← Общие книги

Общие книги · id 96857

من أجل التغيير

مالك بن نبي

Полный текст (120 стр.). Показаны 106–120 · переход к 111.

стр. 106

في هذه الآونة، الداء الذي تجدر الخشية منه في الجزائر هو تخريب جهاز الدولة. وقد واجهت روسيا هذا الخطر في الفترة الممتدة بين ١٩٢٧ - ١٩٣٩. إنه أسوأ من الهجوم العسكري، لأنه يسمح بقضم جهاز الدولة بصمت وغموض إلى أن يسقط أشلاء ودون أن تسمع آذاننا شيئا مما يجري، ولا أن ترى أعيننا شيئا من هذا العمل. ولن ينتهي هذا العمل قبل أن يتآكل جسد المجتمع، وتدمر نوابضه، وتختفي مفاصله. ولكن العنصر المسبب للمرض في هذا الميدان- المخرب- ينتمي إلى صنفين: الصنف الحاد (الفيروسي) والصنف الخامل. فالمخرب الحاد هو ذاك الذي يعمل من خلال علاقاته مع فئات أخرى من صنفه، وبوعي لأهداف عمله: فهو يعرف أنه يقوم بتدمير المجتمع، والدولة، والنظام. ولا تحتاج البتة للبحث عنه بواسطة مجسم، بل يكفي أن تفتح نافذتك، أو بصيرتك، لكي تدرك ماهية عمله. وبالإضافة إلى ذلك، من الممكن أن يجهل هذا النوع من الميكروب الاجتماعي الأعضاء الآخرون في عائلته المسببة للمرض- وحتى هذه تقنية ضرورية عند أولئك الذين يمسكون بالملف- ولكنه لا يمكن أن يجهل طبيعة عمله، ولا الراتب الذي يتقاضاه من أجله. إنه يعلم بشكل عام، أنه يعمل بناء على تصميم وضع في الخارج في إطار استراتيجية كونية تطبق سائر وسائل العمل الميكروسكوبي، في الأماكن التي يكون استعمال القنبلة الذرية فيها غير ضروري أو غير ممكن. أما الميكروب الآخر- المخرب الخامل- فإنه ذلك الشخص الطيب المتسامح،

стр. 107

الذي وجد نفسه منقادا في حركة لا يستطيع السير فيها، يزرع فيها الخلل بخموله، ويعيق فيها منهاج النشاط العام. هكذا، وبفضل خموله، يتقهقر ترام البلد، في حين أن ترام الاستعمار يتقدم باستمرار إلى الأمام. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون هذا الميكروب مضرا بطريقة أخرى، أي عندما يضيف إلى خموله شيئا من اللاأخلاقية، قد يؤدي عمله بذلك إلى النتيجة ذاتها، التي وصل إليها عمل الميكروب الحاد، أي تدمير الدولة، وتفتيت المجتمع، رغم أنهما لا يملكان الهدف ذاته بشكل واع. ذلك هو جملة التشخيص الذي يلائم بلدا مثل الجزائر، استعاد حريته منذ زمن قصير. والآن، ما العلاج المناسب لمثل هذه الحالة؟ من الواضح أنه لا بد من القيام ببعض التمييز على الصعيد الأخلاقي: فالميكروب الحاد يعد خائنا، والميكروب الخامل يعد عاجزا، أو في الأكثر غير شريف. أما من المنظور العملي، فلا يوجد أي فارق بينهما: تكون الأسباب واحدة بنتائجها. فالميكروبان يدمران الجسد الاجتماعي سوية. ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار، أن الجسد الذي يتلقى نتائج عملهما، لا يقوم، ولا يستطيع أن يقوم بأي تمييز. ولنفترض أن هناك مواطنا أمام نافذة إحدى الإدارات. إنه يستطيع أن يعي العسف أو الابتزاز الذي يصيبه من قبل الموظف القابع أمامه. ولكن عمليا، وفي سيرورة التفكير التي تحصل في داخله، لا يجد نفسه أمام شخص (عامل أم موظف)، بل أمام نظام، أمام دولة.

стр. 108

كل ردات فعله الدفينة، وكل الكلمات التي يمسكها على شفتيه- وهو يزدرد ريقه- موجهة ضد النظام وضد الدولة. فهو، لا يستطيع أن يقوم بالتمييز بين الميكروب الحاد والميكروب الخامل. والمسألة لا تلامس حتى ذهنه. لذلك، لابد للعلاج الاجماعي من أن يكون شاملا، لأن عليه أن يجابه فعلا مرضا شاملا، أي أوضاعا تؤدي فيها أسباب مرضية مختلفة إلى النتائج ذاتها. وعلى المعالج الاجتماعي أن يتبنى تجاه الأخطار التي تهدد المجتمع موقفا عمليا يحكم على الأسباب من خلال نتائجها، وعلى الشجرة من خلال ثمارها. زد على ذلك، أنه يجب على المعالجة الاجماعية، في نقطة محددة، أن تستوحي خبرتها العلمية من المعالجة الطبية. ففي الطب، عندنا يكتشف في الكلية ميكروب ما لا يطرد منها ليوضع في الرئة. فالطب يعمل على طرد الميكروب من الجسم كله. والعمل بغير ذلك تجاه الميكروبات يعد ضربا من الهرطقة، ولا نقول من الغباء التام. ومن المؤكد أن يكون الميكروب في الإطار الاجتماعي رجلا يخالف قاعدة، أو واجبا، ولكنه رغم كل هذا كائن بشري. ولا يمكن أن نخضعه ببساطة لمفعول مضاد الحيويات. عندها تجد المعالجة الاجتماعية نفسها بين حدين، أو بين شرطين: يترتب عليها، من جهة، أن تطرد الميكروب من الجسد الاجماعي، ومن جهة أخرى، أن تبقي في الإنسان ما بقي فيه من إنسانية.

стр. 109

ولكن، مهما تكن الاعتبارات البشرية التي يجب أن يعتد بها، يبق هناك ضرورة ملحة هي: يجب التخلص من المرض. وعلى الأخص، في بلد فتي لا يملك المدخرات الحيوية التي يمكن أن تحميه آليا من محاولات التفتيت. ومن المؤكد أن كل مخالفة إدارية لا تلقى عقوبة الاستنكار الرسمي، تصبح جرحا متقيحا، ييزف في الجسد الاجتماعي. ويمكن الآن أن نطرح حلا وسطا يجنبنا التطرف. وهو أن نضع الموظف أو العامل الذي يقصر في أداء واجبه وجها لوجه أمام خطئه ونتائج خطئه، وذلك أمام الجمهور. وفي النهاية، يجب أن نذكر أن حبة الرمل تكون، فعلا، أشد أسلحة الاستعمار فتكا. فهو يسمح لأولئك الذين يعملون على الملف العالمي أن يشلوا الجهاز الإداري، وأن يعيقوا حركته، وبالتالي أن يقتلوا الدولة. تلك هي التقنية التي استطاع بدوي عربي معاصر أن يلخصها للورنس بكلمة واحدة: - يا لله! هؤلاء الإنكليز يعرفون كيف يحفرون بئرا بواسطة دبوس!

стр. 110

صحافة العالم الثالث (*) قد يفكر أحدنا بوضع لائحة بالصفات التي توسم بها، وفقا للزاوية التي يحكم منها على الأشياء، الصحف المختلفة التي نقرؤها، أو التي نرميها في سلة المهملات- ومن الجميل أن نراهن، رغم ذلك، على أننا إذا قمنا بهذا الإحصاء سننسى واحدة على الأقل من هذه الصفات. وبالطبع يعرف المرء أنه توجد صحيفة (اليمين) وصحيفة (اليسار)، والصحيفة (التقدمية)، و (الرجعية)، و (الناقدة)، و (الرديئة)، وما أدري، ولكن يجب الاحتفاظ بمكان خاص للصحيفة التي تدعي أنها- أو التي يحاول بعضهم في الواقع أن يضعها- في رأس الصحافة الوطنية لبلد من بلدان العالم الثالث. لماذا نعير هنا مثل هذه الصحيفة اهتماما أكبر؟ إنها قضية تجربة، بعد أن عشنا في بلد تتدخل- أو أدخلت- الصحافة فيه في كل الأحداث البارزة التي طبعت تاريخ بلادنا منذ عدة عقود من الزمن؛ بما فيها الثورة والاستقلال الذي تبعها. والواقع أنه علينا أن نعود إلى أبعد من هذا الزمن، إذا أردنا أن نؤكد على هذا الوجه الفريد للصحافة التي يقال إنها طليعية في بلدان العالم الثالث. إنها في بادئ الأمر مسألة الصحافة بذاتها، تلك الصحافة التي يقال إنها السلطة الثالثة أو الرابعة. إنها فعلا سلطة. ذلك أن الصحيفة إذ تحول الرأي العام في هذا الاتجاه أو ذاك، تصبح أداة سلطة ذات أهمية كبرى، في عالم، عالم القرن العشرين، يسير كل ما فيه على مبدأ القوة والسيطرة.

стр. 111

القوة! .. السيطرة! .. كلمات سحرية، كلمات أخاذة! لكل أولئك الذين تحركهم ثقافة الإمبراطوريات. ولنكن أكثر فهما: هل تتذكرون تجربة بافلوف الشهيرة: تعرض على الكلب قطعة من السكر، فيتلمظ لرؤيتها، ويفرز ريقا، ويسيل لعابه بغزارة من شفتيه. إن الصحيفة- من حيث هي أداة سيطرة- تسيل بشكل عام لعاب كل حاملي لواء ثقافة الإمبراطوريات. وهذا طبيعي. الآن يمكننا أن نفهم ما يمكن أن يكون أثر تسييل اللعاب هذا على تكوين وعلى توجيه الصحافة الوطنية في بلد من العالم الثالث، نال استقلاله. لقد نسف هذا البلد الأغلال (الأقفال) التي كانت تقيد أعضاءه تقييدا شبه جسدي. وهذا يعني أنه لم يعد بالإمكان أن يوجه في الاتجاه المطلوب بواسطة الشرطي الرقيب. لكل وضع جديد هناك وسيلة جديدة عندها، بدلا من الأغلال التي تشد على الأعضاء، حاولوا وضع أغلال أخرى حول الأفكار. يمكن للصحيفة أن تكون هذه الأغلال في بلد من بلدان العالم الثالث، لا يراد للأفكار فيه أن تذهب في هذا الاتجاه أو ذاك. من الواضح أنه يجب في هذه الحالة أن تكون الأغلال من النوع الجيد، أن لا تكون خرقة (من البلد)، وتتركز كل حنكة هذه الحرب (الإيديولوجية) في وضع الصحيفة الموكلة بهذه المهمة في ظروف أفضل من ظروف الصحيفة المحلية؛ حتى من حيث نوعية الورق. ولكن هذا الأمر يعود إلى زمن قديم. لقد لوحظ فيما مضى، منذ أربعين سنة تقريبا، القرابة التي لم يكن معترفا بها بالطبع، بين جريدة كبيرة قاهرية، وأخرى

стр. 112

باريسية، على الرغم من أن إحدهما كانت تقدم في أعمدتها مواضيع استعمارية، في حين تقدم الأخرى في أعمدتها مواضيع بالطبع ضد الاستعمار. الحيلة إذن ليست جديدة، والحرب الأيديولوجية ليست بنت يومها في بلدان العالم الثالث. بالطبع لا ينبغي على تقنيي الصراع الأيديولوجي أن يقدموا فقط الورق ذا النوعية الجيدة، ليضمنوا نجاح الصحيفة (التقدمية) في بلد من بلدان العالم الثالث، بل تعطى كذلك نصوصا نثرية غاية في الرشاقة، تظهر على أعمدتها ممهورة بتوقيع واحد، مثل أحمد بن كبير، أي أحد أولئك الذين كان يطلق عليهم في هذا البلد منذ عشر سنين فقط اسم (الخادم ابن البلد). ومن الطبيعي أنه إذا كان الورق يصل ويسلم في وضح النهار وبالسبل الطبيعية، فإن النصوص النثرية على النقيض من ذلك، تصل خفية بواسطة قنوات سرية إلى الصحيفة التي تحمل رسالة قيادة البلد، الذي ينتمي إلى العالم الثالث في طريق التقدم والتقدمية. وبالطبع من السهل ملاحظة أن أحمد بن كبير هذا الذي يقدم لوطنه هذه البضاعة ممهورة بتوقيعه، لا يعرف دائما تمام المعرفة نوعية البضاعة التي يطلب منه تسليمها. ولقد وجدت مرة أخرى البرهان على ذلك، لدى قراءتي لمقال حول اليمين، نشر في إحدى الصحف منذ عدة أسابيع. كان من الواضح أن ال (بن كبير) الذي ذيل هذا المقال بتوقيعه، لم يكن يعرف تاريخ اليمن. إنه يبدأ جيدا عرضه كمتخصص بتاريخ بلاد بلقيس في المرحلة المعاصرة؛ أي منذ تأسيس (الإمامة) في منتصف القرن السادس عشر. ثم يأتي التسلسل الزمني موسعا بطريقة طبيعية ومحكة.

стр. 113

وفجأة، وعند اللحظة الحاسمة التي يدخل فيها اليمن مرحلة الثورة، ينكسر الشرح ويجد القارئ نفسه بغتة محمولا بعصا سحرية إلى الثاني والعشرين من أيلول سنة ١٩٦٢، وهو تاريخ ثورة عبد الله السلال. غير أن القارئ الذي يعرف بعض الشيء عن اليمن، يتذكر جيدا أن شيئا ما قد جرى سنة ١٩٤٨ في صنعاء؛ عندما أزاح شخص يدعى عبد الله الوزير الإمام يحيي، وأقام نظاما جمهوريا؛ وقد ساعده في ذلك مستشار جزائري، هو الورثيلاني، الذي توفي في تركيا منذ ثلاث سنوات. عندما يقف القارئ أمام سؤال يطرق ذهنه: لماذا اختفت الحلقة الأولى من تاريخ الثورة اليمنية ضمن تسلسل زمني موسع جدا ودقيق جدا تناول الأحداث فيما عداها؟ من الطبيعي أن يصل القارئ إلى نتيجة، أن ال (أحمد بن كبير) الذي وقع في أسفل هذا المقال ليس هو فعلا كاتبه، أو أن قلمه مسير من بعد. فالتاريخ لا تختفي صفحة منه دون سبب. هاك مثالا جيد، يكفي للدلالة على الأسباب الخفية، والأهداف الغامضة، لتلك الصحافة التي برزت في بلدان العالم التي استردت استقلالها، وللجزائر بالطبع حصتها في هذا الميدان. (الثورة الإفريقية) استبدلت لتوها مديرها. قد يقال إن هذا أمر تافه. ولكنه يطرح أمام الإدارة الجديدة عددا من المسائل، عليها أن تحلها على الفور لكي تتجنب الخلل في حياة صحيفتها. وليست أقلها المسائل ذات البعد النفسي. والواقع إننا نستطيع أن نفخر، بأننا بتنا نبدو أسيادا في الصحافة؛ وأننا لا نعرف أن نكون في البداية مجرد تلامذة (متدرجين).

стр. 114

أضف إلى ذلك أن بلدان العالم الثالث ليست الوحيدة التي عليها أن تتحرر من مثل هذه العقدة، للسير خطوة إلى الأمام في طريق التطور. ففي بداية القرن الثامن عشر قضى بطرس الأكبر حياته كلها، لكي يعلم الشعب الروسي أن يصبح تلميذا (متدرجا) لدى حضارة أخرى. وهو بذاته قيصر كل روسيا، تدرب على يد نجار سفن، وعلى يد حداد في هولندا، لكي يعطي فيما بعد لبلاده أول أسطول وطني له. ولكن، كم كانت تبدو مضحكة أولى المدافع وأولى السفن الشراعية، التي بنيت تحت إدارة بطرس الأكبر الشخصية، بالمقارنة مع مدافع سفن معاصره وغريمه (شارل) ملك السويد. إلا أن بطرس الأكبر عرف كيف يخضع غرور بلاده وكسلها لإكراه رسالة كبرى. إن بلادنا والميدان الذي أخص به هذه السطور، ليسا على ما يبدو على مستوى المثال الذي اخترته. لكن الأمثلة لا تكون بناءة بمقاييسها، بل بمدلولاتها. كي نتغلب على العناصر، يجب أولا أن نتغلب على أنفسنا. وإذا كنا نريد صحفيين موهوبين، وصحافة تتبوأ مركزها في عداد الصحافة العالمية الكبرى، يجب علينا أن نكون في البداية مجرد صحفيين متدربين.

стр. 115

العبرة من جريمة (*) هكذا، يقدم لنا (متعدد الأطراف) هذه المرة أيضا الدليل القاسي على وجوده. على الأقل لأولئك الذين كانوا لا يزالون يحتاجون لهذا الدليل. أي تقريبا على طريقة الشيطان (مفيستو) (في مسرحية شكسبير) الذي ينادي (فوست) قائلت: ها أنذا. الواقع أنني تحدثت عنه في مقالي ما قبل الأخير. وقد شددت فيه على الأخص على (أطرافه المحلية) في بلدان العالم الثالث. ولابد من لمحة بسيطة عن رأسه. إن العمل الإجرامي الذي تعرض له للتو رئيس في مجلس الثورة ونجا منه بأعجوبة خارقة، إنما هو بالفعل من صنع قاتل يلبس ثوب فرقة من الفرق المحلية. ويجدر بنا، في ما يتعلق بموضوع الفرق، أن نبين فقط أنها لا تعبر عن أي شكل من أشكال المعارضة السياسية. إنها ببساطة أشكال مختلفة من الخيانة. بالمعنى الأكثر خسة والأكثر خزيا للكلمة. ويبقى إذن أن العمل الإجرامي هو، من الناحية الأخلاقية والسياسية والتقنية، من فعل (متعدد الأطراف): إنه فكرة انبثقت من رأسه. ويجب علينا إذن أن نقول كلمة عن هذه الفكرة. ويفرض علينا الظرف الحالي، بالتالي، أن نقول بضع كلمات عن مضمون هذه الفكرة. فهذا يجعلنا نعي وعيا أفضل معنى العمل الإجرامي الذي حدث أمس الأول. لكي نعطي صورة ولو كانت موجزة عن هذه الفكرة الشيطانية، يتوجب علينا أن نتخيل صيغة تستوعب مبادئ الدستور الاستعماري من جهة، وبروتوكولات حكماء صهيون، من جهة أخرى.

стр. 116

وهي ستكون الصيغة السحرية التي ستعرف إلى حد ما محتواها الثنائي. وهذا ما سيسمح لنا من خلال المادية البسيطة للعمل الإجرامي أن ندرك نواياها على ماهي عليه من تعقيد. إن كل جريمة تصنف وفق هذا المعيار. وبالنسبة للمحكة مثلا، تكون الجريمة متعمدة أو غير متعمدة بناء على النية التي كانت وراءها. وفي مجال السياسة، ليس هناك من وجود لجرائم غير متعمدة. إنها تكون دائما متعمدة. وفي جريمة أمس الأول. كان اختيار الظروف الوطنية واختيار الهدف كافيين لإثبات ذلك. ولابد أن نضيف في الحال أننا نحن أنفسنا ليس لدينا عن هذه الظروف سوى معلومات جزئية. ولابد أن (متعدد الأطراف) يعرف بالتأكيد أكثر مما نعرف. هذا أمر بديهي على الصعيد الدولي. أما على الصعيد الوطني نفسه، فإنه يعرف كذلك الشيء الكثير، وذلك بفضل شبكة الأطراف التي تشكل في البلد مناطق مراقبة لا نعي تمام الوعي حقيقتها ولا مدى انتشارها. إنني متأكدة من ذلك منذ أكثر من أربع سنوات. ومهما يكن من أمر، ورغم أن معلوماتنا جزئية، فإنه باستطاعتنا أن ندرك، ولو جزئيا، الدوافع التي أدت فجأة بمتعدد الأطراف إلى الضغط لتعجيل الأمور ومباشرة الاعتداء، الذي فشل لحسن الحظ. إننا نترك جانبا- مراعاة للمنهجية- الاعتبارات الخاصة بالوضع الدولي. فالوضع الوطني، كما يبدو لنا، هو الذي دفع إلى كل هذه العجلة. باستهداف رئيس مجلس الثورة يستهدفون دون شك وبصورة عامه مكاسب هذه الثورة. إنهم يستهدفون على الأخص القرارات التي صدرت مؤخرا، ونحن واثقون من

стр. 117

أنهم يستهدفون أيضا القرارات التي كانت ما تزال قيد الدرس والتي لا نملك نحن أنفسنا أية فكرة عنها. باختصار وبشكل إجمالي، كان الهدف مبدأ التطهير الذي بدأ يرى النور. كان الهدف كبح هذا المسار. هذا هو المعنى السياسي للاعتداء. وهذا ما يفسر العجلة في التنفيذ والهدف الذي اختاروه. لماذا العجلة؟ لكي لا يعطى التطهير الوقت الكافي للوصول إلى نتائجه التي يخافون منها. ولماذا اختيار هذا الهدف؟ لأن نتائج التطهير لا يمكن الوصول إليها إلا بدفع من صاحب هذه القرارات التي كان يحملها. وهذا ما يتناسب مع الدستور الاستعماري ومع بروتوكولات حكماء صهيون. ففي المرحلة الاستعمارية، كان (متعدد الأطراف) يحكم الشعوب المستعمرة بأساليب قاسية ليس من الضروري أن نذكرها هاهنا. أما في مرحلة التحرر من الاستعمار، فإن متعدد الأطراف غير أساليبه. إنه يريد أن يبقي الاستقلال، الذي دفع ثمنه غاليا والذي أعطي للبلد اسميا، في فوضى دائمة تغذيها وسائل مدروسة من الفساد وتحافظ علمها حكومات من الدمى المتحركة. تلك هي القاعدة. ولكن قد ترغب دولة ما، أو حكومة، في الخروج على هذه القاعدة. وبالتحديد بأن تأخذ الخطوات اللازمة ضد عدم الفاعلية، وانعدام المسؤولية، بل وضد التخريب والخيانة، وقد وضعا في مراكز أساسية من القيادة .. عندها، ليس هناك من مجال لتضييع أية دقيقة أن يغير (متعدد الأطراف) أسلوبه. يحرك الأيادي التي تتولى الانقلابات، أو الانفصالات، مثلما جرى في الكنغو وفي بيافرا. وإذا أراد بلد ما أن يتخلص من حال الفوضى الخاملة والراكدة والمتوانية التي يجد

стр. 118

نفسه فيها، فإنه ما يلبث أن يقع في حال من الفوضى العنيفة. لقد كاد بلدنا أمس في الأول أن يجد نفسه منزلقا في مثل هذه الحال. وقد شاء الله أن يجنب الشعب الجزائري هذه المحنة الدامية. ومرة أخرى، تتحقق الآية الكريمة: ﴿ويمكرون ويمكر الله﴾. ذلك أنه لدينا ما يكفي من التجارب مع الطرق المدروسة جيدا لمتعدد الأطراف كي نتصور أنه لم يترك أي تفصيل للصدفة في التحضير للجريمة، قبل أن يوكل أمر تنفيذها إلى فدائي خائن. وحتى الظروف النفسية، أخذت بعين الاعتبار في التخطيط لتوقيت الجريمة. وحتى الطفل (أو الذي يدعى بأنه طفل) الذي أوقف الموكب الرسمي، قدر له أن يكون من بين هذه الظروف لكي يجعل الهدف أقرب منالا. قد يكون هذا الطفل (هذا إذا كان طفلا) بريئا من الدور المشؤوم الذي أعطي له. ولكن إدخاله في مخطط الاعتداء ينم عن تفكير منظم تنظيما عاليا، وعن تقنية عالية جدا في التحضير للجرائم من هذا النوع. هيا ... ليس هذا نتاج تفكير طرف واحد من (متعددة الأطراف) ولا من كل الأطراف. إننا نجهل بالتأكيد، ولنقص في المعلومات، تفاصيل أخرى تدل بدقة على الفاعل الحقيقي. كان يجب على عملية الاعتداء أن تنجح مئة في المئة. فكل احتمالات الفشل كانت، ويجب أن تكون، قد استبعدت مسبقا، لأن العقل الذي دبر كل التفاصيل ونظمها كان يعرف تمام المعرفة النتائج المترتبة على الفشل. في الأصل، كانت الجريمة تبغي منع البلد، ومنع أي مسؤول فيه، من إمكانية إلقاء نظرة على وضع يعيش فيه (متعدد الأطراف) مثل (السمكة في الماء)، كما تقول

стр. 119

العبارة الشهيرة. وكذلك منعه حتى من إمكانية إعادة النظر في الظروف التي خلقت في البلد، أو على الأقل في العاصمة، هذه الأوضاع التي يبرز فيها يوما ما القاتلون الخونة. على الصعيد السياسي، فإن الأمر يتعلق بالدفاع عن هذه الظروف ضد كل محاولات التغيير. عندها يحصل الاعتداء. أما على صعيد الأفكار، فالأمر يتعلق بمنع كل محاولة لفحص، أو تحليل، أو شرح، هذه الظروف. وعلى هذا الصعيد، هيء الاعتداء ليكون تأثيره بمثابة تخويف للناس. لم يكن احتمال الفشل إذن مقبولا في التخطيط الذي كان يهدف إلى المحافظة على الوضع السابق مهما كلف الأمر. لأن نتائج الفشل ستكون أشد خطورة لكونه سيجعل السلطة السياسية تأخذ حذرها، في جميع الميادين، وسيكون بمقدور الجهد الفكري أن يقوم بمهمته على أحسن وجه انطلاقا من معطيات لا يمكن نسبتها البتة إلى الخيال. هذا هو الشكل الجديد للمشكلة عند (متعدد الأطراف). وعندنا نحن؟ من البديهي أننا لا نزال في الوضع الذي انفجرت فيه المأساة. إن الظروف التي ولدته لم توقفها، بضربة ساحر، تلك الرشقات التي كادت أن تغرق البلد في فوضى دامية. بالنسبة لمتعدد الأطراف، كما بالنسبة لنا نحن، لا يزال الوضع إذن قائما على ما كان عليه. وواجبنا الوطني يحتم علينا أن نفكر بذلك. ومن البديهي أن متعدد الأطراف لم يضع فقط خطة التنفيذ المادي للأعتداء. علينا أن نفترض أنه فكر كذلك بوضع خطة استغلاله السياسي. إذن، يفترض علينا أن نفكر أنه، بالإضافة إلى القتلة المأجورين الذين كانوا موجودين في مكان الاعتداء، كان يوجد هناك قاتل سياسي ينتظر الإشارة ليبدأ عمله، هنا بالذات، في الجزائر.

стр. 120

هذا الجهاز الأخير هو الذي يجب، بنظري، أن نتفحصه عن كثب، لكي نعيد تقويمنا للوضع السابق، وكذلك لكي نتخذ الاحتياطات اللازمة في الظروف القادمة، أي فيما يتعلق بمشاريع (متعدد الأطراف). ولكن هاتين الحالتين مرتبطان: لا يمكن لنا أن نتخذ احتياطاتنا في المستقبل إذا لم نكن نعرف معرفة تامة ظروف الأوضاع الماضية. لدينا ولاشك من المعلومات حول بيتنا نحن أقل مما لدى (متعدد الأطراف). فبالنسبة له، بيتنا من زجاج، ولا يخفى عليه أي أمر فيه. هناك أمور عديدة تجعلنا نؤمن بذلك، وخاصة منذ وقوع الاعتداء الغاشم. إلا أننا نعرف أمرا محددا بدقة: وهو أن بيتنا يحتاج بجدية إلى إعادة ترتيبه. وفي كل الأحوال، يجب أولا التفكير بالإعداد للحاضر. في الوقت الحاضر، هناك قبل أي شيء آخر، ضرورة الوصول بالتحقيق إلى نتائج جيدة. ليس علينا بالطبع أن نعطي النصائح للمحقيقين في هذا المجال. جل ما نبغيه هو التعبير عن أمنية بسيطة. إننا نتمنى أن لا تطغى الوقائع المادية وحدها على مسار التحقيق. يجب بالتأكيد إزالة القاتل الذي نفذ الخطط بسلاحه، مهما كان الأمر. لقد كان الجمهور نفسه قادرا على ذلك لو أن الأمور وضحت له بشكل جيد. إننا نعرف أنه يجب على كل تحقيق أن يبقى سرا الأمور التي تساعده في عمله. أما الأمور التي يمكن أن تخدم المجرمين بإبقائهم في الكتمان، فإنه من الواجب، على العكس من ذلك، إشاعتها بين الناس. ومهما يكن من أمر، فإن الوضع لا يتعلق في هذه الحالة بمجرد وقائع مادية بسيطة، كما هو الوضع في الحالات العادية. ولكن في الظروف الدولية الراهنة، لا يمكن للتحقيق، وللأسف، أن يطال (متعدد الأطراف) نفسه. إلا أننا نستطيع أن نطال أطرافه. هناك قاتل مسلح، هذا أمر طبيعي. ولكن هناك أيضا وبالتأكيد قتلة سياسيون.