بالاحتياطات اللازمة. فالوظيفة تخلق العضو، كما يقال. ويجب أن نضيف أنها تحدد مكانه، وأنا أعرف أن المورفولوجيا لا تنتظر مني هذه الإضافة.
ولنقل إذن: إن بين هذه الأرجل أرجلا تقع قرب رأس هذا الحيوان، وأخرى تقع بالقرب من ذنبه. فالأولى هي في الوقت ذاته (مجسات) تلتقط المعلومات من الرأس، وتنقلها إليه. والثانية ليست سوى أرجل مهمتها التنفيذ.
ولكنها لا تفكر، لا الأولى ولا الثانية. الرأس هو وحده الذي يفكر ... واعذروني مرة أخرى على هذه الإضافة.
ما يهمنا إذنا، غاية الاهتمام، هو الشيء الذي ينفذ وكيفية تنفيذه. أي أننا نهتم بكيفية مرور الدافع العصبي، الذي يحمل الفكرة والإرادة، من الرأس إلى آخر رجل، وإلى الذنب. وبما يحمله.
هنا أيضا، لابد من توضيح. كل امرئ يلاحظ الظواهر- العادية وغير الاعتيادية- من زاويته الضيقة. فكسوف الشمس مثلا يهم عالم الفلك والخباز. إلا أن الأول يراقبه بأجهزة مناسبة، والآخر يكتفي باستعمال يده، كحاجز يضعه فوق عينيه. ومما لاشك فيه أن هذين الرجلين يريان الأمر ذاته. ولكنه بالنسبة لهما يملك الوجه نفسه دون معناه. إن هذا التوضيح ضروري جدا فيما يخص أرجل الدخداخيات.
هناك مثلا نساء مسنات ساذجات في الجزائر، يرين هذه الأرجل وهي تعمل. وبائع الفحم يراها، وهو يقوم بوزن بضاعته. وأنا أراها أيضا، دون أن أغادر زاويتي التي أكتب فيها مقالتي الآن.
الواقع، أن طبيعة عملي، تجعل نافذة ملاحظاتي تدخل في ميدان الأفكار. وأنا أرى، بالطبع، من نافذتي تلك، شيئا، مما يجري في الميادين المجاورة؛ وعلى الأخص ميدان الاقتصاد، أو التخطيط المدني.
стр. 37
إن طريقة صف أوعية الأزهار- على جانبي الشارع المؤدي إلى (قصر الشعب) - تعنيني بعض الشيء. فإذا تغيرت، أنزعج. وقد تنزعج كذلك العجوز، أو الفحام إذا مرا من هناك. ولكني لا أعتقد أن لدينا الانطباعات ذاتها. فانطباعاتي تترجم بعلامة استفهام. إنها مهنتي، هذا كل ما في الأمر.
لكن الميدان الذي أقوم فيه بالملاحظة بشكل خاص، هو ميدان الأفكار. وهنا أيضا تختلف تجربتي وانطباعاتي، عن تجربة المرحومة جدتي وانطباعاتها. فتجربتي تدفعني إلى طرح الأسئلة: ما نوع الاهتمام الموجود في رأس (الداخداخيات) تجاه الأفكار التي أحملها؟ التي تحملونها أنتم؟ التي نحملها جميعا في هذا البلد؟ ذلك هو السؤال الذي يجب طرحه، إذا أردنا الدخول في صميم الموضوع، أي (معرفة ما تنفذه الأرجل).
من الواضح، أن الرأسمال الفكري لبلد ما جوهري بالنسبة له، بقدر (أو أكثر) مما هو جوهري رأسماله بالدينار، أو رأسماله بالدولار، أو حتى رأسماله البترولي. والأمر بالنسبة لهذا الرأسمال الأخير، واضح: (٥٠) بالمئة من ريعه تبقى في الخارج، بناء على تقديرات دقيقة.
لقد بدأت اللوحة تتضح. وهي تزداد وضوحا بما فعله العراق، لكي يستعيد جزءا من هذه النسبة المئوية. فقد اتخذ العراق منذ فترة قصيرة قرارا أعاره الغربا أهمية بالغة، وهو يخص حقل الرميلة، الذي قرر أن يستثمره بوسائله الخاصة. ومهما يكن من أمر، فإنه من واجبنا أن نعير رأسمالنا الفكري على الأقل الاهتمام ذاته، الذي توليه إياه (الدخداخيات) فهذه الأخيرة تعرف كيف تقدر الأشياء حق قدرها، في هذا الميدان كما في الميادين الأخرى. ونحن نستطيع أن نهتدي بتقديراته، ولكنه بالطبع يحتفظ بسره لنفسه. وعلينا أن نخلق بأنفسنا الآلة التي بها نزن الأفكار. أولا لاستعمالنا الخاص. ثم لكي تقدر الاهتمام والصعوبات الخاصة للدخداخيات في هذا المجال ذاته.
تلك هي في الواقع المسألة في وجهيها الاثنين. وهي مسألة صعبة. بالنسبة لنا،
стр. 38
في بادئ الأمر، لأننا لا نزال حديثي العهد في هذا الموضوع، وبالنسبة للدخداخيات بعد ذلك، لأنها لا تستطيع أن تقوم بعملها هنا كما تفعل بالنسبة للبترول مثلا.
فالواقع، أنه يسهل نسبيا على الدخداخيات أن تحتفظ بـ (٨٠ بالمئة) من الإنتاج البترولي. فهذه مجرد قضية محاسبة. إنها مسألة تحرير فاتورة التنقيب والتجهيز والتسويق. فبالإمكان التوصل إليها بمجرد دفعها إلى الأمام.
لقد حمل المغفور له الشجاع (مصدق) معه إلى القبر تجربة، لا تعادالها تجربة في شدة مرارتها، ولا في قوة العبرة التي تعطيها.
ولكن كيف يمكن أخذ (٨٠ بالمئة) من (الرأسمال الفكري) لبلد نام؟ هناك بادئ الأمر طريقة خط الأنابيب الذي لا يمتص هذه المرة بترول البلد، بلا مواردها الضعيفة من الطاقة الفكرية. وقد أشرت سابقا إلى التحقيق الذي قام به باحث اجتماعي إيراني حول هذا الموضوع.
إن طريقة خط الأنابيب شائعة إذن في ميدان الأفكار. ولكنني عندما أشرت في مقالي قبل الأخير إلى الأطباء الجزائريين الثلاث مئة المتواجدين في منطقة باريس ليس إلا، كنت أحتفظ ب بعض التوضيح، كم يبلغ، في عداد مفكرينا المستقرين اليوم خارج الحدود الوطنية، عدد الذين ركبوا البحر من تلقاء أنفسهم، وكم يبلغ عدد أولئك الذين أرغموا على ركوب البحر؟ أي بكلمة أخرى، كم عدد الفارين، وكم عدد المنفيين؟ إن الأولين لا يهمنا أمرهم إلا ما أجل تقدير عمل خط الأنابيب الفكري.
بعد ذلك أترك حالتهم للأخلاقيين. ولكن ما يهمنا هو الآخرون، المنفيون. خاصة فيما يتعلق بالعمل الخاص، الذي تقوم به (الأرجل المحلية للدخداخيات). وهذا بالضبط موضع حديثنا في هذه الأسطر.
آه! بالطبع، لم ينف المنفيون بمرسوم نشر في الجريدة الرسمية.
стр. 39
هنا نلج في (لعبة الداخداخيات) الأشد غموضا، والأكشد دهاء في ميدان الأفكار. الأمر بسيط: إنها تضع رجلا في الخدمة وراء الباب، الذي يجب أن يجتازه هذا المفكر، أو ذاك، وقد جاء يعمل في بلده. وإذا بالباب يغلق بهدوء في وجهه. لماذا؟ آه! هناك ألف وسيلة ووسيلة لإغلاق الباب هكذا. من الإغاظة إلى تدبير أمر ما. سل هذا المهندس الزراعي (وهو، في نظري، أفضل من في فرعه)، لماذا هو الآن في الخارج؟ وسل ذاك الطبيب الجزائري، وهو متخصص بطب العيون من الدرجة الأولى، لماذا هو الآن رئيس في عيادة في ألمانيا؟ عندها ستفهم كيف يغلق الباب في وجه المنفي. إنه عمل آلي: (رأس الدخداخيات) ترسل الأمر، و (الرجل) تفعل الباقي.
في الواقع، إذا أردنا أن نكون فكرة، ولو تقريبية، عن ضخ رأسمالنا الفكري وطرده، يجب القيام بتحقيق يشمل كامل أرض الوطن، وفي كل الأماكن التي تستخدم فيها كشعار كلمة (ثقافة) أو (ثقافي). وبالطبع، أنا لا أملك الوسيلة، ولا الزمن للقيام بذلك، ولا حتى متسعا من المكان في هذه الأسطر.
ولكن صديقي (النموشي) أشار إلى وسيلة تعطينا فكرة ولو كانت على الأقل جزئية. فهو يشير بالضبط كيف تضع الدخداخيات في الدول الصغيرة (مجساتها التي تشوش على مراكزنا العصبية).
والجامعة، بالطبع، إحدى هذه الوسائل. إذ يمكنك بالتالي أن تعرف أهمية الإضراب في جامعتنا، مؤخرا، والذي انتهى، فعلا، بعودة الأمور إلى طبيعتها، بفضل حكمة طلابنا.
لقد أخفقت الدخداخيات- ولا شك- في إيصال سنة كاملة من عمر شبابنا المجتهد إلى العدم. ولكنها لا تقبل الفشل. ماذا سيدفع هذا الطالب، وهذه الطالبة من الطلاب الذين سجلوا حضورهم في أيام الإضراب؟ هناك إشارات بدأت تدل على
стр. 40
ما سيجري. ماذا يعلن عن الامتحانات المقبلة؟ لقد ترك (سقراط)، فيما ترك، كلمة خالدة حينما تكلم عن (قارضي الأفكار). حيثما تفوح رائحة فكرة ما، تستيقظ عند الدخداخيات غريزة الحيوان المتوحش، الذي يشتم فريسته. إنها (قارضة الأفكار). لقد اكتسبت، أو بالأحرى، أكملت تجربتي حول هذه النقطة، من الزاوية الصغيرة التي أراقب منها الأشياء. فنذ خمس سنين، استدعتني الحكومة الجزائرية من الخارج لإنشاء مركز للتوجيه الثقافي. ولقد أنشأته بالفعل في الزاوية الصغيرة التي أنا فيها الآن. وهو يعمل منذ أربع سنوات. وفي برنامجه ملف مشروع المرسوم القاضي بإنشائه، والذي لم ينشر في الجريدة الرسمية حتى الآن. ولا يزال هذا الملف في الواقع محفوظا منذ ثلاث سنوات، في خزانة المكتب التشريعي. ولقد سألت خلال هذه الفترة- الشخص اللطيف المسؤول عن هذا المكتب. فأجابني بلطف إن المرسوم سيعرض للتوقيع، حالما يقدم الوزراء رأيهم فيه، وإن بعض هم، وعلى الأخص وزير الاقتصاد آنذاك، لم يرسلوا رأيهم بعد. إنها الإجراءات العادية. ولكن، ما هو عادي في بلد ما، يصبح غير عادي في بلد آخر. إلا أن تشريعنا لم يتبدل منذ سنة ١٩٦٢. وإذا كان يجب أن ننتظر الضوء الأخضر من بعض البيروقراطيين .. فإننا سننتظر طويلا. إذن لقد عمل المركز بوسائل مؤقتة. من جهة أخرى، لم يكن المركز مخصصا لإعطاء شهادات، بل لتقديم بعض الأفكار الجديدة، على الأخص في مجال الاقتصاد والثقافة في بلد من بلدان العالم الثالث؛ أي في مجال علم اجتماع البلدان النامية.
ولكنه، وفي هذا المجال بالضبط، يهم الدخداخيات كثيرا. وهو- لكونه لا يحظى بالغطاء الرسمي- يقدم فريسة سهلة لغريزة قرض الأفكار. عندها، لن أقول أكثر من ذلك رحمة بالقارئ.
رغم ذلك، يصبح من غير المجدي أن نندهش، لأن السيد (موسوي) لم يفكر في
стр. 41
دعوة مدير مركز التويه الثقافي إلى الاجتماع، الذي عقده منذ فترة وجيزة على حين غرة بناء على نداء قسطنطة.
ولكننا نندهش أن يكون وزير الإعلام هو نفسه، الذي أخذ على عاتقه هذا الأمر. ربما هناك (ثقافتان): تلك التي يهتم بها هذا الوزير، وتلك التي يهتم بها بعض الجزائريين منذ ربع قرن.
في هذه الحالة، تقتضي أن نأمل في (نداء قسطنطة) آخر، يوجه خاصة إلى هؤلاء الجزائريين. وهذا يوضح كم هو غير كاف وحده الاهتمام الذي توليه السلطة الرسمية، في العديد من المناسبات للحياة الثقافية في هذا البلد. وأن يليه تفتيش يأتي بعد المبادرة في مرحلة التطبيق.
ولنقل من جهة أخرى إن الدخداخيات، وقارضة الأفكار، وقاتلة الأفكار، لا تحتاج دائما إلى الأرجل المحلية. فهي ربما تستغل أحيانا إهمالنا، في سبيل تقليص رأسمالنا الفكري.
في بعض الشوارع، من الخطر أن تترك فتاة تسير وحدها في الليل. وأحيانا حتى في النهار. كذلك، من الخطر أن نترك فكرة لوحدها. إننا نريد أن نأمل أن السلطات الرسمية تفكر في هذا، وتعمل على الدفاع عن الأفكار. وأنا أخشى أشد الخشية أن تكون فكرة نداء قسطنطة قد خطفت ... ويذكرنا التلفاز بالمناسبة (رومان رولان) الذي يجعل أحد شخصيات روايته يقول: "لا يكفي أن تبدع أفكارا، بل يجب أن تؤمن لها الحياة".
هنا تكمن المسألة كلها.
стр. 42
سوق البركة (*)
على طريق (مهنة)، وفي محلة (بومدفع)، يغ سوق يعج بالناس طيلة أيام الأسبوع السبعة.
لا توجد فيه مطاعم شعبية، ولا خيم يضع البقالون تحتها بضائعهم في الهواء الطلق، كما في الأسواق العادية التي تجذب زبائنها المتنوعين مرة واحدة في الأسبوع.
لا. لا يوجد على الطريق، في هذا المكان، سوى سياج من قصب يلاحظ من ورائه بيت من البيوت الريفية المؤلفة من غرفة واحدة أو من غرفتين، والتي تسمى (نوالة).
ولكن، أمام هذا السياج، هناك رتل من السيارات المختلفة أنواعها.
إن الصديق القديم الذي حكا لي هذه الرواية، بعد زيارته لهذا المكان، وكان ذلك منذ عشرة أيام، أحصى فيه يومها حوالي ثلاثين حافلة ومئة وخمسين سيارة خاصة وبالأجرة تقريبا.
الأمر مهم جدا كما ترون.
هذه العربات تجلب زبائن مرضى من كل الأجناس والأعمار، منهم من أتى على عكازتين، ومنهم من كان محمولا على ذراعي أحد من أهله أو على نقالة.
الجميع يأتي طلبا للشفاء. والشخص الذي يمنحهم الشفاء يدعى (الشيخ الأخضر). إنه شاب، ويبدو أنيقا في ثيابه العربية.
стр. 43
نراه يبدأ عمله في ساعة مبكرة، تقريبا مع شروق الشمس. ونراه يغادر المكان حوالي الساعة الرابعة، في سيارة خاصة يقودها سائق.
هناك حماس، وهناك أسلوب، كما نرى.
إلا أن الشيخ ليس في قليل الذوق حتى يضع تسعيرة للبركة التي يهبها. يضع الناس في كفه المبلغ الذي يشاؤون. ولكن المجموع كبير جدا على ما يبدو.
إن صديقي الذي راقب المشهد بروح المناضل الإصلاحي القديم والمخلص لعهد (بن باديس)، وفي الوقت نفسه بروح التاجر الماهر في تقدير الأشياء، كان قدر دخله في ذاك اليوم بأكثر من خمس مئة ألف فرنك قديم.
إذن ودون أن نكون مبالغين في الأمر، إن الشيخ الأخضر يكسب أكثر بكثير مما يكسبه طبيب حائز على دكتوراة في الطب.
في الواقع، ما يهمني ليس مشكلة مجبر العظام المكسورة. فاستغلال المطببين الدجالين للمرضى مشكلة توجد في كل العصور، وهي متشابهة في كل البلدان. وهي مشكلة تسترعي بالأحرى انتباه الأطباء أو وزارة الصحة.
إن ما يسترعي انتباه عالم الاجتماع هو ذلك الجانب الآخر الذي أوحى في الماضي إلى (زولا) بالتحديد روايته الشهيرة حول كاتدرائية (لورد).
إلا أنني أتكلم عن الموضوع على سجيتي. ففي إحدى مقالاتي السابقة عن (بن باديس) المتصوف، كنت قد بينت أنني لا أضمر بغضا ولا أعطي أحكاما مسبقة حيال معتقدات أو مواقف أجدها جد شريفة.
فضلا عن ذلك،- وأنا أنتهز الفرصة لأقولها هنا- إذا كنت فاجأت أحدا في مقالي، فإنه يتوجب علي أن أطمئنه أنني لم أشوه التاريخ الشخصي لمؤسس في الإصلاح
стр. 44
الجزائري. فهو بنفسه أوضح موقفه وبشكل جيد في رسالة تعود إلى سنة ١٩٢٥، حيال الفكر الصوفي الحقيقي، كفكر الجنيد مثلا.
كما أنني اليوم لا أخون عواطفي تجاه عمل تربوي إسلامي جميل كالذي تقوم به زاوية (الحمل) مثلا، في ظروف يجب على البلد فيها أن يجد معنى لقيمه الأخلاقية والروحية. لكن مشكلة المطبب الدجال التي نحن بصددها ليست مشكلة مسجد ولا زاوية. إن مثل الشيخ الأخضر ليست، من جهة أخرى، سوى حالة بسيطة. في حين يبدو أننا أمام ظاهرة اجتماعية نصادفها تقريبا في كل مكان على امتداد أرضي الوطن.
في (عنابة)، هناك (لالة الخضراء) - لا نزال في لون الجنة- التي توزع البركة اليومية على أناس يأتون للبحث عنها في دارها، في حلقات استغفار تعقدها لهم.
وفي (سوق أحرس)، هناك بائع معجزات آخر يستخرج الرصاصات التي أصيب بها المجاهدون في معارك الأدغال. ولكن، إن صدف على إثر ذلك وخطرت على بال المجاهد الذي رأى الرصاصة تستخرج من جسده أمام ناظريه، تلك الفكرة غير المناسبة بأن يستشير طبيب أشعة، فإنه حينئذ سيجد الرصاصة لا تزال قابعة بسكينة في المكان نفسه من جسده.
إنه جزاؤه ... حين ساوره الشك فهل يخطر ببال أحد أن يخضع البركة إلى إثبات بالأشعة السينية؟
إنها تجارة تزدهر في كل مكان تقريبا. ولا نتكلم هنا عن تلك العرافة، في منطقة (بليدا)، التي تكشف لأناس (محترمين) يأتون لرؤيتها- ما تراه من أشياء مدهشة من خلال بيضة.
لنعد إلى سوق (بومدفع). فهو محور اهتمامنا.
أكرر أنني أترك على حدة الجانب الذي يثير اهتمام الجهاز الطبي أو وزارة الصحة.
стр. 45
إن سوق (بومدفع) لا يثير اهتماما إلا لأنه يقدم للناظرين علامات تطور نفسي واجتماعي مهمة جدا.
وفي الواقع، إذا وضعنا أنفسنا في رؤية زمنية تعود بنا إلى الماضي، وتشمل الفترة الواقعة بين سنة ١٩٣٠ (وهي تقريبا السنة التي أسس فيها العمل الإصلاحي)، وبين سنة ١٩٤٥ (وهي السنة التي بدأت فيها الحركة المسلحة)، فإننا نجد أن تاريخ هذا البلد يسير في تطور تصاعدي.
إن كل الطاقات الأخلاقية والسياسية وكل الطموحات والضغوطات المتراكة خلال تلك الفترة هي التي تسنح للبلد أن يتجاوز المرحلة الصعبة من تاريخه، وأن يدخل في خضم ثورته التي ستكون بالضبط ذروة هذا التطور التحضيري.
إن رأس المال الثوري الذي كان متوافرا عشية الواحد من نوفبر/ تشرين الثاني من سنة ١٩٥٤، كان كا الأساس ثمرة هذا التطور الذي قامت الحركة الإصلاحية فيه بدور رئيس. وإذا كنا نلاحظ بعد الثورة حصول انهيارات سريعة في بعض المواقع، فإننا على العكس من ذلك، نجد ما يقابلها من تبديد ل بعض رأس المال الثوري. وأسارع إلى القول بأننا لا نجد هذا التبديد فقط في سوق مثل سوق (بومدفع). إن تبسيط مشكلة معقدة هو ما دفعني إلى تركيز الانتباه على مظهر من مظاهرها يبين معالم التقهقر ويعيد النظر في الهدف الرئيسي للثورة.
لقد حاولت في إحدى مقالاتي أن أبين أن هذا الهدف يقوم على أساس (تغيير الإنسان). وأضيف هنا أن هذا التغيير ليس له أي معنى ثوري إلا في إطار التقدم. وإلا يكون تقهقرا. إنه خطوة نحو الوراء بالنسبة لمسيرة الثورة.
إن الحالة التي يقدمها (بومدفع) تسمح لنا بقياس تناقض الحركة الإصلاحية التي تخلت عن مواقعها في المعركة، في الوقت الذي كانت فيه معاني الإصلاح تأخذ أهميتها في بلد يواجه فعلا تحديات لا تصدق.
стр. 46
والشيخ الأخضر ليس سوى حالة بسيطة تقدم صورة تقريبية عن التقهقر المؤسف الذي نعيشه.
بالإضافة إلى ذلك، فإننا نتساءل: أين منح هذا الشيخ إجازة ليمارس بناء عليها نشاطه الفريد من نوعه؟ يقال إن ذلك حصل في (لسنام). ولكن لنا الحق خاصة في أن نتساءل عمن يدفع للوقوف أمام نوالته كل هذه الحافلات الثلاثين والسيارات المئة والخمسين التي تأتي من كل أطراف البلد؟
إن البركة لا تنتشر لوحدها في كل طرف من أطراف العالم.
من الذي نقل شهرتها إلى أطراف العالم؟
إن أبناء جيلي يفهمونني عندما أطرح هذه الأسئلة. فمنذ عشرين سنة فقط، كان الأخوان الذين كانوا يذهبون كل سنة إلى زردة الشيخ المرابط (الولي) أو ذاك، لا يدفعون سوى نصف التعرفة في القطارات. وكان يوجد من بينهم بعض أبناء المستعمرين الذين أدركت قلوبهم شيء من الروحانيات. ولكن، كنا نعرف آنذاك على الأقل من الذي كان يسير الأمور.
стр. 47
الفصل الثاني
في البناء الثقافي
стр. 48
نداء قسطنطة
مشكلة الثقافة (*)
لقد افتتحت قسطنطة أسبوعها الثقافي الذي أراد القيمون على تنظيمه أن يكون على أشد ما يمكن من الرونق والبهاء. وأعتقد أنهم قد نجحوا في ذلك.
لقد كاد هذا الاحتفال أن يحتفظ بطابعه المحلي، وهذا الطابع بحد ذاته ذو قيمة كبيرة، لما يتمتع به أهل قسطنطة من ذوق رفيع وتقاليد قديمة غنية. ولكن الرئيس (بومدين) هو الذي دشنه، وهذا أمر يضفي على الاحتفال الطابع القومي.
وعلى هذا المستوى، يجعلنا الاحتفال نفكر عرضا بمسألة الثقافة.
أضف إلى ذلك أن الرئيس ذاته هو الذي عرض علينا هذه المسألة في شكل مشروع، أعلن عنه خلال زيارته لقسطنطة، ويتعلق الأمر بتكوين لجنة في القريب العاجل في الجزائر، تكون مهمتها وضع برنامج إنماء ثقافي على مستوى الوطن.
هذا مشروع يجب أن نصفق له بكلتا يدينا.
إلا أن التفكير لا يكون مجرد راحة عضلية، وهو ليس مجرد تصفيق باليدين نعبر به عن حماسنا، كالولد الذي ينظر بعينين يملؤهما السحر والاستغراب إلى عصفور أزرق جميل ينطلق من أمامه، إن تحقيق المشروع أو عدم تحقيقه قضية أخرى. وهي تعني المثقفين المدعوين إلى البدء بالعمل الجاد. وهم يرتكبون خطأ جسيما، إذا ضيعوا الفرصمة التي يحملها هذا المشروع الذي وعدنا به.
стр. 49
إن المشروع يتناول على الأخص مسألة، يتوجب على المثقفين أن يبحثوا فيها، طالما أن الفرصة قد سنحت لهم بذلك، أعني أن توضع للمرة الأولى كل الالتباسات الفولكلورية والسوسيولوجية التي تحيط بمفهوم (الثقافة). إن هذا المفهوم يكون في الواقع المقياس الصحيح للمستوى الحضاري في بلد معين، وللطاقة الكامنة في المجتمع، أكثر مما يقدمه مقياس الآلات وعددها.
لم تكن ألمانيا تملك سنة ١٩٤٥ الآلات ولا الماركاتا ولا الدولارات. ولا حتى السيادة القومية. لم تكن تملك سوى رأسمال واحد، لا يمكن تدميره. الحقيقة أنه لم يكن للقنابل الفوسفيرية ولا للدبابات القدرة على أن تدمر ثقافة ألمانيا، وأنا لا أقول (علمها (ولا (تقنيتها) وهما التباسان آخران يشوشان كذلك معنى الثقافة، لأنهما يضعان هذه الأخيرة تحت سلطة المدرسة أو المصنع.
ذلك أن من أعاد بناء ألمانيا بعد سنة ١٩٤٥ ليس العالم ولا التقني، فضلا عن أن معظم العلماء والتقنيين مثل (فون براوق) كان قد استولى عليهم الأميركيون أو السوفيات وعدوهم غنائم حرب. إن من أعاد بناء ألمانيا هو الروح الألمانية، روح الراعي والفلاح والعامل والحمال والموظف والصيدلي والطبيب والفنان والأستاذ.
وبكلمة واحدة، إن الثقافة الألمانية- دون التباس، ودون تضييق اجتماعي أو فكري لمعناها- هي التي أعادت بناء بلد (غوته) و (بسمارك).
إن رجل (المعجزة الألمانية) بعد الحرب ليس (إيرهارد) كما تدعي الصحف والإعلام. فقبل الحرب وقبل (إيرهارد) هناك (شاخت) وهناك (معجزة ألمانية)، وهذه الأخيرة ستتكرر طالما بقي هناك ثقافة ألمانية.
أضف إلى ذلك أن حدود (المعجزة) هي حدود ثقافية لا يمكن للمعجزة أن توجد خارجها. لقد اتضح لنا هذا الأمر مع الدكتور (شاخت)، فهو لم يستطع البتة أن يكرر هذه المعجزة التي أنتجتها- ولا تزال تنتجها- بلاده، في بعض الدول الآسيوية
стр. 50
التي استقلت حديثا، والتي استدعته لهذا الصدد، لقد بذل جهدا كبيرا، وشمر عن ساعديه، وضرب بعصاه السحرية، ولكن شيئا لم يخرج من علبة هذا الساحر، اللهم سوى بعض الخيبة.
ولنقل على هامش حديثنا لهؤلاء الناس الذين ينطقون بأصوات أناس آخرين، لا يريدون أن يعرف أنهم مصدر تلك الأصوات، لنقل للذين يظنون أن المشكلة الاقتصادية هي قضية لغة أو كلام محرف، لنقل لهم إن القضية ليست حتى قضية أرقام، وإلا لما كان ساحر أرقام مثل (شاخت) ليفشل في مهماته الآسيوية.
ولكن، لنتجاوز هذا الأمر ...
ولنلاحظ رغم ذلك هذا التأثير غير المتوقع للثقافة، حتى في الميدان الاقتصادي، غير أنني لا أعتقد أن الأسبوع الثقافي الباهر الذي تم افتتاحه مؤخرا في قسطنطة، يعكس مثل هذا التأثير في نظر الزائر أو المشاهد الذي يشارك في مسيرة هذا الاحتفال، بانتباه قد يكون شديدا، وقد لا يكون.
هنا، تبدأ المشكلة فعلا بإثارة اهتمامنا، ونحن- في الواقع- في مرحلة تحجب فيها الظاهرة الخارجية نوعا ما الطبيعة العميقة.
وهذا أمر يعرفه علماء الطبيعة منذ أمد بعيد: إن بعض الظواهر العرضية تضلل الأفكار حين تحجب- بشكل تام، أو تقريبي - الظواهر التي تكون موضوع الدراسة.
إن مفهوم الثقافة أيضا محجوب اليوم بعض الشيء بالإنتاجات الثقافية التي تعرض أمام أعيننا في أشكال فولكلورية وحرفية، وذلك أثناء هذه الاحتفالات المثيرة للاهتمام، والتي علينا أن نشجعها.
إننا نجد - في بعض الأحيان، على مقربة من مصنع للمعادن- أكواما من المناشير، أو بقايا المعادن، أو حتى صفائح جميلة من الفولاذ، تأتي كلها من آلات الصقل أو التلميع أو من آلات التركيب. ونجد ضمن هذا المصنع كذلك آلات جميلة جدا.
стр. 51
كل هذا يكون- في الحقيقة- جزءا من الإطار العام، وهو لا يشوهه في شيء، بل إنه لا ينفصل عن طبيعة التعدين ذاتها أو عن الصناعة بشكل عام، إلا أن كل هذا في نهاية الأمر لا يكون التعدين ولا الصناعة، فهذا ليس هدفها ولا مضمونها.
كذلك أمر النتاجات الفرعية أو النتاجات المباشرة للثقافة، إنها ليست سوى الثقافة ولا تقدم أي فكرة عن أوائليتها ولا عن دورها في المجتمع.
يترتب علينا إذن، أن نعرض للمشكلة بطريقة منهجية، علينا أولا أن نحكم بالعدل على بعض الخلط وعلى بعض الاستعمال المفرط للكلمات، مما يجعل مفهوم الثقافة أمرا غريبا، لا أصل دقيقا له ولا معنى واضحا.
علينا أولا أن ننتهي من البلبلة الفكرية المضرة جدا، والتي تجعل من كلمة ثقافة مرادفا لكلمة (علم).
هناك كلمة ل (رابليه) تبت في هذه القضية بتا قاطعا. يقول هذا الأب الروحي (للأنسية) الفرنسية: "العلم بلا ضمير مفسدة للروح).
إن العلم يعطي المعرفة، إنه يعطي اللباقة والمهارة، وفقا للمستوى الاجتماعي الذي يتم عليه البحث العلمي، والعلم يعطي امتلاك القيم التقنية التي تولد الأشياء.
والثقافة تعطي العلم، إنها تعطي السلوك والغنى الذاتي الذي يتواجد على كل مستويات المجتمع؛ والثقافة تعطي امتلاك القيم الإنسانية التي تخلق الحضارة.
الثقافة والعلم ليسا مترادفين.
الثقافة تولد العلم دائما، والعلم لا يولد الثقافة دوما، ولا يمكن استبدال أحد هذين المفهومين بالآخر. إن هذا التمييز أساسي، أولا لدى وضع برنامج يهدف إلى الارتفاع بثقافة بلد ما إلى أعلى مستوى من مستويات الحضارة، وثانيا في فهم الظواهر الاجتماعية والسياسية ذات الأهمية الأساسية.
стр. 52
إن فيتنام لم تستطع أن تجابه الإمبريالية بالعلم الذي لا ينال في مراحله الأولى، وإنما بإدراك يجسده زارع الأرز كما يجسده صاحب أعلى رتبة، أو المفكر الأشد اطلاعا.
كذلك، لم يستطع الشعب الجزائري أن ينتزع استقلاله بالمعرفة التي تتمتع بها النخبة فيه، بل بالإدراك الذي وجد على المستوى الشعبي في وجه الاستعمار. هناك مشكلة تطرحها النخبة، خاصمة إذا أخذنا بعين الاعتبار تلك النخبة التي استقلت في الخارج (هناك ٣٠٠ طبيب مقيم في منطقة باريس ليس في إلا).
وأخيرا، لم يحصل فشل عسكري في سيناء، كما يقول أحد علماء الاجتماع الفرنسيين، بل ظهر (فشل ثقافي) في حزيران الماضي. لم تكن القضية قضية إخفاق العلم العسكري بل إخفاق الثقافة وحسب.
هكذا هو الأمر، في كل الأوقات الصعبة في التاريخ: الثقافة هي التي تكون طوق النجاة للمجتمع، حين يتعرض لخطر الغرق.
أضف إلى ذلك أن العلم غير شخصي (موضوعي)، بمعنى أن رجل العلم يكون دائما إنسانا يراقب الأشياء، ليسيطر عليها، وليحسنها، تلك هي النظرة المنهجية (الديكارتية) لعالم الظواهر.
ولكن الثقافة أكثر من ذلك، إنها تخلق الإنسان الذي يراقب، ويراقب ذاته في بادئ الأمر. تلك هي نظرة الغزالي أو (باسكال) اللذين كانا يبحثان عن تناسق بين عالم الظواهر وعالم الداخل، تلك هي النظرة التي تسمح للإنسان أن يسيطر على ذاته، وأن يسيطر على الأشياء التي ابتدعتها عبقريته، أي بكلمة مختصرة أن يتحضر.
ومن المؤكد أن للثقافة نتاجاتها، كما للصناعة نتاجات (كصناعة المعادن، مثلا)، حتى إن لها نتاجات ثانوية.
стр. 53
ولكننا نعلم أن النتاج إنما هو تمثيل لمن ينتجه، إنه رمز بليغ ومؤقت، فالصاروخ الذي ينطلق باتجاه كوكب بعيد، ليس سوى رمز للحضارة التي ابتدعته؛ وبالأحرى عندما يتعلق الأمر بالنتاجات الثانوية، يمكن لهذه الأخيرة أن تكون العديد من الأشياء التي تلفت انتباه السائح المتلهف لكل ما هو غريب.
قس- على ذلك- المستوى الذي يهمنا هنا. هناك ثقافة، وهناك نتاجات هذه الثقافة، وهناك حتى نتاجاتها الثانوية.
إن هذه الأفكار تخطر في بالنا غداة رحلة الرئيس بومدين إلى قسطنطة، وعلى الأخص حين أعلن عن تكوين لجنة تهتم بوضع برنامج تثقيفي، ونحن نعتقد أن الأمر سيتعلق- خاصة وقبل كل شيء- بمسألة الثقافة القادرة على خلق الإنسان الجديد في الجزائر وتصعيده.
ولنضف إلى ذلك أن هذه المسألة تطرح حتى على الوجه السياسي، كما تطرح في هذه اللحظة في الصين في شكل ثورة ثقافية.
ونحن نكون بسطاء جدا لو ظننا يوما ما أن الاستعمار عندما يعد حقائبه ويرحل عن بلد يستعمره، يترك المكان وراءه وبكل بساطة نقيا سليما.
ونكون كذلك أشد بساطة إذا ظننا أن الاستعمار يخلي وراءه فقط وفي بعض الأحيان الفيتنام هنا والكونغو هناك والبيافرا بعيدا، إنه لا يترك دائما كل هذا وراءه بالتأكيد، وهذا أمر معروف من الجميع، ولكنه على الدوام ودون أي استثناء، يترك وراءه الطابور الخامس، طابور خدامه القدامى، أو كما قال الرئيس بومدين، طابور بقايا الحركيين.
وهنا تبدأ وتستعاد مأساة البلاد التي غادرها الاستعمار ظاهريا. ذلك أن بقايا العهد الاستعماري لا تبقى مجرد (كومة) يمحوها مرور الوقت ويفتتها شيئا فشيئا.
стр. 54
نكون ساذجين حتى إذا ظننا ذلك، إن هذه (الكومة) المتروكة في المكان المغادر ستعود إليه لتصبح بسرعة (كلا منظما)، وذلك بتأثير إرادة منطمة لا تضيع أبدا وجهتها. وهي ستصبح ثانية أخطبوطا متعدد الأرجل، يملك أرجلا محلية، ورأسا مفكرا في الخارج.
ولا بد عندئذ منا كارثة، كتلك التي حصلت في سيناء لكشفه، ولا بد من ثورة ثقافية تفصل أرجله الرخوة عن رأسه المتين الذي يفكر.
إن الثورة التي حصلت في الصين ظاهرة من الظواهر الأساسية لثقافة الصين الجديدة على الصعيد السياسي. فقد فككت هذا الأخطبوط الذي كان يكون الطليعة، والآلة المحلية للهجمات الاستعمارية المقبلة.
ولكن الزوبعة الثورية الجديدة في الصين فككت تلك الآلة. ولم تعد الأرجل المتعددة تستطيع منذ ذلك الوقت أن تقوم بوظيفتها المعتادة حين ترسل الرأس المفكرة إليها أوامر، من خلال شبكه الأرجل التي فقدت سيطرتها عليها، إنما الثقافة تتضمن كل ذلك، وعلى الأخص في بلد ثوري مثل الجزائر.
إن النداء الذي وجه في قسطنطة إلى الطاقات الفكرية في هذا البلد سيكون له بالتأكيد صدى عميق في صفوف النخبة.
يترتب على هذه النخبة أن تقوم بدورها في بناء المجتمع الجزائري الجديد، إن عالم الأفكار لدينا يجب أن تبنيه تلك النخبة، تلك هي مهمتها الأساسية، وعليها- في هذا المجال كذلك، ودون شك- أن تحرر أذهاننا من بعض البلبلة التي فيها. والعالم ليس مجرد (تكوين) للأشياء وللأفكار، على الأخص، فيما يتعلق بالأفكار التي يعني تكوينها الاختلال والفوضى والتوفيقية والمواطنية العالمية، أي كل ما يجعل الفكرة تفقد أصالتها وقيمتها البناءة.
стр. 55
ليس هذا وقت الكلام عن الأسلوب. ولكن لنقل بكل بساطة إن الأنبياء اعتمدوا الأسلوب الأشد بساطة في كلامهم إلى الجمهور. وكبار الثوريين مثل (ابن تومرت) و (لينين) و (ماوتسي تونغ) استعملوا كذلك تلك اللغة. كذلك اعتمد المفكر (نيتشه) تلك اللغة حين وضع في أسلوبه طراوة الأسلوب التوراتي التي لا توجد في أسلوب أي فيلسوف غيره.
إن مسألة الثقافة يجب أن تطرح، وأن تقوم فكريا، وفقا للنظام الهرمي للحضارة.
فالحضارة ليست (كومة) من الأشياء والأفكار ولكنها بناء يعكس عبقرية البلد وشخصيته، ولا بد أن نتمنى من جهة أخرى أن تعمل اللجنة أو المجلس المخولين بوضع برنامج العمل وعرضه على نخبة بلدنا، أن تعمل على تذكر شروط هذا العمل، بما في ذلك شروط توزيع الكتاب، وعلى الأخص ثمنه.
وهنا تطرح مسألة ال ( SNED) برمتها ولن نضيف أكثر من ذلك، ونحن لا نقوم أكثر من أن نقيس أهمية هذه المسألة حين نقول إن ميدان الأفكار اليوم هو الميدان الأشد تجمدا في بلدنا.
إن مفكرينا أو أغلبيتهم لجؤوا إلى جبل جليدي بعيد. ولا بد من نفس ثوري جديد لكي يذوب هذا الجليد، ولكي نجعل تلك البطارقة الحردانة تأخذ اندفاعا جديدا.
هذا النفس جاء على ما أظن من قسطنطة.
стр. 56
اللغة والثقافة (*)
منذ عدة أيام، كنت في أحد مكاتب البريد، أتحدث إلى الموظف، الجالس وراء النافذة، باللغة العربية. وكان في كل مرة (يجيبني) باللغة الفرنسية. لن أقول هنا كل انطباعاتي حول هذا الحوار أمام نافذة في إدارة رسمية. إذ يمكن أن نوجزها في كلمة احدة: "أتمنى على الإدارة الجزائرية أن تعتني اعتناء أكثر بالعلاقات العامة لديها".
هذا التمني لا يقتصر على الموظف البسيط القابع وراء نافذته، بل يتعدى ذلك إلى الموظف المحترم الجالس وراء مكتبه الوقور.
وما أريد أن أقوله هنا إن هذا الحوار من وراء نافذة قد أدى بي إلى كتابة هذا المقال.
ولا يتعلق الأمر هنا بخلل في طريقة التعامل. فقد بدا لي الأمر أشد شذوذا لأن هذا الرجل الذي كان يصم أذني من وراء نافذته بفرنسيته الركيكة، كان قد توجه بالحديث لتوه إلى أحد زملائه ببضع كلمات عربية سليمة.
ومما جعل هذا التصرف أشد استهجانا في نظري، أنه يجسد نوعا من التنافر المتعمد في الوسط الذي أوجده مرسوم إدخال اللغة العربية في الوظائف الرسمية.
ولا بد من أن نضيف، أن الرئيس بومدين، يعطي في خطاباته المثل الحي، على الالتزام بالتعريب الحكومي.
ولنضف أيضا لأولئك الذين في نظرهم أن الحقيقة تأتي دائما من وراء حدودنا، بأن المثل يؤخذ من الفيتنام.
стр. 57
آه! تلك هي حجة دامغة! إن الوزير الفيتنامي، الذي يشرف بلادنا بزيارته، قال في حديث خاص: إن الأجانب الموفدين أنفسهم ملزمون، في بلده، بالتكلم باللغة المحلية.
ونحن في الجزائر لسنا بعد بمثل هذا التشدد. ولكن على الأقل، ليقدم موظفونا بذاتهم المثل على ذلك.
صحيح أن مشوهي التعريب ليسوا حديثي العهد. فمن الممكن أن نردهم إلى أمد بعيد، حتى في الدول ذات الثقافة العربية، مثل مصر. ففي بداية هذا القرن، امتدح مفكر بارز من الطائفة القبطية، استعمال اللغة المصرية في الأدب. وكذلك في بلدنا. هؤلاء المشوهون ليسوا حديثي العهد أيضا. بل لقد سار الصراع من أجل التعريب على قدم المساواة مع عداء مجنون للعربية، ومع رغبة ملحة لمحوها.
وبالطبع، بلغت ذروتها تحت الحكم!!
ولنعطي فكرة عن ذلك، ننشر هنا المقال الذي خصصناه لهذا الموضوع، ونشرناه في مجلة؟ .. في العدد السادس من حزيران سنة ١٩٤٨. "لقد افتتحت الجمعية العامة، في جلستها السابعة، نقاشا حول جدوى اللغة العربية، في داخلها".
وقد اكتسب هذا النقاش منحى قانونيا، وآخر ثقافيا (تكلم عنهما) السيد (جو- بريسونيار) ببلاغة بسيطة ودقيقة. ولا نحاول هنا أن نتناول هذه الحجج القانونية، التي دعم بها الخطيب قضيته. فهذه أمور نترك للبرلمانيين والموفدين أمر تقدير إهميتها.
والعكس، فإن السمة الثقافية لهذه القضية، تهم كل مفكر، يعد اللغة وسيلة أساسية لتطوير (الفكر الشعبي) إلا أن الفكر العربي وأداة تعبيره، أي اللغة العربية، لا يقترنان اقترانا لا رجوع عنه بشكل معين من أشكال الحياة، بل إنهما يتكيفان، أو يجب أن يتكيفا، مع كل مظاهر الحياة، وخصوصا في وسط الجمعيات.
стр. 58
الحقيقة أنه توجد تقنية برلمانية. ولكن هذا التأكيد الذي لا يمكن إنكار حسن النية فيه، يضع نوعا من الحد العشوائي لرسالة اللغة العربية. ولكي نكون عادلين في حكمنا هذا، نود أن نستشهد، بادئ ذي بدء، باعتراض أستاذ موثوق به في هذا المضمار، هو ماسينيون. لقد قال لنا هذا المستشرق البارز مؤخرا: إن اللغات السامية تمتلك تركيبا مزدوجا: الأول هو ما سمح لها بتلقي الكتابات المنزلة، والثاني يتعلق نوعا ما بما سمح لهذه اللغات، فيما بعد، أن تلحق وأن تقود كل الفكر الإنساني، وعلى الأخص الفكر العلمي، خلال مئات السنين.
الواقع أن السيد (جو- بريسونيار) لم يخطئ البتة في تأكيده أن "اللغة الفرنسية تعبر أفضل تعبير عن العلوم الوضعية والفكر الغربي". ولكنه يشوه التاريخ، حين يضيف، بالأسلوب نفسه، وبخصوص الفكرة ذاتها، أنها (وارثة الحضارة اللاتينية اليونانية). لكنه لو ادعى لهذا الفكر بميراث الثقافة القروسطية (ثقافة القرون الوسطى) بدءا بالقديس توما الإكويني، لكان ذلك أشد عدلا وأصوب.
في الحقيقة، الفكر العربي واللغة العربية، هما اللذان التقطا التراث اليوناني ونقلاه، بعد أن طوراه تطويرا ملحوظا، إلى أوروبا في القرون الوسطى. ولا شك أن السيد (جو- بريسونيار) يسلم بأن التقاط هذا التراث، وتطويره ونقله، يتطلب من اللغة العربية، أن تكون شيئا يختلف عن (لغة الدنين) البحتة. والواقع أن هذه اللغة إذا كانت تستطيع اليوم أن تصبو، بوجهها الديني، إلى عالمية حقيقية لكونها تعبر عن فكر ٥٠٠ مليون مسلم، فإنها تستطيع كذلك، أن تعبر عن الفكر التقني لأي حضارة كانت، كما كانت تفعل منذ زمن بعيد في قرطبة وبغداد، إبان العصور الذهبية.
أليس شيئا معبرا أن تكون اللغات الأوروبية، وعلى الأخص اللغة الفرنسية، قد أخذت عن اللغة العربية التقنية التي كانت الأساس اللساني لانطلاقة العلوم الحديثة؟
стр. 59
أليس شيئا معبرا، أن تكون كلمة ( chiffres) ( الأصل صفر ومعناها العدد) ذاتها (من أصل عربي) في كل اللغات الأوروبية؟
مما لا شك فيه أنه يتحتم على العرب، أن يقوموا بالقفزة ذاتها التي حدثت منذ ثلاثة عشر قرنا؛ لكي يترجموا من جديد الفكر العالمي، وحتى الفكر السياسي.
هذه دعوة لا أعتقد أنه يمكن تجاهلها في رأيي. فهي تمنح مسألة التعريب بعدا تاريخيا.
стр. 60
التفكر وردات الفعل (*)
يلاحظ المراقبون المهتمون بالتطور الاقتصادي في العالم من خلال عواطفهم المختلفة التي نقدر وجودها وفقا لانتماءاتهم الجغرافية والسياسية، يلاحظون أن هذا التطور لم يكن قط ملائما للدول المتخلفة.
ففي خلال العشرين سنة التي تلت الحرب العالمية الثانية، لم يستطع هذا التطور أن يبدد تخلف تلك البلاد الاقتصادي أو على الأقل أن يخفف من غلواء هذا التخلف. ويبدو، على العكس من ذلك، أنه عمل على زيادة حدة هذا التخلف في تلك الحقبة التي تتطابق، فيما يخص مجمل هذه البلاد، مع وصوالها إلى الاستقلال السياسي.
ومن جهة أخرى، لا يبوح هؤلاء المراقبون بكل نتائج هذا التخلف؛ ولا يرونها، بل إنهم يحرصون على البقاء (موضوعيين) أمام تلك الظاهرة.
ولكن من الأصح أن دوي هذا التخلف يتجاوز الميدان الاقتصادي تجاوزا بعيدا، فلهذه الظاهرة- على الأخص- نتائج نفسية غير متوقعة، وهي لم تفلت من مراقب متنبه لأمور العالم الثالث، وهو (تيبور ماند) ( Tibor Mende) ، فقد سجل في إحدى دراساته المشهورة التي خصصها للهند ملاحظات مثيرة جدا وذاتية، وهي ملاحظات دونها مباشرة من خلال أحاديثه مع أناس من العامة مثل (بواب الفندق) أو (حامل الحقائب في إحدى المحطات).
стр. 61
لقد عبر له هؤلاء الناس بوضوح، قد يكون كبيرا أو صغيرا عن نوع من الأسف لرحيل المحتل البريطاني الذي برحيله ذهب البقشيش الذي كانوا يعتاشون منه.
هذا يعني- إجمالا- أن الحرية ليست مربحة بالنسبة لهؤلاء الناس. فهل هم خونة إذن؟ كلا، إطلاقا. إن أمور النفس البشرية ليست بمثل هذه البساطة، فهذا (البواب) وهذا (الحمال) إذا رأيا المحتل البريطاني يعود إليهم فإنهم سيحملون السلاح ضده أو إنهم سيشهرون بوجهه سلاح المقاومة السلبية كما في أيام (غاندي).
هنا تكن الحقيقة المرعبة، وحسب. إن الحرية عبء ثقيل على الشعوب التي لم تحضرها نخبتها لتحمل مسؤوليات استقلالها.
كان من السهل جدا أن نشتم الاستعمار أثناء فترة ما قبل الثورة، لقد اتبعنا هذه الطريق دون أن نتناول- ودون أن نطرح- أي مشكلة من مشاكل الاستقلال قبل استحقاقها المرعب، هذا الاستحقاق الذي يزرع اليوم القلق في نفوس عامة الشعب، ويزرع الركود الاقتصادي، وأحيانا الفوضى السياسية في معظم بلدان العالم الثالث. ما هو الحل إذن في هذه الحالة؟ للجواب على هذا السؤال، عاد بعضم بكل بساطة إلى ركوب حماره العتيق، وصرخ: فليسقط الاستعمار، ولكي يكون أشد حداثة أخذ يصرخ: فليسقط الاستعمار الجديد.
ومما يزيد الطين بلة أن الحوادث المأساوية التي تحدث في فيتنام، تعطيهم الحجة فيما يقولون.
ونحن نتساءل رغم ذلك عن المدى الذي تذهب فيه حجة ظروف حرب فيتنام؟
إنها لن تذهب بعيدا كما هو واضح ..
ثم ماذا بعد ذلك؟ الاستقلال هنا، ومشاكله هنا أيضا، وهي تلغ أكثر من أي وقت مضى. إن الآلام التي تثقل كاهل شعوب العالم، باتت أشد ما يمكن من الإقلاق.
стр. 62
يجب وضع حد لكل ذلك، وأن نجد هذا الحد بهدوء، ودون ضوضاء.
لقد كدنا نجده في مؤتمر (باندونغ) الذي ألقى عليه (جان روسي) لقب (مؤتمر الشرف)، لما كان فيه من تنظيم عال، ولأننا لم نكتف فيه بالصراخ والتعبير بالحركات الكثيرة وحسب. لقد كان ذلك انتصارا معنويا للشعوب الإفريقية والآسيوية: إنه انتصار التفكير على ردات الفعل.
كان ذلك مهما جدا، ولكنه لم يكن كافيا، بل كان يجب أن ينبثق من هذا التفكير سلسلة تغييرات حقيقية وثورية، في العلاقات بين البلدان المعنية، وفي العلاقات المشتركة مع عالم الاستعمار والتطور، أو عالم الاستعمار الجديد، كما تشاء، وللأسف، ظل مؤتمر (باندوغ) دون نتيجة، فقد تم وبكل بساطة الاكتفاء بتكرار الصيغة: فليسقط الاستعمار، والاستعمار الجديد، والإمبريالية ..
وباشر شارحون ملهمون- نعرف هويتهم- بالعمل على دراسة كلمة (الإمبريالية)، وكان في نظرهم إمبرياليتان: إمبريالية (اليمين) وإمبريالية (اليسار).
قد يكون المصطلح السياسي في الدول المتخلفة ربح مفردة جديدة، ولكن تخلف تلك الدول ربح كذلك قليلا، ماذا أقول؟ لقد تفاقم وتقدم خطوات وخطوات.
وحقا (تلاميذهم) الأطباء والمهندسون والأساتذة إلخ ... الذين دربوا على نفقتهم، رحلوا وسلكوا الطريق ذاتها التي تسلكها المواد الأولية (بترول- مطاط- إلخ)، واستقروا في البلاد المتقدمة.
ولكي نفهم خطورة تلك المشكلة، يترتب علينا أن نقرأ حول هذا الموضوع من منظمة الأمم المتحدة، فعالم الاجتماع الإيراني الذي أوكل إليه وضع هذا التقرير، يبين كيف أن الدول الصناعية تضخ بكل ما في الكلمة من معنى أدمغة العالم الثالث، كما تفعل بالنسبة لموادها الأولية. هناك رقم لم يذكر في التقرير، ولكنه يعطي فكرة عن
стр. 63
خطورة هذا الوضع: هناك أطباء جزائريون يعملون في فرنسا (حوالي ٤٠٠) عددهم أكبر من عدد الأطباء العاملين في الجزائر، هذا موجب للعبرة!
ولكن في بلد مصاب بمثل هذا النزف، لا نفكر حتى في طرح المشكلة.
وهذا أيضا موجب للعبرة!
هذا حدث عنيف كان الأجدر به أن يثير جوابا ملائما، أي علية تفكير، لكنه يثير ردات فعل: فليسقط الاستعمار، وليسقط الاستعمار الجديد، ولتسقط الإمبريالية، إمبريالية (اليمين) (وإمبريالية) (اليسار) طبعا.
ها .. ! إلى الأمام يا حماري! ولكن ظهر المحار قد وهن، ولا يمكن أن نمارس فوقه كل هذه البهلوانيات المعتادة، بل يجب أن نجد حمارا يحمل خطايا تخلف العالم الثالث.
لقد فكرنا بذلك في جو الوجوم الذي أصاب العالم العربي غداة الخامس من حزيران الماضي. نصرخ ضد العدوان وحسب ... عدوان إسرائيل وعدوان صديقها (جونسون).
لقد حدث أمر جديد في تلك المناسبة، لقد صرخنا ضد الخيانة.
ولكن إلى أي خائنين كان يشير هذا الشعار الجديد؟ أيشير إلينا نحن- أنفسنا- حين نخون واجباتنا؛ وندق بأيدينا إسفينا في نظام دفاعنا السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي ضد الإمبريالية؟ كلا إنه يشير إلى كل الناس: على يميننا وعلى يسارنا، أمامنا ووراءنا.
لابد أن (هنيبعل الصغير) (موشيه دايان) قد ابتسم من الرضى يوم سمع شعارنا ضد موسكو. ولحسن الحظ أن القادة العرب، على الأقل القادة في القاهرة، وفي الجزائر، وضعوا حدا لتلك الأشياء.
стр. 64
وعلى أي حال، لم يكن لكل هذا الأمر أهمية في جو الرعب، في جو الجنون الجماعي، كل الشعوب تتفوه بالحماقات في لحظة الأزمات، وحتى رجال الدولة كذلك، كما فعل (بول رينو) ( Paul Reynaud) في إحدى أمسيات حزيران من العام ١٩٤٠.
ليس هناك إذن من داع لأن نلوم أنفسنا إذا قلنا بعض الحماقات في لحظات الرعب، فهذا إنساني.
ولكن لابد من التييز، فالمحاقة التي (تقال) تذهب مع الريح، أما الحماقة التي (تكتب) فهي لا تمر سريعا، بل من الممكن أن تتحد مح التفكير، وأن تصبح مسلمة، فتعرقل لاحقا التفكير والعمل في آن معا. ويمكن في ما بعد أن تتخذ صلابة العقيدة في الأطروحات الجديدة لبعض الشارحين، وهذا ما بدأ يحدث في هذه اللحظة في بعض الدراسات التي تتم حول المشاكل الاقتصادية للعالم الثالث.
إن التخلف لا يتعلق بالإنسان المتخلف فحسب ولا ببعض الدول المتطورة التي تضخ أدمغته القليلة كما تضخ مواده الأولية الثمينة.
لقد اكتسب التخلف بعدا جديدا في بعض الدراسات التي تتضن أيضا (بكين) و (موسكو) هذا هو (الحمار) الجديد الذي نوشك أن نمتطيه في حال اتباعنا تفسيرات هؤلاء الاقتصاديين العابرين.
إننا نجد نموذجا من هذا الشرح الجديد في مجلة متخصصة بمشاكل العالم الثالث، وهي تصدر في (روما) تحت عنوان (القارات الثلاث)، فهذه المجلة تخصص في عددها الأخير (العدد الثالث) دراسة شاملة لمشكلة المواد الأولية، والمقصود هنا (معركة المواد الأولية). يبدأ كاتب المقال بملاحظة عامة تبين كيف أن العالم الثالث يتلق أي مساعدة من دول المعسكر الشرقي، الذي أغدق عليه الكلمات المعسولة.
стр. 65
ثم تتحدد التهمة، يضيف صاحب المقال: "ولكن يليق أن ننبه إلى أن الاتحاد السوفياتي والديموقراطيات الشعبية والصين يعملون بصفة عامة وكأنهم مشترون تقليديون تماما".
ولكن هذا الانتقاد بحد ذاته أليس هو تقليدا كذلك؟ من الواضح أنه يطرح المشكلة بأسلوب تقليدي، وذلك حين يضع كامل تبعات تقهقر عناصر التبادل في أسواق المواد الأولية، على التفكير الشيطاني (للمستغلين)، وذلك دون أن يأخذ بالاعتبار ردات الفعل الفوضوية للذين يخضعون للاستغلال.
أيضا، هذه الطريقة في رؤية المشكلة تقليدية، كذلك: إنها حمار عتيق، ذلك لأن ما ينظم التبادل في الأسواق ليس روابط الصداقة، بل الروابط الاقتصادية، فالعواطف النبيلة والنوايا الحسنة لا تستطيع شيئا، حيال القانون الصارم للعرض والطلب.
وإذا كانت بكين وموسكو في إطار اقتصادي وسياسيها معين، تستفيدان من هذا القانون في الأسواق كما تستفيد سائر دول المعسكر الصناعي، فذلك ربح يعود إلى الروابط العامة التي ترتبطان بها نفسهما من خلال اقتصاد العرض والطلب.
ذلك أن تلك الدول ملزمة في الأسواق بتأمين وجود مزدوح، من حيث هي بلاد تستورد المواد الأولية مثل أميركا، ومن حيث هي بلاد تصدر هذه المواد الأولية محولة مثل ألمانيا إذا أردت. ويستقر إذن ميزانهم الاقتصادي لعلاقاتهم مع العالم الثالث من جهة ومع العالم المتطور من جهة أخرى، لدرجة أن كل تغيير أحادي الجانب، يطرأ من جهتهم على علاقاتهم مع العالم الثالث، يخل بالتوازن، ويسيء إلى علاقاتهم التنافسية بعضهم مع البعض الآخر.
فتحديدهم لأسعار المواد الأولية لا يمكن إلا أن ينظم بتلك المقاييس التقليدية، تماما كتحديد المواد الصناعية.
стр. 66
ولا يمكن إذن أن يأتي تغيير (للعلاقات التقليدية) من قرار حر تتخذه موسكو أو بكين.
وبكلمة أخرى، لا يمكن أن يأتي التغيير من (الطلب) الذي ليس له أي فائدة في ذلك التغيير، والذي ليس له- في آخر الأمر- أي سلطة على التغيير في السياق الاقتصادي والسياسي الحالي. لا يمكن للتغيير إلا أن يأتي من (العرض)، أولا، لأن من صالحه أن تتغير تلك العلاقات التقليدية، ولأنه يملك المقدرة على فعل هذا التغيير بواسطة تنظيم ملائم لإنتاج المواد الأولية وطرحها في الأسواق.
ليس المقصود أن نذهب إلى (نيودلهي) مزودين بأمنيات حارة، بل بقرارات ناضجة فكريا، وجاهزة للتنفيذ داخل حدود الدول المعنية بالأمر، وذلك لكي نحصل في الخارج على أقصى مستوى من التأثير في الأسواق.
دون تفاؤل ودون تشاؤم، أقول بأن ذلك لا يحتمل البتة أن ينفذ في الظروف الراهنة. ففي الجزائر، وضع (ال ٧٧) أقدامهم على مدرج مطار آخر.
стр. 67
تأملات على قبر دينيه في بوسعادة (*)
كان ذلك على قبر "دينيه"، البارحة، حينما عادت بي تلك الفكرة القائمة إلى الذاكرة. لقد وجدتها، إلى ربع قرن مضى، على شفاه امرأة عجوز من تبسة، كانت تشعر لثقل أيامها الموحشة.
فقد ضربت عائلتها بغير ما شفقة، لأسباب لم تبح بها تلك العجوز؛ لعله العنفوان أو التجمل. كل ما عرفته أنه لم يكن من الممكن الحديث عن نجدتها من تلك التعاسة الإنسانية.
حقا فإنه حينما يقرر الاستعمار النيل من شخص ما، فإنه يتركه خيالا ووهما دون حياة، والويل حينئذ لمن يأتي إليه مسعفا أو مخففا من بلوائه، الويل لمن يمد إليه يد إخاء تخفف من غلواء بؤسه.
في بداية هذا القرن، عاش الشعب الجزائري أحلك أيامه. فبعد الانتفاضات الأخيرة لمقاومته البطولية، لم يعد وجوده سوى وهم وخيال، يأخذ طورا شكل الخضوع الكامل (الحتمية كما سيقول ممتهنوه ومذلوه)، وطورا آخر يأخذ شكل الإغراق في الأسطورة.
لكن إيمانه قد ساعده على تجاوز ضعفه، ومعاداة الأيام له، لا بل زانه بشيء من الأصالة، وشعاع ساحر غامض يلفت الانتباه، وقد يغري تعاطف الحس الرهيف، إذ جاء من بلاد بعيدة.
هكذا وقعت دي كاسترز في سحر من الأغواط.
стр. 68
وإيزابيل إيبرهارد، سوف تعيش تحت تأثيره في تلك المغامرة المجنونة، التي ستنتهي بالمأساة في عين الصفرا، ثم ذلك الضابط الشاب الشهير، والذي سيصبح الأب فوكود، إذ تتلقاه عمته العجوز بحبور، وتقيم حفلة استقبال على شرف عودته من الجزائر، لكنه يطلق أمامها تنهيدة:
آه! يا عمتي لم لم أولد مسالما؟
فالشعب الجزائري المحطم، المعرى، المسلوب، الأمي، المستذل، يلهم مع ذلك تلكم الأرواح المختارة، اتجاهات سامية فيها المخاطر كلها.
ففي ذلك العصر عاش الشعب الجزائري أيامه الأكثر ظلمة بلغت مداها في هوان لا إنسانية فيه، ولا رحمة.
وفي ذلك العصر اكتشف الرسام الشاب إتيين دينيه الجزائر، لكن فنه لم يكن بعد قد سلك رسالة ما.
لقد حالفه الحظ بدون شك، إذ هبط (بوسعادة). ويمكن لنا أن نتصور اتصاله الأول بتلك الطبيعة، حيث نظرته كرسام، قد أخذت على غرة بطبيعة لم تألفها. إنها الخضرة الداكنة والتربة الصلصالية الحية.
فحينما تسلق لأول مرة، ذلك الطريق المتعرج، الذي يقود إلى الجانب الآخر من الوادي، أي المكان الذي يوجد فيه اليوم قبره، فقد استشعر نشيد الألوان يتسرب إلى روح الفنان في نفسه. وفي تلك اللحظة من النشوة، فإن نظرته اكتشفت وراء ذلك الأفق الأكثر اتساعا.
فهنالك أولا منبسط الوادي، حيث برك الماء التي تمتلئ إثر كل شتاء، وتنثر هنا وهناك بقعا خضراء على صفحة صهباء مليئة بالحصى. فإذا سرح النظر إلى أعلى قليلا، فهنالك إلى الأمام يبز إكليل داكن متدرج من شجر النخيل، وفي القمة من المنظر
стр. 69
ذلك الخط الأصهب من بيوت الطوب لبلدة بوسعادة القديمة. وفي فرجة من جنوبي الواحة هنالك المدى الذي أمسك بالعديد من الأرواح. كروح إيزابيل إيبرهارد.
إتيين دينيه لم يكن، فحسب؛ الرسام الذي استيقظت هنالك رسالته، التي أخذت به إلى مداها.
وهو لم يكن، فحسب؛ الشاعر الذي استسلم لسحر ذلك النداء الخفي. لقد كان ذلك كله بل أكثر.
ففي الواحة هنالك حياة إنسانية، سوف يكتشفها وهو يجتاز طرقاتها الضيقة. هذه الحياة لها ألوانها الخاصة بها، والتي تتحدث إلى الشاعر وإلى الرسام.
فلوحاته .. كلوحة (النساء الذاهبات إلى الزيارة)، أو لوحة (التماس هلال رمضان) هي قمة الإبداع الفريد في التعبير عن الأشكال والحضور الإنساني.
لقد كان دينيه، كما أعتقد، الريشة التي أعطت لتلك الأشكال اللهجة الأكثر تأثيرا، واسمه سوف يبقى ذلك الرسام الأوفى بحياة الجنوب.
لكن حياته الإنسانية سجلت جانبا مؤثرا لا يمكن لريشة أن ترسمها.
لقد كان في هذه الحياة جوانب خاصة مليئة بالألم، تترجم مأساة ذلك العصر. فخلف الأشكال والألوان، هنالك الحقيقة المرة للعصر الاستعماري، وقد أفاضت في شعور إتيهين دينيه.
هذه الحقيقة اكتست بنظره وجهين: بؤسا لا مسمى له، وسكينة لا حدود لها. وكلاهما استأثرا به فجعلا من نفسه مؤمنا ومكافحا. وتنهيدة الضابط الذي أضحى الأب فوكولد؛ ها هي على شفتي إتيين دينيه شهادة: إنني مسلم.
стр. 70
وهكذا سوف نرى إتيين دينيه، يعلن على الملأ إسلامه في يوم من نحو عام ١٩٢٩، أمام جمع من المسلمين، ومن وجوه الإصلاح المرموقة. وهو سوف يسمي نفسه منذ ذلك الحين نصر الدين دينيه.
لقد كان ذلك انقطاعا عن وسطه وعن عائلته .. هذا الانقطاع الذي تم فعلا قبل ذلك لدى دينيه، بروح المكافح.
والبقعة التي تملكها واختارها بذوق الفنان، ليبني عليها مستقره الأرضي، والتي أضحت فيما بعد مستقره الأخير؛ لم تحترم لا من الناس ولا من الطبيعة. لكن الزائر الذي يأتي ليزور قبر إتيين دينيه، يرى أيضا وهو يجتاز الوادي، تلك الشرفة من ألواح الخشب التي تطل على منبسطه المليء بالحصى.
فالرسام شاء أن يبني بغير شك منتجعا يأوي إليه، في اللحظات التي تكون فيها العزلة حاجة كل مبدع.
غير أني لا أتصور أن الفنان المبدع قد جاء إلى هذه الشرفة، ليتأمل سحر الطبيعة فحسب، ويباغت عفوية حاملات الماء، اللواتي يأتين ليملأن الجرار والقرب، في ذلك الزمن الذي لم تكن (بوسعادة) قد جرت إليها المياه.
فنصر الدين كان كامنا في أعماق إتيين دينيه، وهو قد شعر بقوة بالرابطة التي تربطه كإنسان، بذلك المجتمع الذي رسم بعظمة الفنان كل ما هو جذاب فيه، وبادره بلمسة غالبا ما تكون مؤثرة.
لقد شعر بقوة مأساة ذلك الشعب، وها هو يشارك بإدراك منه في قدره المأساوي فبؤس الشعب وسكينته قد كسبا دينيه لجانب قضيته. وها هما يكشفان اللعبة التي تحاك في الظلام.
стр. 71
فالإيمان يمنح الشعب قوة احتمال ذلك البؤس بإباء، مرسيا على قسمات الوجوه، وفي سائر الأجواء، مزيدا من السكينة والهدوء.
لقد شعر دينيه وهو رجل الفن، أي رجل الإلهام والبصيرة، أن المؤامرة تحاك بالتحديد دائما ضد القوة المسعفة؛ والتي تحول دون سقوط هذا الشعب في ظلمة اليأس.
وقد بدا له أن الاستعمار لديه هو أيضا ذلك الحدس، الذي يتصل بواقع هذا الشعب، ولذا فسائر مخططاته الموجهة تصب دائما ضد مفصل صمود الروح الجزائرية؛ الإسلام. فإذا ما سقط هذا المفصل فلن يكون هنالك ما يعوق عمل الاستعمار. وهكذا يصبح الشعب لا قبل له بدفع مؤثرات الاستعمار، أو البرء منها.
لقد كان ذلك كله يتخايل في شعور إتيين دينيه، وهو يطل من شرفته التي أهملت اليوم، وتركت لعبث الزمن، وللرياح الحادة، التي أتلفت خشب تلك الشرفة.
وربما كانت هي تلك حالة النفس، التي جعلته يترك لفترة الريشة ليحمل القلم. في تلك الحقبة كان الدكتور كرونيه، نائب (جورا) في حينه. ينزل في الاستراحة بين جلستين من جلسات قصر بوربون، ليتوضأ ويصلي على رصيف السين، تحت أنظار المارة المتسكعين الذاهلين، وهم يجتازون جسر ألكسندر. بينما كريستيان دوشرفيل الذي أعلن إسلامه هو الآخر باسم عبد الحق، يؤلف كتابه نابليون والإسلام، الذي إليه سوف يسطر إتيين دينيه إهداء كتابه (الشرق من منظار الغرب)، وفي تصدير هذا الكتاب دافع إتيين دينيه بتواضع عن كونه مدققا. ولقد كان هذا الكتاب في الواقع نتاج عالم باحث اتخذ موقفا، أو كان كما يقال اليوم ملتزما، وهو التزام فيه مجازفة الملتزم، واندفاع تهور.
لقد التزم بالضبط ضد الفرنسيين من المستشرقين، حين رفع القناع بلا رحمة عن مخططاتهم وخداعهم ضد الإسلام.
стр. 72
لقد ساوى قلمه ريشته. وحين ألف كتابه (محمد نبي الإسلام) أضحى قلمه في بعض صفحاته ريشته الأشد سحرا.
فالفنان مثله وحاله الذي يمكنه في الواقع أن يكتب صفحة غزوة تبوك.
فالدفاع عن الإسلام، وإبراز قيمته بالريشة أو بالقلم، كانا إفشالا لمناورات الاستعمار، التي أرادت أن تستغل وتستنفد سائر المصادر الروحية للبلاد الإسلامية المستعمرة؛ كالجزائر ومراكش وتونس، لتصبح شعوبها أكثر استجابة لعمله التفتيتي.
إتيين دينيه قد واجه ذلك كله بريشته وبقلمه، فهو إذن قد فعل ما لن يغفره له الاستعمار أبدا.
فوالي عام ١٩٣١ زرت متحف اللوفر، وكنت أنتظر أن أجد فيه بعضا من لوحات ذلك الرسام الكبير، الذي كان قد توفي حديثا. وأشد ما كانت خيبتي أنني لم أجد شيئا منها، وحينما عبرت عن هذه الخيبة لطالب في الفنون الجميلة، كان قد تطوع بلطف ليرشدني، فوجئت بجوابه:
لحسن الحظ أنه لا يوجد مثل تلك القباحات هنا. لست أدري إذا كانت الأمور تغيرت منذ ذلك الزمن في متحف اللوفر، ولكني أفهم اليوم بصورة أفضل تلك الأمور.
ففكرة العجوز التبسية قد راودت فكري البارحة أمام قبر إتيين دينيه؛ وهي قد فسرت لي ذلك كله. ثم إن حياة وأعمال الرسام الكبير فسرت بالمقابل تلك الفكرة المؤلمة. حتى إنه حينما حمل المركب رفاته من فرنسا، حيث توفي، فإن الإدارة قد أخذت كافة الاحتياطات بين المرفأ ومحطة الجزائر. فقد نقل إلى مثواه الأخير في (بوسعادة) خلسة، بمعزل عن علم الجماهير، عبر جلفا، إذا لم تخني الذاكرة.
стр. 73
نعم كما قالت العجوز التبسية "الويل لمن ينجدنا لأننا سنكون بلواه". لقد كان على إتيين دينيه أن يدفع هذه الضريبة.
كل ذلك أفهمه اليوم .. من الذي لم أستطع فهمه البارحة، حالة الإهمال والتلف في تلك الأماكن، التي تأمل دينيه عبرها في عمله الفني ونضاله الملتزم.
إنني لا أجرؤ على التصريح بكل ما أفكر به في هذا الموضوع؛ إنما أعلم أنه في العمق هنالك شيء من البراءة. ومن عدم الوعي من جانبنا، ولكنني مضطر أن أسجل بأن تلك البراءة وافتقاد الوعي، يبدوان وكأنهما استمرار لموقف الاستعمار من دينيه.
لن أشير هنا إلى التفاصيل التافهة. فأنا لا أدري مثلا أي يد مدنسة وضعت على صورة الرسام الصغير، المعلقة على حائط المقبرة، تحت اسمه المكتوب بخط عربي لائق، اسمه بخط لاتيني مليء بالخطأ، وكل حرف فيه يرتجف. لا ريب كان ذلك مجرد تصرف صبياني يمكن تحمله من أمي. كما لن أتحدث عن نافذة الضريح، الذي سدته يد بربرية بتلك الأحجار الصغيرة التي جمعت من حوله دون أن تكلف نفسها عناء طلائها من الداخل. لكن الذي يصدمنا أكثر إنما هو تصرفات أخرى، تشير إلى روح الجش والاستغلال والاستثمار.
فمنتجع دينيه لم يترك لعوامل الطبيعة فحسب، بل قسم وبيع مفرقا. ومن اقتناه حوله إلى مسكن على طراز مدينة الصفائح. فبابه استبدل بلوح من الصفيح المموج، يتسرب من خلاله ضوء النهار، فتلمح الممر الذي كان الرسام يجتازه، ليدلف إلى حديقته، ويأتي منتجعه فوق الوادي.
والمنتجع هذا، قد أضحى نفسه مع الحديقة ملك شخص آخر.
لم يبق لدينيه سوى ضريحه. لقد عزل عن بقية آثار دينيه، بحائط غير مورق، بل وبأية حالة!
стр. 74
هكذا جرد في حياته من الكثير، وجرد في مماته من التقدير الواجب لرفاقه.
لقد جرد ميتا من الإطار الجميل، الذي يجب أن يقبر فيه ذلك الفنان الشغف بالجمال.
لسنا في حاجة لأن نتساءل أين هي وثائقه التي لا تقدر؟ كل ما نبغيه على الأقل أن نعيد إليه ما يمكن أن يعاد إليه، وهذا يقع على عاتق الدولة الجزائرية، على عاتق أجهزة فنوننا الجميلة. وأنا أعلم أن مدير ذلك الجهاز يحترم الأشياء التي لا تقدر بقيمتها المادية، إنما تقدر بقيمتها المعنوية التاريخية.
ترجمة ع. م
стр. 75
مهمة النخبة الإفريقية (*)
على أثر انتهاء (القمة العربية) المصغرة التي عقدت مؤخرا في القاهرة. أجرى مراسل ال ( RTA) مقابلة مع الرئيس الأزهري حول موقف الدول الإفريقية في (هيئة الأمم المتحدة) أثناء مناقشة الاعتداء الإسرائيلي.
فشرح رئيس الدولة السوداني كيف أن هذا الموقف، مهما كان مخيبا لآمال العرب، إنما كان وليد تأثيرات الإمبريالية وإلحاحها ووعودها وضغوطاتها لدى تلك الدول.
ويأتي هذا الجواب في حينه لينور- كما أتمنى- قارئا من الجمهورية العربية كتب لنا تحت اسم (س. هـ) ليبلغنا مرارته من موقف المنظمة الإفريقية.
رغم ذلك، وبما أن هذا القارئ الصديق يخاطبني باسمي شخصيا حول نقطة دقيقة، وبما أنه فوق ذلك يريحنا بطلبه أن نكون (صريحين) فيما بيننا، فإن الحوار سيكون ولا شك ممتعا جدا.
ولكنني أميل- بادئ الأمر- إلى طرح سؤال عليه، قبل أن أجيب على سؤاله. فالحلم مزية الشباب، ولا شك. كما هو مزية الشعراء أيضا.
ولكن الإمبريالية سلبت العالم سحره وشاعريته. لقد سلبتنا بذلك حقنا في مزايا الشباب.
وعليه، من يسمح لإنسان من العالم الثالث أن يحلم، (بحلم الوحدة الإفريقية)، كما يقول صديقنا القارئ؟ إن كل وعينا ضروري في هذا الصراع المرير المفروض علينا. ولكنه ليس كافيا على الدوام.