين اعتبار الضد في الطاعة واعتباره في الهدى فكما يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة فكذلك يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية وإلا فلا يطلق على البدعة المكروهة لفظ الضلالة كما لا يطلق على الفعل المكروه لفظ المعصية.
إلا أنه قد تقدم عموم لفظ الضلالة لكل بدعة فليعم لفظ المعصية لكل فعل مكروه لكن هذا باطل فما لزم عنه كذلك.
стр. 93
والجواب أن عموم لفظ الضلالة لكل بدعة ثابت كما تقدم بسطه، وما التزمتم في الفعل المكروه غير لازم فإنه لا يلزم في الأفعال أن تجرى على الضدية المذكورة إلا بعد استقراء الشرع ولما استقرينا موارد الأحكام الشرعية وجدنا للطاعة والمعصية واسطة متفقا عليها أو كالمتفق عليها وهى المباح وحقيقته أنه ليس بطاعة من حيث هو مباح، فالأمر والنهي ضدان بينهما واسطة لا يتعلق بها أمر ولا نهى وأنما يتعلق بها التخيير، وإذا تأملنا المكروه حسبما قرره الأصوليون وجدناه ذا طرفين طرف من حيث هو منهي عنه فيستوي مع المحرم في مطلق النهى فربما يتوهم أن مخالفة نهى الكراهية معصية من حيث اشترك مع المحرم في مطلق المخالفة، غير أنه يصد عن هذا الإطلاق الطرف الآخر وهو أن يعتبر من حيث لا يترتب على فاعلة ذم شرعي ولا إثم ولا عقاب فخالف المحرم من هذا الوجه وشارك المباح فيه لأن المباح لا ذم على فاعله ولا إثم ولا عقاب فتحاموا أن يطلقوا على ما هذا شأنه عبارة المعصية، وإذا ثبت هذا ووجدنا بين الطاعة والمعصية واسطة يصح أن يدخل تحتها المكروه لم يصح أن يتناوله ضد الطاعة فلا يطلق عليه لفظ المعصية بخلاف الهدى والضلال فإنه لا واسطة بينهما في الشرع يصح أن ينسب إليها لفظ المكروه من البدع، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ فليس إلا حق وهو الهدى والضلال وهو باطل فالبدع المكروهة ضلال.
وأما ثانيا فإن إثبات قسم الكراهة في البدع على الحقيقة مما ينظر فيه فلا يغتر المغتر بإطلاق المتقدمين من الفقهاء لفظ المكروه على بعض، وإنما حقيقة المسالة أن البدع ليست على رتبة واحدة في الذم كما تقدم بيانه وأما تعيين الكراهة التي معناها نفى إثم فاعلها وارتفاع الحرج البتة فهذا مما لا يكاد يوجد عليه دليل من الشرع ولا من كلام الأئمة على الخصوص، أما الشرع ففيه ما يدل على خلاف ذلك لأن رسول الله ﷺ رد على من قال أما أنا فأقوم الليل ولا أنام وقال الآخر أما أنا فلا أنكح النساء إلى آخر ما قالوا فرد عليهم ذلك ﷺ وقال: " من رغب عن سنتي فليس مني " وهذه العبارة أشد شيء في الإنكار ولم يكن ما التزموا إلا فعل مندوب أو ترك مندوب إلى فعل مندوب آخر وكذلك ما
стр. 94
في الحديث أنه ﵇ رأى رجلا قائما في الشمس فقال: "ما بال هذا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم " فقال رسول الله ﷺ : " مره فليجلس وليتكلم وليستظل وليتم صومه " قال مالك أمره أن يتم ما كان لله عليه فيه طاعة ويترك ما كان عليه فيه معصية ...
وكليه قوله: " كل بدعة ضلالة " شاهدة لهذا المعنى والجميع يقتضي التأثيم والتهديد والوعيد وهي خاصية المحرم ...
وأما كلام العلماء فإنهم وإن أطلقوا الكراهية في الأمور المنهي عنها لا يعنون بها كراهية التنزيه فقط وإنما هذا اصطلاح للمتأخرين حين أرادوا أن يفرقوا بين القبلتين، فيطلقون لفظ الكراهية على كراهية التنزيه فقط ويخصون كراهية التحريم بلفظ التحريم والمنع وأشباه ذلك، وأما المتقدمون من السلف فإنهم لم يكن من شأنهم فيما لا نص فيه صريحا أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام، ويتحامون هذه العبارة خوفا مما في الآية من قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وحكى مالك عمن تقدمه هذا المعنى. فإذا وجدت في كلامهم في البدعة أو غيرها أكره هذا ولا أحب هذا وهذا مكروه وما أشبه ذلك فلا تقطعن على أنهم يريدون التنزيه فقط، فإنه إذا دل الدليل في جميع البدع على أنها ضلالة فمن أين يعد فيها ما هو مكروه كراهية التنزيه ...
وأما ثالثا فإنا إذا تأملنا حقيقة البدعة دقت أو جلت وجدناها مخالفة للمكروه من المنهيات المخالفة التامة، وبيان ذلك من أوجه أحدها أن مرتكب المكروه إنما قصده نيل غرضه وشهوته العاجلة متكلا على العفو اللازم فيه ورفع الحرج الثابت في الشريعة فهو إلى الطمع رحمة الله أقرب وأيضا فليس عقده الإيماني بمتزحزح؛ لأنه يعتقد المكروه مكروها كما يعتقد الحرام حراما وإن ارتكبه فهو يخاف الله ويرجوه والخوف والرجاء شعبتان من شعب الإيمان، فكذلك مرتكب المكروه يرى أن الترك أولى في حقه من الفعل وأن نفسه الأمارة زينت له الدخول فيه، ويود لو لم يفعل وأيضا فلا يزال إذا تذكر منكسر القلب طامعا في الإقلاع سواء عليه أخذ في أسباب الإقلاع أم لا. ومرتكب أدنى البدع يكاد يكون على ضد هذه الأحوال
стр. 95
فإنه يعد ما دخل فيه حسنا بل يراه أولى بما حد له الشارع فأين مع هذا خوفه أو رجاؤه وهو يزعم أن طريقه هدى سبيلا ونحلته أولى بالاتباع، هذا وإن كان زعمه شبهة عرضت فقد شهد الشرع بالآيات والأحاديث أنه متبع للهوى ... والحاصل أن النسبة بين المكروه من الأعمال وبين أدنى البدع بعيد الملتمس] (١).
قال الشيخ الألباني: [يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي بها الرجل في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة وليس في البدع - كما يتوهم البعض - ما هو في رتبة المكروه فقط] (٢).
المبحث الثالث: هل تنقسم البدع إلى صغائر وكبائر:
قال ابن القيم: [وقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل السنة. قلت: يريد أن البدعة من الكبائر وأنها أكبر من كبائر أهل السنة فكبائر أهل السنة صغائر بالنسبة إلى البدع وهذا معنى قول بعض السلف البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها] (٣).
وهذا المعنى نصره ابن القيم أيضاً عندما تكلم عن مراحل تدرج الشيطان في الإغواء، فجعل العقبة الأولى هي الكفر، والعقبة الثانية هي البدعة، والثالثة هي الكبائر ...
قال ابن القيم: (العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه وبصفات كماله
وبما أخبرت به رسله عنه فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية وسلم معه نور الإيمان طلبه على العقبة الثانية وهي عقبة البدعة إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين التي لا يقبل الله منها شيئا والبدعتان في الغالب متلازمتان قل أن تنفك إحداهما عن الأخرى ... فإن قطع هذه العقبة وخلص منها بنور السنة واعتصم منها بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السلف الأخيار من الصحابة والتابعين لهم
стр. 96
بإحسان ... طلبه على العقبة الثالثة وهي عقبة الكبائر فإن ظفر به فيها زينها له وحسنها في عينه وسوف به وفتح له باب الإرجاء ... والظفر به في عقبة البدعة أحب إليه لمناقضتها الدين ودفعها لما بعث الله به رسوله وصاحبها لا يتوب منها ولا يرجع عنها بل يدعو الخلق إليها ولتضمنها القول على الله بلا علم ومعاداة صريح السنة ومعاداة أهلها والاجتهاد على إطفاء نور السنة وتولية من عزله الله ورسوله وعزل من ولاه الله ورسوله واعتبار ما رده الله ورسوله ورد ما اعتبره وموالاة من عاداه ومعاداة من والاه وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته وتكذيب الصادق وتصديق الكاذب ومعارضة الحق بالباطل وقلب الحقائق بجعل الحق باطلا والباطل حقا والإلحاد في دين الله وتعمية الحق على القلوب وطلب العوج لصراط الله المستقيم وفتح باب تبديل الدين جملة فإن البدع تستدرج بصغيرها إلى كبيرها حتى ينسلخ صاحبها من الدين كما تنسل الشعرة من العجين] (١).
فهذا يدل على أن البدعة عنده أكبر من الكبائر، ولكن طرد هذا الكلام هل يستقيم؟ ! أم أنه من ناحية الجنس فقط (٢)، بمعنى أنه لا منافاة بين هذا الأصل وأن تكون بعض البدع كنحو رفع الإمام يديه يوم الجمعة في إثناء الخطبة أو المصافحة عقب الصلوات ونحو ذلك مما سيأتي التمثيل به، أخف من بعض الكبائر كترك الصلاة، والزنا، وقتل النفس، وشرب الخمر، ...
(لازم ما سيأتي من كلام الشاطبي اختيار القول الأخير، فقد ذهب إلى أن البدع تنقسم إلى كبائر وصغائر بأوصاف وشروط، فتعالوا نتوقف مع كلامه لنتبين وجهه، والله المستعان.
قال الشاطبي: [المحرم ينقسم في الشرع إلى ما هو صغيرة وإلى ما هو كبيرة حسبما تبين في علم الأصول الدينية فكذلك يقال في البدع المحرمة إنها تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة اعتبارا بتفاوت درجاتها كما تقدم وهذا على القول بأن المعاصي تنقسم إلى الصغيرة والكبيرة، ولقد اختلفوا في الفرق بينهما على أوجه
стр. 97
وجميع ما قالوه لعله لا يوفى بذلك المقصود على الكمال فلنترك التفريع عليه، وأقرب وجه يلتمس لهذا المطلب ما تقرر في كتاب الموافقات أن الكبائر منحصرة في الإخلال بالضروريات المعتبرة في كل ملة، وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال وكل ما نص عليه راجع إليها وما لم ينص عليه جرت في الاعتبار والنظر مجراها وهو الذي يجمع أشتات ما ذكره العلماء وما لم يذكروه مما هو في معناه. (١)
فكذلك نقول في كبائر البدع (٢) ما أخل منها بأصل من هذه الضروريات فهو كبيرة ومالا فهي صغيرة (٣)، فكما انحصرت كبائر المعاصي أحسن انحصار حسبما أشير إليه في ذلك الكتاب كذلك تنحصر كبائر البدع أيضا، وعند ذلك يعترض في المسألة إشكال عظيم على أهل البدع يعسر التخلص عنه في إثبات الصغائر فيها؛ وذلك أن جميع البدع راجعة إلى الإخلال بالدين إما أصلا وإما فرعا لأنها إنما أحدثت لتلحق بالمشروع زيادة فيه أو نقصانا منه أو تغييرا لقوافيه أو ما يرجع إلى ذلك وليس ذلك بمختص بالعبادات دون العادات إن قلنا بدخولها في العادات بل تمنع الجميع، وإذا كانت بكليتها إخلالا بالدين فهي إذا إخلال بأول الضروريات وهو الدين وقد أثبت الحديث الصحيح أن كل بدعة ضلالة وقال في الفرق: " كلها في النار إلا واحدة " وهذا وعيد أيضا للجميع على التفصيل، هذا وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر
стр. 98
كما أن القواعد الخمس أركان الدين وهي متفاوتة في الترتيب فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان وكذلك سائرها مع الإخلال فكل منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة.
ويجاب عنه بأن هذا النظر يدل على ما ذكر ففي النظر ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغيرة من أوجه:
أحدها أنا نقول الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال ولكنها على مراتب أدناها لا يسمى كبيرة فالقتل كبيرة وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها وقطع عضو واحد كبيرة دونها وهلم جرا إلى أن تنتهي إلى اللطمة ثم إلى أقل خدش يتصور فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة (١)، كما قال العلماء في السرقة إنها كبيرة لأنها إخلال بضرورة المال، فإن كانت السرقة في لقمة أو تطفيف بحبة فقد عدوه من الصغائر، وهذا في ضرورة الدين أيضا ... قال ابن رشد جائز عند مالك أن يروح الرجل قدميه في الصلاة. قاله في المدونة وإنما كره أن يقرنهما حتى لا يعتمد على إحداهما دون الأخرى لأن ذلك ليس من حدود الصلاة إذ لم يأت ذلك عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف والصحابة المرضيين وهو من محدثات الأمور انتهى، فمثل هذا إن كان يعده فاعله من محاسن الصلاة وإن لم يأت به اثر فيقال في مثله إنه من كبار البدع، كما يقال ذلك في الركعة الخامسة في الظهر ونحوها بل إنما يعد مثله من صغائر البدع إن سلمنا أن لفظ الكراهية فيه ما يراد به التنزيه وإذا ثبت ذلك في بعض الأمثلة في قاعدة الدين فمثله يتصور في سائر البدع المختلفة المراتب؛ فالصغائر في البدع ثابتة كما أنها في المعاصي ثابتة.
والثاني أن البدع تنقسم إلى ما هي كلية في الشريعة وإلى جزئية ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليا في الشريعة كبدعة التحسين والتقبيح العقليين وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارا على القرآن وبدعة الخوارج في قولهم
стр. 99
لا حكم إلا لله، وما أشبه ذلك من البدع التي لا تختص فرعا من فروع الشريعة دون فرع بل يجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئيا إنما يأتي في بعض الفروع دون بعض كبدعة التثويب بالصلاة الذي قال فيه مالك: التثوب ضلال وبدعة الأذان والإقامة في العيدين وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين وما أشبه ذلك، فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلا لها.
فالقسم الأول إذا عد من الكبائر اتضح مغزاه وأمكن أن يكون منحصرا داخلا تحت عموم الثنتين والسبعين فرقة ويكون الوعيد الآتي في الكتاب والسنة مخصوصا به لا عاما فيه وفي غيره ويكون ما عدا ذلك من قبيل اللمم المرجو فيه العفو الذي لا ينحصر إلى ذلك العدد (١)، فلا قطع على أن جميعها من واحد وقد ظهر وجه انقسامها.
والثالث أن المعاصي قد ثبت انقسامها إلى الصغائر والكبائر ولا شك أن البدع من جملة المعاصي على مقتضى الأدلة المتقدمة ونوع من أنواعها فاقتضى إطلاق التقسيم أن البدع تنقسم أيضا ولا يخصص وجودها بتعميم الدخول في الكبائر لأن ذلك تخصيص من غير مخصص ولو كان ذلك معتبرا لاستثنى من تقدم من العلماء القائلين بالتقسيم قسم البدع فكانوا ينصون على أن المعاصي ما عدا البدع تنقسم إلى الصغائر والكبائر إلا أنهم لم يلتفتوا إلى الاستثناء وأطلقوا القول بالانقسام فظهر أنه شامل لجميع ... أنواعها (٢).
فإن قيل إن ذلك التفاوت لا دليل فيه على إثبات الصغيرة مطلقا وإنما يدل ذلك على أنها تتفاضل فمنها ثقيل وأثقل ومنها خفيف وأخف والخفة هل تنتهي إلى
стр. 100
حد تعد البدعة فيه من قبيل اللمم، هذا فيه نظر، وقد ظهر معنى الكبيرة والصغيرة في المعاصي غير البدع.
وأما في البدع فثبت لها أمران أحدهما أنها مضادة للشارع ومراغمة له حيث نصب المبتدع نفسه نصب المستدرك على الشريعة لا نصب المكتفى بما حد له. والثاني أن كل بدعة وإن قلت تشريع زائد أو ناقص أو تغيير للأصل الصحيح وكل ذلك قد يكون على الانفراد وقد يكون ملحقا بما هو مشروع فيكون قادحا في المشروع ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدا لكفر إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر فلا فرق بين ما قل منه وما كثر، فمن فعل مثل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر لأن الجميع جناية لا تحملها الشريعة بقليل ولا بكثير ويعضد هذا النظر عموم الأدلة في ذم البدع من غير استثناء في الفرق بين بدعة جزئية وبدعة كلية.
وقد حصل الجواب عن السؤال الأول والثاني. وأما الثالث فلا حجة فيه لأن قوله ﵇ كل بدعة ضلالة وما تقدم من كلام السلف يدل على عموم الذم فيها، وظهر أنها مع المعاصي لا تنقسم ذلك الانقسام بل إنما ينقسم ما سواها من المعاصي.
وأقرب منها عبارة تناسب هذا التقرير أن يقال كل بدعة كبيرة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبتها فيكون منها صغار وكبار إما باعتبار أن بعضها أشد عقابا من بعض فالأشد عقابا أكبر مما دونه وإما باعتبار فوت المطلوب في المفسدة فكما انقسمت الطاعة باتباع السنة إلى الفاضل والأفضل لانقسام مصالحها إلى الكامل والأكمل انقسمت البدع لانقسام مفاسدها إلى الرذل والأرذل والصغر والكبر من باب النسب والإضافات فقد يكون الشيء كبيرا في نفسه لكنه صغير
стр. 101
بالنسبة إلى ما هو أكبر منه (١) ... فصار اعتقاد الصغائر فيها يكاد يكون من المتشابهات كما صار اعتقاد نفى الكراهية التنزيه عنها من الواضحات.
فليتأمل هذا الموضع أشد التأمل ويعط من الإنصاف حقه ولا ينظر إلى خفة الأمر في البدعة بالنسبة إلى صورتها وإن دقت بل ينظر إلى مصادمتها للشريعة ورميها لها بالنقص والاستدارك وأنها لم تكمل بعد حتى يوضع فيها بخلاف سائر المعاصي فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها بل صاحب المعصية متنصل منها مقر لله بمخالفته لحكمها، وحاصل المعصية أنها مخالفة في فعل المكلف لما يعتقد صحته من الشريعة والبدعة حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة ولذلك قال مالك بن أنس من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إلى آخر الحكاية، ومثلها جوابه لمن أراد أن يحرم من المدينة وقال أي فتنة فيها إنما هي أميال أزيدها، فقال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك فعلت فعلا قصر عنه رسول الله ﷺ .
فإذا يصح أن يكون في البدع ما هو صغيرة (٢). فالجواب أن ذلك يصح
بطريقة يظهر إن شاء الله أنها تحقيق في تشقيق هذه المسألة.
وذلك أن صاحب البدعة يتصور أن يكون عالما بكونها بدعة وأن يكون غير عالم بذلك وغير العالم بكونها بدعة على ضربين وهما المجتهد في استنباطها وتشريعها والمقلد له فيها، وعلى كل تقدير فالتأويل يصاحبه فيها ولا يفارقه إذا
стр. 102
حكمنا له بحكم أهل الإسلام لأنه مصادم للشارع مراغم للشرع بالزيادة فيه أو النقصان منه أو التحريف له فلا بد له من تأويل كقوله هي بدعة ولكنها مستحسنة أو يقول إنها بدعة ولكنى رأيت فلانا الفاضل يعمل بها أو يقر بها ولكنه يفعلها لحظ عاجل كفاعل الذنب لقضاء حظه العاجل خوفا على حظه أو فرارا من خوف على حظه أو فرارا من الاعتراض عليه في اتباع السنة كما هو الشأن اليوم في كثير ممن يشار إليه وما أشبه ذلك. وأما غير العالم وهو الواضع لها فإنه لا يمكن أن يعتقدها بدعة بل هي عنده مما يلحق بالمشروعات كقول من جعل يوم الاثنين يصام لأنه يوم مولد النبي ﷺ وجعل الثاني عشر من ربيع الأول ملحقا بأيام الأعياد لأنه ﵇ ولد فيه وكمن عد السماع والغناء مما يتقرب به إلى الله بناء على أنه يجلب الأحوال السنية ... فهذه كلها من قبل التأويل. وأما المقلد فكذلك أيضا لأنه يقول فلان المقتدى به يعمل بهذا العمل ... كاتخاذ الغناء جزءا من أجزاء طريقة التصوف بناء منهم على أن شيوخ التصوف قد سمعوه وتواجدوا عليه ومنهم من مات بسببه ...
ثم إن البدع على ضربين كلية وجزئية فأما الكلية فهي السارية فيما لا ينحصر من فروع الشريعة ومثالها بدع الفرق الثلاث والسبعين فإنها مختصة بالكليات منها دون الجزئيات ... وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية ولا يتحقق دخول هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة أو التطفيف بحبة وإن كان داخلا تحت وصف السرقة بل المتحقق دخول عظائمها وكلياتها كالنصاب في السرقة (١) ...
стр. 103
فعلى هذا إذا اجتمع في البدعة وصفان كونها جزئية وكونها بالتأويل صح أن تكون صغيرة والله أعلم، ومثاله مسالة من نذر أن يصوم قائما لا يجلس وضاحيا لا يستظل ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله من النوم أو لذيذ الطعام أو النساء أو الأكل بالنهار وما أشبه ذلك مما تقدم ذكره أو يأتي غير أن الكلية والجزئية قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية كما أن التأويل قد يقرب مأخذه وقد يبعد فيقع الإشكال في كثير من أمثلة هذا الفصل فيعد كبيرة ما هو من الصغائر وبالعكس فيوكل النظر
فيها إلى الاجتهاد (١) اهـ] (٢).
ثم قال: [وإذا قلنا إن من البدع ما يكون صغيرة (٣) فذلك بشروط:
стр. 104
أحدها أن لا يداوم عليها فإن الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها والإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ولذلك قالوا " لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار " (١) فكذلك البدعة من غير فرق إلا أن المعاصي من شأنها في الواقع أنها قد يصر عليها وقد لا يصر عليها ... بخلاف البدعة فإن شأنها في المداومة والحرص على أن لا تزال من موضعها ...
والشرط الثاني أن لا يدعو إليها فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها فيكون إثم ذلك كله عليه ...
والشرط الثالث أن لا تفعل في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن وتظهر فيها أعلام الشريعة فأما إظهارها في المجتمعات ممن يقتدى به أو ممن به الظن فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام فإنها لا تعدو أمرين إما أن يقتدى بصاحبها فيها فإن العوام أتباع كل ناعق ولا سيما البدع التي وكل الشيطان بتحسينها للناس والتي للنفوس في تحسينها هوى وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه لأن كل من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها فعلى حسب كثرة الأتباع يعظم عليه الوزر ...
والشرط الرابع أن لا يستصغرها ولا يستحقرها - وإن فرضناها صغيرة - فإن ذلك استهانة بها والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب به فكان ذلك سببا لعظم ما هو صغير ... فالعاصي وإن يعمل المعصية لم يقصد بتعمده الاستهانة بالجانب العلي الرباني وإنما قصد اتباع شهوته مثلا فيما جعله الشارع صغيرا أو كبيرا فيقع الإثم على حسبه كما أن البدعة لم يقصد بها صاحبها منازعة الشارع ولا التهاون بالشرع وإنما قصد الجري على مقتضاه لكن بتأويل زاده ورجحه على غيره بخلاف ما إذا تهاون بصغرها في الشرع فإنه إنما تهاون بمخالفة الملك الحق لأن النهى حاصل
стр. 105
ومخالفته حاصلة والتهاون بها عظيم ولذلك يقال لا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى عظمة من واجهته بها ...
فإذا تحصلت هذه الشروط فإذا ذاك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة فإن تخلف شرط منها أو أكثر صارت كبيرة أو خيف أن تصير كبيرة كما أن المعاصي كذلك والله أعلم] (١)
وجلّ هذه الشروط لا تنفك عن البدعة فصاحبها يُصِّر عليها لأنه يظن أنه يحسن صنعاً، ولذلك قالوا أنها أحب إلى إبليس من المعصية، وكذلك صاحبها يدعوا إليها كما ذكر الشاطبي نفسه ذلك، ويفعلها في المجتمعات، وهكذا فيعود الأمر إلى أن كل البدع كبائر. هذا وجه، ووجه آخر وهو أننا إن فرضنا انفكاك هذه الشروط أو بعضها عن بدعة القول بخلق القرآن أو الكلام في القدر فهل يعدها من الصغائر.
(وبقيت كلمة وهي أنني لا أميل إلى هذا التقسيم للبدع رأساً وإنما ذكرته لما رأيت من متابعة القوم للإمام الشاطبي في هذا التقسيم. والذي أراه أن جنس البدع أشد من جنس المعاصي من جهة الاستدراك على الشرع بالزيادة أو النقص، ولكن هذا لا يمنع أن بعض المعاصي تكون أشد من بعض البدع كترك الصلاة وقتل النفس المعصومة ونحو ذلك، إلا أن البدع لم يرد فيها إلا النص العام بعموم الذم، وأنها في النار، فلنتوقف إلى هذا الحد ولنسكت عما سكت عنه الشرع من تقسيمها إلى كبائر صغائر، وخاصة أنه لا ينضبط، وأن قياسها على المعاصي قياس مع الفارق كما سبق. والله أعلم.
المبحث الرابع: إثم المبتدعين ليس على رتبة واحدة:
قال الشاطبي ما مختصره: [إذا ثبت أن المبتدع آثم فليس الإثم الواقع عليه على رتبة واحدة، بل هو على مراتب مختلفة، من جهة كون صاحبها مستتراً
стр. 106
بها أو معلناً، ومن جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، ومن جهة كونها بينة أو مشكلة، ومن جهة كونها كفراً أو غير كفر، ومن جهة الإصرار عليها أو عدمه - إلى غير ذلك من الوجوه التي يقطع معها بالتفاوت في عظم الإثم وعدمه أو يغلب على الظن.
أما الاختلاف من جهة الإسرار والإعلان، فظاهر أن المسر بها ضرره مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره، فعلى أي صورة فرضت البدعة من كونها كبيرة أو صغيرة أو مكروهة. هي باقية على أصل حكمها، فإذا أعلن بها ـ وإن لم يدْعُ إليها ـ فإعلانه بها ذريعة إلى الاقتداء به ...
وأما الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها فظاهر أيضاً، لأن غير الداعي وإن كان عرضة بالاقتداء فقد لا يقتدي به، ويختلف الناس في توفر دواعيهم على الاقتداء به، إذ قد يكون خامل الذكر، وقد يكون مشتهراً ولا يقتدي به، لشهرة من هو أعظم عند الناس منزلة منه.
وأما الداعي إذا دعا إليها فمظنة الاقتداء أقوى وأظهر، ولا سيما المبتدع اللسن الفصيح الآخذ بمجامع القلوب، إذا أخذ في الترغيب والترهيب، وأدلى بشبهته التي تداخل القلب بزخرفها ...
وأما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، فإن الحقيقية أعظم وزراً، لأنها التي باشرها المنتهى بغير واسطة، ولأنها مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهراً ...
وأما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأْخذ أو مشكلة؛ فلأن الظاهر عند الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مشكلة فليست بمحض مخالفة، لإمكان أن لا تكون بدعة، والإقدام على المحتمل، أخفض رتبة من الإقدام على الظاهر ...
وأما الاختلاف بحسب الإصرار عليها أو عدمه فلأن الذنب قد يكون صغيراً فيعظم بالإصرار عليه، كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإصرار عليها، فإذا كانت فلتة فهي أهون منها إذا داوم عليها، ويلحق بهذا المعنى إذا تهاون بها المبتدع وسهل أمرها، نظير الذنب إذا تهاون به، فالمتهاون أعظم وزراً من غيره.
стр. 107
وأما الاختلاف من جهة كونها كفراً وعدمه فظاهر أيضاً، لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب ـ عافانا الله ـ ... فلا بدعة أعظم وزراً من بدعة تخرج عن الإسلام ... والله المستعان بفضله] (١).
المبحث الخامس: حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله:
ناقش د. الرحيلي في كتابه "موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع" مسألة: "موقف أهل السنة من حكم قبول أعمال أهل البدع عند الله" وذكر ما ورد فيها من آثار وتكلم عن توجيهات العلماء، وخاصة الشاطبي لها وموقفهم منها، وأخذ في الرد والتعقب حتى انتهى إلى هذه النتيجة حيث قال [حكم عمل المبتدع من حيث قبوله أو رده خاضع للضوابط المراعاة في قبول الأعمال عند الله على وجه العموم، فما تحققت فيه شروط القبول فهو مقبول إن شاء الله، وما فقد منها أحد شروط القبول فهو مردود.
وبناء على ذلك فالمبتدع إما أن يكون كافرا ببدعته أو لا.
فإن كان كافرا فعمله كله مردود لفقده شرط الإسلام الذي هو شرط قبول كل عمل صالح. وإن كان المبتدع غير كافر، فإما أن يكون عمله بدعة محضا أو لا، فإن كان عمله بدعة محضة فهو مردود لفقده شرط المتابعة، وكذلك ما فقد منها شرط الإخلاص فإنه مردود أيضا، وأما إن كان لعمله أصل في الشرع، فإما أن تدخل عليه البدعة أو لا، فإن لم يدخل عليه البدعة وكان خالصاً لله فهو مقبول، وإن دخلت عليه البدعة فإما أن تفسده - وذلك بإخلالها بشروط صحته - أو لا. فإن لم تخل بشروط صحته فهو مقبول، وإن أخلت بشروط صحته فهو مردود.
وعموما فإعمال المبتدع المسلم مرهونة بتوفر شرطي الإخلاص والمتابعة فمتى تحققا في العمل فهو مقبول، ومتى ما فقدهما أو أحدهما فهو مردود.
وأما ابتداعه في بعض الأعمال، فإنه لا يتصور أن يرد به ما كان صحيحا من أعماله، إذ ليس من شروط قبول العمل أن لا يكون صاحبه مبتدعا في غيره. وبذلك يكون قد اتضح حكم عمل المبتدع بكل صوره من حيث قبوله أو رده] (٢).
стр. 108
الفصل الثالث: علاقة البدع بغيرها:
المبحث الأول: العلاقة بين البدع والمعاصي:
أولا - وجوه اجتماع البدعة مع المعصية:
قال الشيخ الجيزاني في "قواعد معرفة البدع" (ص/٢٨): (وجوه اجتماع البدعة مع المعصية:
١ - أن كلاً منهما منهي عنه (١)، مذموم شرعًا، وأن الإثم يلحق فاعله، ومن هذا الوجه فإن البدع تدخل تحت جملة المعاصي. وبهذا النظر فإن كل بدعة معصية، وليس كل معصية بدعة (٢).
٢ - أن كلاً منهما متفاوت، ليس على درجة واحدة؛ إذ المعاصي تنقسم - باتفاق العلماء - إلى ما يكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر، وكذلك البدع؛ فإنها تنقسم إلى ما يُكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر (٣).
٣ - أنهما مؤذنان باندراس الشريعة وذهاب السنة؛ فكلما كثرت المعاصي والبدع وانتشرت كلما ضعفت السنن، وكلما قويت السنن وانتشرت كلما ضعفت المعاصي والبدع، فالبدعة والمعصية - بهذا النظر - مقترنان في العصف بالهدى وإطفاء نور الحق، وهما يسيران نحو ذلك في خطين متوازيين. يوضح هذا:
٤ - أن كلاً منهما مناقض لمقاصد الشريعة، عائد على الدين بالهدم والبطلان.
ثانيا - وجوه الافتراق بين البدعة والمعصية (٤):
١ - تنفرد المعصية بأن مستند النهي عنها - غالبًا - هو الأدلة الخاصة، من نصوص الوحي أو الإجماع أو القياس، بخلاف البدعة؛ فإن مستند النهي عنها - غالبًا - هو
стр. 109
الأدلة العامة، ومقاصد الشريعة، وعموم قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة ".
٢ - وتنفرد البدعة بكونها مضاهية للمشروع؛ إذ هي تضاف إلى الدين، وتلحق به، بخلاف المعصية فإنها مخالفة للمشروع، إذ هي خارجة عن الدين، غير منسوبة إليه، اللهم إلا أن فُعلت هذه المعصية على وجه التقرب، فيجتمع فيها - من وجهين مختلفين - أنها معصية وبدعة في آن واحد.
٣ - وتنفرد البدعة بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع؛ إذ حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، ورمي للشرع بالنقص والاستدراك، وأنها لم تكتمل بعد، بخلاف سائر المعاصي؛ فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها، بل صاحب المعصية متنصل منها، مقر بمخالفته لحكمها.
٤ - وتنفرد المعصية بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة حدود الله بالانتهاك؛ إذ حاصلها عدم توقير الله في النفوس بترك الانقياد لشرعه ودينه، وكما قيل: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت)، بخلاف البدعة؛ فإن صاحبها يرى أنه موقر لله، معظم لشرعه ودينه، ويعتقد أنه قريب من ربه، وأنه ممتثل لأمره، ولهذا كان السلف يقبلون رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولم يكن ممن يستحل الكذب، بخلاف من يقترف المعاصي فإنه فاسق، ساقط العدالة، مردود الرواية باتفاق.
٥ - ولأجل ذلك أيضًا فإن المعصية تنفرد بأن صاحبها قد يُحدِّث نفسه بالتوبة والرجوع، بخلاف المبتدع؛ فإنه لا يزداد إلا إصرارًا على بدعته لكونه يرى عمله قربة، خاصة أرباب البدع الكبرى كما قال تعالى: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا) وقد
قال سفيان الثوري: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية (١)؛ لأن المعصية يتاب منها والبدع لا يتاب منها).
стр. 110
وقد وضح تقي الدين معنى كون البدعة لا يتاب منها فقال في "مجموع الفتاوى" (١٠/ ٩): (ومعنى قولهم إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينا لم يشرعه الله ولا رسوله قد زين له سوء عمله فرآه حسنا فهو لا يتوب ما دام يراه حسنا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه. أو بأنه ترك حسنا مأمورا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله. فما دام يرى فعله حسنا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب. ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى من هدى من الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال ... ).
٦ - ولذلك فإن جنس البدعة أعظم من جنس المعصية، ذلك أن فتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة، وهذا كله إنما يطرد ويستقيم إذا لم يقترن بأحدهما قرائن وأحوال تنقله عن رتبته.
ومن الأمثلة على هذه القرائن والأحوال: أن المخالفة - معصية كانت أو بدعة - تعظم رتبتها إذا اقترن بها المداومة والإصرار عليها أو الاستخفاف بها أو استحلالها أو المجاهرة بها أو الدعوة إليها ويقل خطرها إذا اقترن بها التستر والاستخفاء أو عدم الإصرار عليها أو الندم والرجوع عنها.
ومن الأمثلة على هذه القرائن أيضًا: أن المخالفة في ذاتها تعظم رتبتها بعظم المفسدة، فما كانت مفسدته ترجع إلى كلي في الدين فهو أعظم مما كانت مفسدته ترجع إلى جزئي فيه، وكذلك: ما كانت مفسدته متعلقة بالدين فإنه أعظم مما كانت مفسدته متعلقة بالنفس.
والحاصل أن الموازنة بين البدع والمعاصي لا بد فيها من مراعاة الحال والمقام، واعتبار المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآلات الأمور؛ فإن التنبيه على خطورة البدع والمبالغة في تعظيم شأنها ينبغي ألا يفضي - في الحال أو المآل - إلى الاستخفاف بالمعاصي والتحقير من شأنها، كما ينبغي أيضًا ألا يفضي التنبيه على خطورة المعاصي