مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
من أجل التغيير
دار الفكر المعاصر بيروت - لبنان
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 2
الإعادة الرابعة
١٤٢٦هـ = ٢٠٠٥ م
ط ١: ١٩٩٥ م
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من أجل التغيير
стр. 4
من أجل التغيير/ مالك بنا نبي.-
стр. 5
المقدمة
هذا الكتاب
مقالات كان مفكرنا الكبير مالك بن نبي قد أودعها مجريات الأحداث في الستينات من هذا القرن. في زمن كانت فيه الجزائر تبني حضورها الدولي، وتلج عصرها الوطني بعد زوال الاحتلال الفرنسي.
وهي مقالات تأتي تماما لمقالات أخرى، أودعها بن نبي كتابا صدر منذ سنوات تحت عنوان (بين الرشاد والتيه)، حين ترجمها من الفرنسية إلى اللغة العربية، وقد اختارها وبوبها، بعدما كانت متفرقات أعداد الصحيفة التي تصدر باللغة الفرنسية باسم ( La Révolution Africaine).
لقد صدر كتاب (بين الرشاد والتيه) بعد وفاة مفكرنا بثماني سنوات، عن دار الفكر بدمشق، بعدما أعدت النظر في صياغته العربية.
واليوم أراني- وقد أتممت ما في يدي من تراث مالك بن نبي- مدعوا في ختام مهمتي إلى أن أستكمل حصاد مقالاته الستينية، بنشر ما تفرق منها. لذلك عهدت إلى صديقنا الدكتور بسام بركة، أستاذ الأدب الفرنسي والعلوم اللغوية (اللسانيات) في الجامعة اللبنانية، بترجمتها إلى العربية سوى مقالات ثلاثة أشير إليها في هذا الكتاب بإشارة (ع. م). كنت قد اعتنيت بترجمتها.
لم يبق لدي من وصية مالك بن نبي ﵀ سوى أن أراقب حقوق النشر والترجمة. وإذ وجدت في ابنته (رحمة) اهتماما بتراث والدها، رأيت أن أرد الأمانة إلى أهلها، فتنازلت لها عن الحقوق التي عهد إلي مالك بن نبي بها في وصيته، والتي أنشر صورتها في نهاية هذا الكتاب بخط يده.
стр. 6
قد تكون الأحداث التي انعكست في هذه المقالات كما في المقالات المنشورة في كتابه (بين الرشاد والتيه) قد تجاوزها الزمنا، وقلب التاريخ صفحتها.
فالأنباء عن مسيرة الجزائر دخلت منعطفا جديدا، لكن منهج بن نبي في صياغتها لا يزال الأوفى بالرؤية المستقبلية.
لقد جمعت سائر المقالات بالفرنسية تحت عنوان (من أجل تغيير الجزائر)، بعناية أديب جزائري، هو الأستاذ نور الدين بوقروح، الذي يترامى إلينا من نشاطه السياسي ما أحسبه متلبسا بروح فكر بن نبي، وإذا كان لي أن أستخلص من هذا العنوان تقويما لأهية مقالات بن نبي الستينية، يأتي في التسعينات، فهو إدراك الجيل الجزائري الحاضر، بل والعربي معا لمرامي فكر جار سابقا لمسيرة الأفكار الجارية في عالمنا الإسلامي، بنصف قرن من الزمن أو يزيد.
وهذا يعني أن مجتمعنا الإسلامي أضاع مسيرة قرن بكامله، حائرا في طوفان العصر الحديث، دون أن يستخرج لمسيرته طريقا فاعلا ومثمرا.
بن نبي ومنذ الثلاثينات، وقد استفاق وعيه على أزمة العالم الإسلامي في قبضة الاستعمار، استطاع أن يستخرج القواعد الأساسية للنهضة، وأن يصيح في هدأة السكون الفكري وافتقاد الرؤية، داعيا إلى منهج، يطوي الشعارات التي أرخت لضلال العقود العشرة من القرن العشرين، وعلى سائر المستويات.
فمن كتابه (شروط النهضة) الذي صدر بالفرنسية في الأربعينات، إلى كتابه (وجهة العالم الإسلامي) في بداية الخمسينات، وإلى كتابه (الظاهرة القرآنية) ثم (الفكرة الإفريقية الآسيوية) في الفترة نفسها، ثم الكتب التي تلت، تؤصل المنهج، وتحدد أصول ميلاد المجتمع، وتشير إلى مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وتبني قواعد البناء الثقافي في كتابه (مشكلة الثقافة)، وتحدد موقع المسلم من عالم الاقتصاد الحديث .. نرى بن نبي الكلمة الهادية إلى المرتقى الصعب في بناء الحضور الإسلامي،
стр. 7
والذي أشاحت عنه مسيرة القرن، حينما استسهلت الحلول، وأفرغت مخزون عنفوان الجيل في صيغ، بادرت الحماس وتلقفته، ليضيع في فضاء العبث، وسراب الرؤية، وهدر الطاقات والثروات في مسارب الاقتصاد العالمي؛ يستهلك الرفاهية كالماشية حتفها في سمنها.
في مقالات هذا الكتاب والذي سبقه (بين الرشاد والتيه)، نقرأ عن بن نبي المؤسس لمنهج يدعو الشباب إلى مزيد فيه، وتعديل في تقاصيله، وتصويب لما كان قد اتكأ عليه فكره من أمثال طرحتها المرحلة التي كتبت فيها تلك المقالات، ثم جاء الزمن يكشف زيفها.
فالذي يبقى من هذا الفكر الرائد هو (المنهج) الذي نقيس به الخطى، ونرسم علامات الطريق.
فنحن اليوم نرقب دراسات لـ (بن نبي) وفكره في كل موطن وفي كل مكان من عالمنا الإسلامي، ونشهد تحليلا يجهد له الشباب الناشئ، فيأوي إلى دفء روحه الإسلامي ونور إرشاده في سبل الفعالية وذلك حتى لا نتيه- ونحن على عتبة القرن الحادي والعشرين- في متاهات قرن مضى، أحاط بفكرنا ومقدراتنا، وجعلنا رهائن عالم صناعي، زجنا جميعا في قفص اقتصاده الاستهلاكي؛ بعض نا يستكين له، فينضو عن كاهله ثوب القضية ورسالتها، وبعض نا يعالج قضبان ذلك القفص بصراخ الاحتجاج وتذكر الماضي.
في هذا الكتاب، الذي هو خاتمة إشرافي على كتب مالك بن نبي، أستودع الجيل أمانة منهج بن نبي، ليضيف إليه عمقا في الرؤية، وطريقا يستشرف المستقبل ويحزم الفكر بحزم الأصالة؛ أصالة تجلس على طاولة العمر، في حضور يمتلك ناصية المسيرة، وكلمة تحاور الأمم وتجاور الثقافات.
بيروت في١٤/ ١٢/ ١٩٩٣
عمر مسقاوي
стр. 8
الفصل الأول
في البناء الاجتماعي
стр. 9
الأفكر والبناء الاجتماعي (*)
الندوة التي عقدت في (نادي الصنوبر)، ستترك بدون شك نتائج إيجايية. إنما ينبغي القول بأن بعض المناقشات تتطلب الإيضاح، وبالخصوص تلك الخطب التي أطلقت عبر المناقشات من أجل الإثبات أو الإشارة إلى السمة العالية للفكر الماركسي؛ فأفقدت القيمة الموضوعية لها بإطلاقها ذلك الادعاء.
فاشتراكي ذو تكوين عالمي، لا يذهب إلى هذا الحد، ولا يدعي أبدا أنه يمكن عرض الاشتراكية، كما يعرض العلم الموضوعي، كالكيمياء مثلا (١).
فماركس نفسه أوضح من ناحية أخرى خصائص طريقته تقريبا في هذه العبارات "الفلاسفة حتى الآن فسروا العالم، أما نحن فنريد تحويله".
فالاشتراكية لا يمكن النظر إليها كعلم إلا في هذا الإطار، أعني بقدر ما تقتضيه التقنية الاجتماعية لتحقيق فكرة جديدة.
فتفسيره للعالم عبر مسلمتيه: المادية الجدلية والمادية التاريخية، يتضمن منذ البداية منهجا ميتافيزيكيا، أفضى في جوانب أخرى لعناء كبير، كذلك العناء الذي ألم بالعالم حينما أراد أن يجدد ضمن التفسير الماركسي بعض ظواهر نظريته، في علم الفلك الفيزيائي، في كتابه (العالم - الحياة- العقل).
لكن الندوة احتفظت من ناحية أخرى باتصال ولود.
وأخص خطاب الرئيس بومدين، الذي طرح للتأمل أكثر من مصطلح. وإذا كانت هنالك أسباب جعلتني في مقالي الأخير أتحدث عن المظاهر الاقتصادية للندوة،
стр. 10
فإنني أرى من المفيد أن أتحدث في هذه المقالة عن مشكلة الأفكار، التي أثارتها هذه الندوة.
ولنقرأ أولا هذا المقطع من الخطاب:
"إن مجتمعنا هو كبقية المجتمعات الاشتراكية الأخرى يشكو من الانفصال بين الفكر والسياسة، وهذا يمنح الحوار المثمر والإصلاح عبر المناقشات الحية.
من هنا جاء ذلك الخوف التقليدي المتبادل، بين المفكر ورجل السياسة".
عبر صراحة تشرف قائلها، فمن الواضح أن الرئيس بومدين قد أراد أن يبرز نقصا باديا، وبالخصوص في الجانب السياسي. ولكن ينبغي أن نعترف أن الدكتور خالدي في كالمته الموجزة، قد وضع في الكفة الأخرى من الميزان الوزن المناسب، حينما تحدث عن (حركي القلم).
هكذا تكون القضية، قد استقامت لنا في خطورة أبعادها. وينبغي أن نعطيها ما تستحق من أهمية من وجهة نظر اجتماعية.
إن الماركسية التي ادعت بأنها قد تبعت خطى المنهج الهيجلي، قد ورثت من هذا المنهج آلية الجدلية الرائعة. وبالخصوص ذلك المبدأ الذي من حقه أن يفاخر به إذ يقول: هناك مستقبل فلسفي للعالم ومستقبل لعالم الفلسفة.
فهذا المبدأ إذن، قد وضع بين الأفكار المنظمة منهجا فلسفيا، وبين الأحداث الاجتماعية رابطا محددا ومتبادلا.
وهذا يعني أن الترابط المستمر، والتلاحم المؤثر بين المعنيين الفلسفة (الأفكار)، والعالم (بقدر ما يمثل الواقع الاجتماعي) هو أمر ضروري في كل لحظة، وهذا التزاوج هو نفسه مقياس مستوى حضارة ما.
стр. 11
وينتج عن هذا أن كل ما يؤدي إلى الاختزال، أو المزيد من التعتيم بين الأفكار والأحداث، لابد من مراقبته بكثير من اليقظة والحذر. وهذه الاعتبارات هي التي تملي علينا دائما، وتحدد موقفنا من مؤسسة " ... " التي ليس من شأنها إلا أن تلقى مزيدا من التعتيم، على تلك الصلة التي نتحدث عنها هنا.
من ناحية أخرى، فإنه من غير المفيد أن نبني هنا مناقشة حول أولوية مستقبل فلسفة العالم، أو مستفبل عالم الفلسفة، والذي هو الخلاف الرئيسي بين ماركس وهيجل.
لندع هذه المشكلة جانبا، آخذين بعين الاعتبار الأمور من مجرد وجهة نظر اجتماعية، لنرى بأن كل اطراد تاريخي، إنما هو اختصار لذلك الخطر المزدوج المحدد بالمبدأ الذي نعمد إلى تحليله.
الماركسية مثلا: إنها منهج أفكار رأى النور في الواقع الاجتماعي لأوروبا في بداية القرن التاسع عشر. إنها ساعة مستقبل فلسفي لعالم ما.
لكننا إذا نظرنا إلى الحاضر، يبدو لنا الوجه الآخر: مستقبل عالم الفلسفة، الذي ظهر لأعيننا عبر القرن العشرين؛ وفي الواقع الاجتماعي ل بعض البلاد الاشتراكية في مرحلة تطورها الحالي.
ليس هذا إلا مثلا بينما الحدث عام. ونحن نراه بارزا في تطور المجتمع الغربي انطلاقا من أصوله المسيحية.
وقد أوجزه لنا بالخصوص في اطراد الثورات حين قال "من الإنجيل إلى العقد الاجتماعي فالكتب (الأفكار) تصنع الثورات".
فهناك في الواقع علاقة جدلية بين الأفكار والأحداث الاجتماعية والسياسية في كافة مراحل التاريخ.
стр. 12
وما يهمنا اعتباره هنا هو تأثير الانقطاع بين الأفكار والأحداث الاجتماعية على تطور مجتمع ما، وأسباب هذا الانقطاع. هذه هي المشكلة التي طرحها الرئيس بومدين.
ينبغي أن نركز اهتمامنا على انفصال كهذا في الجزائر. وأن نوظف في حسابه العمل السياسي، وقد أضحى حقلا ل بعض المسؤولين الذين يمارسون السياسة كمهنة، بدلا من أن يعيشوها كنضال.
لكننا نبادر إلى القول بأن الخشية من الأفكار لم تنشأ في بلادنا. فسقراط قد لاحظها في المجتمع الأثيني عند حديثه عن أولئك الذين يدعون (الفصحاء) في خطاب المائدة.
فقد وضع فرقا بين (الجدليين) الذين يبحثون عن فكرة صحيحة (العصر لم يكن يتطلب البحث عن الفكرة الفعالة) وأولئك الذين يعمدون إلى المحسنات اللفظية، أو يحترفون النوادر التي لا يحتاج فيها الراوي إلى فكرة، أو إلى حقيقة تتضمنها، أو إلى وسيلة عمل.
لكن سقراط كان يجهل الاستعمار، بينما عصرنا الذي يعرفه قد وضع فرقا هو الآخر، بين الكاتب الذي يكتب فقط لإرضاء ذاته أو الآخرين، والكاتب الذي سماه الدكتور خالدي (الحركي بالقلم).
ينبغي أن نترك الأول لعدالة محكة الأدب. ويبدو لنا أن كاتبا مغربيا هو الأستاذ عبد الله العروي قد خص الموضوع بدراسة هامة، حيث أعلنت عن قرب صدورها مجلة في منشورات ماسبيرو.
(فحركي القلم) هو على العكس من ذلك، يهمنا لأن حالته تهم عالم الاجتماع.
стр. 13
في الواقع فإن أفكارنا لا يصنعها فقط (الفصحاء) الذين يتحدثون باحتقار (وأحيانا بانفعال) ولكن أيضا يصنعها (الحركيون).
الأولون يدخلون إلى دورة الأفكار قاطعا منهجيا. أما الحركيون، فيدسون الأفكار الخاطئة، التي لا علاقة لها بالحياة، وبالمشاعر وبمتاعب الشعب الجزائري.
والفرقتان تعملان معا لاختزال كل تواصل ضروري بين (المستقبل الفلسفي لعالم ما)، و (مستقبل عالم الفلسفة).
إنهم ستائر تحول بين الأفكار والأحداث الاجتماعية، خصوصا في الإطار السياسي. وأحيانا دون أن يعلموا، يشكلون فواصل، جهزت بأيد خبيرة، لتقص كل اتصال من شأنه أن يعزل الأفكار، ويجعل من غير الممكن الحوار بين رجل السياسة ورجل الفكر، وفق تعبير الرئيس بومدين.
ولعله من غير الممكن أن نتحدث هنا عن سائر الإجراءات المستعملة، وعن سائر القواطع التي جهزت، لتجعل مثلا هذا الحوار مستحيلا.
يكفي أن نقول فقط، بأننا إذا كنا نعرف شيئا عن الصراع الفكري العنيد، الذي يجمع بيده القوى الكبرى والتي تدعي السيطرة العالمية، فإننا لا نعرف شيئا عن الخاصية القوية للصراع الفكري، الذي يطلقه الاستعمار في البلاد التي خرج منها، بعد أن استعمرها.
وشعوب العالم الثالث تدخل في هذا، سواء علمت به أو لم تعلمه. فنحن نعرف على سبيل المثال، بأية طريقة ينتقص الاستعمار من طاقتنا الاقتصادية، حين يخضع موادنا الأولية للكساد. إذ ينافسها بما يطرح في السوق بديلا عنها مصنوعات (السانتاتيك).
ونعلم أيضا بأنه يفعل ذلك لهدف محدد، يعرقل بناءنا الاجتماعي.
стр. 14
لكن ينبغي أن نضيف بأن مناورات الاستعمار للانتقاص من أفكارنا، أعني افتقادها فعاليتها في البناء الاجتماعي هي الأكثر خداعا، وأن نعترف في الوقت نفسه بأنه لا يوجد في بلادنا أية وقاية تمنع هذه المناورات من النجاح؛ بل العكس هو الصحيح.
ترجمة ع. م
مالك بن نبي
стр. 15
المذهب الاقتصادي الاجتماعي المنتظر (*)
فلنركز على نقاط ضعفنا كي نحضر أسس ثورتنا بشكل أفضل.
لقد كانت الصحف التي صدرت في الأول من نوفبر الماضي محقة، حين أشارت إلى أن عيد الاستقلال هذا كان مختلفا عن سائر الأعياد التي سبقته.
في الحقيقة، وقف شعبنا هذه المرة أيضا خاشعا لذكرى شهدائه، وشيع- في موكب مهيب- رفات أبنائه الذين استشهدوا خارج أرض الوطن، إلى مثواهم الأخير.
لكن المناسبة ترتبط فوق ذلك بحدث دولي ووطني ذي طابع خاص جدا.
ونحن إذ نترك لمحررينا في السياسة الخارجية الاهتمام بالتعليق على الأمر الدولي، فإننا- على الصعيد الوطني- نستطيع أن نقول دون مبالغة منا: إن عيدنا الوطني الأخير هذا يتطابق مع انعطافة حاسمة في سياستنا الإنمائية.
وربما سيأتي من يقول في المستقبل: إن الأسبوع أو الأيام العشرة من خطوة (إلى الأمام) هي على وجه الدقة أسبوع أو أيام هذا العيد.
لقد دخلت البلاد في مرحلة جديدة مع الخطابات الأربعة الأخيرة التي ألقاها رئيس الدولة في نادي الصنوبر.
كان الخطاب الأول، كما نتذكره، بمناسبة اجتماع كادراتنا الإدارية عشية الأعياد.
وكان الثاني في الغداة موجها لكادرات العمال. أما الثالث والرابع فقد توجه فيهما الرئيس غداة هذه الأعياد إلى كادرات القضاء والكادرات الاقتصادية- الاجتماعية.
стр. 16
بذلك أصبحت الخطب الأربع هذه بمجملها وبالإضافة إلى خطاب السيد شريف بلقاسم، وزير الدولة للشؤون المالية والتخطيط، تشكل الهيكل الأساسي والضروري لصياغة وتدقيق وجمع الأفكار الرئيسة في قطاعات أساسية من سياستنا الداخلية.
وحتى لو كانت هذه الأفكار موجودة من قبل، فإنها لم تكن تستطيع في حال التشتت والضياع الذي توجد فيه، أن تؤثر ديناميكيا وتصحيحيا على أسلوب الإنماء في بلدنا. إنها اليوم متحدة في قالب متكامل لابد وأن يعمل على تكوين نظام سياستنا الداخلية.
وإذا وضعنا جانبا القيمة الخاصة لهذه الأفكار على الصعيد التقني، يتوجب علينا بادئ ذي بدء أن نشير إلى أنها تحمل على الصعيد الأخلاقي صدمة نفسية من شأنها أن تزيد التزام الشعب الجزائري بثورته.
والواقع أن اللهجة المؤثرة التي عبر بها الرئيس بومدين عن هذه الأفكار، منحتها قيمة ثورية أورثت اندفاعا أيديولوجيا جديدا يهب على البلاد.
فعلى المستوى العقائدي، هناك مفاهيم أساسية، لا يمكن لأي تقدم اقتصادي واجتماعي أن يتحقق بدونها، قد أعيد تقويمها أمام أبصارنا بل أمام أبصار كل مواطن جزائري.
فقد كان ولا شك من الضروري أن يعاد تقويم مفاهيم المسؤولية، والعدالة، والاقتصاد، والنظام، في معانيها المألوفة والأخلاقية الأقرب للحس الفطري عند الشعب. ذلك أن هذه المفاهيم- كما أشار الرئيس إلى ذلك- فعلا قد قلل من شأنها التضخم والمزايدات الفوضوية.
لقد كان هذا التوضيح ضروريا، على الأخص، فيما يتعلق بنظامنا القضائي. فالعدالة أصبحت- كما يعول بحق الرئيس- بضاعة يتعذر على الشعب الوصول إليها:
стр. 17
إنها بضاعة باهظة الثمن، وفي الوقت ذاته متقلبة في منحاها. فقد غدت قاعات المحاكم عندنا مسرحا للمناظرات الخطابية بين المرافعين الذين باتوا يصدرون الأحكام، ويمنعون القضاة من إعطاء الحكم بأنفسهم.
كذلك، كان من الضروري توضيح ما يتعلق بالتنظيم النقابي. فالمسؤول عن الحزب قايد أحمد قد أدخل البهجة على صدورنا حين قدم توضيحات تضع هذا التنظيم في اتجاه وديناميكية جديدين.
لقد تم بذلك تحقيق عمل ضخم على الصعيدين الأخلاقي والعقائدي. فنحن الآن بتنا نملك العقيدة الكاملة لتطورنا.
وفي الواقع يجب علينا في الوقت الحاضر أن نجسد هذا التوضيح العقائدي على المستوى التقني، ونتطرق هنا إلى المرحلة الأصعب من عملية إعادة تنظيم هذه القطاعات: جهازنا الإداري والقضائي، وبنياتنا الاقتصادية والاجتماعية والضريبية.
يجب وضع حد ل بعض العادات السيئة، وعلى الأخص فيما يتعلق بالعادات البيروقراطية التي تضع أعباء إضافية لا فائدة منها في مناهج التفكير (التخطيط) والتنفيذ عندنا، أو في إدارتنا للقطاع العام.
وعلينا أن نفهم هنا أن كل ثغرة من ثغراتنا تحدث في جهازنا وفي مجتمعنا فراغا لابد أن يملأه شيء ما. والشعب يسد حتما هذا الفراغ، إما على حساب ضميره، أو على حساب ماله. ولكي نفهم ذلك، يجب اللجوء إلى الأمثلة الدامغة التي استخدمها الرئيس نفسه.
فعلا صعيد الضرائب، تأتي صورة (المواطن الذي يلاحقه الشرطي) فتعطي مثالا ليس على حدث مادي فحسب، بل على حدث أخلاقي كذلك. فالمواطن الملاحق ليس مصابا في جيبه فقط، بل هو مصاب في وعيه لمواطنيته كذلك.
стр. 18
وعلى صعيد آخر، سعت البلاد أنها ورثت ٢٠٥٠٥،٠٠٠ هكتار من الأراضي التي كانت تكون أملاك المستعمرين الأغنياء. ما الربح الذي يمكنا أن تجنيه منها؟
لقد أعطى الرئيس التقديرات الدنيا. لو كانت هذه المساحة التي تكون اليوم أملاكا مسيرة ذاتيا قد أجرت بقنطارين فقط للهكتار الواحد، لدخل كل سنة إلى صندوق الدولة مبلغ ٢٥ مليار فرنك قديم. ولكانت الأعباء الضريبية المخصصة لبرنامج التنمية قد خففت بما يعادل هذا المبلغ.
ولقد استخلص الرئيس النتيجة المعبرة التالية: "إذا لم تعلل فكرة ما وجودها على الصعيد الوطني بالربح الذي تجنيه، فإنها لا يمكن أن تكون معصومة وكأنها آية قرآنية منزلة". هذا الكلام يجب أن يفهم كإشارة إلى الإدارة الذاتية. وهنا ندرك مدى أهمية مثل هذا التوضيح في أفكارنا الرئيسة.
ولكن، إذا كان هناك من ميدان يجب أن تطبق فيه هذه المتطلبات بحزم، فإنه ولا شك ميدان المؤسسة الوطنية ذات الطابع الصناعي، أو نوعا ما التجاري.
لقد أشرنا في حينه إلى أن تزايد الرموز يعكس في الواقع ظاهرة تشتت في وسائلنا- على صعيد الفكرة (التخطيط) كما على صعيد التنفيذ. وقلنا كذلك إن تكاثر الخطط الصغيرة لا يكون إطلاقا خطة وطنية. هذا على صعيد الفكرة (التخطيط).
أما على صعيد التنفيذ، فإن تكثر الخطط يعني على الأقل التبذير والاستعمال المزدوج لعاملين تقنيين، هم بشكل عام أجانب، يقبضون رواتبهم بالعملة الصعبة.
والأمر أشد سوءا على صعيد أوائلية العمل. في بادئ الأمر وعلى الصعيد الإداري، يفتح تكوين هذه الوحدات المتبعثرة الباب أمام احتكار مراكز الوظيفة والمراكز الاقتصادية. ويخلق هذا الاحتكار جوا يحصل فيه، كما يقول وزير المال، (صعود هائل وسقوط عنيف).
стр. 19
أخيرا، وعلى الصعيد العام، معظم هذه المؤسسات الوطنية التي تغطيها هذه الرموز تنمو لذاتها، وكأنها لا تكون جزءا لا يتجزأ من الجزائر. ويوجد ل بعض ها حتى (مجسات) في الخارج. ونحن نود لو نعرف ماذا تكلف البلاد هذه السفارات الفريدة من نوعها. فهي كلها تنمو مثل أقمار صناعية لا تمت بصلة لأرض الوطن، إلا حين تهبط لتتزود بالوقود.
إننا نعتقد أنه آن الأوان لاستعادة هذه الأقمار إلى الأرض الجزائرية ولاستردادها - إلى وزارة التخطيط ربما- كي تصهر في الخطة الوطنية. وسيكون النفع كبيرا، معنويا وماديا، بالنسبة للشعب الجزائري، إذا وضع حد لهذا التبديد، وهذا التبذير.
وأعتقد أنه ليس من العسف أن نستخلص هذه النتيجة من الخطاب الأخير للرئيس ومن خطاب وزير المال. إن ما نقوله هنا ليس سوى ملاحظات بديهية. وربما يفكر بعض هم أن كل الأمور سيئة في بلد تولد فيه التحولات والاضطرابات حتما نواقص ونقاط ضعف.
إننا نؤكد على نقاط الضعف عندنا كي نحضر أسس ثورتنا بوجه أفضل.
لأن طموحاتنا لبلدنا كبيرة، نحن متشددوت مع أنفسنا.
لأن من طبيعة ثورتنا مشاركة الشعب كذلك، لا يريد الحكام أن يخفوا عنه الحقيقة، مهما كانت مزعجة. وبالنسبة للجميع، ربما كانوا يحتاجون إلى مزيد من التوضيح في التعريفات والتوجيه. وهذا الأمر قد قضي. يجب السير الآن بتناغم مع الإرادة العامة ومع عزم وتصميم السلطة الثورية.
стр. 20
فلنتكلم عن العارضة (*)
يجب أن نغتبط للاهتمام الذي يوليه الرأي العام للمواضيع التي تناقش منذ الاعتداء الإسرائيلي. والدليل على هذا الاهتمام يظهر خاصة في أن المقالات التي تصدر باللغة الفرنسية تترجم غالبا، وتنشر في المجلات التي تصدر باللغة العربية.
هكذا نرى أن مقالي (لحظة التفكير) قد ترجم لأجل قراء العربية، أي لأجل السواد الأعظم من الرأي العام.
لقد قرأت هذه الترجمة، وانتابني شعور حقيقي بالإعجاب للمترجم. ولكن خطأ واحدا صدر عنه، وشوه تماما فكرتي حول نقطة أساسية، واستعجلني لأقول إنني لا أمارس هنا حتى ما بالتدقيق؛ إنما هو واجب بسيط يكتسب أهميته كما الظروف غير الاعتيادية التي نعيشها.
إن موضوع اليقظة الذي تذكرنا به في كل لحظة اليافطات المعلقة فوق شوارعنا، موضوع ذو أهمية عظيمة في هذه الظروف.
وأي خطأ في هذا الميدان إنما هو خطأ فظيع؛ خاصة إذا كان يتعلق بقطاع مهم من رأينا، وخاصة إذا كان يضع أمام أعيننا نوعا من التناقض مع مبدأ النقد الذاتي، وهو مبدأ لا ينفك يفرض نفسه في كل لحظة في البلد الثوري، ويتفوق في كل لحظة على كل المبادئ الأخرى.
وباختصار، أعيد وأترجم المقطع من جريدة الشعب: "ونحن إذ نحيي أصدقاءنا المتعاونين الذين يقدمون مساعدتهم القيمة، تقول (لهم) إن النظام يجب أن يستتب في البيت بادئ الأمر.
стр. 21
كل شياء في هذا المقطع، اللهم إلا كلمة (لهم) التي بين هلالين. لقد أضافها المترجم فغيرت تماما معنى الجملة، ونية الكاتب الذي جعلته الترجمة في موقف حوار مع المتعاونين، وكأنه يعطي لهم في نهاية الأمر، مسؤولية النظام في منزلنا.
إلا أن التحية التي أوجهها لهم هنا ليست سوى حيطة إضافية؛ أردت بها أن أعلم القارئ أنني لا أفكر بهم؛ وأن الأمر لا يتعلق بالضيوف المارين بالمنزل، بل بأولئك الذين يوجدون فيه للحياة وللموت، أي نحن بالذات.
ولا بد هنا من ملاحظة أن مجرد كلمة صغيرة تحمل أهمية كبيرة. فهي تستطيع أن تحور الفكرة، كما يستطيع القضيب الموضوع على سكة الحديد أن يحور القطار عن سكته.
والنتيجة أن هذا الخطأ في الترجمة ذو نفع من منظور آخر: لأنه يجبرنا على العودة على موضوع شائك وخطير. ويكفيه أنه ذكرنا بأننا لا نزال نميل أحيانا إلى الاهتمام بالقشة في عين جارنا، وننسى العارضة التي في أعيننا. إن نقدنا لذاتنا لا يبدأ بوعي الآخر بل بوعي الذات، وليس علينا أن نطلب تحمل مسؤولية بيتنا من الآخرين؛ بل من أنفسنا. إن الأجنبي- ولو كان مشبوها- لا يستطيع أن يفعل الضرر في بيتنا إلا إذا وجد فيه من يحابيه ويتآمر معه، كما جرى مع هذه الأدمغة (الجواسيس) الذين بفضلهم استطاع الطيران الإسرائيلي في الخامس من حزيران أن يصل إلى المطارات العربية خفية عن راداراتها.
تلك هي المشكلة! إنها مشكلة سياسية في بادئ الأمر. فعندما ألقى قادة هذا البلد شعار اليقظة، لم يستجيبوا لأسطورة ما، بل لضرورة لم تفقد يوما أهميتها، ولكنها باتت في هذه اللحظة الاستثنائية (الحرجة) أشد إلحاحا. ليس لي الأمر في أن أقول ما يتضمن هذا الشعار من المنظور العسكري.
стр. 22
ملف الإمبريالية
لكن الحرب لا ينتصر فيها بالأسلحة المادية فقط، كالبندقية والمدفع أو حتى الطائرة. وأحيانا حتى يسيء للانتصار العسكري الكبير تقصير (نقص) على الصعيدين الأخلاقي والسياسي. هذا أمر يشهد عليه التاريخ منذ القدم.
بعد أن انتصر هنيبعل في (كان)، وصل إلى أبواب روما، فصاح مجلس في الشيوخ وقد اعتراه الهلع، صيحة الخوف التي لا تزال مدونة في كتب التاريخ: "هنيبعل على أبواب روما! ". ولكن ملذات (كابوا) (كامبانيا) التي تراخى فيها ضباط هذا الاستراتيجي العظيم، وتقصيرات مجلس الشيوخ القرطاجي، أنقذت روما التي انتهت، بأن محت قرطاجة من خريطة (الوجود)، كما هو معروف. ولكن هذه العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية، تقوم بدور أكبر بكثير، في عصرنا الذي لا يتعلق فيه مصير الحرب بالجبهة فحسب، بل بالخطوط الورائية أيضا.
إن مصير روسيا القياصرة ومصير ألمانيا الإمبراطورية لم يحسما في نهاية الأمر على المستوى العسكري؛ بل على الصعيد النفسي والسياسي. وهذه الحقيقة تصبح حقيقة وواقعا، على الأخص بالنسبة لبلد يجابه الإمبريالية التي آخر ما تستعين به السلاح العسكري. فسلاحها الأساسي في بلدان الشرق الأوسط هو ملفها، الذي تسحب منه في اللحظة المناسبة (حين يحين الزمن) اسما مثل (تشومي) أو آخر مثل (باودال).
بملفها تحكم الإمبريالية العالم. منذ بضع سنوات، عندما أممت إحدى الدول العربية شركة من شركات البترول في أراضيها، أثار الدهشة وجود ملف في وثائق الشركة، يضم كل أسماء الأشخاص، الذين يمكن أن يخدموا أو يؤمنوا مصالحها في البلد. لاشك أن ملف الإمبريالية يجب أن يكون أكبر أهمية لكي يستطيع أن يساعدها في كل العمليات؛ في زمن الحرب، كما في زمن السلم، على الجبهة، كما في الداخل.
стр. 23
فلو عدنا إلى تاريخ ثورتنا، لرأينا أنها في الأول من نوفبر- تشرين الثاني- باغتت لأول وهلة الاستعمار؛ لأن قادتها بالضبط لم يكونوا معروفين بعد لديها، ولم يكن الاستعمار يعرف بعد إن كانوا يحبون القهوة أو شراب اليانسون، على سبيل المثال.
بالطبع، إذا طلبنا منه أن يسمح لنا بإلقاء نظرة على صناديقه، فإن جوابه سيكون على الأرجح الرفض لطلبنا. هذا أمر مفروغ منه.
ماذا أقول؟ الإمبريالية لا تحب حتى أن نتكلم عنها. وإذا لم تخني الذاكرة، هناك شخص تكلم عنها منذ حوالي ثلاث سنوات في صحف هذا البلد. وعلى الفور انتصب قلم محرك من الخارج ليتهكم بقوله: "الملف؟ .. ها! ها! هي .. ".
لكن ضحكة الإمبريالية كانت ضحكة صفراء؛ ونحن نعرف لماذا ... لأنها لا تحب أن يتكلم أحذ في العالم الثالث عن ملفها.
إنه من واجبنا نحن أن نحمي أنفسنا من تأثير هذا السلاح؛ وهذا يعني أنه لو سمح لنا- وإن كان ذلك أمرا غير معقول- أن نلقي نظرة على الملف الذي يسمح للإمبريالية أن تقوم بعملياتها الضرورية، في زمن الحرب، أو في زمن السلم، فإن ما سيهمني بادئ الأمر ليس في أسماء (السواح) الزائرين.
من التقصير ... إلى التآمر
وليس اسم تشومبي حتى هو الذي سيسترعي انتباهي، في بادئ الأمر، وإنني أتساءل حتى إذا ما كانوا أرسلوه إلينا كهدية في هذه اللحظة بالذات للفت انتباهنا عن مسائل كبيرة تهمهم. إن ما يهمنا هو ما يبقى على احتكاك مستمر معنا. وهذا ما هو حري أن تستعمل ضد البلد، بواسطة التقصيرات، والإهمالات الفردية وحتى التآمرات.
стр. 24
انطلاقا من هنا يكتسب موضوع اليقظة كامل مغزاه، لأن كل سلبياتنا في الإطار الأخلاقي والاجتماعي، وفي الإطار الاقتصادي والفكري، تصب بفعل آلية المواقف التي يسيطر عليها مبدأ توازن القوى في مصلحة الإمبريالية.
وإذا كان من الصعب أن نتنبأ باحتمال صعب على الجبهة، أو أن نتوقع نتيجة الحرب، فإننا نستطيع مع ذلك أن نؤكد مسبقا تمام التأكيد، أن كل سلبيات البلد ستقوم بدور حاسم فيها.
وهكذا، فإن ما يهمنا أولا بأول هو الأسباب التي تخلق تلك السلبيات؛ والعوامل التي تزيدها؛ والعوامل التي تضعها في حساب الإمبريالية.
إذا كان لكلمة اليقظة معنى، فإن معناها في بادئ الأمر إدراكنا لهذه السلبيات. فإذا كانت قطاراتنا لا تصل في أوقاتها المحددة، وإذا كانت مركباتها لا تخضع لصيانة جيدة، فهذا أمر سلبي، وإذا لم تسلم حتى الآن قطعة منذ سنة، فهذا أمر سلبي آخر، وإذا اتحل مشكلة كان يجب أن تحل منذ شهرين مضيا، ربما بحجة أننا في حالة حرب، فإن هذا أمر سلبي يدخل في حساب العدو.
ونزف الكادرات الذي تكلم عنه الرئيس بومدين في (نادي الصنوبر) هو أيضا أمر سلبي.
وبشكل عام، إذا أدركنا الانحطاط في عاداتنا، إذا تحدينا قوانيننا، إذا أفسدنا إطارنا الثقافي، وعلى الأخص بالتضحية بجمال مدننا وهدوئها، إذا لم نعرف كيف نحتفظ بالمحصول الممتاز للزمن الصعب، كما كان محصول سنة ١٩٦٣ ومحاصيل غيرها من السنوات أيضا، كل هذا يدخل مسبقا في حساب وضع صعب محتمل تستفيد منه الإمبريالية.
بناء عليه، فإن ما يهمنا هو معرفة أسباب كل هذه السلبيات من جهة، ومن
стр. 25
جهة أخرى: الوسيلة التي تسمح بالتغلب عليها، وهذه الأسباب تكمن بادئ الأمر فينا نحن، في وعينا أو في من حولنا من الجهة هذه من المتراس.
وليس هذا بالتفتيش في وعي الأجنبي الذي يأتي إلى بلادنا لنعرف تلك الأسباب، بل بالتفتيش في وعينا نحن. إذ لا يتعلق الأمر بالقشة التي في عين جارنا، بل بالعارضة التي في عيننا.
من المشجع أن نلاحظ أن موقفا جديدا في هذا الصدد قد بدأ يظهر.
الفاعلية والعمل
لقد تناول حسنين هيكل هذه المسألة بشجاعة في افتتاحيته الأخيرة. فهو يعطي في عدة أسطر غاية في الصراحة مثال الاعتراف بالذنب الذي وإن كان لا يصرح بكل شيء، فإنه يعطي النقاط الرئيسة، فهو يقول: "يجب على كل من أن يقدم حساباته، يجب علينا أيضا أن نفهم بعض الدروس".
من جهة أخرى، يندد رئيس تحرير الأهرام باستعمالنا المفرط للكلمات، وهذا لا يمثل في الواقع خطأنا الوحيد، ولا، وللأسف، سلبيتنا الوحيدة، ولكن مع ذلك هذا دليل وعي جدي سيقلق الإمبريالية بالتأكيد، وهي ستكون خاسرة بالتأكيد على المدى الطويل، وإن كانت تبدو على المدى القصير منتصرة في سيناء.
منذ الآن، يجب على الإمبريالية أن تأخذ بالاعتبار أن العالم العربي بدأ ثورته الثقافية كما يدل على ذلك "الاعتراف بالذنب" الذي أشرنا إليه والذي يستحق أن يتكرر كثيرا في أبعد أعماق وعينا.
ولكن يوجد على ما ييدو، وكما يفترضه النموشي في آخر مقالاته، أناسا يخافون الاعتراف بالحقائق المكبوتة في أعماق كيانهم. الزمن وحده سيتكفل بحملهم على الاعتراف.
стр. 26
وأخيرا، لكي تعرف الإمبريالية سلبياتنا وأحيانا لكي تزيد في عددها، تملك بالتأكيد في كل بلد من بلاد العالم الثالث جهازا يتألف من مخبرين يستطيعون، إذا اقتضت الحاجة، أن يتحولوا إلى عملاء منفذين، وإلا، فإن الإمبريالية ليست سوى طفل بريء نحمل عليه بخبث.
عندما لا نملك تجربة عملية في هذا الميدان، يجب علينا على الأقل أن نتحلى بالفطرة السليمة، إن مجرمي طهران الذين عزلوا مصدق عن الحكم في سنة ١٩٥٣، لم يخرجوا من العدم في خلال ثلاثة أيام، وإنما جاؤوا من جهاز كون في البلد تحسبا للأحداث.
انطلاقا من هنا، تصبح المسألة مسألة عملية [عملاتية]، لن تكون اليقظة بذات نفع إذا كانت تؤدي إلى العدم، إذا وجد الإهمال والمحاباة في هذه الجهة من السواتر، فإنها ستكون غير مجدية.
وإذا كنا نريد أن نترجم تجربتنا في الأفكار بالعمل، فإنه من الواجب أن نحترم أصول الفعالية في هذا العمل.
стр. 27
التخطيط والتخطيط الدقيق (*)
كان من الأسهل أن ننعت القرن التاسع عشر بعصر البخار.
فبالنسبة للمؤرخ أو عالم الاقتصاد أو عالم الاجتماع، كان البخار فعلا سمة هذا العصر الأساسية.
فالكهرباء نفسها لم تكن قد وصلت بعد إلى كامل التطورات التي توصلت إليها مؤخرا. وكان الناس لا يزالون في مرحلة التيار المتواصل، مع حلقة (غرام) البلجيكي. وكانت الإضماءة بالكهرباء قد ظهرت، بتواضع شديد، في العواصم فقط مع مصباح (أديسون).
وكان عمال الإنارة لا يزالون يقومون بجولتهم اليومية، عند هبوط الظلام، ليشعلوا من جديد المصابيح في شوارع لندن وباريس.
وكانت أولى شركات تكساس البترولية مضطرة- لعدم توافر الأفضل- أن توزع المصابيح البترولية على الصينيين مجانا بواسطة عملائها في الصين، كي يستهلك هؤلاء إنتاجها الذي لم يكن قد عرف بعد سوق المحركات الانفجارية.
لكن عصرنا- على ما يبدو- سيجعل المهمة أصعب على المؤرخين.
فالقرن العشروق هو، في الواقع، عصر الكهرباء، والطاقة الذرية، والفضاء، وأشياء أخرى كثيرة مثل (علم التوجيه) ( cybernétique) .
стр. 28
لندع المؤرخين في حيرتهم هنا ... ولنختر بأنفسنا واحدة من خصائص عصرنا الأساسية التي تهمنا بصورة خاصة.
فالقرن العشرون هو فعلا عصر المساحات الكبرى المخططة أيضا. ولنقل بطريقة مباشرة: إن البشرية قد دخلت في عصر التخطيط ب بعض الأمثلة المدهشة. وهذه إحدى نتائج تسارع خطا التاريخ. وليست هناك أي حاجة إلى مدى أو أيديولوجية الاتحاد السوفياتي أو الصين (اللذين يقدمان أمثلة تزيدنا دهشة بأبعادها ونجاحها)، لكي تقوم بعمل ما حتى في بلد ذي أبعاد متواضعة.
فالظاهرة عامة. والاستثناءات حالات مرضية ترتبط بالمعالجة الاجتماعية.
حتى السويد، فقد حققت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تحولا جذريا في بنيتها الزراعية بالتخطيط المناسب. إذ حلت منتجات الأشجار مكان سائر الزراعات الغذائية. وتحولت كل أراضيها الصالحة للزراعة إلى غابات، جعلت من هذا البلد واحدا من أوائل المنتجين لمادة (السليلوز) في السوق العالمية. ومن الطبيعي أن أي امرىء يفكر أن المزارعين السويديين ما كانوا يقومون بمثل هذا العمل؛ لو لم يروه أوفر ربحا.
هنا، نقع بطريق المصادفة على واحد من جوانب التخطيط غير المتوقعة، وليس الأشد إهمالا: إنه الجانب النفسي.
ذلك أنه ينبغي على الخطة، أن تتوقع في إطارها المفاهيمي كما في إطارها التنفيذي كل الشروط المعنوية والمادية لنجاحها؛ وهي مجموعة شروط، تحدد تماما التقنية المعقدة للخطة. ولكن واحدا من هذه الشروط التي تمس مباشرة الجانب التقني للخطة هو وحدة المفهوم. ففي بلد يسير في طور النمو- مثلما كان الاتحاد السوفياتي في سنة ١٩١٨ والصين في سنة ١٩٤٨ - يجب على الخطة أن تكون على الأخص (موحدة) وليست
стр. 29
فسيفساء تجمع مشاريع صمم كل منها تصميما منفصلا عن المشاريع الأخرى، وهي قد تتلاءم فيما بينها أو لا تتلاءم.
وإذا اتبعنا سبيل الاستنتاج المنطقي، رأينا أن التطور لا يمكن أن يعد جمعا من العناصر المنفصلة، تم ربطها فيما بينها بعد فوات الأوان. ويمكن في هذه الحالة أن نقع على مفاجآت غير سارة، كأن نلاحظ أن بعض العناصر تزيد عن الحد، وأن أخرى تنقص عنه، أو أن بعض ها أيضا لا يتلاءم مع المقياس المشترك للمجموعة، لكونها أصغر أو أكبر مما يجب. ويقدم لنا علم الميكانيكا مثلا بينا. فالتوازن الديناميكي للآلة يضطرب- إذا لم يدمر- ما إن نضيف إليها قطعة أو ننقصها منها.
نفهم من ذلك، أن الاهتمام بهذا التوازن هو الذي يحكم تصور أدنى جزء من الآلة، في سبيل الوصول في نهاية الأمر إلى تأمين وحدة الآلة. هذه الوحدة التي هي الشرط الأساسي لأداء عملها بنجاح.
إذن فالتخطيط في بلد في طور النمو، يهدف أساسا إلى تحريك كامل طاقاته وموارده البشرية والمادية تحريكا يؤدي إلى خلق ديناميكية اجتماعية.
وبابتعاد أحد عناصر هذا التخطيط، مهما كان ضئيلا، عن المقياس العام للمجموع، أو عن القواعد الأخلاقية الملازمة للعمل الجماعي لا يمكن بالنتيجة، إلا أن يؤثر تأثيرا سلبيا على توازن الديناميكية التي يراد خلقها.
فبرنامج التنمية لبلد ما، كالجزائر مثلا، تكون سائر فرص النجاح لديه مسجلة مسبقا في منهجيته التخطيطية، وفي نوعية خطته التقنية والأخلاقية.
ولكن أولا، هل توجد في الجزائر خطة؟
نظريا، الجواب نعم، هذا الجهاز موجود على ما يبدو في وزارة المال. وإن كان هنا أو هناك، فليس لمكان وجوده أثر كبير.
стр. 30
ولكننا اليوم- ول بعض الوقت أيضا- بلد ذو مقدرات زراعية على الأخص أكثر من السويد الذي يمر حاليا في مرحلة ما بعد الصناعة، والذي قام، منذ فترة- ورغم ذلك- بإصلاح زراعي له تأثير هائل على كامل الحياة الاقتصادية، كما قلنا.
هكذا إذن، يجب أن يكون المنظور الزراعي المعيار الذي نقيس به فرص (خطتنا) بالنجاح. ودون أن ننسى أن الانطلاقة الاقتصادية لبلد كبلدنا يجب أن تعمل على إطعام كل الأفواه وتشغيل كل السواعد.
فللسويد حق إنتاج السليلوز بإفراط. وعلى الجزائر أن تنتج الخبز لتؤمن الظرف الرئيسي للإنتاجات الأخرى.
ولا بد هنا من الاعتراف حتى بالجهود التشجيعية، وبالمساعدات التي بذلتها الحكومة الجزائرية تجاه الفلاح هذه السنة.
ولكننا هنا لسنا من يحكم على هذه السياسة، التي استوحت قرارا جيدا بالعمل في سبيل العدالة الاجتماعية، من اهتمامها بتحقيق الوفاق بين أعمالها وأيديولوجيتها المعلنة.
إن ما نهدف إليه هنا هو التقنية، خلق جهاز التخطيط وسيرورة عمله، فعالية (خطته).
إننا مجبرون في على إعادة طرح السؤال: هل توجد (خطة) في الجزائر؟ فالأمر يتعلق بمعرفة ما إذا كان كل عمل من أعمال الدولة، يأتي بالضرورة كنتيجة لتوقعاتها، وما إذا كان كل نشاط في البلد ينمو بانتظام وفي اتجاه محددين مسبقا. بحيث يزول كل ما يخرج على تطور المجموعة، وبحيث تختفي كل (النقاط الميتة) في ديناميكية البلد الاجتماعية.
وعلينا بالأخص معرفة المكانة التي أعطيت إلى أولويات الإنتاج الغذائي في
стр. 31
المرحلة الحالية من انطلاقة البلد. والواقع أنه يجب استقبال مشروع استصلاح ٢٠٠٠٠٠ هكتار من أراضي الكرمة استقبالا ملؤه الرضى.
إنه قرار غاية في الحكمة، وأن الخمر الذي لم يجد من يشتريه في الخارج يرتد ليسيل بغزارة في حلقوم الجزائريين، على ما يبدو.
ونترك إلى الذين يهتمون بالإحصائيات أمر الاعتناء، مثلا، بوضع النسبة الحسابية بين عدد البارات الجديدة التي فتحت أبوابها في الجزائر، ومعدل حوادث السيارات، وحالات الطلاق.
ونذكر فقط أن عدد الحوادث هبط في سنة ١٩٦٧ بنسبة ٣٣% في إنكلترا بعد أن اتخذت عدة إجراءات ضد تعاطي الكحول.
فالقرار بتقليص مساحة الأراضي المزروعة بالكرمة قرار حكيم جدا إذن. ولكنه لا يمكن أن يكون معيارا نقيس به جهازنا التخطيطي، لأنه جاء نوعا ما تحت ضغط ظروف خارجية هي تقلبات الأسعار.
إلا أن التخطيط يفقد كل معناه التقني ابتداء من اللحظة التي تكون فيها فكرته الرائدة مستوحاة من الخارج. فهذا لا يكون تخطيطا، وإنما مجرد مهارة، كمهارة البقال الذي يملأ رفوفه بما تمليه متطلبات زبائنه وأهواؤهم. وجلي أننا نريد بادئ ذي بدء أن نمنع بلدنا من أن يكون خمارة معطلة، تحولت إلى حانوت لبيع أشياء أخرى، لأنها فقدت زبائنها العاديين. وعلى الخطة أن تواجه الإصلاح الزراعي من زاوية أخرى، أو بالأصح من زاويتين:
أ) يجب أن تخصص الأراضي لمهمة الإنتاج وفقا لمعطيات اقتصاد القوت من ناحية، واقتصاد التنمية من ناحية أخرى كما حاولنا أن نحددها في مقال سابق.
ب) يجب وضع جهاز فعالا يحمي المساحات المنتجة من ظاهرة التصحر التي تهدد
стр. 32
جنوب البلاد بأكمله. ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نقول إن الصحراء تتوسع كل عام على حساب الأراضي (المفيدة للتغذية). والواقع أن هذه الظاهرة الأخيرة مشكلة مغاربية تتطلب التعاون الأخوي بين حكومات إفريقيا الشمالية الثلاثة لكي تصد تقدم الصحراء باتجاه الشمال في الدول الشقيقة الثلاثة. ولا يمكننا في هذا المجال، إلا أن ننوه بأهمية المعالم التي بدأ المغرب والجزائر بوضعها في هذا السبيل، من خلال الاتفاقية التي عقداها مؤخرا حول المناجم. إنه معلم هام في اقتصادها التنموي، ولا بد من معالم مماثلة أخرى في اقتصاد القوت عندها، وذلك بالاتفاف مع تونس.
من قابس، إلى أغادير، يجب أن يسد التحريج الطريق أمام الرمل الذي يرتفع.
نحن نعلم أن هذه المهمة ليست سهلة، وأنها قد تستدعي وصل بعض المنخفضات في الجنوب الجزائري بالبحر المتوسط من خلال غوطات الجريد.
ولكن عهد التخطيط الذي رأى صحراء (كارا كوروم) في جنوب الاتحاد السوفياتي تتحول إلى حديقة غناء؛ لا يستطيع أن يرى هذه المهمة أمرا مستحيلا.
ولا بد- رغم ذلك- من أن نضيف، لكي نبقى في موضوعنا، أن مشروع (كارا كوروم) لم ير النور مصادفة. فحتى قبل أن توضع خطوطه الأولى على الورق، كانت فكرته موجودة في العقيدة العامة التي أنجبت الـ ( NEP) ووسعت فيما بعد تحت إدارة (الخطة العامة) التي استحدثت لتنفيذها وزارة في موسكو، وكان لينين نفسه لا يزال حيا.
إن فكرة الخطة العامة تلك، هي التي تكون- في نهاية الأمر- الاختيار التقني للتخطيط، وهي التي تحافظ على فعاليته في السنوات اللاحقة، وذلك بتجنب التردد أقصى ما يمكن، أي بتوفير الوقت والطاقة اللذين يجب عدم إهدارهما.
стр. 33
هذا هو حتى الاختبار الذي يجيب على سؤالنا المطروح: هل توجد خطة في الجزائر؟
هنا يصبح من الصعب الإجابة بوضوح. لأن هناك مخططين في كل مكان تقريبا. وهم يعملون غالبا مع أدمغة المستشارين الأجانب، الذين يميلون أحيانا إلى الإعجاب ببلدنا، بسمائه الزرقاء، أو كثبانه، أو سهوله العالية، أكثر مما يميلون إلى اكتشاف، بل وتحسس وزن واقعه الاقتصادي.
وتمر بذاكرتي بعض الأسماء التي تدل على أننا نملك مجموعة من المؤسسات المخططة.
وهي أحيانا تتقارب في الأسماء مثل ( BERI, BERIM, SONAREM) لأنها تملك أهدافا متقاربة أيضا.
ولكن هذه الفسيفساء التي يكون فيها لكل من (سيدي الرئيس والمدير العام) ميدانه الخاص به، وموظفوه، وحتى طلابه الممنوحون للقيام بدراسات غير دقيقة، ومن أجل أهداف غير أكيدة، وأخيرا مستشاروه، هل تملك القيمة التقنية للمؤسسة التي تتلأءم مع متطلبات الخطة؟ هنا يكمن السؤال.
ولنقل كل فكرتنا بوضوح: لا يخلق كائنا حي يمشي ويعمل، بتجميع أربعة أطراف وجذع ورأس، جلبت من المشرحة.
كذلك لا تستطيع مجموعة متباينة من المخططات الصغيرة أن تكون مخططا عاما.
والواقع أن القضية تتعلق بألا تصبح الجزائر ميدانا للبيوقراطية، في اللحظة التي تدخل فيها البشرية عصر التخطيط. وعلى كل، حتى كلمة (بيروقياطية) غير كافية. فالأمر يتعلق فقط بواجهة محلية يفكر من ورائها بعض المستشارين (السائحين) الذين يعللون قبض رواتبهم بقولهم لنا من وقت لآخر: إن سماء الجزائر خالابة.
стр. 34
دفاعا عن رأسمال الأفكار (*)
لقد أشرت في مقالي ما قبل الأخير إلى الدخداخيات (كثيرة الأرجل).
وقد تساءل صديقي (النموشي) في العدد الأخير من مجلة (الثورة الإفريقية) عما إذا كانت خرافة أم حقيقة؟ فبت الأمر في النهاية قائلا قول من يرجم بالغيب، إنها حقيقة. فما كان منه إلا أن حلل التأثيرات المحتملة لهذه (الحقيقة) على صعيد الوقائع، وعلى صعيد الأفكار.
ولكن يجب أن نوضح هذه الأشياء توضيحا أكبر. نعم، وللأسف، الدخداخيات واقع حزين في دول العالم الثالث. لقد قدمت الاعتبارات العامة التي تقع في أساس تأكيدي هذا؛ ولقد كنت فعلت ذلك في كلمات متنوة، على الأخص في مقالي ما قبله الأخير، وفي غيره من المقالات التي سبقت.
إن الاستعمار لا يستطيع فعلا أن يترك- بلا قيد أو شرط- بلدا كان يستعمره، ولا أن يغادره هكذا وبكل بساطة، مخليا وراءه المكان للاستقلال الجديد. هذا يعني أننا نعده ولدا ساذجا. فنرتكب بذلك خطأ فريدا من نوعه، يكون في صالحه، ومضرا لنا. تلك هي إذن الاعتبارات العامة، التي بنيت تأكيداتي عليها بادئ الأمر.
كان يبدو لي أن هذا كاف. ولكنني أعتقد أنه بات من الضروري أن نتجاوز العموميات. وقد أتت كلمة صديقي (النموشي) لتعطيني الحجة والفرصة لذلك.
стр. 35
وليس في نيتي أن أنغمس في علم الحشريات، ولا في علم التشريح، عندما أتكلم عن الدخداخيات. فهذا ليس من شأني.
ولن يعيق هذا أحدا عن أن يقول: إن الحشرة تتكون بشكل عام من رأس وجسد وأرجل. وهذا أمر كانت تعرفه جدتي، رحمها الله، كما يعرفه أي عالم. فما يهمني هو الخصائص المورفولوجية (التكوينية) التي تنفرد بها الدخداخيات بشكل خاص.
ويجب أن نكرر هذا: إن رأسها في الخارج، لست أدري أينا .. ولكنني أراهن أن (بن غوريون) لا بد أن يعرف تماما أين. تماما كما يتبع بانتباه- ونحن نراهن على ذلك- كل ما يجري اليوم في براغ، وفي فرصوفيا، وحتى في موسكو، حيث أعلن بريجنيف- منذ قليل- ضرورة تدعيم الجبهة الأيديولوجية. ومن المؤكد أن رأس هذه الحشرة، وفكرها، والإرادة التي تسكنها من اهتماماتنا. ولكن شعوب العالم الثالث كلها لا تعرف عنها شيئا ما، ولو كان ذلك جزئيا ومن طريقا الاختبار.
في هذا المجال، يملك كل امرئ على الأقل فكرة بسيطة. أنا أعرف ما يعرفه راعي الغنم، وراعي الغنم يعرف قدر ما أعرف. والباقي ثانوي. فهو مجرد مسألة شكلية. ولا داعي إذن أن ننصرف إلى دراسة هذه النقطة دراسة علمية. لنتكلم بالأحرى عن الأرجل المحلية للدخداخيات. فالثورة الثقافية في الصين، وتصريحات بريجنيف، تلتقيان على الأقل حول هذه النقطة. ولا يتعلق الأمر هذه المرة بالحس المشترك، بل يجب التمتع بتجربة حقيقية، وأفكار واضحة جدا. ففي أحد الميادين، وهو ميدان الأفكار الذي تعمل فيه الدخداخيات عملها الأشد خبثا. هناك الشيء الكثير نقوله. ويجب أن نختصر. يجب أن نسير بخطوات قصيرة، مثل لمام السنابل، ونقطف من هنا وهناك زهرة صغيرة. وذلك دون أن نصل إلى (باقة الورود). لأنه بالضبط، لا تفوح منه رائحة الورود، أنا أؤكد لكم ذلك، بل رائحة شيء آخر لا أريد أن أذكره هنا ... لئلا تمتد أيديكم إلى محارمكم. إذن، لنتكلم عن الأرجل مع الأخذ
стр. 36
بالاحتياطات اللازمة. فالوظيفة تخلق العضو، كما يقال. ويجب أن نضيف أنها تحدد مكانه، وأنا أعرف أن المورفولوجيا لا تنتظر مني هذه الإضافة.
ولنقل إذن: إن بين هذه الأرجل أرجلا تقع قرب رأس هذا الحيوان، وأخرى تقع بالقرب من ذنبه. فالأولى هي في الوقت ذاته (مجسات) تلتقط المعلومات من الرأس، وتنقلها إليه. والثانية ليست سوى أرجل مهمتها التنفيذ.
ولكنها لا تفكر، لا الأولى ولا الثانية. الرأس هو وحده الذي يفكر ... واعذروني مرة أخرى على هذه الإضافة.
ما يهمنا إذنا، غاية الاهتمام، هو الشيء الذي ينفذ وكيفية تنفيذه. أي أننا نهتم بكيفية مرور الدافع العصبي، الذي يحمل الفكرة والإرادة، من الرأس إلى آخر رجل، وإلى الذنب. وبما يحمله.
هنا أيضا، لابد من توضيح. كل امرئ يلاحظ الظواهر- العادية وغير الاعتيادية- من زاويته الضيقة. فكسوف الشمس مثلا يهم عالم الفلك والخباز. إلا أن الأول يراقبه بأجهزة مناسبة، والآخر يكتفي باستعمال يده، كحاجز يضعه فوق عينيه. ومما لاشك فيه أن هذين الرجلين يريان الأمر ذاته. ولكنه بالنسبة لهما يملك الوجه نفسه دون معناه. إن هذا التوضيح ضروري جدا فيما يخص أرجل الدخداخيات.
هناك مثلا نساء مسنات ساذجات في الجزائر، يرين هذه الأرجل وهي تعمل. وبائع الفحم يراها، وهو يقوم بوزن بضاعته. وأنا أراها أيضا، دون أن أغادر زاويتي التي أكتب فيها مقالتي الآن.
الواقع، أن طبيعة عملي، تجعل نافذة ملاحظاتي تدخل في ميدان الأفكار. وأنا أرى، بالطبع، من نافذتي تلك، شيئا، مما يجري في الميادين المجاورة؛ وعلى الأخص ميدان الاقتصاد، أو التخطيط المدني.
стр. 37
إن طريقة صف أوعية الأزهار- على جانبي الشارع المؤدي إلى (قصر الشعب) - تعنيني بعض الشيء. فإذا تغيرت، أنزعج. وقد تنزعج كذلك العجوز، أو الفحام إذا مرا من هناك. ولكني لا أعتقد أن لدينا الانطباعات ذاتها. فانطباعاتي تترجم بعلامة استفهام. إنها مهنتي، هذا كل ما في الأمر.
لكن الميدان الذي أقوم فيه بالملاحظة بشكل خاص، هو ميدان الأفكار. وهنا أيضا تختلف تجربتي وانطباعاتي، عن تجربة المرحومة جدتي وانطباعاتها. فتجربتي تدفعني إلى طرح الأسئلة: ما نوع الاهتمام الموجود في رأس (الداخداخيات) تجاه الأفكار التي أحملها؟ التي تحملونها أنتم؟ التي نحملها جميعا في هذا البلد؟ ذلك هو السؤال الذي يجب طرحه، إذا أردنا الدخول في صميم الموضوع، أي (معرفة ما تنفذه الأرجل).
من الواضح، أن الرأسمال الفكري لبلد ما جوهري بالنسبة له، بقدر (أو أكثر) مما هو جوهري رأسماله بالدينار، أو رأسماله بالدولار، أو حتى رأسماله البترولي. والأمر بالنسبة لهذا الرأسمال الأخير، واضح: (٥٠) بالمئة من ريعه تبقى في الخارج، بناء على تقديرات دقيقة.
لقد بدأت اللوحة تتضح. وهي تزداد وضوحا بما فعله العراق، لكي يستعيد جزءا من هذه النسبة المئوية. فقد اتخذ العراق منذ فترة قصيرة قرارا أعاره الغربا أهمية بالغة، وهو يخص حقل الرميلة، الذي قرر أن يستثمره بوسائله الخاصة. ومهما يكن من أمر، فإنه من واجبنا أن نعير رأسمالنا الفكري على الأقل الاهتمام ذاته، الذي توليه إياه (الدخداخيات) فهذه الأخيرة تعرف كيف تقدر الأشياء حق قدرها، في هذا الميدان كما في الميادين الأخرى. ونحن نستطيع أن نهتدي بتقديراته، ولكنه بالطبع يحتفظ بسره لنفسه. وعلينا أن نخلق بأنفسنا الآلة التي بها نزن الأفكار. أولا لاستعمالنا الخاص. ثم لكي تقدر الاهتمام والصعوبات الخاصة للدخداخيات في هذا المجال ذاته.
تلك هي في الواقع المسألة في وجهيها الاثنين. وهي مسألة صعبة. بالنسبة لنا،
стр. 38
في بادئ الأمر، لأننا لا نزال حديثي العهد في هذا الموضوع، وبالنسبة للدخداخيات بعد ذلك، لأنها لا تستطيع أن تقوم بعملها هنا كما تفعل بالنسبة للبترول مثلا.
فالواقع، أنه يسهل نسبيا على الدخداخيات أن تحتفظ بـ (٨٠ بالمئة) من الإنتاج البترولي. فهذه مجرد قضية محاسبة. إنها مسألة تحرير فاتورة التنقيب والتجهيز والتسويق. فبالإمكان التوصل إليها بمجرد دفعها إلى الأمام.
لقد حمل المغفور له الشجاع (مصدق) معه إلى القبر تجربة، لا تعادالها تجربة في شدة مرارتها، ولا في قوة العبرة التي تعطيها.
ولكن كيف يمكن أخذ (٨٠ بالمئة) من (الرأسمال الفكري) لبلد نام؟ هناك بادئ الأمر طريقة خط الأنابيب الذي لا يمتص هذه المرة بترول البلد، بلا مواردها الضعيفة من الطاقة الفكرية. وقد أشرت سابقا إلى التحقيق الذي قام به باحث اجتماعي إيراني حول هذا الموضوع.
إن طريقة خط الأنابيب شائعة إذن في ميدان الأفكار. ولكنني عندما أشرت في مقالي قبل الأخير إلى الأطباء الجزائريين الثلاث مئة المتواجدين في منطقة باريس ليس إلا، كنت أحتفظ ب بعض التوضيح، كم يبلغ، في عداد مفكرينا المستقرين اليوم خارج الحدود الوطنية، عدد الذين ركبوا البحر من تلقاء أنفسهم، وكم يبلغ عدد أولئك الذين أرغموا على ركوب البحر؟ أي بكلمة أخرى، كم عدد الفارين، وكم عدد المنفيين؟ إن الأولين لا يهمنا أمرهم إلا ما أجل تقدير عمل خط الأنابيب الفكري.
بعد ذلك أترك حالتهم للأخلاقيين. ولكن ما يهمنا هو الآخرون، المنفيون. خاصة فيما يتعلق بالعمل الخاص، الذي تقوم به (الأرجل المحلية للدخداخيات). وهذا بالضبط موضع حديثنا في هذه الأسطر.
آه! بالطبع، لم ينف المنفيون بمرسوم نشر في الجريدة الرسمية.
стр. 39
هنا نلج في (لعبة الداخداخيات) الأشد غموضا، والأكشد دهاء في ميدان الأفكار. الأمر بسيط: إنها تضع رجلا في الخدمة وراء الباب، الذي يجب أن يجتازه هذا المفكر، أو ذاك، وقد جاء يعمل في بلده. وإذا بالباب يغلق بهدوء في وجهه. لماذا؟ آه! هناك ألف وسيلة ووسيلة لإغلاق الباب هكذا. من الإغاظة إلى تدبير أمر ما. سل هذا المهندس الزراعي (وهو، في نظري، أفضل من في فرعه)، لماذا هو الآن في الخارج؟ وسل ذاك الطبيب الجزائري، وهو متخصص بطب العيون من الدرجة الأولى، لماذا هو الآن رئيس في عيادة في ألمانيا؟ عندها ستفهم كيف يغلق الباب في وجه المنفي. إنه عمل آلي: (رأس الدخداخيات) ترسل الأمر، و (الرجل) تفعل الباقي.
في الواقع، إذا أردنا أن نكون فكرة، ولو تقريبية، عن ضخ رأسمالنا الفكري وطرده، يجب القيام بتحقيق يشمل كامل أرض الوطن، وفي كل الأماكن التي تستخدم فيها كشعار كلمة (ثقافة) أو (ثقافي). وبالطبع، أنا لا أملك الوسيلة، ولا الزمن للقيام بذلك، ولا حتى متسعا من المكان في هذه الأسطر.
ولكن صديقي (النموشي) أشار إلى وسيلة تعطينا فكرة ولو كانت على الأقل جزئية. فهو يشير بالضبط كيف تضع الدخداخيات في الدول الصغيرة (مجساتها التي تشوش على مراكزنا العصبية).
والجامعة، بالطبع، إحدى هذه الوسائل. إذ يمكنك بالتالي أن تعرف أهمية الإضراب في جامعتنا، مؤخرا، والذي انتهى، فعلا، بعودة الأمور إلى طبيعتها، بفضل حكمة طلابنا.
لقد أخفقت الدخداخيات- ولا شك- في إيصال سنة كاملة من عمر شبابنا المجتهد إلى العدم. ولكنها لا تقبل الفشل. ماذا سيدفع هذا الطالب، وهذه الطالبة من الطلاب الذين سجلوا حضورهم في أيام الإضراب؟ هناك إشارات بدأت تدل على
стр. 40
ما سيجري. ماذا يعلن عن الامتحانات المقبلة؟ لقد ترك (سقراط)، فيما ترك، كلمة خالدة حينما تكلم عن (قارضي الأفكار). حيثما تفوح رائحة فكرة ما، تستيقظ عند الدخداخيات غريزة الحيوان المتوحش، الذي يشتم فريسته. إنها (قارضة الأفكار). لقد اكتسبت، أو بالأحرى، أكملت تجربتي حول هذه النقطة، من الزاوية الصغيرة التي أراقب منها الأشياء. فنذ خمس سنين، استدعتني الحكومة الجزائرية من الخارج لإنشاء مركز للتوجيه الثقافي. ولقد أنشأته بالفعل في الزاوية الصغيرة التي أنا فيها الآن. وهو يعمل منذ أربع سنوات. وفي برنامجه ملف مشروع المرسوم القاضي بإنشائه، والذي لم ينشر في الجريدة الرسمية حتى الآن. ولا يزال هذا الملف في الواقع محفوظا منذ ثلاث سنوات، في خزانة المكتب التشريعي. ولقد سألت خلال هذه الفترة- الشخص اللطيف المسؤول عن هذا المكتب. فأجابني بلطف إن المرسوم سيعرض للتوقيع، حالما يقدم الوزراء رأيهم فيه، وإن بعض هم، وعلى الأخص وزير الاقتصاد آنذاك، لم يرسلوا رأيهم بعد. إنها الإجراءات العادية. ولكن، ما هو عادي في بلد ما، يصبح غير عادي في بلد آخر. إلا أن تشريعنا لم يتبدل منذ سنة ١٩٦٢. وإذا كان يجب أن ننتظر الضوء الأخضر من بعض البيروقراطيين .. فإننا سننتظر طويلا. إذن لقد عمل المركز بوسائل مؤقتة. من جهة أخرى، لم يكن المركز مخصصا لإعطاء شهادات، بل لتقديم بعض الأفكار الجديدة، على الأخص في مجال الاقتصاد والثقافة في بلد من بلدان العالم الثالث؛ أي في مجال علم اجتماع البلدان النامية.
ولكنه، وفي هذا المجال بالضبط، يهم الدخداخيات كثيرا. وهو- لكونه لا يحظى بالغطاء الرسمي- يقدم فريسة سهلة لغريزة قرض الأفكار. عندها، لن أقول أكثر من ذلك رحمة بالقارئ.
رغم ذلك، يصبح من غير المجدي أن نندهش، لأن السيد (موسوي) لم يفكر في