بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فهذه مذكرة للمهم من مقرر السنة الثانية الثانوية في المعاهد العلمية في التوحيد على العقيدة الواسطية ل شيخ الإسلام ابن تيميه ، نسأل الله أن ينفع بها كما نفع بأصلها إنه جواد كريم.
شيخ الإسلام ابن تيمية:
هو العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين احمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيميه، ولد في حرّان في العاشر من ربيع الأول سنة ٦٦١هـ، ثم تحولت عائلته إلى دمشق فكانت موطن إقامته، وقد كان ﵀ عالما كبيراً، وعلماً منيراً ومجاهداً شهيراً، جاهد في الله بعقله وفكره، وعلمه وجسمه، وكان قوي الحجة لا يصمد أحد لمحاجته، ولا تأخذه في الله لومه لائم إذا بأن له الحق أن يقول به؛ ومن ثم حصلت له محن ٌ من ذوي السلطان والجاه، فحبس مرارا وتوفي محبوساً في
стр. 2
قلعة دمشق في ٢٠من شوال ٧٢٨هـ.
العقيدة الواسطية:
كتاب مختصر جامع لعقيدة أهل السنة والجماعة من أسماء الله وصفاته، وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وما يتصل بذلك من طريقة أهل السنة العلمية، وسبب تأليفها أن بعض قضاة واسط شكوا إلى شيخ الإسلام ابن تيميه ما كان عليه الناس من بدع وضلال، وطلب منه أن يكتب عقيدة مختصرة تبين طريقة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وغير ذلك مما سيذكر في تلك العقيدة، ولذلك سميت العقيدة الواسطية.
أهل السنة والجماعة:
هم من كان على مثل ما عليه النبي ﷺ وأصحابه اعتقاداً وقولاً وعملاً، وسمو بذلك لتمسكهم ولاجتماعهم عليها.
اعتقاد أهل السنة والجماعة:
هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
стр. 3
• فالإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته،
• والإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بوجودهم، والإيمان باسم من علم اسمه كجبريل، والإيمان بصفة من علم وصفه كجبريل أيضا. والإيمان بأعمالهم ووظائفهم مثل عمل جبريل ينزل بالوحي، ومالك خازن النار.
• الإيمان بالكتب يتضمن تصديق كونها من عند الله وتصديق ما أخبرت به، والإيمان بأسماء ما علم منها كالتوراة، وما لم يعلم فيؤمن به إجمالا، والتزام أحكامها إذا لم تنسخ.
• والإيمان بالرسل يتضمن الإيمان بأنهم صادقون في رسالتهم، وبأسماء من علمت أسماؤه منهم، وما لم يعلم فيؤمن به إجمالا، وتصديق ما اخبروا به والتزام أحكام شرائعهم غير المنسوخة، والشرائع السابقة كلها منسوخة بشريعة محمد ﷺ .
• والإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت.
стр. 4
• والإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بأن كل شيء واقع بقضاء الله وقدره.
طريقة أهل السنة في أسماء الله وصفاته:
طريقتهم إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
التحريف:
التحريف لغة: التغيير، واصطلاحا: تغيير لفظ النص أو معناه.
مثال تغيير اللفظ: تغيير قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيما) (النساء: الاية١٦٤). من رفع الجلالة إلى نصبها فيكون التكليم من موسى لا من الله.
ومثال تغيير المعنى: تغيير معنى استواء الله على عرشه من العلو والاستقرار إلى الاستيلاء والملك؛ لينتفي عنه معنى الاستواء الحقيقي.
التعطيل:
التعطيل لغة ً: الترك والتخلية، واصطلاحا: إنكار ما يجب
стр. 5
لله من الأسماء والصفات، إما كليا كتعطيل الجهمية، وأما جزئيا كتعطيل الأشعرية الذين لم يثبتوا من صفات الله إلا سبع صفات، مجموعة في قوله:
حي عليم قدير والكلام له
إرادة وكذاك السمع والبصر
التكييف والتمثيل والفرق بينهما:
التكييف إثبات كيفية الصفة كأن يقول: استواء الله على عرشه كيفيته كذا وكذا، والتمثيل إثبات مماثل للشيء كأن يقول: يد الله مثل يد الإنسان.
والفرق بينهما أن التمثيل ذكر الصفة مقيدة بمماثل، والتكييف ذكرها غير مقيدة به.
حكم هذه الأربعة المتقدمة:
كلها حرام ومنها ما هو كفر أو شرك، ومن ثم كان أهل السنة والجماعة متبرئين من جميعها.
الواجب في نصوص الأسماء والصفات:
الواجب إجراؤها على ظاهرها وإثبات حقيقتها لله على الوجه اللائق به؛ وذلك لوجهين:
стр. 6
١. إن صرفها عن ظاهرها مخالف لطريقة النبي ﷺ وأصحابه.
٢. أن صرفها إلى المجاز قول على الله بلا علم وهو حرام.
أسماء الله وصفاته توقيفية، وهي من المحكم من وجه ومن المتشابه من وجه.
أسماء الله وصفاته توقيفية، والتوقيفي ما توقف إثباته أو نفيه على الكتاب والسنة، بحيث لا يجوز إثباته ولا نفيه إلا بدليل منهما، فليس للعقل في ذلك مجال لأنه شيء وراء ذلك.
وأسماء الله وصفاته من المحكم في معناها؛ فإن معناها معلوم، ومن المتشابه في حقيقتها؛ لان حقائقها لا يعلمها إلا الله. والمحكم ما كان واضحاً وعكسه المتشابه.
أسماء الله تعالى غير محصورة: أسماء الله غير محصورة بعدد معين؛ لقوله ﷺ في الدعاء المأثور (أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) (١). وما استأثر الله بعلمه فلا سبيل إلى
стр. 7
حصره والإحاطة به. والجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : (،، لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة) (١). إن معنى هذا الحديث: أن من أسماء الله تسعة وتسعين اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة، فلا ينافي أن يكون له أسماء أخرى غيرها، ونظير ذلك أن تقول: عندي خمسون درعا أعددتها للجهاد، فلا ينافي،، يكون عندك دروع أخرى. ومعنى إحصاء أسماء الله أن يعرف لفظها ومعناها، ويتعبد لله بمقتضاها.
كيف يتم الإيمان بأسماء الله ؟:
إذا كان الاسم متعديا فتمام الإيمان به إثبات الاسم وإثبات الصفة التي تضمنها، وإثبات الأثر الذي يترتب عليه، مثل: (الرحيم) فتثبت الاسم وهو الرحيم، والصفة وهي الرحمة، والأثر وهو انه سبحانه يرحم بهذه الرحمة.
стр. 8
وان كان الاسم لازماً فتمام الإيمان به إثباته وإثبات الصفة التي تضمنها، مثل: (الحي) تثبت الاسم وهو الحي والصفة وهي الحياة. وعلى هذا فكل اسم متضمن لصفة ولا عكس.
صفات الله تعالى باعتبار الثبوت وعدمه:
تنقسم إلى قسمين: ثبوتيه وهي التي أثبتها الله لنفسه، كالحياة والعلم، وسلبية وهي التي نفاها الله عن نفسه، كالإعياء والظلم.
والصفة السلبية يجب الإيمان بما دلت عليه من نفي وإثبات كمال ضده، فقوله تعالى: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحدا) (الكهف: الاية٤٩). يجب الإيمان بانتفاء الظلم عن الله وثبوت ضده وهو العدل الذي لا ظلم فيه.
صفات الله باعتبار الدوام والحدوث:
تنقسم إلى قسمين: صفات دائمة لم يزل ولا يزال متصفاً بها، كالعلم والقدرة، وتسمى صفات ذاتية، وصفات تتعلق بالمشيئة إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، كنزوله إلى السماء الدنيا، وتسمى صفات فعلية.
وربما تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين، كالكلام، فانه
стр. 9
بالنظر إلى أصله صفة ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال متكلماً، وباعتبار آحاده وأفراده التي يتكلم بها شيئًا فشيئًا صفة فعلية لأنه يتعلق بمشيئته.
الإلحاد:
الإلحاد لغة ً: الميل، واصطلاحاً الميل عما يجب اعتقاده أو عمله، ويكون في أسماء الله لقوله تعالى: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسمائه) (الأعراف: الاية١٨٠)
ويكون في آيات الله لقوله تعالى: (إن الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) (فصلت: الاية٤٠).
وأنواع الإلحاد في أسماء الله أربعة:
١ - أن ينكر شيئا منها أو من ما تضمنته من الصفات كما فعل الجهمية.
٢ - أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه، كما سماه النصارى أبا.
٣ - أن يعتقد دلالتها على مماثلة الله لخلقه كما فعل المشبهة.
٤ - أن يشتق منها أسماء للأصنام كاشتقاق المشركين العُزى من العزيز.
стр. 10
وأما الإلحاد في آيات الله نوعان:
١ - الإلحاد في الآيات الكونية التي هي المخلوقات، وهو إنكار انفراد الله بها، بأن يعتقد إن أحدا انفرد بها أو ببعضها دونه، وأن معه مشاركاً في الخلق أو معيناً.
٢ - الإلحاد في الآيات الشرعية التي هي الوحي النازل على الأنبياء، وهو تحريفها أو تكذيبها أو مخالفتها.
طريقة القرآن والسنة في صفات الله من حيث الإجمال والتفصيل:
طريقة القرآن والسنة هي الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات غالباً لأن الإجمال في النفي أكمل واعم من التنزيه من التفصيل، والتفصيل في الإثبات أبلغ وأكثر في المدح من الإجمال؛ ولذلك تجد الصفات الثبوتية كثيرة في الكتاب والسنة كالسميع البصير، والعليم القدير، والغفور الرحيم .... الخ.
أما الصفات السلبية فهي قليلة مثل: نفي الظلم، والتعب والغفلة، والولادة، والمماثل والند والمكافئ.
стр. 11
سورة الإخلاص:
هي: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد*اللَّهُ الصَّمَدُ*لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحد) (الاخلاص١ - ٤). وسميت به؛ لأن الله أخلصها لنفسه، فلم يذكر فيها إلا ما يتعلق بأسمائه وصفاته، ولأنها تخلص قارئها من الشرك والتعطيل.
وسبب نزولها أن المشركين قالوا للنبي ﷺ : انسب لنا ربك من أي شيء هو. وصح عن النبي ﷺ أنها تعدل ثلث القرآن (١). وذلك لأن القرآن يتضمن الإخبار عن الله، والإخبار عن مخلوقاته، والإحكام وهي الأوامر والنواهي، وسورة الإخلاص تضمنت النوع الأول وهو الإخبار عن الله، وفيها من أسماء الله: (الله) (الأحد) (الصمد). فـ (الله) هو المألوه المعبود حبا وتعظيما و (الأحد) هو
стр. 12
المنفرد عن كل شريك ومماثل و (الصمد) الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته.
وفيها من صفات الله ما تضمنته الأسماء السابقة:
١. الألوهية ٢. الأحادية
٣. الصمدية ٤. نفي الولد منه، لأنه غني عن الولد ولا مثيل له.
٥. نفي أن يكون مولودا، لأنه خالق كل شيء وهو الأول الذي ليس قبله شيء.
٦. نفي المكافئ له وهو المماثل له في الصفات؛ لأن الله ليس كمثله شيء لكمال صفاته.
آية الكرسي:
آية الكرسي هي قوله تعالى: (اللَّهُ لا الَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تأخذه سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأرض مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بإذنه يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيديهم وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ وَالأرض وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: ٢٥٥).
وسميت آية الكرسي لذكر الكرسي فيها، وهي أعظم آية في كتاب الله، من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا
стр. 13
يقربه الشيطان حتى يصبح، وتضمنت من أسماء الله: (الله) وتقدم معناه (الحي) (القيوم) (العلي) (العظيم).
فالحي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لأكمل الصفات التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال.
والقيوم: هو القائم بنفسه القائم على غيره، فهو غني عن كل شيء وكل شيء محتاج إليه.
والعلي: هو العالي بذاته فوق كل شيء، العالي بصفاته كمالا فلا يلحقه عيب ولا نقص.
والعظيم: ذو العظمة وهي الجلال والكبرياء.
وتضمنت من صفات الله خمس صفات تضمنتها الأسماء السابقة:
٦. انفراد الله بالألوهية.
٧. نفي النوم والسنة وهي النعاس عنه لكمال حياته وقيوميته.
٨. انفراده بالملك الشامل لكل شيء: (لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض).
٩. كمال عظمته وسلطانه حيث لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.
١٠. كمال علمه وشموله لكل شيء: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ ايْدِيهِمْ).
стр. 14
وهو الحاضر والمستقبل (وَمَا خَلْفَهُم) وهو الماضي.
١١. المشيئة.
١٢. كمال قدرته بعظم مخلوقاته (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاواتِ وَالأرض).
١٣. كمال علمه وقدرته وحفظه ورحمته من قوله: (وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي لا يثقله ولا يعجزه.
الكرسي:
الكرسي موضع قدمي الرحمن ، وهو من أعظم المخلوقات كما جاء في الحديث: (ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي إلا كحلقةٍ ألقيت في فلاة من الأرض، وان فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة) (١). وهذا يدل على عظمة الخالق .
стр. 15
والكرسي غير العرش؛ لأن الكرسي موضع القدمين (١). والعرش هو الذي استوي عليه الله؛ ولأن النصوص دلت على المغايرة بينهما.
معنى قوله تعالى: (هُوَ الأولُ وَالآخر وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد: ٣).
هذه الأسماء الأربعة فسرها النبي ﷺ بان (الأول) الذي ليس قبله شيء و (الآخر) الذي ليس بعده شيء و (الظاهر) الذي ليس فوقه شيء و (الباطن) الذي ليس دونه شيء (٢). وقوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي محيط علمه بكل شيء جملة ً وتفصيلا.
علم الله:
العلم إدراك الشيء على حقيقته، وعلم الله تعالى كامل
стр. 16
محيط بكل شيء جملة ً وتفصيلا. فمن أدلة العلم الجملي قوله تعالى: (وَالله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النساء: ١٧٦). ومن أدلة العلم التفصيلي قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرض وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: ٥٩). ومن أدلة علم الله بأحوال خلقه قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (البقرة: الاية٢٨٣). (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرض إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: ٦).
مفاتح الغيب:
مفاتح الغيب خزائنه أو مفاتيحه، وهي المذكورة في قوله: (إن اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بأي ارْضٍ تَمُوتُ أن اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان: ٣٤). والخبير هو العليم ببواطن الأمور.
القدرة:
القدرة هي التمكن من الفعل بلا عجز، وقدرة الله شاملة
стр. 17
كل شيء، ودليلها قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: الاية٢٨٤).
القوة:
القوة هي التمكن من الفعل بلا ضعف، ودليلها قوله تعالى: (إن اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات: ٥٨). والمتين الشديد القوة، والفرق بينها وبين القدرة إنها أخص من القدرة من وجه وأعم من وجه، فهي بالنسبة للقادر ذي الشعور أخص؛ لأنها قدرة وزيادة. وهي بالنسبة لعموم مكانها أعم، لأنها يوصف بها ذو الشعور وغيره، فيقال للحديد مثلا: قوي ولا يقال له قادر.
الحكمة ومعنى الحكيم:
الحكمة: هي وضع الأشياء في مواضعها على وجه متقن، ودليل اتصاف الله بها قوله: (وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (التحريم: الاية٢).
وللحكيم معنيان: أحدهما: أن يكون بمعنى ذي الحكمة، فلا يأمر بشيء ولا يخلق شيئا إلا لحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة.
стр. 18
والثاني: أن يكون بمعنى الحاكم الذي يحكم بما أراد ولا معقب لحكمه.
أنواع حكمة الله:
حكمة الله نوعان: شرعية وكونية.
فالشرعية محلها الشرع وهو ما جاءت به الرسل من الوحي؛ فكله في غاية الإتقان والمصلحة.
والكونية محلها الكون أي مخلوقات الله، فكل ما خلقه الله فهو في غاية الإتقان والمصلحة.
أنواع حُكم الله:
حكم الله نوعان: كوني وشرعي.
فالكوني ما يقضي به الله تقديراً وخلقاً، ودليله قوله تعالى عن أحد إخوة يوسف: (فَلَنْ ابْرَحَ الأرض حَتَّى يَأذَنَ لِي أبي أو يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) (يوسف: الاية٨٠).
والشرعي ما يقضي به الله شرعاً، ودليله قوله تعالى: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) (الممتحنة: الاية١٠).
الرزق:
الرزق إعطاء المرزوق ما ينفعه، ودليله قوله تعالى: (إن
стр. 19
اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ) (الذاريات: ٥٨). (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرض إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود: الاية٦).
وهو نوعان عام وخاص. فالعام ما يقوم به البدن من طعام وغيره، وهو شامل لكل مخلوق والخاص ما يصلح به القلب من الإيمان والعلم والعمل الصالح.
مشيئة الله:
مشيئة الله هي إرادته الكونية، وهي عامة لكل شيء من أفعاله وأفعال عباده، والدليل قوله تعالى في أفعال الله: (وَلَوْ شِئْنَا لَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (السجدة: الاية١٣). والدليل في أفعال العباد قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوه) (الأنعام: الاية١٣٧).
إرادة الله وأقسامها:
إرادة الله صفة من صفاته، وتنقسم إلى قسمين:
كونية: وهي التي بمعنى المشيئة.
وشرعية: وهي التي بمعنى المحبة.
стр. 20
فدليل الكونية قوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام) (الأنعام: الاية١٢٥). ودليل الشرعية قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء: ٢٧).
الفرق بين الإرادة الكونية والشرعية:
الفرق بينهما أن الكونية لا بد فيها من وقوع المراد، وقد يكون المراد فيها محبوبا إلى الله، وقد يكون غير محبوب، وأما الشرعية فلا يلزم فيها وقوع المراد، ولا يكون المراد فيها إلا محبوبا لله.
محبة الله.
محبة الله صفة من صفاته الفعلية، ودليلها قوله تعالى: (فَسَوْفَ يأتي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) (المائدة: الاية٥٤). وقوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج: ١٤). والود خالص المحبة، ولا يجوز تفسير المحبة بالثواب؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.
المغفرة والرحمة:
الدليل على ثبوت صفة المغفرة والرحمة لله قوله تعالى:
стр. 21
(وَكَان اللَّهُ غَفُورا رَحِيما) (النساء: الاية٩٦). والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه.
والرحمة صفة تقتضي الإحسان والإنعام، وتنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة هي الشاملة لكل أحد ودليلها قوله تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف: الاية١٥٦). (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما) (غافر: الاية٧).
والخاصة هي التي تختص بالمؤمنين، ودليلها قوله تعالى: (وَكَان بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيما) (الأحزاب: الاية٤٣). ولا يصح تفسير الرحمة بالإحسان؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، ولا دليل عليه.
الرضا والغضب والكراهة والمقت والأسف:
الرضا صفة من صفات الله مقتضاها محبة المرضي عنه والإحسان إليه، ودليلها قوله تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (المائدة: الاية١١٩).
والغضب صفة من صفات الله مقتضاها كراهة المغضوب عليه والانتقام منه، وقريب منها صفة السخط، ودليل اتصاف
стр. 22
الله بهما قوله تعالى: (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ) (النساء: الاية٩٣). (ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا اسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانهُ) (محمد: الاية٢٨). والكراهة صفة من صفات الله الفعلية مقتضاها إبعاد المكروه ومعاداته، والدليل عليها قوله تعالى: (ً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ) (التوبة: ٤٦). والمقت أشد البغض والبغض قريب من معنى الكراهية ودليل المقت قوله تعالى: (كَبُرَ مَقْتا عِنْدَ اللَّهِ أن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٣)
والأسف له معنيان:
أحدهما: الغضب، وهذا جائز على الله، والدليل قوله: (فَلَمَّا اسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ). أي: أغضبونا. والثاني: الحزن، وهذا لا يجوز على الله، ولا يصح أن يوصف به؛ لأن الحزن صفة نقص والله منزه عن النقص.
ولا يجوز تفسير الرضا بالثواب، والغضب بالانتقام، والكراهة والمقت بالعقوبة، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.
стр. 23
المجيء والإتيان:
المجيء والإتيان من صفات الله الفعلية، وهما ثابتتان لله على الوجه اللائق به، ودليلهما قوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّا صَفّا) (الفجر: ٢٢). وقوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ أن يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ) (البقرة: الاية٢١٠). ولا يصح تفسيرهما بمجيء أو إتيان أمره، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف ولا دليل عليه. والمراد بقوله تعالى: (أو يأتي بَعْضُ آيات رَبِّكَ) (الأنعام: الاية١٥٨). طلوع الشمس من مغربها الذي به تنقطع التوبة كما جاء تفسيره بذلك مرفوعا إلى النبي ﷺ .
ووجه ذكر المؤلف من أدلة مجيء الله قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا) (الفرقان: ٢٥). مع أنه ليس في الآية ذكر المجيء: أن تشقق السماء بالغمام وتنزيل الملائكة إنما يكونان عند مجيء الله للقضاء بين عباده؛ فيكون من باب الاستدلال بأحد الأمرين على الآخر لما بينهما من التلازم.
стр. 24
الوجه:
الوجه صفة من صفات الله الذاتية الثابتة له حقيقة ً على الوجه اللائق به، ودليله قوله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالاكْرَامِ) (الرحمن: ٢٧). والجلال العظمة، والإكرام إعطاء الطائعين ما أعد لهم من الكرامة. ولا يجوز تفسير الوجه بالثواب، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.
اليد:
إن يدي الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة ً على الوجه اللائق به، يبسطهما كيف يشاء ويقبض بهما ما شاء، ودليلهما قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان) (المائدة: الاية٦٤). و (مَا مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ) (ص: الاية٧٥).
ولا يجوز تفسير اليدين بالقوة، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل. وفي السياق ما يمنعه وهو التثنية؛ لأن القوة لا يوصف الله بها بصيغة التثنية.
العين:
إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقةً على الوجه
стр. 25
اللائق به، ينظر بهما ويبصر ويرى، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: الاية٣٩). (تَجْرِي بأعيننا) (القمر: الاية١٤). ولا يجوز تفسيرهما بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين، لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله ولا دليل عليه.
والجواب عن تفسير بعض السلف قوله تعالى: (تَجْرِي بِاعْيُنِنَا) اي بمرأى منا: أنهم لم يريدوا بذلك نفي حقيقة معنى العين، وإنما فسروها باللازم مع إثباتهم العين، وهذا لا باس به بخلاف الذين يفسرون العين بالرؤية وينكرون حقيقة العين.
الوجوه التي وردت عليها صفتا اليدين والعينين:
وردت هاتان الصفتان على ثلاثة أوجه: إفراد، وتثنية، وجمع، فمثال الإفراد قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) (الملك: الاية١). وقوله تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (طه: الاية٣٩). ومثال التثنية قوله تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان) (المائدة: الاية٦٤). وفي الحديث: (إذا قام أحدكم يصلى فانه بين عيني
стр. 26
الرحمن) (١). ومثال الجمع قوله تعالى: (أولَمْ يَرَوْا أنا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أيدينا انعَأما) (يس: الاية٧١). وقوله تعالى: (تَجْرِي بأعيننا) (القمر: الاية١٤).
والجمع بين هذه الوجوه انه لا منافاة بين الإفراد والتثنية؛ لأن المفرد المضاف يعم، فإذا قيل: يد الله وعين الله شمل كل ما ثبت له من يد أو عين، وأما التثنية والجمع فلا منافاة بينهما أيضا؛ لأن المقصود بالجمع هنا التعظيم وهو لا ينافي التثنية.
السمع:
سمع الله تعالى من الصفات الثابتة له حقيقة ً على الوجه اللائق به، ودليله: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: من الاية١٣٧). وينقسم على قسمين:
الأول: بمعنى الإجابة، وهذا من الصفات الفعلية، ومثاله
стр. 27
قوله تعالى: (ان رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (إبراهيم: من الاية٣٩).
والثاني: بمعنى إدراك المسموع، وهذا من الصفات الذاتية، مثال قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (المجادلة: الاية١).
وهذا القسم قد يراد به أيضا النصر والتأييد كقوله تعالى لموسى وهارون: (إنني مَعَكُمَا اسْمَعُ وَأرَى) (طه: الاية٤٦). وقد يراد به أيضا التهديد كقوله تعالى: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أغنياء) (آل عمران: الاية١٨١). وقوله تعالى: (أم يَحْسَبُونَ أنا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى) (الزخرف: الاية٨٠).
الرؤية:
الرؤية صفة من صفات الله الذاتية الثابتة له حقيقة ً على الوجه اللائق به، وتنقسم إلى قسمين: أحدهما بمعنى البصر وهو إدراك المرئيات والمبصرات، ودليلها قوله تعالى: (إنني مَعَكُمَا اسْمَعُ وَأرَى) (طه: من الاية٤٦). وقوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الاية١١).
القسم الثاني: الرؤية بمعنى العلم، ودليلها قوله تعالى:
стр. 28
(انهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدا *وَنَرَاهُ قَرِيبا) (المعارج: ٦ - ٧). أي نعلمه.
والقسم الأول من الرؤية قد يراد به أيضا النصر والتأييد مثل قوله تعالى: (لا تَخَافَا إنني مَعَكُمَا أسْمَعُ وَأرَى) (طه: الاية٤٦). وقد يراد به أيضا التهديد كقوله تعالى: (الَمْ يَعْلَمْ بأن اللَّهَ يَرَى) (العلق: ١٤).
المكر والكيد والمِحَال:
معنى هذه الكلمات الثلاثة متقارب وهو: التوصل بالأسباب الخفية إلى الانتقام من العدو.
ولا يجوز وصف الله بها وصفا مطلقاً بل مقيداً؛ لأنه عند الإطلاق تحتمل المدح والذم، والله سبحانه منزه عن الوصف بما يحتمل الذم، وأما عند التقييد بأن يوصف الله بها على وجه تكون مدحا لا يحتمل الذم دالاً على علمه وقدرته وقوته، فهذا جائز؛ لأنه يدل على كمال الله.
والدليل على اتصاف الله تعالى بهذه الصفات قوله تعالى: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال: الاية٣٠). وقوله تعالى: (إنهم يَكِيدُونَ كَيْدا * وأكيد كَيْدا) (الطارق: ١٥ - ١٦). وقوله تعالى: (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ)
стр. 29
(الرعد: الاية١٣). ويكون المكر والكيد والمحال صفة مدح إذا كان لإثبات الحق وإبطال الباطل، وتكون ذما فيما عدا ذلك.
ولا يجوز أن يشتق من هذه الصفات أسماء الله فيقال: الماكر والكائد؛ لأن أسماء الله الحسنى لا تحتمل الذم بأي وجه، وهذه عند إطلاقها تحتمل الذم كما سبق.
العفو:
العفو هو المتجاوز عن سيئات الغير؛ وهو من أسماء الله، ودليله قوله تعالى: (وَكَان اللَّهُ عَفُوّا غَفُورا) (النساء: من الاية٩٩).
من نصوص الصفات السلبية:
سبق أن صفات الله الثبوتية: هي التي أثبتها الله لنفسه، والسلبية: هي التي نفاها عن نفسه، وان كل صفة سلبية فإنها تتضمن صفة مدح ثبوتية. وقد ذكر المؤلف ﵀ آيات كثيرة في الصفات السلبية منها: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّا) (مريم: الاية٦٥) (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحد) (الإخلاص: ٤). (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ اندَادا) (البقرة: الاية٢٢). والسمي والكفء والند معناها متقارب وهو الشبيه والنظير، ونفي ذلك عن الله يتضمن انتفاء ما ذكر
стр. 30
وإثبات كماله حيث لا يشابهه أحد لكماله. ومنها قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرا) (الإسراء: ١١١). فأمر الله بحمده لانتفاء صفات النقص عنه وهي اتخاذ الولد، ونفيه عن الله يتضمن مع انتفائه كمال غناه. ونفي الشريك عن الله يتضمن كمال وحدانيته وقدرته، ونفي الولي عنه من الذل يتضمن كمال عزه وقهره. ونفي الولي هنا لا ينافي إثباته في موضع آخر كقوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ امَنُوا) (البقرة: الاية٢٥٧). وقوله: (ألا أن أولِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) (يونس: الاية٦٢). لأن الولي المنفي هو الولي الذي سببه الذل، أما الولي بمعنى الولاية فليس بمنفي. ومنها قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض) (الجمعة: الاية١). والتسبيح تنزيه الله عن النقص والعيب، وذلك يتضمن كمال صفاته.
وفي الآية دليل على أن كل شيء يسبح الله تسبيحاً حقيقياً بلسان الحال والمقال إلا الكافر؛ فإن تسبيحه بلسان الحال فقط؛ لأنه يصف الله بلسانه بما لا يليق بالله .
стр. 31
ومنها قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَان مَعَهُ مِنْ الَهٍ إذاً لَذَهَبَ كُلُّ الَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَان اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (المؤمنون: ٩١). ففي هذه الآية نفي اتخاذ الولد ونفي تعدد الآلهة، وتنزيه الله عما وصفه به المشركون، وهذا يتضمن مع انتفاء ما ذكر كمال الله وانفراده بما هو من خصائصه، وقد برهن الله على امتناع تعدد الآلهة ببرهانين عقليين:
أحدهما: لو كان معه إله لانفرد عن الله بما خلق. ومن المعلوم عقلاً وحِساً أن نظام العالم واحد لا يتصادم ولا يتناقض، وهو دليل على أن مدبره واحد.
والثاني: لو كان مع الله إله آخر لطلب أن يكون العلو له، وحينئذٍ إما أن يغلب أحدهما الآخر فيكون هو الإله، وإما أن يعجز كل منهما عن الآخر فلا يستحق واحد منهما أن يكون إلهاً، لأنه عاجز. ومنها قوله تعالى: (قُلْ إنما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣). وهذه المحرمات
стр. 32
الخمس أجمعت عليها الشرائع، وفيها إثبات الحكمة وإثبات الغيرة له لأنه حرم هذه الأمور. ومعنى قوله: (مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا) أي ما لم ينزل به دليلاً، وهو قيد لبيان الواقع؛ لأنه لا يمكن أن يقوم الدليل على الإشراك بالله، وعلى هذا فلا مفهوم له.
وفي هذه الآية رد على المشبهة في قوله: (وَان تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا) لأن المشبهة أشركوا به حيث شبهوه بخلقه. وفيها رد على المعطلة في قوله تعالى: (وَأن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) لان المعطلة قالوا على الله مالا يعلمون، حيث نفوا صفاته عنه بحجج باطلة، وهذا هو وجه مناسبة ذكر هذه الآية في العقيدة.
العلو وأقسامه:
العلو: الارتفاع. وأقسام علو الله تعالى ثلاثة:
١. علو الذات، ومعناه أن الله بذاته فوق خلقه.
٢. علو القدر، ومعناه أن الله ذو قدر عظيم لا يساويه فيه أحد
стр. 33
من خلقه، ولا يعتريه معه نقص.
٣. علو القهر، ومعناه أن الله تعالى قهر جميع المخلوقات فلا يخرج أحد منهم عن سلطانه وقهره.
وأدلة العلو: الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فمن الكتاب قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة: الاية٢٥٥). ومن السنة قوله ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء) (١). وإقراره الجارية حين سألها: (أين الله؟ قالت: في السماء)، فلم ينكر عليها، بل قال لسيدها:) أعتقها فإنها مؤمنة) (٢).
وفي حجة الوداع أشهد النبي ﷺ ربه على إقرار أمته بالبلاغ، وجعل يرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكتها إلى الناس وهو يقول: (اللهم اشهد) (٣).
وأما الإجماع على علو الله فهو معلوم بين السلف ولم
стр. 34
يُعلم أن أحدا منهم قال بخلافه.
وأما العقل فلأن العلو صفة كمال، والله سبحانه متصف بكل كمال، فوجب ثبوت العلو له.
وأما الفطرة فإن كل إنسان مفطور على الإيمان بعلو الله، ولذلك إذا دعا ربه وقال: يارب، لم ينصرف قلبه إلا إلى السماء. والذي أنكره الجهمية من أقسام العلو علو الذات ونرد عليهم بما سبق في الأدلة (١).
استواء الله على عرشه:
معنى استواء الله على عرشه علوه واستقراره عليه، وقد جاء عن السلف تفسيره بالعلو والاستقرار والصعود والارتفاع، والصعود والارتفاع يرجعان إلى معنى العلو. ودليله قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه: ٥). وقد ذكر في سبعة مواضع من القرآن في سورة الأعراف،
стр. 35
ويونس، والرعد، وطه، والفرقان، وتنزيل السجدة، والحديد. وأرد على من فسره بالاستيلاء والملك بما يأتي:
١. أنه خلاف ظاهر النص.
٢. أنه خلاف ما فسره به السلف.
٣. أنه يلزم عليه لوازم باطلة.
والعرش لغةً: سرير الملك الخاص به. وشرعاً: ما استوى الله عليه، وهو من أعظم مخلوقات الله، بل أعظم ما علمنا منها، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة إلى الكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة) (١). فتبارك الله رب العالمين.
المعية والجمع بينها وبين العلو:
المعية لغةً: المقارنة والمصاحبة. ودليل ثبوت المعية لله قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أين مَا
стр. 36
كُنْتُمْ) (الحديد: الاية٤). وتنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة هي: الشاملة لجميع الخلق كقوله تعالى:: (وَهُوَ مَعَكُمْ أين مَا كُنْتُمْ). ومقتضى المعية هنا الإحاطة بالخلق علماً وقدرة ً وسلطاناً وتدبيراً.
والخاصة هي: التي تختص بالرسل وأتباعهم كقوله تعالى: (لا تَحْزَنْ أن اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة: الاية٤٠). وقوله: (إن اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل: ١٢٨). وهذه المعية تقتضي مع الإحاطة النصر والتأييد.
والجمع بين المعية والعلو وجهين:
أولاً: أنه لا منافاة بينهما في الواقع، فقد يجتمعان في شيء واحد، ولذلك تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا مع أنه في السماء.
الثاني: أنه لو فرض أن بينهما منافاة في حق المخلوق لم يلزم أن يكون بينهما منافاة في حق الخالق؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو بكل شيء محيط.
ولا يصح تفسير معية الله بكونه معنا بذاته في المكان.
стр. 37
أولا: لأنه مستحيل على الله حيث ينافي علوه، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها.
ثانيا: أنه خلاف ما فسرها به السلف.
ثالثا: أنه يلزم على هذا التفسير لوازم باطلة.
معنى كون الله في السماء:
معناه على السماء أي فوقها، فـ (في) بمعنى (على) كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرض) (الأنعام: الاية١١). أي عليها، ويجوز أن تكون (في) للظرفية فالسماء على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى أن الله في العلو، وقد جاء السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: (انزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء) (الرعد: الاية١٧)
ولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛ لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
قول أهل السنة في كلام الله تعالى:
قول أهل السنة في كلام الله: أنه صفة من صفاته لم يزل ولا
стр. 38
يزال يتكلم بكلام حقيقي بصوت لا يشبه أصوات المخلوقين وحروف. يتكلم بما شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأدلتهم على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيما) (النساء: الاية١٦٤). وقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (الأعراف: من الاية١٤٣). والدليل على أنه بصوت قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الأيمن وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّا) (مريم: ٥٢). ومن السنة قوله ﷺ : (يقول الله تعالى: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، فيقول: يا ربي، وما بعث النار). الحديث متفق عليه (١) ودليلهم على انه بحروف قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا ادَمُ اسْكُنْ أنت وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة: الاية٣٥). فمقول القول هنا حروف.
ودليلهم على انه بمشيئة قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى
стр. 39
لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (الأعراف: الاية١٤٣). فالتكليم حصل بعد مجيء موسى ﵊.
وكلام الله صفة ذات باعتبار أصله، فإن الله لم يزل ولا يزال قادراً على الكلام متكلماً، وصفة فعل باعتبار آحاده، لأن آحاد الكلام تتعلق بمشيئته متى شاء تكلم. وأكثر المؤلف من ذكر أدلة الكلام، لأنه أكثر ما حصلت فيه الخصومة ووقعت به الفتنة من مسائل الصفات.
قول أهل السنة في القرآن الكريم:
يقولون: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود؛ فدليلهم على انه كلام الله قوله تعالى: (وَإن أحد مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) (التوبة: الاية٩). يعني القرآن. ودليلهم على أنه منزل قولهم: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ) (الفرقان: الاية١). وقوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ انزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام: ١٥٥). والدليل على أنه غير مخلوق قوله تعالى: (ألا لَهُ الْخَلْقُ والأمر) (الأعراف: الاية٥٤). فجعل الأمر غير الخلق، والقرآن من
стр. 40
الأمر؛ لقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أوحَيْنَا الَيْكَ رُوحا مِنْ امْرِنَا) (الشورى: الاية٥٢). ولأن القرآن من كلام الله؛ وكلام الله صفة من صفاته؛ وصفات الله غير مخلوقة.
ومعنى (منه بدا) أن الله تكلم به ابتداءً. ومعنى (وإليه يعود) أنه يرجع إلى الله في آخر الزمان حينما يرفع من المصاحف والصدور؛ تكريما له إذا اتخذه الناس هزوا ولهوا.
السنة:
السنة لغة ً: الطريقة، وسنة النبي ﷺ شريعته من قوله أو فعله أو إقراره خبر كانت أو طلباً.
والإيمان بما جاء فيها واجب كالإيمان بما جاء في القرآن، سواء في أسماء الله وصفاته أو في غيرها؛ لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (الحشر: الاية٧). وقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ اللَّهَ) (النساء: الاية٨٠).
وقد ورد في السنة صفات ليست في القرآن:
فمنها نزول الله إلى السماء الدنيا ودليله قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقي ثلث الليل الأخير