فالإيمان يمنح الشعب قوة احتمال ذلك البؤس بإباء، مرسيا على قسمات الوجوه، وفي سائر الأجواء، مزيدا من السكينة والهدوء.
لقد شعر دينيه وهو رجل الفن، أي رجل الإلهام والبصيرة، أن المؤامرة تحاك بالتحديد دائما ضد القوة المسعفة؛ والتي تحول دون سقوط هذا الشعب في ظلمة اليأس.
وقد بدا له أن الاستعمار لديه هو أيضا ذلك الحدس، الذي يتصل بواقع هذا الشعب، ولذا فسائر مخططاته الموجهة تصب دائما ضد مفصل صمود الروح الجزائرية؛ الإسلام. فإذا ما سقط هذا المفصل فلن يكون هنالك ما يعوق عمل الاستعمار. وهكذا يصبح الشعب لا قبل له بدفع مؤثرات الاستعمار، أو البرء منها.
لقد كان ذلك كله يتخايل في شعور إتيين دينيه، وهو يطل من شرفته التي أهملت اليوم، وتركت لعبث الزمن، وللرياح الحادة، التي أتلفت خشب تلك الشرفة.
وربما كانت هي تلك حالة النفس، التي جعلته يترك لفترة الريشة ليحمل القلم. في تلك الحقبة كان الدكتور كرونيه، نائب (جورا) في حينه. ينزل في الاستراحة بين جلستين من جلسات قصر بوربون، ليتوضأ ويصلي على رصيف السين، تحت أنظار المارة المتسكعين الذاهلين، وهم يجتازون جسر ألكسندر. بينما كريستيان دوشرفيل الذي أعلن إسلامه هو الآخر باسم عبد الحق، يؤلف كتابه نابليون والإسلام، الذي إليه سوف يسطر إتيين دينيه إهداء كتابه (الشرق من منظار الغرب)، وفي تصدير هذا الكتاب دافع إتيين دينيه بتواضع عن كونه مدققا. ولقد كان هذا الكتاب في الواقع نتاج عالم باحث اتخذ موقفا، أو كان كما يقال اليوم ملتزما، وهو التزام فيه مجازفة الملتزم، واندفاع تهور.
لقد التزم بالضبط ضد الفرنسيين من المستشرقين، حين رفع القناع بلا رحمة عن مخططاتهم وخداعهم ضد الإسلام.
стр. 72
لقد ساوى قلمه ريشته. وحين ألف كتابه (محمد نبي الإسلام) أضحى قلمه في بعض صفحاته ريشته الأشد سحرا.
فالفنان مثله وحاله الذي يمكنه في الواقع أن يكتب صفحة غزوة تبوك.
فالدفاع عن الإسلام، وإبراز قيمته بالريشة أو بالقلم، كانا إفشالا لمناورات الاستعمار، التي أرادت أن تستغل وتستنفد سائر المصادر الروحية للبلاد الإسلامية المستعمرة؛ كالجزائر ومراكش وتونس، لتصبح شعوبها أكثر استجابة لعمله التفتيتي.
إتيين دينيه قد واجه ذلك كله بريشته وبقلمه، فهو إذن قد فعل ما لن يغفره له الاستعمار أبدا.
فوالي عام ١٩٣١ زرت متحف اللوفر، وكنت أنتظر أن أجد فيه بعضا من لوحات ذلك الرسام الكبير، الذي كان قد توفي حديثا. وأشد ما كانت خيبتي أنني لم أجد شيئا منها، وحينما عبرت عن هذه الخيبة لطالب في الفنون الجميلة، كان قد تطوع بلطف ليرشدني، فوجئت بجوابه:
لحسن الحظ أنه لا يوجد مثل تلك القباحات هنا. لست أدري إذا كانت الأمور تغيرت منذ ذلك الزمن في متحف اللوفر، ولكني أفهم اليوم بصورة أفضل تلك الأمور.
ففكرة العجوز التبسية قد راودت فكري البارحة أمام قبر إتيين دينيه؛ وهي قد فسرت لي ذلك كله. ثم إن حياة وأعمال الرسام الكبير فسرت بالمقابل تلك الفكرة المؤلمة. حتى إنه حينما حمل المركب رفاته من فرنسا، حيث توفي، فإن الإدارة قد أخذت كافة الاحتياطات بين المرفأ ومحطة الجزائر. فقد نقل إلى مثواه الأخير في (بوسعادة) خلسة، بمعزل عن علم الجماهير، عبر جلفا، إذا لم تخني الذاكرة.
стр. 73
نعم كما قالت العجوز التبسية "الويل لمن ينجدنا لأننا سنكون بلواه". لقد كان على إتيين دينيه أن يدفع هذه الضريبة.
كل ذلك أفهمه اليوم .. من الذي لم أستطع فهمه البارحة، حالة الإهمال والتلف في تلك الأماكن، التي تأمل دينيه عبرها في عمله الفني ونضاله الملتزم.
إنني لا أجرؤ على التصريح بكل ما أفكر به في هذا الموضوع؛ إنما أعلم أنه في العمق هنالك شيء من البراءة. ومن عدم الوعي من جانبنا، ولكنني مضطر أن أسجل بأن تلك البراءة وافتقاد الوعي، يبدوان وكأنهما استمرار لموقف الاستعمار من دينيه.
لن أشير هنا إلى التفاصيل التافهة. فأنا لا أدري مثلا أي يد مدنسة وضعت على صورة الرسام الصغير، المعلقة على حائط المقبرة، تحت اسمه المكتوب بخط عربي لائق، اسمه بخط لاتيني مليء بالخطأ، وكل حرف فيه يرتجف. لا ريب كان ذلك مجرد تصرف صبياني يمكن تحمله من أمي. كما لن أتحدث عن نافذة الضريح، الذي سدته يد بربرية بتلك الأحجار الصغيرة التي جمعت من حوله دون أن تكلف نفسها عناء طلائها من الداخل. لكن الذي يصدمنا أكثر إنما هو تصرفات أخرى، تشير إلى روح الجش والاستغلال والاستثمار.
فمنتجع دينيه لم يترك لعوامل الطبيعة فحسب، بل قسم وبيع مفرقا. ومن اقتناه حوله إلى مسكن على طراز مدينة الصفائح. فبابه استبدل بلوح من الصفيح المموج، يتسرب من خلاله ضوء النهار، فتلمح الممر الذي كان الرسام يجتازه، ليدلف إلى حديقته، ويأتي منتجعه فوق الوادي.
والمنتجع هذا، قد أضحى نفسه مع الحديقة ملك شخص آخر.
لم يبق لدينيه سوى ضريحه. لقد عزل عن بقية آثار دينيه، بحائط غير مورق، بل وبأية حالة!
стр. 74
هكذا جرد في حياته من الكثير، وجرد في مماته من التقدير الواجب لرفاقه.
لقد جرد ميتا من الإطار الجميل، الذي يجب أن يقبر فيه ذلك الفنان الشغف بالجمال.
لسنا في حاجة لأن نتساءل أين هي وثائقه التي لا تقدر؟ كل ما نبغيه على الأقل أن نعيد إليه ما يمكن أن يعاد إليه، وهذا يقع على عاتق الدولة الجزائرية، على عاتق أجهزة فنوننا الجميلة. وأنا أعلم أن مدير ذلك الجهاز يحترم الأشياء التي لا تقدر بقيمتها المادية، إنما تقدر بقيمتها المعنوية التاريخية.
ترجمة ع. م
стр. 75
مهمة النخبة الإفريقية (*)
على أثر انتهاء (القمة العربية) المصغرة التي عقدت مؤخرا في القاهرة. أجرى مراسل ال ( RTA) مقابلة مع الرئيس الأزهري حول موقف الدول الإفريقية في (هيئة الأمم المتحدة) أثناء مناقشة الاعتداء الإسرائيلي.
فشرح رئيس الدولة السوداني كيف أن هذا الموقف، مهما كان مخيبا لآمال العرب، إنما كان وليد تأثيرات الإمبريالية وإلحاحها ووعودها وضغوطاتها لدى تلك الدول.
ويأتي هذا الجواب في حينه لينور- كما أتمنى- قارئا من الجمهورية العربية كتب لنا تحت اسم (س. هـ) ليبلغنا مرارته من موقف المنظمة الإفريقية.
رغم ذلك، وبما أن هذا القارئ الصديق يخاطبني باسمي شخصيا حول نقطة دقيقة، وبما أنه فوق ذلك يريحنا بطلبه أن نكون (صريحين) فيما بيننا، فإن الحوار سيكون ولا شك ممتعا جدا.
ولكنني أميل- بادئ الأمر- إلى طرح سؤال عليه، قبل أن أجيب على سؤاله. فالحلم مزية الشباب، ولا شك. كما هو مزية الشعراء أيضا.
ولكن الإمبريالية سلبت العالم سحره وشاعريته. لقد سلبتنا بذلك حقنا في مزايا الشباب.
وعليه، من يسمح لإنسان من العالم الثالث أن يحلم، (بحلم الوحدة الإفريقية)، كما يقول صديقنا القارئ؟ إن كل وعينا ضروري في هذا الصراع المرير المفروض علينا. ولكنه ليس كافيا على الدوام.
стр. 76
يجب علينا أن نستيقظ ونتساءل إذا كان حلمنا ذاته فخا؟ كذلك يجب أن نتساءل ما إذا كانت الإمبريالية تدفعنا إلى الحلم تماما، لكي تلفت انتباهنا عن بعض الوقائع الملموسة التي تعيق حساباتها؟
يخطر ببالي على وجه التحديد ذلك الواقع الإفريقي- الآسيوي الذي تجسد في (باندونغ) سنة ١٩٥٥، وذلك الرعب الذي زرعه في المعسكر الإمبريالي. فالإمبريالية كانت تعرف حتى ما كان يمثله هذا الواقع على التمام.
كانت ترى فيه، على المدى القريب، القوة الهائلة لكل الدول النامية (بكل ما تملك من مقدرات اقتصادية) منظمة في نوع من النقابة ذات البعد السياسي والاجتماعي والأخلاقي في سبيل التعبير عنه حقوق البروليتاريا الآسيوية- الإفريقية، والمطالبة بها، وهي بروليتاريا تتكون من كامل شعوب تلك البلدان، أي من أكثر من مليار نسمة.
أما على المدى البعيد، فإنها ترى أكثر من ذلك.
هناك مراقب غربي لا نشك في تجرده يقيم هذه الواقعة بقوله: " ... إن مؤتمر باندوخ لم يؤد إلى أي نتيجة مباشرة، ولكنه كان حافزا للقوى التي حددت مجرى التاريخ وصنعت العالم الذي نعيش فيه اليوم".
والواقع أنه من المنظور التاريخي، وإذا وضعنا أنفسنا في السنة ٢٠٠٠ كما فعل هذا المراقب الغربي، فإن هذا الحكم غاية في الدقة.
ولكن، هل ما يزال صالحا حتى يومنا هذا. هيهات! لقد عف الزمن على كل الأحكام التي أطلقت على مستقبل مؤتمر باندونغ، على المدى القريب وعلى المدى البعيد، لماذا؟
لكي نجاري العصر، لا بد من الإجابة بشكل آلي إلى أن ذلك يعود إلى الإمبريالية.
стр. 77
وعلى كل حال، يبقى الجواب صحيحا، ولكن يجب رغم ذلك ألا نخضع لآلية الجواب: بل يجب أن نفكر.
لا يجب أن نتهم، بل أن نفهم، لم تستطع الإمبريالية بضربة من عصا سحرية أن تحطم مشاريعنا المبشرة لنا بالخير أحيانا. وبالتالي الخطرة لها.
إنها لا تفعل أكثر من استغلال مواطن ضعفنا، إما في تصميم مشاريعها وإما في تنفيذها.
إن الظروف الاستثنائية للحرب الباردة هي التي أنجبت مشروع مؤتمر باندوخ. ويجب أن نعترف بكل تواضع أننا لم نفعل شيئا كثيرا لنساعد هذا المولود الجديد على النمو. هذا في البدء. ثم إنه يترتب علينا الاعتراف بأننا حتى أعقنا تطوره بالمبادرات الفجائية والإجراءات التي لا طائل تحتها.
في المؤتمر الإفريقي الآسيوي الثاني الذي عقد في القاهرة سنة ١٩٥٧، رأينا مثلا (طه حسين) المؤثر يتكلم عن الثقافة الرائعة لبلده خلال آلاف السنين. فلو أن هذا حدث على منبر كلية جامعية أمام حشد من الطلاب، لكان الموضوع نفيسا حقا، ولكن من على منبر الشعوب الإفريقية الآسيوية؟ ألم يكن من الأفضل، لو تكلم عن مشروع ثقافة إفريقية آسيوية يوضع فورا قيد التنفيذ، لكي يقدم البناء المتين الضروري لمجتمع شمل القوى الهائلة، المشتتة نوعا ما، والمجتمعة في باندونغ؟
من الواضح أن هذا التناقض كان فوق ذلك مشتركا بين الجميع. اللهم إلا عند الوفد السوفياتي، الذي قام بشيء أشد فعالية، حين تكلم عن قواعد اقتصاد إفريقا آسيوي.
أما بالنسبة ل ( GPRA)، فإنها لم تجد أفضل من أن تعتالي منبر الشعوب الإفريقية الآسيوية لا لتسمع صوت الثورة الجزائرية، بل لتستشهد بأقوال الصحافة
стр. 78
التقدمية من أولها إلى آخرها، من (الأكسبريس) إلى (الأوبسيرفاتور).
هذا ولا نتكلم هنا عن الكتاب المزيفين الذين انتدبتهم ال ( GPRA) ليمثلوا الجزائر في المؤتمر الأول للكتاب الإفريقيين الآسيويين الذي عقد في طشقند في سبتمبر- أيلول سنة ١٩٥٨.
لقد أعطى (بومارشيه) وصفا دقيقا لمثل هذا التناقض في عصره بقوله: "كنا بحاجة لمحاسب، فاتخذنا راقصا". وهذا على ما أعتقد ينطبق بعض الشيء على العديد من دول العالم الثالث.
باختصار، هذا هو عملنا من الداخل. ويجب الاعتراف بأننا بذلك نجعل مهمة الإمبريالية سهلة جدا من الخارج.
عندما نتكلم عن (العارضة poutre) فإننا نفكر بالضبط بهذا الأمر، وبالكثير مما يشابهه. إن الشعوب الإفريقية أو الآسيوية، إلا ما ندر منها، لا تحتاج لأن نضع عارضة في عينها: فهذه الأخيرة موجودة فيها بشكل طبيعي.
كان لمؤتمر الوحدة الإفريقية عارضته حين ولد: إن عارضتنا، عارضة إفريقية كلها، ستصبح انشقاقية، وستدير ظهرها لروح باندوخ، ثم سيدير ظهره لدستوره هو في آخر نقاش في الأمم المتحدة.
إن وجوده ذاته يشكل الانشقاق الأول في قلب العالم الثالث تاريخيا وسياسيا.
في آخر نقاش في الأمم المتحدة، لم تفعل الدول العربية وإفريقية ذاتها إلا أن قطفت الثمرة المخيبة لهذا الانحراف الانشقاقي.
ومن المؤكد، نستطيع أن نذكر هنا، ما لدى الإمبريالية من نوايا ميكيافيلية، ومناورات شيطانية.
стр. 79
ولكن، أهذا كل شيء؟ ألا يجب أن نذكر كذلك مسؤوليتنا نحن؟ في الواقع، يعود تاريخ قشرة الموز إلى زمن بعيد. إن المستوى الذي هيأ الاستعمار عليه الانشقاق الإفريقي هو مستوى الأفكار- إذ تم العمل بادئ الأمر على الصعيد الفكري. وفصل رجال النخبة الإفريقية بعضها عن البعض الآخر.
وعوارض الانشقاف ظهرت بادئ الأمر في مختلف مؤتمرات الكتاب السود، مثل ذلك الذي عقد في روما سنة ١٩٥٩.
إن بعضهم يدعي أن تأسيس (منظمة الوحدة الإفريقية) جاء تلبية لذاتية إفريقية:
(الإفريقانية) كما يقال. ولكن مؤتمرات الكتاب السود هيأت لذاتية أخرى، هي ذاتية الزنجية ( négritude)، إذ نستعمل هنا الكلمة التي استعملت في هذه المؤتمرات.
هكذا، وضعت في النهاية ذاتية داخل الذاتية وخلق تمييز داخل التمييز. حيث إن منظمة الوحدة الإفريقية ليست سوى طابق ثان في صاروخ أطلق ضد وحدة العالم الثالث. لقد انسحبت النخبة الإفريقية في هذه اللعبة. وإذا كنا معجبين ب (أمية سيزار) المناضل ضد الإمبريالية، المتمس أشد الحماس والمخلص أشد الإخلاص، فإننا نجد أنفسنا مجبرين، للأسف، على أن نعده في الوقت ذاته كألمع ممثل للميول الانشقاقية التي ظهرت في الأمم المتحدة.
كذلك، عندما يظهر اسمه مصحوبا باستشهاد منه في مقدمة تقرير إذاعي حول بدء السنة الجامعية- كما حصل في جامعة الجزائر منذ سنتين- فإننا لا ندري إن كان يجب أن نرى فيه الخطأ السياسي، أم الخطأ في الأسلوب. الواقع أن الخطأ ارتكب، على أقل ما يمكن. ضد الذوق السليم. ربما جعلونا هنا ننزلق في صغائر الأمور!! ولكن هذا ليس عزاء لأحد. ألم يكن من غير اللائق كذلك كل هذا الهرج والمرج حول
стр. 80
شخص (جان بول سارتر)، لدى زيارته لجامعة عربية أخرى؟ خاصة إذا ما تذكرنا أن كاتبا عربيا وضع نفسه تحت تصرف الدولة ذاتها (في حال الاعتداء)، وذلك قبل الاعتداء الإسرائيلي بشهر واحد. لم يرسل إليه حتى إشعار بوصول تلغرافه.
يا له من مرض! إننا لا نفقه الفروقات الصغيرة. إننا بليدو الذهن. ومن المؤكد لا يترتب علينا- نحن العرب- أن نعطي للأخرين دروسا في الإخلاص في للمبادئ. فنحن ذاتنا نحتاج إلى مثل هذه الدروس!
هنا يكمن على ما يبدو فحوى سؤال الصديق (س. هـ) كنت أتمنى رغم ذلك أن يطرح سؤاله بشكل أشد وضوحا، خاصة فسما يتعلق بتلك (المساومات) التي كنا ضحيتها كما يقول.
ومهما يكن من أمر، فإننا يجب ألا نرى في هذا مسألة مصادفة، أو مجرد حادث في الطريق، أو مشهد من مشاهد الحياة السياسية.
المشكلة أعمق من ذلك.
إن منظمة الوحدة الإفريقية لم تفعل ما فعلته في الأمم المتحدة إلا ما كان يتحتم عليها أن تفعله، بالمصادفة أم بغيرها.
يجب فحص الأشياء بعمق شديد، حين يسجل شعب من شعوب العالم الثالث، في نهاية معركته البطولية، كلمة (السيادة) في مطلع دستوره، فهذا ليس في كل شيء. إن الإمبريالية لا تختفي بذلك من الوجود- إنها تترك بكل بساطة وسائل ظاهرة في سبيل التمسك بوسائل أخرى، قد تكون غير مرئية (ولكن ليس على الدوام). ولكنها أشد مرونة وأشد فعالية. وتقدم المناقشة الأخيرة في الأمم المتحدة مثالا واضحا جدا لهذه الظاهرة، يجب على العمل الثوري إذن أن يتضمن مبدأ عاما هو: لكي ننزع الاستعمار عن الأرض، يجب أن ننزععه عن الأذهان.
стр. 81
ولكن إذا كانت علينا بعض الظروف الخاصة ترغمنا على اتباع عكس في ذلك، فإنه من واجبنا على الأقل أن ننزع الاستعمار عن الأذهان بعد نزعه عن الأرض.
لقد ترك لنا (غاندي) درسا حول فحوى التحرير في بلد مستعمر، في سنة ١٩١٧، وبمناسبة استئناف الدروس في المعهد الذي أسسته (الآنسة أني بوسانت) أو (بمناسبة افتتاحه)، توجه إلى مواطنيه بقوله: "إن الهند لا تستحق الاستقلال، ما دام المار في أحد شوارع بومباي أو كالكوتا معرضا لأن يتلقى بصقة على رأسه من إحد في النوافذ".
وفي زمن أقرب إلينا، عندما سحق الشعب الصيني الإمبريالية في سنة ١٩٤٨، لم ينقض على (الأموال السائبة) في بكين للمتاجرة بها. بل كان أول همه أن يشمر عن ساعديه ليخلص عاصمة إمبراطورية الشمس القديمة من أطنان النفايات التي كانت تغرق تحتها.
إن مشروع قنبلة هيدروجينية (وهذا ليس سوى مثل) لا يمكن أن يدرك ولا أن يحقق فوق كومة من الأوساخ. تلك هي الانتصارات التي تحرر الفكر، ويأتي حتما تحرير الأرض بالسلاح بعدها أو قبلها.
إن شعبا يناضل ضد الإمبريالية يجب ألا ينام على أكاليل انتصاره الأول.
فالديموقراطية لا تكمن في كلمة تسجل في مطلع الدستور. بل تحول الإنسان هو الذي يخلقها. المواطن هو الذي يحملها في أحشائه، وبالأحرى حين يتعلق الأمر بالنخبة من المواطنين.
بذلك فقط، تصبح النخبة الإفريقية غير قابلة للتأثر بإيحاءات الإمبريالية على الصعيد الفكري، وغير قابلة للخضوع لمشاريعها على الصعيد السياسي.
بذلك فقط تستحق إفريقية، ونحن جزء منها، أن تنال استقلالها، كما يقول
стр. 82
غاندي. وعلى الأخص، طالما أن منظمة الوحدة الإفريقية موجودة كما هي، فإننا لا نستطيع أن نبني تاريخا من الماضي.
ولكن رجال النخبة الإفريقية يستطيعون أن يغيروها بتغيير أنفسهم، أي بأن يعوا تمام الوعي رسالتهم في صفوف المعركة الكبرى التي يخوضها العالم الثالث. إنها معركة شاملة.
على تلك النخبة أن تقوم بثورتها الخاصة، لكي لا تستمر في الوقوع في أحابيل الإمبريالية، فبها تتعلق- على الأخص- إعادة التفكير بمسألة الانشقاق الإفريقي الذي أدخل في وسط نضال العالم الثالث، لكي تتبدد قواه التي تجمعت في باندونغ.
إذا كان على وفد جزائري أن يذهب إاى أديس أبابا، فإن عليه أن يضطلع بدور عظيم. ونتمنى أن يضم الملف الذي سيحمله الوثائق المقنعة في سبيل نفخ روح جديدة في منظمة الوحدة الإفريقية، وأن يتذكر الوفذ في تلك اللحظة ويذكر كلمات الرئيس (الأزهري).
стр. 83
دلالة إضراب الجامعة (*)
هناك عادات جميلة في بعض البلدان، يعاد إحياؤها بشكل دوري، وكأنها تعكس تراثها القومي، أو تعبر عن حضارتها وثقافتها.
في فرنسا مثلا يحتفل دوريا خلال أسبوعين بالثقافة الكاثوليكية التي عرفت عصرها الذهبي- وهو ليس بعيدا- في الفترة التي كان يحييها أمثال (أمانويل مونييه)، و (ماسينيون)، و (جيلسون)، وهوأكبر المتخصصين بفكر القديس توما الإكويني، وأشدهم حداثة وربما عمقا.
نحن كذلك، حصلنا للتو على أسبوعي الثقافة التي تمطت مثل تثاؤب لا نهاية له ... فقد راق لطلابنا أن يفرضوها علينا وكأنها تكفير عن خطايانا الأولى، تلك التي ارتكبناها حين استعدنا، مصير بلادنا، في سنة ١٩٦٢، من يد المحتل الأجنبي.
وأخيرا، انتهى التثاؤب ... وعادت النعاج الضائعة إلى الحظيرة، وفتحت الجامعة أبوابها، ولكن العاصفة التي هبت ضمن أسوارها تركت وراءها عددا كبيرا من التساؤلات التي تستحق الانتباه الكبير، مثل الفضلات التي يجب إزالتها بعد هيجان الطبيعة. في سنة ١٩٦٢، لم نفهم- بما فيه الكفاية- خطورة اللحظة التي كانت تختم وتكلل سبع سنين من الصراع البطولي للشعب الجزائري.
إن الفرح والاعتزاز- وكنا نستحقهما كل الاستحقاق- قد كتما بل خنقا فينا، معنى المسؤوليات الكبرى التي كنا نستلمها في تلك اللحظة.
ويجب أن نضيف إلى هذه الأسباب- وهي جد طبيعية- الأسباب التي ئشار إليها
стр. 84
الرئيس بومدين خلال جولته "الأوراسية"، في الواقع كان هناك أيضا شيء من الديماغوجية، ولكن إذا كان (الحكم هو التنبؤ) كما يقول (ميترنيك)، فإن الديماغوجية لا تترك مجالا للتنبؤات.
إن الحكام في تلك اللحظة كانوا يميلون إلى خداع الرأي العام المنتشي، أكثر مما يميلون إلى تنويره على صعوبات المرحلة الجديدة، لهذا البلد الذي كان عليه أن يبنى من الصفر، إلا أننا كنا في مرحلة حرجة، كتلك التي يضعها (أوجين سو) في نهاية مأساته (اليهودي الشارد) حين يختفي الشخص اليسوعي الذي يجسد (سياسة القوة) - بعد الفشل الذريع- ويخلي الممان في المرحلة اللاحقة ليسوعي آخر يجسد الحيلة.
والحقيقة أن أقل ما كنا نتعرض لخطره في سنة ١٩٦٢، هو مشاهدة الاستعمار، يخرج من الباب، ليعود من النافذة.
ولكن على ما يبدو لم نكن نفكر بهذا الاحتمال حيث نجابهه باليقظة الضرورية والإجراءات السياسية المطلوبة، بكل بساطة، تركنا نوافذنا مفتوحة، بل إننا فتحنا نوافذ أخرى، وعلى الأخص، على الجبهة الأيديولوجية التي بقيت وحدتها وصلابتها غير منقوصة حتى ذلك الحين، بفضل تماسك موقفنا الدائم في وجه المحتل. ولكن التماسك زال بعد ذهاب المحتل، وزال معه نظام الدفاع الأيديولوجي، فبات قابلا لأن يخرق.
في تلك الحالة من التماسك المتلاشي، إذن، وفي جو مشحون بالديماغوجية، شرعنا في حل مشاكل الاستقلال. فلم نقدر بعضها حق قدرها، وبالغنا في تقدير البعض الآخر، حتى أهملنا بعضا منها.
وهكذا، كان على التعليم العالي عندنا أن يعاني على الأخد، من ذلك العجز، لقد طرحت مسألة التعليم العالي الواقع، ولكنها طرحت على مبدأ سليم جدا في الظاهر، وهو مبدأ (المحافظة على المستوى).
стр. 85
ليس من شيء أهم من ذلك في الظاهر، كان ذلك طموحا جميلا ومشروعا، شرط أن تتحول تلقائيا رغباتنا إلى وقائع (حقائق) وأن يصبح المبدأ ذاته أمرا واقعا (ملموسا) للأسف، شتان ما بين الرغبة والواقع.
يجب أن نتتبع تطوير تعليمنا العالي، منذ خمس سنوات، لنفهم أن المبدأ الذي سارت عليه كان خاطئا، وبهذه الطريقة أيضا نفهم كيف أن السنة التي أعلن بحسن نية- منذ بعضعة أشهر فقط- أنها ستكون سنة التنظيم، كانت بالضبط سنة الأزمات.
كيف سارت الأمور لتصل إلى هذه النتائج؟ لا شك يجب أن نتبع التطور الذي سارت فيه، وعلى الأخص التأثيرات التي خضع لها طلابنا حتى خلال السنوات السبع من الثورة.
ولكن لنعد المشكلة إلى عبارتها الأبسط، في سنة ١٩٦٢ كانت المشكلة تكمن أساسا في خيار واحد: كان الأمر يقضي إما بتحويل تعليمنا العالي ليتلاءم مع حاجاتنا ومع وسائلنا، وإما بتركه كما هو.
ووقع الخيار على هذا الاحتمال الأخير على أن يتضمن (المحافظة على المستوى) بطريقة غير مباشرة. واليوم، وعلى ضوء الأزمة الأخيرة، نرى بشكل أفضل نتائج عبارة خلابة تخفي خيارا تعيسا، ومع ذلك لا يبدو أن هناك من يدركها كلها بوضوح.
إذن يجب إعادة طرح المشكلة من جديد، ومن المنظور الأبسط على الأقل.
ولنذكر بادئ الأمر المحاولات الشكلية التي كانت خلال السنوات الخمس الأخيرة مجرد مشاريع ولدت ميتة؛ لأنها لم تكن تعبر عن إرادة حقيقية بتغيير جهاز تخريج الكادرات في بلادنا، بل كانت مجرد تقليد لتغييرات حدثت في العالم.
إلا أن الأمر لم يكن يتعلق بإصلاح تعليمنا العالي، لحدوث إصلاح (فوشيه) في فرنسا، بل وبكل بساطة لوجود حاجة ملحة للإصلاح في الجزائر.
стр. 86
ولكن مبدأ (الحفاظ على المستوى) أصبح حاجزا، يقف في طريق كل محاولة من هذا النوع، ويمنع من التقدم خطوة نحو الأمام، لدرجة أن تعليمنا الجامعي بات بعد إصلاح (فوشيه) هجينا ممتازا: فهو لم يكن فرنسيا ولا جزائريا.
في تلك الأثناء، وفي حين كنا نراوح مكاننا أمام ذلك الحاجز، كان المبدأ الذي اتخذناه يسير طبيعيا نحو نتائجه المضرة بكاملها، ولكي نحافظ على المستوى، كان علينا على الأخص أن نترك كل نوافذنا مفتوحة، وأن نفتح نوافذ أخرى، أمام كل الرياح الأيديولوجية، أمام كل الرياح التي أثارت تلك العاصفة التي مرت بجامعتنا.
ويمكن هنا أن نذكر تفاصيل بناءة جدا، حول طريقة دفع العاصفة باتجاه شاطئ يخيم عليه الهدوء المناسب للدراسة وللتفكير. لكن، لنترك التفاصيل الروائية جانبا، فهذه الأسطر مخصصة بالأحرى لتبيان الآثار المشؤومة، لمبدأ هو في الظاهر قيم ومغر جدا، فالمبدأ الذي اتبع كان من المنطق أن يؤدي إلى مبدأ آخر، هو مبدأ (المعادلات)، وهذا الأخير أدى بدوره إلى نتيجتين: إحداهما تخص نتاجنا الجامعي، والأخرى استعماله. لابد أن نعطي هنا شواهد على ما نقول، إن مرحلة الطب، على سبيل المثال، كان من الواجب أن تحصر- من جيث المنهج - بفترة زمنية تتلاءم مع الحاجات الملحة لجهازنا الصحي، لكن ثم الإبقاء نظريا على الفترة الزمنية التي تتلاءم مع مبدأ المعادلات، أي ست سنوات.
رغم ذلك ومن المنظار العملي، أضحت هذه الفترة أطول، بسبب عاملين إضافيين مختلفين في طبيعتهما، ولكن كان لهما الأثر ذاته على مدة المرحلة.
وهناك أمر في نسبة السقوط المرتفعة، ألاحظه في الامتحانات الأخيرة، ارتفاعا غير طبيعي في إحدى سنوات الطب، ولا أقوم هنا بأي انتقاد لهذه النتيجة، إنما ألاحظ الأمر فسب، وأترك لمسؤولي التعليم العالي مهمة تحليله.
وأدون هنا إحدى نتائجه: إن الجزائر، البلد النامي الذي يحتاج إلى تسريع
стр. 87
نتاجه في شتى الميادين، سيخزج على- هذا المنوال- الطبيب في ثماني سنوات، أو حتى في عشر، وبالإضافة إلى ذلك أترك لمسؤولي التصميم النظر في تطور هذا الإنتاج البطيء، هذا فيما يتعلق بالإنتاج.
ولا أقول أي كلمة عن هذا الإنتاج بالنسبة لمقاييس الاختيار التي تستحق رغم ذلك كل الانتباه، فإذا انتقلنا الآن إلى الاستعمال، وجدنا أن مبدأ المعادلات كان له أثر أشد ضررا، وأريد أن أقول أكثر فضحا.
الحقيقة أن ٥٠ بالمئة من أطبائنا حاليا في الخارج، لقد فتح لهم مبدأ المعادلة، الباب أمام هذا الفرار، بمساعدة معادلتهم الشخصية، وبكلمة أخرى، فإن جامعتنا تخرج ببطء طلابا قد يجذبون إلى الخارج.
هذه النتيجة الأخيرة استقيناها مع شيء من السخرية المبكية من تقرير- تكلمت عنه في إحدى مقالاتي السابقة- قدمه عالم اجتماع إيراني، كان الأونيسكو قد كلفه بالتحقيق في كيفية استخدام نخبة العالم الثالث، وعندما ذكرت بنفسي هذا الواقع في شكله العام، أرفقته عمدا بتعليق، قلت فيه إن العالم المتقدم لا يكتفي بالاستحواذ على المواد الأولية الثمينة من العالم الثالث بأرخص الأسعار، بل يستحوذ كذلك على المادة السنجابية الضعيفة والتي تكلفه غاليا.
وأضيف هنا أننا أنفسنا، على صعيد الجزائر، نستجيب بشكل رائع لذلك الشكل من أشكال الاستغلال، فالحقيقة أن عجزنا التام عن القيام بإصلاح تعليمنا العالي في الوقت المناسب هو الذي يجعل بالإمكان حصول هذا الاستغلال.
لقد ذكرنا للتو النتائج فحسب التي تقع في أساس بنيات التعليم العالي. ويجب أن نضيف الآن أن كل هذه النتائج تصبح أشد خطورة، بسبب الرياح الأيديولوجية التي تدخل مندفعة في نظامنا الجامعي من كل أبوابه ونوافذه، لأننا لم نتخذ أي إجراء احتياطي في هذا الميدان.
стр. 88
يقال إن "من يزرع الهواء يحصد الرياح"، لقد حصدنا لتونا مجانا عاصفة نفخ فيها الآخرون، أي السحرة مشعوذو الصراع الأيديولوجي.
لقد ملك هؤلاء السحرة أيضا فن (التنويم المغناطيسي)، فقد كفاهم بضع كلمات خفية وبضع حركات سحرية حتى يغرقوا طلابنا في حالة نوم مغناطيسي، وذلك بوساطة- أو بالأحرى بتواطؤ- بعض (الوسطاء) المنتمين بعناية من بين صفوفهم.
ويكفينا أن نقول هنا إن الأزمة التي مرت بها الجامعة حديث تبين أن سلوك الطالب يضيف عامل إعاقة آخر على تلك التي ذكرناها منذ لحظة، فبدلا من تخريج طبيب بعد ثماني سنوات، من المحتمل ألا نراه تخرج قبل مرور عشر سنوات.
وبالطبع سيتطلب تخريج الصيدلي والمهندس والقاضي والأستاذ مبالغ أكبر، في حال لم يتغير شيء في هذه الحالة التي لا تقدر- على ما يبدو- أسبابها ونتائجها حق قدرها، رغم ذلك، هناك شيء واضح، تلك الأزمة التي مرت مؤخرا ليست سوى علامة نذير، إننا نجابه الآن أعلى الموجة، فإذا لم يتغير شيء من الآن وحتى أربع سنوات، فإننا سنواجه موجة القهر التي تتهيأ الآن في الصفوف الثانوية.
لم نبلغ هذا الحد بعد، والحمد لله، إن الطلاب الذين تصرفوا بتعقل وعادوا إلى قاعات الدراسة قلبوا بذلك صفحة مؤلمة.
إنما نريد أن نأمل بأنهم سيفكرون فيها بأنفسهم، لكي لا تسجل كوصمة عار في تاريخهم فيهزأ الناس من هذين الأسبوعين الثقافيين، ويسخرون قائلين بأنهما (أسبوعا اللاثقافة).
стр. 89
أخوة في الإسلام
لست أدري في أي ضاحية من ضواحي تلك المدينة الصناعية التجارية، يقع الشارع الذي فيه يسكن ذلك الطالب السوري الموطن، وذو الأصل الجزائري، والذي تحدر من نسل الأمير عبد القادر.
الذي أعرفه فقط، أن ذلك المنزل الصغير الذي دعينا إليه، يتكون من طابق أرضي وطابق أول، ويدلف عبر سلم صغير إلى مساحة ضيقة من العشب الأخضر، تفضي إلى الرصيف مباشرة، طبقا للطراز السائد في البيوت الإنكليزية في تلك الناحية.
لقد لحقت بالطالب شقيقته التي تتابع هي الأخرى دروسها في جامعة (ليدز)، ثم كان أن تبعتهما العائلة بأسرها: الأب لفحوصات طبية خاصة، والأم لتكون في رعايته.
جو غائم لبني اللون يغلف الأشياء حولنا، وإذ غرس في العشب الأخضر شجيرات ميلاد، جلبت للمناسبة، فقد كانت تتراءى لنا كنبات، أخضر به قعر البحر.
في الداخل كنا في جو عيد الفطر. والمنزل الصغير، بفضل محتد ساكنيه، ورقة تعاملهم مع الناس جميعا، أضحى الموئل للعديد من المسلمين: باكستانيين وسوريين وعراقيين. ولذا فقد كانوا كثرا ذلك اليوم، ليقدموا تهانيهم لتلك العائلة الجزائرية، التي أقامت في دمشق منذ مئة عام، حينما سمح نابوليون الثالث للجد العظيم أن يلجأ إلى الشرق.
стр. 90
كا الحديث عن الجزائر. وقد أثار اهتماما شديدا، حتى في عيني تلك الطفلة الجميلة التي جلست بالقرب مني، ولكنها تهرب بضفائرها الصغيرة الشقراء إلى ذراعي أمها كلما مازحتها قائلا:
سوف آخذك معي إلى الجزائر.
أما أبوها الذي يتابع دراسة الطب في المدينة، فقد انهمك يلتقط العديد من الصور الفوتوغرافية لجمع شديد الاختلاف في أصوله، لكنه شديد التجانس في أفكاره وشعوره واهتماماته.
كنا إذن وعلى مستوى صغير مجتمعا واحدا، يقلب مشاكله، يقيس فيها هموم الخيبة أو حظوظ النجاح.
مجتمعا جزائريا شئت، أو عربيا، أو إسلاميا، أو إنسانيا. فالاهتمامات أخذت بالنسبة إلينا مداها في سائر أبعادها.
جو العيد يدفع بالذكريات، فتجيش بها الخواطر، ويشرد الذهن في أحداثها، وما تناءت به السنون.
ورب العائلة .. سليل الأمير الذي يرقد رفاته في مقبرة العالية في الجزائر، قد أخذ من ذلك بقسطه، فحدثنا بما اتفق له من الذكريات.
وقاده الحديث إلى ذلك العصر، الذي كان فيه عبد العزيز بن سعود قد بدأ إصلاحاته الأولى في مملكته.
وهكذا بدا له أن يؤدي فريضة الحج في تلك الحقبة، وهي الحقبة نفسها التي أدت فيها والدتي فريضتها.
لم يكن الأمر في ذلك الزمن قد بلغ الحد الذي بلغه اليوم؛ حيث يمكن أن يسحق امرؤ بكل معنى الكلمة، بزخم العديد الذي لا يحصى من الحجيج الذين يطوفون حول
стр. 91
الكعبة، أو تتقطع أنفاسه بضغط تلك الآلة الضخمة من الكتل البشرية التي تتحرك في طوافها.
الأمر في ذلك الزمن كان مختلفا. والحاج في وسعه أن يتم أشواط الطواف براحة، ويتفحص خلالها الوجوه إذا أراد. كما يمكن له أن يتخذ منها معارف.
مضيفنا قد تعرف بالفعل على تلاثة أو أربعة من الصبيان، تنبئ شعورهم المجعدة وألوان بشرتهم، أنهم من إفريقية السوداء.
الأطفال أمسكوا بأيدي بعضهم بعضا، وهم يطوفون أشواطهم حول الكعبة.
وإذ رآهم المهندس الحاج، فقد مالت نفسه إليهم عطف أبوة، فكان كلما التقى بهم في الطواف، يوزع عليهم بعض الحلوى.
أما أبوهم الذي ربما أبصر صنيع المهندس الحاج بالأطفال، أو هم حدثوه بأمره، إذ هم إخوة، فقد أراد بدون شك، أن يعبر بطريقته عن شكر الرجل، الذي أضفى على أطفاله السرور.
وقال له:
- أريد أن أصبح أخاك.
وأجابه:
- نحن إخوة بالفعل لأننا مسلمون.
لم يشأ الحاج الإفريقي الاستماع، بل أردف مؤكدا فكرته:
- أريد أن نصبح أنت وأنا أخوين بصورة أخص.
قال له:
стр. 92
- حسنا. قل لي ما ينبغي أن نفعل لنصبح كذلك، وسأفعل ما تمليه علي.
هنا .. أخرج الحاج الإفريقي من ثوب الإحرام صرة حوت رزمة من الريالات السعودية، وقال له:
- هذه دراهمي .. ضع دراهمك التي معك فوقها ونتقاسمها مناصفة ... المهندس محدثنا بقي لبرهة مشدوها ...
وقد أوضح لنا:
- ليس لأنني شككت ولو للحظة في مصداقيته وعفويته ..
ثم أطرق مضيفنا بعيون حالمة، كمن يستجمع شتات ذكرياته .. وتابع:
- ولكني خفت أن يشك هو نفسه بمصداقيتي. فأنا في ذلك اليوم بالذات، وكما هو شأني في كل مرة أطوف فيها، لم أحمل معي غير دراهم من الحجم الصغير من أجل الفقراء، ومن الممكن أن يظن بأني أخفي دراهمي حتى لا أتقاسمها معه.
لست أخفي على القارئ ... فقد بدأت القصة تأخذ من نفسي إثارتها، وهكذا تعلقت عيناي بشفتي الراوي الذي تابع يقول:
-لكن الحاج الإفريقي أصر علي بشدة، فيما كان أولاده يرمقونني بنظرات الحنان، ولم أجد بدا من أن أخرج من حافظتي تلك الدراهم القليلة قائلا له:
- هذا كل ما معي ..
وبدت رؤيا حالمة مرت أمام عيني محدثنا ثم استرسل:
- الحاج الإفريقي أخذ دراهمي، وخلطها بدراهمه، وقسمها جميعها بكل دقة قسمين، ثم أعطاني نصيبي. وشدني إلى صدر قوي البنية وقال لي ببساطة:
- الآن أنت أخي.
стр. 93
سليل الأمير لم ينم ليلته تلك. إذ عقب عناقهما الأخوي هذا قص عليه الحاج الإفريقي قصته. بل ملحمته الإفريقية.
لقد ترك موطنه في إفريقية الجنوبية، قبل أربع سنوات مع أطفاله وزوجته، التي أنجبت له عبر الطريق طفلا ما زالت ترضعه.
لقد قطع الطريق ماشيا حتى (بور سودان)، حيث وجد هنالك من يسعفه بمكان على ظهر مركب صغير، يحمل الحجاج إلى جدة.
وفي رطوبة الجو االمكي، قضى محدثنا ليلة بيضاء، لا يغمض له جفن، يتقلب مع تلك القصة التي تعتمل في رأسه.
لقد قرر في صباح اليوم التالي زيادة نصيبه في (الأخوة) التي اكتسبها بالأمس، والتي كان الحاج الإفريقي قد دفع في النتيجة ثمنها بأكمله.
هكذا وضع بعض الأوراق المالية في مغلف، ثم خرج يلتقا (أخاه) فوجده يطوف حول الكعبة. مد إليه المغلف فالتقطه بحركة آلية، ثم أكمل الشوط.
ولكن ... ها هو الحاج الإفريقي يفاجئ المهندس، وهو يمسك بالمغلف مفتوحا بأطراف أصابعه كمن يلتقط شيئا نجسا.
لقد تقدم إليه بقسماته السوداء، وشفتيه المزرقتين، وعينيه الحادتين، وقال بصوت أجش:
- أنا لا آخذ ثمنا على أخوتي لأنني لا أبيعها.
وحين كان محدثنا ينطق بهذه الكلمات، كانت رنة صوته قد بدأت تتغير من فرط التأثر، وبدا لي كأني أرى المشهد بنفسي يمر أمام عيني.
لست أدري إن كان قد رأى مني ما كنت قد رأيته منه.
стр. 94
ففي تلك اللحظة، كان كل من يقوم بالحركة نفسها. إذ كل منا قد مسح دمعة تسللت من طرف عينه.
وربما كان لدي سباب إضافي جعلني متأثرا بتلك القصة.
ففي واحد من كتبي صدر في باريس عام ١٩٥٤، تحدثت عن الفرق الأساسي بين مفهومين يخلط بينهما الفكر الإسلامي المعاصر. إنه يخلط بين مفهوم (الأخوة) ومفهوم (المؤاخاة).
ففي المفهوم الأول فإن شعور أو مجرد كلمة من شخص وأية واقعة تربط بين رجلين، إنما هي رابطة أقوى من الرابطة التي تمليها رابطة النسب.
إنها كتلك الواقعة التي ربطت قديما بين الأنصار والمهاجرين، فأسست مجتمعا جديدا، وحضارة جديدة.
والحاج الإفريقي قد حمل بين جوانحه، في أربع سنوات من المسير في الغابات والأدغال الإفريقية ورمال الصحراء العربية، رسالة الإسلام، تلك التي عبرت القروق.
لقد طلبت من سليل الأمير الذي حدثني بتلك القصة السماح لي بروايتها بدوري للقراء الجزائريين.
ترجمة ع. م.
مجلة الثورة الإفريقية العدد ٢٦٢ - الأسبوع ٢٢ - ٢٨ من شباط (فبراير) ١٩٦٨
стр. 95
الفصل الثالث
نحن والإستعمار
стр. 96
أرغن الأمبريالية (*)
إنني أدين بمعلوماتي عما أنشره لصديق أوتي نعمة الجلد على القراءة. وأنا مدين له على الأخص باطلاعي على الأحداث اليومية، فهو يقرأ الصحف أيضا بانتظام.
وإذ فتحت له الباب ذات صباح، رأيت على وجهه أمارات الاستياء. فأنا اعتدت أن أقرأ الأخبار أولا على قسمات وجهه، فأعرف إن كانت سيئة أو جيدة.
ولم تخطئني الفراسة هذه المرة. فقد كان يحمل لي نبأ سيئا لابد أن تكونوا قد قرأتموه في الصحف.
ففي تقرير للجنة الفرعية للمساعدات العسكرية (الخارجية) التابعة لمجلس النواب في الولايات المتحدة الأميركية، تكلم اللواء في البحرية (هاينز).
إن الوثيقة (السرية) لم تسرب إلا من أجل أن يأتي مفسروها الجزائريون فيوصونا مرة أخرى بالحذر- والكلمة بالفعل شائعة اليوم- وذلك باعلامنا أن اللواء الأميركي يحتفظ لنا بجرو من كلبته.
وأوجز صديقي ما أعلمني به مكررا علي بأن ذلك كان خطيرا جدا.
هذا أكيد. وأنا- فيما يخصني- لا أحتاج إلى يمين ليها أصدق أن ما يغالي في حلة الشيطان ليس ماء الحياة يريد به أن تستعيد شعوب العالم الثالث شبابها. ولا يدهشني البتة أن النابالم وما يشبهه هو من (المأكولات اللذيذة، مما ينتجه مطبخهم)، بل هو بالأحرى ما يقدم في هذه اللحظة لشعب فييتنام، وهو ما عرف العرب طعمه من قبل في سيناء.
стр. 97
وأنا لست قليل الفهم كي أظن عكس ذلك. ولكنني- وهذا أمر عجيب- لم تشعر بشرة جلدي بخطورة هذه المعلومة بالدرجة ذاتها، التي بلغت عند صديقي.
ألأن بشرتي قد غلظت؟ ربما بفعل تقدم السن، وربما أيضا بسبب تجربتي التي تجعلني متشككا وباردا بعض الشيء في بعض المواقف .. كما وكأن قوى الاستعمار تريد أن تكبتنا بضربة جرس، مثلما يجري في تجربة بافلوف الشهيرة، التي كررها على الفئران.
إن الشيطان يريد أن يتسلى على حسابنا أحيانا، أن يرى كيف ندخل في جحورنا الصغيرة، عند أدنى ضربة جرس. أنا لا أقول إن لعبته- عندما يريد أن يلعب- بريئة براءة لعبة الأطفال. كلا، بالطبع ... فلعبته ذاتها تكتيك، وتقنية، بل إنها سياسة عليا.
وإذا راقب أحد ما لبعض الوقت بانتباه، وبشيء من الحس السليم، فإنه سيكتشف أن الاستعمار يعزف في دول العالم الثالث، على أرغن ذي دعستين. (أنا لا أعرف إذا كان لهذه الآلة الموسيقية أكثر من دعستين، وأعتذر للقارئ. فأنا لست من الاختصاصيين في هذا الميدان).
كل ما أريد أن أقوله هو أن الاستعمار- عند صديقنا- يضع رجله على الدعسة التي توجه الضياع والتفكك والانحلال في الدول النامية، والتي تؤدي إلى فسادها وخمولها وتعفنها.
وإلى الأمام على هذه الدعسة! إنها موسيقى تسحر حتى البلاهة، حتى النشوة، حتى الفناء، حتى الحلم، وإلى غيبوبة الرادارات العربية صبيحة ٥ حزيران.
وإذا لم تنسلخ نخبة هذه البلاد، ومسؤولوها، وشعبها، عن ذلك السحر، فإن تلك الموسيقى، وذلك الصوت العليل الرقيق، سيستمران حتى لا تعود كلمة (استقلال) تعني شيئا على الإطلاق، سوى تلك السخرية الشنيعة التي تهيمن على مصير أمة فائقة التخلف.
стр. 98
ومن ناحية أخرى، فإن هذه الدعسة لا تضرب على وتر واحد. بل إنها تعطي سلما كاملا من النغم. فلكل معزوفته الخاصة، حسب مزاجه، ووضعه الجغرافي، وحسب الظروف الدولية.
إن إخواننا في الكونغو، وإخواننا في كل مكان، وكل الهالكين (الذين نزلت عليهم اللعنة) على الأرض الإفريقية الآسيوية، منغمسون في هذه النشوة الساحرة. بعضهم في (نيرفانا) جزيرة الأحلام واللذائذ، والبعض الآخر في كابوس طبول يقرعها إبليس.
ولكن إذا كانت حكومة ما، أو نخبة ما، أو شعب ما، أو شخصية فريدة ما، أو إنسان ما كمصدق، إذا كان من الجرأة والصلف حيث يعكر حلم هؤلاء، وكابوس أولئك، ماذا يجري عندئذ في قاعة الاستماع؟
فيما يتعلق بمصدق، أنتم تعلمون ما جرى؟
ولكن، وبشكل عام، ماذا سيجري لآولئك الذين لا يريدون أن يعيروا آذانم لتلك الموسيقى؟ ولأولئك الذين يستمعون إلى أغانيهم الخاصة؟ ولأولئك الذين بدؤوا يتكلمون عن التغييرات، وعن التطورات، وعن الإصلاحات في معنييها- إصلاح ما بات لا يستعمل وإصلاح ما يجب أن يكيف بشكل أفضل للاستعمال- ولأولئك الذين شرعوا في المطالبه بأشكال جديدة، وبنيات جديدة، وخطى نحو الأمام؟
آه. هكذا إذن! أنتم لم تعودوا تريدود اأن تبقوا في ذلك الفساد!! ولا ذلك المستنقع الآسن!! ولا النيرفانا والتام- تام!! أنتم تريدودا، على حد قولكم، الطهارة!! والاستقامة!! والنظام! والحركة! والعمل! إذن، انتظروا!
ويضع الموسيقي الماهر رجله على الدعسة الأخرى. لهذا التغيير دلالة! إنه سلم نغم التهديد، والوعيد، والابتزاز .. هذا يعني في لغة (جان غابين Jean Gabin):
стр. 99
"لا تلمس المال". هذه العبارة تقال لك فقط بلغة موسيقية سريعة، وأسرع، وخفيضة .. حسب لهجة بعض أميرالات البحرية، أو أحد مفسريه.
و (المال) هنا هو سائر ما تريد التغلب عليه، وتجاوزه، ونسيانه: الفساد، الانحلال، الإخلال بالواجب، الفضيحة، النصب، وما عداه.
إن الاستعمار يقول لك بكل بساطة "لا تلمس" كل ذلك، كل هذا الرأسمال الذي يمثل استثماره الأهم والوحيد في مدينتك، في بلدك، في سائر دول العالم الثالث. إنه أكثر من إسو، وستاندرد، وأرامكو، والنابالم مجتمعة.
إنه لا يريد لنا من الشر أكثر من ذلك. إنه يقول لنا فقط: تعفنوا بهدوء! لا تسمعونا أصواتكم، ولا احتجاجاتكم، في القاعة التي تصدح فيها موسيقى النيرفانا، والتام- تام، والأحلام، والكوابيس! وعلى حكومتكم أن لا تزعج الناس الذين يتمتعون بالحياة الناعمة في الداخل، أو في الخارج، ببضع مشاريع تحسن بها الجو الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي! ولتغمد إرادتها الضعيفة في جيبها، أو في رأسها، أو حيث تشاء!
هذا ما تعنيه لعبة الدعسة الجديدة. بالطبع، إذا أصررتم، وإذا أرادت حكومتكم أن تدخل مرحلة التنفيذ، عندها يمكن للموسيقي الماهر الذي يدوس على هذه الدعسة، أن ينتقل إلى (نوتة) النابالم، وإلى سلم (مشاكل على الحدود). هذا ممكن!
ولكن! لنفترض أن هذا أكيد.
هل ينبغي أن نبقى (مستمعين) لموسيقى الدعسة الأولى؟ أن نبقى في قاعة الاستماع، بانتظار الخطر الخارجي من النيرفانا والتام- تام والفساد والتأملات والفناء في مكاننا، كما جرى لطائراتنا العربية صبيحة الخامس من حزيران؟
стр. 100
ها هي المشكلة قد طرحت، أخيرا.
في الواقع، عند الاستعمار معلومات عنا، أكثر بكثير مما عندنا عنه. إنه يكيف بكل بساطة موسيقاه وفقا لانفعالاتنا، ولعقدنا، ولنفسيتنا. إنه يعرف مثلا أننا تجاهه لا نفعل، وإنما ننفعل. وهو عندما يكون قد دخل مرحلة التفكير في مشاكل الغد، في الحفر الموحلة، التي يريد أن يوقعنا فيها، نكون نحن لا نزال نفكر في مشاكل الأمس، في التخلص من الحفر الموحلة التي أوقعنا فيها فعلا.
стр. 101
الأسباب الصغرى والمسببات الكبرى (*)
أسباب صغرى لنتائج كبرى.
إن الاستعمار مضطر لأن يعمل باسترار، على ضبط ملف يسمح له بمراقبة الوضع السياسي في العالم، ورصده في كل لحظة.
قد لا تظهر هذه الضرورة واضحة في أعين أولئك الذين لا يملكون فكرة واضحة، عما يسمى اليوم (تقنية العمل) حتى ولو كانوا أنفسهم منغمسين في عمل تقني. ذلك لأن هذه التقنية حصيلة تقليد طويل، يمتد عبر القرون، أكثر مما هي ثمرة علم، يكتسب على مقاعد الدراسة في الجامعة.
ولكن، إذا كان من المحتمل ألا نجد في الاستعمار الكثير من الفضائل- وعلى الأخص فيما يتعلق بالفضائل الأخلاقية- فإننا لا نستطيع أن ننكر عليه، رغم ذلك، فضيلة التنظيم، والمنهجية، وبكلمة أخرى فضيلة تنظيم العمل تنظيما تقنيا.
ولا بد أن نقول إنه أستاذ في هذا المجال. بالتالي، فإن ضبط (ملف) لرصد الوضع السياسي في العالم أمر طبيعي جدا في نشاط هذا الأستاذ.
ولكن يبقى علينا أن نفكر- وهذا ما يهمنا على وجه الخصوص- في المكان المخصص من ذلك الملف للدول الإفريقية الآسيوية التي نالت استقلالها منذ نهاية الحرب العالمية.
إننا أنفسنا ننتمي إلى العالم الثالث. فلنحاول إذن، أن نفكر بتقويم المكان المخصص
стр. 102
لنا. لابد من أن نعود أدراجنا إلى الوراء، إلى عهد المرحوم (فوستر دالس) الذي جسد في الواقع كل طموحات الاستعمار الجديد واهتمامات سلطته المدنية: أي الجيش.
كان الأمر يتعلق عندئذ، كما نذكر، بسياسة المحاور والتبعية التي بشر بها المرحوم سكرتير الدولة في سياسته الإفريقية الآسيوية.
نقول هذا دون أن ننسى، رغم ذلك، سياسة أخرى من سياسات المحاور (١).
ولكن هذه الأخيرة لم تكن ترتبط مباشرة بالعالم الثالث قدر ارتباط السياسة الأولى به. فالأولى كانت تهتم فعلا وعلى الأخص بتياراته السياسية. وذلك بتصنيفها -كما ينبغي- في تيارات موتية، أخرى غير مواتية، وفقا للمقاييس التي يضعها سكرتير الدولة.
بناء على هذا التصنيف المبدئي كانت الدولة الإفريقية الآسيوية تسجل في ملف المراقبة كدولة (خطيرة) أو (فاترة) أو (متحمسة).
إلا أن الناس الذين يقومون يوميا بهذا العمل، ليسوا هواة يملؤون أوقاتهم بإلصاق العناوين المصنفة على الدول الإفريقية الآسيوية، أو على رؤسائها. إنهم يقومون بعمل التصنيف هذا في إطار هدف سياسي ليس إلا.
ولنأخذ على سبيل المثال شخصا مثل (مصدق)، يصبح وقحا، ويخلق في وقت ما مشكلة خطيرة في طهران.
في الحال، يعطي الملف الحل: يخرج أبطال الأولمب من حلباتهم، ومن ملاعبهم، ويدخلون المسرح السياسي.
стр. 103
فيحطم مصدق ووزير خارجيته، ويقتل فاطمي. وفي واشنطن، يخرج السيد فوستر دالس، وهو المضحك الذي لا يضحك، ليقول للصحافة إنه، في الواقع، هناك أمر ما يجري ... في طهران. هذا ما يفعله التصنيف العالمي. إنه إذن ليس أداة تسلية أو لعبة، بل هو أداة عمل.
إنه يستطيع بتصنيفه الدول أن يعطيها السياسة التي تناسبها.
أن تكون هناك (سياسة) ما تجاه بلد مثل الجزائر، الذي يطالب بالتعريب والإسلام والإفريقية والاشتراكية، فهذا أمر طبيعي جدا.
وأن يكون الملف الذي يملي هذه السياسة موجودا في هذه العاصمة الكبرى أو تلك، فهذا أمر لا يهم.
المهم أن نفهم هذه (السياسة) وأهدافها ووسائلها.
لقد عرفت الجزائر شيئا منها على شكل ضغوطات خارجية، ومحاولات زعزعة الصف الداخلي ووحدته.
وليس في مثال (زهوان) مجرد حادثة، حصلت في لعبة آلهة الأولمب، بل هو (قضية) أمسك الملف زمام أمورها.
لم تنجح! .. جيد، لكن بالإمكان المتابعة بحلول أخرى.
وكأن الملف يستطيع أن يعطي حلولا أخرى. ماذا أقول؟ إنه يعطيها الآن.
هناك إذن حقيقة تفرض نفسها: لابد من سياسة يقظة، في بلد كالجزائر من واجبه حماية نفسه من المفاجآت.
من هنا في الواقع تبدأ مشكلتنا. قد يكون سهلا بعض الشيء أن نقدر الوسائل ونحدد العدو. بالرغم من أن هذا ليس أكيدا دائما ... ولكن أن نقوم بتقدير وسائلنا الخاصة، فهذا أمر أصعب.
стр. 104
ذلك لأن هذا القدير يتم انطلاقا من بعض الثوابت في ذهننا التي قد تخفي علينا العيب في الدرع، أكان الأمر يتعلق بالسياسة أو الاقتصاد أو حتى الأدب.
إلا أن جهاز المراقبة عندنا - أعني في بنيتنا الذهنية الحالية- مصاب في هذا المجال بنقص نتقاسمه مع سائر الدول الإسلامية، لأننا، وإياهم في مرحلة من مراحل الانعطاف في تطورنا النفسي.
ولا بد من الاعتراف بأن فكرنا في هذا المنعطف يميل إلى إصدار أحكم كمية. فالميل إلى التضخيم يغلب على أحكامنا.
وبطريقة أكثر دقة، يجب أن نعترف بأن فكرنا - أي الفكر الإسلامي عامة في القرن العشرين- يعيبه خطأ في المقاييس: نحن نميل إلى المبالغة في تقدير نتائج (الأسباب الكبرى) وإلى الانتقاص من نتائج (الأسباب الصغرى)، بل وإهمالها.
إذا وضع أمام أعيننا فجأة قنبلة ذرية وحبة رمل، فإن أصابعنا تتجه ولا شك، إلى القنبلة الذرية وترد إلى أذهاننا الفكرة نفسها: هذا هو سلاح عدونا.
ولكن مصدق لم يحطم بقنبلة ذرية، بل ببضعة حبات من الرمل كانت في راحة يد (دالس).
إذن لا نحتاج لبذل أي مجهود تربوي، في سبيل إقناعنا بنتائج القنبلة اليدوية. فميلنا إلى التضخيم يحملنا بالطبع إلى المبالغة في تقديرها.
أما فيما يخص بإقناعنا بتأثير حبة الرمل، فيجب القيام ببرنامج تربية كامل. من سيعلمنا أن الانزلاق بقشرة موزة وضعت بمهارة تحت رجل شعب ما أشد خطرا من رؤية قنبلة ذرية تنجر فوق رأسه، كما جرى للشعب الياباني؟
إن ذهننا يجمع أمام الأحكام ذات البعد الميكروسكوبي؛ ولا بد أن نضيف هنا،
стр. 105
أن هذا الأمر لا يتفرد به الفكر الإسلامي. فالطبيب الألماني (كوخ) قاد صراعا امتد سنوات طويلة في القرن الماضي ليجعل جامعة برلين تقبل بوجود ميكروب السل.
ورغم ذلك، نحن نعلم مدى الضرر الذي يقوم به اليوم هذا الكائن الصغير في جسم الإنسان، وعلى الأخص بين الطبقات العاملة في المدن الصناعية. ولم يتعلم الهولنديون تقدير فظاعة الأضرار التي تحدثها الكائنات الصغيرة إلا بعد أن حلت بهم كارثة وطنية، عندما أتلف نوع من عثث الغابات جهازهم الدفاعي المنيع في الأراضي التي استصلحوها من البحر.
إذا كان إصبعنا يشير بشكل آلي إلى القنبلة الذرية، وإذا كان بصرنا لا يدرك حتى حبة الرمل، فهذا أمر بشري.
ولكن، هل علينا أن نبقى هكذا؟
إن ما يخيف على الأخص من عمل الاستعمار هو المستوى الميكروسكوبي. إذ يجب أن نخشاه حين يستعمل حبة الرمل أكثر مما نخشاه حين يستعمل القنبلة الذرية. لأن عمله حينئذ يفلت تماما من إطار مراقبتنا.
إن عمله حين يصبح صامتا، وخافتا، وغامضا، حينئذ تكون نتائجه أكبر لأنه يكون قد طغى على تيقظنا وجهاز دفاعاتنا على حين غرة.
إن الجسد الاجتماعي أشد عرضة لنتائج هذا العمل، مثلما يكون جسد الطفل أشد عرضة للتأثر بالميكروبات، لأنه لم يكتسب بعد المناعة الضرورية.
في الطب، ترتبط هذه الحالة بمقياسين، على المعالج أن يأخذهما بعين الاعتبار: التشخيص والعلاج، اكتشاف المرض وطريقة مداواته.
وفي علاج المجتمع، هناك أيضا مقياسان: يجب معرفة الداء ثم تحديد علاجه تحديدا دقيقا.
стр. 106
في هذه الآونة، الداء الذي تجدر الخشية منه في الجزائر هو تخريب جهاز الدولة. وقد واجهت روسيا هذا الخطر في الفترة الممتدة بين ١٩٢٧ - ١٩٣٩.
إنه أسوأ من الهجوم العسكري، لأنه يسمح بقضم جهاز الدولة بصمت وغموض إلى أن يسقط أشلاء ودون أن تسمع آذاننا شيئا مما يجري، ولا أن ترى أعيننا شيئا من هذا العمل.
ولن ينتهي هذا العمل قبل أن يتآكل جسد المجتمع، وتدمر نوابضه، وتختفي مفاصله.
ولكن العنصر المسبب للمرض في هذا الميدان- المخرب- ينتمي إلى صنفين: الصنف الحاد (الفيروسي) والصنف الخامل.
فالمخرب الحاد هو ذاك الذي يعمل من خلال علاقاته مع فئات أخرى من صنفه، وبوعي لأهداف عمله: فهو يعرف أنه يقوم بتدمير المجتمع، والدولة، والنظام. ولا تحتاج البتة للبحث عنه بواسطة مجسم، بل يكفي أن تفتح نافذتك، أو بصيرتك، لكي تدرك ماهية عمله.
وبالإضافة إلى ذلك، من الممكن أن يجهل هذا النوع من الميكروب الاجتماعي الأعضاء الآخرون في عائلته المسببة للمرض- وحتى هذه تقنية ضرورية عند أولئك الذين يمسكون بالملف- ولكنه لا يمكن أن يجهل طبيعة عمله، ولا الراتب الذي يتقاضاه من أجله.
إنه يعلم بشكل عام، أنه يعمل بناء على تصميم وضع في الخارج في إطار استراتيجية كونية تطبق سائر وسائل العمل الميكروسكوبي، في الأماكن التي يكون استعمال القنبلة الذرية فيها غير ضروري أو غير ممكن.
أما الميكروب الآخر- المخرب الخامل- فإنه ذلك الشخص الطيب المتسامح،
стр. 107
الذي وجد نفسه منقادا في حركة لا يستطيع السير فيها، يزرع فيها الخلل بخموله، ويعيق فيها منهاج النشاط العام.
هكذا، وبفضل خموله، يتقهقر ترام البلد، في حين أن ترام الاستعمار يتقدم باستمرار إلى الأمام.
بالإضافة إلى ذلك، قد يكون هذا الميكروب مضرا بطريقة أخرى، أي عندما يضيف إلى خموله شيئا من اللاأخلاقية، قد يؤدي عمله بذلك إلى النتيجة ذاتها، التي وصل إليها عمل الميكروب الحاد، أي تدمير الدولة، وتفتيت المجتمع، رغم أنهما لا يملكان الهدف ذاته بشكل واع.
ذلك هو جملة التشخيص الذي يلائم بلدا مثل الجزائر، استعاد حريته منذ زمن قصير.
والآن، ما العلاج المناسب لمثل هذه الحالة؟ من الواضح أنه لا بد من القيام ببعض التمييز على الصعيد الأخلاقي: فالميكروب الحاد يعد خائنا، والميكروب الخامل يعد عاجزا، أو في الأكثر غير شريف.
أما من المنظور العملي، فلا يوجد أي فارق بينهما: تكون الأسباب واحدة بنتائجها. فالميكروبان يدمران الجسد الاجتماعي سوية.
ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار، أن الجسد الذي يتلقى نتائج عملهما، لا يقوم، ولا يستطيع أن يقوم بأي تمييز.
ولنفترض أن هناك مواطنا أمام نافذة إحدى الإدارات. إنه يستطيع أن يعي العسف أو الابتزاز الذي يصيبه من قبل الموظف القابع أمامه. ولكن عمليا، وفي سيرورة التفكير التي تحصل في داخله، لا يجد نفسه أمام شخص (عامل أم موظف)، بل أمام نظام، أمام دولة.
стр. 108
كل ردات فعله الدفينة، وكل الكلمات التي يمسكها على شفتيه- وهو يزدرد ريقه- موجهة ضد النظام وضد الدولة.
فهو، لا يستطيع أن يقوم بالتمييز بين الميكروب الحاد والميكروب الخامل.
والمسألة لا تلامس حتى ذهنه. لذلك، لابد للعلاج الاجماعي من أن يكون شاملا، لأن عليه أن يجابه فعلا مرضا شاملا، أي أوضاعا تؤدي فيها أسباب مرضية مختلفة إلى النتائج ذاتها.
وعلى المعالج الاجتماعي أن يتبنى تجاه الأخطار التي تهدد المجتمع موقفا عمليا يحكم على الأسباب من خلال نتائجها، وعلى الشجرة من خلال ثمارها.
زد على ذلك، أنه يجب على المعالجة الاجماعية، في نقطة محددة، أن تستوحي خبرتها العلمية من المعالجة الطبية.
ففي الطب، عندنا يكتشف في الكلية ميكروب ما لا يطرد منها ليوضع في الرئة.
فالطب يعمل على طرد الميكروب من الجسم كله. والعمل بغير ذلك تجاه الميكروبات يعد ضربا من الهرطقة، ولا نقول من الغباء التام.
ومن المؤكد أن يكون الميكروب في الإطار الاجتماعي رجلا يخالف قاعدة، أو واجبا، ولكنه رغم كل هذا كائن بشري.
ولا يمكن أن نخضعه ببساطة لمفعول مضاد الحيويات.
عندها تجد المعالجة الاجتماعية نفسها بين حدين، أو بين شرطين: يترتب عليها، من جهة، أن تطرد الميكروب من الجسد الاجماعي، ومن جهة أخرى، أن تبقي في الإنسان ما بقي فيه من إنسانية.
стр. 109
ولكن، مهما تكن الاعتبارات البشرية التي يجب أن يعتد بها، يبق هناك ضرورة ملحة هي: يجب التخلص من المرض. وعلى الأخص، في بلد فتي لا يملك المدخرات الحيوية التي يمكن أن تحميه آليا من محاولات التفتيت.
ومن المؤكد أن كل مخالفة إدارية لا تلقى عقوبة الاستنكار الرسمي، تصبح جرحا متقيحا، ييزف في الجسد الاجتماعي.
ويمكن الآن أن نطرح حلا وسطا يجنبنا التطرف. وهو أن نضع الموظف أو العامل الذي يقصر في أداء واجبه وجها لوجه أمام خطئه ونتائج خطئه، وذلك أمام الجمهور.
وفي النهاية، يجب أن نذكر أن حبة الرمل تكون، فعلا، أشد أسلحة الاستعمار فتكا. فهو يسمح لأولئك الذين يعملون على الملف العالمي أن يشلوا الجهاز الإداري، وأن يعيقوا حركته، وبالتالي أن يقتلوا الدولة.
تلك هي التقنية التي استطاع بدوي عربي معاصر أن يلخصها للورنس بكلمة واحدة:
- يا لله! هؤلاء الإنكليز يعرفون كيف يحفرون بئرا بواسطة دبوس!
стр. 110
صحافة العالم الثالث (*)
قد يفكر أحدنا بوضع لائحة بالصفات التي توسم بها، وفقا للزاوية التي يحكم منها على الأشياء، الصحف المختلفة التي نقرؤها، أو التي نرميها في سلة المهملات- ومن الجميل أن نراهن، رغم ذلك، على أننا إذا قمنا بهذا الإحصاء سننسى واحدة على الأقل من هذه الصفات.
وبالطبع يعرف المرء أنه توجد صحيفة (اليمين) وصحيفة (اليسار)، والصحيفة (التقدمية)، و (الرجعية)، و (الناقدة)، و (الرديئة)، وما أدري، ولكن يجب الاحتفاظ بمكان خاص للصحيفة التي تدعي أنها- أو التي يحاول بعضهم في الواقع أن يضعها- في رأس الصحافة الوطنية لبلد من بلدان العالم الثالث.
لماذا نعير هنا مثل هذه الصحيفة اهتماما أكبر؟ إنها قضية تجربة، بعد أن عشنا في بلد تتدخل- أو أدخلت- الصحافة فيه في كل الأحداث البارزة التي طبعت تاريخ بلادنا منذ عدة عقود من الزمن؛ بما فيها الثورة والاستقلال الذي تبعها. والواقع أنه علينا أن نعود إلى أبعد من هذا الزمن، إذا أردنا أن نؤكد على هذا الوجه الفريد للصحافة التي يقال إنها طليعية في بلدان العالم الثالث. إنها في بادئ الأمر مسألة الصحافة بذاتها، تلك الصحافة التي يقال إنها السلطة الثالثة أو الرابعة.
إنها فعلا سلطة. ذلك أن الصحيفة إذ تحول الرأي العام في هذا الاتجاه أو ذاك، تصبح أداة سلطة ذات أهمية كبرى، في عالم، عالم القرن العشرين، يسير كل ما فيه على مبدأ القوة والسيطرة.